الممتع في شرح المقنع
تصنيف
زين الدين المنجى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى
التنوخي الحنبلي
٦٣١ - ٦٩٥ هـ
الجزء الثالث
دراسة وتحقيق
د. عبدالملك بن عبدالله بن دهيش
стр. 1577
كتاب العارية
العارية: مشتقة من عار الشيء إذا ذهب وجاء. ومنه قيل للبطال: عيّار لتردده في بطالته. والعرب تقول: أعاره وعاره مثل: أطاعه وطاعه.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧]. روي عن ابن عباس وابن مسعود قالا: العواري. وفسرها ابن مسعود فقال: القدر والميزان والدلو.
وأما السنة فما روي عن النبي ﷺ أنه (١) قال: «العَاريةُ مُؤَدَّاةٌ» (٢).
وروى صفوان بن أمية «أن النبي ﷺ استعارَ منهُ يومَ حنين أَدْرَاعاً. فقال: أَغصباً يا محمد! قال: بلْ عاريةٌ مَضمونَة» (٣) رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على جواز العارية.
وأما المعنى فهو أن العارية هبة المنافع أو إباحتها. فوجب أن تكون جائزة؛ كهبة الأعيان وإباحةِ أكلها.
قال المصنف ﵀: (وهي هبة منفعة. تجوز في كل المنافع إلا منافع البضع. ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر. وتكره إعارة الأمة الشابة لرجل غير محرمها، واستعارة والديه للخدمة).
أما قول المصنف: وهي هبة منفعة؛ فهو بيان لمعنى العارية.
وقال صاحب المستوعب: هي إباحة منفعة. وقدّمه.
стр. 1578
وأما كون العارية تجوز في كل المنافع ما خلا منافع البضع، وإعارة العبد المسلم لكافر؛ فـ «لأن النبي ﷺ استعارَ من أبي طلحةَ فرساً فَركبهَا» (١)، و «من صفوان أَدْرَاعاً» (٢)، و «سئل عن حق الإبل فقال: إعارةُ دَلوهَا فَحْلِها» (٣). فيثبت ذلك في المنصوص، ويقاس عليه سائر المنافع.
وأما كونها لا تجوز في منافع البضع؛ فلأن الوطء لا يجوز إلا في عقد نكاح أو ملك يمين، وذلك غير حاصل.
وأما كون إعارة العبد المسلم لكافر لا تجوز؛ فلأنه لا تجوز إعارته له حذراً من استخدامه.
وأما كون إعارة الأمة الشابة لرجل غير محرمها تكره؛ فلأنه لا يؤمن عليها، ولا يجوز له الخلوة بها. وذكر المصنف في المغني أن ذلك لا يجوز لما ذكر.
وفي قوله: الشابة لرجل غير محرمها إشعار بأن إعارة الكبيرة لرجل غير محرم، وإعارة الشابة لامرأة، ومحرم لا تكره، وهو صحيح؛ لأنه يؤمن فيهما ما ذكر قبل.
وأما كون استعارة والدي الشخص للخدمة تكره (٤)؛ فلأنه يكره استخدامهما، فكره استعارتهما لذلك. قال: (وللمعير الرجوع متى شاء ما لم يأذن في شَغله بشيء يستضر المستعير (٥) برجوعه؛ مثل: أن يعيره سفينة لحمل متاعه فليس له الرجوع ما دامت في لجّة البحر. وإن أعاره أرضاً للدفن لم يرجع حتى يبلى الميت، وإن أعاره حائطاً
стр. 1579
ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه، فإن سقط عنه لهدم أو غيره لم يملك رده).
أما كون المعير (١) له الرجوع متى شاء مع عدم إذنه في الشَّغل بشيء يستضر المستعير بالرجوع كما مثل المصنف ﵀؛ فلأن المنافع المستقبلة لم تحصل في يده، فلا يملكها بالإعارة؛ كما لو لم تحصل العين في يده.
وأما كونه ليس له (٢) ذلك مع الإذن في الشَّغل المذكور؛ فلأنه قلب لموضوع العارية. إذ موضوعها ارتفاق المستعير بالعين، وحصول النفع له، وضرره ينافي ذلك.
وأما كونه لا يرجع في السفينة ما دامت في لُجَّة البحر؛ فلأن الرجوع قبل ذلك يستضر به، فلم يملك الرجوع لفقد شرطه.
وأما كونه لا يرجع إذا أعاره أرضاً للدفن حتى يبلى الميت؛ فلأن في الرجوع هتكَ حرمة الميت بالنبش فلم يُمَكّن منه؛ كما لو كان ضرراً على الحي.
وأما كونه لا يرجع في الحائط المعار لوضع أطراف خشبه ما دام عليه؛ فلأن هذا يراد للبقاء.
ولأن في الرجوع ضرراً على المستعير.
وأما كونه لا يملك رده إذا سقط عنه لهدمٍ أو غيره؛ فلأن الإذن (٣) يتناول الحائط الأول (٤) فلا يتعدى إلى غيره.
стр. 1580
قال: (وإن أعاره أرضاً للزرع لم يرجع إلى الحصاد. إلا أن يكون مما يُحصد قصيلاً فيحصده).
أما كونه لا يرجع إلى الحصاد إذا كان الزرع مما لا يُحصد قصيلاً؛ فلأن فيه ضرراً على المستعير.
وأما كونه يحصده إذا كان مما يحصد قصيلاً؛ فلأنه أمكن الرجوع من غير ضرر.
قال: (وإن أعارها للغراس والبناء، وشرط عليه القلع في وقتٍ، أو عند رجوعه، ثم رجع: لزمه القلع. ولا يلزمه تسوية الأرض إلا بشرط. وإن لم يشرط عليه القلع لم يلزمه إلا أن يضمن له المعير النقص. فإن قلع فعليه تسوية الأرض. وإن أبى القلع فللمعير أخذه بقيمته. فإن أبى ذلك بِيعا لهما. فإن أبيا البيع ترك بحاله).
أما كون المستعير يلزمه القلع مع الشرط؛ فلقوله ﵇: «المؤمنون عند شروطهم» (١).
ولأنه رضي بالتزام الضرر الداخل عليه بالقلع.
وأما كونه لا يلزمه تسوية الأرض أي الحفر الحاصلة فيها بالقلع مع عدم الشرط؛ فلأنه رضي بعدم التسوية حيث لم يشرطها.
وأما كونه يلزمه ذلك مع الشرط؛ فلما تقدم في القلع.
وأما كونه لا يلزمه القلع إلا عند عدم ضمان النقص؛ فلأن فيه ضرراً على المستعير.
وأما كونه يلزمه القلع عند ضمان النقص؛ فلأنه رجوعٌ من غير إضرار.
стр. 1581
وأما كونه عليه تسوية الأرض إذا قلع وليس مشروطاً عليه قلع الغرس؛ فلأن
القلع باختياره. لو امتنع منه لم يجبر عليه. فلزمه التسوية؛ كالمشتري لما فيه شفعة إذا أخذ غرسه (١).
ونقل المصنف في المغني عن القاضي: لا يلزمه تسوية الحُفَر؛ لأنه لما أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه كان ذلك رضاً منه بما يحصل بالقلع من التخريب (٢)، فلم تلزمه التسوية كما لو شرط القلع. ولم يحك عن الأصحاب غيره. وحكى في الكافي الوجهين معاً.
وأما كون المعير له أخذ ذلك بقيمته إذا أبى المستعير القلع؛ فلأن غرسه حصل في ملك غيره. أشبه الشفيع مع المشتري.
وأما كون الغرس والأرض يباعان لهما إذا أبيا ما ذكر؛ فلأن ذلك طريق إلى تحصيل مالية كل واحدٍ منهما.
ولا بد أن يلحظ في قوله: بِيعا لهما أن البيع يكون بالاتفاق لقوله بعد: فإن أبيا البيع ترك بحاله.
فعلى هذا إذا بيعا دفع إلى كل واحدٍ منهما حصته. وطريقه أن يقال: كم قيمة الأرض غير مغروسة؟ فيقال: عشرة. ويقال: كم تساوي مغروسة؟ فيقال: خمسة عشر. فيكون للمعير ثلثا الثَّمَن، وللمستعير ثلثه.
وأما كون ذلك يترك بحاله إذا أبيا البيع؛ فلأن جائز التصرف لا يجبر على بيع ملكه إلا في دَين. قال: (وللمعير التصرف في أرضه على وجه لا يضر بالشجر. وللمستعير الدخول للسقي والإصلاح وأخذ الثمرة. ولم يذكر أصحابنا عليه أجرة من حين
стр. 1582
الرجوع، وذكروا عليه أجرة في الزرع وهذا مثله فيخرج فيهما. وفي سائر المسائل وجهان).
أما كون المعير والمستعير لكل واحدٍ منهما التصرف بما تقدم ذكره؛ فلأن لكل واحدٍ حاجة إلى ذلك مع عدم ضرر صاحبه.
ولأن الملك يقتضي أن يملك المعير التصرف في ملكه مطلقاً. خولف فيما يضر المستعير للضرر فيبقى فيما عداه على مقتضاه. وإذنه للمستعير في الغرس والزرع إذن له فيما هو من ضروراته، والدخول للسقي والإصلاح وأخذ الثمرة من ضرورات ذلك، فملكه لشمول الإذن له عرفاً.
وأما كون المستعير لا أجرة عليه في الشجر من حين الرجوع؛ فلأن بقاء ذلك بحكم العارية. فوجب كونه بغير أجرة؛ كالخشب على الحائط.
وأما كونه عليه أجرة في الزرع؛ فلأن المعير لما رجع اقتضى رجوعه أن المستعير لا يملك الانتفاع بالعارية. ضرورة بطلان الإذن المبيح لذلك بالرجوع. لكن الانتفاع لو مُنع منه إلى حصاد الزرع لأدى إلى ضرر المستعير. فوجب بقاؤه بأجرة؛ لما فيه من الجمع بين الحقين.
وأما كون مسألة الغرس مثل مسألة الزرع فيما ذكر؛ فلاستوائهما في الرجوع الموجب لما ذكر.
فعلى هذا يخرج فيهما وفي كل موضع يشبههما وجهان وجههما (١) ما تقدم.
قال: (وإن غرس أو بنى بعد الرجوع أو بعد الوقت فهو غاصب يأتي حكمه).
أما كون من ذكر غاصباً؛ فلأنه تصرف بغير إذن المالك، وذلك شأن الغاصب.
وأما كون الغاصب يأتي حكمه؛ فلأنه يأتي في باب الغصب (٢).
стр. 1583
قال: (وإن حمل السيل بَذراً إلى أرض فنبت فيها فهو لصاحبه يبقى إلى الحصاد بأجرة مثله. وقال القاضي: لا أجرة له. ويحتمل أن لصاحب الأرض أخذه بقيمته).
أما كون ما نبت لصاحب البذر لا لصاحب الأرض؛ فلأنه نماء ملكه.
وأما كونه مبقى إلى الحصاد؛ فلأنه حصل في ملك غيره بغير تعدٍّ منه، وفي قلعه إتلافٌ له فلم يجب عليه كما لو أذن له فيه، وكما لو حصل فصيله في ملك غيره فلم يمكن إخراجه إلا بذبحه أو قلع الباب فإنه لا يجبر على ذبحه.
وأما كون صاحب الأرض له أجرة المثل عليه على المذهب؛ فلأنه انتفع بملك غيره بغير إذنه. فوجب عليه أجرة المثل؛ كالغاصب، وكما لو انقضت مدة المستأجر وله في الأرض زرعٌ لم يفرّط في زرعه.
وأما كونه لا أجرة له على قول القاضي؛ فلأنه حصل بغير تفريطه.
وأما كونه يحتمل أن لصاحب الأرض أخذه بقيمته؛ فلأنه حصل زرع غيره في ملكه فكان له ذلك؛ كما لو غصب ملكه وزرع.
قال: (وإن حمل غرس رجل فنبت في أرض غيره فهل يكون كغَرْس الشفيع أو كغَرْس الغاصب؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر كغَرْس الشفيع على وجهٍ؛ فلأنه ساواه في عدم التعدي.
وأما كونه كغرس الغاصب على وجهٍ؛ فلأنه ساواه في عدم الإذن. وحكم غرس الشفيع أنّ قلعه مجاناً غيرُ مستحقٍ. بخلاف غرس الغاصب.
وقول المصنف: كغرس الشفيع فيه نظر؛ لأنه يوهم أن الغرس ملك الشفيع. كما أن قوله: كغرس الغاصب كذلك، وليس الغرس ملك الشفيع بل الشفيع إذا أخذ (١) بالشفعة وكان المشتري قد غرس لا يملك الشفيع قلع الغرس من غير ضمان النقص، والعبارة الصحيحة أن يقال: كغرس المشتري لما فيه شفعة.
стр. 1584
قال المصنف ﵀: (وحكم المستعير في استيفاء المنفعة حكم المستأجر. والعارية مضمونة بقيمتها يوم التلف وإن شرط نفي ضمانها. وكل ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه. وعن الإمام أحمد أنه ذكر له ذلك فقال: «المسلمون على شروطهم» (١)، فيدل على نفي الضمان بشرطه).
أما كون حكم المستعير حكم المستأجر في استيفاء المنفعة؛ فلأن المنافع صارت مملوكة له فكان حكمه حكم المستأجر لاشتراكهما في ذلك.
وأما كون العارية مضمونة مع عدم شرط نفي الضمان؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «بل عاريةٌ مضمونة» (٢)، ويروى عنه ﵇ أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (٣) رواه أبو داود.
ولأنه أخذ ملك غيره لمنفعة نفسه منفرداً بها من غير استحقاق ولا إذن في الإتلاف. فكان مضموناً؛ كالغصب والمقبوض على وجه السوم.
وأما كونها مضمونة مع شرط نفي الضمان على المذهب؛ فلما تقدم من الحديثين.
ولأن كل عقد اقتضى الضمان أو عدمه لم يغيره (٤) الشرط؛ كالبيع والوديعة والهبة والشركة والمضاربة.
وأما كونها لا تكون مضمونة على روايةٍ؛ فلما ذكر الإمام أحمد من الحديث.
ولأن الضمان حقُّ المعير. فإذا شرط نفيه كان راضياً بإسقاط حقه، وإذا رضي بإسقاط حقه وجب أن يسقط؛ كما لو أذن له في إتلاف ماله.
стр. 1585
والأول أصح؛ لما تقدم. والحديث المراد به غيرُ ذلك. جمعاً بينه وبين ما تقدم من الحديثين.
والفرق بين شرط نفي الضمان وبين الإذن في الإتلاف: أن الإتلاف فعل يصح الإذن فيه، ويسقط حكمه. إذ لا ينعقد سبباً للضمان مع كونه مأذوناً في عكسه. أما إسقاط الضمان فهو نفي للحكم مع وجود سببه وليس ذلك إلى المالك. ولا يملك الإذن فيه.
وأما كون العارية مضمونة بقيمتها؛ فلأن القيمة بدلٌ عنها في الإتلاف .. فوجبت عند تلفها؛ كالإتلاف.
وأما كون الضمان حيث وجب معتبراً بيوم التلف؛ فلأنه حينئذ تحقق فوات العارية. فوجب اعتبار الضمان به.
وأما كون كل ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه؛ فلأن العقد إذا اقتضى شيئاً فشرط غيره يكون شرطاً لشيء ينافي مقتضى العقد فلم يصح؛ كما لو شرط في المبيع أن لا يبيعه.
قال: (وإن تلفت أجزاؤها بالاستعمال كخمل المنشفة فعلى وجهين).
أما كون الأجزاء المذكورة تُضمن على وجهٍ؛ فلأن التالف أجزاءٌ مضمونة لو تلفت العين قبل تلفها. فوجب أن تضمن بالاستعمال؛ كسائر الأجزاء.
وأما كونها لا تضمن على وجهٍ؛ فلأن الإذن في الاستعمال تضمن الإذن في الإتلاف، وما أذن في إتلافه لا يضمن؛ كالمنافع. وفارق ما إذا تلفت العين من حيث إنه لا يمكن تمييزها من العين.
ولأنه إنما أذن فيها على وجه الانتفاع، فإذا تلفت قبل ذلك فقد فاتت على غير الوجه الذي أذن فيه. فضمنها؛ كما لو أجّر العين المستعارة.
стр. 1586
قال: (وليس للمستعير أن يعير، فإن فعل فتلف عند الثاني فله تضمين أيِّهما شاء. ويستقر الضمان على الثاني).
أما كون المستعير ليس له أن يعير؛ فلأن الانتفاع بالعارية مستفاد بالإذن لا بطريق المعاوضة. وهو يختلف باختلاف فاعله. فقد يرضى الشخص بانتفاع شخص دون آخر. وعلل المصنف ذلك في المغني بأن العارية: إباحة المنفعة. فلا يجوز أن يبيحها؛ كإباحة الطعام. وهذا صحيح على قول من يقول: العارية إباحة المنفعة، أما من يقول: هي هبة المنفعة فلا يصح ذلك وينبغي حينئذ أن يقال: المنفعة وإن كانت مملوكة للمستعير إلا أن الرقبة باقية على ملك المعير. ويلزم من استيفاء المنفعة السلطة على الرقبة. فوجب أن لا يملك ذلك إلا بإذن من المعير.
فإن قيل: هذا المعنى بعينه موجود في العين المستأجرة، وإجارتها جائزة.
قيل: الغرض من الإجارة غالباً الأجرة، وذلك لا يختلف. بخلاف العارية فإن الغرض فيها: نفع المستعير، وذلك يختلف بالنسبة إلى من ينتفع.
ولأن الإجارة من باب المعاوضة فهي أبلغ من العارية. ولا يلزم من الجواز في الإجارة الجواز في العارية؛ لقصورها عنها. ويمكن أن يقال: مقتضى الدليل أن لا تجوز في الإجارة؛ لما ذكر، لكن المستأجر قد يستغني عن العين. فلو لم تجز الإجارة لأدى إلى فوات ماله وما قابله، وهذا مفقود في المستعير. فوجب بقاؤه على المنع، عملاً بمقتضى الدليل، السالم عن المعارض.
وأما كون مالك العارية له تضمين من شاء من المستعير أوّلاً والمستعير ثانياً إذا أعار (١) الأول العارية لآخر؛ فلأن كل واحدٍ منهما متعدٍّ.
فإن قيل: إذا لم يعلم المستعير الثاني الحال لا يوصف بالتعدي.
قيل: إن علم فالعلة ما ذكر، وإن لم يعلم فيجب عليه الضمان لحصول التلف في يده.
стр. 1587
وأما كونه يستقر الضمان على الثاني؛ فلأن التلف حصل في يده.
قال: (وعلى المستعير مؤونة رد العارية. فإن ردّ الدابة إلى اصطبلِ المالك أو غلامهِ لم يبرأ من الضمان إلا أن يردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يده؛ كالسَائسِ ونحوه).
أما كون مؤونة رد العارية على المستعير؛ فلأن النبي ﷺ قال: «العارية مُؤَدّاة» (١)، وقال: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (٢). وإذا كانت واجبة الرد وجب أن تكون مؤونة الرد على من يجب عليه الرد.
وأما كونه لا يبرأ من الضمان إذا ردّ الدابة إلى اصطبل المالك؛ فلأنه لم يردها إلى المالك، ولا إلى وكيله. أشبه ما لو ردّها إلى أجنبي.
وأما كونه لا يبرأ إذا ردها إلى غلامه الذي لم تجر عادته بجريان ذلك على يده؛ فلأنه لم يقبضها مأذون له في القبض قولاً ولا عُرفاً. أشبه ما لو ردّها إلى الاصطبل.
وأما كونه يبرأ إذا ردّها إلى من جرت عادته بما تقدم ذكره؛ كالسائسِ ونحوه؛ فلأن العرف قائمٌ مقام صريح الإذن.
стр. 1588
فصل [إذا اختلف المعير والمستعير]
قال المصنف ﵀: (إذا اختلفا فقال: أجرتك، قال: بل أعرتني عقيب العقد. فالقول قول الراكب. وإن كان بعد مضي مدة لها أجرة فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها. وهل يستحق أجرة المثل أو المدعى إن زاد عليها؟ على وجهين).
أما كون القول قول الراكب مع الاختلاف عقيب العقد؛ فلأن المالك يدعي عقداً ينكره الراكب. فكان القول قوله؛ كسائر من أنكر.
وأما كون القول قول المالك فيما مضى مع الاختلاف بعد مضي مدةٍ لها أجرة؛ فلأن قابض العين ادعى الإذن في الانتفاع بغير عوض، والمالك ينكره، [والقول قول المنكر] (١).
وأما كونه لا يقبل قوله فيما بقي؛ فلأنه يدعي عقداً الأصل عدمه، وشغلَ ذمة غيره، والأصل براءتها.
وأما كونه يستحق فيما يقبل قوله فيه أجرة المثل على وجهٍ؛ فلأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في قدر الأجرة وجب أجرة المثل فمع الاختلاف في الأصل بطريق الأولى.
وأما كونه يستحق المدعى إن زاد على أجرة المثل على وجهٍ؛ فلأن المالك قُبل قوله في الإجارة. فوجب أن يقبل في المدعى بالقياس عليها.
стр. 1589
قال: (وإن قال: أعرتك، قال: بل أجرتني والبهيمة تالفة: فالقول قول المالك. وإن قال: أعرتني أو أجرتني، قال: بل غصبتني: فالقول قول المالك. وقيل: قول الغاصب).
أما كون القول قول المالك إذا ادعى العارية وادعى مَنِ العين في يده الإجارة والبهيمة تالفة؛ فلأنهما اختلفا في صفة القبض. والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان؛ لقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (١).
وأما كون القول قول المالك فيما إذا قال مَنِ العين في يده: أعرتني أو أجرتني، فقال المالك: بل غصبتني على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كون القول قول الغاصب على قولٍ؛ فلأن المالك يدعي عليه عوضاً، الأصل براءة ذمته منه.
ولأن الظاهر مِنَ اليد أنها بحق. فكان القول قول صاحب اليد.
стр. 1590
كتاب الغصب
الغصب حرامٌ بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدْلُوا بها إلى الحُكّامِ لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم﴾ [البقرة: ١٨٨].
وأما السنة فما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: «إن دماءَكمْ وأموالَكُمْ حرامٌ كحرمةِ يومكمْ هذا، في شهركمْ هذا، في بلدكمْ هذا» (١) رواه مسلم (٢).
وعن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «منْ أخذَ شِبراً من الأرضِ ظُلماً طُوِّقَهُ من سَبعِ أَرضين» (٣) متفق عليه.
وقال ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» (٤) رواه ابن ماجة والدارقطني والجوزجاني.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على تحريمه.
قال المصنف ﵀: (وهو: الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق. وتُضمن أم الولد والعقار بالغصب. وعنه: ما يدل على أن العقار لا يضمن بالغصب).
أما قول المصنف ﵀: وهو الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق؛ فبيان لمعنى الغصب شرعاً.
стр. 1591
وأما كون أم الولد تضمن بالغصب؛ فلأنها تجري مجرى المال. بدليل أنها تضمن بالقيمة في الإتلاف.
ولأنها مملوكة. أشبهت المدبرة.
وأما كون العقار يضمن بالغصب على المذهب؛ فلقوله ﵇ في بعض ألفاظ الحديث: «من غصبَ شبراً من أرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين» (١). أخبر أنه غصب.
ولأن ما يضمن في الإتلاف يجب أن يضمن في الغصب؛ كالمنقول.
وأما كونه لا يضمن بالغصب على رواية؛ فلأنه لا يوجد فيه النقل والتحويل. فلم يضمن؛ كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع.
ولأن الغصب إثبات اليد على المال تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار.
والأول أصح؛ لما ذكر.
قال: (وإن غصب كلباً فيه نفع، أو خمر ذِمِّي: لزمه رده. وإن أتلفه لم تلزمه قيمته. وإن غصب جلد ميتة فهل يلزمه رده؟ على وجهين. فإن دبغه وقلنا بطهارته لزمه رده).
أما كون الغاصب يلزمه رد الكلب ذي النفع؛ فلأنه يجوز اقتناؤه والانتفاع به. فلزم رده؛ كسائر الأموال المنتفَع بها.
وأما كونه يلزمه رد خَمْر الذمي؛ فلأنه يُقَرُّ على شربها.
ولأنها مالٌ عنده. فلزم ردها؛ كسائر أمواله.
وأما كونه لا يلزمه قيمة الكلب إذا أتلفه؛ فلأنه ليس له عوض شرعي؛ لأنه لا يجوز بيعه.
стр. 1592
وأما كونه لا يلزمه قيمةُ خمر الذمي إذا أتلفها؛ فلما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ورسولَهُ حرمَ بيعَ الخمرِ، والميتةِ، والخنزيرِ، والأصنام» (١). متفق على صحته.
وما حرُم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته؛ كالميتة.
ولأن ما لم يكن مضموناً في حق المسلِم لم يكن مضموناً في حق الذمي؛ كالمرتد.
وأما كونه يلزمه ردّ جلد الميتة ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في طهارته بالدبغ: فعلى رواية الطهارة: يلزمه رده؛ لأنه يمكن إصلاحه. أشبه الثوب النجس، وعلى الأخرى: لا يلزمه رده؛ لأنه لا سبيل إلى إصلاحه.
وأما (٢) كونه يلزمه رده إذا دبغه وقلنا بطهارته؛ فلأنه طاهر له قيمة. فلزمه رده؛ كسائر الأموال الطاهرة.
قال: (وإن استولى على حر لم يضمنه بذلك إلا أن يكون صغيراً ففيه وجهان. فإن قلنا: لا يضمنه فهل يضمن ثيابه وحُلِيَّه؟ على وجهين).
أما كون الغاصب لا يضمن الحر الكبير بالاستيلاء؛ فلأنه ليس بمال.
وأما كونه لا يضمن الصغير في وجهٍ؛ فلما ذكر في الحر الكبير.
وأما كونه يضمنه في وجهٍ؛ فلأنه لا يقدر على الامتناع فجرى مجرى القماش.
وأما كونه يضمن ما عليه إذا قلنا [يُضمن فلا إشكال.
ولأنه حينئذ بمنزلة عبد عليه قماش.
وأما كونه لا يضمنه إذا قلنا] (٣) لا يضمن على وجهٍ؛ فلأنه تبعٌ لما لا يضمن. فلو ضمن لرجح التابع على المتبوع.
стр. 1593
وأما كونه يضمنه على وجهٍ؛ فلأن عدم الضمان في الصغير لكونه ليس بمالٍ، وهذا مفقودٌ فيما عليه.
قال: (وإن استعمل الحر كرهاً فعليه أجرته. وإن حبسه مدة فهل تلزمه أجرته؟ على وجهين).
أما كون المستعمل للحر كرهاً عليه أجرته؛ فلأن منافع الحر مالٌ. بدليل صحة مقابلتها بالمال في باب الإجارة. وإذا كانت مالاً وجب أن تضمن؛ كسائر الأموال.
وأما كونه تلزمه أجرته إذا حبسه مدة على وجهٍ؛ فلأنه فوّت منافعه. أشبه ما لو استعمله.
وأما كونه لا تلزمه على وجهٍ؛ فلأنه ما استعمله. أشبه ما لو لم يحبسه.
стр. 1594
فصل [في رد المغصوب]
قال المصنف ﵀: (ويلزمه رد المغصوب إن قدر على ردّه وإن غرم عليه أضعاف قيمته. وإن خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه وردّه. وإن بنى عليه لزمه ردّه. إلا أن يكون قد بلي. وإن سمّر بالمسامير باباً لزمه قلعها وردها).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ المغصوب مع القدرة على رده؛ فلأن النبي ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (١).
ولأن حق المغصوب منه متعلق بعين ماله ولا يتحقق ذلك إلا بردّه.
وأما قول المصنف ﵀: وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ فتنبيهٌ على أن غرامة الغاصب على ردّه لا تُسقط الرد؛ لأنه هو المتعدي فلم يُنظر إلى مصلحته.
ولأنه هو المفرّط فكان أولى بالغرامة.
وأما كونه يلزمه تخليصه وردّه إذا خلطه بما يتميز منه؛ فلأنه أمكنه ردّ مال غيره فلزمه ذلك كما لو لم يخلطه بغيره.
وأما كونه يلزمه ردّ ما بُني عليه إذا لم يكن قد بلي؛ فلأنه مغصوبٌ يمكن ردّه. فوجب؛ كما لو لم يبنِ عليه.
وأما كونه لا يلزمه ردّه إذا كان قد بلي؛ فلأنه هلك فلم يلزم رده؛ كما لو غصب شيئاً فتلف.
وأما كونه يلزمه قلع المسامير من الباب المسمّرة فيه؛ فلأن ردها واجب لما يأتي، ولا يمكن ذلك إلا بالقلع، ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعدّيه.
وأما كونه يلزمه ردها؛ فلأن ذلك حقٌ يمكن إيصاله إلى مستحقه فلزمه ردها؛ كما لو كانت باقية لم يسمّرها فيه.
стр. 1595
قال: (وإن زرع الأرض وردّها بعد أخذ الزرع فعليه أجرتها. وإن أدركها ربُّها والزرع قائم خُيّر بين تركه إلى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه. وهل ذلك قيمته أو نفقته؟ على روايتين. ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب، وعليه الأجرة).
أما كون أجرة الأرض على زارعها غصباً إذا ردّ الأرض بعد أخذ الزرع؛ فلأنه استوفى نفعها. فوجب عليه عوضه؛ كما لو استوفاه بالإجارة.
ولأن المنفعة مالٌ. فوجب أن تُضمن؛ كالعين.
وأما كون رب الأرض يخيّر بين ترك الزرع إلى الحصاد بالأجرة، وبين أخذه بعوضه على المذهب؛ فلأن كل واحدٍ منهما يُحَصِّل غرضه. فمَلك الخيرةَ بينهما، تحصيلاً لغرضه.
ولأن الحق له. فإذا تركه بأجرة مثله كان رضاً منه بأخذ عوضه. فكان له ذلك؛ كالأرض المستأجرة إذا انقضت الإجارة، وفيها زرع فرّط في إبقائه.
وإذا أخذه بعوضه كان ذلك له؛ لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «منْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنهمْ فليسَ له من الزرعِ شيءٌ، وله نفقتُه» (١). رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن.
وفي كلام المصنف ﵀ إشعار بأن الغاصب لا يجبر على قلع الزرع. وصرح به في المغني وغيره؛ لأن في أخذه بعوضه أو تركه بأجرته جمعاً بين الحقين.
стр. 1596
ولأنه لو حمل في سفينة غيره مالاً وأدخلها لُجّة البحر لا يجبر على إلقاء المتاع في البحر. ولو غصب لوحاً فرقع به سفينة لم يجبر على قلعه في لُجّة البحر. فكذلك هاهنا.
ولأنه زرعٌ حصل في ملك غيره. فلم يجبر على قلعه على وجهٍ يضر به؛ كما لو كانت الأرض مستعارة أو مشفوعة.
وأما كون عوض الزرع قيمته وقت أخذه على روايةٍ؛ فلأنها بدل عن الزرع فتقدرت بقيمته.
ولأن الزرع للغاصب إلى حين انتزاع المالك. فوجب أخذه بقيمته؛ كما لو أخذ الشقص المشفوع.
قال المصنف في المغني: فعلى هذا ينبغي (١) أن يجب على الغاصب أجرة الأرض إلى حين تسليم الزرع؛ لأن الزرع كان محكوماً له به، وقد شغل به أرض غيره.
وأما كونه له (٢) نفقته على روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث.
والنفقة: هي ما أنفق من البَذر، ومؤونة الزرع في الحرث، والسقي، وغيره.
وأما كون الزرع يحتمل أن يكون للغاصب؛ فلأنه نماء البَذر، وهو ملكه.
وأما كون الأجرة عليه؛ فلأنه استوفى منفعة الأرض. فلزمته الأجرة لما تقدم.
والأول أصح؛ لما تقدم من الحديث، والجمع بين الحقين.
قال: (وإن غرسها أو بنى فيها أُخذ بقلع غرسه، وبنائه، وتسوية الأرض، وأرش نقصها، وأجرتها).
أما كون الغاصب يؤخذ بقلع غرسه؛ فلقوله ﵇: «ليسَ لعرقِ ظالمٍ حقٌّ» (٣) رواه أبو داود والترمذي: وقال: حديث حسن (٤).
стр. 1597
ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه. فلزمه تفريغه؛ كما لو جعل فيه قماشاً.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين الزرع؟
قيل: الزرع لا تطول مدته. بخلاف الغرس.
وأما كونه يؤخذ بقلع بنائه؛ فلأنه يؤخذ بقلع الغرس لما تقدم؛ فلأن يؤخذ بقلع بنائه بطريق الأولى؛ لأن ضرر البناء أكثر وأَدْوَم.
وأما كونه يؤخذ بتسوية الأرض وأرش النقص؛ فلأنه نقص حصل بسبب تعدِّيه.
وأما كونه يؤخذ بالأجرة؛ فلما تقدم.
قال: (وإن غصب لوحاً فرقع به سفينة لم يقلع حتى ترسي).
أما كون اللوح لا يقلع قبل إرساء السفينة؛ فلأن في قلعه إفساداً لمال الغير مع إمكان ردّ الحق إلى مستحقه بعد زمنٍ يسير.
وأما كلام المصنف ﵀ فمشعرٌ بأمرين:
أحدهما: أن اللوح يُقلع إذا أرست السفينة وهو صحيح؛ لأنه أمكن ردّ الحق إلى مستحقه من غير ضرر أحد.
وثانيهما: أنه لا فرق بين مال الغاصب وبين غيره؛ لاشتراكهما.
وقال صاحب النهاية فيها بعد ذكر مال الغاصب: ويحتمل أن يُقلع، ولا يُنظر ذلك؛ كما لا يُنظر وقوع البناء الذي بُني على دَفٍّ غُصب. ثم قال: والأول أصح؛ لأن ضرر المالك في السفينة يزول عن قريبٍ والبناء يراد للتأبيد.
стр. 1598
قال: (وإن غصب خيطاً فخاط به جرح حيوان وخيف عليه من قلعه فعليه قيمته. إلا أن يكون الحيوان مأكولاً للغاصب فهل يلزمه رده ويذبح الحيوان؟ على وجهين. وإن مات الحيوان لزمه ردّه إلا أن يكون آدمياً).
أما كون الغاصب عليه قيمة الخيط الذي خاط به جرح حيوان غير مأكول؛ فلأنه تعذر ردّ الخيط إلى صاحبه. فوجب (١) أن يجب بدله وهو القيمة.
وقول المصنف: فعليه قيمته؛ مشعرٌ بأنه: لا يلزمه قلعه. وصرح به في المغني؛ لأن الحيوان آكد حرمةً من المال. ولهذا يجوز أخذ مال الغير لحفظ حياته.
وأما كونه لا يلزمه ردّه إذا خاط به جرحَ حيوان مأكولٍ على وجهٍ؛ فلما تقدم من أن الحيوان آكد حرمةً في نفسه، وقد «نهى النبي ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ».
وأما كونه يلزمه رده على وجهٍ؛ فلأنه يمكنه ذبح الحيوان، والانتفاع بلحمه، وذلك جائز.
وقول المصنف: للغاصب؛ مشعرٌ بأن الوجهين في ملك الغاصب، فإن كان ملكاً لغيره لم يلزمه ردّه، وصرح به في المغني؛ لأن فيه ضرراً بصاحب الحيوان، والضرر لا يزال بالضرر. ولا يجوز إتلاف مالِ مَنْ لم يجن، صيانةً لمال آخر.
وأما كونه يلزمه الردّ بعد موت الحيوان غير الآدمي؛ فلأن الدليل يقتضي الرد، لكونه إيصالاً للمال إلى مالكه خولف فيما إذا كان الحيوان حياً لحرمته. فبقي فيما عدا الحيوان على مقتضى الدليل.
ولأن عدم الرد في الحياة إنما كان خشية التلف فإذا مات أمكن ذلك.
وأما كونه لا يلزمه الرد في الآدمي الميت؛ فلأن حرمة الميت كحرمة الحي، وقد جاء في الحديث: «كسرُ عظمِ الميتِ كَكَسْرِ عظمِ الحي» (٢).
стр. 1599
فصل [إذا رد المغصوب]
قال المصنف ﵀: (وإن زاد لزمه ردّه بزيادته. سواء كانت متصلة؛ كالسمنِ، وتعلم صَنعة، أو منفصلة؛ كالولد، والكسب. ولو غصب جارحاً فصاد به، أو شبكة، أو شِرْكاً فأمسك شيئاً، أو فرساً فصاد عليه، أو غنم: فهو لمالكه).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ المغصوب؛ فلما تقدم (١).
وأما كونه يلزمه ردّ زيادته؛ فلأنها نماء ملك المالك. فلزم ردها؛ كالأصل.
وأما كون الزيادة المتصلة والمنفصلة سواء في لزوم الرد؛ فلاشتراكهما في كونهما نماء ملك المغصوب منه.
وأما كون الصيد والغنيمة في المسائل المذكورة لمالك الجارح والشبكة والشِّرْك والفرس؛ فلأن ذلك كله حصل بسبب ملكه. فكان له؛ كما لو غصب دابة فحمل عليها مال غيره. فإن الأجرة مستحقة للمالك دونه.
قال: (وإن (٢) غصب ثوباً فقَصَرَه، أو غزلاً فنسجه، أو فضة أو حديداً فضربه، أو خشباً فنجره، أو شاة فذبحها وشواها: ردّ ذلك بزيادته، وأرش نقصه، ولا شيء له. وعنه: يكون شريكاً بالزيادة. وقال أبو بكر: يملكه وعليه قيمته).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ ذلك كله بزيادته على المذهب؛ فلأن ذلك عين المال المغصوب منه. فلزمه ردّه إليه؛ كما لو ذبح الشاة ولم يشوها.
стр. 1600
ولأن كل ما فعله الإنسان بماله لا يزيل ملكه عنه، إذا فعله بملك غيره لا يزيل ملكه عنه؛ لأن الفعل المذكور إذا لم يكن صالحاً للإزالة. فلأن لا يكون صالحاً للإزالة في ملك غيره بطريق الأولى.
وأما كونه يردّ أرش النقص إن نقص المغصوب بذلك؛ فلأنه حصل بفعله.
وأما كون الغاصب لا شيء له بعمله المؤدي إلى الزيادة على المذهب؛ فلأنه تبرع في ملك غيره.
وأما كونه شريكاً بالزيادة على رواية؛ فلأن الزيادة حصلت بمنافعه، والمنافع تجري مجرى الأعيان. أشبه ما لو غصب ثوباً فصبغه. وفرّق المصنف بينهما بأن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره. بخلاف ما ذُكر. وذكر أبو الخطاب: أنه يكون شريكاً على الصحيح.
وأما كونه يملك ذلك وعليه قيمته على قول أبي بكر؛ فلأنه يروى «أن النبي ﷺ زار قوماً من الأنصار في دارهم. فقدموا إليه شاةً مشوية. فجعل يَلُوكُها ولا يسيغها. فقال: إن هذه الشاة لتخبرني أنها أُخذت بغير حق. فقالوا: نعم يا رسول الله! طلبنا شاة في السوق فلم نجد. فأخذنا شاة لبعض جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها. فقال النبي ﷺ : أطعموها الأسرى» (١).
وجه الدلالة: أنه لو لم ينقطع ملك المالك لأمر بردها إليه.
وذكر المصنف في المغني: أن كلام أحمد يدل على أن الغاصب ملكها بالقيمة. ثم قال: إلا أن المذهب ما قلناه. يعني: أن الملك باقٍ على ملك مالكه، ووجهه (٢) ما تقدم. ثم (٣) قال: والحديث غير معروف كما روي.
стр. 1601
قال: (وإن غصب أرضاً فحفر فيها بئراً، ووضع ترابها في أرض مالكها: لم يملك طمها إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين).
أما كون الغاصب لا يملك طم البئر المتقدم ذكرها إذا أبرأه المالك من الضمان في وجهٍ؛ فلأنه إتلاف لا نفع فيه فلم يكن له فعله؛ كما لو غصب نقرةً فضربها دراهم ثم أراد ردها نقرة.
وأما كونه يملك طمها في وجهٍ؛ فلأنه لا يبرأ من الضمان بإبراء المالك له؛ لأنه إبراء مما لم يجب بعد.
ولأنه إبراء من حق غيره، وهو الواقع فيها.
وكلام المصنف في المغني يشعر بترجيح الأول؛ لأنه قال بعد ذكر المسألة: ولنا: أن الضمان إنما لزمه لوجود التعدي، فإذا رضي صاحب الأرض زال التعدي فزال الضمان، وليس هذا إبراء مما لم يجب إنما هو إسقاط للتعدي لرضاه بذلك.
وفي تقييد المصنف الخلاف المذكور بوضع التراب في أرض المالك، وبإبرائه: إشعارٌ بأن الغاصب إذا وضع التراب في أرض غير المالك، أو لم يبرئه صاحب الأرض لا يجري الخلاف المذكور. وهو صحيح: أما مع كون التراب في أرض غير المالك؛ فلأن التراب متى كان في أرض غير (١) المالك كان له في طم البئر غرض منه، أمنه من إلزامه نقل التراب إلى موضع يستضر بنقله إليه.
وأما مع عدم إبراء المالك من الضمان؛ فلما فيه من الضرر اللاحق به، المنفي شرعاً.
قال: (وإن غصب حباً فزرعه، أو بيضاً فصار فرخاً، أو نوًى فصار غرساً: ردّه، ولا شيء له. ويتخرّج فيه مثل الذي قبله).
أما كون الغاصب يرد ما ذُكر على المذهب؛ فلأنه عينُ مال مالكه.
وأما كونه لا شيء له؛ فلأنه تبرعً بفعله.
وأما كون ما ذكر يتخرج فيه مثلُ الذي قبله. والمراد به الغزل إذا نسج؛ فلأنه يساويه معنى. فوجب أن يساويه حكماً.
стр. 1602
فصل [إذا نقص المغصوب]
قال المصنف ﵀: (وإن نقص لزمه ضمان نقصه بقيمته، رقيقاً كان أو غيره. وعنه: أن الرقيق يُضمن بما يضمن به في الإتلاف. ويتخرج أن يضمن بأكثر الأمرين منهما. وإن غصبه وجنى عليه ضمنه بأكثر الأمرين. وإن جنى عليه غيرُ الغاصب فله تضمين الغاصب أكثر الأمرين، ويرجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية. وله تضمين الجاني أرش الجناية وتضمين الغاصب ما بقي من النقص. وإن غصب عبداً فخصاه لزمه رده ورد قيمته. وعنه: في عين الدابة من الخيل والبغال والحمير ربع قيمتها. والأول أصح).
أما كون الغاصب يلزمه ضمانُ ما نقص من عين الرقيق بالقيمة؛ فلأنه يُضمن بذلك في الإتلاف فكذا هاهنا؛ لاشتراكهما في التلف تحت يد عادية.
وأما كون الرقيق يُضمن بذلك على المذهب؛ فبالقياس على غيره؛ لاشتراكهما في التلف.
وأما كونه يُضمن بما يُضمن به في الإتلاف على روايةٍ؛ فكما لو أتلفه غير الغاصب.
وأما كونه يتخرج أن يضمنه بأكثر الأمرين المتقدم ذكرهما؛ فلأن في ذلك ردعاً للغاصب، وكما لو غصبه ثم أتلفه.
وأما كونه يَضمن أكثر الأمرين إذا غصبه وجنى عليه؛ فلأنه وجد سبب ضمان كل واحدٍ منهما. فوجب اعتبار أكثرهما ترتيباً على السبب الموجب (١) ما يقتضيه.
стр. 1603
وأما كون المالك له الخيرة بين تضمين الغاصب وبين تضمين الجاني إذا جنى عليه غير الغاصب؛ فلأن كل واحدٍ منهما متعدٍّ: أما الغاصب؛ فلأن النقص حصل في يده، وأما الجاني؛ فلأن النقص حصل بإتلافه.
فعلى هذا إن ضمّن الغاصب ضمّنه أكثر الأمرين لما تقدم. ويرجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية، لأنه هو المتلف. وإن ضمّن الجاني ضمّنه أرش الجناية لا أكثر الأمرين؛ لأن أكثر الأمرين إنما وجب لوجود اليد العادية، ولا يد للجاني (١)، وضمّن الغاصب ما بقي من أكثر الأمرين؛ لأنه كان يجب عليه أكثر الأمرين. سقط منه قدر أرش الجناية؛ لأنه استوفي من فاعلها فبقي الباقي على ما كان عليه.
وأما كونه يلزمه ردّ العبد إذا خصاه؛ فلأنه عينُ ملك غيره.
وأما كونه يلزمه ردّ قيمته؛ فلأن الخصيتين يجب فيهما كمالُ القيمة؛ كما يجب فيهما كمال الدية من الحرّ.
وأما كون الدابة من الخيل والبغال والحمير يَضمن عينها بربع قيمتها على روايةٍ؛ فلما روى زيد بن ثابت «أن النبي ﷺ قضى في عين الدابة بربع قيمتها» (٢).
وروي عن عمر ﵁ «أنه كتب إلى شُريح لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة: إنا كنا ننزلها منزلة الآدمي. إلا أنه أجمع رأيُنا أن قيمتها ربع الثمن» (٣).
وأما كون الأول أصح. والمراد به أن المغصوب يضمن نقصه بالقيمة، رقيقاً كان أو غيره؛ فلما ذكر.
ولأن ضمان اليد ضمان المال فكان الواجب فيه ما نقص؛ كالثوب. وحديث زيد لا يُعرف صحته ولو صح لما احتج الإمام أحمد وغيره بحديث عمر، وتركوا قول النبي ﷺ . وقول عمر محمول على أن ذلك كان قدر نقصها؛ كما روي عنه
стр. 1604
«أنه قضى في العين القائمة بخمسين ديناراً» (١). ولو كان تقديراً لوجب في العين نصف الدية كعين الآدمي.
قال: (وإن نقصت العين لتغير الأسعار لم يضمن. نص عليه. وإن نقصت القيمة لمرض ثم عادت ببرئه لم يلزمه شيء. وإن زاد من جهة أخرى؛ مثل: إن تعلم صنعة فعادت القيمة ضمن النقص).
أما كون الغاصب لا يضمن النقص لتغير الأسعار على المنصوص؛ فلأنه ردّ المغصوب بحاله، لم ينقص منه عين ولا أثر. فلم يجب عليه شيء؛ كما لو لم ينقص في السوق.
وأما كونه لا يلزمه شيء إذا نقصت القيمة لمرض، ثم عادت ببرئه؛ فلأنه عاد ما ذهب. أشبه ما لو أَبَق العبد ثم عاد.
وأما كونه يضمن بعض ما زاد من جهة أخرى؛ مثل: إن تعلم صنعة، وعادت القيمة؛ فلأن حدوث المرض أوجب الضمان، والزيادة حدثت على ملك المغصوب منه. فلا ينجبر ملك الإنسان بملكه.
قال: (وإن زادت القيمة لسمنٍ أو نحوه. ثم نقصت: ضمن الزيادة. وإن عاد مثل الزيادة الأولى من جنسها لم يضمنها في أحد الوجهين. وإن كانت من غير جنس الأولى لم يسقط ضمانها. وإن غصب عبداً مفرطاً في السِّمَنِ، فهُزِل، فزادت قيمته: ردّه ولا شيء عليه).
أما كون الغاصب يضمن زيادة القيمة بسِمَنٍ أو نحوه إذا نقصت؛ فلأنها زيادة في عين المغصوب. فوجب أن يضمنها؛ كما لو طالبه بردّها فلم يردّها.
وأما كونه إذا عاد مثل الزيادة الأولى من جنسها؛ كمن غصب عبداً قيمته مائة فسَمِن فصارت قيمته مثلاً مائتين. ثم ذهب السِّمَن فصارت قيمته مائة. ثم
стр. 1605
سَمِن فصارت قيمته مائتين لا يضمن الزيادة وهي هنا مائة في وجهٍ؛ فلما ذكر في برء العبد بعد مرضه.
وأما كونه يضمنها في وجهٍ؛ فكما لو كانت الزيادة من جنس آخر.
وأما كون الضمان لا يَسقط إذا كانت الزيادة من غير جنس الأولى؛ فلما ذكر في الصحيح إذا مرض ثم تعلم صنعة.
وأما كونه يردّ العبد إذا غصبه مفرطاً في السِّمَن فهُزِل فزادت قيمته؛ فلأنه عين ملك غيره.
وأما كونه لا شيء عليه؛ فلأنه لم تنقص قيمته.
قال: (وإن نقص المغصوب نقصاً غير مستقر؛ كحنطة ابتلّت وعفنت: خُيّر بين أخذ مثلها، وبين تركها حتى يستقر فسادها. ويأخذها وأرش نقصها).
أما كون مالك ما ذكر يخير بين ما ذُكر؛ فلأنه لا يمكن أن يجب له المثل؛ لأن عين حقه موجودة، ولا يمكن أن يجب له أخذها في الحال؛ لأنه لا يخلو: إما أن يجب مع الأرش النقص، أو لا، مع أرشه، وكلاهما باطل: أما الأول؛ فلأنه يلزم منه سقوط حقه بسبب النقص.
وأما الثاني؛ فلأن أرش العيب قبل استقرار العيب لا يمكن معرفته ولا ضبطه. وإذا كان الأمر كذلك كان له الخيرة بين أخذ المثل؛ لأن في التأخير إلى أن يستقر الفساد ضرراً، وقد تعذر قبولها معيبة في الحال؛ لما تقدم فلم يبق سوى المثل، وبين تركه حتى يستقر الفساد؛ لأن التأخير ضرر (١) عليه. فإذا رضي بإسقاطه سقط فإذا استقر أخذ العين؛ لأنها ملكه، وأخذ أرش النقص من الغاصب؛ لأنه حصل بجنايته. أشبه تلف الجزء المغصوب.
стр. 1606
قال: (وإن جنى المغصوب فعليه أرش جنايته. سواء جنى على سيده أو غيره. وجنايته على الغاصب وعلى ماله هدر).
أما كون أرش جناية المغصوب على الغاصب؛ فلأنه نقص في مالية العبد لكونه يتعلق برقبته فكان مضموناً على الغاصب؛ كسائر النقص.
وأما كون جنايته (١) على سيده وجنايته على غيره سواء؛ فلحصولهما تحت يده العادِيَة.
وأما كون جنايته على الغاصب وعلى ماله هدراً؛ فلأنها إذا كانت على الغير كانت على الغاصب، وإذا كانت على نفسه أو ماله وجب أن تكون هدراً؛ كسيد غير المغصوب إذا جنى عبده عليه أو على ماله.
قال: (وتُضمن زوائد الغصب؛ كالولد، والثمرة إذا تلفت، أو نقصت؛ كالأصل).
أما كون زوائد الغصب تضمن؛ فلأنها مال غيره، حصلت في يده بالغصب. فضمنت بالتلف؛ كما لو أتلفها (٢)، وقياساً على الأصل.
وأما قول المصنف ﵀: إذا تلفت أو نقصت؛ فبيان لنوعي ما يجب به الضمان.
وأما قوله: كالأصل؛ فإشارة إلى أن كل ما يضمن به الأصل يضمن به الزوائد لينبه على ذلك، ولينقل كل حكم ثابت في الأصل إلى زوائده.
стр. 1607
فصل [إذا خلط المغصوب]
قال المصنف ﵀: (وإن خلط المغصوب بماله على وجهٍ لا يتميز؛ مثل: إن خلط حنطة، أو زيتاً بمثله: لزمه مثله منه في أحد الوجهين، وفي الآخر يلزمه مثله من حيث شاء).
أما كون الغاصب إذا خلط المغصوب بماله كما ذكر يلزمه ردّ المثل فلا خلاف فيه؛ لأنه مثلي.
وأما كون المثل من المختلط في وجهٍ؛ فلأنه يقدر على دفع بعض ماله فلم ينتقل إلى بدله.
وأما كونه من حيث شاء في وجهٍ؛ فلأنه تعذر ردّ عين ماله بالخلط. فوجب مطلق المثل.
قال: (وإن خلطه بدونه، أو خَيْرٍ منه، أو بغير جنسه: لزمه مثله في قياس التي قبلها. وظاهر كلامه: أنهما شريكان بقدر ملكيهما).
أما كون من خلط ما ذكر يلزمه المثل في قياس التي قبلها؛ فلأنه صار بالخلط مستهلكاً. ولهذا لو اشترى زيتاً فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كسائر الغرماء.
ولأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله فكان له الانتقال إلى بدله؛ كما لو كان تالفاً.
وأما كونهما شريكين بقدر ملكيهما في ظاهر كلام أحمد؛ فلأنه إذا فعل ذلك وصل كل واحدٍ إلى عين ماله، وعند إمكان الرجوع إلى عين المال لم يُرجع إلى البدل.
стр. 1608
فعلى هذا يباع، ويقسم بينهما على قدر ملكيهما.
قال: (وإن غصب ثوباً فصبغه، أو سويقاً فلتّه بزيتٍ، فنقصت قيمتهما، أو قيمة أحدهما: ضمن النقص. وإن لم تنقص ولم تزد، أو زادت قيمتهما: فهما شريكان بقدر ماليهما. وإن زادت قيمة أحدهما فالزيادة لصاحبه).
أما كون الغاصب يضمن النقص إذا نقصت قيمتهما أو قيمة أحدهما؛ فلأنه نقصٌ حصل بتعديه. فضمن؛ كما لو أتلف بعضه.
ولا بد أن يلحظ أن النقص هنا بسبب العمل. فإن كان بسبب تغير السعر لم يضمنه. صرح به المصنف في المغني.
وأما كونهما شريكين بقدر ماليهما إذا لم ينقص ولم يزد، أو زادت قيمتهما؛ فلأن عين الصبغ ملك الغاصب، واجتماع الملكين يقتضي الاشتراك.
وأما كون الزيادة لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ فلأنها تبع للأصل.
قال: (فإن أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه. ويحتمل أن يجبر إذا ضمن الغاصب النقص).
أما كون كل واحدٍ من الغاصب والمغصوب منه لا يجبر على قلع الصبغ على الأول؛ فلأن المزيد إما المغصوب منه وإما الغاصب: فإن كان المغصوب منه لم يجبر الغاصب عليه؛ لأن الصبغ يهلك بالإخراج وقد أمكن وصول الحق إلى صاحبه بدونه وهو البيع، وإن كان الغاصب لم يجبر المغصوب منه؛ لأن ماله ينقص بسبب أخذه.
وأما كون المغصوب منه يحتمل أن يجبر إذا ضمن الغاصب النقص؛ فلأن المانع ما يلحقه من الضرر، فإذا ضمنه الغاصب انتفى. فوجب أن يجبر. عملاً بالمقتضي له، السالم عن المعارض.
стр. 1609
واعلم أن المذهب فيما ذكر: أن الغاصب إذا أراد قلع الصبغ أُجبر المالك، وأن المالك إذا أراد قلعه لم يجبر الغاصب؛ لأن ضرر المالك يندفع بضمان الغاصب نقص الثوب بالقلع. بخلاف الغاصب فإن ضرره لا يندفع لفوات صبغه بالكلية.
وقال المصنف في المغني: إن لم يكن للصبغ قيمة إذا قُلع، فأراد الغاصب القلع: لم يكن له ذلك؛ لأنه سَفَهٌ.
قال: (وإن وهب الصبغ للمالك، أو وهبه تَزويق الدار، ونحوها. فهل يلزم قبولها؟ على وجهين).
أما كون المالك يلزمه القبول على وجهٍ؛ فلأن الصبغ صار من صفات العين. فهو كزيادة الصفة في السلم.
وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأن الصبغ عينٌ يمكن إفرادها. فلم يلزمه قبولها؛ كما لو وهبه عيناً مفردة.
قال: (وإن غصب صبغاً فصبغ به ثوباً، أو زيتاً فلتَّ به سويقاً: احتمل أن يكون كذلك، واحتمل أن تلزمه قيمته، أو مثله إن كان مثلياً).
أما كونه يحتمل أن يكون الغاصب والمغصوب منه شريكين بقدر ماليهما، وهو المعني بقول المصنف ﵀: احتمل أن يكون كذلك؛ فقياس على ما إذا غصب ثوباً فصبغه.
وأما كونه يحتمل أن يلزم الغاصب مثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته؛ فلأن الصبغ والزيت صار في الثوب والسويق مستهلكين. أشبه ما لو أتلفهما.
قال: (وإن غصب ثوباً وصبغاً، فصبغه به: ردّه وأرش نقصه، ولا شيء له في زيادته).
أما كون الغاصب يرد الثوب؛ فلأنه عين ملكِ غيره.
وأما كونه يرد أرش النقص؛ فلأنه حصل بفعله.
وأما كونه لا شيء له في زيادته؛ فلأنه متبرع.
стр. 1610
فصل [إذا وطئ الجارية المغصو بة]
قال المصنف ﵀: (وإن وطئ الجارية فعليه الحد والمهر وإن كانت مطاوعة، وأرش البكارة. وعنه: لا يلزمه مهر الثيب. وإن ولدت فالولد رقيق للسيد. ويضمن نقص الولادة).
أما كون الواطئ عليه الحد؛ فلأنه زانٍ فيدخل تحت الأدلة الموجبة للحد.
وأما كونه عليه المهر إذا كانت الموطوءة بكراً؛ فلأن المهر يجب بالوطء في غير زوجته وأمته. دليله وجوبه في وطء الحرة.
وأما كونه عليه ذلك إذا كانت ثيباً على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه لم يُنقِص منها جزءاً ولم يُتْلِف بعضها. أشبه ما لو لم يطأها.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأنه لا فرق بين الثيب والبكر في استحقاق المهر بسبب العقد. فكذا في استحقاقه بسبب الوطء.
وأما كون الحكم كذلك وإن كانت الجارية مطاوعة؛ فلأن المهر هنا للسيد. فلا يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
ولأنه حقٌّ يجب للسيد مع إكراهها. فوجب مع مطاوعتها؛ كأجرة منافعها. وبهذا فارقت الحرة المطاوعة إذ الحَقُّ لها فسقط بما يدل على إسقاطه؛ لأن رضاها اقترن بالسبب الموجب.
وأما كونه عليه أرش البكارة؛ فلأنه إذهاب جزء. أشبه قطع يدها.
стр. 1611
فإن قيل: لم جمعتم (١) بين المهر وأرش البكارة؟
قيل: لأن كل واحد يُضمن منفرداً. بدليل: أنه لو وطئها ثيباً وجب مهرها، ولو افتضها بأصبعه وجب أرش بكارتها. وإذا وجب ضمانهما منفردين وجب ضمانهما مجتمعين.
وأما كون الولد رقيقاً للسيد؛ فلأن ولد الأمة يتبع أمه في الرق في النكاح الحلال، ففي الحرام بطريق الأولى، لأن حال الجاني يقتضي التحامل عليه؛ لما فيه من الزجر.
وأما كونه يَضمن نقص الولادة؛ فلأنه نقص حصل بفعله. أشبه ما لو نقصت بقطع يدها ونحوه.
قال: (وإن باعها أو وهبها لعالمٍ بالغصب فوطئها فللمالك تضمين أيهما شاء: نقصها، ومهرها، وأجرتها، وقيمة ولدها إن تلف. فإن ضمَّن الغاصب رجع على الآخر، ولا يرجع الآخر عليه).
أما كون المالك له تضمين من شاء من الغاصب والمشتري أو الموهوب له؛ فلأن كل واحدٍ منهما متصرف في ماله بغير إذنه. فوجب تضمين من شاء منهما؛ لما فيه من تحصيل حقه، وزجر من يشتريه من غاصبه أو متّهبه.
وأما كونه له تضمين نقص العين المغصوبة ومهرها وأجرتها وقيمة ولدها التالف؛ فلأن ذلك جميعه يضمنه الغاصب لو انفرد فكذا هنا.
وأما كون الغاصب يرجع على الآخر إذا ضمّنه المالك؛ فلأن النقص حصل في يده، والمنفعة التي يقابلها المهر، والأجرة حصلت له دون الغاصب، والأولاد أولاده. فوجب أن يستقر ضمان ذلك عليه.
وأما كونه لا يرجع الآخر عليه إذا ضمنه؛ فلأن الغاصب لو ضمّنه المالك ذلك لرجع به عليه فكيف يرجع الآخر بذلك عليه؟ .
стр. 1612
قال: (وإن لم يعلما بالغصب فضمّنهما رجعا على الغاصب. وإن ولدت من أحدهما فالولد حر ويفديه بمثله في صفاته تقريباً. ويحتمل أن يعتبر مثله في القيمة. وعنه: يضمنه بقيمته، ويرجع به على الغاصب. وإن تلفت فعليه قيمتها، ولا يرجع بها إن كان مشترياً، ويرجع بها المتهب. وعنه: أن ما حصلت له به منفعة؛ كالأجرة، والمهر، وأرش البكارة: لا يرجع به).
أما كون المشتري والموهوب له يرجعان على الغاصب إذا لم يعلما بالغصب وضمنهما المالك؛ فلأنهما دخلا في العقد على أن يتلفا ذلك بغير عوض. فوجب أن يرجعا عليه؛ لأنه غرّهما.
وأما كون الولد حراً إذا ولدت من أحدهما؛ فلأن اعتقادهما أنهما يطآن مملوكتهما منع انخلاق (١) الولد رقيقاً. أشبه المغرور في النكاح.
وأما كون الوالد يفدي ولده؛ فلأنه فوّت رقّه باعتقاده. أشبه المغرور.
وأما كونه يفديه بمثله في صفاته تقريباً على المذهب؛ فلأنه حر. فلا يضمن بقيمته؛ كسائر الأحرار.
وأما كونه يحتمل أن يُعتبر مثله في القيمة؛ فلأنه أقرب من نفس القيمة.
وأما كونه يَضمنه بقيمته على روايةٍ. وهي الصحيحة من جهة المعنى؛ فلأنه ليس بمثلي. فضُمن بالقيمة؛ كسائر المتقومات.
وأما كونه يرجع على الغاصب؛ فلأن الواطئ دخل على أن يسلم له الأولاد. فإذا لم يسلم له ذلك فقد غرّه الغاصب. فوجب أن يرجع عليه؛ كالمغرور في النكاح.
وأما كون من تقدم ذكره من المشتري، والموهوب له: عليه قيمة الجارية إذا تلفت؛ فلأن التلف حصل تحت يده العادية. فوجب عليه ضمانها؛ كالغاصب.
стр. 1613
وأما كون القيمة لا يرجع بها إن كان مشترياً ويرجع بها المتّهب؛ فلأن المشتري دخل مع الغاصب على أن العين إن تلفت كان ضامنها لها بالثمن. بخلاف المتهب فإنه لم يدخل على ذلك.
وأما كون من تقدم ذكره لا (١) يرجع بما حصلت له به منفعة؛ كالأجرة، والمهر، وأرش البكارة على روايةٍ؛ فلأنه غرم ما استوفى بدله. فلم يرجع به. إذ في الرجوع الجمع بين العوض والمعوض، وهو غير جائز.
قال: (وإن ضمّن الغاصب رجع على المشتري بما لا يُرجع به عليه).
أما كون الغاصب يرجع على المشتري بما ذكر؛ فلأن التلف حصل في يده وهو كالمباشر، والغاصب كالمتسبب.
وأما كونه لا يرجع عليه بما يرجع المشتري به عليه؛ فلأنه لا فائدة فيه.
فإن قيل: ما تحقيق ذلك؟
قيل: ما يجب ضمانه على ثلاثة أضرب:
أحدها: قيمة العين. فهذا إذا ضمنه الغاصب يرجع به على المشتري؛ لأن المشتري دخل على أن العين إن هلكت هلكت (٢) في ضمانه.
وثانيها: قيمة الولد. فهذا إذا ضمنه الغاصب لا يرجع به على المشتري؛ لأن المشتري لو ضمنه رجع عليه. فكيف يرجع هو بما يرجع به (٣) عليه؟ .
وثالثها: المهر، وأرش البكارة، والأجرة، ونحو ذلك. فهذا إذا ضمنه الغاصب فيه روايتان. منشؤهما: أن المشتري إذا ضَمن ذلك هل يرجع به على الغاصب؟ وفيه روايتان: فعلى قولنا يرجع بذلك على الغاصب لا يرجع به الغاصب عليه إذا ضمنه؛ لما ذكر قبلُ.
стр. 1614
وعلى قولنا: لا يرجع به عليه إذا ضمنه الغاصب: رجع به على المشتري؛ لأنه يصير بمنزلة قيمة العين.
قال: (وإن ولدت من زوج، فمات الولد: ضمنه بقيمته، وهل يرجع بها على الغاصب؟ على روايتين).
أما كون الزوج يضمن الولد بالقيمة؛ فلأنه ينعقد رقيقاً؛ لأن الواطئ لا يعتقد أنها مملوكة. بخلاف المشتري الجاهل بالغصب.
وأما كونه يرجع بالقيمة على الغاصب على روايةٍ؛ فلأن الغاصب غرّه.
ولأنه دخل على أن الولد إن تلف تلف على مالك الجارية؛ لأنه مملوكه.
وأما كونه لا يرجع بها على روايةٍ؛ فلأن التلف حصل في يده. أشبه تلف الجارية.
قال: (وإن أعارها، فتلفت عند المستعير: استقر ضمان قيمتها عليه، وضمان الأجرة على الغاصب).
أما كون ضمان القيمة يستقر على المستعير؛ فلأن العارية مضمونة بالقيمة.
وأما كون ضمان الأجرة يستقر على الغاصب؛ فلأن المستعير دخل على أن يستوفي المنافع مجاناً. ويجب أن لا يكون المستعير هاهنا عالماً بالغصب؛ لأنه إذا كان عالماً به استقر عليه قيمة العين والأجرة. صرح به المصنف في المغني.
وفي قول المصنف ﵀ (١): استقر: تنبيهٌ على أن للمالك مطالبة من شاء منهما. وهو صحيح؛ لما تقدم.
فعلى هذا إن ضَمَّن المالك الغاصب قيمة العين رجع بها على المستعير، وإن ضَمَّنها المستعير لم يرجع بها على الغاصب. ولو ضمِن الغاصبُ الأجرة لم يرجع بها على المستعير. ولو ضمِنَها المستعير رجع بها على الغاصب. وهذا هو المعني بالاستقرار.
وحكى المصنف في المغني في المستعير وجهاً: أنه لا يرجع إذا ضمن الأجرة؛ لأنه انتفع ببدلها، وهو نظير المهر وأرش البكارة مما تقدم.
стр. 1615
قال: (وإذا اشترى أرضاً فغرسها، أو بنى فيها فخرجت مستحقة، فقلع غرسه وبناءه: رجع المشتري على البائع بما غرمه. ذكره القاضي في القسمة).
أما كون المشترى يرجع بما غرمه على البائع؛ فلأن البائع غرّه. فوجب أن يرجع بما غرمه عليه. أشبه ما غرمه المشتري من الغاصب من قيمة ولدٍ ونحوه (١).
وأما قول المصنف: ذكره القاضي في القسمة؛ فتنبيه على أن الحكم نقل في الباب المذكور.
قال: (وإن أطعم المغصوبَ لعالم بالغصب استقر الضمان عليه. وإن لم يعلم وقال له الغاصب: كله، فإنه طعامي: استقر الضمان على الغاصب. وإن لم يقل ففي أيهما يستقر الضمان عليه؟ وجهان).
أما كون الضمان يستقر على الآكل العالم بالغصب؛ فلأنه أتلف مال الغير من غير تغرير. فوجب استقرار الضمان عليه؛ كما لو غصبه ثم أكله.
وأما كونه يستقر على الغاصب إذا قال لمن لا يعلم أنه غصب: كله، فإنه طعامي؛ فلأنه غرّه.
وأما كونه يستقر على الآكل إذا لم يقل الغاصب في وجهٍ؛ فلأنه ضمن ما أتلف. فلم يرجع على أحد.
وأما كونه يستقر على الغاصب في وجهٍ؛ فلأنه غرّ الآكل وأطعمه على أنه لا يضمنه. وذكر المصنف في المغني هذين الوجهين روايتين.
قال: (وإن أطعمه لمالكه، ولم يعلم: لم يبرأ. نص عليه في رجل له عند رجل تبعة، فأوصلها إليه على أنها صلةٌ أو هديةٌ، ولم يعلم: كيف هذا. يعني أنه لا يبرأ. وإن رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته وخياطته: لم يبرأ إلا أن يعلم. وإن أعاره إياه برئ عَلِم أو لم يعلم).
أما كون من أطعم المغصوب لمالكه، وهو لا يعلم: لا يبرأ؛ فلأنه بالغصب أزال يد المالك وسلطته (٢)، وبالتقديم إليه لم تعد إليه اليد والسلطة؛ لأنه لا يتمكن