← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال: (وإن كان أقطع غَسَلَ ما بقي من محل الفرض فإن لم يبق شيء سقط). أما كون من تقدم ذكره يغسل ما بقي بعد القطع من محل الفرض فلقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). وأما كون الغسل يسقط إذا لم يبق من محل الفرض شيء فلفوات المحل. قال: (ثم يرفع نظره إلى السماء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وتباح معونته وتنشيف أعضائه ولا يستحب). أما كون من فرغ مِن وضوءه يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فلما روى عمر عن النبي ﷺ قال: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (٢) رواه مسلم. وروى أبو داود: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وقال ... الحديث إلى آخره» (٣). وأما كون معونة المتطهر؛ مثل أن يغرف ماء الغسل أو الوضوء إليه، أو يحمله شخص له، أو يصب عليه: يباح؛ فلأن النبي ﷺ كان يُحمل له الماء ويصب

стр. 142

عليه. قال أنس: «كان النبي ﷺ ينطلق في حاجته فآتيه أنا وغلام نحوي بإداوة ماء يستنجي به» (١) متفق على معناه. وفي روايةٍ المغيرة: «أنه جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ» (٢). [متفق عليه. وعن صفوان بن عسال قال: «صببت على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء» (٣). رواه ابن ماجة] (٤). وأما كون تنشيف أعضائه يباح فلما روى قيس بن سعد قال: «أتانا رسول الله ﷺ في منزلنا. فأمر له سعد بغسل فاغتسل به. ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها» (٥) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن الإمام أحمد يكره ذلك لما روت ميمونة «أن النبي ﷺ اغتسل فأتته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده» (٦) متفق عليه. وأما كون ذلك لا يستحب؛ فلأنه إزالة لأثر العبادة فلم يستحب كإزالة دم الشهيد. ولأنه لم يرو عن النبي ﷺ المداومة عليه ولو كان أفضل لداوم عليه.

стр. 143

باب مسح الخفين قال المصنف ﵀: (يجوز المسح على الخفين، والجرموقين، والجوربين، والعمامة، والجبائر. وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان). أما كون المسح على الخفين يجوز فلما روى جرير قال: «رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه» (١) متفق عليه. قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. ولأن الحاجة تدعو إلى لبس الخف وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر. وأما كونه على الجرموقين يجوز فـ «لأن النبي ﷺ مسح على موق» (٢). والجرموق: خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة وهو بالفارسية موق فعرب. وأما كونه على الجوربين يجوز فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين» (٣) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 144

وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين. كما لا يقال: مسحت الخف ونعله. ولأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم مسحوا عليهما ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا. ولا بد أن يلحظ أن لجواز المسح على ذلك شرطين: أحدهما: أن يكون صفيقًا لا يبدو منه شيء من القدم. والثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه. وأما كونه على العمامة يجوز فلما روى المغيرة قال: «توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى بلال ﵁ «مسح رسول [الله] ﷺ على الخفين» (٢) رواه مسلم. وروي أيضًا عنه أنه قال: «امسحوا على الخفين والخمار» (٣) رواه أحمد. وروي «أن النبي ﷺ بعث جيشًا وأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ» (٤). قال أبو عبيد: المشاوذ العمائم. وأما كونه على الجبائر يجوز فلما روى جابر قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه. ثم احتلم. فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فأخبر النبي ﷺ بذلك. فقال: قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذا لم يعلموا. إنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه. ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» (٥) رواه أبو داود.

стр. 145

فهذا في الكبرى ففي الصغرى بطريق الأولى. وروي «أن عليًا رضي الله لما انكسرت زنده يوم أحد أمره النبي ﷺ بالمسح عليه» (١). ولأنه قول ابن عمر ﵄ ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا. وأما كونه على القلانس يجوز في روايةٍ فلما روي عن عمر أنه قال: «إن شاء حسر عن رأسه وإن شاء مسح على قلنسوته» (٢) رواه الأثرم. وعن أبي موسى الأشعري «أنه خرج من الخلاء فمسح على قَلنسوته» (٣) رواه حرب. ولأنه ملبوس معتاد. أشبه العمامة. وأما كونه لا يجوز عليها في روايةٍ؛ فلأنه لا مشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلتة. وأما كونه على خمر النساء المدارة تحت حلوقهن يجوز في روايةٍ فلما روي «أن أم سلمة ﵂ كانت تمسح على الخمار» (٤) رواه ابن المنذر. ولأنه ساتر للرأس معتاد للمرأة أشبه العمامة.

стр. 146

وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنه لا يشق المسح من تحته ولا تدعو الحاجة إليه أشبه الوقاية. قال: (ومن شرطه أن يُلبس الجميع بعد كمال الطهارة، إلا الجبيرة على إحدى الروايتين). أما كون المسح من شرطه أن يلبس الجميع غير الجبيرة بعد كمال الطهارة [على] (١) المذهب؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال: «كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه. فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» (٢) متفق عليه. وروي في بعض ألفاظ الحديث: «دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتين» (٣) علل جواز الترك بإدخالهما في حال كون كل واحدة طاهرة. وفي روايةٍ: «أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهران» (٤) رواه الحميدي في مسنده. وفي روايةٍ: «رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه يمسح عليهما» (٥) رواه الأثرم. ولأن ما ذكر يشترط له أصل الطهارة لما يأتي فاشترط له كمالها كالصلاة ومس المصحف. والمراد بكمال الطهارة الفراغ منها فلو توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه ثم لبس إحدى الخفين ثم غسل الأخرى ولبس الآخر لم يكن محصلاً كمال الطهارة.

стр. 147

وأما كون ذلك ليس من شرطه على روايةٍ لأن حدثه حصل بعد كمال الطهارة واللبس فجاز المسح كما لو نزع الخف الأول ثم لبسه. وفي اشتراط كمال الطهارة إشعار باشتراط أصلها. ولا خلاف فيه عند الإمام أحمد فيما عدا الجبيرة لما تقدم من حديث المغيرة (١). وأما كون المسح على الجبيرة لا يشترط له ذلك؛ فلأن اشتراط ذلك يؤدي إلى عدم استعمال رخصة المسح عليها غالبًا لأن الجرح وشبهه يقع فجأة أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه. وعن الإمام أحمد يشترط له الطهارة كالخف. والأول أصح لما تقدم. وقياسه على الخف لا يصح لما ذكر من الفرق. فإن قيل: قول المصنف ﵀ على إحدى الروايتين إلى ماذا يعود. قيل: إلى ما عدا الجبيرة من الممسوح كما تقدم شرحه، ويحتمل أن يعود إلى الجبيرة. وفيه وإن قرب منها بُعْدٌ من وجهين: أحدهما: أن الخلاف فيها ليس مختصًا بالكمال. وثانيهما: أن الخلاف فيما عداها أشهر من الخلاف فيها. قال: (ويمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن إلا الجبيرة فإنه يمسح عليها إلى حَلِّها). أما كون المقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في غير الجبيرة فلما روى شريح بن هانئ قال: «سألت عليًا ﵁ عن المسح فقال: قال رسول الله ﷺ : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة» (٢) رواه مسلم.

стр. 148

وأما كونه يمسح على الجبيرة إلى حَلها؛ فلأنه مسحٌ جاز للضرورة فيقدر بقدرها. وقد روي عن النبي ﷺ (١). وأما المسح على الجبيرة فغير مؤقت. ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة؛ لأن ذلك للضرورة فتقيد بموضعها. قال: (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وعنه من المسح بعده). أما ابتداء مدة المسح من الحدث بعد اللبس على المذهب؛ فلأنه وقت يجوز له المسح فيه فكان أول مدة المسح منه. ولأن المسح عبادة فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها كالصلاة. فعلى هذه لو تطهر وقت الظهر ولبس الخف ثم أحدث وقت العصر ثم توضأ ومسح وقت المغرب يمسح إلى وقت العصر الذي أحدث في مثله. وأما كونه من المسح بعد اللُّبس على روايةٍ فلقول النبي ﷺ : «يمسح المقيم يومًا وليلة» (٢). فقدره بالمسح فيجب أن يكون ابتداؤه من ابتداء المسح. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: «امسح إلى مثل ساعتك التي مسحت» (٣) رواه الخلال. فعلى هذه يمسح في الصورة المتقدمة إلى وقت المغرب. والأول هو الصحيح؛ لما تقدم. ولأن في حديث صفوان بن عسال: «من الحدث إلى الحدث» (٤). ولبس الخف جعل مانعًا من سريان الحدث إلى الرجل نفيًا للحرج وإنما يصير مانعًا بعد الحدث لا بعد المسح.

стр. 149

وأما قوله ﷺ : «يمسح المقيم» وقول عمر: «امسح إلى مثل ساعتك» فالمراد استباحة المسح دون فعله. قال: (ومن مسح مسافرًا ثم أقام أتم مسح مقيم، وإن مسح مقيمًا ثم سافر أو شك في ابتدائه أتم مسح مقيم. وعنه يتم مسح مسافر. ومن أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر). أما كون من مسح مسافرًا ثم أقام يتم مسح مقيم؛ فلأن المسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر فكان الاعتبار لحكم الحضر كالصلاة. وأما كون من مسح مقيمًا ثم سافر يتم مسح مقيم على روايةٍ فلما ذكر قبل. وأما كونه يتم مسح مسافر على روايةٍ فلقوله ﷺ : «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (١) وهذا مسافر. ولأنه سافر قبل استكمال مدة المسح أشبه ما إذا سافر بعد الحدث. والأولى أولى لما تقدم. وأما كون من شك هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر؟ فيه ما ذكر؛ فلأنه يجري فيه ذلك. فعلى الرواية الأولى يمسح مسح مقيم لأنه لا يجوز له المسح مع الشك في إباحته لتكون طهارته صحيحة بيقين لأن الأصل وجوب الغسل فلا يعدل إلى المسح إلا بتحقق. وعلى الرواية الثانية: يتم مسح مسافر لأنه لو تيقن أنه ابتدأ المسح في الحضر يمسح مسح مسافر؛ فلأن يمسح مسح مسافر مع الشك بطريق الأولى. وأما كون من أحدث ثم سافر قبل المسح يتم مسح مسافر فلقوله ﷺ : «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (٢). وهذا مسافر. ولأنه ما شَرع في طرف العبادة في الحضر فلم يُغَلّب الحضر لعدم ذلك.

стр. 150

قال: (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض، ويثبت بنفسه. فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم، أو كان واسعًا يُرى منه الكعب، أو الجورب خفيفًا يصف القدم أو يسقط منه (١)، أو شد لفائف لم يجز المسح) (٢). أما كون المسح لا يجوز على ما لا يستر محل الفرض؛ فلأن حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب الغسل كما لو خلع أحد خفيه. فعلى هذا لا فرق في الساتر بين أن يكون جلودًا أو لبودًا (٣) أو خشبًا أو زجاجًا أو حديدًا؛ لاشتراك الكل في المعنى المبيح للمسح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز في الحديد والزجاج وشبههما لأنه غير معتاد ولا يشق نزعه بخلاف الجلود وشبهها. وأما كونه لا يجوز على ما لا يثبت بنفسه وهو ما إذا لبسه ولم يربطه لا يقف في رجله ولا ينعطف إذا مشى في حوائجه وعند الحط والترحال؛ فلأن الرخصة وردت في الخف وما ذكر ليس في معناه ولا يتعدى إليه. وأما كونه يجوز على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه؛ فلأنه في معنى الخف فيجب إلحاقه به. وأما كون ما فيه خرق يبدو منه بعض القدم لا يجوز المسح عليه؛ فلأن ستر جميع محل الفرض شرط لجواز المسح لما تقدم ولم يوجد. وأما كون الخف الواسع الذي يرى منه الكعب لا يجوز المسح عليه؛ فلأن الستر يجب من أعلا الخف كما يجب من باقي جهاته لاشتراك الكل في المعنى الذي لأجله وجب الستر. وأما كون الجورب الخفيف الذي يصف القدم لا يجوز المسح عليه؛ فلأنه ليس ساترًا لمحل الفرض. وقد تقدم أنه شرط لجواز المسح.

стр. 151

وأما كون الذي يسقط من الرجل أو اللفائف المشدودة لا يجوز المسح عليه؛ فلأن كون الممسوح عليه مما يثبت بنفسه شرط ولم يوجد. قال: (وإن لبس خفًا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح عليه). أما كون المسح على ما ذكر يجوز؛ فلأنه خف ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشي فيه أشبه المتفرد. وأما قول المصنف ﵀: فلم يحدث ففيه إشعار بأنه لو أحدث ثم لبس آخر لا يجوز المسح عليه وهو صحيح صرح به في المغني وغيره من الأصحاب في كتبهم. ووجهه أنه إذا أحدث ثم لبس آخر لم يكن بد من المسح على الذي قبله ليكون الثاني ملبوسًا على طهارة وإذا كان كذلك لم يجز المسح عليه لأن حكم المسح قد تعلق بالتحتاني فلم يجز على غيره. قال: (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه. فيضع يده على الأصابع ثم يمسح إلى ساقه). أما كون الماسح يمسح أعلا الخف دون أسفله وعقبه فلقول علي ﵁: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه. وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما» (١) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وعن عمر ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهران» (٢) رواه الخلال بإسناده. وأما كون المسح كما ذكر المصنف ﵀ فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي ﷺ بال في الماء. ثم توضأ ومسح على الخفين. فوضع يده اليمنى على خفه

стр. 152

الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر. ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة. حتى كأني أنظر إلى آثار أصابعه على الخفين» (١) رواه الخلال أيضًا. وهذه الصفة مستحبة وكيف مسح أعلا الخف جاز. قال: (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه). أما كون المسح على العمامة يجوز فلما تقدم أول الباب (٢). وأما ما يشترط لجواز المسح عليها فشرطان: أحدهما: أن تكون محنكة «لأن النبي ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط». قال أبو عبيد: الاقتعاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء. وإذا كانت منهيًا عنها لم يستبح بها المسح؛ لأنه من الرخص. والثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كالأذنين ومقدم الرأس وما أشبه ذلك. أما اشتراط الستر في غير المستثنى فلما تقدم في الخف. وأما عدم اشتراطه في المستثنى؛ فلأن اعتبار الستر فيه يشق ويؤدي إلى عدم استعمال الرخصة بخلاف الخف. قال: (ولا يجوز على غير المحنكة إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز في أحد الوجهين). أما كون المسح على عمامة غير محنكة ولا ذؤابة لها لا يجوز فلما تقدم. وأما كونه على العمامة التي لها ذؤابة وهي غير محنكة لا يجوز في وجه فلعموم ما تقدم من النهي. وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأنها إذا صار لها ذؤابة لا تشبه عمائم أهل الذمة. وإنما نهي عن الاقتعاط لذلك. فلا يكون منهيًا عنها فيجوز المسح.

стр. 153

قال: (ويجزئه مسح أكثرها. وقيل: لا يجوز إلا مسح جميعها). أما كون مسح أكثر العمامة يجزئ؛ فلأن حكم الأكثر يعطى حكم الكل. وأما كونه لا يجوز إلا مسح جميعها؛ فلأن المسح على العمامة بدل عن المسح على الرأس فوجب أن ينتقل حكم المبدل إليه. فإن قيل: الخف مسحه بدل عن غسل الرجل ولا يجب مسح جميعه. قيل: الفرق بينهما أن البدل في العمامة من جنس المبدل بخلاف البدل في الخف. وقال القاضي: يجزئ البعض قياسًا على الخف. ويختص ذلك بأكوارها وهو دوائرها. فإن مسح وسطها ففيه وجهان: أحدهما: يجزئه لأنه بدل موضع يجزئ مسحه. والثاني: لا يجزئه كما لو مسح أسفل الخف. والصحيح وجوب استيعاب العمامة كما أن الصحيح وجوب استيعاب الرأس لأن مقتضى الدليل مشابهة البدل المبدل. تُرك العمل به في الخف لمعنى هو مفقود في العمامة فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ولأن المشابهة بين البدل والمبدل في العمامة يمكن تحققها بخلاف الخف؛ لأن العمامة الواجب فيها المسح بدلاً ومبدلاً والخف الواجب فيه المسح بدلاً والغسل مبدلاً. قال: (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة). أما كون الجبيرة يمسح على جميعها؛ فلأنه مسح ضرورة ولا ضرر في مسح جميع الجبيرة فوجب الاستيعاب قياسًا على التيمم. وأما قول المصنف ﵀: إذا لم تتجاوز قدر الحاجة فشرط في جواز المسح لأنه موضع حاجة فيقيد بقدرها. قال: (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه أو انقضت مدة المسح استأنف الطهارة. وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه). أما كون الماسح إذا ظهر قدمه أو رأسه يستأنف الطهارة على المذهب؛ فلأن فرض ما انكشف الغسل. وإنما الخف أو العمامة منع من سريان الحدث فإذا زال سرى الحدث إلى الرجل أو الرأس. والحدث لا يتبعض فبطلت الطهارة من أصلها.

стр. 154

وأما كونه يجزئه مسح رأسه إن كان الممسوح عمامة، وغسل قدميه إن كان خفًا على روايةٍ؛ فلأن مسح الممسوح ناب عما تحته فإذا ظهر بطل فيما ناب عنه فقط كالتيمم. وأما كونه إذا انقضت مدة المسح يستأنف. ففيه أيضًا روايتان وجههما ما مر. فإن قيل: ما أصل ذلك؟ قيل: هذا الاختلاف يلتفت إلى أن المسح هل يرفع الحدث عن الرجل؟ فإن قلنا: لا يرتفع فقد ارتفع عن الوجه واليدين والرأس فبقي الرجلان فيكفيه غسلهما، وإن قلنا لا يرتفع فبالخلع عاد. والحدث لا يتبعض فيجب استئناف الوضوء. وقيل: منشأ الخلاف جواز التفريق؛ فإن جاز أجزأه غسل رجليه ومسح رأسه، وإلا أعاد الوضوء لفوات شرطه وهي الموالاة. والصحيح الأول عند المحققين لأن الخلاف واقع في المسألتين مطلقًا سواء كان عقيب الوضوء أو بعد مضي زمان يحصل به التفريق. قال: (ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة). أما كونه لا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى غير الجبيرة فلما روى صفوان «أمرنا رسول الله ﷺ أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفًرا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة» (١) الحديث مختصر أخرجه الترمذي. وأما كون الجبيرة لها مدخل في الطهارة الكبرى فلحديث جابر في صاحب الشجة (٢). ولأنه مسح للضرورة فيقدر بقدرها.

стр. 155

باب نواقض الوضوء قال المصنف ﵀: (وهي ثمانية: الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيرًا نادرًا أو معتادًا). أما كون نواقض الوضوء ثمانية؛ فلأن الناقض يكون تارة خارجًا من السبيلين، وتارة خروج النجاسات من سائر البدن، وتارة زوال العقل، وتارة مس الذكر، وتارة مس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وتارة غسل ميت، وتارة أكل لحم جزور، وتارة الردة عن الإسلام. وأما كون الخارج من السبيلين المعتاد كالبول والغائط والوذي والمذي والريح من نواقض الوضوء فلقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: ٦]. ولقول النبي ﷺ : «ولكن من غائط وبول ونوم» (١). و«قوله ﷺ في المذي: يغسل ذكره ويتوضأ» (٢). [وقوله ﷺ ] (٣): «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٤). وأما كون ذلك كذلك قليلاً كان أو كثيرًا فلعموم ما تقدم. وأما كون الخارج من السبيلين النادر كالدم والدود والشعر والحصا من

стр. 156

نواقض الوضوء؛ فلأن النبي ﷺ قال: «المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة» (١) رواه أبو داود. ودمها غير معتاد. وأما كون ذلك كذلك قليلاً كان أو كثيرًا فكالخارج المعتاد. قال: (الثاني: خروج النجاسات من سائر البدن. فإن كانت غائطًا أو بولاً نقض قليلها، وإن كانت غيرهما لم ينقض إلا كثيرها. وهو ما فحش في النفس، وحكي عنه أن قليلها ينقض). أما كون خروج قليل الغائط والبول من غير السبيلين ينقض الوضوء فلما تقدم من عموم قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: ٦]، وعموم قوله ﷺ : «ولكن من غائط أو بول أو نوم» (٢). ولأن ذلك خارج معتاد أشبه الخارج من المخرج. وأما كون خروج قليل النجاسات من سائر البدن غير الغائط والبول كالدم والصديد والقيح لا ينقض الوضوء على المذهب؛ فلأن مفهوم «قول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة» (٣) يدل عليه. قال أحمد ﵁: عِدّة من الصحابة تكلموا فيه. ابن عمر عصر بيده فخرج الدم فصلى ولم يتوضأ (٤). وابن أبي أوفى عصر دملاً. وذكر غيرهما ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا. وأما كونه ينقض على روايةٍ فقياس على الغائط.

стр. 157

والأول أصح؛ لما تقدم. وأما كون خروج كثير ذلك ينقض؛ فلأن النبي ﷺ قال في حديث فاطمة: «أنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة» (١) رواه الترمذي. ولأنها نجاسة خارجة من البدن أشبه الخارج من السبيل. وأما كون الكثير الناقض للوضوء هو ما فحش في النفس دون غيره؛ فلأن ابن عباس قال: هو ما فحش في نفسك. وعن الإمام أحمد: هو شبر في شبر. وعنه: ما يرفعه الأصابع العشر. والأول هو ظاهر المذهب. قال الخلال: الذي استقر عليه مذهبه - يعني الإمام أحمد ﵁ أنه - أي أن الكثير - قدر ما يستقبحه كل إنسان في نفسه. وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المبتذلين ولا الموسوسين كما يعتبر في اللقطة فيما لا تتبعه همة (٢) نفوس أوساط الناس غير ذي الشرف وأهل الدناءة. قال: (الثالث: زوال العقل إلا النوم اليسير جالسًا أو قائمًا. وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره). أما كون زوال العقل بغير النوم من نواقض الوضوء؛ فلأن زائل العقل لا يشعر بخروج الخارج. ولأن زوال العقل بالنوم ينقض لما يأتي؛ فلأن ينقض بغيره بطريق الأولى لأن زواله بغير النوم أشد من زواله بالنوم لأن زائل العقل بغير النوم لا ينتبه إذا نُبّه بخلاف زائل العقل بالنوم فإنه إذا نُبه انتبه. وأما كون زواله بالنوم الكثير من نواقض الوضوء؛ فلأن مقتضى الدليل نقض الوضوء بزوال العقل مطلقًا لما تقدم. تُرك العمل به في النوم اليسير لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.

стр. 158

ولأن النبي ﷺ قال: «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» (١) رواه أبو داود. ولأن النوم مظنة للحدث فقام مقامه كسائر المظان. وأما كون (٢) نوم المضطجع من نواقض الوضوء فلعموم ما تقدم. ولأن المحل يكون منفتحًا حال اضطجاعه. وأما كون يسير نوم الجالس لا ينقض فـ «لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العشاء، فينامون قعودًا ثم يصلون ولا يتوضؤون» (٣) رواه مسلم. ولأن النوم إنما نقض لأنه مظنة لخروج الريح من غير أن يعلم به ولا يحصل ذلك هنا لأن محل الحدث مُنضمٌ. وأما كون يسير نوم القائم لا ينقض؛ فلأنه في معنى الجالس لاشتراكهما في انضمام محل الحدث. وأما كون يسير نوم الراكع والساجد ينقض على المذهب فلعموم الحديث المتقدم. وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن حالهما حال من أحوال الصلاة أشبه الجالس. والأول أولى لما تقدم. وقياسهما على الجالس لا يصح لأن محل الحدث فيهما منفتح بخلاف الجالس. فإن قيل: ما اليسير غير الناقض؟ قيل: المرجع فيه إلى العرف لأنه لا حد له في الشرع فرجع فيه إلى العرف كالقبض والحِرز.

стр. 159

قال: (الرابع: مس الذكر بيده ببطن (١) كفه أو بظهره). أما كون مس الذكر من نواقض الوضوء فلما روت بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (٢) قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وأما كون مس الذكر ينقض ببطن الكف أو بظهره فلشمول الحديث لذلك. وعن الإمام أحمد لا ينقض مسه بظاهر الكف لأن اللمس غالبًا إنما يستعمل بباطن الكف. ولا فرق بين ذكره وذكر غيره في النقض لأن نصه على نقضه بمس ذكره مع إباحة مسه تنبيه على النقض بمس ذكر غيره مع كونه معصية بل بطريق الأولى. وفي بعض الألفاظ: «من مس الذكر فليتوضأ» (٣). ولا بين كون الممسوس صغيرًا أو كبيرًا حيًا أو ميتًا. ولا بين كون اللامس عامدًا أو ساهيًا أو صغيرًا أو كبيرًا. ولا بين رأس الذكر وأصله لشمول الاسم لذلك كله. وعن الإمام أحمد في السهو أنه لا ينقض لأنه معفو عنه. وأن النقض مختص برأس الذكر دون أصله لأنه مظنة الشهوة غالبًا. قال: (ولا ينقض مسه بذراعه. وفي مس الذكر المقطوع وجهان). أما كون مس الذكر بالذراع لا ينقض؛ فلأن الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع يحمل على الكوع دليله السارق. وعن أحمد ﵁ ينقض لأنه من يده.

стр. 160

والأول أصح لما ذكر. وأما كون مس الذكر المقطوع ينقض في وجه فلبقاء الاسم. وأما كونه لا ينقض في وجه فلذهاب الحرمة والشهوة أشبه فرج البهيمة. قال: (وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره انتقض وضوؤه. وإن مس أحدهما لم ينتقض إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة). أما كون من لمس قبل الخنثى المشكل وذكره ينتقض وضوؤه؛ فلأن لمس الفرج هنا متيقن لأن الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمس ذكره وإن كان أنثى فقد مس فرجها. وأما كون من لمس أحدهما غير المستثنى لاينتقض وضوؤه فلاحتمال أن يكون غير فرج فلا ينتقض الوضوء مع قيام الاحتمال. وأما كون الرجل إذا لمس ذكر الخنثى لشهوة ينتقض وضوؤه؛ فلأن الخنثى إن كان رجلاً فقد لمس ذكرًا وإن كان امرأة فقد لمس الرجل امرأة لشهوة. هذا تعليل كلام المصنف ﵀. واعلم أنه إذا لمس أحدهما ينتقض في روايةٍ أخرى لم يذكرها المصنف هنا. وهي أن تلمس المرأة قُبُلَه لشهوة؛ لأن الخنثى إن كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان رجلاً فقد لمسته لشهوة. صرح به صاحب المجرد فيه. قال: (وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان. وعنه لا ينقض مس الفرج بحال). أما كون مس الدبر ينقض في روايةٍ فلعموم قوله: «من مس ذكره فليتوضأ» (١). وقياسًا على الذكر. وأما كونه لا ينقض في روايةٍ؛ فلأنه لم يرد فيه نص صريح. وقوله: «من مس فرجه» المراد به الذكر لأن المشهور من الحديث: «من مس ذكره فليتوضأ» والمطلق يجب حمله على المقيد.

стр. 161

وأما كون مس المرأة فرجها ينقض في روايةٍ فلما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ» (١). ولما تقدم من عموم قوله: «من مس فرجه فليتوضأ» (٢). ولأنه أحد الفرجين أشبه الآخر. وأما كونه لا ينقض في روايةٍ فلما تقدم من أن المطلق يحمل على المقيد. والحديث ضعيف. وأما كون مس الفرج لا ينقض بحال على روايةٍ فلما روى قيس بن طلق عن أبيه «أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة. فقال: هل هو إلا بضعة منك» (١) رواه أبو داود. والأول أصح لما تقدم من حديث بنت صفوان (٢). وعن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر فليتوضأ وضوءه للصلاة» (٤) رواه الدارقطني. وأما حديث قيس بن طلق فضعيف. وعلى تقدير صحته هو منسوخ؛ لأنه كان في أول الهجرة، وما روي في النقض متأخر عن ذلك.

стр. 162

قال: (الخامس: أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة. وعنه لا ينقض. وعنه ينقض لمسها بكل حال. ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر والأمرد. وفي نقض وضوء الملموس روايتان). أما كون مس بشرة الرجل بشرة أنثى لشهوة من نواقض الوضوء على المذهب فلما يأتي. وأما كونه لا ينقض بحال على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ قبّل امرأة من نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» (١) رواه أبو داود. وأما كونه ينقض بكل حال على روايةٍ فلقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: ٦] قراءة ابن مسعود. والأول هو الصحيح لأن فيه جمعًا بين القرآن الكريم وبين فعل النبي ﷺ . فتحمل الآية على السهو، ويحمل فعله على أنه كان لغير شهوة. ولا فرق في هذا اللمس بين الأجنبية وذات المحرم. والصغيرة والكبيرة. والحية والميتة لعموم الآية ووجود العلة. واختار الشريف أبو جعفر وابن عقيل أن لمس الميتة لا ينقض لأنها ليست محلاً للشهوة فهي كالرجل. وهذا اللمس مختص بالعضو المتصل؛ لأن المنفصل خرج أن يكون محلاً للشهوة. وأما كون لمس الشعر والسن والظفر لا ينقض؛ فلأن ذلك ينفصل عن المرأة حال السلامة أشبه الدمع والعرق. ولأنه لا يقع على المرأة الطلاق بإضافته إليه، ولا الظِّهار فكذلك لا ينقض الوضوء. وأما لمس الأمرد لا ينقض فلعدم تناول الآية له. ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعًا.

стр. 163

وأما كون وضوء الملموس ينقض في روايةٍ فقياسًا على اللامس. وأما كونه لا ينقض في روايةٍ فلعموم تناول الآية لذلك. وقياسه على اللامس لا يصح لأن الحدث في حقه أدعى منه حق الملموس. قال: (السادس: غسل الميت. السابع: أكل لحم الجزور لقول النبي ﷺ : «توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم» (١). فإن شرب من لبنها فعلى روايتين. وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين). أما كون غسل الميت من نواقض الوضوء فـ «لأن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء». وعن أبي هريرة قال: «أقل ما فيه الوضوء». ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا. ولأن الغالب أنه لا يسلم أن تقع يده على فرجه فكانت مظنة ذلك قائمة مقام حقيقته كالنوم. وأما كون أكل لحم الجزور من نواقض الوضوء فلما ذكر المصنف من قول النبي ﷺ : «توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم» رواه الإمام أحمد. ولا فرق في النقض به بين كونه نيًا أو مطبوخًا أو مشويًا. ولا بين كون الآكل عالمًا أو جاهلاً لعموم الحديث. فإن قيل: فقد روى جابر «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار» (٢) رواه النسائي. قيل: لا دلالة في ذلك إلا على نسخ وجوب الوضوء مما مسته النار لأجل كونه ممسوسًا بالنار. ونحن نقول به ولذلك ينتقض الوضوء بأكل لحم الجزور نيًا.

стр. 164

وعن الإمام أحمد ﵀ أن من لم يعلم بالحديث لا ينتقض وضوؤه لعذره. وعنه: لا ينقض بحال؛ لقوله ﵇: «الوضوء مما يخرج لا مما يدخل» (١) رواه الدارقطني. ولأنه مأكول أشبه لحم الغنم. والصحيح الأول لما ذكرنا. ولأن رجلاً سأل النبي ﷺ : «أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم» (٢) رواه مسلم. والأحاديث في هذا صحيحة كثيرة. فإن قيل: المراد بالوضوء غسل اليدين لأن الوضوء المقرون بالأكل يراد به الغسل ولذلك حمل عليه «أمر النبي ﷺ بالوضوء قبل الطعام وبعده» (٣). قيل: هذا التأويل غير صحيح من وجوه أربعة: أحدها: أنه حمل للأمر على الاستحباب وهو ظاهر في الوجوب. الثاني: أنه حمل للوضوء الوارد من الشرع على غير موضوعه الشرعي.

стр. 165

الثالث: أنه جمع بين ما أمر النبي ﷺ وبين ما نهى عنه فـ «إنه ﷺ أمر بالوضوء من لحم الإبل ونهى عنه من لحم الغنم» والخصم يقول يستحب فيهما. الرابع: أن السائل سأل عن الوضوء من لحم الإبل والصلاة في مباركها، والوضوء المقترن بالصلاة لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي. وأما كون الشرب من لبنها ينقض على روايةٍ فلما روي عن أسيد بن حضير «أن النبي ﷺ سئل عن ألبان الإبل. فقال: توضؤا من ألبانها» (١) رواه الإمام أحمد ﵁ وابن ماجة. وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن الحديث الصحيح إنما ورد في اللحم فيجب الاقتصار عليه. وأما كون الأكل من كبدها أو طحالها ينقض على وجه؛ فلأن ذلك من جملة الجزور فإطلاق لفظ اللحم تناوله بدليل أن الله تعالى لما حرم لحم الخنزير تناول ذلك جميع أجزائه. وأما كونه لا ينقض على وجه؛ فلأنه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى ما نص عليه فوجب بقاؤه على ما كان عليه. فإن قيل: ما حكم دهنها وسنامها ومرقها وسائر أجزائها. قيل: حكم كبدها لاشتراك ذلك كله فيما ذكر قبل. قال: (الثامن: الردة عن الإسلام). أما كون الردة وهي الإتيان بما يخرج به عن الإسلام من نطق أو اعتقاد أو شك من نواقض الوضوء فلقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥]. والوضوء عمل وهو باق حكمًا يبطل بجميع مبطلات الوضوء. ولأنه عبادة فأفسدته الردة كالصلاة.

стр. 166

ولأن الردة حدث بدليل قول ابن عباس: «الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان». فيفسد الوضوء لقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (١) متفق عليه. قال: (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين. فإن تيقنهما وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فإن [كان] (٢) متطهرًا فهو محدث، وإن كان محدثًا فهو متطهر). أما كون من تيقن الطهارة وشك في الحدث يبني على اليقين وهو الطهارة هنا فلما روى عبدالله بن زيد «شكي إلى رسول الله ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٣) متفق عليه. ولأن اليقين لا يزول بالشك. وأما كون من تيقن الحدث وشك في الطهارة يبني على اليقين وهو الحدث هنا فلما تقدم من أن اليقين لا يزول بالشك. ولأنه إذا بنى من تيقن الطهارة وشك في الحدث على اليقين؛ فلأن يبني من تيقن الحدث وشك في الطهارة على اليقين بطريق الأولى. وأما كون من تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما محدثًا إذا كان قبلهما متطهرًا؛ فلأنه تيقن الحدث بعد طهارته الأولى وشك في الطهارة الثانية هل كانت بعد الحدث أو قبله فلا يزول عن اليقين بالشك.

стр. 167

وأما كونه متطهرًا إذا كان قبلهما محدثًا؛ فلأنه تيقن بعد حدثه الأول طهارة وشك هل كان الحدث الآخر قبل طهارته أو بعدها؟ فلا يزول عن اليقين بالشك. قال: (ومن أحدث حرم (١) عليه الصلاة، والطواف، ومس المصحف). أما كون من أحدث يحرم عليه الصلاة فلقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). وأما كونه يحرم عليه الطواف فلقوله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» (٣) رواه الشافعي في مسنده. وأما كونه يحرم عليه مس المصحف فلقول الله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩]. ولقوله ﵇: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» (٤) رواه الأثرم.

стр. 168

باب الغَسل قال أبو محمد بن بري: الغسل بفتح الغين. قال المصنف ﵀: (وموجِباته سبعة: خروج المني الدافق بلذة. فإن خرج لغير ذلك لم يوجب). أما كون موجبات الغسل سبعة؛ فلأن موجِبَه تارة يكون خروج المني، وتارة يكون التقاء الختانين، وتارة إسلام الكافر، وتارة الموت، وتارة الحيض، وتارة النفاس، وتارة الولادة. أما كون خروج المني الدافق بلذة من موجِباته فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]. وقوله ﵇: «إذا فضخت الماء فاغتسل» (١) رواه أبو داود. وأما كونه لا يوجب إذا خرج لغير ذلك؛ مثل أن يخرج لغير لذة، أو يضرب ظهره فيسبق المني، أو يسيل منه لاسترخاء في أوعيته فـ «لأن النبي ﷺ وصف المني الموجب للغسل بكونه غليظًا أبيض» (٢) كما يأتي وعلق الغسل على فضخه. والفضح: خروجه على وجه الشدة. ولأنه خرج على غير المعتاد فلم يوجب الغسل كما لو (٣) خرج من غير المخرج المعتاد. فإن قيل: ما صفة المني؟

стр. 169

قيل: مني الرجل ماء ثخين أبيض له رائحة كرائحة العجين تشتد الشهوة عند خروجه ويعقبه فتور. ومني المرأة ماء رقيق أصفر رائحته تشبه رائحة بيضٍ منتن؛ لما روى أنس «أن أم سُليم سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. فقال ﷺ : إذا رأت ذلك فأنزلت فعليها الغسل. فقالت أم سُليم: أَوَيكون ذلك. قال: نعم. ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر. فأيهما سبق أو علا أشبهه الولد» (١) رواه مسلم. قال: (وإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين. فإن خرج بعد الغسل، أو خرجت بقية المني لم يجب الغسل. وعنه يجب. وعنه يجب إذا خرج قبل البول دون ما بعده). أما كون من أحس بانتقال منيه فأمسك ذكره فلم يخرج يجب عليه الغسل على روايةٍ فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. لأن الجنابة مشتقة من المجانبة والمباعدة ولذلك فسر قوله تعالى: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦] بالبعيد في النسب. وقيل: بالبعيد في الدين. وهذا المني قد جانب محله فصاحِبُه جنب فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وأما كونه لا يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ علق الاغتسال على رؤية المني في قوله: «نعم إذا رأت الماء» (٢). وعلقه على الفضخ في قوله: «إذا فضخت الماء فاغتسل» (٣). ولم يوجد واحد منهما. ولأن الشهوة بمجردها لا توجب الغسل لأنها أحد وصفي العلة. والأولى هي الصحيحة في المذهب لما ذكر. ولأن المني المذكور في حكم المني المفضوخ. وأما كونه لا يجب عليه الغسل إذا خرج بعد الغسل مطلقًا على المذهب؛ فلأنها جنابة واحدة فلم يجب بها غسلاً كما لو خرج الماء دفعة واحدة.

стр. 170

وأما كونه يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن الاعتبار بخروجه وقد وجد. وأما كونه إن خرج قبل البول يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن خروجه يكون لشهوة. وكونه إن خرج بعده لا يجب عليه عليها؛ فلأنه يكون بغير دفق وشهوة ولا يعقبه فتور فلم يجب الغسل لفقدان صفة المني الموجِب. وأما كون من أمنى فاغتسل ثم خرجت بقية منيه لا يجب عليه الغسل ففيه الروايات الثلاث ودليلها ما مر قبل. قال: (الثاني: التقاء الختانين. وهو: تغييب الحشفة في الفرج قبلاً كان أو دبرًا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت). أما كون التقاء الختانين من موجبات الغسل فلقول النبي ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» (١) رواه مسلم. وأما قول المصنف ﵀: وهو تغييب الحشفة في الفرج فتفسير لالتقاء الختانين لأن ختان الرجل موضع القطع وختان المرأة مستعل على ختان المرأة في أعلا الجلد فإذا غابت الحشفة تحاذيا والتحاذي يطلق عليه الالتقاء ومنه التقاء الفارسان إذا تحاذيا. وأما كون الدبر كالقبل والبهيمة كالآدمي والميت كالحي في إيجاب الغسل بتغييب الحشفة فلاشتراك الكل في تغييب الحشفة الموجب للغسل. ولأن التغييب المذكور في الدبر والبهيمة والميتة إيلاج في فرج فأوجب الغسل كالآدمية الحية. قال: (الثالث: إسلام الكافر أصليًا كان أو مرتدًا. وقال أبو بكر: لا غسل عليه). أما كون إسلام الكافر من موجبات الغسل على المذهب فلما روى قيس بن عاصم قال: «أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر» (٢) رواه أبو داود والنسائي.

стр. 171

وظاهر أمره الإيجاب. وأما كون المرتد كالأصلي فلاستواءهما في المعنى الذي وجب له الغسل وهو الإسلام فلا فرق بين أن يغتسل الكافر قبل إسلامه أو لا يغتسل. ولا بين من أجنب حال كفره أو لم يجنب؛ لأن النبي ﷺ أمر بالغسل من غير استفصال. ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال. وأما كون الكافر إذا أسلم لا غسل عليه على قول أبي بكر؛ فلأن العدد الكثير والجمهور الغفير أسلموا زمن رسول الله ﷺ فلو أمر كل واحد بالغسل لنقل نقلاً متواترًا. قال: (والرابع: الموت. والخامس: الحيض. والسادس: النفاس. وفي الولادة وجهان). أما كون الموت من موجِبات الغسل؛ فلأن غَسل الميت مأمور به لما يأتي. ولو لم يجب بالموت لما أُمر به. والغسل المذكور تعبد لا عن حدث ولا عن نجس لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه كالحائض لا تغتسل من جريان الدم، ولو كان عن نجس لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت وقد قال النبي ﷺ : «لا تنجسوا موتاكم؛ المؤمن طاهر حال حياته وبعد وفاته» (١).

стр. 172

وأما كون الحيض من موجِباته؛ فلأن النبي ﷺ أمر بالغسل من الحيض في أحاديث كثيرة فقال لفاطمة بنت قيس: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» (١) متفق عليه. وأمر به في حديث أم سلمة (٢) وحديث عدي عن أبيه عن جده (٣) رواه أبو داود والترمذي. وأمر به أم حبيبة (٤) وسهلة بنت سهيل (٥) وغيرهما. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن ... الآية﴾ [البقرة: ٢٢٢] منع الزوج من وطئها قبل الغسل وذلك يدل على وجوبه عليها لأنها يجب عليها الوطء لزوجها فيجب عليها الغسل لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجبٌ. وأما كون النفاس من موجباته؛ فلأنه دم حيض اجتمع فوجب أن يعطى حكم الحيض. وأما كون الولادة من موجباته في وجه؛ فلأن الولد مخلوق أصله المني أشبه المني. ولأنه يُستبرأ به الرحم أشبه الحيض.

стр. 173

وأما كونه ليس من موجباته في وجه وهو الصحيح؛ فلأنه مني استحال وخرج على غير الوجه المعتاد أشبه العلقة. ولا بد أن يلحظ أن الولادة عرية عن الدم لأنها إذا لم تكن كذلك يكون نفاسًا موجبًا للغسل بلا خلاف لما تقدم. ولذلك ألحق بعض من أذن له المصنف ﵀ في الإصلاح: العارية عن الدم ليخرج الولادة التي معها دم عن الخلاف المذكور. قال: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعدًا. وفي بعض آية روايتان). أما كون من لزمه الغسل يحرم عليه قراءة آية فصاعدًا فلما روى علي ﵁ عن النبي ﷺ «أنه لم يكن يحجبه أو يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة» (١) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» (٢) رواه أبو داود. وأما كونه يحرم عليه قراءة بعض آية في روايةٍ فلعموم الأحاديث. وأما كونه لا يحرم عليه في روايةٍ؛ فلأنه لا يحصل الإعجاز بذلك ولا يجزئ في الخطبة. ولأنه لا يُمنع الجنب من قول: ﴿الحمد لله﴾ [الفاتحة: ٢] بالاتفاق. وهي نصف آية، ولا من قول: ﴿بسم الله﴾ [الفاتحة: ١]. وهي بعض آية.

стр. 174

قال: (ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم عليه اللبث فيه إلا أن يتوضأ). أما كون من لزمه الغسل يجوز له العبور في المسجد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣]. و«لأن النبي ﷺ قال لعائشة: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست في يدك» (١) متفق عليه. وعن جابر: «كنا نمر في المسجد ونحن جنب». ولا بد أن يُلحظ في المرور المذكور العذر فإن لم يكن عذرٌ لم يجز لأن له مندوحة عنه. وأما كونه يحرم عليه اللبث في المسجد إذا لم يتوضأ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]. ولأن عائشة روت أن النبي ﷺ قال: «لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» (٢) رواه أبو داود. فإن قيل: المنهي عنه في الآية قربان الصلاة فما وجه الاحتجاج به على تحريم اللبث في المسجد؟ قيل: المراد بالصلاة موضعها لأن الصلاة حقيقة لا يعبر فيها فحيث نَهى عن قربانها واستثنى عابر السبيل عُلم أن المراد الموضع لا الصلاة. وأما كونه لا يحرم عليه ذلك إذا توضأ فلما روى زيد بن أسلم «كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد على غير وضوء. وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث» (٣) رواه حنبل بن إسحاق صاحب أحمد.

стр. 175

وهذا إشارة إلى جميعهم، وتكرار الفعل منهم، وكونه معلومًا عندهم فيكون إجماعًا يُخص به العموم المتقدم. وعن عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مُجنِبون إذا توضؤا وضوء الصلاة» (١) رواه سعيد بن منصور في سننه. ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث أشبه المتيمم عند عدم الماء. ودليل خفة حدثه «أن النبي ﷺ أمر بالوضوء لمن أراد النوم وهو جنب» (٢).

стр. 176

فصل [في الأغسال المستحبة] قال المصنف ﵀: (والأغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلاً: للجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومن غسل الميت، والمجنون، والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام، وغسل المستحاضة لكل صلاة، والغسل للإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف). أما كون الغسل للجمعة من الأغسال المستحبة فلقوله ﷺ : «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١) رواه أحمد والترمذي والنسائي. والضمير في فبها عائد إلى السنة أي فبالسنة أخذ، ونعمت يعني الخُلّة. وعن الإمام أحمد أنه واجب لقوله ﵇: «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» (٢) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ولقوله ﵇: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٣) متفق عليه.

стр. 177

والصحيح الأول. والأمر في الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما تقدم. و«لأن عثمان ﵁ أتى الجمعة ولم يغتسل» (١). وأما قوله: واجب فقد قيل كان واجبًا ثم نسخ. وقيل: أطلق الواجب على ذلك لتأكد الاستحباب كما يقول: حقك واجب علي. وأما كون الغسل للعيدين من الأغسال المستحبة فـ «لأن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر» (٢) رواه ابن ماجة. و«لأن عليًا وابن عمر ﵄ كانا يأمران بالغسل لهما» (٣). ولأن صلاة العيد صلاة وقت شرط لها الجماعة أشبهت الجمعة. فإن قيل: ما وقته؟ قيل: وقت غسل الجمعة. وقيل: يجوز قبل طلوع الفجر بخلاف الجمعة. والفرق بينهما أن وقت العيد ضيق فلو لم يجز إلا بعد طلوع الفجر لتطرق الفوات إلى كثير من الناس بخلاف الجمعة فإن وقتها واسع فلا يؤدي عدم الجواز قبل الفجر إلى ذلك. وأما كون الغسل للاستسقاء والكسوف من الأغسال المستحبة؛ فلأن الصلاة لكل واحد منهما يسن لها الاجتماع فيسن لها الغسل كالجمعة.

стр. 178

وأما كون الغسل من غسل الميت منها فلما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» (١) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن. وروي عن علي وأبي هريرة (٢) ﵄ أنهما قالا: «من غسل ميتًا فليغتسل» (٣). وأدنى أحوال ذلك الاستحباب. وأما كون الغسل للمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام منها: أما المجنون؛ فلأنه يستحب للمغمى عليه لما يأتي؛ فلأن يستحب للمجنون بطريق الأولى. وأما المغمى عليه فـ «لأن النبي ﷺ أغمي عليه فاغتسل» (٤) متفق عليه. ولأنه مختلف في وجوبه وأدنى أحواله الاستحباب. وأما كون غسل المستحاضة لكل صلاة منها فـ «لأن النبي ﷺ أمر المستحاضة بالغسل فكانت تغتسل لكل صلاة» (٥) متفق عليه.

стр. 179

ولأنه يجوز انقطاع الدم المختص بالحيض حينئذ. ولأن فيه تخفيفًا لحدثها لما تقدم في الجنب. وأما كون الغسل للإحرام منها فـ «لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل وتهل» (١) رواه مسلم. فإن قيل: إنما أمرها بذلك لما هي فيه من النفاس وهذا المعنى مفقود في كل محرم. قيل: ليس الأمر كذلك. وإنما أمرها به للإحرام لأن حدث النفاس مستمر والغسل لا يؤثر فيه. فعلى هذا يستحب في حق كل محرم لاشتراك الكل في الإحرام. ويعضد ذلك «أن رسول الله ﷺ تجرد لإحرامه واغتسل» (٢) رواه الترمذي. وعن عائشة «أنه كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأُشنان» (٣) رواه البخاري. وأما كون الغسل لدخول مكة منها فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ بات حتى صلى الصبح واغتسل ثم دخل مكة» (٤) رواه مسلم بمعناه. وأما كون الغسل للوقوف بعرفة منها فـ «لأن النبي ﷺ كان يغتسل يوم عرفة» (٥) رواه ابن ماجة. وروى مالك في الموطأ «أن ابن عمر كان يغتسل إذا راح إلى عرفة» (٦).

стр. 180

وأما كون الغسل للمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والطواف منها؛ فلأنها مواضع يجتمع لها الناس ويزدحمون ويعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا بالعرق والرائحة فاستحب فيها الغسل تنظيفًا وتخفيفًا كالجمعة.
следующие страницы →