← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فإن قيل: لم جمعتم (١) بين المهر وأرش البكارة؟ قيل: لأن كل واحد يُضمن منفرداً. بدليل: أنه لو وطئها ثيباً وجب مهرها، ولو افتضها بأصبعه وجب أرش بكارتها. وإذا وجب ضمانهما منفردين وجب ضمانهما مجتمعين. وأما كون الولد رقيقاً للسيد؛ فلأن ولد الأمة يتبع أمه في الرق في النكاح الحلال، ففي الحرام بطريق الأولى، لأن حال الجاني يقتضي التحامل عليه؛ لما فيه من الزجر. وأما كونه يَضمن نقص الولادة؛ فلأنه نقص حصل بفعله. أشبه ما لو نقصت بقطع يدها ونحوه. قال: (وإن باعها أو وهبها لعالمٍ بالغصب فوطئها فللمالك تضمين أيهما شاء: نقصها، ومهرها، وأجرتها، وقيمة ولدها إن تلف. فإن ضمَّن الغاصب رجع على الآخر، ولا يرجع الآخر عليه). أما كون المالك له تضمين من شاء من الغاصب والمشتري أو الموهوب له؛ فلأن كل واحدٍ منهما متصرف في ماله بغير إذنه. فوجب تضمين من شاء منهما؛ لما فيه من تحصيل حقه، وزجر من يشتريه من غاصبه أو متّهبه. وأما كونه له تضمين نقص العين المغصوبة ومهرها وأجرتها وقيمة ولدها التالف؛ فلأن ذلك جميعه يضمنه الغاصب لو انفرد فكذا هنا. وأما كون الغاصب يرجع على الآخر إذا ضمّنه المالك؛ فلأن النقص حصل في يده، والمنفعة التي يقابلها المهر، والأجرة حصلت له دون الغاصب، والأولاد أولاده. فوجب أن يستقر ضمان ذلك عليه. وأما كونه لا يرجع الآخر عليه إذا ضمنه؛ فلأن الغاصب لو ضمّنه المالك ذلك لرجع به عليه فكيف يرجع الآخر بذلك عليه؟ .

стр. 1612

قال: (وإن لم يعلما بالغصب فضمّنهما رجعا على الغاصب. وإن ولدت من أحدهما فالولد حر ويفديه بمثله في صفاته تقريباً. ويحتمل أن يعتبر مثله في القيمة. وعنه: يضمنه بقيمته، ويرجع به على الغاصب. وإن تلفت فعليه قيمتها، ولا يرجع بها إن كان مشترياً، ويرجع بها المتهب. وعنه: أن ما حصلت له به منفعة؛ كالأجرة، والمهر، وأرش البكارة: لا يرجع به). أما كون المشتري والموهوب له يرجعان على الغاصب إذا لم يعلما بالغصب وضمنهما المالك؛ فلأنهما دخلا في العقد على أن يتلفا ذلك بغير عوض. فوجب أن يرجعا عليه؛ لأنه غرّهما. وأما كون الولد حراً إذا ولدت من أحدهما؛ فلأن اعتقادهما أنهما يطآن مملوكتهما منع انخلاق (١) الولد رقيقاً. أشبه المغرور في النكاح. وأما كون الوالد يفدي ولده؛ فلأنه فوّت رقّه باعتقاده. أشبه المغرور. وأما كونه يفديه بمثله في صفاته تقريباً على المذهب؛ فلأنه حر. فلا يضمن بقيمته؛ كسائر الأحرار. وأما كونه يحتمل أن يُعتبر مثله في القيمة؛ فلأنه أقرب من نفس القيمة. وأما كونه يَضمنه بقيمته على روايةٍ. وهي الصحيحة من جهة المعنى؛ فلأنه ليس بمثلي. فضُمن بالقيمة؛ كسائر المتقومات. وأما كونه يرجع على الغاصب؛ فلأن الواطئ دخل على أن يسلم له الأولاد. فإذا لم يسلم له ذلك فقد غرّه الغاصب. فوجب أن يرجع عليه؛ كالمغرور في النكاح. وأما كون من تقدم ذكره من المشتري، والموهوب له: عليه قيمة الجارية إذا تلفت؛ فلأن التلف حصل تحت يده العادية. فوجب عليه ضمانها؛ كالغاصب.

стр. 1613

وأما كون القيمة لا يرجع بها إن كان مشترياً ويرجع بها المتّهب؛ فلأن المشتري دخل مع الغاصب على أن العين إن تلفت كان ضامنها لها بالثمن. بخلاف المتهب فإنه لم يدخل على ذلك. وأما كون من تقدم ذكره لا (١) يرجع بما حصلت له به منفعة؛ كالأجرة، والمهر، وأرش البكارة على روايةٍ؛ فلأنه غرم ما استوفى بدله. فلم يرجع به. إذ في الرجوع الجمع بين العوض والمعوض، وهو غير جائز. قال: (وإن ضمّن الغاصب رجع على المشتري بما لا يُرجع به عليه). أما كون الغاصب يرجع على المشتري بما ذكر؛ فلأن التلف حصل في يده وهو كالمباشر، والغاصب كالمتسبب. وأما كونه لا يرجع عليه بما يرجع المشتري به عليه؛ فلأنه لا فائدة فيه. فإن قيل: ما تحقيق ذلك؟ قيل: ما يجب ضمانه على ثلاثة أضرب: أحدها: قيمة العين. فهذا إذا ضمنه الغاصب يرجع به على المشتري؛ لأن المشتري دخل على أن العين إن هلكت هلكت (٢) في ضمانه. وثانيها: قيمة الولد. فهذا إذا ضمنه الغاصب لا يرجع به على المشتري؛ لأن المشتري لو ضمنه رجع عليه. فكيف يرجع هو بما يرجع به (٣) عليه؟ . وثالثها: المهر، وأرش البكارة، والأجرة، ونحو ذلك. فهذا إذا ضمنه الغاصب فيه روايتان. منشؤهما: أن المشتري إذا ضَمن ذلك هل يرجع به على الغاصب؟ وفيه روايتان: فعلى قولنا يرجع بذلك على الغاصب لا يرجع به الغاصب عليه إذا ضمنه؛ لما ذكر قبلُ.

стр. 1614

وعلى قولنا: لا يرجع به عليه إذا ضمنه الغاصب: رجع به على المشتري؛ لأنه يصير بمنزلة قيمة العين. قال: (وإن ولدت من زوج، فمات الولد: ضمنه بقيمته، وهل يرجع بها على الغاصب؟ على روايتين). أما كون الزوج يضمن الولد بالقيمة؛ فلأنه ينعقد رقيقاً؛ لأن الواطئ لا يعتقد أنها مملوكة. بخلاف المشتري الجاهل بالغصب. وأما كونه يرجع بالقيمة على الغاصب على روايةٍ؛ فلأن الغاصب غرّه. ولأنه دخل على أن الولد إن تلف تلف على مالك الجارية؛ لأنه مملوكه. وأما كونه لا يرجع بها على روايةٍ؛ فلأن التلف حصل في يده. أشبه تلف الجارية. قال: (وإن أعارها، فتلفت عند المستعير: استقر ضمان قيمتها عليه، وضمان الأجرة على الغاصب). أما كون ضمان القيمة يستقر على المستعير؛ فلأن العارية مضمونة بالقيمة. وأما كون ضمان الأجرة يستقر على الغاصب؛ فلأن المستعير دخل على أن يستوفي المنافع مجاناً. ويجب أن لا يكون المستعير هاهنا عالماً بالغصب؛ لأنه إذا كان عالماً به استقر عليه قيمة العين والأجرة. صرح به المصنف في المغني. وفي قول المصنف ﵀ (١): استقر: تنبيهٌ على أن للمالك مطالبة من شاء منهما. وهو صحيح؛ لما تقدم. فعلى هذا إن ضَمَّن المالك الغاصب قيمة العين رجع بها على المستعير، وإن ضَمَّنها المستعير لم يرجع بها على الغاصب. ولو ضمِن الغاصبُ الأجرة لم يرجع بها على المستعير. ولو ضمِنَها المستعير رجع بها على الغاصب. وهذا هو المعني بالاستقرار. وحكى المصنف في المغني في المستعير وجهاً: أنه لا يرجع إذا ضمن الأجرة؛ لأنه انتفع ببدلها، وهو نظير المهر وأرش البكارة مما تقدم.

стр. 1615

قال: (وإذا اشترى أرضاً فغرسها، أو بنى فيها فخرجت مستحقة، فقلع غرسه وبناءه: رجع المشتري على البائع بما غرمه. ذكره القاضي في القسمة). أما كون المشترى يرجع بما غرمه على البائع؛ فلأن البائع غرّه. فوجب أن يرجع بما غرمه عليه. أشبه ما غرمه المشتري من الغاصب من قيمة ولدٍ ونحوه (١). وأما قول المصنف: ذكره القاضي في القسمة؛ فتنبيه على أن الحكم نقل في الباب المذكور. قال: (وإن أطعم المغصوبَ لعالم بالغصب استقر الضمان عليه. وإن لم يعلم وقال له الغاصب: كله، فإنه طعامي: استقر الضمان على الغاصب. وإن لم يقل ففي أيهما يستقر الضمان عليه؟ وجهان). أما كون الضمان يستقر على الآكل العالم بالغصب؛ فلأنه أتلف مال الغير من غير تغرير. فوجب استقرار الضمان عليه؛ كما لو غصبه ثم أكله. وأما كونه يستقر على الغاصب إذا قال لمن لا يعلم أنه غصب: كله، فإنه طعامي؛ فلأنه غرّه. وأما كونه يستقر على الآكل إذا لم يقل الغاصب في وجهٍ؛ فلأنه ضمن ما أتلف. فلم يرجع على أحد. وأما كونه يستقر على الغاصب في وجهٍ؛ فلأنه غرّ الآكل وأطعمه على أنه لا يضمنه. وذكر المصنف في المغني هذين الوجهين روايتين. قال: (وإن أطعمه لمالكه، ولم يعلم: لم يبرأ. نص عليه في رجل له عند رجل تبعة، فأوصلها إليه على أنها صلةٌ أو هديةٌ، ولم يعلم: كيف هذا. يعني أنه لا يبرأ. وإن رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته وخياطته: لم يبرأ إلا أن يعلم. وإن أعاره إياه برئ عَلِم أو لم يعلم). أما كون من أطعم المغصوب لمالكه، وهو لا يعلم: لا يبرأ؛ فلأنه بالغصب أزال يد المالك وسلطته (٢)، وبالتقديم إليه لم تعد إليه اليد والسلطة؛ لأنه لا يتمكن

стр. 1616

من التصرف فيه بكل ما يريد من الأخذ والصدقة وغير ذلك فلم يزل عنه الضمان؛ كما لو علفه لدواب المغصوب منه. وفي قول المصنف ﵀: لم يعلم؛ إشعار بأنه إذا أكله عالماً بأنه طعامه برئ الغاصب. وهو صحيح لزوال ما ذكر قبل. وصرح به المصنف في الكافي، وعلله: بأنه أتلف ماله برضاه عالماً به. وأما كون من رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته أو خياطته: لا يبرأ إذا لم يعلم المالك أن ذلك ملكه؛ فلأن الغاصب أزال يد المالك وسلطته (١)، ولم يعد ذلك بما ذكر. وأما كونه يبرأ إذا علم؛ فلتمكنه من التصرف فيه على حسب اختياره. وأما كونه يبرأ إذا أعاره إياه عَلِم أو لم يعلم؛ فلأنه دخل على أنه مضمون عليه. قال: (ومن اشترى عبداً، فأعتقه، فادعى رجل أن البائع غصبه منه، فصدقه أحدهما: لم يقبل على الآخر. وإن صدّقاه مع العبد لم يبطل العتق. ويستقر الضمان على المشتري. ويحتمل أن يبطل العتق إذا صدّقوه كلهم). أما كون تصديق أحد الرجلين من البائع والمشتري المدعي لا يقبل على الآخر؛ فلأن إقرار كل واحدٍ منهما إقرار على غيره، وذلك غير مقبول. وأما كون العتق لا يبطل مع تصديقهما إياه وتصديق العبد على المذهب؛ فلأن العتق حق لله تعالى، ولهذا لو شهد شاهدان بالعتق فقال العبد: ما أعتقني لم يُقبل منه. وأما كونه يستقر الضمان على المشتري؛ فلأن التلف حصل في يده. وأما كونه يحتمل أن يبطل العتق إذا صدّقوه كلهم؛ فلأن مجهول النسب يصح إقراره بالرق، وقد أقرّ به، ووافقه عليه من له به تعلقٌ. فوجب ثبوت الرق. عملاً بمقتضيه السالم عن معارضه.

стр. 1617

فصل [إذا تلف المغصوب] قال المصنف ﵀: (وإن تلف المغصوب ضمنه بمثله إن كان مكيلاً أو موزوناً. وإن أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه. وقال القاضي: يضمنه بقيمته يوم القبض. وعنه: تلزمه قيمته يوم تلفه). أما كون الغاصب يضمن المغصوب المكيل أو الموزون بمثله؛ فلأن المثل أقربُ إلى الحق، ولهذا ضمن به في الإتلاف. ولأن المثل طريقه المشاهدة، والقيمة طريقها الظن. فكان الأول أولى؛ كالنص مع القياس. فإن النص يدرك بالسماع، والقياس بالظن. وأما كونه عليه قيمة مثله يوم إعوازه إذا أعوز المثل على المذهب؛ فلأنه يستحق المطالبة بقيمة المثل يوم الإعواز. فوجب أن تعتبر القيمة حينئذ؛ لأنه يوم وجوبها. وأما كونه يضمنه يوم القبض على قول القاضي؛ فلأن المثل لو وجد قبل القبض كان له المطالبة به. فوجب أن تعتبر القيمة عند القبض؛ لأن القيمة إنما تثبت في الذمة يوم تلفه. فاعتبرت تلك الحال؛ كما لو لم تختلف القيمة. قال: (وإن لم يكن مثلياً ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده. ويتخرّج أن يضمنه بقيمته يوم غصبه). أما كون الغاصب يضمن غير المثلي بقيمته على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «منْ أعتقَ شِرْكاً له في عبدٍ، فكان له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قوّم وأعطي شركاؤهُ حِصصهُم» (١) متفق عليه. أوجب القيمة؛ لأنه غير مثلي.

стр. 1618

ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن؛ لاختلاف ذلك في القيمة. فصارت القيمة أقرب إلى إيفاء (١) حقه. وأما كون القيمة معتبرة بيوم تلفه في بلده من نقده على المذهب؛ فلأن ذلك زمنُ الضمان وموضعُه. وأما كونه يتخرج أن يضمنه بقيمته يوم غصبه؛ فلأنه الوقت الذي أزال يده فيه. فلزمته (٢) القيمة فيه؛ كما لو أتلفه. قال: (وإن كان مصُوغاً، أو تِبْراً تخالفُ قيمته وزنه: قوّمه بغير جنسه. فإن كان مُحلى بالنقدين معاً قوّمه بما شاء منهما، وأعطاه بقيمته عرضاً). أما كون المصوغ أو التِّبْر يقوّم بغير جنسه إذا كانت قيمته تخالف وزنه؛ فلئلا يؤدي إلى الربا. وأما كونه يقوّم بما شاء المقوّم من النقدين إذا كان مُحلى بهما فلأن (٣) كلاً منهما ثمنٌ في قيم المتلفات وأروش (٤) الجنايات، وغيرهما ليس كذلك. وأما كون الغاصب يعطي المغصوب منه بقيمته عرضاً؛ فلئلا يؤدي إلى الربا. قال: (وإن تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقيه؛ كزوجي خُفٍ تَلِف أحدهما: فعليه رد الباقي، وقيمة التالف، وأرش النقص. وقيل: لا يلزمه أرش النقص). أما كون الغاصب عليه رد الباقي مما ذكر؛ فلأنه ملك غيره. وأما كونه عليه قيمة التالف؛ فلأن التلف حصل تحت يده العادِيَة.

стр. 1619

وأما كونه عليه أرش النقص على المذهب؛ فلأنه نقصٌ حصل في يده. أشبه قيمة التالف. وأما كونه ليس ذلك عليه على قولٍ؛ فلأنه زائدٌ على قيمة التالف. فإن قيل: ما مثال ذلك؟ قيل: مثاله: أن يكون زوجَا الخف يساويان عشرين، والباقي يساوي خمسة. فعلى الأول عليه خمسة عشر، وعلى الثاني عليه عشرة. قال: (وإن غصب عبداً فأَبَق، أو فرساً فشرد، أو شيئاً تعذر ردّه مع بقائه: ضمن قيمته. فإن قدر عليه بعدُ رَدّهُ، وأخذَ القيمة). أما كون الغاصب يضمن ما ذكر بقيمته قبل القدرة عليه؛ فلأن ذلك حق تعذر ردّه إلى مالكه. فوجب أن ينتقل إلى القيمة (١)؛ كما لو أتلفه. وأما كونه إذا قَدَر عليه بعدُ يردُّه؛ فلأن القيمة إنما وجبت لتعذر ردّ العين، وقد زال ذلك. فوجب ردّ العين إلى مالكها. وأما كونه يأخذ القيمة؛ فلئلا يجتمع للمالك البدل والمبدل. قال: (وإن غصب عصيراً فتخمّر فعليه مثله. فإن انقلب خلاً ردّه، وما نقص من قيمة العصير). أما كون الغاصب عليه مثل العصير إذا تخمّر؛ فلأنه تلف بصيرورته خمراً. ولأن ماليّته زالت تحت يده العادية. [أشبه ما لو زالت بالإتلاف. وأما كونه يرده إلى مالكه إذا انقلب خلاً؛ فلأنه عين ملكه. وأما كونه يرد أرش النقص إليه؛ فلأنه نَقَصَ تحت يده العادِيَة] (٢). أشبه ما لو نقص منه جزء.

стр. 1620

فصل [في أجرة المغصوب] قال المصنف ﵀: (وإن كان للمغصوب أجرةٌ فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامه في يده. وعنه: التوقف عن ذلك. قال أبو بكر: هذا قولٌ قديمٌ رَجعَ عنه). أما كون الغاصب عليه أجرة المغصوب مدة مقامه في يده على المذهب؛ فلأن ما ضُمن بالإتلاف في العقد الفاسد وجب أن يضمنه الغاصب بمجرد التلف في يده؛ كالأعيان. وأما كون ذلك يُتوقف عنه على روايةٍ؛ فلأن قوله ﵇: «الخراج بالضمان» (١) يقتضي كون الخراج للغاصب؛ لأن الضمان عليه، وذلك ينفي كون الأجرة عليه، وحينئذ يجب التوقف. وأما قول المصنف ﵀: قال أبو بكر: هذا قولٌ قديمٌ رَجع عنه؛ فتنبيهٌ على ضعف هذه الرواية، ولذلك قال المصنف في المغني: المذهب الأول؛ لما ذكر. ولأنه فوّت متقوّماً. فوجب ضمانه؛ كالأعيان. أو نقول: مال متقومٌ مغصوب. فوجب ضمانه؛ كالعين. وأما الخبر فوارد في البيع، ولا يدخل فيه الغاصب؛ لأنه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالإجماع.

стр. 1621

قال: (وإن تلف المغصوب فعليه أجرته إلى وقت تلفه. وإن غصب شيئاً فعجز عن ردّه فأدّى قيمته فعليه أجرته إلى وقت أداء القيمة. وفيما بعده وجهان). أما كون الغاصب عليه أجرة ما عجز عن رده إلى وقت أداء القيمة؛ فلأن منافعه هلكت تحت يده. فوجب عليه ضمانها؛ لما تقدم في تضمين المنافع (١). وأما كونه عليه الأجرة فيما بعد أداء القيمة وقبل الرد في وجهٍ؛ فلما ذكر. وأما كونه ليست عليه في وجهٍ؛ فلأنه لما أدى القيمة لم يبق لها أجرة؛ لأنها لو بقيت لاجتمع للشخص عوض العين وعوض المنفعة الحاصلة بعده، وذلك لا يجتمع. دليله: الإتلاف.

стр. 1622

فصل [في تصرفات الغاصب] قال المصنف ﵀: (وتصرفات الغاصب الحكمية؛ كالحج، وسائر العبادات، والعقود؛ كالبيع، والنكاح، ونحوها: باطلة في إحدى الروايتين، والأخرى صحيحة). أما كون التصرفات المذكورة باطلة على المذهب؛ فلأن ذلك التصرف تصرف الفضولي. والصحيح من المذهب أنه باطل؛ لما تقدم (١). وأما كونها صحيحة على رواية؛ فلأن الغاصب تطول مدة غصبه غالباً، فتكثر تصرفاته. ففي إبطالها إضرارٌ كثير، وربما عاد بعض الضرر على المالك. فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح فيها للمالك، والحكم ببطلانها يمنع ذلك. قال: (وإن اتّجر بالدراهم فالربح لمالكها. وإن اشترى في ذمته ثم نقدها فكذلك. وعنه: الربح للمشتري). أما كون ربح الدراهم التي اتّجر الغاصب بعينها لمالكها؛ فلأنه نماء ملكه. وأما كون ربح ما اشترى في ذمته، ثم نقد الدراهم عنه كذلك على المذهب؛ فكما لو اشترى بعينه. وأما كونه له على روايةٍ؛ فلأنه اشترى في ذمته ولنفسه. فكان الشراء له، والربح تبعٌ لمن الشراء له.

стр. 1623

قال: (وإن اختلفا في قيمة المغصوب، أو قدره، أو صناعة فيه: فالقول قول الغاصب. وإن اختلفا في ردّه، أو عيب فيه: فالقول قول المالك). أما كون القول قول الغاصب في القيمة والقدر والصناعة؛ فلأن الأصل براءة ذمته مما يدعى عليه. فلا يلزمه غير (١) ما أقرّ به؛ كما لو ادعى عليه ديناً فأقرّ ببعضه. وأما كون القول قول المالك في الرد والعيب؛ فلأن الأصل عدم الرد وعدم العيب. قال: (وإن بقيت في يده غُصوب، لا يعرف أربابها: تصدق بها عنهم. بشرط الضمان؛ كاللقطة). أما كون من في يده ما ذُكر يتصدق به بشرط الضمان؛ فلأن حبس المغصوب في يده حرام؛ كأصل الغصب. فتخلصه منه مطلوب شرعاً، وصدقته بشرط الضمان طريقٌ له. فتعين جواز فعله؛ لما فيه من الجمع بين مصلحته ومصلحة المالك. وأما قول المصنف ﵀: بشرط الضمان؛ فتنبيهٌ على أنه لا يجوز التصدق بالمغصوب إلا بذلك؛ لأن الصدقة بدون ذلك إضاعة لمال المالك لا على وجه بدل، وذلك غير جائز. وأما قوله: كاللقطة فتنبيهٌ على أن للصدقة بشرط الضمان أصلاً هو اللقطة (٢). وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 1624

فصل [فيمن أتلف مالاً لغيره] قال المصنف ﵀: (ومن أتلف مالاً محترماً لغيره ضمنه. وإن فتح قفصاً عن طائره، أو حلّ قيد عبده، أو رباط فرسه، أو وِكاء زِقٍّ مائعٍ، أو جامدٍ فأذابته الشمس، أو بقي بعد حلّه قاعداً فألقته الريح فاندفق: ضمنه. وقال القاضي: لا يضمن ما ألقته الريح). أما كون من أتلف مالاً محترماً مملوكاً لغيره يضمنه بالإتلاف؛ فلأنه فوّته عليه. فضمنه؛ كما لو غصبه فتلف عنده. وفي قوله: مالاً احتراز (١) عما ليس بمالٍ؛ كالكلبِ والسِّرْجين؛ لأن ما ليس بمال لا يقابل بالمال. وفي قوله: محترماً احتراز (٢) عما ليس بمحترم. وإن كان مالاً؛ كأموال أهل الحرب، وخمر الذمي، وآلة اللهو. فإن جميع ذلك لا يضمن. وتقدير ذلك يذكر في مواضعه. وفي قوله: لغيره احتراز (٣) عن مال نفسه فإنه لا يضمن ذلك؛ لأن الضمان لا يجب على من له الضمان. وأما كون من فتح قفصاً عن طائرِ غيره، أو حلّ قيد عبده، أو رباط فرسه، أو وكاء زِقٍٍّ مائعٍ أو جامدٍ فأذابته الشمس: يضمنه؛ فلأن ذلك كله تلف بسبب فعله. فلزمه ضمانه؛ كما لو باشره بالتلف.

стр. 1625

وفي كلام المصنف ﵀ حذف تقديره: وإن فتح قفصاً عن طائره فطار، أو حلّ قيد عبده فهرب، أو رباط فرسه فشرد؛ لأن الطائر لو بقي في القفص، أو لم يهرب العبد، أو لم يشرد الفرس فتلف ذلك بآفة سماوية لم يجب الضمان؛ لأنه لم يحصل التلف بسبب فعله. وإنما حذف المصنف ذلك اعتماداً على ظهوره. ولأنه نبّه على مثل ذلك فيما ساواه وهو في قوله: فاندفق. بعد قوله: أو وكاء زِقٍّ مائعٍ أو جامد. وأما كونه يضمن إذا بقي المائع بعد حلّ زقه قاعداً فألقته الريح فاندفق على المذهب؛ فلما تقدم ذكره في الصورة المذكورة. وأما كونه لا يضمن ذلك على قول القاضي؛ فلأن فعله غير ملجئ. فلم يتعلق به ضمان؛ كما لو دفعه إنسان. والأول أصح؛ لأنه لم يتخلل بين فعله وبين التلف مباشرةٌ يمكن إحالةُ الحكم عليها. فوجب الضمان عليه؛ كما لو جُرح فمات عقيب ذلك. ثم ما ذكره القاضي منتقضٌ بما إذا أذابته الشمس مع أنه لا يقول فيه بعدم الضمان. قال: (وإن ربط دابةً في طريق فأتلفت، أو اقتنى كلباً عقوراً فعقر، أو خرق ثوباً: ضمن. إلا أن يكون دخل منزله بغير إذنه. وقيل: في الكلب روايتان في الجملة). أما كون من ذكر يضمن ما أتلفته الدابة إذا ربطها في طريقٍ؛ فلأنه مُتعدٍّ بربطها. وأما ضمان ما أتلفه الكلب العقور فينظر فيه: فإن كان التلف في غير ملك مقتنيه (١) وجب عليه ضمان ما أتلفه؛ لأنه مفرّط باقتنائه. وإن كان التلف في ملكه نظرتَ: فإن كان المعقور دخل بغير إذنٍ فلا ضمان؛ لأنه متعدٍّ في الدخول متسبب

стр. 1626

إلى إتلاف نفسه بجنايته، وإن كان دخل بإذنٍ فعلى مقتنيه ضمانه؛ كما لو كان في داره بئر مغطاة فأذن لإنسان فدخل فوقع فيها. وقال بعض الأصحاب: في الكلب روايتان في الجملة: أي روايةِ أنه يضمن سواء دخل بإذن أو بغير إذن؛ لأن مقتنيه متعدٍّ في اقتنائه، وذلك يناسب الضمان؛ لما فيه من المبالغة في الزجر. ورواية: أنه لا يضمن بحالٍ؛ لأنه لم يحصل منه جناية. ويمكن أن يجاب عنه بأنه متسبب. قال: (وإن أجّج ناراً في ملكه، أو سقى أرضه فتعدى إلى ملك غيره فأتلفه: ضمن إذا كان قد أسرف فيه أو فرّط، وإلا فلا). أما كون من ذكر يضمن إذا أسرف أو فرّط؛ فلأن التلف بذلك سرايةُ فعل محظور. فوجب أن يضمن؛ كما لو باشر ذلك بالإتلاف. وأما كونه لا يضمن إذا لم يوجد ذلك؛ فلأنه غير متعد. ولأنها سرايةُ فعل مباح. أشبه سراية القود. وفارق ما إذا حلّ زِقاً فاندفق ما فيه فإنه من آثار فعلٍ هو متعدٍّ فيه. قال: (وإن حفر في فنائه بئراً لنفسه ضمن ما تلف بها. وإن حفرها في سابلةٍ لنفع المسلمين لم يضمن في أصح الروايتين). أما كون صاحب الفناء يضمن ما أُتلف بالبئر التي حفرها لنفسه؛ فلأنه متسبب إلى إتلاف غيره. فوجب الضمان عليه؛ كواضع السكين. وأما كونه لا يضمن إذا حفرها في سابلةٍ لنفع المسلمين في روايةٍ؛ فلأنه غير منسوبٍ إلى عدوان. إذْ قصده نفع المسلمين لا نفع نفسه. وأما كونه يضمن في روايةٍ؛ فلأنه مأذون له في ذلك بشرط سلامة العاقبة، ولم توجد. قال: (وإن بسط في مسجد حصيراً، أو علّق فيه قنديلاً: لم يضمن ما تلف به. وإن جلس في مسجدٍ، أو طريقٍ واسعٍ فعثرَ به حيوان: لم يضمن في أحد

стр. 1627

الوجهين. وإن أخرج جناحاً، أو ميزاباً إلى الطريق فسقط على شيء فأتلفه: ضمن). أما كون من ذُكر لا يَضمن ما تلف بالحصير أو القنديل؛ فلأنه مأذون له في ذلك شرعاً. فلم يضمن ما تولّد منه؛ كسراية القود. وأما كونه لا يضمن ما تلف بتعثر (١) حيوان في وجهٍ؛ فلأن له أن يجلس في المسجد، وفي طريقٍ واسعٍ فلم يضمن لعدم تعديه. وأما كونه يضمن ذلك في وجهٍ؛ فلما ذكر فيما إذا حفر بئراً في سابلةٍ لنفع المسلمين. وأما كونه يضمن ما تلف بسقوط الجناح والميزاب الخارجَيْن إلى الطريق؛ فلأنه متعدٍ بفعل ذلك. فوجب عليه ضمان ما تولّد منه؛ كما لو جرح إنساناً فتعدى إلى قتله. قال: (وإن مال حائطه فلم يهدمه حتى أتلف شيئاً لم يضمنه. نص عليه. وأومأ في موضع: أنه إن تُقُدِّم إليه بنقضه، وأُشْهِد عليه فلم يفعل: ضَمِن). أما كون مالك الحائط لا يضمن على المنصوص؛ فلأن السقوط ليس من فعله. وأما كونه يضمن على ما أومأ إليه الإمام أحمد ﵀؛ فلأنه إذا تُقُدِّم إليه بنقضه وأُشْهِد عليه فلم يفعل يُعدُّ مفرّطاً. فيجب عليه الضمان؛ كما لو باشر الإتلاف. قال: (وما أتلفت البهيمة فلا ضمان على صاحبها إلا أن تكون في يد إنسان (٢)؛ كالراكب، والسائق، والقائد: فيضمن ما جنت يدها أو فمها. دون ما جنت رجلها، وما أفسدت من الزرع والشجر ليلاً. ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهاراً. ومن صال عليه آدمي أو غيره فقتله دفعاً عن نفسه لم يضمنه). أما كون صاحب البهيمة لا يضمن ما أتلفته إذا لم تكن في يده؛ فلأن النبي ﷺ قال: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» (٣). أي هدر.

стр. 1628

وأما كونه يضمن ما جنت يدها أو فمها إذا كانت في يده؛ مثل: أن يكون راكباً لها، أو سائقاً، أو قائداً دون ما جنت رجلها؛ فلأنه يمكنه حفظها عن ذلك. بخلاف الرِّجْل. ولأنه قد روي في حديث أبي هريرة «رِجْلُ العجماء جُبَار» (١). وذلك يدل بمفهومه على الضمان بغيرها. ولا بد أن يُلحظ في عدم الضمان برِجْل البهيمة: أن لا يكون كبحها فأتلفت؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون التلف منسوباً إليه. فيجب عليه الضمان؛ كسائر مواضع التسبب في الإتلاف. فإن قيل: هلاّ حمل مُطلق قوله ﵇: «العجماء جُبَار» على مُقَيَّدِه من قوله: «رِجْلُ العجماء جُبَار» فيما إذا لم تكن البهيمة في يده؟ قيل: لأن في ذكر الرِّجْل إشارةٌ إلى الفرق بينها وبين غيرها من يدٍ ونحوها، وذلك لا يتحقق في بهيمة ليست (٢) في يده. بخلاف ما إذا كانت في يده، فإن الفرق بينهما ما تقدم ذكره: من إمكان الحفظ في اليد والفم. دون الرجل. وأما كونه يضمن ما أفسدت البهيمة من الزرع والشجر ليلاً، وكونه لا يضمن ما أفسدت من ذلك نهاراً؛ فلما روي «أن ناقةَ للبراء دخلتْ حائطَ قومٍ. فقضى رسولُ الله ﷺ أن على أهل الأموالِ حِفظَهَا بالنهارِ، وما أفسدتْ بالليلِ فهوَ مضمونٌ عليهم» (٣). [رواه أبو داود وابن ماجة بمعناه] (٤). قال ابن عبدالبر: إن كان هذا مرسلاً فهو مشهور. حدّثَ به الأئمةُ الثقاتُ واستعملَه فقهاءُ الحجازِ بالقبول.

стр. 1629

ولأن العادة حفظُها نهاراً. دون أهل المواشي. وذكر المصنف في المغني: أن القاضي قال: هذا محمول على المواضع التي فيها المزارع والمراعي، فأما القرى العامرة التي ليس فيها مرعى إلا بين قراحيْن (١)؛ كساقية، وطريق، وطرف زرع: فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظٍ عن الزرع. فإن فعل فعليه الضمان؛ لأنه مفرّط. ولا بد أن يُلحظ في ضمان ما أتلفت (٢) البهيمة من الزرع والشجر ليلاً: أن يكون المالك قد فرّط في إرسالها، فإن لم يكن فرّط مثل: إن حفظها فانفلتت من ذلك، أو أخرجها غيره من لصٍ وغيره لم يضمن؛ لأن الموجب للضمان تفريطه في إرسالها، وذلك مفقودٌ فيما ذكر. لكن إن كان المرسِلُ غيرَه وجب الضمان عليه؛ لأنه السبب في الإتلاف. وقول المصنف ﵀: وما أفسدت من الزرع والشجر مشعرٌ بأمرين: أحدهما: أن ضمان ما ذُكر مشروط بكون البهيمة في يد راكبٍ وسائقٍ وقائدٍ؛ لأنه عطفه على ضمان ما جنت يدها أو فمها بعد اشتراط كونها في يد إنسان موصوف بما ذكر. وليس كذلك بل ذلك يُضمن سواء كانت في يد أحدٍ (٣) أو لا. صرح بذلك المصنف ﵀ في المغني وغيره من الأصحاب. وثانيهما: أن الحكم المذكور مختصٌ بالزرع والشجر؛ لأنه خصهما بالذكر. وليس كذلك أيضاً عند الأصحاب. صرح به صاحب المستوعب. فقال فيه: وما أتلفت البهائم من الزرع وغيرها ليلاً فعلى صاحبها ضمانه. ووجهه (٤) عموم قوله ﵇: «وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم» (٥). وقال صاحب المغني فيه: وإن أتلفت غير الزرع لم يضمن مالكها، نهاراً كان أو ليلاً، وعلله بقوله ﵇: «العجماء جبار» (٦)، وبأن البهيمة لا تُتْلف ذلك

стр. 1630

عادة. بخلاف الزرع. ولم أجده لغيره. فيحتمل أنه أراد هنا ذلك فلذلك خصص الزرع والشجر بالذكر، ويحتمل أن التخصيص وقع اتفاقاً. وأما كون قاتل الصائل عليه لا يضمنه إذا قتله دفعاً عن نفسه؛ فلأنه قتله بدفع جائز. فلم يضمنه؛ لما فيه من صيانة النفس عن القتل. قال: (وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحدٍ منهما سفينة الآخر وما فيها. وإن كانت إحداهما مُنْحدرة فعلى صاحبها ضمان المُصْعِدة. إلا أن يكون غلبه ريح فلم يقدر على ضبطها). أما كون ملاحي كل سفينة يضمن السفينة الأخرى وما فيها؛ فلأن التلف حصل بسبب فعلهما. فوجب على كل واحدٍ منهما ضمان ما تلف بسبب فعله. وأما كون صاحب المنحدرة عليه ضمان المُصْعِدة إذا لم يكن غلبه الريح؛ فلأنها تنحط على (١) المصعدة من علوٍّ. فيكون ذلك سبباً لغرقها، وتُنَزّل المنحدرة منزلة السائرة، والمُصْعِدة منزلة الواقفة. وأما كونه لا يضمن إذا غلبه الريح فلم يقدر على ضبط السفينة؛ فلأنه حينئذٍ لا يُعد مفرّطاً. ولأن التلف يمكن إسناده إلى الريح. بخلاف ما تقدم. قال: (ومن أتلف مزماراً، أو طنبوراً، أو صليباً، أو كسر إناء ذهب، أو فضة، أو إناء خمر: لم يضمنه. وعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره). أما كون من أتلف مزماراً، أو طنبوراً، أو صليباً: لا يضمنه؛ فلأن بيع ذلك لا يحل. فلم يضمنه؛ كالميتة. ودليل تحريم بيع ذلك كله قول النبي ﷺ : «بُعثتُ بمحقِ القَيْنَاتِ والمعَازِف». وأما كون من كَسَر إناء فضة، أو ذهب: لا يضمنه؛ فلأن اتخاذه محرّم فلم يصادف الإتلاف شيئاً مباح البقاء. فلم يضمن؛ كإتلاف الخنزير. ولأنه أتلف ما ليس بمباح (٢). فلم يضمنه؛ كالميتة.

стр. 1631

وأما كونه لا يضمن إناء الخمر على المذهب؛ فلما روى أنس قال: «كنتُ أَسقِي أبا طلحة، وأبي بن كعب (١)، وأبا عبيدة شَراباً من فَضِيخٍ. فأتانا آتٍ. فقال: إن الخمرةَ قد حرمتْ. فقالَ أبو طلحة: قمْ يا أنس! إلى هذه الجِرارِ فاكسِرْهَا» (٢). وهذا يدل على سقوط حرمته، وإباحة إتلافه. فلم يضمن؛ كسائر المباحات. وأما كونه يُضمن إن كان يُنتفع به في غيره على روايةٍ؛ فلأنه يمكنه الانتفاع به في غير الخمر. فلم يجز إتلافه؛ كسائر الآنية. والأول أصح؛ لما تقدم. ولما روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: «أمرَني رسولُ الله ﷺ أن آتيهِ بمُدْيَةٍ -وهيَ الشفرةُ- فأتيتهُ بها. فأرسلَ بها. فَأُرْهِفَتْ ثم أعطانيها. وقال: اغدُ (٣) عليّ بها (٤) ففعلتُ. فخرجَ بأصحابهِ إلى أسواقِ المدينةِ وفيها زِقَاقُ الخمرِ، فأخذَ المُدْيَةَ مني، فَشَقَّ ما كانَ من تلكَ الزِّقَاقِ بحضرتهِ كلها، وأمرَ أصحابَهُ الذينَ كانوا معهُ أن يمضوا معي وأن يعاوِنوني. وأمرني أن آتيَ الأسواقَ كلَّها. فلا أجدُ فيها زِقَّ خمرٍ إلا شَقَقْتُهُ. ففعلتُ. فلمْ أتركْ في أسواقِها زِقاً إلا شَقَقْتُه» (٥).

стр. 1632

باب الشفعة الشفعة ثابتة بالسنة والإجماع: أما السنة فما (١) روى جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعةِ فيما لم يُقْسَم، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطرقُ فلا شُفعة» (٢). متفق عليه. ولمسلمٍ قال: «قضَى رسول الله ﷺ بالشفعةِ في كل شِركٍ لم يُقْسَم: رَبْعَةٍ أو حائطٍ. لا يحل له أن يبيعَ حتى يستأذنَ شريكَهُ، فإن شاءَ أخذَ وإن شاءَ تركَ. فإن باعَ ولم يستأذنه فهوَ أحقُ به» (٣). وللبخاري: «إنما جعلَ رسول الله ﷺ الشفعةَ فيما لم يُقْسَم، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» (٤). وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم: فيما بيع من أرضٍ أو دارٍ أو حائط. قال المصنف ﵀: (وهي: استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها. ولا يحل الاحتيال لإسقاطها). أما قول المصنف ﵀: وهي ... إلى مشتريها؛ فبيان لمعنى الشفعة. ولا يخفى ما فيه من الاحتراز. وأما كونه لا يحلّ الاحتيال لإسقاطها؛ فلأن الحيلة حرام، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبَ اليهود فتستحلُوا محارمَ اللهِ بأدنى الحِيَل» (٥).

стр. 1633

وقال ﵇: «لعنَ اللهُ اليهودَ. إن الله لما حرّمَ عليهم شحومَ الميتةِ جَمَلُوهُ، ثم بَاعُوهُ، وأكلُوا ثمنَه» (١). ولأن الله حرّم الحيل في غير موضع من كتابه. فعلى هذا لو احتال لإسقاط الشفعة لم تسقط؛ لأن الحيلة إذا كانت حراماً وجب أن يكون وجودها كعدمها. ولأن الشفعة وُضعت لدفع الضرر، فلو سقطت بالحيل للحق الضرر. فلم تسقط، كما لو أراد المشتري إسقاطها بالوقف ونحوه. قال: (ولا تثبت إلا بشروط خمسة: أحدها: أن يكون مبيعاً. ولا شفعة فيما انتقل بغير عوض بحالٍ، ولا فيما عوضه غير المال، كالصداق، وعوض الخُلع، والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين). أما كون الشفعة لا تثبت إلا بالشروط الخمسة الآتي ذكرها، فلما يأتي ذكره فيها. وأما كون أحد الشروط: أن يكون المشفوع مبيعاً؛ فلأن غير المبيع ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص عليه. وأما كونه لا شفعة فيما انتقل بغير عوض، كالهبة بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث؛ فلأنه ليس بمبيع. ولأن الأخذ يقتضي دفع العوض، ولم يقصد بما ذكر المعاوضة. وأما كونه لا شفعة فيما عوضه غير المال كما ذكره المصنف ﵀ في وجهٍ قاله أبو بكر؛ فلأنه ملك بغير مالٍ. فلم تجب فيه شفعةٌ، كالهبة والإرث. وأما كونه فيه الشفعة في وجهٍ قاله ابن حامد؛ فلأنه عقد معاوضة. فجاز أن تثبت الشفعة في الأرض المملوكة به، كالبيع. والأول أولى.

стр. 1634

قال القاضي: هو قياس المذهب. ووجهه ما تقدم. ولأنه إما أن يؤخذ في الصداق بمهر المثل أو بالقيمة. والأول باطل؛ لأنه تقويم البضع (١) على الأجانب وإضرارٌ بالشفيع؛ لأن مهر المثل يتفاوت مع المسمى إذ (٢) المهر يُسامح فيه في العادة. بخلاف البيع. والثاني: باطل، لأن القيمة ليست بعوضٍ للمبيع. وأما قياس الأخذ على البيع فلا يصح؛ لأنه يمكن الأخذ فيه بالعوض.

стр. 1635

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف ﵀: (الثاني: أن يكون شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم. فأما المقسوم المحدود (١) فلا شفعة لجاره فيه). أما كون الثاني من شروط الشفعة: أن يكون المشفوع شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم: أما اشتراط كونه شقصاً؛ فلأنه إذا لم يكن شقصاً يكون كُلاًّ. فيكون الأخذ به أخذاً بالجوار، والجوار لا تؤخذ به شفعة؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما اشتراط كونه مشاعاً؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك يكون مقسوماً. ولا شفعة في المقسوم؛ لأن النبي ﷺ قال: «الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» (٢). وفي رواية أبي داود: «وإذا قُسّمتِ الأرضُ وَحُدَّتْ فلا شُفعةَ فيها» (٣). ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع، فلا يثبت فيه. بيان كون المعنى معدوماً أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم. وأما اشتراط كونه من عقار؛ فلأن غير العقار لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه. وأما اشتراط كون العقار مما ينقسم؛ فلأن ما لا يمكن قسمته كغير العقار، وذلك لا شفعة فيه. فكذا هنا.

стр. 1636

وأما كونه لا شفعة لجار المقسوم المحدود (١) فيه؛ فلما تقدم في اشتراط كون المشفوع مشاعاً. وفي كون من ذكر لا شفعة له تنبيهٌ على أن جار غير المقسوم لا شفعة له، لأنه إذا لم تثبت الشفعة لجار المقسوم فلئلا تثبت لجار غيره بطريق الأولى. فإن قيل: فقد قال رسول الله ﷺ : «الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ» (٢). رواه البخاري. وفي حديث جابر: «الجارُ أحقُ بشفعتهِ يُنتظَرُ به إذا كانَ غَائباً» (٣). رواه الترمذي. وقال: هو (٤) حديث حسن. وفي حديث آخر: «جارُ الدارِ أحقُ بدارِ جارِه» (٥). قيل: أما الأول فليس بصريح؛ لأن الصَّقَب القرب. فيحتمل أنه أحق بإحسان جاره وصلته وعيادته وغير ذلك. وخبرنا صريح فيقدم عليه. وخبر جابر معارَض بما ذكرنا من الحديث الصريح الراجح عليه. وأما ما عدا ذلك ففيه مقال. ثم يحتمل أنه أراد بالجار الشريك، ومثله تسمية أحد الزوجين جاراً. قال الشاعر: أجارتَنا بِيني فإنّكِ طالِقَة

стр. 1637

قال: (ولا شفعة فيما لا تجب قسمته، كالحمام الصغير، والبئر، والطرق، والعراص الضيقة. وما ليس بعقارٍ، كالشجر، والحيوان، والبناء المفرد في إحدى الروايتين. إلا أن البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض. ولا تؤخذ الثمرة والزرع تبعاً في أحد الوجهين). أما كون الشفعة لا تثبت فيما لا تجب قسمته كما مثّل المصنف ﵀ في روايةٍ؛ فلأن ذلك لا يمكن قسمته شرعاً؛ لما فيها من الضرر. وقوله: «الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» (١) مشعرٌ بأن الشفعة إنما تكون فيما يمكن قسمته. وأما كون الشفعة لا تثبت فيما ليس بعقارٍ كما مثل المصنف ﵀ في روايةٍ؛ فلأن ذلك لا يبقى على الدوام فلم تجب الشفعة فيه، كالصبرة. وأما كون الشفعة تثبت في ذلك كله في روايةٍ؛ فلعموم قوله ﷺ (٢): «الشفعة فيما لم يُقْسَم» (٣). ولأن الشفعة وضعت لإزالة الضرر، ووجود الضرر بالشركة فيما لم يُقْسَم أبلغ منه فيما يُقْسَم. ولأن ابن أبي مليكة روى أن النبي ﷺ قال: «الشُفعةُ في كلِّ شَيء» (٤). وكلام المصنف في المغني يقتضي نصر الأول؛ لما تقدم. ولأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شُفعةَ في فِناءٍ ولا طَريقٍ ولا مَنْقَبَة» (٥) رواه أبو عبيد في غريبه. وعن عثمان: «لا شُفعةَ في بِئرٍ ولا فَحْل» (٦). ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري من الشراء لأجل الشفيع فيتضرر

стр. 1638

البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة. فيؤدي إثباتها إلى انتفائها. ويجاب عن قولهم: ما لم يقسم أكثر ضرراً بأن الضرر الموجب لثبوت الشفعة هو الحاجة إلى إحداث المرافق، وذلك غير موجود فيما لا يمكن قسمته. وأما كون البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض؛ فلأن قوله ﵇ المتقدم ذكره، وقضاءه بالشفعة في كل شِرْكٍ: ربعةٍ أو حائطٍ يدخلُ فيه البناء والغراس. وفي قول المصنف: تبعاً؛ تنبيهٌ على أنه لا يؤخذ البناء والغراس بالأصالة، لأنهما لا تجب قسمتهما عند انفرادهما. وأما كون الثمرة والزرع لا تؤخذ تبعاً في وجهٍ، فلأن ذلك لا يدخل في البيع. فلا تؤخذ بالشفعة، كقُماش الدار. وأما كونه يؤخذ تبعاً، فبالقياس على البناء والغراس.

стр. 1639

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف ﵀: (الثالث: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم. نصُّه عليه. وقال القاضي: له طلبها في المجلس وإن طال، فإن أخّره سقطت شفعته. إلا أن يعلم وهو غائب فيشهد على الطلب بها، ثم إن أخّر الطلب بعد الإشهاد عند إمكانه أو لم يشهد ولكن سار في طلبها فعلى وجهين). أما كون الثالث من شروط الشفعة: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم على منصوص الإمام أحمد؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الشفعةُ لمن وَاثَبهَا» (١). وروي عنه ﵇ أنه قال: «الشفعةُ كنشطةِ العِقالِ إن قُيدتْ بَركتْ، وإن بركتْ (٢) فاللومُ على من تَركها» (٣). وفي سنن ابن ماجة قال: قال رسول الله ﷺ : «الشفعةُ كَحَلِّ العِقَال» (٤). ولأنه خيار يثبت لإزالة الضرر. فكان على الفور، كخيار العيب على رواية. وأما كون الشفعة لمن طلبها في المجلس وإن طال على قول القاضي؛ فلأن المجلس في حكم حالة العقد، ولهذا إذا وُجد القبض فيه فيما يشترط فيه القبض صح العقد. وأما كونها تسقط إذا أخّر المطالبة بها عن ساعة العلم أو المجلس على الاختلاف المتقدم؛ فلما تقدم من أنه يشترط المطالبة حال العلم أو حال المجلس.

стр. 1640

وأما كونها لا تسقط إذا علم وهو غائب وأشهد على الطلب بها؛ فلأنه لا يمكنه الطلب وهو غائب. وأما كونها تسقط إذا أخّر الطلب بعد الإشهاد عند إمكانه، أو لم يشهد لكن سار في طلبها على وجهٍ؛ فلأنه تارك للطلب في الأولى ولبدله في الثانية. فسقطت شفعته، كما لو كان حاضراً ولم (١) يشهد. وأما كونها لا تسقط على وجهٍ: أما في الأولى؛ فلأن عليه في السفر عقيب الإشهاد ضرراً لالتزامه كلفته، وقد تكون له حوائج وتجارة تنقطع وتضيع لغيبته، والتوكيل بجُعْلٍ فيه غرامة، وبغيره فيه مِنَّة. وأما في الثانية؛ فلأن السير لأجل طلب الشفعة فلم تسقط معه. أشبه ما لو أشهد على الطلب. واعلم أن المصنف ﵀ قال في المغني: وإن أخّر القدوم بعد الإشهاد. بدل قوله: وإن أخر الطلب بعد الإشهاد. [وهو صحيح؛ لأنه لا وجه لإسقاط الشفعة بتأخير الطلب بعد الإشهاد] (٢) وهو غائب؛ لأن الطلب حينئذ لا يمكن. بخلاف (٣) القدوم فإنه ممكن. وتأخير ما يمكن لإسقاطه الشفعة وجه. بخلاف تأخير ما لا يمكن. قال: (وإن ترك الطلب والإشهاد لعجزه عنهما (٤) كالمريض والمحبوس. ومَنْ لا يجد من يشهده، أو لإظهارهم زيادة في الثمن، أو نقصاً في المبيع، أو أنه موهوب له، أو أن المشتري غيره، أو أخبره من لا يُقبل خبره فلم يصدقه: فهو على شفعته). أما كون الشفيع على شفعته مع العجز المذكور (٥)؛ فلأنه معذورٌ في ذلك. أشبه ما لو لم يعلم.

стр. 1641

وأما كونه على شفعته إذا أظهر المشتري زيادة في الثمن، أو نقصاً في المبيع، أو أن المبيع موهوب له، أو أن المشتري غيره؛ فلأنه لم يعلم الحال على وجهه. أشبه ما لو لم يعلم بالبيع. وأما كونه على شفعته إذا أخبره من لا يقبل خبره فلم يصدقه؛ فلأن خبر من لا يُقبل خبره مع عدم تصديق الشفيع له يكون وجوده كعدمه. وفي قول المصنف ﵀: أو أخبره من لا يقبل خبره فلم يصدقه؛ إشعارٌ بأنه إذا أخبره من لا يقبل خبره فصدقه تسقط شفعته وهو صحيح؛ لأن تصديقه اعتراف بوقوع البيع، وهو غير مطالب بالشفعة. فوجب أن تسقط، كما لو أخبره به ثقة. قال: (وإن أخبره من يُقبل خبره فلم يصدقه، أو قال للمشتري: بعني ما اشتريت أو صالحني: سقطت شفعته). أما كون الشفعة تسقط بإخبار من يقبل خبره، كرجلين عدلين وإن لم يصدقهما الشفيع؛ فلأن مثل ذلك يوجب ثبوت البيع صدَّق الشفيع أو لم يصدق. وأما كونها تسقط بقول المشتري: بعني ما اشتريت أو صالحني؛ فلأنه يدل على رضاه بشرائه. فوجب أن تسقط شفعته لذلك، ولتأخير طلبها عن ثبوت البيع. قال: (وإن دلّ في البيع، أو تَوَكَّل لأحد المتبايعين، أو جُعِل له الخيار فاختار إمضاء البيع: فهو على شفعته. وإن أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط. ويحتمل أن تسقط). أما كون الشفيع على شفعته فيما إذا دلّ، أو تَوَكَّل، أو أمضى ما جعل له الخيار فيه؛ فلأن جميع ما ذكر سبب ثبوت الشفعة. فلم تسقط به، كما لو أذن في البيع أو عفا عن الشفعة قبل تمام البيع. ولأن المسقط للشفعة الرضى بتركها، وليس فيما ذكر رضى بالترك بل ربما كان ذلك وسيلة إلى الأخذ.

стр. 1642

وأما كون الشفعة لا تسقط بإسقاطها قبل البيع على المذهب؛ فلأنه إسقاط حقٍّ قبل وجوبه. فلم تسقط، كما لو أبرأه مما يجب له، أو كما لو أسقطت (١) المرأة مهرها قبل التزويج. وأما كونه يحتمل أن تسقط؛ فلأن مفهوم قوله ﷺ : «فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به» (٢) أنه إذا باع بإذنه لا (٣) حق له فيه. وذكر المصنف في المغني هذا الاحتمال رواية. وأجاب عن الحديث بأن النبي ﷺ يحتمل أنه أراد العرض عليه ليبتاع ذلك إن (٤) أراد فتخف عليه المؤونة، ويكتفي أخذ المشتري للشقص. لا أنه يسقط حقه بإذنه. قال: (وإن ترك الولي شفعةً للصبي، فيها حظ: لم تسقط، وله الأخذ بها إذا كبر. وإن تركها لعدم الحظ فيها سقطت. ذكره ابن حامد. وقال القاضي: يحتمل أن لا تسقط). أما كون شفعة الصبي إذا تركها وليه، وله فيها حظ: لا تسقط؛ فلأن الشفعة وجبت بالبيع وإسقاط الولي لذلك لا يصح؛ لأنه إسقاط حقٍ للمولى عليه لا حظ له في إسقاطه. فلم يصح، كالإبراء، وإسقاط خيار الرد بالعيب. وإذا ثبت أنه ليس له الإسقاط فَتَرَكَه أولى أن لا يكون موجباً للسقوط. فيعمل موجب البيع عمله لسلامته عن الموجب للسقوط. وأما كون الصبي له الأخذ بها إذا كبر؛ فلأنه لم يتمكن من الأخذ إلا في ذلك الوقت. وأما كونها تسقط إذا تركها الولي لعدم الحظ فيها على قول ابن حامد؛ فلأن الولي فعل ما له فعله. فلم يجز للصبي نقضه، كالرد بالعيب. ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي. فصح، كالأخذ مع الحظ.

стр. 1643

وأما كونها لا تسقط على قول القاضي؛ فلأن المستحق للشفعة: له أخذها. سواء كان له فيها حظ أو لم يكن. وإنما يعتبر الحظ في حق الولي، فإذا زال الحجر ثبت للصبي إذا كبر الأخذ على الوجه الذي يثبت للشريك من البيع (١).

стр. 1644

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف ﵀: (الرابع: أن يأخذ جميع المبيع. فإن طلب أخذ البعض سقطت شفعته). أما كون الرابع من شروط الشفعة: أن يأخذ الشفيع جميع المبيع؛ فلأن في أخذ بعضه إضراراً بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر. ولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، دفعاً لضرر الشريك الداخل، خوفاً من سوء المشاركة ومؤونة القسمة. فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع الضرر المذكور. وأما كون الشفعة تسقط إذا طلب الشفيع (١) أخذ البعض؛ فلأنها لا تتبعض لما تقدم. فإذا سقط بعضها (٢) سقط جميعها، كالقصاص. قال: (فإن كانا شفيعين فالشفعة بينهما على قدر مُلْكَيْهِما. وعنه: على عدد الرؤوس. فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو يترك). أما كون الشفعة بين الشفيعين على قدر ملكيهما على المذهب؛ فلأن ذلك حقٌّ يستفاد بسبب الملك. فكان على قدر الأملاك، كالغلة. وأما كونها بينهما على عدد الرؤوس على روايةٍ اختارها ابن عقيل؛ فلأن كل واحدٍ منهما لو انفرد استحق الجميع. فإذا اجتمعا تساويا، كالبنين (٣)، وكسراية العتق. قال المصنف ﵀: والصحيح في المذهب أنها تقسم على قدر الأملاك؛ لما ذكر. وما ذكر دليلاً (٤) للرواية الثانية ينتقضُ بالفرسانِ والرجّالة في الغنيمة فإنّ من

стр. 1645

انفرد منهم أخذ الكل، فإذا اجتمعوا تفاضلوا، وكذلك أصحاب الديون والوصايا. وأما كون أحد الشريكين إذا ترك شريكُه الأخذ لم يكن له أن يأخذ إلا الكل أو يترك؛ فلما تقدم من أن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري. قال: (فإن كان المشتري شريكاً فالشفعة بينه وبين الآخر. فإن ترك شفعته ليوجب الكل على شريكه لم يكن له ذلك). أما كون الشفعة بين المشتري الشريك وبين شريكه؛ فلأنهما تساويا في الشركة. فوجب أن يتساويا في الشفعة، كما لو كان المشتري أجنبياً. وأما كون المشتري ليس له أن يترك شفعته ليوجب الكل على شريكه؛ فلأن ملكه استقر على قدر حقه، وجرى مجرى الشفيعين إذا حضر أحدهما فأخذ جميع الشقص، ثم حضر الآخر فطلب حقه من الشفعة، فقال الآخذ: خذ الكل أو دعه. قال: (وإن كانت دارٌ بين اثنين، فباع أحدهما نصيبه لأجنبي صفقتين، ثم علم شريكه: فله أن يأخذ بالبيعين، وله أن يأخذ بأحدهما. فإن أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته في أحد الوجهين، وإن أخذ بالأول لم يشاركه. وإن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأول. وهل يشاركه في شفعة الثاني؟ على وجهين). أما كون الشفيع له الأخذ بالبيعين؛ فلأنه شفيع فيهما. وأما كونه له الأخذ بأحدهما؛ فلأن كل واحدٍ منهما عقدٌ مستقلٌ بنفسه. وهو يستحقها (١). فإذا أسقط البعض كان له ذلك، كما لو أسقط حقه من الكل. وأما كون المشتري يُشارك الشفيع في شفعته إذا أخذ بالثاني في وجهٍ، فلأن الشفيع بإسقاط (٢) حقه من البيع الأول استقر ملك المشتري. فصار شريكه. فشاركه في البيع الثاني.

стр. 1646

وأما كونه لا يُشاركه المشتري في وجهٍ، فلأن ملك المشتري لم يستقر على المبيع. بدليل أن للشفيع أخذه (١) بعد البيع الثاني فلم يستحق به شفعة. وأما كونه لا يُشاركه إذا أخذ بالأول؛ فلأنه لم يَسبق له شركة. وأما كونه لا يُشاركه في شفعة الأول إذا أخذ بالبيعين؛ فلما ذكر من عدم الشركة. وأما كونه يُشاركه في شفعة الثاني ففيه وجهان، وجههما ما تقدم قبل. قال: (وإن اشترى اثنان حقَّ واحد فللشفيع أخذ حقِّ أحدهما. وإن اشترى واحدٌ حقَّ اثنين، أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين). أما كون الشفيع له أخذ حق أحد الشريكين المشتريين حقَّ واحد؛ فلأن العقد مع الاثنين بمنزلة عقدين. وأما كونه له أخذ أحد الحقين إذا اشترى واحد حق اثنين على وجهٍ؛ فلأن تعدد البائع كتعدد المشتري. وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلأن فيه تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر (٢) عليه. والأول أصح، لما ذكر من التعدد. وأما كونه له أخذ أحد الشقصين إذا اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة على وجهٍ؛ فلأن الضرر قد يلحقه بأرضٍ دون أرض. وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلما ذكر من التبعيض على المشتري. والأول أصح؛ لما ذكر. ولأن كل واحدٍ منهما يُستحق بسببٍ غير الآخر. فجرى مجرى الشريكين.

стр. 1647

قال: (وإن باع شقصاً وسيفاً فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن. ويحتمل أن لا يجوز). أما كون الشفيع له أخذ الشقص بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأن الشقص تجب فيه الشفعة إذا بيع منفرداً. فكذلك إذا بيع مع غيره. فعلى هذا يُقَوَّم، ويؤخذ بقيمته. وأما كونه يحتمل أن لا يجوز؛ فلأن في ذلك تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر به. قال: (وإن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن. وقال ابن حامد: إن كان تلفه بفعل الله تعالى فليس له أخذه إلا بجميع الثمن). أما كون الشفيع له أخذ (١) الباقي من التالف بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأنه تعذّر أخذ الكل. فجاز أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي. وأما كونه ليس له الأخذ إلا (٢) بجميع الثمن إذا كان تلفه بفعل الله على قول ابن حامد؛ فلأن في أخذه بالبعض إضراراً بالمشتري، فلم يكن له ذلك، كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع.

стр. 1648

فصل [الشرط الخامس] قال المصنف ﵀: (الخامس: أن يكون للشفيع ملك سابق. فإن اشترى اثنان داراً صفقة واحدة فلا شفعة لأحدهما على صاحبه. فإن ادعى كل واحد السبق، فتحالفا، أو تعارضت بينتاهما: فلا شفعة لهما). أما كون الخامس من شروط الشفعة: أن يكون للشفيع ملك سابق؛ فلأن الشفعة ثبتت لإزالة الضرر عن شريك البائع، فإذا لم يكن له ملك سابق على الشراء لم يكن شريكاً للبائع. وأما كونه لا شفعة لأحد المشتريين داراً صفقة واحدة على صاحبه؛ فلأن شرط استحقاق الشفعة سبقُ الملك، وهو معدوم هنا. وأما كونه لا شفعة لهما إذا ادعى كل واحدٍ منهما السبق فتحالفا أو تعارضت بينتاهما؛ فلأن من شرطها أن يكون الملك سابقاً على الشراء ولم يتحقق ذلك. قال: (ولا شفعة بشركة الوقف في أحد الوجهين). أما كونه لا شفعة بشركة الوقف في وجهٍ، فلأن مستحق الوقف: إما غير مالك، والشفعة لا تثبت لغير المالك. وإما مالك لكن ملكه غير تام لكونه لا يستفيد به تصرفاً في الرقبة. والملك غير التام لا يستفاد به ملك تام. ولأن الوقف لا تستحق فيه الشفعة. فلم تجب به، كغير المنقسم. وأما كون الشفعة تستحق بذلك في وجهٍ؛ فكالملك الطَّلْق. وقال المصنف في المغني: قال أبو الخطاب: هذا -يعني هذين الوجهين- ينبني على الملك في الوقف، وفيه روايتان. فإن قيل: الوقف مملوك تثبت فيه الشفعة، وإلا فلا.

стр. 1649

فصل [إذا تصرف المشتري في المبيع] قال المصنف ﵀: (وإن تصرّف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقفٍ، أو هبةٍ: سقطت الشفعة. نص عليه. وقال أبو بكر: لا تسقط). أما كون الشفعة تسقط بالتصرف بما ذُكر على المنصوص؛ فلأن الشفعة تثبت في المملوك للمشتري، وقد خرج هذا عن كونه مملوكاً له. وأما كونها لا تسقط على قول أبي بكر؛ فلأن حقَّ الشفيع سابق على ما ذكر. فلم يكن للمشتري التصرف بما يبطل حقه. ولأن الشفيع يملك فسخ البيع مع إمكان الأخذ به، فلأن يملك فسخ عقدٍ لا يمكنه الأخذ به بطريق الأولى. قال: (وإن باع فللشفيع الأخذ بأيّ البيعين شاء. فإن أخذ بالأول رجع الثاني على الأول). أما كون الشفيع له الأخذ بأيّ البيعين شاء؛ فلأن كل واحدٍ منهما له ملك سابقٌ عليه. وأما كون الثاني يرجع على الأول إذا أخذ الشفيع بالبيع الأول؛ فلأنه لم يُسَلَّم له المعوض (١). فكان له الرجوع بالعوض. قال: (وإن فسخ البيع بعيب، أو إقالة، أو تحالف: فللشفيع أخذه. ويأخذه في التحالف بما حلف عليه البائع). أما كون الشفيع له أخذ ذلك مع الفسخ بما ذُكر؛ فلأن حقه سابقٌ على ذلك كله، ولا يمكنه الأخذ بما وجد بعد البيع.

стр. 1650

فإن قيل: الإقالة: إن قيل (١) هي فسخ لا تُستحق بها شفعة، وإن (٢) قيل: هي بيع تُستحق بها الشفعة. وهاهنا قد حكم المصنف ﵀ بالأخذ مطلقاً. قيل: الأخذ هنا بالبيع لا بالإقالة. وأما الأخذ بالإقالة فصورته: أن شخصاً حصل له نصيبٌ في عقارٍ بعد أن باع بعض الشركة نصيبه. ثم يقايل هو والمشتري بعد أن ملك الشخص النصيب. فهاهنا هل يملك الشخص الشفعة؟ ينبني على أن الإقالة فسخ أو بيع. أما الشريك هنا فملكه سابقٌ على البيع، فبنفس البيع استحق الشفعة. فإن قيل: ينبغي أن لا يستحق الشفعة؛ لأن الإقالةَ رفعت البيع، وإذا ارتفع البيع زال سبب الاستحقاق. قيل: الإقالة إما بيعٌ وإما فسخٌ في الحال. ولا يصح أن يكون رفعا للعقد، وإلا لوجب على المشتري ردّ الكسب والولد ونحو ذلك؛ لأن العقد لو ارتفع لكان ذلك كله نماء ملك البائع. وأما كونه يأخذه في التحالف بما (٣) حلف عليه البائع؛ فلأن الإنسان لا يجبر على نقل ملكه بغير ثمنٍ يرضيه، ولهذا ردّ المبيع في مسألة التحالف إلى البائع. قال: (وإن أجّره أخذه الشفيع، وله الأجرة من (٤) يوم أخذه. وإن استغله فالغَلّة له. وإن أخذه الشفيع وفيه زرع أو ثمرة ظاهرة فهو للمشتري مبقىً إلى الحصاد والجذاذ). أما كون الشفيع له الأخذ مع إجارة المشتري للمشفوع؛ فلأن الإجارة لا تمنع ملك الملك. بدليل أنه يصح بيع المؤجَّر. وأما كون الأجرة له من يوم أخذه؛ فلأنها نماء ملكه بحكم الشفعة. أشبه ما لو اشتراه.
следующие страницы →