عبد الكريم بن صالح الحميد، ١٤٢٧هـ
فهرست مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الحميد، عبد الكريم بن صالح بن عبد الكريم
معرفة المأمور به والمحذور في زيارة القبور / عبد الكريم بن صالح الحميد - بريدة، ١٤٢٧هـ
٦٣ ص؛ ١٢× ١٧ سم
ردمك: ٥ - ٠٣٢ - ٥٦ - ٩٩٦٠
١ - زيارة القبور ٢ - الشِّرك بالله ٣ - البِدَع في الإسلام أ. العنوان
ديوي ٤٤, ٢٥٩ ٣٦٩٨/ ١٤٢٧
حقوق الطبع محفوظة إلا لمن أراد طبعه وتوزيعه مجاناً
فجزاه الله خيراً ونفع به
رقم الإيداع: ٣٦٩٨/ ١٤٢٧
ردمك: ٥ - ٠٣٢ - ٥٦ - ٩٩٦٠
الطبعة الأولى
١٤٢٧هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
معرفة المأمور به والمحذور
في زيارة القبور
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .. ... أما بعد:
فإنَّ زيارة القبور تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي:
١ - الزيارة السُنّية .. ينتفع بِهَا الزائر والْمَزُور، وتشمل السَّلام على الميت، والدعاء له بالرحمة والمغفرة، وأنْ يدخله الله الجنة، ويعيذه من النار؛ ولا يزيد على ذلك شيئاً، فلا يتعلّق قلبه
стр. 3
بالميت ولا ينشغل به بأكثر من هذا، وصفة السلام على أهل القبور: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (١)، أسأل الله لنا ولكم العافية (٢).
٢ - الزيارة البدعية .. وهي الاعتقاد بأن الدعاء عند قبر مُعَيّن مستجاب.
٣ - الزيارة الشركية .. وذلك أن تُزار القبور لاعتقاد أن أهلها يَتَوَسَّطون ويشفعون وينفعون عند الله بأنْ يرفعوا حوائج الخلق إلى الله ليقضيها.
стр. 4
وسَوَاءٌ دعاهم على مقتضى هذا الاعتقاد فقط أوْ زَاد على ذلك الذَّبْح لهم والنذر لهم والتقرّب إليهم بالعبادات التي لا تصلح إلا لله، فهذا هو الشرك الأكبر الذي مَن مات عليه فهو مُخلَّد في جهنم، لأنه قصد غير الله في تَوَجُّه قلبه وطلبه وإرادته لينفعه عند الله بالتوسُّط، وصَرَفَ خالص حقِّ الله لِمخلوق هو مملوك لله ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن غيره، لا في حياته ولا بعد موته.
وهذا الشِّرْك أعظم من القتل والزنا وشُرب الخمر لأنه تَنَقُّص لرب العالمين سبحانه وشَكٌّ في علمه وقدرته ورحمته، وكأنه لا يرحم عبده إلا بواسطة بل هو - سبحانه - أرحم الراحمين، وقد فَرَض التوحيد على عباده قبل الصلاة والصوم والزكاة والحج.
وكأنّه - جَلَّ وعَلاَ - لا يَرى عبدَه ولا يسمعه وأنه تخفى عليه أمور عباده فيحتاج إلى مَنْ يعلمه، بل هو سبحانه
стр. 5
السميع البصير العليم، ولا يخفى عليه مثقال ذَرَّة في السموات ولا في الأرض.
وهو سبحانه فَرَضَ التوحيد على عباده رحمة بهم لِيَتَوَجّهوا بقلوبهم بالدعاء والتضرّع والسؤال إليه وحده مباشرة دون وسائط، وعلى ذلك فطَرهم.
وليس هو سبحانه كملوك الدنيا الذين تُتَّخَذ لَدَيْهم الوسائط من المقربين والوُجَهَاء لأنهم لا يعلمون حوائج الناس ولا يَقدرون على كل شيء ويحتاجون إلى مَن يسْترحمهم ويسْتعطفهم.
ومِنْ هنا جاء الشِّرك حيث شُبِّه الربُّ سبحانه بخلقه، ولذلك فالمشرك يتقرّب إلى الله بالشرك مع أنه أعظم ما يُبعده من رحمته، حيث تعلّق قلبه بالواسطة وإنْ كان يصلي ويصوم ويحج فعمله حابط حتى يُوَحِّد عبادته لربه.
стр. 6
فكما لا يُصلي لغير الله .. كذلك لا يدعو غير الله ولاَ يَذبح لغيره ولا ينذر لغيره، ولا يعتقد حصول نَفْع أو دفع ضرٍّ بواسطة غيره لا الأنبياء ولا الملائكة فضلاً عن غيرهم.
وتأمل الآن قوله - تعالى -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١)، فهو سبحانه قال: ﴿ادْعُونِي﴾ ولَم يَقُل: أدعو الولي أو النبي أو غيرهم ليتوسطوا لكم ويرفعون حوائجكم إلَيَّ.
والمشرك يغترّ بأنه يصوم ويُصلي ويحج، فيقال له: قبل الصلاة والصوم والحج والزكاة فَرَض الله عليك العمل بكلمة " لا إله إلا الله، محمد رسول الله "؛ ولوْ عَرَف معنى " لا إله إلا الله " ما التَفَتَ قلبه لغير الله كائناً مَن كان، وذلك بالعبودية من الخوف والرجاء والدعاء وغير ذلك من العبادات مثل الذبح والنذر.
стр. 7
فـ " لا إله " نفيُ كلّ ما يتوجّه القلب إليه بالعبادة سواء الأحياء أو الأموات، و " إلا الله " إثبات العبادة كلها لله.
وهذا الشرك هو ما يُفعل عند القبور في بعض الدُّول العربية مثل العراق والشام ومصر وغيرها حيث يأتي أحدهم إلى القبر بخشوع وذل ورجاء وخوف، فإمَّا أنْ يدعوه، أو يذبح له، أو يضع في الصندوق المخصص للنذور نذره كما يُفعل عند ما يُسمى بقبر السيد " البدوي " في مصر، و " الدسوقي "، و " زينب "، وغير ذلك.
إنَّ مَن يفعل ذلك عند قبر النبي محمد ﷺ يكون مُشركاً، والنبي ﷺ يُعاديه أشد العداوة يوم القيامة ويتبرأ منه، لأنَّ النبي ﷺ بشَر مَخلوق وليس له من العبادة مثقال ذرّة، فكيف بغيره.
وهو ﷺ أمر أُمّته بما أمره به ربه أن تكون
стр. 8
عبوديتهم خالصة لربهم لا يشركون معه أحداً لا نبياً ولا مَلَكاً فضلاً عمن سواهما، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (١) .. يعني أخلصوا له العبادة بتوحيده بأعمالكم التعبّدية دون ما تجعلونه وسائط بينكم وبينه تُشركونه بعبادته التي هي حقُّه الخالص عليكم.
والذي يُفعل عند القبور المذكورة هو الذي تفعله قريش عند أصنامها إذْ إنهم يريدون القرب من الله بالوسائط، ولذلك يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢) .. يعني يتوسطون لنا كالْوُجَهاء عند الملوك؛ فكَفَّرهم الله ورسوله بذلك، فهم يعبدون الله لكن يعبدون معه غيره بهذا الاعتقاد، وهو الوساطة، وإلاَّ فهم مُقِرُّون أنَّ الله خالقهم ورازقهم.
стр. 9
يقول المشرك: " أنا أعبد الله، لكن هؤلاء صالحين وأنا أتبَرَّك بهم، لأنهم وُجهاء عند الله "، فيصرف لهم تَوَجّه قلبه خوفاً ورجاءاً وتوكلاً ومحبة؛ وهذه هي العبودية التي لا يرضى الله أن يُشْرك معه مخلوق فيها لا محمد ولا جبريل - عليهما الصلاة والسلام - فضلاً عن غيرهما حيث إن هذا هو الشرك.
ويقال لهذا المشرك: لَمْ يلتفت قلبك لمخلوق من أجل هذا الغرض إلاَّ لاعتقادك حصول نفعه وضُره، وهذا الاعتقاد لا يكون إلا لله وحْده دون شريك يعينه على قضاء حوائجك.
والعَجَب كلّ العَجَب أنَّ الْمُشرك يعتبر التوحيد وإخلاص العبادة لله تَنَقُّصاً لأهل الرُّتَب العالية والمقامات الرفيعة من الأنبياء والأولياء، ولا يدري أنه هو الذي تنقّصهم بافترائه عليهم ما هم ضِدّه تماماً من إخلاصهم عبوديتهم لربهم وعدم شركهم به، وسوف يكفرون بشِرْكه يوم القيامة ويتبَرَّؤون منه ويكونون ضِدَّه.
стр. 10
كذلك يَتّهم الموحِّد بأنه لا يُحب الأنبياء والأولياء لأنه لا يصرف لهم عبودية خالقه، وقد كَذَبَ المشرك فالذي في قلب الموحِّد من محبة الأنبياء والأولياء عظيم لا يعرفه المشرك الخبيث النجِس ولا يصل إلى قلبه، لأن الموحد محبته لهم عبودية لربه ولا يرفعهم فوق مقاماتهم بالغلو بهم واعتقاد نفعهم وضرهم فهي محبة عظيمة تضعهم موضعهم بأنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضَرًّا فضلاً عن غيرهم.
أما المشرك فمحبته لهم عبودية لهم بتشريكهم مع الله في حقه الخالص من العبادة، فهي محبة باطلة، وهم أعظم الخلق معاداة له وتبرءاً منه لأنهم موحدون لربهم لم يجعلوا بينهم وبينه وسائط، فهو مع شركه بربه مُسخط لهم غاية السخط ومُضَادّ لطريقتهم غاية المضادَّة.
وإنما غَرَّه الشيطان الغَرور بأن صَوّر له الشركَ محبةً للصالحين والتوحيدَ تنقّصاً لِمَقاماتهم، وسوف يتبَرأ منه
стр. 11
الشيطان يوم القيامة إذا أوْرده جهنم وبئس المصير.
والخلاصة أنَّ أهل القبور بين مُنَعَّم ومُعَذَّب، مشغولون عمَّن دعاهم وخافهم ورجاهم، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١).
واللهُ سبحانه أرحم الراحمين .. لا يحتاج لِمَن يسترحمه لعباده.
وهو بكل شيء عليم .. لا يحتاج لِمَن يعلمه بأحوالهم.
وهو على كل شيء قدير .. لا يحتاج لِمن يُعينه.
والْمُلْكُ كلُّه له، والخلق كلهم عبيده، والتدبير كله له ﷻ .
стр. 12
فالْمُشرك خاسر في الدنيا والآخرة، ملعون في الدنيا والآخرة .. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ (١).
إنَّ كثيراً من الناس يقعون في الشرك وهم لا يشعرون؛ فإذا زُرْتَ قبر المسلم تُسَلِّم عليه وتدعو له بالمغفرة والرحمة لأنه ميت وعمله منقطع وبحاجة إلى الدعاء له، وتتذكر موتك أنت وأنك لاحِقٌ به لا محالة فترجع مستعداً للرحيل للدار الآخرة بالأعمال الصالحة كما رَحَل هو، ولا تزيد على ذلك شيئاً، إلاَّ إذا أردت مخالفة ربك ونبيك بالدخول بالشرك، واعلم أنَّ الزيارة للميت مثل الصلاة على جنازته حيث يُدعا له فقط ولا يُدعا هو.
وكثير من الناس لا يعرف الشرك، ولذلك يفعله وهو يظنه من أفضل العبادة فيقع في أعظم ذنب وهو الشرك
стр. 13
الموجب للخلود في جهنم؛ فهو يقول لك: " أنا لا أشرك، أنا أعبد الله، أنا أصلي لله وأصوم، وأدعو الله، وأذكر الله، فكيف أكون مشركاً؟!، أعوذ بالله من الشرك "؛ فإذا قال ذلك فقل له: (أنا لا أُكذِّبك في كونك تعبد الله وتصلي وتصوم، وإنما أقول لك: أنت تشرك مع كونك تصلي وتتعبّد .. ألسْتَ تزور القبور للتبرك وليتوسّطوا لك عند الله ليقضي حاجاتك وليغفر لك ويرحمك؟!).
سيقول: " نَعَم، هؤلاء أولياء وصالحون .. لهم جاه عند الله، وأنا لا أريد منهم، إنما أريد من الله بجاههم وبِحُكم أنهم صالحون ومقربون ".
فإذا قال ذلك فقل له: (هذا هو الشرك الذي وقَعَتْ به الأمم الضالة قبلنا، فأخذهم الله بعذابه، فاحذر من ذلك غاية الحذر).
وقل له: (أنا أعلم أنك تفعل ذلك لتتقرب به إلى الله
стр. 14
بل تَعُدُّه من أفضل أعمالك، ولذلك يحضر قلبك عند القبر ويحضرك الخشوع ما لا يكون وأنت تصلي في المساجد!).
وقل له: (مِن أين أتيت بفعلك هذا، فإنه ليس في كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ أن الميت يُتقرب إليه، ويُتبرك به، ويُذبح له، ويُنذر له، ويدعا، ويُخاف، ويرجى، ويتوسط، ويشفع لمن فعل معه ذلك.
بل في القرآن وكلام الرسول ﷺ أنَّ ذلك أعظم الذنوب، وهو الشرك الأكبر، وهو الذي أول مَن فعله قوم نوح ﵇ لأن ودّاً وسُواعاً ويغوث ويعوق ونسراً رجالٌ صالحون، ولَمَّا ماتوا غلا قوم نوح بهم لصلاحهم، فجعلوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى، فصاروا مشركين بهذا الغلو، حيث توجهت قلوبهم إليهم بالدعاء، والخوف، والرجاء، ليقربوهم إلى الله بزعمهم، فوقعوا بالشرك، وأخذهم الله بالطوفان).
стр. 15
وإذا قال لك: " كيف تجعل محبة الصالحين والأولياء شركاً؟! " .. فقل له: ليست محبتهم شركاً، بل عبادة لله، وإنما الشرك وَضْعهم في غير مواضعهم وإنزالهم في غير منازلهم التي أنزلهم الله فيها، فهم عبيد .. الأنبياء والصالحون عبيد لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيرهم؛ ومحبتهم إمّا أن تكون عبادة لله أو تكون شركاً، والفرق واضح، فإذا أحببتهم لصلاحهم ولحب الله لهم فهذه عبادة لله ، وهي من أفضل العبادات، وهي الْحُبّ في الله.
أما إذا زَعَمْتَ حبهم بالتقرب إليهم بحق الله الخالص الذي ليس له فيه شريك لا هُمْ ولا غيرهم مثل الدعاء والذبح والنذر والاستغاثة، ونحو ذلك من العبادات التي أوْجبها الله عليك وعليهم بأن تكون خالصة له لا يُصرف شيء منها لغيره ولو كان محمداً ﷺ ، فمحبتك هذه لهم شركية وهي محبة مع الله لا لله، وهم يُعادونك أشد العداوة على ذلك
стр. 16
ويتبرءون منك ومن عملك .. لأنهم إن كانوا أنبياء وأولياء وصالحين فإنما عبدوا الله عبادة خالصة ضد عبادتك حيث أخلصوا له بعدم التقرب لأي وسيلة أوْ واسطة، بل كل عباداتهم خالصة، فأنت جنيت على نفسك وعليهم، وغرَّك الشيطان بأن خيّل لك أنهم يحبونك لتقربك إليهم وصَرْفك بعض حق الله لهم، فجعلتهم شركاء لله من هذا الوجه، ولاَ ينفعك أن تقول: " أنا أُقر أن الله هو الذي خلقني، وهو الذي يرزقني، وهو الخالق للسموات والأرض وجميع المخلوقات "، لأنَّ أبا جهل يقول ذلك ولا ينفعه، فهذا توحيد أفعاله هو سبحانه، ولا يُدخلك في الإسلام لأن الإسلام مع هذا لابُدَّ فيه من توحيد أفعالك العبادية بأن تكون كلها لله، فكما أنه لابد للصلاة من الطهارة من الحدث فالتوحيد وتحقيق معنى" لا إله إلا الله " قولاً وعملاً أعظم، لأن نجاسة الشرك لا تطهرها بحار الدنيا، فلابد من التوبة منه بأن تعتقد
стр. 17
في أهل القبور أنهم أموات لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم خيراً ولا شراً، وأن تفعل معهم إذا كانوا مسلمين ما أمرك به الله ورسوله ﷺ إذا زُرْتهم من السلام عليهم والدعاء لهم لاَ دعاءهم ولا تزيد على ذلك (١)؛ بل حتى قبر النبي ﷺ إذا وقفت عنده لا تزيد على السلام عليه وعلى صاحبيه، ثم تذهب.
فإذا أردتَ الدعاء لضيقٍ حلّ بك، أو كرْب أحاط بك من مرض قلب أو مرض بدن أو فاقة أو حاجة، أو سؤال الجنة والاستعاذة من النار فَوَجِّه قلبك وهِمَّتك وإرادتك وطلبك مباشرة إلى مَن هو سبحانه فوقك فوق السموات السبع مستو على عرشه العظيم، فهو السميع الْمُجيب والحيُّ الذي لا يموت وهو القائل سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) ولَم يقل: " أدعو أنبيائي أو أوليائي "،
стр. 18
ولِهَذا امتدح الله عباده الموحدين الصالحين بقوله - سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ (١) .. فَمَن صرَف شيئاً من العبادات التي هي حق الله - كما تقدم بيانه - لأيِّ مخلوق سواء صنماً أو قبراً أو نبياً أو مَلَكاً أو جِنياً فقد اتخذه إلَهاً من دون الله بهذه الكيفية ولو قال: " أنا أعلم أنه مخلوق ولا ينفع ولا يضر ".
وإذا قال ذلك قيل له: إذا كنت صادقاً في أنه مخلوق والنافع الضار هو الله فلماذا تُحرِّك قلبك إلى المخلوق رجاءً وخوفاً ودعاءً وتبركاً، فالسِّرّ هنا هو أنك إذا اعتقدت أنه مخلوق لا ينفع ولا يضر لا يمكن أن يتحرك قلبك بخوفه أو رجائه، ولا تجود بِمَالِك للذبح له والنذر له، ولا تخرجه عن طَوْر المماثلة في العبودية وسلْب خصائص الربّ - سبحانه - عنه.
стр. 19
تنبيه مهم جداً:
وهو أنَّ مَن يتوجَّه قلبه لصاحب القبر سواء كان نبياً أوْ وَلياً أوْ كافراً أو فاسقاً - كما تقدم بيانه - فإنه يَتَعَرّض لفتنة سوداء مظلمة يظنها ثمرة تَقَرّبه للميت وقبوله منه وتحقيقه لِمَطْلبه فيفرح بذلك ويشْتد اعتقاده بالمقبور، وذلك أنه قد يرى المقبور يخرج من قبره، وقد يُسلِّم عليه، وقد يقضي له حاجته وقد يُحْضِر له بعض المال سواء عند الضريح أو بعيداً عنه، وقد يدفع عنه ما يؤذيه، وهو لا يشك أن هذا صاحب القبر .. وحتى لو كان يعرفه في حياته لَمَا تغيَّر عليه من صفاته شيء، فهذا وأضعاف أضعافه يحصل في اليقظة وفي المنام؛ ومن الخطأ الفاحش والجهل إنكار ذلك لأن إنكاره يزيد في إغْراء مَن حصل له بالتمسك بما هو عليه لأنه حصلت له حقائق قد باشرها، فمن المحال إبطالها بمجرد الإنكار.
وإنما يبيَّن له أنه فُتِن حين أشرك بربه، وذلك أن
стр. 20
الشيطان لَمَّا أضلّه بالشرك أراد أن يُرَسِّخ الفتنة في قلبه فتمثّل له بالميت وقضى بعض حوائجه لأنه أرضاه، بل عَبَدَه، والله سبحانه أقدر الشياطين على ذلك وأعظم منه.
ومن هنا اشتدت فتنة عُبّاد القبور والأصنام فظنوا أنهم على شيء، وهم على الحقيقة قد وقَعوا في أعظم الذنوب وهو الشرك بالله، وإنما غرَّهم الشيطانُ بما يُسْمِعهم أو يُريهم عند القبر خُداعاً منه ليزيد تعلق قلوبهم بالميت وتنصرف عن تعلقها بخالقها وربها ﵎!.
وهذا الذي ذكرته يقعُ كثيراً جداً، وفي كل زمان، وهو من أعظم ما أوقع أهل الإشراك في الشرك.
وقد ذَكَر العلماء من ذلك ما يطول وَصْفه، ومَن شاء فليسأل مَنْ يعتقد بأهل القبور أو الأصنام يَجِد عندهم حكايات وعجائب تحدث لهم ولغيرهم يعتقدونها من كرامات الوَلِيِّ ومن علامات رضاه عنهم، وإنما اقْتَطَعهم الشيطان عن
стр. 21
وليِّهم الحقِّ سبحانه وأوْقعهم بالشرك بهذا الخداع ليأخذهم معه إلى جهنم وبئس المصير!.
ولاَ نَجَاة من ذلك إلا بالتوحيد، وهو إخلاص العبادة لله سبحانه وإفْراده بتعلّق القلب في الرغبة والرهبة، والضَّرْب صفحاً عن أهل القبور والبُعْد عنهم إلا زيارة على السُّنة، وهي السلام عليهم، وسؤال الله الرحمةَ لهم والمغفرة إن كانوا مسلمين.
وأمرٌ آخر أذكره هنا لِصِلَته بهذا الموضوع، وهو ما يُسمى بـ " تحضير الأرواح "، وصِفَتُه أنَّ بعض الدجاجلة يتقربون إلى الشياطين بالشرك، إمَّا أنْ يدعونهم ويذبحون لهم أو غير ذلك من عبادتهم، ثم إنَّ الشيطان يُقدّم لهم بعد ذلك من الخدمة ما يريدون، فيزعم هذا الدجال أنه يُحَضِّر أرواح الموتى، فيأتي إليه بعض الناس ويقول له: " أريد منك أن تحضر روح أمي أوْ أبي أوْ جدّتي - حسب الطلب - "،
стр. 22
ويُعطيه مالاً مقابل ذلك، ثم إنَّ العملية تتم بغاية البساطة، حيث يجلس عنده في محل وغالباً ما يكون مظلماً لأن الشياطين تحب الظُّلمة، فيطلب الدجال من ولِيِّه الشيطان إحضار روح أم هذا أو أباه أو جده أو ما شاء من الموتى ولو كانوا قد ماتوا من سنواتٍ طويلة، فيأتي الشيطان ويتكلم بحيث يسمعه الرجل فيظن أن هذه روح مَن طلب إحضار روحه، فيخبره بأخبار قديمة وحديثة لا يشك فيها الرجل لأنها واقعة وحاصلة، فقد يُخبره أين كان مسكنه قبل موته وما حصل لأولاده أو مسكنه أو ماله أو أقاربه بعد موته، كذلك يُخبره إذا سأله عن أشياء حقيقية حاصلة للرجل، فلا يرتاب أن هذه روح أمه أوجدته أو الروح التي طلب، وأنها تخبره من الغيْب.
فهذا وأعظم منه يفعله الشيطان لأنه يعلم أحوال الناس، ويعلم ذلك إخوانه وقرناؤه ويتعاونون على إضلال الناس، وهم يعرفون الناس سواء الأحياء أو الأموات، ويعلمون
стр. 23
أحوالهم وشؤونهم، فهذا سهل بالنسبة إليهم كما يعلم الناس بعض شؤون بعضهم وأمورهم، لكن الله تعالى أقدر الشياطين على مالا يقدر عليه الناس ابتلاءاً منه سبحانه وامتحاناً، فبالنسبة للأحياء فهم معهم ويروْن الناس والناس لا يروْنهم، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، كذلك يعلمون مِن أحوال الأموات قبل موتهم أشياء كثيرة ويُخبرون بها.
والمراد أن هذا فعل الشياطين مع إخوانهم وأوليائهم من الإنس الذين يتقربون إليهم بالشرك.
أما تحضير روح الميت، فهذا مُحال وهو من أكذب
стр. 24
الكذب، فالميت روحه مُمْسَكة إما في نعيم أو عذاب وليس للأموات من الأمر شيء، ولو قَدِروا على شيء لخرجوا من قبورهم ونفعوا نفوسهم قبل أن يُفكروا في نفع غيرهم!.
فيا له من غرور سوف يندم المتمادي فيه غير التائب منه حين لا ينفعه الندم!.
وأكثر من يُرَوِّج هذه الضلالاتِ الكهانُ الذين يستخدمون الجن، كذلك سَدَنَة القبور الدَّجَاجلة الذين يَتَأكَّلون بالشرك والكذب، حيث يزيدون على ما يحصل من الشياطين عند القبور وفي مواضع ما يسمونه تحضير الأرواح دَجَلاً كثيراً لِيُعَلِّقوا قلوب الناس بالكفريات والضلالات والخرافات، ويأخذوا أموالهم.
كذلك فإنه يُفعل عند المشهد المسمى " مشهد الحسين " في مصر من الشرك ما الله به عليم مع أنه ليس في مصر من الحسين ولا شعرة!.
стр. 25
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (المشهد الذي بُني بالقاهرة على رأس «الحسين» كذب باتفاق أهل العلم، ورأس الحسين لم يُحمل إلى هناك أصلاً) (١).
وقال: (وقد اتفق العلماء كلهم على أنَّ هذا المشهد الذي بقاهرة مصر الذي يقال له: " مشهد «الحسين» باطل ليس فيه رأس الحسين ولا شيء منه، وإنما أُحْدث في أواخر دولة بني عبيد الله ابن القداح الذين كانوا ملوكاً بالديار المصرية مائتي عام) (٢).
وقال ﵀: (وأما بَدَن «الحسين» فبِكَرْبلاء بالاتفاق)، ثم ذَكَر ما ثبت عن «أبي عبد الله القرطبي» - صاحب التفسير - أنه كان يُنكر هذا المشهد ويقول: (إنه كذِب، وأنه ليس فيه قبر «الحسين» ولا شيء منه)، ثم
стр. 26
قال: (والذين حدثوني عن «ابن القسطلاني» ذَكَروا عنه أنه قال: " إنَّما فيه نصراني ") انتهى (١).
ولوْ كان الحسين ﵁ حَيًّا في ذلك الموضع فلن يملك لنفْسه شيئاً فضلاً عن غيره لكنها الفتنة والضلال البعيد، كذلك ضريح «البدوي» في طنطنا يُفعل عنده من الشرك شيء عظيم من الذبح له والنذر والدعاء والتبرّك والشكوى لدفع البلوى أو جلب النّعماء مما لا يقدر عليه إلا الحي الذي لا يموت؛ وذلك هو الشرك الأكبر والعياذ بالله.
وكمْ وكم من حكاياتٍ عند القبوريين بأنَّ السيِّد «أحمد البدوي» فعَل كذا ونفَع بكذا وضَرَّ بكذا!!، وهو الدّجَل الذي يُرَوِّجه السَّدنة وأمثالهم ليأكلوا أموال الناس، والذي يصح من حكاياتهم هو مِن فِعْل الشياطين - كما تقدم بيانه - لأجْلِ الفتنة، فالحذر الحذر من موجبات عذاب سَقَر.
стр. 27
وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (هل المشاهد المسماة باسم «علي بن أبي طالب» وَوَلده «الحسين» ﵄ صحيحة أم لا؟!، وأين ثَبَت قبر «علي»؟!)، فأجاب: (أما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطْعاً: مثل المشهد الذي بظاهر دمشق المضاف إلى «أُبَيِّ بن كعب»، والمشهد الذي بظاهرها المضاف إلى «أويس القرني»، والمشهد الذي بمصر المضاف إلى «الحسين» ﵁ إلى غير ذلك من المشاهد التي يطول ذكرها بالشام والعراق ومصر، وسائر الأمصار؛ حتى قال طائفة من العلماء منهم «عبد العزيز الكناني»: " كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح شيء منها إلا قبر النبي ﷺ "، وقد أثبت غيره أيضاً قبر «الخليل» ﵇) انتهى (١).
وقال ﵀ عن " مشهد عَليّ ": (فعامة
стр. 28
العلماء على أنه ليس قبره، وجمهور أهل المعرفة يقولون: " إن «عَلِيًّا» إنما دُفن في قصر الإمارة بالكوفة أو قريباً منه ").
وقال ﵀ في شأن القبور: (معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام) انتهى (١).
وقال عن الطواف: (فلا يجوز لأحد أنْ يطوف بحجرة النبي ﷺ ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، ولاَ بصخرة بيت المقدس، ولا بغير هؤلاء كالقبة التي فوق جبل عرفات وأمثالها، بل ليس في الأرض مكان يُطاف به كما يُطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شَرٌّ مِمَّن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة) انتهى (٢).
وفي " مصر " قبور أخرى يُشْرك بها مثل ما يسمونه " الدسوقي " و " نفيسة " و " زينب " و " الغريب " وغير
стр. 29
ذلك مِمَّا هو مكذوب أوْ صحيح ولكن فُتِنَ به مَن فُتِن - نسأل الله السلامة والعافية -، وأشجار أيضاً تُعَلّق عليها الثياب وتُعمل عليها العُقد ويُعْتقد فيها، وكل هذا دِين الشيطان وعبادته، وهي من جِنْس السدرة ذات الأنواط، وفي غير مصر الشام وغيره.
ويكفي هنا أنْ أضْرِب مِثالاً واحداً وهو قبر الرسول ﷺ ، وأنه لو كان معه في قبرهِ الأنبياءُ والرسلُ والملائكة أجمعون وجاء مَن يزعم أنه يطلب الشفاعة والوساطة منهم بينه وبين الله لأنهم مُقربون وَوُجَهاء، فدعاهم أو نَذَرَ لهم أو استغاث بهم وقع في الشرك الأكبر، وما انتفع مثقال ذرة، ويوم القيامة يكونون أشد الخلق له عداوة مع تبرئهم منه، والسِّرُّ في ذلك أن هذه الفاقة التي في القلب والتّوَجّه والانكسار هو عبادة جعلها الله في قلوب عباده له بلا وسيط ولا شريك فِطرةً وتشريعاً، فَيَتَوَجّه القلب مباشرة إلى فوق لِسيّده ومولاه
стр. 30
الحي الذي لا يموت وهو على عرشه فوق سمواته يسمع عباده ويراهم، وليس بحاجة إلى من يُبَلِّغه حوائجهم لأنه أعلم بهم من نفوسهم فضلاً عن غيرهم، وهو أرحم الراحمين، القريب المجيب، وهو على كل شيء قدير، ليس له ظهير ومعين، ولا يقبل من العبادة إلا ما أُفْرِدَ به باتباع رسوله ﷺ .
ثم لِيَعلم عباد القبور أن الشيطان إنما احْتال عليهم بحيلة طلب الشفاعة والوساطة والقرب من الله ولأن أهل القبور في عالم الغيب لأنه يعلم أنه لوْ قال لهم: " أهل القبور هم الذين خلقوكم وهم يرزقونكم ويدبرون أموركم " لكذّبوه ولَمَا أطاعوه بالتقرّب إليهم، ولكنه جاءهم بهذه الحيلة وهي الوساطة بدعْوى القرب والوجاهة وأن ذلك من محبتهم، فأوقعهم في الشرك بهذا الاعتقاد، فصاروا مِنَ ﴿الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ? الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
стр. 31
أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (١)، قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فالزيارة الشرعية مقصودها السلام على الميت والدعاء له، سواء كان نبياً أو غير نبي، ولهذا كان الصحابة إذا زاروا النبي ﷺ يُسلّمون عليه ويدعون له ثم ينصرفون، ولَم يكن أحد منهم يقف عند قبره ليدعو لنفْسه) انتهى (٣).
وقال ﵀: (وأما التمسّح بالقبر - أيّ قبر كان -، وتقبيله، وتمريغ الخد عليه، فمنهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هذا من الشرك) انتهى (٤).
стр. 32
وقد ذَكَرْتُ فيما سَبَق أنَّ القبوريين يَتّهمُون الموحِّدَ إذا نهاهم عن الشرك وذرائعه، وأنْ يجعل العبد عبادته خالصة كلها لربه .. أنه لا يُحب الأنبياء والأولياء؛ وهو اتّهام باطل - ولله الحمد -، فالموحّد يُفَرِّق بين ما لِله وما لأنبيائه والصالحين من عباده من حقوق ولا يخلط بين حق ربه الذي لا يقبله إلا خالصاً بلا شريك وبين حقوق عباده، سواء الأحياء أو الأموات.
وتأمل الآن كلام شيخ الإسلام حتى تَعلَم افْتراءَ القبوريين على الموحِّدين.
قال ﵀: (والله سبحانه أمَرَنا أنْ نُطيع رسوله ﷺ فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١)، وأمرنا أن نتبعه فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
стр. 33
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، وأمرنا أنْ نُعزره (٢) ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بَيّنه في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، حتى أوْجب علينا أن يكون أحبّ الناس إلينا حتى من أنفسنا وأهلينا فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٤)، وقال ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " (٥)، وقال له عمر
стр. 34
- ﵁: يا رسول الله .. لأَنْتَ أحب إليَّ من كل شيء إلاَّ من نفسي، فقال ﷺ : " لا يا عمر .. حتى أكون أحب إليك من نفسك "، قال: فلأنت أحبّ إلَيَّ من نفْسي، قال رسول الله ﷺ : " الآن يا عمر! " (١)؛ وقال ﷺ : " ثلاث مَن كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحب إليه مِمَّا سواهما، ومَن كان يحب المرء لا يُحِبُّه إلا لله، ومَن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار " (٢)؛ وقد بَيَّن في كتابه حقوقه التي لا تصلح إلا له وحقوق رسله وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض) انتهى (٣).
стр. 35
هذا - ولله الحمد - هو مُعْتقد الموحّد وعليه عمله، أمَّا دَعْوى القبوري أنه يحب الأنبياء ويحب الأولياء فهو من أبطل الباطل لأنها محبة شركية، يبغضونه ويُعادونه ويتبرؤن منه لأجلها، لأنه شرّكهم في حق الله الخالص.
أما الموحِّد فمحبته لهم عظيمة على حسب أقدارهم لكنها لا تقوده إلى الغلو بهم وإنزالهم في غير منازلهم، فلاَ يُخرجهم عن طَوْر المماثلة بالنسبة للبشرية وعدم القدرة على جلب نفع أو دفع ضر فَيُميِّز بين حقوقهم وحق معبوده كما مَيّزوا هم ذلك وعادَوْا من اختلط عليه الأمر وتبرءوا منه.
والذي جعل القبوريين يُشركون هو - كما قال " ابن تيمية " ﵀: (العكوف على القبور، والتمسّح بها، وتقبيلها، والدعاء عندها وفيها، ونحو ذلك .. هو أصل الشرك وعبادة الأوثان، ولهذا قال النبي ﷺ : " اللهم لا تجعل
стр. 36
قبري وثناً يُعبد " (١) انتهى (٢)، وقبره ﷺ لا يُوصل إليه، أما ما يفعله الضالون من شِرك فبالحديد المجاور!.
كذلك فإنَّ مما فتنهم بأهل القبور ما ذكره الشيخ محمد بن علي الشوكاني اليماني - المتوفى سنة (١٢٥٠ من الهجرة) -، وهو كلام نفيس.
قال ﵀: (فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نَشَأَ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زَيَّنَه الشيطان للناس من رفع القبور وَوَضْع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين؛ فإنَّ الجاهل إذا وَقَعَتْ عينه على قبر من القبور قد بُنيَتْ عليه قبة فدخلها، ونظر على القبر الستور الرائعة، والسّرُج المتلألئة
стр. 37
وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصوّر ما لِهَذا الميت من المنزلة ويدخله من الرّوْعَة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشدّ وسائله إلى ضلال العبد مما يُزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً حتى يطلب من صاحب ذلك القبر مالا يقدر عليه إلا الله سبحانه، فيصير في عِداد المشركين؛ وقد يحصل له هذا الشرك بأول رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصِّفَة وعند أول زَوْرَة له، إذْ لابدَّ أنْ يخطر بباله أنَّ هذه العناية البالغة من الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلا لفائدة يرجونها منه إما دنيوية أو أخروية، فَيَسْتصغر نفْسه بالنسبة إلى من يراه من أشباه العلماء زائراً لذلك القبر وعاكفاً عليه ومُتَمسِّحًا بأركانه) انتهى (١).
стр. 38
هذا واللهِ كلام خبير!، ومن أجْلِ هذه الشبهة وغيرها جاءت الشريعة بالتغليظ الشديد على كل ما يُمَيِّز القبر ويَشْهره زيادةً على ترابه.
وتأمل قول الشوكاني ﵀: (فإنَّ الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بُنيت عليه قبة) إلى آخر كلامه .. تعلم أن الذي يغتر بذلك هو الجاهل، ولا يقصد بالجاهل الذي ليس عند شهادة علوم هذا العصر الْمُحْدَثة وإنما الجاهل الذي لا يعرف التوحيد وهو معنى شهادة (أن لا إله إلا الله).
أما الموحِّد فلوْ لَم يكن يقرأ ولا يكتب فلو رأى قبراً عليه قبة من ياقوت وذهب وفضة ومرفوعة إلى السماء لَمَا الْتفت قلبه لصاحب القبر، وعَلِم أن هذا من فعل شياطين الإنس والجن؛ لأن الموحِّد يعرف وِجْهَة قلبه، وأنها ليست للعالَم السفلي كله، ولا الشمس والقمر والنجوم، ولا ما
стр. 39
فوق ذلك في السموات السبع من الملائكة، وإنما للذي عرشه فوق هذا العالَم العلوي كله، وهو الحي السميع البصير، والعليم القدير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعَوْت هذا فإنْ كنت تظن أنه أعلم بحالك فهذا جهل وضلال وكفر، وإنْ كنت تعلم أنَّ الله أعلم وأقدر وأرحم فَلِمَ عَدَلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟!) انتهى (١).
وقال: (فليس في الزيارة الشرعية حاجة الحيِّ إلى الميت، ولا مسألته ولا توسّله به، بل فيها منفعة الحي للميت كالصلاة عليه، والله تعالى يرحم هذا بدعاء هذا وإحسانه إليه، ويُثيب هذا على عمله، فإنه ثَبَت في الصحيح عن النبي ﷺ : أنه قال: " إذا مَاتَ ابن آدم انقطع عمله إلا مِن ثلاث:
стр. 40
صدقة جارية، أو عِلْم يُنتفع به، أوْ ولد صالِح يدعو له " (١).
وقال ﵀: (وأما الأشجار والأحجار والعيون ونحوها مما ينذر لها بعض العامّة، أو يُعلقون بها خِرَقاً، أو غير ذلك، أو يأخذون ورَقَها يتبركون به، أو يُصَلُّون عندها، أو نحو ذلك؛ فهذا كله من البدع المنكَرة، وهو من عمل أهل الجاهلية، ومن أسباب الشرك بالله تعالى.
وقد كان للمشركين شجرة يُعلِّقون بها أسلحتهم يُسمُّونها " ذات أنواط "، فقال بعض الناس: يا رسول الله .. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ : " الله أكبر!، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٢) .. إنها السُّنن، لتَركبُن سَنن مَن كان