← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما كون عظمها وقرنها وظفرها نجسًا؛ فلأنه جزء من الميتة بدليل قوله تعالى: ﴿من يحيي العظام وهي رميم? قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وما يُحْيى فهو ميت. ولأنها توجد فيها أمارة الإحساس والألم. وعن الإمام أحمد أن ذلك طاهر لما روى ثوبان «أن رسول الله ﷺ قال له: اشتر لفاطمة سوارًا من عاج» (١) رواه أبو داود. والأول أصح. والجواب عن هذا أنه مطعون فيه. وعلى تقدير الصحة المراد به الذَّبْل. قاله ابن قتيبة والأصمعي. وأما كون صوفها وشعرها وريشها طاهرًا؛ فلأنه لا روح فيه ولا يحله الموت لأن الحيوان لا يألم بأخذه. وعن الإمام أحمد أنه نجس؛ لأنه نمى بنماء الحيوان أشبه بعض أعضائه. وقد روي «ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة» (٢). والصحيح الأول لما ذكر. والحديث منكر. والنماء ليس دليل الحياة بدليل النبات.

стр. 107

باب الاستنجاء: [الاستنجاء] (١): استعمال الماء أو الأحجار في محل النَّجْوِ. والمتبادر إلى الفهم عرفًا أن الاستنجاء استعمال الماء، والاستجمار استعمال الحجار. قال المصنف ﵀: (يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث الرجس النجس الشيطان الرجيم). أما كون من أراد دخول الخلاء يستحب له أن يقول: بسم الله فلما روى علي قال: قال رسول الله ﷺ : «سَتْرُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: بسم الله» (٢) رواه ابن ماجة. وأما كونه يستحب له أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث فلما روى أنس «أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبْثِ والخَبائِث» (٣) متفق عليه. قال أبو عبيد: الخُبْث بسكون الباء الشر، والخبائث الشياطين. وقال الخطابي: الخُبُث بضم الباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة. استعاذ من ذكران الجن وإناثهم.

стр. 108

وأما كونه يستحب له أن يقول: أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم فلما روي عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم» (١) رواه ابن ماجة. قال: (ولا يدخله بشيء فيه ذكرُ الله تعالى. ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج. ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. ويعتمد على رجله اليسرى ولا يتكلم ولا يلبث فوق حاجته). أما كون من دخل الخلاء لا يدخله بشيء فيه ذكرُ الله تعالى فلما روى أنس قال: «كان لرسول الله ﷺ خاتم يضعه إذا دخل الخلاء» (٢). «لأن فيه محمد رسول الله: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر» (٣). ولأن في ذلك تعظيمًا لله . وأما كونه يقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج؛ فلأن ذلك على الضد من دخول المسجد. وأما كونه لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد حاجته لا يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الأرض» (٤) رواه أبو داود.

стр. 109

ولأن ذلك أستر له فكان فعله أولى. وأما كونه يعتمد على رجله السرى فلما روى سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى» (١) رواه الطبراني في المعجم. ولأنه أسهل لخروج الخارج. وأما كونه لا يتكلم فـ «لأن النبي ﷺ سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ. ثم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» (٢) رواه مسلم. وأما كونه لا يلبث فوق حاجته؛ فلأنه يقال أنه يدمي الكبد ويأخذ منه الباسور. قال: (وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني). أما كون الخارج من الخلاء يقول: غفرانك فلما روت عائشة «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» (٣) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وأما كونه يقول الحمد لله إلى آخره؛ فلأن في لفظ قال: «غفرانك. الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (٤) رواه ابن ماجة. قال: (وإن كان في الفضاء أبعد واستتر، وارتاد مكانًا رخوًا). أما كون من كان في الفضاء يُبْعد فلما روى المغيرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ذهب [المذهب] أبعد» (٥) رواه أبو داود.

стр. 110

وأما كونه يستتر فلقوله ﷺ : «من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره» (١) رواه أحمد وأبو داود. وأما [كونه] (٢) يرتاد مكانًا رخوًا -ومعناه أن يهيء لبوله مكانًا فيه رخاوة- فلما روى أبو موسى الأشعري قال: «كنت مع النبي ﷺ ذات يوم. فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار فبال. ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله [موضعا]» (٣) رواه أحمد وأبو داود. والدمث: المكان السهل. ولأن المكان الصلب يَرُدّ عليه النجاسة. قال: (ولا يبول في شق، ولا سِرب، ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة. ولا يستقبل الشمس، ولا القمر). أما كون من تقدم ذكره لا يبول في شق ولا سرب وهما جحر الحيوان فلما روي «أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجُحر» (٤) رواه أحمد وأبو داود. ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان ينجسه، أو يؤذيه، أو يكون مسكنًا للجن. ويروى «أن سعد بن عبادة بال في جحرٍ بالشام فسقط ميتًا ثم سُمع هاتف يقول:

стр. 111

نحن قتلنا سيد الْـ ... ـخزرج سعدَ بنَ عبادة فرميناهُ بسهمين ... فلم نُخْط فؤاده» (١) وأما كونه لا يبول في طريق ولا ظل نافع فلما روى معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» (٢) رواه أبو داود. ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «اتقوا اللاعنين. قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، وظلهم» (٣) رواه مسلم. فإن قيل: الحديثان يدلان على المنع من البول في الظل فلم يشترط كونه نافعًا. قيل: في الحديث الثاني إشعار بذلك لأنه أضاف الظل إلى الناس. ولأن الظل متى لم يكن نافعًا كظل البرية ينتفي كونه سببًا للعن فينتفي المنع لزوال علته. ولأن المنع من البول في الظل من أجل إبقاء انتفاع الناس لأنه مناسب فإذا لم يكن منتفَعًا به يجب أن لا يثبت المنع لأن الحكم يزول بزوال علته. وأما كونه لا يبول تحت شجرة مثمرة فلئلا تتنجس الثمرة. وأما كونه لا يستقبل الشمس ولا القمر؛ فلأن في ذلك استتارًا. وهو مطلوب في نظر الشرع.

стр. 112

ولأن في عدم استقبالهما تكريمًا لهما. قال: (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء. وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان). أما كون من تقدم ذكره لا يجوز له أن يستقبل القبلة بغائط ولا بول في الفضاء فلما روى أبو أيوب قال قال رسول الله ﷺ : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله» (١) متفق عليه. وأما كونه لا يجوز له أن يستدبر القبلة بذلك في الفضاء في روايةٍ فلما ذكر في الحديث المذكور. وأما كونه يجوز له أن يستدبرها في روايةٍ فلما روى ابن عمر قال: «رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة» (٢) متفق عليه. وأما كونه لا يجوز له أن يستقبل القبلة بذلك في البنيان في روايةٍ فلما ذكر في حديث أبي أيوب من قوله: «فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله» (٣). وأما كونه يجوز ذلك في البنيان في روايةٍ فلما روى جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (٤) رواه الإمام أحمد والترمذي.

стр. 113

والصحيح في المذهب أنه لا يجوز ذلك في الفضاء ويجوز في البنيان: أما كونه لا يجوز في الفضاء فلدخول ذلك في حديث أبي أيوب. وأما كونه يجوز في البنيان: أما الاستدبار فلحديث ابن عمر. فإن قيل: قد احتج بذلك على الاستدبار في الفضاء. قيل: إذا جاز ذلك في الفضاء جاز في البنيان بطريق الأولى. على أنه يحتمل أن يراد به البنيان. وكذلك احتج به بعض الأصحاب عليه. وأما الاستقبال فلما روت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ ذُكر له أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم. فقال: أَوَقَد فعلوها! استقبلوا بمقعدتي القبلة» (١) رواه أحمد وابن ماجة. وعن مروان قال: «رأيت ابن عمر أناخ راحلته. وجلس يبول إليها. فقلت: أبا عبدالرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى. إنما نهي عن هذا في الصحراء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» (٢) رواه أبو داود. وأما كون هذه الرواية هي الصحيحة فبالنقل والدليل: أما النقل فذِكْره عن واحد من أصحابنا، وأما الدليل؛ فلأن الأحاديث المتقدمة يمكن الجمع بينها عليها. بخلاف غيرها لأن دليلها راجح على غيرها.

стр. 114

أما كون الجمع يمكن؛ فلأن حديث أبي أيوب يحمل على الفضاء، وباقي الأحاديث تحمل على البنيان. وأما كون دليلها راجحًا؛ فلأن كل واحد من حديث ابن عمر على تقدير إرادة البنيان به، وحديث عائشة، ومروان الأصفر يدل بخصوصه. وحديث أبي أيوب يدل بعمومه والخاص مقدم عليه (١). قال: (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثًا). أما كون من فرغ من حاجته يمسح بيده اليسرى؛ فلأن اليسرى معدة للاستنجاء؛ لما روت عائشة قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، ويده اليسرى لخلائه وما كان به من أذى» (٢). وأما كون المسح من أصل ذكره إلى رأسه فلئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل. وأما كونه ينتره ثلاثًا فلما روي أن النبي ﷺ قال: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا» (٣) رواه ابن ماجة. قال: (ولا يمس فرجه بيمينه ولا يستجمر بها، فإن فعل أجزأه). أما كون من تقدم ذكره لا يمس فرجه بيمينه فلما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال: «لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول» (٤) متفق عليه. فإن قيل: المنع من مس الفرج بيمينه مختص بحالة البول؛ لأن النهي مختص به.

стр. 115

قيل: هو كذلك وإنما لم يذكره المصنف لدلالة الحال عليه لأن الكلام مسوق في الفاعل للحاجة. وأما كونه لا يستجمر بيمينه؛ فلأن النبي ﷺ قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يمسح بيمينه» (١) متفق عليه. ولما روى سلمان قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يستنجي أحدنا بيمينه» (٢) رواه مسلم. وأما كون من فعل ذلك أجزأه؛ فلأن النهي عن ذلك نهي تأديب لا نهي تحريم. قال: (ثم يتحول عن موضعه. ثم يستجمر. ثم يستنجي بالماء. ويُجْزئه أحدهما إلا أن يعدو الخارج موضع العادة فلا يجزئ إلا الماء). أما كون من تقدم ذكره يتحول عن موضع البول فلئلا تصيب النجاسة يده. وأما كونه يستجمر ثم يستنجي بالماء فلقول عائشة: «مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول فإني أستحييهم وإن رسول الله ﷺ كان يفعله» (٣) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف؛ لأن الحجر يزيل غير النجاسة فلا تباشرها يده، والماء يزيل أثرها. وأما كونه يجزئه أحدهما إذا لم يعد الخارج موضع العادة: فأما (٤) الماء؛ فلأن أنسًا قال: «كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء يستنجي به» (٥) متفق عليه.

стр. 116

وأما الحجارة فلقوله ﷺ : «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه» (١) رواه أبو داود. وأما كونه لا يجزئه غير الماء إذا كان الخارج قد تعدى موضع العادة مثل أن تقع النجاسة على الصفحتين، أو تجاوز معظم الحشفة؛ فلأن المسح بالأحجار للمشقة الحاصلة بتكرار الغائط والبول فإذا تعدى ذلك إلى ما ذُكر كان ذلك نادرًا فلم يجز فيه المسح لانتفاء المشقة. قال: (ويجوز الاستجمار بكل طاهر يُنَقّي؛ كالحجر والخشب والخرق، إلا الروث والطعام والعظام وما له حرمة وما يتصل بحيوان). أما كون الاستجمار يجوز بكل طاهر يُنَقّي غير المستثنى؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث: «فليذهب بثلاثة أحجار أو بثلاث أعواد أو ثلاث حثيات من تراب» (٢) رواه الدارقطني، وقال: روي مرفوعًا والصحيح أنه مرسل. و«لأن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع» (٣). فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرجيع. وعن الإمام أحمد أنه يختص الحجر لقوله: «فليذهب بثلاثة أحجار» (٤). والصحيح الأول لمشاركة غير الحجر في الإزالة. وأما كونه لا يجوز بالروث والعظام فلقول رسول الله ﷺ : «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» (٥) رواه مسلم.

стр. 117

و «نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال: إنهما لا يطهران» (١) رواه الدارقطني. وقال: إسناده صحيح. وأما كونه لا يجوز بالطعام؛ فلأنه ﷺ علل المنع من العظم بأنه زاد الجن فزادنا أولى. وأما كونه لا يجوز بما له حرمة -والمراد ما فيه ذكر الله ونحوه- فلما فيه من هتك الحرمة. ولأنه نُهي عن تلويث المساجد بالنجاسة لأنها مواضع الذكر فنفس الذكر أولى. وأما كونه لا يجوز بما يتصل بحيوان كيده ورجله وصوفه ونحو ذلك؛ فلأن الحيوان له حرمة ولهذا منعنا مالكه من إطعامه النجاسة. قال: (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات إما بحجر ذي شعب أو ثلاثة، فإن لم ينق بها زاد حتى ينقي. ويقطع على وتر). أما كون أقل من ثلاث مسحات لا يجوز فلقوله ﷺ : «فليذهب معه بثلاثة أحجار» (٢) رواه أبو داود. ولقول سلمان: «نهانا - يعني النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» (٣) رواه مسلم. وأما كون الحجر ذي الشعب الثلاث كالأحجار الثلاثة؛ فلأن الغرض عدد المسحات لا الأحجار؛ بدليل التعدية إلى ما في معنى الحجارة. وقال أبو بكر: لا بد من ثلاثة أحجار اتباعًا للفظ الحديث. وأما كون من لم ينق بالثلاث يزيد حتى ينقي؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فيجب التكرار إلى أن تزول. وأما كونه يقطع على وتر فلقوله ﵇: «من استجمر فليوتر» (٤) متفق عليه.

стр. 118

قال: (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح). أما كون الاستنجاء يجب من كل خارج سوى الريح فلقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥]؛ لأنه يعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن. ولقوله ﵇: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» (١) رواه أبو داود. أمر. والأمر للوجوب. وقال: إنها تجزئ. ولفظ الإجزاء ظاهر فيما يجب. وعلى أي صفة حصل الإنقاء أجزأه. والسنة أن يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى المكان الذي بدأ منه. ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك. ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقوله ﷺ : «أَوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجر للمسربة» (٢) رواه الدارقطني. وقال: إسناده حسن. والمسربة: مجرى الغائط. مأخوذ من سرب الماء. وذهب الشريف أبو جعفر إلى أنه يعم بكل حجر جميع المحل وإلا فيكون (٣) توقيعًا لا تكرارًا. واختاره ابن عقيل. وحمل كلام النبي ﷺ على أنه يبدأ بالصفحة [ثم يعم، ثم بالصفحة] (٤) الأخرى، ثم يعم، ثم بالمسربة، ثم يعم. وأما كونه لا يجب من الريح فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من استنجى من الريح فليس منا» (٥) رواه الطبراني في معجمه الصغير. ولأن الغسل إنما وجب لإزالة النجاسة ولا نجاسة من الريح.

стр. 119

قال: (فإن توضأ قبله فهل يصح وضوؤه؟ على روايتين). أما كون من توضأ قبل الاستنجاء لا يصح وضوؤه على روايةٍ؛ فلأنه طهارة عن حدث [فلم يصح قبل الاستنجاء كالتيمم، وأما الصحة على روايةٍ؛ فلأنها نجاسة] (١) فلم يشترط تقدم إزالة النجاسة المذكورة عليه كالتي على ساقه. قال القاضي: هذه الرواية هي الصحيحة. قال: (فإن تيمم قبله خُرّج على الروايتين، وقيل: لا يصح وجهًا واحدًا). أما كون من تيمم يخرج على روايتي الوضوء؛ فلأن التيمم فرعه والفرع يبنى على الأصل. وأما كونه لا يصح فيه وجهًا واحدًا ذكره القاضي؛ فلأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فإذا لم تحصل به الإباحة لا يصح كالتيمم قبل الوقت. فإن قيل: ما حكم النجاسة على البدن؟ قيل: حكم نجاسة الفرج لاشتراكهما في النجاسة. وقيل: بينهما فرق وهو الأشبه لأن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم فجاز أن يكون بقاؤها مانعًا منه بخلاف غيرها من النجاسات.

стр. 120

باب السواك وسنة الوضوء قال المصنف ﵀: (السواك مسنون في جميع الأوقات إلا للصائم بعد الزوال فلا يستحب). أما كون السواك مسنونًا في جميع الأوقات غير المستثنى فلقوله ﷺ : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (١) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو للبخاري تعليقًا. وقوله ﵇: «عشر من الفطرة. وعد من ذلك: السواك» (٢) رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي. وأما كونه لا يستحب للصائم بعد الزوال؛ فلأن السواك إنما يستحب لإزالة ما على الأسنان، وذلك مطلوب العدم في حق الصائم الذي زالت شمس يومه؛ لقوله ﷺ : «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» (٣) متفق عليه. ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 121

فإن قيل: الحديث لا تقييد فيه. فلم قُيد ببعد الزوال؟ قيل: لأن الرائحة إنما تصير غالبًا في مثل ذلك الوقت فوجب اختصاص الحكم به. فإن قيل: إذا لم يستحب ذلك فهل يكره؟ قيل: فيه روايتان: إحداهما: يكره؛ لما روى حباب بن المنذر عن النبي ﷺ قال: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة» (١) رواه الخطيب، وضعفه ابن معين. ولما تقدم من قوله: «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» (٢). والثانية: لا يكره؛ لقوله ﷺ : «من خير خصال الصائم السواك» (٣) رواه ابن ماجة. وقال عامر بن ربيعة: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» (٤) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن. والأولى أصح. وتحمل الأحاديث في سواك الصائم على أنه قبل الزوال جمعًا بينها. قال: (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع: عند الصلاة، والانتباه من النوم، وتغير رائحة الفم). أما كون السواك يتأكد استحبابه عند الصلاة فلقوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٥) متفق عليه.

стр. 122

وأما كونه يتأكد عند الانتباه من النوم فلما روى حذيفة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك» (١) متفق عليه. ولقول عائشة ﵂ «كان رسول الله ﷺ لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ» (٢) رواه أحمد وأبو داود. وأما كونه يتأكد إذا تغيرت رائحة فمه؛ فلأن السواك شُرع في الأصل لتنظيف الفم. قال: (ويستاك بعود لين ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه). أما كون المتسوك يستاك بعود لين ينقي الفم كالأراك ونحوه فـ «لأنه ﷺ كان يستاك بالأراك» (٣). وأما كون العود لينًا؛ فلأن اليابس يؤدي إلى جرحه. وأما كونه لا يجرحه؛ فلأنه إذا كان مما يجرحه أدى لما ينجس فمه فيعود على مقصود السواك بالنقض لأنه شُرع للتنظيف والتنجيس يناقضه. وأما كونه لا يضره؛ فلأن الضرر منتف شرعًا. فإن قيل: ما الذي يضره؟ قيل: عود الريحان لأنه قيل يحرك عرق الجذام. والرمان لأنه قيل يضر بلحم الفم. وأما كونه لا يتفتت باقيه؛ فلأنه إذا تفتت لم يحصل لما على الأسنان ما يزيله (٤) فلا يحصل مقصوده.

стр. 123

قال: (فإن استاك بأصبعه أو بخرقة فهل يصيب السنة؟ على وجهين). أما كون المتسوك بما ذكر يصيب السنة على وجه؛ فلأنه يحصل به الإنقاء بحسب الإمكان. وأما كونه لا يصيبها على الآخر؛ فلأنه لم يرد الشرع بذلك. قال: (ويستاك عرضًا، ويدهن غبًا، ويكتحل وترًا). أما كون من ذكر يستاك كما ذكر فلقوله ﷺ : «استاكوا عرضًا واكتحلوا وترًا وادهنوا غبًا» (١). وأما معنى كونه يستاك عرضًا أن (٢) يستاك من ثناياه إلى أضراسه. فإن استاك من أطراف أسنانه إلى عمودها كره لأنه ربما أدمى اللثة. وأما معنى كونه يدهن غبًا فأن يدهن يومًا بعد يوم. وأما معنى كونه يكتحل وترًا. فقيل: أن يكتحل في كل عين ثلاثة. وقيل: ثلاثة في اليمنى واثنين في اليسرى. قال: (ويجب الختان ما لم يخفه على نفسه). أما كون الختان يجب ما لم يخفه على نفسه فـ «لأن إبراهيم صلوات الله عليه اختتن بعد أن أتت عليه ثمانون سنة» (٣) متفق عليه إلا العدد فإنه للبخاري فقط. وقال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٣].

стр. 124

وعن النبي ﷺ «أن رجلاً أتاه فقال: أسلمت. فقال: ألقِ عنك شعر الكفر واختتن» (١) رواه الإمام أحمد وأبو داود. فإن قيل: الوجوب هنا عام في الرجال والنساء، أو مختص بالرجال؟ قيل: كلام المصنف هنا يحتمل التعميم لأن النساء يدخلن في مثل ما تقدم. ويحتمل التخصيص. وفي المذهب في ذلك روايتان: إحداهما: التعميم لأن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء ما لم يقم دليل على تخصيصه. والرواية الثانية: أنه يختص بالرجال لأن المعنى الذي شُرع من أجله الختان في الرجل أشد من المرأة لأن الرجل إذا لم يختتن تبقى الجلدة مدلاة على الكَمَرة. فلا يطهر ما تحتها من النجاسة. بخلاف المرأة. فإن قيل: ما معنى الختان؟ قيل: هو في حق الرجل قطع جلدة غاشية للحشفة. وفي حق المرأة قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفرج تشبه عرف الديك. وأما كونه لا يجب إذا خافه على نفسه؛ فلأن المحافظة على النفس أولى من المحافظة على الختان. ولأنه متى تعارض حق النفس وواجب كان العمل بما يحفظ النفس متعينًا. دليله من معه ما يحتاج إلى شربه، ومن جُبّر بعظم نجس يخاف من قلعه الموت، وغير ذلك من المسائل.

стр. 125

قال: (ويكره القزع. ويتيامن في سواكه، وطهوره، وانتعاله، ودخوله المسجد). أما كون القزع -وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه- يكره فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن القَزَعِ» (١). وقال: «ليحلقه كله أو ليدعه كله» (٢) رواه أبو داود. وأما كون المتسوك والمتطهر والمتنعل وداخل المسجد يتيامن في ذلك كله فلقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيامن في طهوره، وسواكه، وتنعله، وترجله، وفي شأنه كله» (٣) متفق عليه. قال: (وسنن الوضوء عشر: السواك، والتسمية، وعنه أنها واجبة مع الذكر، وغسل الكفين إلا أن يكون قائمًا من نوم الليل ففي وجوبه روايتان. والبداءة بالمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما إلا أن يكون صائمًا، وتخليل اللحية، وتخليل الأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأذنين، والغسلة الثانية والثالثة). أما كون السواك من سنن الوضوء فلقول عائشة: «كنا نُعد لرسول الله ﷺ ثلاثة آنية مخمرة من الليل: إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه» (٤) رواه ابن ماجة. وأما كون التسمية من سننه؛ فلأن قوله ﷺ : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٥) رواه أبو داود. أدنى (٦) أحواله دلالته على ذلك.

стр. 126

وإنما لم يجب لأن الله تعالى قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] ولم يذكر التسمية. و«لأن النبي ﷺ قال للأعرابي: توضأ كما أمرك الله» (١) ووصفه ولم يذكر التسمية. وأما كونها واجبة مع الذكر على روايةٍ فلظاهر ما تقدم من الحديث. وإنما لم تجب مع عدم الذكر لأن السهو عذر فلا تجب معه للمشقة والحرج. وروي عن الإمام أحمد أنها واجبة مطلقًا. وصححها بعض الأصحاب لظاهر ما تقدم من الحديث. وأما كون غسل الكفين ثلاثًا إذا لم يقم من نوم الليل من سننه؛ «فلأن عثمان ﵁ وصف وضوء رسول الله ﷺ فقال: دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات» (٢). وأما كون غسلهما إذا كان قائمًا من نوم الليل في وجوبه روايتان؛ فلأن ظاهر الأمر في قول رسول الله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده» (٣) متفق عليه إلا قوله: «ثلاثًا» فإنه لمسلم فقط. يدل على الوجوب. وظاهر (٤) قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... الآية﴾ [المائدة: ٦] يدل على عدمه لأنه لم يذكر غسل الكفين.

стр. 127

والأمر في الحديث للاستحباب لأنه علّل فيه بوهم النجاسة وذلك لا يوجب الغسل. وأما كون البداءة بالمضمضة والاستنشاق من سننه؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ قال: «أنه بدأ المضمضة والاستنشاق» (١). وأما كون المبالغة فيهما إذا لم يكن صائمًا من سننه: أما في الاستنشاق «فلقوله ﷺ للقيط بن صبرة: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٢) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وأما في المضمضة؛ فلأنها في معنى الاستنشاق. ومعنى المبالغة في المضمضة: إدارة الماء في أقاصي الفم. ولا يجعله وجورًا. وفي الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف. ولا يجعله سعوطًا. وأما كون تخليل اللحية من سننه فـ «لأن النبي ﷺ خلل لحيته» (٣) رواه الترمذي وصححه. وروى أنس «أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته. وقال: هكذا أمرني ربي » (٤) رواه أبو داود. وأدنى أحوال الأمر الاستحباب.

стр. 128

وأما كون تخليل الأصابع من سننه؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» (١) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. فإن قيل: بأي إصبع يخلل أصابع الرجلين؟ قيل: بخنصره؛ لما روى المستورد بن شداد قال: «رأيت النبي ﷺ إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» (٢) رواه أبو داود. ولأن الخنصر ألطف الأصابع وأصابع الرجلين تَلْتَفّ بعضها على بعض. ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها وفي اليسرى من إبهامها لأن ذلك عين كل واحدة منهما. وأما كون التيامن من سننه فلما تقدم من حديث عائشة (٣). وأما كون أخذ ماء جديد للأذنين من سننه؛ فلأنهما كالعضو المنفرد. وإنما هما من الرأس على وجه التبع. وأما كون الغسلة الثانية والثالثة من سننه فـ «لأن النبي ﷺ توضأ مرتين. وقال: هذا وضوءٌ من توضأه كان له كفلان من الأجر. وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي» (٤) رواه ابن ماجة.

стр. 129

باب فرض الوضوء وصفته: الوضوء: بالضم اسم للفعل وبالفتح اسم للماء. قاله ابن الأنباري. وقيل بالفتح اسم للفعل أيضًا. قال المصنف ﵀: (وفروضه ستة: غسل الوجه، والفم، والأنف منه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وترتيبه على ما ذكر الله تعالى، والموالاة على إحدى الروايتين. وهو (١) أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله). أما كون فروض الوضوء ستة؛ فلأنها غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين وترتيب ذلك وموالاته. وسيأتي دليل ذلك كله في مواضعه. وأما كون غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين من فروضه فلقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. و«لأن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه. وقال: هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة» (٢). فإن قيل ﴿وأرجلِكم﴾ معطوف على ﴿برءوسِكم﴾ وذلك دليل جواز المسح لا وجوب الغسل. قيل: قد قرئ ﴿وأرْجُلَكم﴾ بالفتح عطفًا على ﴿وجوهَكُم وأيديَكُم﴾. ويؤيد ذلك فعل النبي ﷺ . وقوله: «ويل للأعقاب من النار» (٣).

стр. 130

وقول عائشة ﵂: «لأن يُقطعا أحب إليّ من أن أمسح القدمين» (١). و«قول النبي ﷺ لرجل ترك موضع ظفر من قدمه: ارجع فأحسن وضوءك» (٢). وإنما عطف الأرجل على الممسوح على القراءة المشهورة لأنها في مظنة الإسراف في الماء فنبه بعطفها على الممسوح على تقليل الماء. وأما كون الفم والأنف من الوجه؛ فلأنهما في حكم الظاهر بدليل أحكام يأتي ذكرها في المضمضة والاستنشاق في صفة الوضوء. وأما كون ترتيب الوضوء على ما ذكر الله تعالى من فروضه على المذهب؛ فلأن الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات وقَطَع النظير عن النظير. والفصحاء لا يفعلون ذلك إلا لفائدة. ولا نعلم فائدة سوى الترتيب. وأما كونه من سننه لا من فروضه على روايةٍ: أما الأول فلما فيه من الكمال والخروج من الخلاف. وأما الثاني؛ فلأن الله تعالى ذكر الأعضاء المنصوص عليها بالواو التي للجمع المطلق. والأول أصح لما ذكرنا. و«لأنه روي عن النبي ﷺ أنه توضأ. وقال: هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٣). فنقول ذلك للوضوء إن كان مرتبًا فهو المطلوب وإن كان منكسًا كان التنكيس شرطًا وهو خلاف الإجماع فوجب أن يكون مرتبًا.

стр. 131

وقول المصنف ﵀: على ما ذكر الله معناه أن يغسل الوجه ثم اليدين ثم يمسح برأسه ثم يغسل الرجلين لأن الله تعالى هكذا ذَكَر. وأما كون الموالاة من فروضه على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي رجله لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة الوضوء والصلاة» (١) رواه أحمد وأبو داود. ولو كانت الموالاة ليست فرضًا لأجزأه غسل اللمعة. ولأن النبي ﷺ والى بين غسل أعضائه وأمر بالتأسّي به. وأما كونها من سننه لا من فروضه على روايةٍ: أما الأول فلما ذكر في الترتيب. وأما الثاني؛ فلأن الفرض الغسل للآية وقد أتى به. وروي عن ابن عمر ﵄ «أنه توضأ فترك مسح خفيه حتى دخل المسجد فدعي لجنازة فمسح عليهما وصلى» (٢). وقول المصنف ﵀: وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله فبيان لمعنى الموالاة. والعبرة في نشاف العضو بالزمان المعتدل لا بالزمان البارد لأن نشاف العضو لا يحصل إلا بعد مدة، ولا بالزمان الحار لأن نشاف العضو يحصل بسرعة. قال: (والنية شرط لطهارة الحدث كلها، وهي: أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها). أما كون النية شرطًا لطهارة الحدث كلها فلقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» (٣) متفق عليه. فإن قيل: ما وجه الحجة من ذلك؟

стр. 132

قيل: وجهها أنه نفى العمل وهو موجود فيكون ظاهرًا في نفي المشروعية لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة. ويمكن أن يقال النفي داخل على الحقيقة الشرعية لأنه داخل على عمل شرعي وبدون النية لا وجود للعمل الشرعي. وقول المصنف ﵀: وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها بيان لمعنى النية. فإن قيل: ما محلها؟ قيل: القلب. فإن قيل: إذا قصد رفع الحدث لا شبهة فيه فَلِمَ يكون كذلك إذا قصد الطهارة لما لا يباح إلا بالطهارة كالصلاة والطواف وشبههما؟ قيل: لأن ذلك يستلزم رفع الحدث ضرورة أن صحة ذلك لا يجتمع معه. قال: (فإن نوى ما تسن له الطهارة أو التجديد فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين). أما كون ما يسن له الطهارة كقراءة القرآن واللبث في المسجد يرتفع حدثه على روايةٍ؛ فلأنه نوى المسنون فيجب أن يحصل ولا يحصل إلا بارتفاع الحدث. وأما كونه لا يرتفع على روايةٍ؛ فلأن القراءة وشبهها يصح مع الحدث فلا يستدعي ذلك رفع الحدث. وأما كون من نوى تجديد وضوءه يرتفع حدثه ففيه روايتان أيضًا وجههما ما ذكر فيمن نوى ما يسن. قال: (وإن نوى غسلاً مسنونًا فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين). أما كون نية الغسل المسنون كغسل الجمعة أو العيدين أو ما أشبههما يجزئ عن الغسل الواجب كغسل الجنابة أو الحيض أو ما أشبههما ففيه وجهان مُخَرجان على الروايتين في رفع حدث من نوى التجديد. وقد تقدم ذكرهما وتعليلهما قبل. وأما مراد المصنف ﵀ بقوله: فهل يجزئ؟ على وجهين. فهو أنه هل يرتفع عنه الغسل الواجب؟ على وجهين.

стр. 133

قال: (وإن اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنوى بطهارته أحدها فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين). أما كون سائر الأحداث يرتفع بما ذكر على وجه؛ فلأن الحدث غير متعدد بل هو عبارة عن المنع من الصلاة وقد قصد رفع سبب من أسبابه فيجب أن يرتفع الحدث. وأما كونه لا يرتفع به على وجه؛ فلأن ذلك غير منوي فلم يرتفع لقوله: «إنما الأعمال بالنيات» (١). فإن قيل: السائر هنا بمعنى الكل أو الباقي. قيل: بمعنى الباقي؛ لأن المنوي لا خلاف في ارتفاعه لأنه منوي. فإن قيل: ما فائدة ارتفاعه؟ قيل: فائدته أنه لو نوى بعد ذلك رفع الحدث من باقي الأسباب ارتفع حدثه على الوجهين معًا. قال: (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة، ويستحب تقديمها على مسنوناتها، واستصحاب ذكرها في جميعها، وإن استصحب حكمها أجزأه). أما كون تقديم النية على أول واجبات الطهارة يجب فلئلا يخلو واجب عن نية. وأما كون تقديمها على مسنوناتها يستحب فلتشمل مسنون الطهارة ومفروضها. وأما كون استصحاب حكمها ومعناه أن ينوي المتطهر في أول الطهارة ولا ينوي قطع النية بجزئ؛ فلأن النية في أول الطهارة تشمل جميع أجزائها فأجزأ استصحاب حكمها كالصوم.

стр. 134

فصل [في صفة الوضوء] قال المصنف ﵀: (وصفة الوضوء: أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثًا، ثم يتمضمض، ويستنشق ثلاثًا من غرفة وإن شاء من ثلاث وإن شاء من ست وهما واجبان في الطهارتين، وعنه أن الاستنشاق وحده واجب، وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى). أما كون صفة الوضوء أن ينوي إلى آخره فلما تقدم وما يأتي من الأدلة الدالة على وجوب ذلك ومسنونيته. أما النية فلما تقدم من قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات» (١). وقوله: «لا عمل إلا بنية» (٢). وأما التسمية فلما تقدم من قوله ﷺ : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٣). وأما غسل اليدين ثلاثًا والمضمضة والاستنشاق ثلاثًا ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر «أنه غسل يديه ومضمض واستنشق ثلاثًا» (٤).

стр. 135

وأما كون المضمضة والاستنشاق من غرفةٍ، وإن شاء من ثلاث، وإن شاء من ست؛ فلأن الكل مروي: أما الغرفة؛ فلأن في حديث عبدالله بن زيد «أنه ﷺ مضمض واستنشق من كف واحدة ثلاثًا» (١). وأما الثلاث؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث المتفق عليه: «أدخل يده الإناء فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات» (٢). وأما الست ففي حديث جد طلحة بن مصرف قال: «رأيت النبي ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق» (٣) رواه أبو داود. ووضوءه كان ثلاثًا ثلاثًا فلزم كونهما من ست. وأما كونهما واجبين في طهارتي الحدث والجنابة على المذهب: أما في الطهارة من الحدث فلقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] وهما داخلان في حكم الوجه؛ لأن لهما حكم الظاهر لأن الصائم يفطر بوصول القيء إليهما. ولا يفطر بوضع الماء فيهما، ولا يحد بوضع الخمر فيهما، ولا يحصل الرضاع المحرم بوصول اللبن إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة فيدخلان في عموم الآية. وأما في طهارة (٤) الجنابة فبطريق الأولى لأنهما يجب فيهما غسل ما تحت الشعور الكثيفة بخلاف طهارة الحدث. وأما كون الاستنشاق وحده واجبًا على روايةٍ: أما في طهارة الحدث فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر» (٥) متفق عليه. وأما في طهارة الجنابة فلما تقدم.

стр. 136

وأما كونهما واجبين في الكبرى دون الصغرى على روايةٍ: أما وجوبهما في الكبرى وهي الطهارة من الجنابة؛ فلأن الطهارة من ذلك يعم جميع البدن ويجب فيهما غسل ما تحت الشعور الكثيفة وما تحت الخفين. وأما عدم وجوبهما في الصغرى وهي طهارة الوضوء؛ فلأن الله تعالى لم يذكرهما في الأعضاء المنصوص عليهما. قال: (ثم يغسل وجهه ثلاثًا من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْيَيْن والذقن طولاً مع ما استرسل من اللحية ومن الأذن إلى الأذن عرضًا). أما كون من تقدم ذكره يغسل وجهه فلما تقدم أول الباب. وأما كونه يغسله ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر «أنه غسل وجهه ثلاثًا» (١). وأما كون الغسل من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللّحْيَيْن والذقن لهؤلاء؛ فلأن ذلك كله من الوجه لحصول المواجهة به. والمعتبر في منابت الشعر المعتاد. ولا عبرة بالأذرع. وهو: الذي شعره نابت في أعلا جبهته. ولا بالأصلع. وهو: الذي انحسر شعر رأسه عن مقدمه. وأما قول المصنف ﵀: مع ما استرسل من اللحية فمعناه أنه يجب غسل المسترسل من اللحية. وفي ذلك روايتان: إحداهما: أنه يجب كما ذكره المصنف ﵀ لأنه شعر نابت في محل الفرض أشبه الحاجب. ولأن الشعر المذكور يحصل به المواجهة. فوجب غسله كالبشرة. والرواية الثانية: لا يجب؛ لأنه نازل عن محل الفرض أشبه الذؤابة. وأما كون الغسل من الأذن إلى الأذن عرضًا؛ فلأن ذلك كله من الوجه لحصول المواجهة به.

стр. 137

قال: (فإن كان فيه شعر خفيف يصف البشرة وجب غسلها معه، وإن كان يسترها أجزأه غسل ظاهره. ويستحب تخليله). أما كون غسل الشعر الذي يصف البشرة يجب مع غسل البشرة؛ فلأن المواجهة تحصل بهما. ولأن الشعر الذي يصف البشرة غير ساتر لما تحته فوجب أن لا يسقط فرض المحل قياسًا على الخف المخرق. وأما كون غسل ظاهر الشعر الساتر للبشرة يجزئ؛ فلأن الله تعالى أمر بغسل الوجه والشعر المذكور تحصل المواجهة به لا بما تحته فوجب تعلق الحكم به لا بما تحته. و«لأن النبي ﷺ كان كثيف اللحية عظيم الهامة» (١) وثبت أنه توضأ مرة (٢) والمرة لا يصل فيها الماء إلى ما تحت الشعر من البشرة. ولأن الشعر المذكور شعر يستتر ما تحته فوجب أن ينتقل الفرض إليه قياسًا على شعر الرأس. وأما كون تخليل الشعر المذكور يستحب فلما تقدم في سنن الوضوء (٣). قال: (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا ويدخل المرفقين في الغسل). أما كون من تقدم ذكره يغسل يديه إلى المرفقين فلقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦].

стр. 138

وأما كونه يغسلهما ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه غسل يديه ثلاثًا (١). وأما كونه يدخل المرفقين في الغسل؛ فلأن جابرًا قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أمَرَّ الماء على مرفقيه» (٢) رواه الدارقطني. وفعله ﷺ مبين لكلام الله. وإلى تَرِدُ وما بعدها داخل كقوله: كقرأت القرآن من أوله إلى آخره، وترد وما بعدها غير داخل؛ كقولك: سرت من بغداد إلى الكوفة. وإذا كان كذلك وجب أن تكون المرافق هنا داخلة لبيان رسول الله ﷺ . ولأن الحدث (٣) متيقن. وقد شك في زواله بدون غسل المرفقين فوجب أن يجب غسلهما لأن التيقن لا يزول إلا بمثله. قال: (ثم يمسح رأسه: فيبدأ بيديه من مقدم رأسه. ثم يمرهما إلى قفاه. ثم يردهما إلى مقدمه. ويجب مسح جميعه مع الأذنين. وعنه يجزئ مسح أكثره. ولا يستحب تكراره، وعنه يستحب). أما كون من تقدم ذكره يمسح رأسه فلقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]. وأما كونه يبدأ بيديه من مقدم رأسه ويمرهما إلى قفاه ويردهما إلى مقدمه؛ فلأن عبدالله بن زيد قال في صفة وضوء رسول الله ﷺ «ثم مسح رأسه بيديه. فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة. وفي روايةٍ: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه» (٤) متفق عليه.

стр. 139

وأما كونه يجب عليه مسح جميعه على المذهب؛ فلأن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] ليست للتبعيض. قال ابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهلَ العربية بما لا يعرفونه. وإذا لم تكن للتبعيض تعين كونها للإلصاق وذلك يوجب مسح الجميع. وأما كونه يجزئه مسح الأكثر على روايةٍ؛ فلأن الكل قد يطلق ويراد به الأكثر كما يقال: جاء العسكر. إذا جاء أكثره. وعن الإمام أحمد يجزئ المرأة مسح مقدمة رأسها بخلاف الرجل؛ «لأن عائشة ﵂ كانت تمسح مقدم رأسها». وعنه: يجزئهما مسح البعض؛ «لأن النبي ﷺ مسح بناصيته وعمامته» (١) رواه مسلم. والأول أصح لما تقدم. ولأن الإجماع منعقد على الاستيعاب في التيمم في قوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ [المائدة: ٦] فليكن الباقي قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] كذلك. وإما إطلاق الكل وإرادة الأكثر فمجاز. والأصل الحقيقة. وأما مسح النبي ﷺ بناصيته وعمامته فلا حجة فيه لأن مسح العمامة جائز عندنا. وإذا ظهرت ناصيته مسح عليها وعلى باقي العمامة فلا يكون ذلك مسحًا لبعض الرأس لأن مسح العمامة ناب عن مسح باقي الرأس فيكون الرأس جميعه ممسوحًا. وأما كونه يمسح جميعه مع الأذنين؛ فلأنهما منه لقوله ﷺ : «الأذنان من الرأس» (٢) رواه أبو داود.

стр. 140

وروت الرُّبَيِّع «أن النبي ﷺ مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مسحة واحدة» (١) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح. وأما كون المسح لا يستحب تكراره على المذهب؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر «أنه مسح مرة واحدة» (٢). ولأنه ممسوح في طهارة أشبه التيمم. وأما كونه يستحب على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا» (٣) رواه الإمام أحمد. وروى أبو داود عن عثمان «أنه غسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا» (٤). ولأنه أصل في الطهارة أشبه الغسل. قال: (ثم يغسل رجليه ثلاثًا إلى الكعبين، ويدخلهما في الغسل. ويخلل أصابعه). أما كون من تقدم ذكره يغسل رجليه فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأرجلَكم﴾. وأما كونه يغسلهما ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر «أنه غسلهما ثلاثًا» (٥). وأما كونه يُدخل الكعبين في الغسل فلما تقدم في المرفقين وقد جاء عن النبي ﷺ : «ويل للأعقاب من النار» (٦). وأما كونه يخلل أصابعه فلما تقدم في سنن الوضوء (٧).

стр. 141

قال: (وإن كان أقطع غَسَلَ ما بقي من محل الفرض فإن لم يبق شيء سقط). أما كون من تقدم ذكره يغسل ما بقي بعد القطع من محل الفرض فلقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). وأما كون الغسل يسقط إذا لم يبق من محل الفرض شيء فلفوات المحل. قال: (ثم يرفع نظره إلى السماء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وتباح معونته وتنشيف أعضائه ولا يستحب). أما كون من فرغ مِن وضوءه يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فلما روى عمر عن النبي ﷺ قال: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (٢) رواه مسلم. وروى أبو داود: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وقال ... الحديث إلى آخره» (٣). وأما كون معونة المتطهر؛ مثل أن يغرف ماء الغسل أو الوضوء إليه، أو يحمله شخص له، أو يصب عليه: يباح؛ فلأن النبي ﷺ كان يُحمل له الماء ويصب

стр. 142

عليه. قال أنس: «كان النبي ﷺ ينطلق في حاجته فآتيه أنا وغلام نحوي بإداوة ماء يستنجي به» (١) متفق على معناه. وفي روايةٍ المغيرة: «أنه جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ» (٢). [متفق عليه. وعن صفوان بن عسال قال: «صببت على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء» (٣). رواه ابن ماجة] (٤). وأما كون تنشيف أعضائه يباح فلما روى قيس بن سعد قال: «أتانا رسول الله ﷺ في منزلنا. فأمر له سعد بغسل فاغتسل به. ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها» (٥) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن الإمام أحمد يكره ذلك لما روت ميمونة «أن النبي ﷺ اغتسل فأتته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده» (٦) متفق عليه. وأما كون ذلك لا يستحب؛ فلأنه إزالة لأثر العبادة فلم يستحب كإزالة دم الشهيد. ولأنه لم يرو عن النبي ﷺ المداومة عليه ولو كان أفضل لداوم عليه.

стр. 143

باب مسح الخفين قال المصنف ﵀: (يجوز المسح على الخفين، والجرموقين، والجوربين، والعمامة، والجبائر. وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان). أما كون المسح على الخفين يجوز فلما روى جرير قال: «رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه» (١) متفق عليه. قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. ولأن الحاجة تدعو إلى لبس الخف وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر. وأما كونه على الجرموقين يجوز فـ «لأن النبي ﷺ مسح على موق» (٢). والجرموق: خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة وهو بالفارسية موق فعرب. وأما كونه على الجوربين يجوز فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين» (٣) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 144

وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين. كما لا يقال: مسحت الخف ونعله. ولأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم مسحوا عليهما ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا. ولا بد أن يلحظ أن لجواز المسح على ذلك شرطين: أحدهما: أن يكون صفيقًا لا يبدو منه شيء من القدم. والثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه. وأما كونه على العمامة يجوز فلما روى المغيرة قال: «توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى بلال ﵁ «مسح رسول [الله] ﷺ على الخفين» (٢) رواه مسلم. وروي أيضًا عنه أنه قال: «امسحوا على الخفين والخمار» (٣) رواه أحمد. وروي «أن النبي ﷺ بعث جيشًا وأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ» (٤). قال أبو عبيد: المشاوذ العمائم. وأما كونه على الجبائر يجوز فلما روى جابر قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه. ثم احتلم. فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فأخبر النبي ﷺ بذلك. فقال: قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذا لم يعلموا. إنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه. ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» (٥) رواه أبو داود.

стр. 145

فهذا في الكبرى ففي الصغرى بطريق الأولى. وروي «أن عليًا رضي الله لما انكسرت زنده يوم أحد أمره النبي ﷺ بالمسح عليه» (١). ولأنه قول ابن عمر ﵄ ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا. وأما كونه على القلانس يجوز في روايةٍ فلما روي عن عمر أنه قال: «إن شاء حسر عن رأسه وإن شاء مسح على قلنسوته» (٢) رواه الأثرم. وعن أبي موسى الأشعري «أنه خرج من الخلاء فمسح على قَلنسوته» (٣) رواه حرب. ولأنه ملبوس معتاد. أشبه العمامة. وأما كونه لا يجوز عليها في روايةٍ؛ فلأنه لا مشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلتة. وأما كونه على خمر النساء المدارة تحت حلوقهن يجوز في روايةٍ فلما روي «أن أم سلمة ﵂ كانت تمسح على الخمار» (٤) رواه ابن المنذر. ولأنه ساتر للرأس معتاد للمرأة أشبه العمامة.
следующие страницы →