قال: (ومن تهوّد، أو تنصّر بعد بعث نبينا محمد ﷺ ، أو ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين).
أما كون من تهوّد أو تنصّر بعد بعث نبينا ﷺ تقبل منه الجزية على وجهٍ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
وأما كونه لا يقبل منه على وجهٍ فلأنه انتقل إلى دين باطل.
وأما كون من ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما تقبل على وجهٍ فلما ذكر قبل.
وأما كونه لا تقبل منه على وجه فلأنه تعارض فيه القبول وعدم القبول فرجع إلى الأصل.
قال: (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين، ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم. ومصرفه مصرف الجزية. وقال الخرقي: مصرف الزكاة. ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم. وقال القاضي: تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم).
أما كون الجزية لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فلما روي «أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبو وأنفوا، وقالوا: نحن عرب. خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة. فلحق بعضهم بالروم. فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم وردهم» (١).
وأما كون الزكاة تؤخذ من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين فلأن تكملة حديث عمر المتقدم ذكره: «وضعّف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً دينارا، ومن كل مائتي درهم عشر دراهم، ومما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو عرب أو دولاب العشر».
стр. 1122
واستقر ذلك من قول عمر ولم يخالف غيره من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون ذلك يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم فلأن حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة، والزكاة تؤخذ في جميع هذه الصور فكذا يؤخذ منهم فيما هو ملحق بها.
وأما كون مصرف المأخوذ منهم مصرف الجزية على قول غير الخرقي فلأنه مأخوذ من مشرك.
ولأنه جزية مسماة بالصدقة، ولذلك قال عمر: «هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم».
وأما كون مصرفه مصرف الزكاة على قول الخرقي فلأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسالك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها.
قال المصنف ﵀ في المغني: الأول أقيس لأن المعنى أخص من الاسم. ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعه إلى فقراء من أخذت منهم كصدقات المسلمين.
وأما كون ذلك لا يؤخذ من كتابي غيرهم على المذهب فلأن قوله تعالى: ﴿مِن الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩]، وقوله ﵇ لمعاذ: «خذ من كل حالم ديناراً» (١) عامٌّ في كل كتاب خرج منها نصارى بني تغلب لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
و«لأن النبي ﷺ قبل الجزية من أهل نجران» (٢) وكانوا نصارى.
و«أخذها من أكيدر دومة» (٣) وهو عربي.
стр. 1123
وأما كونها تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم على قول القاضي فلأنهم من العرب أشبهوا بني تغلب.
قال: (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمِنٍ ولا أعمى ولا عبدٍ ولا فقير يعجز عنها).
أما كون الصبي لا جزية عليه فلأن قوله ﵇: «خذ من كل حالم» (١) يدل بمفهومه على أنه لا يؤخذ من صبي.
ولأن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان» (٢) رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم.
وأما كون المرأة لا جزية عليها فلما تقدم من قول عمر.
وأما كون الزمِنِ والأعمى لا جزية عليهما فلأنهما محقونان الدم أشبها الصبي والمرأة. وفي معناه من راهبٍ وشيخ فانٍ وشبههما.
وأما كون العبد لا جزية عليه فلقوله ﵇: «لا جزية على العبد» (٣).
وعن ابن عمر مثله.
ولأنه مال فلم تجب عليه الجزية كسائر الحيوانات.
ولأنه محقون الدم أشبه الصبي.
وأما كون الفقير لا جزية عليه فلقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولأنه مال يجب بحول الحول فلم يلزم الفقير كالزكاة والعقل.
стр. 1124
واشترط المصنف ﵀ في الفقير العجز عن الأداء لأنه هو الذي يتعذر عليه وتشمله الآية فلو كان لا يعجز عنها ولو بصنعة وجبت عليه لأنه في حكم الأغنياء.
قال: (ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول، ويؤخذ منه آخر الحول بقدر ما أدرك).
أما كون من بلغ أو أفاق أو استغنى من أهل الجزية بالعقد الأول فلأنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا أصحابه تجديد عقد لصبي بلغ ولا مجنون أفاق ولا فقير استغنى.
ولأن العقد يكون مع سادة أهل البلدة فيدخل فيه سائرهم فكذا هؤلاء.
وأما كون من ذكر يؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك فلأن الجزية للسنة.
فعلى هذا من وجد منه ما ذكر في أول السنة أخذ في آخرها كل الجزية، ولو وجد في نصفها أخذ نصفها، وعلى هذا بالحساب، ولا يترك حتى يتم حولاً من حين وجد سببه لأنه يحتاج إلى إفراده بحول، وضبط حول كل إنسان يؤخذ منه يشق ويتعذر.
قال: (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولاً أخذت منه، ويحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه).
أما كون من ذكر تلفق إفاقته فلأنه أمكن من غير مشقة.
وأما كون من بلغت إفاقته حولاً تؤخذ منه الجزية حينئذ على المذهب فلأن حوله لا يكْمل إلا حينئذ.
وأما كونه يحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه فلأن الجزية تؤخذ في كل حول فوجب الأخذ منه بحسابه.
стр. 1125
قال: (وتقسم الجزية فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير اثنا عشر. والغني منهم من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب).
أما كون الجزية تقسم بين أهل الكتاب فيجعل ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير فلأن عمر ﵁ هكذا فعل (١) بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه فكان إجماعاً.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ لما وجهه إلى اليمن: «خذ من كل حالم ديناراً» (٢).
قيل: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الفقر كان فيهم أغلب. ولذلك يروى عن مجاهد أنه قيل له: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: ذلك من أجل اليسار.
وثانيهما: أن الجزية يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام وكان الدينار في ذلك الزمان اجتهاد إمامه والأربعة اجتهاد إمام زمنها.
وأما كون الغني من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب فلأن المقادير توقيفية ولا توقيف في ذلك فوجب رده إلى العرف كالحِرز والقبض.
وفي قول المصنف ﵀: في ظاهر المذهب إشعار بأن فيه خلافاً وهو صحيح لأن فيه ثلاث روايات:
إحداها: ما تقدم.
وثانيها: أن من ملك نصاباً فهو غني قياساً على المسلم.
وثالثها: أن ملك عشرة آلاف ديناراً فهو غني لأن من ملك دون ذلك لا يعد في بعض البلاد غنياً.
والأول أصح؛ لما ذكر.
стр. 1126
ولأن العرف يختلف بالنسبة إلى البلدان فوجب اعتباره لئلا يحكم بغنى شخص وهو فقير عند أهل بلده.
قال: (ومتى بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله، وحرم قتالهم. ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية. وإن مات أخذت من تركته. وقال القاضي: تسقط).
أما كون من بذل الواجب يلزم قبوله فلأن النبي ﷺ قال لمعاذ: «ادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» (١).
وأما كونه يحرم قتالهم فلقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله -إلى قوله: - حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩] جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم. فمتى بذلوا الجزية حرم قتالهم لذلك، ولما تقدم من الحديث.
وأما كون من أسلم بعد الحول سقط عنه الجزية فلأن الله تعالى قال: ﴿قُل للذين كفروا إن ينتهوا يًغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على المسلم جزية» (٢) رواه الخلال.
وروي عن عمر أنه قال: «إن أخذها في كفه ثم أسلم يردها عليه».
وعن النبي ﷺ : «لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج» يعني الجزية.
ولأن الجزية صَغار ولا تجب عليه كالمسلم.
ولأنها وجبت بسبب الكفر فوجب أن يُسقطها الإسلام كالقتل.
وأما كون من مات تؤخذ الجزية من تركته على المذهب فلأن الجزية دَين وجب عليه في حياته فلم تسقط بموته كدين الآدمي.
وأما كونها تسقط على قول القاضي فلأن الجزية عقوبة فسقطت بالموت كالحد.
والأول أولى؛ لما ذكر. والحد إنما يسقط لفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف هذا.
стр. 1127
قال: (وإن اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها. وتؤخذ الجزية في آخر الحول. ويمتهنون عند أخذها، ويطال قيامهم وتجر أيديهم).
أما كون الجزية إذا اجتمعت تستوفى كلها فلأنها دَين فإذا اجتمعت استوفيت كلها كديون الآدمي.
ولأنها حق مال يجب في آخر كل حول فلم تتداخل كالدية.
وأما كون الجزية تؤخذ في آخر الحول فلأنها مال يتكرر بتكرار الحول فوجب أخذها في آخر الحول لا في أوله كالدية.
فإن قيل: فالله تعالى قال: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩] أمر بالقتال إلى أن يعطوا الجزية فينبغي أن يجب بأول الحول.
قيل: المراد الالتزام. بدليل أنه يحرم قتلهم بمجرد البذل قبل الأخذ.
وأما كونهم يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم وتجر أيديهم فلأن الله تعالى قال: ﴿حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
فإن قيل: الامتهان المذكور هل هو مستحق أو مستحب؟
قيل: فيه خلاف. ويتفرع عليه عدم جواز التوكيل إن قيل هو مستحق لأن العقوبة لا يدخلها النيابة. وكذا عدم صحة ضمان الجزية لأن البراءة تحصل بأداء الضامن فتفوت الإهانة. وإن قيل هو مستحب انعكست الأحكام المذكورة.
قال: (ويجوز أن يُشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وتبين أيام الضيافة وقدر الطعام والإدام والعلف وعدد من يضاف، ولا تجب عليهم من غير شرط. وقيل: تجب).
أما كون اشتراط الضيافة المذكورة على أهل الكتاب تجوز فلأن النبي ﷺ روي عنه «أنه ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة نفس وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين» (١).
стр. 1128
وروى الأحنف بن قيس «أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة» (١) رواه أحمد.
وروي عن عمر «أنه قضى على أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام وعلف دوابهم وما يصلحهم» (٢).
ولأن الاشتراط ضرب من المصلحة لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضراراً بهم فإذا اشترطت عليهم الضيافة أُمن ذلك.
وأما كون أيام الضيافة وقدر الطعام والإدام والعلف وعدد من يضاف يبين فلأن الضيافة حق وجب فعله فوجب بيانه كالجزية.
وقال المصنف في الكافي ما معناه: أنه إن شرط عليهم الضيافة وأطلق جاز؛ لأن عمر لم يقدر ذلك. ولما شكي إليه اعتداء الأضياف قال: «أطعموهم مما تأكلون» (٣). فعلى هذا لا يجب عليهم ضيافة أكثر من يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلم، ولا يكلفون إلا من طعامهم وإدامهم؛ لقول عمر.
وأما كون الضيافة المذكورة لا تجب من غير شرط على الأول ذكره القاضي فلأنها أداء مال فلا تجب عليهم بغير رضاهم كالجزية.
وأما كونها تجب على قولٍ فلأنها تجب على المسلم فالكافر أولى.
قال: (وإذا تولى إمام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم أقرهم عليه، وإن لم يعرف رجع إلى قولهم فإن بان له كذبهم رجع عليهم. وعند أبي الخطاب أنه يستأنف العقد معهم).
стр. 1129
أما كون الإمام المتولي يُقر أهل الذمة على عقدهم الأول على المذهب فلأن الخلفاء أقروهم على ذلك لم يجددوا لمن كان في زمنهم عقد.
ولأنه عقد لازم أشبه الإجارة.
وأما كونه يقرهم على ما كانوا عليه إذا عرف قدر جزيتهم وما شُرط عليهم فلأن ذلك هو موجَب العقد الأول وقد تقدم أنهم يقرون عليه.
وأما كونه يُرجع إلى قولهم إذا لم يعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم فلأنه لا يمكن معرفته إلا من جهتهم.
وأما كونه يرجع عليهم بالنقص إذا بان لهم كذبهم بإقرار أو بينة فلأنه واجب عليهم بالعقد الأول فكان للإمام المتجدد أخذه كالأول.
وأما كونه يستأنف العقد معهم على قول أبي الخطاب فلأن المتولي إمام أشبه الأول.
قال: (وإذا عقد الذمة كتب أسمائهم وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفاً يكشف حال من بلغ وأسلم واستغنى وسافر ونقض العهد وخرق شيئاً من أحكام الذمة).
أما كون الإمام يكتب أسماء أهل الذمة وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم إذا عقد الذمة فلأنه يعرفهم بذلك. والمراد بكتب أسمائهم وأسماء آبائهم أن يكتب فلان بن فلان، ويكتب حلاهم أن يكتب صفاتهم لأن الحلا جمع حلية والمراد بها الحلية التي لا تختلف من طول وقصر وسمرة وبياض ومن كونه أدعج العينين مقرون الحاجبين أقنى الأنف أبلج أكحل. ويكتب دينهم أن يكتب يهودي نصراني مجوسي.
وأما كونه يجعل لكل طائفة عريفاً فليعرفه بما ذكره المصنف ﵀؛ لأن الجزية تتجدد بالبلوغ وتكثر بالاستغناء وتسقط بالإسلام ويتعذر الأخذ مع السفر ويمنع حقن الدم بها عند النقض والحاجة داعية إلى معرفة ذلك كله.
стр. 1130
باب أحكام الذمة
قال المصنف ﵀: (يلزم الإمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعِرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حِله).
أما كون الإمام يلزمه أن يأخذ أهل الذمة بأحكام المسلمين في ضمان ما ذَكر فلأن الإسلام نسخ كل حكم يخالفه.
وأما كونه يلزمه إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريم (١) ما يحد (٢) لأجله كالقتل والزنا ونحوهما فلما روى أنس «أن يهودياً قتل جارية على أَوْضاح لها فقتله رسول الله ﷺ » (٣) متفق عليه.
وروى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما» (٤).
ولأنه محرم في دينهم وقد التزموا حكم الإسلام فثبت في حقهم حكمه كالمسلم.
وأما كونه لا يلزمه ذلك فيما يعتقدون حله كشرب الخمر وأكل الخنزير ونكاح ذوات المحارم للمجوس فلأنهم يقرون عليه لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا
стр. 1131
باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يَدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] أمر بإقرارهم على ذلك بإعطاء الجزية.
ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أكبر من ذلك فلأن يُقروا على ذلك بطريق الأولى.
قال: (ويلزمهم التميّز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم وترك الفرق، وكناهم فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبدالله، وركوبهم بترك الركوب على السروج وركوبهم عرضاً على الأكف، ولباسهم فيلبسون ثوباً يخالف لباسهم كالعسلي والأدكن، وشد الخرق في قلانسهم وعمائمهم، ويؤمر النصارى بشد الزنار فوق ثيابهم، ويجعل في رقابهم خواتيم الرصاص أو جلجل يدخل معهم الحمام).
أما كون الإمام يُلزم أهل الذمة التميّز عن المسلمين في الشعور والكنى والركوب واللبس فلما روى إسماعيل بن عياش عن غير واحد من أهل العلم قال: «كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن بن غنم إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعل ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنّى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنار في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف ... وذكر سائره» (١) رواه الخلال.
وذكر في آخره: «فكتب بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر أن امض لهم ما سألوا».
وعن ابن عمر «أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة وأن يركبوا الأكف عرضاً» (٢) رواه الخلال.
стр. 1132
والأكف: جمع إكاف وهو البَردعة.
ومعنى قوله: عرضاً أن يكون رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر.
والأدكن الفاختي.
فإن قيل: ما صفة التميز؟
قيل: كما ذكره المصنف ﵀ لما ورد في الحديث المذكور.
وأما كون النصارى يؤمرون بشد الزنار فوق ثيابهم فلما تقدم في حديث عبدالرحمن.
ولما روي عن عمر «أنه كتب إلى أهل الآفاق: مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن».
وأما كونهم يجعل في رقابهم الخواتيم والجلجل يدخل معهم الحمام فليحصل به التميز في الحمام.
قال: (ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا بدائتهم بالسلام. فإن سلم أحدهم قيل له: وعليكم. وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان).
أما كون تصدير أهل الذمة في المجالس لا يجوز فلأن في كتابهم لعبدالرحمن بن غنم: «وأن نوقر المسلمين في المجالس، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا الجلوس» (١).
وأما كون بدائتهم بالسلام لا يجوز فلما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤا النصارى واليهود بالسلام. وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» (٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون أحدهم إذا سلم يقال له: وعليكم؛ فلأن النبي ﷺ قال: «وإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» (٣) رواه الإمام أحمد.
وأما كون تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم لا يجوز في رواية؛ فلأن بذلك يحصل الموالاة وتثبت المودة وقد نهى الله عن ذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين
стр. 1133
آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١].
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأنه من مكارم الأخلاق وقد روي «أن النبي ﷺ عاد يهودياً فأسلم» (١).
وربما كان ذلك سبباً لإيمانه.
قال: (ويمنعون تعلية البنيان على المسلمين، وفي مساواتهم وجهان. وإن ملكوا داراً عالية من مسلم لم يجب نقضها).
أما كون أهل الذمة يُمنعون تعلية بنيانهم على المسلمين فلأن النبي ﷺ قال: «الإسلام يَعلو ولا يُعلى» (٢).
ولأن في ذلك (٣) رتبة على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.
وأما كونهم لا تجوز مساواتهم للمسلمين في وجه فلما تقدم من قوله ﵇: «يعلو» (٤).
ولأنهم لا يجوز مساواتهم للمسلمين في اللباس فكذلك في البنيان.
وأما كونهم يجوز مساواتهم فلأنه ليس ليستطيل على المسلمين.
وأما كونهم إذا ملكوا داراً عالية من مسلم لا يجب نقضها فلأنه لم يعل على المسلمين شيئاً.
стр. 1134
وقول المصنف: من مسلم فيه إشعار بأنه إذا ملكها من ذمي يجب نقضها وهو صحيح لأن نقضها وجب قبل البيع.
قال: (ويمنعون من إحداث الكنائس والبِيَع، ولا يمنعون رمّ شعثها، وفي بناء ما استهدم منها روايتان).
أما كون أهل الذمة يمنعون من إحداث الكنائس والبِيَع فلما روي عن ابن عباس: «أيما مصر مصّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة» (١) رواه الإمام أحمد واحتج به.
وفي حديث عبدالرحمن بن غنم: «إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديراً ولا ولاية ولا صومعة راهب» (٢).
وأما كونهم لا يمنعون رم شعثها فلأنه كتطيين سطوحها والتطيين لا يمنع منه فكذلك الرم.
وأما كونهم يمنعون بناء ما استهدم منها في رواية فلأن في حديث عبدالرحمن بن غنم: «ولا نجدد ما خرب من كنائسنا» (٣).
ولأنه بناء كنيسة في دار الإسلام فمنعوا منه كبداء بنيانها.
وأما كونهم لا يمنعون في رواية فلأنه كَرَمِّ الشعث.
قال: (ويمنعون إظهار المنكر، وضرب الناقوس، والجهر بكتابهم. وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك).
أما كون أهل الذمة يمنعون إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم فلأن في شروطهم: «أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر علينا صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر النيران في أسواق المسلمين» (٤).
стр. 1135
وأما كونهم لا يمنعون شيئاً من ذلك إذا صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية فلأن الدار دارهم لا دار الإسلام بخلاف أهل الذمة فإنهم في دار الإسلام فمُنعوا من ذلك.
قال: (ويمنعون دخول الحرم. فإن قدم رسول لا بد له من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له. فإن دخل عزر وهدد. فإن مرض بالحرم أو مات أخرج، وإن دُفن نبش إلا أن يكون قد بَلِي).
أما كون الكفار يمنعون دخول الحرم فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. والمراد الحرم بدليل قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: ٢٨] يريد ضرراً بتأخر الجلَب عن الحرم دون المسجد. وبدليل قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١] أي من الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ.
وأما كون الإمام يَخرج إلى الرسول الذي لا بد من لقاء الإمام فلأن المشرك ممنوع من دخول الحرم فإذا لم يكن بُدٌّ من الاجتماع بالإمام تعين خروجه إليه.
وأما كونه لا يأذن للرسول فلأن الدخول ممنوع منه وليس للإمام إذن في الممنوع منه.
وأما كون الرسول إذا دخل يعزر ويهدد فلهتكه الحرم بدخوله الممنوع منه. ولا بد أن يُلحظ في ذلك علمه بمنعه لأنه إذا لم يعلم ذلك يكون له عذر.
وأما كون من مرض بالحرم أو مات يُخرج فلأنه إذا لم يجز بقاؤه فيه في حياته فلأن لا يجوز بقاؤه في مرضه ومماته بطريق الأولى.
وأما كونه ينبش إذا دفن ولم يبل فلأن في ذلك وسيلة إلى إخراج الميت من الحرم أشبه ما لو لم يدفن.
وأما كونه لا ينبش إذا بلي فلأنه مع ذلك يتعذر نقله.
стр. 1136
قال: (ويمنعون من الإقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر. فإن دخلوا لتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام. فإن مرض لم يخرج حتى يبرأ، وإن مات دفن به. ولا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما. وهل لهم دخول المساجد بإذن مسلم؟ على روايتين).
أما كون أهل الذمة يمنعون من الإقامة بالحجاز فلما روى أبو عبيدة بن الجراح أن آخر ما تكلم به النبي ﷺ قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز» (١) رواه أحمد وأبو داود.
وعن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلماً» (٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والمراد الحجاز بدليل أن أحداً من الخلفاء لم يُخرج أحداً من أهل اليمن ولا أهل تيماء.
وأما قول المصنف ﵀: كالمدينة إلى آخره فتنبيه على أن المواضع المذكورة من الحجاز؛ لأن الحجاز سمي بذلك لأنه حجز بين تهامة ونجد وذلك موجود فيما ذكر.
وأما كونهم إذا دخلوا لتجارةٍ لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام فلأن الزائد على الأربعة حدٌّ يُتم به المسافر.
وقال المصنف في المغني والكافي وصاحب النهاية فيها: لا يقيم أكثر من ثلاثة؛ لأن إذن عمر ﵁ لمن دخل منهم تاجراً في إقامة ثلاثة أيام يدل على أنه لا يجوز أكثر من ذلك.
وأما كون من مرض لا يخرج حتى يبرأ فلأنه موضع ضرورة.
وأما كون من مات يدفن به فلأنه موضع حاجة.
وأما كونهم لا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما فلما تقدم من أن أحداً من الخلفاء لم يُخرج أحداً من ذلك.
стр. 1137
وأما كونهم لهم دخول المساجد بإذن مسلم على روايةٍ وهي الصحيحة في المذهب ذكره المصنف في الكافي فـ «لأن النبي ﷺ قدم عليه وفد الطائف فأنزلهم بالمسجد قبل إسلامهم» (١).
وأما كونهم ليس لهم ذلك على رواية فلما روي «أن أبا موسى قدم على عمر ومعه نصراني، فأعجب عمر خطه، وقال: قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابه. قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: لِمَ. أجنب هو؟ قال: هو نصراني. فانتهره عمر» (٢).
ولأن الجنب يمنع المسجد فالمشرك أولى.
стр. 1138
فصل [في العشور]
قال المصنف ﵀: (وإن اتجر ذمي إلى غير بلده ثم عاد فعليه نصف العشر. فإن اتجر حربي إلينا أُخذ منه العشر. ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير. ويؤخذ كل عام مرة. وقال ابن حامد (١): يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا).
أما كون من اتجر من أهل الذمة إلى غير بلده ثم عاد يؤخذ منه نصف العشر فلما روى أنس بن مالك قال: «أمرني عمر أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر» (٢) رواه الإمام أحمد.
وروي «أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهمٍ درهماً» (٣) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال.
وأما كون من اتجر من أهل الحرب إلينا يؤخذ منه العشر فـ «لأن عمر ﵁ أخذ من أهل الحرب العشر» (٤) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده فكان إجماعاً.
стр. 1139
وأما كونه لا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير فيشمل أمرين:
أحدهما: أن النصاب معتبر فيما يُعَشّر وهو صحيح لأنه مال يجب فيه العشر أو نصف العشر فاعتبر له النصاب كزرع المسلمين.
وثانيهما: أن نصابه عشرة دنانير. وفي ذلك روايتان:
إحداهما: أن نصابه ذلك لأن ذلك مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم.
والرواية الثانية: نصابه عشرون ديناراً لأن الزكاة لا تجب في أقل منها (١) فلم يجب فيها على الذمي شيء كاليسير. ولا فرق بين الذمي والحربي فيما ذكر بخلاف القدر المأخوذ لأن النصاب تقديري فلا يختلف إلا بنقل ولم يوجد.
وأما كون ذلك يؤخذ في كل عام مرة وهو منصوص الإمام أحمد فلما روي «أن نصرانياً جاء إلى عمر فقال: إن عاملك عشرني السنة مرتين. قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ النصراني. قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. ثم كتب إلى عامله أن لا يعشر في السنة إلا مرة» (٢) رواه الإمام أحمد.
ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة فكذلك هذا.
وأما كون ذلك يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا على قول ابن حامد فلأنا لو أخذنا منهم مرة واحدة لا يؤمن أن يدخلوا فإذا جاء وقت السنة ولم يدخلوا فيتعذر الأخذ منهم.
стр. 1140
والأول أصح؛ لما ذكر. وتعذر الأخذ غير صحيح لأنه يؤخذ أول مرة يدخل ثم يكتب له بما أخذ منه فلا يؤخذ منه شيء حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل وإن لم يدخل فما فات في العام الثاني شيء.
قال: (وعلى الإمام حفظهم، والمنع من أذاهم، واستنقاذ من أسر منهم).
أما كون الإمام عليه حفظ أهل الذمة والمنع من أذاهم فلأنهم بذلوا الجزية على ذلك.
وأما كونه عليه استنقاذ من أسر منهم فلأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عهدهم (١) فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين.
ولم يشترط المصنف ﵀ في استنقاذ من أسر منهم كون ذلك بعد استنقاذ المسلمين وهو شرط. وإنما تركه لظهوره ولذلك اشترطه في باقي كتبه؛ لأن استنقاذ المسلم أولى من غيره.
ولأن عصمة الذمي ملحقة بعصمة المسلم فلا يستنقذ الفرع قبل الأصل.
قال: (وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مسلم لزمه الحكم بينهم. وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض خُيّر بين الحكم بينهم وبين تركهم. ولا يحكم إلا بحكم الإسلام).
أما كون أهل الذمة إذا تحاكموا مع مسلم إلى الحاكم يلزمه الحكم بينهم فلما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أو رده عن الظلم وذلك واجب.
وأما كونهم إذا تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض يخير بين الحكم بينهم وبين تركهم فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢].
стр. 1141
ولأنهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمن.
وأما كون الحاكم بينهم لا يحكم إلا بحكم الإسلام فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢].
قال: (وإن تبايعوا بيوعاً فاسدة وتقابضوا لم ينقض فعلهم، وإن لم يتقابضوا فسخه سواء كان قد حكم بين حاكمهم أو لا).
أما كون ما فعل أهل الذمة مع التقابض لا ينقض فلأن فيه مشقة وتنفيراً عن الإسلام بتقدير إرادته.
وأما كونه يفسخ مع عدم التقابض فلأن مقتضى الدليل أن يحكم بينهم بحكم الإسلام لما تقدم. خص منه حالة التقابض للمشقة والتنفير فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما قول المصنف ﵀: سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم أو لا فمعناه أنهم لو ترافعوا إلى حاكمهم فألزمهم بالتقابض لا يلزم إمضاء حكمه لأن حكمه باطل ولا يجب إمضاء الباطل.
قال: (وإن تهود نصراني، أو تنصر يهودي لم يقر ولم يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه. ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام. فإن أبى هدد وحبس. ويحتمل أن يقتل. وعنه: أنه يقر).
أما كون النصراني إذا تهود وبالعكس لا يقر على المذهب فلأنه لا يقبل منه ذلك؛ لما يأتي بعد.
وأما كونه لا يقبل منه غير الإسلام أو الدين الذي كان عليه على المذهب أيضاً فلأن الإسلام دين حق والذي كان عليه دين صولح عليه فلم يقبل منه غيرهما لاعترافه ببطلانه لأنه انتقل إلى دين باطل فلم يقر عليه أشبه ما لو انتقل إلى المجوسية.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فلأن الدين الذي كان عليه قد اعترف ببطلانه والذي انتقل إليه كان معترفاً ببطلانه فلم يبق غير الإسلام.
وأما كون من أبى من فعل الواجب عليه يهدد ويحبس على المذهب فليأتي بذلك.
стр. 1142
وأما كونه يحتمل أن يقتل فلأنه انتقل إلى دين لا يقر عليه أشبه المسلم إذا ارتد.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما كون من تقدم ذكره يقر على الدين الذي انتقل إليه على رواية فلأنه دين يقر عليه في الجملة أشبه الذي كان عليه والذي هو عليه بالأصالة.
قال: (وإن انتقل إلى غير دين أهل الكتاب، أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر وأمر أن يسلم، فإن أبى قتل. وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر. ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام. وإن تمجس الوثني فهل يقر؟ على روايتين).
أما كون الكتابي أو المجوسي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لا يقر عليه؛ فلأنه انتقل من دين يُقر أهله عليه إلى دين لا يقر أهله عليه فلم يقر عليه أشبه المرتد عن الإسلام.
وأما كونه يؤمر بالإسلام فلأن كل أحد مأمور بذلك لا سيما من لا كتاب له ولا شبه كتاب.
وأما كونه يقتل إذا أبى الإسلام فكالمسلم إذا ارتد.
وأما كون غير الكتابي إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب يقر على المذهب فلأنه انتقل إلى دين هو أكمل من دينه الذي كان عليه أشبه ما لو انتقل من اليهودية إلى الإسلام.
ومعنى الكمال أنه يقر أهله عليه وتؤكل ذبائحهم وتحل مناكحتهم.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فلأنه أقر ببطلان دينه بعد أن كان مقراً ببطلان ما سواه.
وأما كون الوثني إذا تمجس يقر على رواية فلأنه انتقل إلى (١) دين أكمل من دينه أشبه الوثني إذا تهود أو تنصر.
стр. 1143
وأما كونه لا يقر على رواية فلأنه انتقل إلى غير كتاب أشبه ما لو انتقل إلى عبادة الشمس. ويمكن الفرق بما تقدم من كون المنتقل إليه أكمل من دينه.
стр. 1144
فصل في نقض العهد
قال المصنف ﵀: (وإذا امتنع الذمي من بذل الجزية، أو التزام أحكام الملة انتقض عهده).
أما كون الذمي ينتقض عهده إذا امتنع من بذل الجزية فلأن الله تعالى قال: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩] أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية.
وأما كونه ينتقض عهده إذا امتنع من التزام ملة الإسلام فلأن الإسلام نسخ كل حكم يخالفه فلا يجوز بقاء العهد مع عدم التزامه.
وقتال المسلمين ينتقض به العهد كالأمرين المذكورين؛ لأن عقد الذمة يقتضي الأمان من الجانبين والقتال ينافيه فانتقض.
قال: (وإن تعدى على مسلم بقتل أو قذف أو زنا أو قطعِ طريق أو تجسسٍ أو إيواء جاسوس أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بسوء فعلى روايتين).
أما كون الذي ينتقض عهده بما ذكر على المذهب فلما روي عن عمر ﵁ «أنه رُفع إليه رجل أراد استكراه مسلمة على الزنا. فقال: ما على هذا صالحناكم. وأمر به فصلب في بيت المقدس» (١).
стр. 1145
وقيل لابن عمر: «إن راهباً يشتم رسول الله ﷺ . فقال: لو سمعته لقتلته. إنا لم نعط الأمان على هذا».
وعن عمر «أنه أمر عبدالرحمن بن غنم أن يلُحق في صلح أهل الجزية: ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده» (١).
ولأن في ذلك ضرراً على المسلمين أشبه الامتناع من بذل الجزية.
وأما كونه لا ينتقض على رواية فلأن هذه الأشياء لا يجب تركها عليهم فلا ينتقض عهدهم بفعلها.
والأول أولى؛ لما تقدم.
قال: (وإن أظهر منكراً، أو رفع صوته بكتابه ونحوه لم ينتقض عهده. وظاهر كلام الخرقي أنه ينتقض عهده إن كان مشروطاً عليهم).
أما كون الذمي لا ينتقض عهده بما ذكر مع عدم شرطه فلأن ذلك لا ينافي عقد الذمة.
ولأن غاية ما يقدر أنه شيء لا يجوز فعله وذلك لا يوجب نقض العهد دليله ما لو زنا معاهد بمشركة.
стр. 1146
وأما كونه لا ينتقض مع شرط ترك ذلك على الأول فكما لو لم يشترط.
وأما كونه ينتقض على ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن في كتاب صلح الجزيرة بعد استيفاء الشرط: «وإن نحن غيّرنا أو خالفنا ما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لكل منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق» (١).
ولأنه عقد بشرط فزال بزوال شرطه كما لو امتنعوا من بذل الجزية.
قال: (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده. وإذا انتقض عهده خُير الإمام فيه كالأسير الحربي. وماله فيء عند الخرقي، وقال أبو بكر: يكون لورثته).
أما كون عهد نساء من نقض عهده وعهد أولاده لا ينتقض بنقض عهده فلأن النقض وُجد منه دونهم فاختص حكمه به.
وأما كون الإمام يخير فيمن نقض عهده كالأسير الحربي؛ فـ «لأن عمر ﵁ صلب الذي أراد استكراه المرأة» (٢).
ولأنه كافر لا أمان له أشبه الحربي الأسير.
وأما كون ماله فيئاً عند الخرقي فلأنه قتل لنقضه العهد أشبه ما لو تركه وهرب.
وأما كونه لورثته على قول أبي بكر؛ فلأن الأمان في المال لا ينتقض بنقض العهد فيجب أن ينتقل إلى الورثة لأنه حقهم.
стр. 1147
وقيل: الخلاف المذكور مبني على انتقاض العهد في المال بنقضه في صاحبه: فإن قيل: ينتقض كان فيئاً، وإن قيل: لا ينتقض انتقل إلى الورثة.
والله أعلم بالصواب.
стр. 1148
كتاب البيع
البيع جائز بالكتاب والسنة والمعنى والإجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨].
وأما السنة فروى رفاعة «أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون. فقال: يا معشر التجار! فرفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه. فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فُجَّاراً إلا من بَرَّ وصَدق» (١) قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وقال ﷺ : «التاجرُ الصدوقُ الأمينُ معَ النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ» (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأما المعنى؛ فلأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه (٣) لا يبذله بغير عوض ففي تجويز البيع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة.
قال المصنف ﵀: (وهو مبادلة المال بالمال لغرض التملك. وله صورتان:
إحداهما: الإيجاب والقبول؛ فيقول البائع: بعتك أو ملكتك ونحوهما، ويقول المشتري: ابتعت أو قبلت وما في معناهما).
أما قول المصنف ﵀: وهو مبادلة المال بالمال لغرض التملك فبيان لمعنى البيع في اللغة. واشتقاقه من الباع لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء.
стр. 1149
وأما في الشرع فقيل: هو عبارة عن الإيجاب والقبول. وزاد القاضي: إذا تضمن عينين للتمليك.
قال المصنف في المغني: وهو قاصر -يعني حد القاضي- إذ يخرج منه المعاطاة ويدخل فيه عقود سوى البيع.
وأما قوله: وله صورتان فمعناه أنه ينعقد بكل واحدة من الصورتين المذكورتين.
وأما كونه ينعقد بالإيجاب والقبول؛ فلأنه صريح فيه فانعقد به كسائر الصرائح.
والإيجاب هو: الصادر من قبل البائع، والقبول: هو الصادر من قبل المشتري.
وأما قوله: فيقول البائع ... إلى آخره فتفسير للإيجاب والقبول.
وينعقد البيع بما صرح به المصنف وبكل قول يدل عليه لدلالته على المقصود.
قال: (فإن تقدم القبول الإيجاب جاز في إحدى الروايتين، وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه، وإلا فلا).
أما كون تقدم القبول الإيجاب يجوز في روايةٍ؛ فلأن المعنى حاصل بذلك فوجب أن يجوز كما لو تأخر.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن القبول رتبته التأخر فلم يجز تقدمه كما لو تقدم في النكاح.
стр. 1150
وذكر المصنف في المغني أنه إن تقدم بلفظ الاستفهام مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك لم يصح لأنه ليس بقبول ولا استدعاء، وإن تقدم بلفظ الماضي مثل أن يقول: ابتعت منك فيقول: بعتك صح لأنه متضمن معنى القبول حقيقة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أنه لا يصح قياساً على تقدمه بلفظ الطلب.
وإن تقدم بلفظ الطلب مثل أن يقول: بعني ثوبك فيقول: بعتك فذكر القاضي فيه روايتين:
إحداهما: يصح؛ لأن ذلك يتضمن معنى القبول فصح كما لو كان بلفظ الماضي.
والثانية: لا يصح؛ لأنه لفظ لو تأخر عن الإيجاب لم يصح به البيع فلم يصح إذا تقدم كلفظ الاستفهام.
ولأنه عقد عري عن القبول فلم يصح كما لو لم يطلب.
وأما كون القبول إذا تراخى عن الإيجاب يصح ما دام المتبايعان في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطع البيع؛ فلأن المجلس مُنَزّلٌ منزلة العقد في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونه لا يصح إذا تراخى عن الإيجاب حتى انقضى المجلس؛ فلأنه لما بَعُد صار كلا قبول.
وأما كونه لا يصح إذا تشاغلا بما يقطعه؛ فلأنهما إذا تشاغلا بذلك صارا كالمعرضين عن البيع فلم يصح بعد ذلك كما لو صرح بالرد.
قال: (والثانية: المعاطاة مثل (١) أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو يقول البائع: خذ هذا بدرهم فيأخذه. وقال القاضي: لا يصح هذا إلا في الشيء اليسير).
أما كون الصورة الثانية من صور البيع: المعاطاة. وهي منصوص الإمام أحمد واختيار المصنف؛ فلأن البيع موجود قبل الشرع وإنما الشرع علق عليه أحكاماً ولم يعين له لفظاً فيجب أن يرجع فيه إلى العرف كالقبض والحِرْز.
стр. 1151
ولأن المسلمين في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة استعمال إيجاب وقبول في بياعاتهم ولو كانوا يستعملون ذلك في جميع بياعاتهم لنقل نقلاً شائعاً.
ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له ذلك لبينه النبي ﷺ بياناً (١) عاماً شافياً ولم يخف حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيراً.
وأما قول المصنف ﵀: مثل أن يقول ... إلى فيأخذه؛ فبيان لصورة المعاطاة.
وأما كون المعاطاة لا تصح في الشيء الكثير على قول القاضي؛ فلأن البيع عقد معاوضة فكان الإيجاب والقبول من شروطه كالنكاح.
وأما كونها تصح في الشيء اليسير؛ فلأن اعتبار ذلك فيه يشق فيسقط دفعاً للمشقة.
стр. 1152
فصل [في شروط البيع]
قال المصنف ﵀: (ولا يصح إلا بشروط سبعة:
أحدها: التراضي به، وهو أن يأتيا به اختياراً، فإن كان أحدهما مكرهاً لم يصح إلا أن يكره بحقٍّ كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه).
أما كون البيع لا يصح إلا بشروط سبعة فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما (١) كون أحد الشروط السبعة: التراضي من كل واحد من البائع والمشتري إذا لم يكن ذلك واجباً عليهما فلقوله تعالى: ﴿إلاّ أنْ تكونَ تِجَارَةً عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: ٢٩].
ولأن حق كل واحد منهما متعلق بماله فلم يجز إزالة ملكه عنه بغير رضاه. وإلى مثل هذا وقعت الإشارة بقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (٢).
وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يأتيا به اختياراً فتفسير للتراضي منهما.
وأما كون البيع لا يصح إذا كان أحد المتبايعين مكرهاً بغير حق؛ فلأن تراضيهما شرط ولم يوجد.
وأما كون التراضي في المكره بحق كالذي ذكره المصنف ﵀ لا يشترط؛ فلأن المراد (٣) حصول وفاء الدين فلو منع الإكراهُ صحتَه لاتخذ ذلك من عليه الدين وسيلة إلى عدم الوفاء.
стр. 1153
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف ﵀: (الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف، وهو: المكلف الرشيد، إلا الصبي المميز والسفيه فإنه يصح تصرفهما بإذن وليهما في إحدى الروايتين، ولا يصح بغير إذنه إلا في الشيء اليسير).
أما كون ثاني الشروط (١) السبعة لصحة البيع: أن يكون العاقد غير الصبي والسفيه جائز التصرف؛ فلأن البيع قولٌ يشترط له الرضى فاشترط في عاقده جواز التصرف كالإقرار.
وأما قول المصنف ﵀: وهو المكلف الرشيد فتفسير لجائز التصرف. والمراد بالمكلف العاقل البالغ.
فعلى هذا لا يصح بيع طفل ولا مجنون ولا سكران ولا نائم ولا مبرسم ولا شراءه؛ لأن كل واحد منهم لا عقل له.
وأما كون تصرف الصبي المميز والسفيه بإذن وليهما يصح في روايةٍ: أما في الصبي فلقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦] أي اختبروهم وإنما يتحقق الاختبار بتفويض البيع والشراء إليه.
ولأنه عاقل فصح تصرفه بإذن وليه وإن كان محجوراً عليه كالعبد.
وأما في السفيه؛ فلأنه إذا صح تصرف المميز بإذن وليه؛ فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه بطريق الأولى.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلما تقدم في غيرهما.
وأما كونه لا يصح بغير إذن وليهما في الشيء الكثير؛ فللدلالة على اشتراط جواز التصرف السالم عن معارضة دليل صحة تصرفهما بإذن وليهما.
стр. 1154
وأما كونه يصح في الشيء اليسير؛ فلأن الحكمة الحاملة على الحجر عليهما خوف ضياع مالهما بتصرفهما وذلك في اليسير مفقود.
وعن أبي الدرداء «أنه اشترى من صبي عصفوراً وأطلقه».
стр. 1155
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف ﵀: (الثالث: أن يكون المبيع مالاً وهو ما فيه منفعة مباحة من غير ضرورة، فيجوز بيع البغل والحمار ودود القز وبزره والنحل منفرداً وفي كواراته).
أما كون ثالث الشروط (١) السبعة لصحة البيع: أن يكون المبيع مالاً؛ فلأنه مقابل بالمال.
ولأن البيع مبادلة المال بالمال.
وأما قول المصنف ﵀: وهو ما فيه منفعة مباحة من غير ضرورة فتفسير للمال. وفي تقييده بما فيه منفعة احتراز عما لا نفع فيه كالحشرات، وفي تقييد المنفعة بالإباحة احتراز عما فيه منفعة محرمة كالخمر والخنزير، وفي تقييد الإباحة بغير ضرورة احتراز عما فيه منفعة مباحة للضرورة كالكلب. ولو قال المصنف ﵀: لغير حاجة كان جيداً لأن اقتناء الكلب يحتاج إليه ولا يضطر إليه.
وأما كون بيع البغل والحمار يجوز؛ فلأنهما يشتملان على جميع ما ذكر.
ولأن الناس يتبايعونهما من الأعصار المتقدمة من غير نكير فكان ذلك كالإجماع.
وأما كون بيع دود القز يجوز؛ فلأنه يشتمل على ما ذكر.
ولأنه حيوان يجوز اقتناؤه لغرض التملك لما يخرج منه أشبه البهائم.
وأما كون بيع بزره يجوز؛ فلأنه منتفع به في المال أشبه ولد الفرس.
وأما كون بيع النحل يجوز؛ فلأنه يشتمل على ما ذكر.
стр. 1156
ولأنه حيوان طاهر يخرج من بطونه شراب فيه منافع للناس فجاز بيعه كبهيمة الأنعام. ولا فرق بين كونها منفردة مشاهدة وبين كونها في كواراتها لإمكان مشاهدتها بفتح رأسها.
وقال القاضي: لا يجوز لأن بعضها لا يشاهد وهو أميرها.
ولأنها لا تخلو من عسل يكون مبيعاً وهو مجهول.
والأول أولى لما ذكر لأن خفاء البعض لا يمنع الصحة كبيع الصبرة، وكما لو باع شيئاً في وعاء لا يشاهد إلا ظاهره.
ولأن ما فيه من العسل يدخل تبعاً ولا تضر جهالته كأساسات الحيطان.
قال: (ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد في إحدى الروايتين إلا الكلب اختارها الخرقي، والأخرى لا يجوز اختارها أبو بكر).
أما كون بيع الهر يجوز في روايةٍ؛ فلأنه حيوان يجوز اقتناؤه والانتفاع به من غير حاجة فجاز بيعه كالبغل والحمار.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلما روى جابر «أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الهر» (١) رواه أبو داود.
وعن جابر «أنه سئل عن ثمن السنور فقال: زجر رسول الله ﷺ عن ذلك» (٢) رواه مسلم.
والأولى أولى؛ لما تقدم. وما ذُكر من الحديث محمول على ما ليس بمملوك، أو على بيع الهر البري، أو على ما لا منفعة فيه؛ لأن فيه جمعاً بينه وبين المعنى المذكور.
وأما كون بيع الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد غير الكلب يجوز في روايةٍ؛ فلأنه حيوان يجوز اقتناؤه والانتفاع به من غير وعيد ورد في جنسه فجاز بيعه كالبغل والحمار.
стр. 1157
فإن قيل: ما المراد بقول المصنف: يصلح للصيد؟
قيل: يحتمل أنه أراد كونها معلمة حالة البيع. فعلى هذا لا يصح بيعها قبل التعليم، ويحتمل أنه أراد به كونها قابلة للتعليم. وهو أولى المحملين، وإن كان خلاف ظاهر اللفظ لأنه قال في المغني: ما ليس بمعلم ولا يقبل التعليم لا يجوز بيعه لعدم النفع، وإن كان أمكن تعليمه فالأولى جواز بيعه ليُعلّم، وقاسه على اقتناء الجرو الصغير وبيع الجحش الصغير.
فإن قيل قول المصنف ﵀: إلا الكلب ما هو؟
قيل: استثناء من جواز البيع المختلف فيه لأن بيعه لا يجوز رواية واحدة لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون بيع الفيل وسباع البهائم لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنها نجسة أشبهت الكلب.
والأول أصح لما ذكر. وفارق الكلب من حيث إنها يجوز اقتناؤها مطلقاً بخلاف الكلب فإنه لا يجوز إلا لأحد أسباب ثلاثة.
ولأن جواز اقتناء الكلب للحاجة بخلاف ما ذكر.
قال: (ويجوز بيع العبد المرتد والمريض، وفي بيع الجاني والقاتل في المحاربة ولبن الآدميات وجهان).
أما كون بيع العبد المرتد يجوز فلحصول النفع به إلى وقت قتله وربما رجع إلى الإسلام فيحصل فيه كمال النفع.
وأما كون بيع العبد المريض يجوز؛ فلأن خشية الهلاك لا تمنع صحة البيع دليله بيع العبد المرتد.
وأما كون بيع العبد الجاني يجوز في وجهٍ؛ فلأن قتله غير متحتم فجاز بيعه كالمرتد.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه تعلق برقبته حق آدمي فمنع جواز بيعه كالرهن بل حق الجناية آكد لأنها تقدم على الرهن.
والأول أولى؛ لما ذكر.
стр. 1158
ولأنه حق غير مستقر في الجاني يملك أداؤه من غيره فلم يمنع البيع كالزكاة، أو حق ثبت بغير رضا سيده فلم يمنع بيعه كالدين في ذمته، أو تصرف في (١) الجاني فجاز كالعتق. وفارق الرهن من حيث إنه حق متعين فيه لا يجوز إبداله ومن حيث إنه يثبت الحق فيه برضى المالك.
وأما كون بيع القاتل في المحاربة يجوز في وجهٍ؛ فلأنه ينتفع به إلى حين قتله ويعتقه فيجر ولاء ولده فجاز بيعه كالمريض.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه متحتم القتل فلا منفعة فيه أشبه الميت.
وأما كون بيع لبن الآدميات يجوز في وجهٍ؛ فلأنه طاهر ينتفع به فجاز بيعه كلبن الشاة.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه مائع خرج من آدمية أشبه العرق.
ولأنه من الآدمي فلم يجز بيعه كسائر أجزائه.
قال: (وفي جواز بيع المصحف وكراهة شرائه وإبداله روايتان).
أما كون بيع المصحف لا يجوز في روايةٍ فلما في ذلك من صيانته.
وأما كونه يجوز في روايةٍ «فلأن ابن عباس سئل عن ذلك. فقال: لا بأس. يأخذون أجور أيديهم».
والأولى أولى لما ذكر.
ولأنه قول جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى وسعيد بن جبير. ولم يُعرف لهم مخالف في عصرهم. فكان إجماعاً.
قال الإمام أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة.
وقال ابن عمر: «وددت أن الأيدي تقطع في بيعها» (٢). أي في بيع المصاحف.
ولأنه مشتمل على كلام الله فوجب صيانته عن البيع.
стр. 1159
وأما كون شرائه يكره في روايةٍ؛ فلأنه وسيلة إلى البيع المتضمن إذلال المصحف فإذا لم يحرم فلا أقل من أن يكره.
وأما كونه لا يكره في روايةٍ؛ فلأنه استنقاذ للمصحف فوجب جوازه من غير كراهة كشراء المسلم من الكفار ومع كونه حراً محرم البيع.
وأما كون إبداله يكره في روايةٍ؛ فلأنه بيع في الجملة فإذا لم يحرم فلا أقل من أن يكره.
وأما كونه لا يكره في روايةٍ؛ فلأن البيع إنما منع منه لما فيه من الرغبة عن المصحف وذلك مفقود في الإبدال.
ومراد المصنف بالكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم لأنه عطفه على جواز البيع فلو أراد كراهة التحريم (١) لكان عطف الشراء على البيع وأسقط الكراهة. فعلى هذا الفرق بين البيع والشراء والإبدال هو أن البائع في معنى الراغب مع أنه لا استنقاذ فيه بخلاف الشراء والإبدال.
قال الإمام أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة. ورخص في شرائه.
وقد صرح صاحب النهاية فيها أنه لا يصلح بيع المصحف ولا شراؤه ولا إبداله لأن جميع ذلك إذلال، والمصحف محترم فتنافيا. وفارق الشراء هنا شراء الأسير من حيث إن شراء الأسير تدعو الحاجة إليه بخلاف المصحف.
فعلى هذا يجوز أن يكون المراد (٢) بالكراهة هنا كراهة تحريم.
قال: (ولا يجوز بيع الحشرات والميتة ولا شيء منها ولا سباع البهائم التي لا تصلح للصيد ولا الكلب ولا السرجين النجس ولا الأدهان النجسة. وعنه: يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها، وفي جواز الاستصباح بها روايتان. ويخرج على ذلك جواز بيعها).
أما كون بيع الحشرات لا يجوز؛ فلأنه لا منفعة فيها وقد تقدم اشتراط النفع في جواز البيع.
وأما كون بيع الميتة لا يجوز؛ فلأن جابراً قال: «سمعت رسول الله ﷺ وهو بمكة يقول: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والأصنام» (٣) متفق عليه.
стр. 1160
وأما كون بيع شيء منها لا يجوز؛ فلأن ما لا يجوز بيع كله لا يجوز بيع شيء منه دليله بيع الخمر وغيره.
وأما كون بيع سباع البهائم التي لا تصلح للصيد لا يجوز؛ فلأنها لا نفع فيها أشبهت الحشرات.
وأما كون بيع الكلب لا يجوز فلما روى أبو مسعود الأنصاري «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب» (١).
وقال ﷺ : «ثمن الكلب خبيث» (٢) متفق عليهما.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب. قال: وإن جاء يطلب ثمنه فاملؤا كفه تراباً» (٣) رواه أبو داود.
ولأنه حيوان نهي عن اقتنائه في غير حال الحاجة إليه أشبه الخنزير، أو حيوان نجس العين أشبه الخنزير.
وأما كون بيع السرجين النجس لا يجوز؛ فلأنه نجس مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة.
وأما كون بيع الأدهان النجسة لا يجوز على المذهب؛ فلأن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» (٤).