وأما كون سهمٍ لذوي القربى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ [الأنفال: ٤١].
و«لأن النبي ﷺ أعطاهم» (١). وهو ثابت بعد موت النبي ﷺ تمسكاً بظاهر لفظ الآية، وبإعطاء النبي ﷺ مع أنه لم يأت ناسخ ولا مغيّر.
وأما كون ذوي القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم؛ فلما روى جبير بن مطعم قال: «لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب: أتيت أنا وعثمانُ بن عفان رسول الله ﷺ . فقلنا: يا رسول الله! أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا. فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. وشبّك بين أصابعه» (٢).
وفي رواية: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» (٣).
وأما كونهم لهم ذلك حيث كانوا؛ فلأنه مستحق بالقرابة فوجب كونه لهم حيث كانوا كالميراث.
وأما كون ذكرهم له مثل حظ الأنثيين؛ فلأنه مال مأخوذ بالقرابة فكان للذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث.
وأما كون غنيهم وفقيرهم فيه سواء؛ فلما ذكر.
ولأن النبي ﷺ لم يخص فقراء قرابته بل أعطى الغني كالعباس وغيره.
ولأن شرط الفقر ينافي ظاهر الآية.
ولأنه يؤخذ بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالإرث.
وأما كون سهمٍ لليتامى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ [الأنفال: ٤١].
стр. 1087
واليتامى هم الذين لا آباء لهم ولم يبلغوا الحلم.
أما كونهم لا آباء لهم فلأن اليتيم لغة من أب له.
وأما كونهم لم يبلغوا الحلم فلأن النبي ﷺ قال: «لا يتم بعد احتلام» (١).
واشترط المصنف ﵀ فقرهم؛ لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة.
فإن قيل: اسم اليتيم شامل لهما فوجب دخول كل يتيم في الآية لشمول اللفظ له كذوي القربى.
قيل: ذوي القربى استحقوا لقربهم من رسول الله ﷺ تكرمة لهم بخلاف اليتامى فإنهم استحقوا للرحمة فوجب اعتبار الغنى فيهم.
ويجب تعميم سهمهم أيضاً كما ذكر في ذوي القربى.
وأما كون سهمٍ للمساكين؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ [الأنفال: ٤١].
ويدخل فيهم الفقراء؛ لأنهما صنف واحد في غير باب الزكاة. ويجب تعميمهم أيضاً.
وأما كون سهمٍ لابن السبيل؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١].
وابن السبيل هو: المسافر المنقطع به. وقد ذكر في الزكاة. ويعطى بقدر حاجته؛ لأن دفعه إليه لأجل الحاجة فأعطي بقدرها.
واشترط المصنف ﵀: أن يكون من المسلمين لأن الكافر لا مدخل له في الجهاد فكذا في الغنيمة.
قال: (ثم يعطى النفل بعد ذلك، ويُرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد، والنساء والصبيان. وفي الكافر روايتان: إحداهما: يرضخ له، والأخرى: يُسهم له).
أما كون الأمير يعطي النفل فلأن النبي ﷺ كان يعطي ذلك.
стр. 1088
وأما كون النفل بعد الخمس وهو المعني بقول المصنف ﵀: بعد ذلك. فلما روى معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» (١) رواه أبو داود.
ولأنه مال يُستحق بالتحريض على القتال فكان من أربعة أخماس الغنيمة كسهم الفارس والراجل.
وأما كونه يُرضخ لمن لا سهم له؛ فلأن النبي ﷺ كان يرضخ.
وأما كون الرضخ بعد الخمس فلأنه استُحق بحضور الوَقْعة فكان بعد الخمس كسهام الغانمين.
وفيه وجه: أنه من أصل الغنيمة.
ولأنه استحق للمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة الجمل.
وأما كون من يُرضخ لهم، هم: العبيد والنساء والصبيان: أما العبيد فلما روى عمير مولى آبي اللحم قال: «شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول الله ﷺ ، فأُخبر أني مملوك. فأمر لي بشيء مِن خُرْثِيِّ المتاع» (٢) رواه أبو داود. واحتج به أحمد.
و«لأن نجدة سأل ابن عباس عن المرأة والمملوك. فقال: يُحذيان وليس لهما شيء» (٣) رواه سعيد.
وأما كون النساء فلأن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويُحْذَيْنَ من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن» (٤) رواه مسلم.
وأما الصبيان فلما روي عن سعيد بن المسيب قال: «كان الصبيان يُحْذَوْن من الغنيمة إذا حضروا الغزو».
وأما كون الكافر يُرضخ له في رواية؛ فلأنه من غير أهل الجهاد فرضخ له كالعبيد.
وأما كونه يُسهم له في روايةٍ؛ فلأنه حر أشبه المسلم. وهذه أصح؛ لما ذكر.
стр. 1089
ولما روى الزهري «أن رسول الله ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم» (١) رواه سعيد في سننه.
وروي «أن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ يوم خيبر، وهو على شركه، فأسهم له».
ولأن الكفر نقصٌ في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق. وبهذا فارق الرقيق فإن نقصانه في دنياه وأحكامه.
قال: (ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل، ولا للفارس سهم فارس. فإن تغيّر حالهم قبل تَقَضّي الحرب أسهم لهم. وإن غزا العبد على فرس لسيده قسم للفرس ورضخ للعبد).
أما كون الرضخ لا يبلغ به ما ذكر فلأن السهم أكملُ من الرضخ فلم يبلغ بالرضخ ذلك؛ كما لا يبلغ التعزير الحد.
وأما كون من تغيّر حاله قبل تَقَضّي الحرب يُسهم له فلأنه إنما لم يُسهم لمن لم يتغير حالهم لما فيهم من الموانع فإذا زالت وجب زوال المنع من الإعطاء.
وأما كون الفرس يسهم له فلما سيأتي.
وأما كون العبد يرضخ له فلما تقدم.
قال: (ثم يقسم باقي الغنيمة: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، إلا أن يكون فرسه هجيناً أو برذوناً فيكون له سهم، وعنه: له سهمان كالعربي).
أما كون باقي الغنيمة يقسم لمن ذكر فلما يأتي. وفيه إشعار بأن باقي الغنيمة لمن ذكر ممن شهد الوقعة. وهو صحيح؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] فُهم منه أن أربعة الأخماس لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهماً لغيرهم بقي باقيها لهم؛ كقوله سبحانه: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: ١١].
стр. 1090
وقال عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» (١).
فإذا أخرج الأمير السلب والأجرة والنفل والرضخ لما تقدم من الدليل وجب بقاء الباقي لمن شهد لما ذكر قبل.
وأما كون الراجل له سهم، والفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه فلأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم روى «أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له» (٢) متفق عليه.
وعن خالد الحذاء قال: «لا يُختلف فيه عن النبي ﷺ أنه أسهم هكذا: للفرس سهمين ولصاحبه سهما، وللراجل سهماً» (٣).
وأما كون الهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، والبِرْذَوْن وهو الذي أبواه غير عربيين له سهم على رواية فلما روى أبو الأقمر قال: «أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن (٤) ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حميصة. فقال: لا أجعل الذي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك. فقال عمر: هبلت الوادعيَّ أمه أمضوها على ما قال» (٥) أخرجه سعيد.
وروي أنه كتب إلى عمر: «إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً فما ترى في سهمانها؟ فكتب عمر: تلك البراذين فما قارب العناق فاجعل له سهماً واحداً وألق ما سوى ذلك».
وعن مكحول «أن رسول الله ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين، والهجين سهماً» (٦) رواه الجوزجاني.
стр. 1091
وأما كون ذلك له سهمان كالعربي على رواية فلشمول اسم الفرس له.
ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى العربي وغيره كالرجال.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولم يبين المصنف المقرف، وهو: الذي أبوه غير عربي وأمه عربية. وحكمه حكم الهجين؛ لمساواته له.
قال: (ولا يسهم لأكثر من فرسين، ولا يسهم لغير الخيل. وقال الخرقي: من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان).
أما كونه لا يسهم لأكثر من فرسين فلأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أسهم لذلك.
وأما كونه لا يسهم لغير الخيل على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ لم يسهم لغير الخيل».
ولأن غير الخيل لا يُلحق بالخيل في التأثير في الحرب والكر والفر فلم يلحق بها في السهم.
وأما كونه يسهم على قول الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿فما أَوْجَفْتُم عليه من خيلٍ ولا رِكاب﴾ [الحشر: ٦] والركاب الإبل.
ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس.
وأما كونه لا يزاد على سهم فلأنه دون البرذون.
قال: (ومن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره أو استأجره وشهد به الوقعة فله سهم فارس. فإن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب فله سهم راجل. ومن غصب فرساً فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه).
أما كون من دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً وشهد به الوقعة له سهم فارس، ومن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب له سهم راجل فلأن العبرة باستحقاق سهم الفرس أن يشهد به الوقعة لا أن يدخل دار الحرب فارساً؛ لأن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال كالآدمي.
ويعضده قول عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» (١).
стр. 1092
ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك.
وأما قول المصنف ﵀: واستعاره أو استأجره فتنبيه على أن العبرة بملك منفعة الفرس سواء كان مملوك الرقبة أو لا؛ لأن السهم لنفع الفرس لا لذاته بدليل أنه لا يسهم للضعيف والزمن ونحوه والرقبة موجودة فيهما. ومعنى نفق فرسه مات.
وأما كون سهم الفرس المغصوب لمالكه فلأن استحقاق سهم الفرس مرتب على نفعه وهو لمالكه.
قال: (وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، أو فَضّل بعض الغانمين على بعض لم يجز في إحدى الروايتين، ويجوز في الأخرى).
أما كون الإمام إذا قال: من أخذ شيئاً فهو له ونحو ذلك لا يجوز في روايةٍ فلما فيه من المحذور الآتي ذكره.
وأما كونه يجوز في رواية فلأن النبي ﷺ قال يوم بدر: «من أخذ شيئاً فهو له» (١).
ولأنهم غزوا على ذلك ورضوا به.
والرواية الأولى أصح؛ «لأن النبي ﷺ كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده».
ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفرِ العدو بهم فلا يجوز.
وقضية بدر منسوخة بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١].
وأما كونه إذا فضّل بعض الغانمين على بعض لا يجوز في روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً» (٢).
ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية بينهم كسائر الشركاء.
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأن الإمام يجوز له أن ينفل ويعطي السلب فجاز أن يفضل بعضهم على بعض قياساً عليهما.
стр. 1093
قال: (ومن استؤجر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له إلا الأجرة. ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه. ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم).
أما كون من استؤجر للجهاد ممن ذكر ليس له إلا الأجرة فلأن غزوه بعوض فكأنه واقع من غيره فلا يستحق شيئاً.
وروى يعلى بن أمية قال: «أذّن رسول الله ﷺ وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجيراً يكفيني وأُجْري له سهمَه فوجدت رجلاً، فلما دنا الرحيل قال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي فسمّ لي شيئاً كان السهم أو لم يكن. فسميت له ثلاثة دنانير فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت النبي ﷺ فذكرت له أمره. فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى» (١) رواه أبو داود.
وقول المصنف رحمه: ممن لا يلزمه يحترز به عمن يلزمه كالأحرار المسلمين فإن في صحة استئجارهم خلافاً.
قال القاضي في قول أحمد ﵀: إذا استأجر الأمير قوماً يغزون هذا محمول على من لا تجب عليه لأن الغزو يتعين عليه بحضوره ومن تعين عليه أمرٌ لم يجز أن يفعله عن غيره كالحج.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يحمل كلام أحمد على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو ولمن تتعين عليه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي» (٢) رواه أبو داود.
وقال ﷺ : «مثل الذين يَغزون من أمتي ويأخذون الجُعْلَ يتقوَّوْن به على عدوهم مثلُ أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذُ أجرها» (٣) رواه سعيد بن منصور.
стр. 1094
ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
فعلى القول بصحة الإجارة لا سهم له على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لما ذكر فيمن لا يلزمه.
ويحتمل أن يسهم له. اختاره الخلال لما تقدم من الحديثين قبل.
وعلى القول بالفساد يرد الأجرة إن كان أخذها وله سهمه لأن غزوه بغير عوض.
وأما كون وارث من مات بعد انقضاء الحرب يستحق سهمه فلأنه مات بعد أن ملكت الغنيمة فكان سهمه لوارثه؛ لقوله ﵇: «من ترك حقاً فلورثته» (١).
وأما كون الجيش يشارك سراياه فيما غنمت وكونها تشاركه فيما غنم فـ «لأن النبي ﷺ حين هزم هوازن أَسْرَى قِبل أَوْطاس سرية فقسم الغنائم بين الجميع».
ولأن الجيش جيش واحد فلم يختص بعضهم بالغنيمة كأحد جانبي الجيش.
وشرط هذه المشاركة أن يكون الجيش قاصداً للعدو فإن كان مقيماً في البلد ومضت السرايا فلكل سرية غنيمتها «لأن النبي ﷺ بعث السرايا من المدينة ولم يشاركها أهل المدينة فيما غنمت».
قال: (وإذا قسمت الغنيمة في أرض الحرب فتبايعوها ثم غلب عليها العدو فهي من مال المشتري في إحدى الروايتين. اختارها الخلاّل وصاحبه. والأخرى من مال البائع. اختارها الخرقي).
أما كون ما بيع من ذلك من مال المشتري في الصحيح من المذهب فلأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه التصرف فيه فكان من ضمانه كما لو اشتراه في دار الإسلام.
وأما كونه من مال البائع في روايةٍ فلأنه لم يكمُل قبضه لكونه في خطر قهر العدو فلم يضمنه المشتري كالثمر في الشجر.
وشرط كونه من مال البائع أن يكون الأخذ بغير تفريط من المشتري. فإن أخذه بتفريطه كخروجه من العسكر فهو من ضمان المشتري لأنه ذهب بتفريطه؛ أشبه ما لو أتلفه.
стр. 1095
قال: (ومن وطئ جاريةً من المغنم أو ممن له فيها حق: أُدِّب ولم يبلغ به الحد. إلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها، وتصير أم ولد له، والولد حر ثابت النسب).
أما كون الواطئ المذكور يؤدب فلأن وطئه حرام لأنه في ملكٍ مشترك.
وأما كون التأديب لا يُبلغ به الحد فلأن له فيه ملكاً أو شبه ملك وذلك يدرأ الحد.
وأما كون الواطئ عليه مهر الجارية فلأنها ليست مملوكة أشبه ما لو وطئ أمة الغير.
فإن قيل: هي مشتركة بينه وبين بقية الغانمين فيجب أن لا يكون عليه جميع المهر كما لو وطئ أمة مشتركة.
قيل: هو كذلك لكن لما كان مقدار حقه يعسر العلم به مع أنه لا ضرر عليه لكون المهر يوضع في الغنيمة فيعود حقه إليه لم يعتبر ذلك.
وأما كونه عليه قيمة الجارية إذا ولدت منه فلأنها تصير أم ولد له كما سيأتي فتجب عليه قيمتها لأنه فوّتها على الغانمين.
وأما كونها تصير أم ولد له فلأنه وطء يلحق به النسب لشبهة الملك فصارت أم ولد له أشبه وطء جارية ابنه.
وأما كون الولد حراً فلأنه من وطءٍ في ملك أو شبه ملك.
وأما كونه ثابت النسب فلأنه وطءٌ سقط فيه الحد لشبهة الملك؛ أشبه ما لو كانت ملكه.
ولأنه وطءٌ له فيه شبهة أشبه ما لو وطئ امرأة ظنها زوجته.
قال: (ومن أعتق منهم عبداً عتق عليه قدر حقه، وقُوّم عليه باقيه إن كان موسراً. وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه).
أما كون من ذكر يعتق عليه قدر حقه فلأنه عتقٌ من مالك، وذلك يوجب العتق.
وأما كونه يقوم باقيه عليه إن كان موسراً فلأن العتق من الموسر موجب لذلك لما سيأتي في باب العتق.
وأما قول المصنف ﵀: وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه فتسوية لهذه الصورة بما ذكر قبل فيما ذكر. وهو صحيح لأن ملك من يعتق عليه بمنزلة إعتاقه له.
стр. 1096
وظاهر كلام المصنف ﵀: أنه إذا أعتق بعض الغانمين أحداً من المغنم أو كان فيهم [من يعتق عليه] (١) عتق قدر نصيبه سواء كان المعتق رجلاً أو امرأة أو صبياً. وقد صرح في المغني بأن الغانم إذا أعتق رجلاً من المغنم لم يعتق لأن الأسير لا يصير رقيقاً إلا باسترقاق الإمام واختاره. فعلى هذا يحمل كلام المصنف ﵀ على من يصير رقيقاً بنفس السبي كالنساء والصبيان.
قال: (والغالّ من الغنيمة يحرق رَحْلُه كلُّه إلا المصحف والسلاح والحيوان).
أما كون الغالّ من الغنيمة. وهو: الذي يكتم ما أخذه من الغنيمة ولا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة. يحرق رحله كله غير (٢) سلاحه ومصحفه وحيوانه فلما روى صالح بن محمد قال: دخلت مع سلمة أرض الروم فأُتي برجل قد غلّ فسأل سالماً عنه. فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً. فسأل سالماً عنه. فقال: بعه وتصدق بثمنه» (٣) رواه أبو داود والأثرم.
وأما كونه لا يحرق سلاحه فلأن الحاجة تدعو إليه.
وأما كونه لا يحرق مصحفه فلأنه مذكور في حديث صالح.
ولأن له حرمة.
وأما كونه لا يحرق حيوانه فلأن له حرمة في نفسه.
ولأنه لا يدخل في اسم المتاع.
و«لأن النبي ﷺ نهى أن يعذب بالنار» (٤).
قال: (وما أُخذ من الفدية، أو أهداه الكفار لأمير الجيش، أو بعض قواده: فهو غنيمة).
أما كون ما أُخذ من الفدية غنيمة فلأنه عوض عما هو غنيمة فكان غنيمة لأن حكم العوَض حكم المعوّض.
стр. 1097
وأما كون ما أهداه الكفار لأمير الجيش أو بعض قواده غنيمة فلأنه يغلب على الظن إنما فعلوا ذلك خوفاً من المسلمين؛ أشبه ما أُخذ بالقتل.
وشرط المصنف ﵀ في الكافي أن يكون الهدية في دار الحرب. فإن كانت في دار الإسلام فهي لمن أهديت له؛ لأنه مال تبرع له به من غير خوف أشبه هدية المسلم.
стр. 1098
باب حكم الأرضين المغنومة
قال المصنف ﵀: (وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما فتح عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام بين قسمها ووقَفَها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي في يده يكون أجرة لها. وعنه: تصير وقفاً بنفس الاستيلاء. وعنه: تقسم بين الغانمين).
أما كون الإمام يخير بين قَسم ما فتح عنوة وبين وقفه على الرواية الأولى فلأن كلا الأمرين ثبت عن رسول الله ﷺ فروي «أنه قسم نصف خيبر ووقف نصفها» (١).
و«وقف مكة» (٢)، و «وقف الشام والعراق عمر» (٣) وأقره على ذلك علماء عصره. وقد تقدم ذكره في موضعه.
ولأن عمر قال: «لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم النبي ﷺ خيبر» (٤). فوقف مع علمه بقسم النبي ﷺ .
стр. 1099
فعلى هذا إن قسمها لم يضرب عليها خراجاً؛ لأنها ملك أربابها فلم يكن عليهم فيها شيء كالغنائم المنقولة، وإن وقفها ضرب عليها خراجاً يؤخذ ممن هي في يده؛ لأن عمر فعل ذلك وقد تقدم ذكره في موضعه.
وأما كون ما ذكر يصير وقفاً بنفس الاستيلاء على الرواية الثانية فلأن ذلك أنفع للمسلمين ولذلك قيل لعمر في أرض الشام: «إن قسمتها ربما صار ريع الكل للبيت الواحدة» (١).
وأما كونها تقسم بين الغانمين على الرواية الثالثة فلأن الله تعالى قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ... الآية﴾ [الأنفال: ٤١] ولم يفرق بين المنقول وغيره.
ولأن كل سبب يملك به ما ينقل يملك به ما لا ينقل. دليله البيع.
وأما قول المصنف ﵀: وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف؛ فبيان لمعنى ما فتح عنوة شرعاً.
قال: (الثاني: ما جلا عنها أهلها خوفاً فتصير وقفاً بنفس الظهور عليها. وعنه: حكمها حكم العُنوة).
أما كون الأرض التي خلى عنها أهلها خوفاً تصير وقفاً بنفس الظهور على الرواية الأولى فلأنها ليست غنيمة فتقسم. وإذا كان كذلك تعين صيرورتها وقفاً بنفس الظهور لأنه إذا امتنعت القسمة امتنعت الخيرة لأن القسمة أحد شطريها وهي ممتنعة وإذا امتنعت الخيرة تعين صيرورتها وقفاً.
وأما كون حكمها حكم ما فتح عنوة على الرواية الثانية فلأنها مال ظهر عليه المسلمون بقوتهم فوجب أن يكون حكمه حكم ما فتح عنوة قياساً لأحد الحكمين على الآخر.
فعلى هذه الرواية يكون فيما جلى أهلها عنها خوفاً روايات ثلاث كما فيما فتح عنوة ودليلها ما مر.
стр. 1100
قال: (الثالث: ما صولحوا عليه، وهو ضربان: أحدهما أن نصالحهم على أن الأرض لنا ونقرها معهم بالخراج. فهذه تصير وقفاً أيضاً.
الثاني: أن نصالحهم على أنها لهم ولنا الخراج عنها. فهذه ملك لهم خراجها كالجزية إن أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم فلا خراج عليه. ويقرون فيها بغير جزية لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها).
أما كون ما صولح الكفار عليه على ضربين فلأنه تارة يكون لنا وتارة يكون لهم.
وأما كون الأرض التي صولحوا عليها على أنها لنا تصير وقفاً وتقر معهم بالخراج فلأن ذلك شبيه بفعل عمر في أرض السواد فوجب كونها وقفاً مقراً في يد من هي في يده بالخراج كأرض السواد.
وأما كونها ملكاً لهم إذا صولحوا على ذلك فلأن الصلح يجب الوفاء به.
وأما كون خراج ذلك يسقط عنهم إذا أسلموا فلأن الخراج هنا بمعنى الجزية.
وأما كونه لا خراج على المسلم إذا انتقلت الأرض المذكورة إليه فلأنه خراج قصد بوضعه الصَّغار فوجب سقوطه بالإسلام كالجزية.
وأما كون من صولح على أن الأرض لهم يقر فيها بغير جزية فلما ذَكر المصنف ﵀ من أنهم في غير دار الإسلام.
وقوله: بخلاف التي قبلها إشارة إلى الفرق بين هذه وبين التي قبلها وهي ما إذا صالحناهم على أن الأرض لنا.
وفُهم من قوله: بخلاف التي قبلها أنهم لا يقرون في الأرض التي صولحوا على أنها لنا إلا بجزية وهو صحيح لأن الدار دار إسلام فلا بد فيها من التزام الجزية.
стр. 1101
قال: (والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة. وعنه: يرجع إلى ما ضربه عمر ﵁ لا يزاد ولا ينقص. وعنه: تجوز الزيادة دون النقص. قال أحمد وأبو عبيد: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون يعني: «أن عمر وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً» (١). وقدر القفيز ثمانية أرطال بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي، والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإبهام قائمة).
أما كون المرجع في تقدير الخراج في الجزية إلى اجتهاد الإمام على المذهب فلأن ذلك مصروف في المصالح وذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام صرفاً فكذا قبضاً.
وأما كونه يرجع إلى ما ضربه عمر ﵁ لا يزاد عليه ولا ينقص عنه على روايةٍ فلأن عمر ﵁ ضربه بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً.
ولأن عمر لما ضربه لم يغيره أحد من الخلفاء الراشدين بعده.
وأما كون الزيادة تجوز دون النقص على رواية فلأن الإمام ناظر في مصلحة كافة الناس وذلك يقتضي الزيادة دون النقص.
وأما قول المصنف ﵀: قال أحمد ... إلى آخره؛ فتنبيه على أن أصح ما روي عن عمر في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون، وإشعار بأنه قد روي عنه في ذلك غيره وهو صحيح؛ لأن عمر روى عنه عمرو بن ميمون «أنه وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً» (٢).
وروى عنه أبو عبيد «أنه بعث عثمان بن حنيف لمساحة أرض السواد فضرب على جريب الزيتون اثني عشر درهماً، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الرطبة ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين» (٣).
وأما كون حديث عمرو أصح؛ فلما ذكر الإمام أحمد وأبو عبيد.
стр. 1102
ولأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنعت العراق قفيزها ودرهمها» (١). على معنى ستمنع. وهو من الأمور التي أخبر بها النبي ﷺ قبل وقوعها.
وأما قول المصنف ﵀: وقدر القفيز ثمانية أرطال يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي فبيانٌ لمعنى قدر القفيز. والمنقول في ذلك عن الإمام أحمد أنه ثمانية أرطال.
وقال القاضي: يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي.
وقال بعض أصحابنا: ثلاثون رطلاً.
وأما قوله: والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإبهام قائمة: فبيان لمعنى الجريب والقصبة والذراع.
قال: (وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه، فإن أمكن زرعه عاماً بعد عام وجب نصف خراجه في كل عام).
أما كون ما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه فلأن الخراج في مقابلة الانتفاع حقيقة أو مظنة وكلاهما مفقود هاهنا.
وأما كون ما يمكن زرعه عاماً بعد عام يجب نصف خراجه في كل عام فلأن نفعه على النصف فيكون خراجه كذلك ضرورةَ كونه في مقابلته.
قال: (والخراج على المالك دون المستأجر، وهو كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر).
أما كون الخراج على المالك دون المستأجر فلأنه على الرقبة وهي للمالك دون المستأجر.
وأما كونه كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر فلأنه حق عليه أشبه الدين.
ولأنه مساو له معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (ومن عجز عن عمارة أرضه أُجبر على إجارتها أو رفع يده عنها).
أما كون من عجز عن عمارة أرضه يجبر في الجملة فلأنه لو لم يجبر لأدى ذلك إلى ضياع حق أرباب الخراج وفي ذلك ضرر عليهم وتفويت لحقهم وذلك لا يجوز.
стр. 1103
وأما كونه يجبر على الإجارة أو رفع يده فلأن الغرض تحصيل أحدهما فلا معنى للتعيين.
قال: (ويجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه، ولا يجوز له ذلك ليدع له منه شيئاً، وإن رأى (١) المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان جاز).
أما كون مَن عليه خراج يجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه فلأن به حاجة إلى دفع الظلم عنه فإذا لم يندفع إلا بالرشوة أو الهدية جاز ذلك دفعاً للضرر.
وأما كونه لا يجوز له ذلك ليدع له من خراجه شيئاً فلأنه رشوة لإبطال حَقٍّ أشبه رشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق.
وأما كون الإمام يجوز له إسقاط الخراج عن إنسان إذا رأى المصلحة في ذلك فلأن الإمام يجوز له فعل ما فيه المصلحة فإذا تضمن ذلك مصلحة جاز كما لو رأى المصلحة في المنّ على العدو.
стр. 1104
باب الفيء
الفيء في اللغة: الراجع. يقال: فاء الفيء إذا رجع نحو المشرق.
وفي الشرع: عبارة عما يذكره المصنف ﵀ بعد إن شاء الله تعالى. وفي الحقيقة يطلق على الغنيمة وبالعكس. وإنما خص كل واحد منهما باسم ليتميز به عن صاحبه.
والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أَوْجَفْتم عليه من خيل ولا رِكابٍ ... الآية﴾ [الحشر: ٦].
قال المصنف ﵀: (وهو: ما أخذ من مال مشرك بغير قتال كالجزية والخراج والعشر، وما تركوه فزعاً. وخمس خمس الغنيمة ومال من مات لا وارث له فيصرف في المصالح. ويبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور وكفاية أهلها وما يحتاج إليه من يدفع عن المسلمين. ثم الأهم فالأهم من سد البثوق وكري الأنهار وعمل القناطر وأرزاق القضاة وغير ذلك).
أما قول المصنف ﵀: وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال فبيان لمعنى الفيء شرعاً ليتميز عن غيره.
وأما قوله: كالجزية ... إلى لا وارث له؛ فتمثيل وتعداد لصور أموال الفيء ولأماكنه.
وأما كونه يصرف في المصالح فلأن نفعها عام والحاجة داعية إلى ذلك، ودفع الكفار هو المقصود الأعظم فيبدأ به، وقد يقدم على غيره.
وأما كونه يبدأ بعد ذلك بالأهم فالأهم من سد البثوق وهي ما انخرق مما تدعو الحاجة إلى سده، وكري الأنهار وعمل القناطر والمساجد والطرقات وأرزاق القضاة والعلماء والأئمة والمؤذنين ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع فلأن ذلك من المصالح العامة فقدمت على سائر الناس الآتي ذكرهم بعد.
стр. 1105
قال: (ولا يخمس. وقال الخرقي: يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه للمصالح).
أما كون الفيء لا يخمس وهو المنقول عن الإمام أحمد فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب ... الآيات﴾ [الحشر: ٦] جعله كله لجميع المسلمين. ولذلك لما قرأها عمر قال: «هذه استوعبت المسلمين. ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيه جبينه» (١).
وأما كونه يخمس على قول الخرقي فلأن الله تعالى لما قال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: ٧] اقتضى أن يكون جميعها لهؤلاء الأصناف وهم أهل الخمس والآية المتقدمة وما جاء عن عمر وغيره يدل على اشتراك جميع المسلمين فيه فوجب الجمع بينهما كي لا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض. وفي إيجاب الخمس جمعاً بينهما وتوفيق فإن خمسه لمن ذكر في الآية وسائره مصروف إلى من في الخبر.
ولأنه مال مشرك مظهور عليه فوجب أن يخمس كالغنيمة والركاز.
وروى البراء بن عازب قال: «لقيت خالي ومعه الراية. فقلت: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل عرس بامرأة أبيه أضرب عنقه وأخمس ماله» (٢).
فعلى هذا يصرف إلى أهل الخمس لأن المسمى في الآيتين واحد وباقيه للمصالح لما ذكر من الجمع.
والأول المذهب حملاً للفظ الآية الأولى على عمومه؛ وعملاً بقول عمر ﵁. والآية الأخرى تحمل على خمس الغنيمة.
قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي عن أحمد نصاً فأحكيه. وإنما نص على أنه غير مخموس.
стр. 1106
قال: (وإن فضل منه فضلٌ قُسم بين المسلمين. ويبدأ بالمهاجرين، ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، ثم الأنصار، ثم سائر المسلمين. وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين).
أما كون ما فضل من الفيء بعد ما تقدم ذكره من سد الثغور وما يتعلق بها وسد البثوق وما ذكر معها يقسم بين المسلمين فلما تقدم من الآية وقول عمر ﵁.
وأما كونه يبدأ بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ فـ «لأن عمر لما قدِم عليه أبو هريرة بثمانمائة ألف درهم أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا عليّ بمن أبدأ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! بك. إنك ولي ذلك. قال: لا. ولكن أبدأ برسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب» (١).
وأما كونه يقدم الأنصار بعدهم فلسابقتهم وآثارهم الجميلة.
وأما كون ما بقي لسائر المسلمين فليحصل التعميم بالدفع.
وأما كون من تقدم ذكرهم لا يفاضل بينهم على روايةٍ فلأن أبا بكر الصديق سوى بينهم (٢).
ولأن الغنائم تقسم بين من حضر بالسوية فكذا الفيء.
وأما كونهم يفاضل بينهم على روايةٍ «فلأن عمر ﵁ قسم بينهم على السوابق، وقال: لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه».
و«لأن النبي ﷺ قسم النفل بين أهله متفاضلاً». وهذا في معناه.
стр. 1107
قال: (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دُفع إلى ورثته حقه. ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده (١) الصغار كفايتهم، فإذا بلغ ذكورهم فاختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم، وإن لم يختاروا تركوا).
أما كون من مات بعد حلول وقت العطاء يدفع إلى ورثته حقه فلأن صاحب الحق مات بعد استحقاقه ذلك فانتقل إلى ورثته كسائر الموروثات.
وأما كون من مات من أجناد المسلمين يدفع إلى امرأته وأولاده الصغار كفايتهم فلما فيه من تطييب قلوب المجاهدين؛ لأنهم متى علموا أن عيالهم يُكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على الجهاد.
وأما كونه يفرض لمن بلغ من ذكورهم إذا اختاروا أن يكونوا في المقاتلة فلأنهم أهل لذلك ففرض لهم كآبائهم.
وأما كونهم يتركون إذا لم يختاروا ذلك فلأن الإنسان البالغ لا يجبر على خلاف مراده إلا لواجب عليه، ودخولهم في ديوان المقاتلة غير واجب.
стр. 1108
باب الأمان
الأمان جائز بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْه حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦].
وأما السنة فما روى علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (١) رواه البخاري.
قال المصنف ﵀: (يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، مطلقاً أو أسيراً. وفي أمان الصبي المميز روايتان).
أما كون أمان المسلم المكلف الذكر يصح فلما تقدم من قوله ﷺ : «ذمة المسلمين واحدة ... الحديث».
وأما كونه يصح من الأنثى فلدخولها في ذلك.
ولما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إن كانت المرأة لَتُجِير على المسلمين فيجوز» (٢).
وأما كونه يصح من العبد فلقوله ﷺ : «يسعى بها أدناهم» (٣).
ولما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال: «جهّز عمر ﵁ جيشاً فحصرنا موضعاً فرأينا أنا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه. فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا. فكتب بذلك إلى عمر ﵁ فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه» (٤) رواه سعيد.
стр. 1109
ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر.
وأما كونه يصح من الأسير فلأن لفظ الحديث يشمله.
ولأنه مسلم عاقل أشبه البالغ.
وأما كونه لا يصح منه في رواية فلأن القلم رفع عنه.
ولأنه لا يلزمه بقوله حكم فلأن لا يلزم غيره بطريق الأولى.
وفي قول المصنف ﵀: يصح أمان المسلم المكلف إشعار بأنه لا يصح أمان كافر ولا مجنون ولا صبي. وصرح في الكافي بذلك.
أما كونه لا يصح أمان كافر فلأنه ليس منا فلا يدخل في الحديث المتقدم.
ولأنه متهم في الدين فلم يقبل أمانه لمكان التهمة.
وأما كونه لا يصح أمان مجنون فلأنه لا قول له.
وأما الصبي فإن كان طفلاً فلا يصح أمانه لعدم اعتبار قوله، وإن كان مميزاً ففيه روايتان تقدم ذكرهما.
ويشترط أن لا يكون معطي الأمان مكرهاً؛ لأن قول المكرَه لا يترتب عليه حكم شرعي. ولم يذكره المصنف ﵀ للعلم به وعادة الأصحاب يشترطونه في الأسير (١). ولم يشترطه المصنف ﵀ فيه لأن الحر المطلق لو أكره على الأمان لم يصح فلا حاجة إلى اختصاص الأسير به وإنما ذكره الأصحاب نظراً إلى المظنة بخلاف المطلق.
قال: (ويصح أمان الإمام لجميع المشركين، وأمان الأمير لمن جعل بإزائه، وأمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة).
أما كون أمان الإمام يصح لجميع المشركين فلأن له الولاية على جميع المسلمين.
وأما كون أمان الأمير يصح لمن جعل بإزائه فإن له الولاية على من بإزائه دون غيره فاختص به.
стр. 1110
وأما كون أمان أحد الرعية يصح كما ذكره المصنف ﵀ فلعموم الحديث. فعلى هذا لا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة ولا رستاق وجمع كبير ونحو ذلك لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.
قال: (ومن قال لكافر: أنت آمن، أو لا بأس عليك، أو أجرتك، أو وقف، أو ألق سلاحك، أو مَتَرْس فقد أمّنه).
أما كون من قال لكافر: أنت آمن فقد أمنه فلأن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (١).
وأما كون من قال له: لا بأس عليك فقد أمّنه؛ «فلأن عمر ﵁ لما قال للهرمزان: لا بأس عليك. قالت الصحابة رضوان الله عليهم: قد أمنته فلا سبيل لك عليه» (٢) رواه سعيد.
وأما كون من قال له: أجرتك فقد أمنه فلأن النبي ﷺ قال لأم هانئ ﵂: «قد أجرنا من أجرت» (٣).
وأما كون من قال له: قف أو ألق سلاحك فقد أمنه فلأن الكافر يعتقده أماناً أشبه قوله: لا بأس عليك.
وأما كون من قال له مترس فقد أمنه فلأن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: «إن الله يعلم كل إنسان، فمن أتى منكم أعجمياً، فقال: مَتَرْس فقد أمنه» (٤).
стр. 1111
وليس الأمان مقيداً بما ذكره المصنف ﵀ بل يحصل بكل ما يدل عليه من قول وغيره.
وأما كونه يحصل بالقول فظاهر.
وأما كونه يحصل بغيره كالإشارة ونحوها فلأن عمر ﵁ قال: «لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه فقتله لقتلته به» (١).
قال: (ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فأنكره فالقول قوله. وعنه: قول الأسير. وعنه: قول من يدل الحال على صدقه).
أما كون القول قول المسلم في هذه الصورة على الرواية الأولى فلأن الأصل معه؛ لأن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان.
وأما كون القول قول الأسير على الرواية الثانية فلأن صدقه محتمل فيكون قوله شبهة في حقن دمه.
وأما كون القول قول من يدل الحال على صدقه على الرواية الثالثة فلأنها قرينة دالة على الصدق فعلى هذا إن كان الأسير ذا قوة ومعه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفاً مسلوباً سلاحه فالظاهر كذبه.
قال: (ومن أُعطي أماناً ليفتح حصناً ففتحه واشتبه علينا فيهم حرم قتلهم واسترقاقهم، وقال أبو بكر: يخرج واحد بالقرعة ويسترق الباقون).
كما لو أعتق عبداً من عنده ثم أشكل.
стр. 1112
قال: (ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمَن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية، وقال أبو الخطاب: لا يقيمون سنة واحدة إلا بجزية).
أما كون الأمان يجوز للرسول والمستأمن فلأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
وأما كونهم يقيمون مدة الهدنة بغير جزية على الأول وهو ظاهر كلام أحمد وقول القاضي فلأنهم لما جاز أمانهم دون السنة بغير جزية جاز فيما زاد عليها بخلاف أهل الذمة.
وأما كونه لا يجوز على قول أبي الخطاب فلعموم قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
قال: (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه قُبل منه. وإن كان جاسوساً خُير الإمام فيه كالأسير. وإن كان ممن ضل عن الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه. وعنه: يكون فيئاً للمسلمين).
أما كون قول من دخل دار الإسلام فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يُقبل فلأن ما ادعاه ممكن فيكون شبهة في درء القتل فلأنه يتعذر عليه إقامة البينة على ذلك.
وأما قول المصنف ﵀: ومعه متاع فشرط في قبول قوله أنه تاجر لأنه إذا لم يكن معه ذلك لم يحتمل صدقه.
وقوله: قُبل منه فيه إشعار بأنه لا يتعرض إليه. صرح بذلك هو وغيره من الأصحاب. أما الرسول «فلأن النبي ﷺ قال لرسولي مُسَيْلمة: لولا أن الرسول لا يقتل لقتلتكما» (١) رواه أبو داود.
وأما التاجر فلأنه إذا جاء بماله ولا سلاح معه دل على قصد الأمان.
ولم يشترط المصنف ﵀ هنا أن تكون العادة جارية بذلك لما ذكر من قصده الأمان. واشترطه في الكافي وصرح به غيره من الأصحاب لأن العادة جارية مجرى الشرط. فإذا لم تكن عادة ولم يدخل بأمان وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة.
стр. 1113
وأما كون الإمام يخير في الجاسوس كالأسير فلأنه كافر قصد نكاية المسلمين فخير الإمام فيه بعد القدرة عليه كالأسير.
وأما كون المأخوذ ممن ذكر لمن أخذه على المذهب فلأنه مباح ظهر عليه بغير جهاد فكان لآخذه كمباحات دار الإسلام.
وأما كونه يكون فيئاً على روايةٍ فلأنه مال مشترك ظهر عليه بغير قتال أشبه ما تركوه فزعاً وهربوا.
قال: (وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه إياه ثم عاد إلى دار الحرب بقي الأمان في ماله ويُبعث إليه إن طلبه، وإن مات فهو لوارثه. فإن لم يكن له وارث فهو فيء).
أما كون الأمان يبقى في مال المستأمن إذا تركه عندنا وعاد هو إلى دار الحرب فلأن الموجِب للنقض دخول دار الحرب فانتقض فيما دخل دون غيره.
فإن قيل: الأمان ثبت في المال تبعاً فإذا بطل في المتبوع بطل في التابع.
قيل: لا نسلم أن الأمان ثبت في المال تبعاً بل ثبت فيهما جميعاً فإذا بطل في أحدهما بقي في الآخر. وعلى تقدير التسليم يجوز حكم التبع وإن زال في المتبوع لأن أم الولد يثبت لولدها حكم الاستيلاد تبعاً لها ويبقى حكمه له بعد موتها.
وأما كونه يُبعث إليه إن طلبه فلأنه ملكه.
وأما كونه لوارثه إذا مات فلأن من ثبت له حق على وجه مخصوص انتقل إلى وارثه على صفته من تأجيل ورهن وضمين فكذا هذا.
وأما كونه فيئاً إذا لم يكن له وارث فلأن أهل الذمة إذا ماتوا ولا وارث لهم يكون مالهم فيئاً فكذلك هذا.
قال: (وإن أسر الكفار مسلماً فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم لزمه الوفاء لهم، وإن لم يشترطوا شيئاً، أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب).
أما كون المسلم يلزمه الوفاء لهم إذا شرط ما ذكر؛ فلقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (١).
стр. 1114
ولأنهم أطلقوه على ذلك فلزمه الوفاء به وفاءً بشرطه.
وأما كونه له أن يقتل ويسرق ويهرب إذا لم يشترطوا شيئاً أو شرطوا كون المسلم رقيقاً فلأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان.
قال: (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً، فإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء إلا أن يكون امرأة فلا ترجع إليهم. وقال الخرقي: لا يرجع الرجل أيضاً).
أما كون الرجل المسلم إذا شرط ما ذكر يلزمه الوفاء على المذهب فلما تقدم ذكره.
وأما كونه لا يرجع على قول الخرقي فبالقياس على المرأة.
وأما كون المرأة لا ترجع قولا واحداً فـ «لأن النبي ﷺ لما صالح أهل الحديبية على رد من جاءه منعه الله رد النساء» (١).
ولأن في رجوعها تسليطاً على وطئها حراماً فلم يجز.
стр. 1115
باب الهدنة
مشتقة من قولهم تهادن الأمر إذا استقام، وهدنت المرأة صبيها بالكلام إذا أرادت أن ينام. والأصل فيها الكتاب والسنة والمعنى.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ [التوبة: ٤].
وأما السنة ففعل رسول الله ﷺ روي «أنه صالح قريشاً عشر سنين» (١).
وأما المعنى فلأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادن (٢) حتى يقووا.
قال: (ولا يصح عقد الهدنة والذمة إلا من الإمام أو نائبه. فمتى رأى المصلحة في عقد الهدنة جاز له عقدها مدة معلومة وإن طالت. وعنه: لا يجوز في أكثر من عشر سنين. فإن زاد على عشر بطل في الزيادة. وفي العشر وجهان).
أما كون عقد الهدنة والذمة لا يصح من غير الإمام أو نائبه فلأن ذلك يتعلق بنظر واجتهاد ومصلحة للمسلمين وليس غير الإمام ونائبه محلاً لذلك لعدم ولايته عليهم.
ولأن عقد الهدنة قد يكون مع جملة الكفار وليس لأحد من المسلمين إعطاء الأمان لأكثر من القافلة والحصن الصغير لأن في تجويزه افتياتاً على الإمام وتعطيل الجهاد (٣).
وأما كون عقدها يصح منهما: أما من الإمام فلما تقدم من فعل النبي ﷺ .
وأما من نائبه فلأنه نائب عنه ومُنَزّل منزلته.
وأما ما يشترط لذلك فأمور:
стр. 1116
أحدها: أن يكون في العقد مصلحة للمسلمين لأن ما لا مصلحة للمسلمين فيه لا يجوز للإمام فعله كسائر الأمور التي لا مصلحة فيها.
وثانيها: كون المدة مقدرة لما يأتي.
وثالثها: كون التقدير معلوماً لأن ما وجب أن يكون مقدراً وجب أن يكون معلوماً كخيار الشرط.
ورابعها: هل يتقدر بالعَشر؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يتقدر لأنها تجوز في أقل من عشر فجازت في أكثره كمدة الإجارة.
ولأن أصل الهدنة إنما جازت للمصلحة فإذا تضمنت الزيادة على العشر المصلحة جازت تحصيلاً للمصلحة.
والثانية: يتقدر بالعشر؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] عام خص منه مدة العشر لصلح النبي ﷺ قريشاً (١) فيبقى ما زاد على ذلك على مقتضى الدليل.
فعلى قولنا لا يصح إذا عقدها على أكثر من عشر سنين بطل فيما زاد عليها.
وفي العشر وجهان مبنيان على تفريق الصفقة.
قال: (وإن هادنهم مطلقاً لم يصح. وإن شرط شرطاً فاسداً كنقضها متى شاء، ورد النساء إليهم أو صداقهن أو سلاحهم، وإدخالهم الحرم بطل الشرط. وفي العقد وجهان).
أما كون الهدنة لا تصح مطلقاً فلأن إطلاق ذلك يقتضي التأبيد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد.
وأما كون شرط النقض متى شاء يبطل فلأنه ينافي مقتضى العقد.
ولأنه عقد مؤقت فكان تعليقه على المشيئة باطلاً كالإجارة.
وأما كون شرط رد النساء المسلمات يبطل فلقوله: ﴿فلا تَرجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠].
ولقوله ﷺ : «إن الله قد منع الصلح في النساء».
стр. 1117
ولأنه لا يؤمن أن تزوج بمشرك فيصيبها أو تفتتن في دينها.
وأما كون شرط رد صداقهن يبطل فلأن بضع المرأة لا يدخل في الأمان.
فإن قيل: فقد رد النبي ﷺ المهر.
قيل: لأنه شرط رد النساء وكان شرطاً صحيحاً ثم نسخ فوجب رد البدل لصحة الشرط بخلاف حكم من بعده فإن رد النساء نسخ فلم يبق صحيحاً.
وأما كون شرط رد السلاح يبطل فلأنه يصير لهم به قوة.
وأما كون شرط إدخالهم الحرم يبطل فلقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
وأما كون العقد إذا شرط فيه شيء من ذلك أو شبهه يبطل ففيه وجهان مبنيان على الشروط الفاسدة في البيع. وسيأتي دليل ذلك في موضعه.
قال: (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز، ولا يمنعهم أخذه، ولا يجبره على ذلك. وله أن يأمره بقتالهم، والفرار منهم).
أما كون شرط رد من جاء من الرجال مسلماً يجوز فلأن النبي ﷺ فعل ذلك (١).
وأما كون الإمام لا يمنعهم أخذه «فلأن أبا بصير جاء إلى النبي ﷺ في صلح الحديبية فجاء الكفار في طلبه فقال النبي ﷺ : إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدنا عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً. فرجع معهم. فقتل أحدَهم ورجع النبي ﷺ » (٢). فلم يلمه.
وأما كونه لا يجبره على ذلك فلأن النبي ﷺ لم يجبر أبا بصير.
وأما كونه له أن يأمره بقتالهم والفرار منهم فلأنه رجوع إلى باطل فكان له الأمر بعدمه كالزوجة التي سمعت طلاقها بأذنها.
стр. 1118
قال: (وعلى الإمام حماية من هادنهم من المسلمين دون غيرهم. وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراءهم. وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم).
أما كون الإمام عليه حماية من هادنه من المسلمين فلأنه أمّنهم ممن هو في قبضته وتحت يده.
وأما كونه ليس عليه حمايتهم من غير المسلمين فلأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
وقول المصنف ﵀: دون غيرهم يوهم دخول أهل الذمة فيمن لا يجب حمايتهم منه لأنهم دون المسلمين وليس مراده ذلك. وإنما ترك ذكر أهل الذمة لظهوره لأنه إذا وجب حمايتهم فلأن يجب من أهل الذمة بطريق الأولى.
وأما كون شرائهم لنا لا يجوز إذا سباهم كفار آخرون فلأنهم في عهدنا فلم يجز أن يتملك ما سبي منهم؛ كأهل الذمة.
وأما كون الإمام ينبذ إليهم عهدهم إذا خاف نقض العهد منهم فلقوله تعالى: ﴿وإما تَخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨]. يعني أعلمهم حيث تصير أنت وهم سواء في العلم.
стр. 1119
باب عقد الذمة
عقدُ الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم إذا بذلوا الجزية بشرطه. وسيبين مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال المصنف ﵀: (لا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب، وهم: اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين بالتوراة والإنجيل كالسامرة، والفرنج، ومن له شبهة كتاب وهم المجوس. وعنه: يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب).
أما كون عقد الذمة لا يجوز لغير أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب على المذهب فلأن الله تعالى قيد قتال الذين كفروا مُغيّىً إلى إعطاء الجزية بأهل الكتاب فلو لم يكن ذلك مختصاً بأهل الكتاب لم يكن في التقييد فائدة.
ولأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] عام في كل مشرك خرج منه أهل الكتاب لقوله من أهل الكتاب (١)، والمجوس للخبر فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما كونه يجوز لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب على روايةٍ؛ فلما روى الزهري «أن رسول الله ﷺ صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب» (٢).
والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأن غير الكتابي والمجوس لا يدل عليه القرآن ولا هو في معنى ما دل عليه لأن كفرهم أغلظ من كفر أهل الكتاب.
وأما ما روى الزهري (٣).
стр. 1120
وأما كون عقدها يجوز لأهل الكتاب فبالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون -إلى قوله: - من الذين أوتوا الكتاب﴾ [التوبة: ٢٩].
وأما السنة «فقول النبي ﷺ لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: فادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم» (١).
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز عقدها لأهل الكتاب.
وأما قول المصنف: وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التديّن بالتوراة والإنجيل كالسامرة والفرنج فبيانٌ للمراد من أهل الكتاب. قال الله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] والمراد ما ذكر.
وأما كون عقدها يجوز لمن له شبهة كتاب وهم المجوس؛ فلما روى عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب» (٢).
وعنه أنه قال: «أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر» (٣).
قال: (فأما الصابئي فينظر فيه فإن انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله، وإلا فلا).
أما كون الصابئي الذي انتسب إلى أحد الكتابين من أهل ذلك الكتاب فلأنه إذا انتسب إلى أحد الكتابين شارك أهله في ذلك الكتاب فيدخل فيما تقدم.
وأما كون الذي لم ينتسب إلى ذلك كمن يقول أن الفلك حي ناطق، وأن الكواكب السبعة آلهة ليس من أهل الكتاب فلأنه مساوٍ لعبدة الأوثان في عدم انتسابه إلى كتاب فوجب أن لا يكون من أهله كعبدة الأوثان.
стр. 1121
قال: (ومن تهوّد، أو تنصّر بعد بعث نبينا محمد ﷺ ، أو ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين).
أما كون من تهوّد أو تنصّر بعد بعث نبينا ﷺ تقبل منه الجزية على وجهٍ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
وأما كونه لا يقبل منه على وجهٍ فلأنه انتقل إلى دين باطل.
وأما كون من ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما تقبل على وجهٍ فلما ذكر قبل.
وأما كونه لا تقبل منه على وجه فلأنه تعارض فيه القبول وعدم القبول فرجع إلى الأصل.
قال: (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين، ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم. ومصرفه مصرف الجزية. وقال الخرقي: مصرف الزكاة. ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم. وقال القاضي: تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم).
أما كون الجزية لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فلما روي «أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبو وأنفوا، وقالوا: نحن عرب. خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة. فلحق بعضهم بالروم. فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم وردهم» (١).
وأما كون الزكاة تؤخذ من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين فلأن تكملة حديث عمر المتقدم ذكره: «وضعّف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً دينارا، ومن كل مائتي درهم عشر دراهم، ومما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو عرب أو دولاب العشر».
стр. 1122
واستقر ذلك من قول عمر ولم يخالف غيره من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون ذلك يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم فلأن حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة، والزكاة تؤخذ في جميع هذه الصور فكذا يؤخذ منهم فيما هو ملحق بها.
وأما كون مصرف المأخوذ منهم مصرف الجزية على قول غير الخرقي فلأنه مأخوذ من مشرك.
ولأنه جزية مسماة بالصدقة، ولذلك قال عمر: «هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم».
وأما كون مصرفه مصرف الزكاة على قول الخرقي فلأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسالك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها.
قال المصنف ﵀ في المغني: الأول أقيس لأن المعنى أخص من الاسم. ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعه إلى فقراء من أخذت منهم كصدقات المسلمين.
وأما كون ذلك لا يؤخذ من كتابي غيرهم على المذهب فلأن قوله تعالى: ﴿مِن الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩]، وقوله ﵇ لمعاذ: «خذ من كل حالم ديناراً» (١) عامٌّ في كل كتاب خرج منها نصارى بني تغلب لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
و«لأن النبي ﷺ قبل الجزية من أهل نجران» (٢) وكانوا نصارى.
و«أخذها من أكيدر دومة» (٣) وهو عربي.
стр. 1123
وأما كونها تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم على قول القاضي فلأنهم من العرب أشبهوا بني تغلب.
قال: (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمِنٍ ولا أعمى ولا عبدٍ ولا فقير يعجز عنها).
أما كون الصبي لا جزية عليه فلأن قوله ﵇: «خذ من كل حالم» (١) يدل بمفهومه على أنه لا يؤخذ من صبي.
ولأن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان» (٢) رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم.
وأما كون المرأة لا جزية عليها فلما تقدم من قول عمر.
وأما كون الزمِنِ والأعمى لا جزية عليهما فلأنهما محقونان الدم أشبها الصبي والمرأة. وفي معناه من راهبٍ وشيخ فانٍ وشبههما.
وأما كون العبد لا جزية عليه فلقوله ﵇: «لا جزية على العبد» (٣).
وعن ابن عمر مثله.
ولأنه مال فلم تجب عليه الجزية كسائر الحيوانات.
ولأنه محقون الدم أشبه الصبي.
وأما كون الفقير لا جزية عليه فلقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولأنه مال يجب بحول الحول فلم يلزم الفقير كالزكاة والعقل.
стр. 1124
واشترط المصنف ﵀ في الفقير العجز عن الأداء لأنه هو الذي يتعذر عليه وتشمله الآية فلو كان لا يعجز عنها ولو بصنعة وجبت عليه لأنه في حكم الأغنياء.
قال: (ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول، ويؤخذ منه آخر الحول بقدر ما أدرك).
أما كون من بلغ أو أفاق أو استغنى من أهل الجزية بالعقد الأول فلأنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا أصحابه تجديد عقد لصبي بلغ ولا مجنون أفاق ولا فقير استغنى.
ولأن العقد يكون مع سادة أهل البلدة فيدخل فيه سائرهم فكذا هؤلاء.
وأما كون من ذكر يؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك فلأن الجزية للسنة.
فعلى هذا من وجد منه ما ذكر في أول السنة أخذ في آخرها كل الجزية، ولو وجد في نصفها أخذ نصفها، وعلى هذا بالحساب، ولا يترك حتى يتم حولاً من حين وجد سببه لأنه يحتاج إلى إفراده بحول، وضبط حول كل إنسان يؤخذ منه يشق ويتعذر.
قال: (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولاً أخذت منه، ويحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه).
أما كون من ذكر تلفق إفاقته فلأنه أمكن من غير مشقة.
وأما كون من بلغت إفاقته حولاً تؤخذ منه الجزية حينئذ على المذهب فلأن حوله لا يكْمل إلا حينئذ.
وأما كونه يحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه فلأن الجزية تؤخذ في كل حول فوجب الأخذ منه بحسابه.
стр. 1125
قال: (وتقسم الجزية فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير اثنا عشر. والغني منهم من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب).
أما كون الجزية تقسم بين أهل الكتاب فيجعل ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير فلأن عمر ﵁ هكذا فعل (١) بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه فكان إجماعاً.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ لما وجهه إلى اليمن: «خذ من كل حالم ديناراً» (٢).
قيل: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الفقر كان فيهم أغلب. ولذلك يروى عن مجاهد أنه قيل له: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: ذلك من أجل اليسار.
وثانيهما: أن الجزية يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام وكان الدينار في ذلك الزمان اجتهاد إمامه والأربعة اجتهاد إمام زمنها.
وأما كون الغني من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب فلأن المقادير توقيفية ولا توقيف في ذلك فوجب رده إلى العرف كالحِرز والقبض.
وفي قول المصنف ﵀: في ظاهر المذهب إشعار بأن فيه خلافاً وهو صحيح لأن فيه ثلاث روايات:
إحداها: ما تقدم.
وثانيها: أن من ملك نصاباً فهو غني قياساً على المسلم.
وثالثها: أن ملك عشرة آلاف ديناراً فهو غني لأن من ملك دون ذلك لا يعد في بعض البلاد غنياً.
والأول أصح؛ لما ذكر.