← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وأما كون وارثه أحق به بعده؛ فلقوله ﵇: «منْ تَرَكَ حقاً فلِوَرثتِه» (١). وأما كون من ينقله إليه أحق به؛ فلأنه بمنزلته. وأما كونه ليس له بيعه على المذهب؛ فلأنه لم يملكه. فلم يكن له بيعه، كحق الشفعة. وأما كونه له ذلك على قولٍ؛ فلأنه صار أحق به. وأما كونه يقال لمن لم يُتم الإحياء: إما أن تحييه أو تتركه؛ فلأن في تركه على حاله تضييقاً على المسلمين في حقٍّ مشترك، . فلم يمكن (٢) منه، كالوقوف في طريق ضيق. وأما كون طالب الإمهال يمهل الشهرين والثلاثة؛ فلأنه ربما أخّره لعذرٍ والظاهر زواله في مثل تلك المدة. وأما كون غيره يملكه إذا أحياه على وجهٍ؛ فلعموم قوله ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتةً ملكَها» (٣). ولأن الإحياء يُملك به وفاقاً. فقدم على التحجر المختلف في ثبوت الملك به. وأما كونه لا يملكه على وجهٍ؛ فلأن مفهوم قوله ﵇: «منْ سبقَ إلى ما لم يَسبقْ إليه مسلم» (٤) يدل عليه. ولأن المتحجر أسبق. فكان أولى، كحق الشفيع مع المشتري.

стр. 1682

فصل [في الإقطاع] قال المصنف ﵀: (وللإمام إقطاع مَوَات لمن يحييه. ولا يملكه بالإقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء). أما كون الإمام له إقطاع مَوَات لمن يحييه؛ فلما روى وائل بن حجر «أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضاً فأرسل إلى معاوية أن أعطه إياه أو أعلمها إياه» (١). حديث صحيح. و«أقطع بلالَ بن الحارث المزني» (٢)، و «أبيضَ بنَ حمّال المازني» (٣)، و «الزبيرَ حُضْرَ فَرَسِه» (٤) رواه أبو داود. وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله ﷺ (٥). وأما كون من أقطع له ذلك لا يملكه بالإقطاع؛ فـ «لأن النبي ﷺ أقطعَ بلال بن الحارثِ العقيق. فاسترجعَ منه عمرُ ما عجزَ عن إحيائِه» (٦). ولو ملكه لم يجز استرجاعه. وأما كونه يصير كالمتحجّر الشارعِ في الإحياء؛ فلأنه ترجح بالإقطاع على غيره. فوجب أن يصير كمن ذكر؛ لاشتراكهما في الترجح على الغير.

стр. 1683

قال: (وله إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة، ورحاب المساجد ما لم يضيّق على الناس. ولا يُملك ذلك بالإحياء. ويكون المُقْطَعٌ أحق بالجلوس فيها. فإن لم يقطعها فلمن سبق الجلوس فيها. ويكون أحق بها ما لم ينقل قُماشه (١) عنها. فإن أطال الجلوس فيها فهل يزال؟ على وجهين). أما كون الإمام له إقطاع ما ذُكر ما لم يضيّق على الناس؛ فلأن ذلك يباح الجلوس فيه، والانتفاع به. فجاز للإمام إقطاعه، كالأرض الميتة. وقول المصنف ﵀: ما لم يضيق على الناس؛ مشعرٌ بأنه ليس له ذلك إذا ضيّق على الناس. وهو صحيح؛ لأن فيه مضرةٌ على الناس. وليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه. فضلاً عمّا فيه مضرة. وأما كون المقطع لا يملك ذلك بالإحياء؛ فلما ذُكر في إقطاع الأرض. وأما كون من سبق له (٢) الجلوس إذا لم يقطعها الإمام؛ فلاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار (٣) على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار. ولأنه ارتفاق بمباحٍ من غير إضرارٍ فلم يمنع منه كالإحياء. وأما كونه أحق بها من غيره ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ فلأنه سبق إلى شيء مباح. أشبه من سبق إلى ماءٍ أو كلأٍ. وقد قال النبي ﷺ : «مِنَى مُناخُ منْ سَبَق» (٤). وقول المصنف ﵀: ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ مشعرٌ بأنه إذا نقل قُماشه عنها كان للغير الجلوس فيها. وصرح به في المغني؛ لأن صاحب القُماش زالت يده برفع قُماشه. بخلاف ما لو أقام ولم يرفع قُماشه فإنه لا يكون للغير الجلوس فيها؛ لأن الأول لم تزل يده. وأما كون قُماشه يُزال إذا أطال الجلوس فيها على وجهٍ؛ فلأنه يصير كالمتملك، وتملكه لا يجوز.

стр. 1684

وأما كونه لا يزال على وجهٍ؛ فلأنه قد سبقت يده. فلم يمنع من الاستدامة، كالابتداء. قال: (فإن سبق اثنان أُقرع بينهما. وقيل: يقدم الإمامُ من يرى منهما). أما كون من ذكر يقرع بينهما على الأول؛ فلأنهما استويا في السبق، والقرعة مميزة في كثيرٍ من المواضع. فليكن هاهنا كذلك. وأما كونه يقدم الإمام من يرى منهما على الثاني؛ فلأنه أعلم بالمصلحة في ذلك. قال: (ومن سبق إلى معدِنٍ فهو أحق بما ينال منه، وهل يمنع إذا طال (١) مقامه؟ على وجهين). أما كون من سبق إلى معدنٍ أحق بما ينال منه؛ فلقوله ﵇: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحق به» (٢). [وأما كونه يمنع إذا طال مقامه ففيه وجهان وجههما ما تقدم في الجلوس في الطريق. قال: (ومن سبق إلى مباح، كصيدٍ، وعنبرٍ، وحطبٍ، وثمرٍ، وما ينبذه الناس رغبة عنه: فهو أحق به. وإن سبق إليه اثنان قسم بينهما). أما كون من سبق إلى شيء مما ذكر أحق به من غيره؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «من سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحقُ به] (٣») (٤). وأما كون المسبوق إليه يقسم بين الاثنين إذا سبقا (٥) إليه؛ فلأنهما استويا في السبب، والقسمة ممكنة. بخلاف ما إذا سبقا إلى مكان ضيّق يقصدان الجلوس فيه.

стр. 1685

قال: (وإذا كان الماء في نهر غير مملوك، كمياه الأمطار: فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه. ثم يرسل إلى من يليه. فإن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه). أما كون الأعلى له السقي وحبس (١) الماء حتى يبلغ الكعب، فلما روى عبادة «أن رسول الله ﷺ قضى من شربَ من نهرٍ من مسيلٍ أن الأعلى يسقي قبل الأسفل» (٢). رواه ابن ماجة بمعناه. وعن عبدالله بن بكر بن حزم أنه بلغه «أن رسول الله ﷺ قال في سيل مَهْزُورٍ ومُذَيْنِبٍ: يُمْسكُ حتى الكعبينِ ثم يُرسلُ الأعلى على الأسْفل» (٣). رواه مالك في موطئه. قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة معمولٌ به عندهم. قال عبدالملك بن حبيب: مهزورٍ ومذينبٍ واديان من أودية المدينة يسيلان من المطر، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما. وأما كون من أراد إحياء أرض بسقيها من ذلك يجوز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه؛ فلأنه مباحٌ لا ضرر على غيره. فجاز له ذلك، كما لو سبق. وقول المصنف ﵀: ما لم يضر ... إلى آخره؛ مشعرٌ بأنه إذا كان ذلك يضر بأهل الأرض المذكورة لا يجوز وهو صحيح؛ لقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار (٤») (٥). [رواه ابن ماجة والدارقطني] (٦).

стр. 1686

قال: (وللإمام أن يحمي أرضاً من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيّق على الناس وليس ذلك لغيره). أما كون الإمام له أن يحمي ما ذكر؛ فلما روي أن عمر قال: «حمى النبي ﷺ النقيع لخيل المسلمين» (١). رواه أبو عبيد. والإمام قائم مقامه. ولأن عمر وعثمان فعلا الحمى، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان كالإجماع. ولأن في ذلك مصلحة فجاز للإمام فعلها كسائر المصالح، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أَطعمَ الله لنبي طُعمةً إلا جَعلهَا لمن بَعدَه» (٢). وقول المصنف ﵀: ما لم يضيّق على الناس؛ مشعرٌ بأنه إذا كان يضيق على الناس ليس للإمام ذلك. وهو صحيح؛ لأن الجاهلية كانوا يحمون لأنفسهم، ويرعون مع العامة فيما سواه. فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ لما فيه من التضييق على الناس فقال: «لا حِمَى إلاّ للهِ ولِرَسُولِه» (٣) رواه أبو داود. وأما كون غير الإمام ليس له ذلك؛ فلأن الإمام إنما جاز له ذلك لما تقدم ذكره وذلك مفقود في غيره. قال: (وما حماه النبي ﷺ فليس لأحدٍ نقضه. وما حماه غيره من الأئمةِ فهل يجوز نقضه؟ على وجهين). أما كون ما حماه النبي ﷺ ليس لأحدٍ نقضه؛ فلأن حماه حكمٌ منه، وحكمه نص. فلم يجز نقضه بالاجتهاد، كسائر أحكامه ﷺ (٤).

стр. 1687

وأما كون ما حماه غير النبي ﷺ من الأئمة هل يجوز نقضه؟ فيه وجهان؛ فلأن المعنى المذكور قبل يقتضي النقض، ولأن لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد يقتضي عدمه. قال المصنف في الكافي: والأول أولى، لأن الاجتهاد كان في تلك المدة دون غيرها، ولهذا ملك الحامي لها تغييرها.

стр. 1688

باب الجُعالة والأصل فيها قوله تعالى: ﴿ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير وأنا به زَعِيم﴾ [يوسف: ٧٢]. وروى أبو سعيد الخدري «أنّ ناساً من أصحابِ رسول الله ﷺ أتوا حَياًّ من أحياءِ العربِ فلم يَقرُوهم. فبينما هم كذلك إذْ لُدغَ سيدُ أولئك. فقال: هل فيكمْ من رَاقٍ؟ فقالوا: لم تَقرُونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جُعلاً. فجعلوا لهم قطيع شياهٍ. فجعل رجلٌ يقرأ بأمِ الكتابِ ويجمعُ بُزاقَهُ ويتفُل فبَرأَ الرجل فأتوا بالشاءِ، فقالوا: لا نأخذها حتى نسألَ رسول الله ﷺ . فسألوا عنها النبي (١) ﷺ . فقال: وما أدراكَ أنها رقيةٌ. خذوها واضربوا لي معكمْ بِسهَم» (٢) متفق عليه. ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجازت كالإجارة. قال المصنف ﵀: (وهي أن يقول: من ردّ عبدي (٣) أو لقطتي، أو بنى لي هذا الحائط فله كذا: فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه. وإن فعله جماعة فهو بينهم. ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه سواء ردّه قبل بلوغ الجعل أو بعده). أما قول المصنف ﵀: وهي أن يقول: من رد عبدي أو لقطتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا؛ فبيان لمعنى الجُعالة. وأما كون من فعل ذلك بعد بلوغه الجعل يستحقه؛ فلأن العقد استقر بتمام العمل. فاستحق الجعل، كالربح في المضاربة. وأما كون الجعل بين الجماعة الفاعلين لذلك؛ فلأن ذلك مستحق بالعمل، وهو مشترك بين الجماعة. فكذلك ما يستحق به.

стр. 1689

وأما كون من فعل ذلك قبل بلوغه الجعل لا يستحقه؛ فلأن فعله وقع غير مأذون فيه. فلم يستحق الجعل، كما لو لم يبلغه. ولأن الجعل عوض عن مجموع فعله وردّه، وقد وجد الفعل قبل الجعل. ولأنه بذل منافعه بغير عوضٍ جُعِلَ له. فيكون عاملاً في مال غيره بغير إذنه. فلم يستحق شيئاً؛ لما يذكر في موضعه. وأما كونه لا يستحقه سواء رده قبل بلوغ الجعل أو بعده؛ فلما تقدم من أن الجعل بدل عن الفعل والرد، والفعل فائت في الرد قبل البلوغ كما هو فائت في الرد بعده. قال: (وتصح على مدةٍ مجهولةٍ وعملٍ مجهولٍ إذا كان العوضُ معلوماً). أما كون الجُعالة تصح على مدة مجهولة، وعملٍ مجهول إذا كان العوض معلوماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ولم يذكر المدة ولا العمل. ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك. فجاز مع الجهالة، كالمضاربة. وأما قول المصنف ﵀: إذا كان العوض معلوماً؛ فمشعرٌ بأنه لا تصح الجُعالة إذا كان العوض مجهولاً وهو صحيح؛ لأنه يجب تسليم العوض، وذلك متعذرٌ في المجهول. قال: (وهي عقد جائز لكل واحدٍ منهما فسخها. فمتى فسخها العامل لم يستحق شيئاً. وإن فسخها الجاعل بعد الشروع فعليه للعامل أجرة عمله. وإن اختلفا في أصل الجعل أو قدره فالقول قول الجاعل). أما كون الجعالة عقداً جائزاً؛ فلأنها عقدٌ يجوز على مجهولٍ. فكانت جائزةً، كالمضاربة. وأما كون كل واحدٍ من الجاعل، والمجعول له: له فسخها؛ فلأن ذلك شأن كل عقدٍ جائز. وأما كون العامل لا يستحق شيئاً إذا فسخ الجعالة؛ فلأنه إنما يستحق الجعل بعد الفراغ من عمله، ولم يحصل.

стр. 1690

وأما كون الجاعل عليه أجرة عمل العامل إذا فسخها بعد الشروع؛ فلأنه إنما عمل بعوضٍ، ولم يسلم له بسببٍ من جهة غيره. فوجب على الجاعل أجرة عمله، كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل. وأما كون القول قول الجاعل إذا اختلفا في أصل الجعل أو قدره؛ فلأنه منكرٌ والأصل يعضده. قال: (ومن عمل لغيره عملاً بغير جُعْل فلا شيء له. إلا في ردّ الآبق فإن له في الشرع ديناراً أو اثني عشر درهماً. وعنه: إن ردّه من خارج المصرِ فله أربعون درهماً). أما كون من عمل لغيره عملاً بغير جُعْل في غير ردّ الآبق لا شيء له؛ فلأنه بذل نفعه من غير جُعل. أشبه ما لو نوى التبرع به. وأما كونه له في ردّ الآبق شيء بالشرع، فـ «لأن النبي ﷺ جعل في الآبقِ إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً» (١). ولأنه قول علي وعمر وابن عمر وابن مسعود، ولم يعرف لهم مخالفٌ. فكان إجماعاً. وعن أحمد: لا شيء لمن ردّه؛ لأنه عمل في ملك غيره عملاً بغير إذنه. فلم يستحق شيئاً، كما لو ردّ جمله. والأول أصح، لما تقدم ذكره. ولأن في استحقاق الجعل في ردّ الآبق من غير شرط حثاً على ردّه، وصيانة له عن الرجوع إلى دار الحرب، وارتداده عن دينه. فيجب أن يكون مشروعاً لهذه المصلحة. وبهذا فارق الجمل الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك. فعلى هذه إن ردّه من داخل المصرِ فله دينار أو اثني عشر درهماً: أما الأول؛ فلأنه يروى عن ابن مسعود. وأما الثاني؛ فلأن الدينار مقدر في الشرع بذلك في كثير من المواضع. فليكن كذلك هاهنا. وإن ردّه من خارج المصر ففيه روايتان:

стр. 1691

إحداهما: أنه له ديناراً أو اثني عشر درهماً: أما الأول، فلما تقدم من الحديث. وأما الثاني (١)؛ فلأنها بدل عنه لما تقدم. وثانيهما: أن له أربعين درهماً؛ لما روى أبو عمرو الشيباني قال: «قلت لعبدالله بن مسعود: إني أصبتُ عبيداً أباقاً فقال: لكَ أجرٌ وغنيمة. فقلتُ: هذا الأجر فما الغنيمة؟ فقال: من كل رأسٍ أربعينَ درهماً» (٢). وقال أبو إسحاق: «أُعْطيتُ الجعل في زمن عمر أربعين درهماً». وهذا يدل على أنه مستفيض بين أهل العصر الأول. واختار هذه الرواية الخلال، وقال: حديث عبدالله بن مسعود أصح إسناداً. قال: (ويأخذ منه (٣) ما أنفق عليه في قوته وإن هرب منه في طريقه، فإن مات السيد استحق ذلك في تركته). أما كون الرّاد يأخذ ما أنفقه على الآبق في قوته؛ فلأنه مأذون له في الإنفاق من جهة الشرع لحرمة النفس. وبهذا فارق من قضى دين غيره بغير إذنه حيث وقع فيه خلاف. بخلاف الآبق. وأما قول المصنف ﵀: وإن هرب منه (٤) في طريقه؛ ففيه تنبيهٌ على أن الهرب لا يسقط النفقة؛ لأنها وقعت مأذوناً فيها شرعاً وقد وُجدت فاستحق الرجوع بها، كما لو أذن مالكه في الإنفاق عليه ثم هرب. وفيه إشعارٌ بأن الجعل لا يُستحق إلا (٥) بالرد سواء كان ذلك متاعاً وجده ثم ضاع، أو عبداً وجده ثم هرب لكونه ذكر ذلك في النفقة دون الجعل. وصرح بذلك في المغني. وعلل عدم الاستحقاق في العبد: بأن الجعل مرتبٌ على الرد؛ لأن القائل يقول: من ردّ عبدي. ثم قال: فإن قيل: أليس الجعل في اللقطة معلقاً على مجرد الوجدان، كقوله: من وجد لقطتي فله دينار؟

стр. 1692

[قيل: قرينة الحال تدل على اشتراط الرّد، إذ المقصود الرّد لا نفس الوجدان] (١). وإنما اكتفى بذكر الوجدان؛ لأنه سبب الرّد. وأما كون الرّاد يستحق ما تقدم ذكره في تركة السيد إذا مات؛ فلأن ذلك وجب له. فكان له في تركة السيد، كسائر الحقوق الثابتة عليه.

стр. 1693

باب اللقطة قال الخليل: اللُّقطة بفتح القاف: اسم للملتقِط، كالضُّحَكةِ، والهُزَأَةِ، والهُمَزةِ، واللمزةِ، وبالسكون: اسم للمال الملقوط كالضُّحْكةِ الذي يُضحك منه، والهُزْأة الذي يُهزَأ به. وقال (١) الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هي بفتح القاف اسم للمال أيضاً. والأصل فيها ما روى زيد بن خالد الجهني قال: «سُئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق. فقال: اعرف وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا ثم عَرِّفْهَا سنة. فإن لم تعرف فاسْتَنْفِقْهَا. ولتكن وَدِيعةً عندك. فإذا جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه. وسُئل عن ضالة الإبل فقال: مالكَ ولها دعها فإن معها حِذاءَهَا وسِقَاءَهَا تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يجدها ربُّها. وسُئل عن الشاة فقال: خذها. فإنما هيَ لكَ أو لأخيكَ أو للذئب» (٢). متفق عليه. الوكاء: الخيط الذي يشد به المال. والعفاص: الوعاء الذي فيه المال. قال المصنف ﵀: (وهي: المال الضائع من ربه. وتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا تتبعه الهمّة، كالسَّوط، والشِّسْع، والرغيف: فيملك بأخذه بلا تعريف). أما قوله ﵀: وهي المال الضائع من ربه؛ فبيان لمعنى اللقطة شرعاً. وأما كونها تنقسم ثلاثة أقسام؛ فلأن منها: ما يملك بلا تعريف، ومنها: ما لا يملك البتة، ومنها: ما يملك بالتعريف. وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في مواضعه (٣).

стр. 1694

وأما كون ما لا تتبعه الهمة كالذي مثله المصنف ﵀ يُملك بأخذه بلا تعريف، فلما روى جابر قال: «رخصَ لنا رسولُ الله ﷺ في العصا، والسوطِ، والحبلِ، وأشباههِ يلتقطُه الرجلَ ينتفعُ به» (١). رواه أبو داود. وروي عنه ﵇: «أنهُ أصابَ تمرةٍ. فقال: لولا أني أخشَى أن تكونَ صدقةً لأكلتُها» (٢) متفق عليه (٣). و«أصاب رجل تمرة. فقال له النبي ﷺ : لو لمْ تأتِها لأتتْك». ولم ينكر عليه أكلها. وأما قوله ﵀: كالسَّوْط والشِّسْع والرغيف؛ فبيان لصور من صور ما لا تتبعه الهمّة، وتُملك بغير تعريف. قال: (الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والظباء، والطير، والفهود، ونحوها: فلا يجوز التقاطها. ومن أخذها ضمنها. فإن دفعها إلى نائب الإمام زال عنه الضمان). أما كون الإبل لا يجوز التقاطها؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «دعها فإن معها حذاءها وسقاءها» (٤). وعن عمر ﵁: «من أخذَ ضالةً فهوَ ضالّ» (٥). وأما كون البقر لا يجوز التقاطها، فـ «لأن جرير بن عبدالله طردَ بقرةً لحقتْ بالبقرِ حتى توارتْ. وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ قال: لا يُؤْوِي الضالّةَ إلا ضَالّ» (٦). والحجة فيه: أنه فَهِم من لفظ النبي ﷺ شموله للبقر.

стр. 1695

ولأن البقر لها قوة تمتنع بها عن صغار السباع. فهي كالإبل. وأما كون باقي الصور لا يجوز التقاطها؛ فلأن فيها قوة تمتنع بها عن صغار السباع. أشبهت الإبل. ولم يذكر المصنف ﵀ الحمير وهي ملحقة بذلك عند الأصحاب؛ لأن لها قوة. أشبهت البقر. وصرح في المغني بأنها ملحقة عنده بالشاة. وعلل ذلك: بأن النبي ﷺ قال: «معها حذاءها وسقاءها» (١). وعلل في الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها، والحمير مساوية للغنم في علتها مفارقة للإبل في علتها؛ لأنها لا صبر لها عن الماء، وبِقِلَّةِ صبرها يضرب المثل فيقال: ما بقي من مدته إلا ظِمء حمار. وأما كون من أخذها يضمنها؛ فلأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشرع له. فضمنه، كالغاصب. وأما كونه يزول الضمان عنه إذا دفعها إلى نائب الإمام؛ فلأن للإمام نظراً في ضوال الناس. بدليل أن له أخذها. قال: (الثالث: سائر الأموال، كالأثمان، والمتاع، والغنم، والفصلان، والعجاجيل، والأفلاء: فمن لا يأمن نفسه عليها ليس له أخذها. فإن فعل ضمنها ولم يملكها وإن عرّفها. ومن أمن نفسه عليها وقوي على تعريفها فله أخذها. والأفضل تركها. وعند أبي الخطاب: إن وجدها بمَضْيَعَة فالأفضل أخذها). أما كون من لا يأمن نفسه على الأشياء المذكورة ليس له أخذها؛ فلأن في أخذه لها تضييعاً لمال الغير. فحرم، كإتلافه. وأما كونه يضمنها إذا فعل ذلك؛ فلأنه متعدٍّ بأخذها (٢). فضمنها، كالغاصب.

стр. 1696

وأما كونه لا يملكها وإن عرّفها؛ فلأن السبب المحرم لا يفيد الملك. دليله: السرقة. والتقاط هذه محرم؛ لما تقدم. فلا يستفاد به الملك. وأما كون من يأمن نفسه عليها ويقوى على تعريفها له أخذها؛ فلأن الشرع أذن له في ذلك؛ لأنه قال ﵇ مرة: «اعرف عفاصها ووكاءها» (١) وقال في الشاة: «خذها» (٢). ولأن في ذلك حفظاً لمال غيره، فإن لم يكن واجباً فلا أقل من أن يكون جائزاً. وأما كون الأفضل ترك الالتقاط على المذهب؛ فلأن ذلك قول ابن عباس وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف. فكان إجماعاً. ولأنه يعرض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من التعريف، وأداء الأمانة فيها. فكان تركه أولى، كولاية مال اليتيم. وأما كون الأفضل أخذها عند أبي الخطاب إذا وجدها بمَضْيَعَة؛ فلما فيه من الحفظ المطلوب شرعاً. قال: (ومتى أخذها. ثم ردّها إلى موضعها، أو فرّط فيها: ضمنها). أما كون الآخذ يضمن إذا ردّ بعد الأخذ؛ فلأنها أمانة حصلت في يده. فلزمه حفظها، كالوديعة، وإذا ردّها فقد ضيّعها. وأما كونه يضمن إذا فرّط فيها؛ فلأن كل أمانةٍ تُضمن بالتفريط. فكذلك هذه. قال: (وهي على ثلاثة أضرب: حيوان، فيتخيّر بين أكله وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإنفاق عليه من ماله. وهل يرجع بذلك؟ على وجهين). أما قول المصنف ﵀: وهي على؛ فراجع إلى ما تقدم من قوله: الثالث سائر الأموال.

стр. 1697

وأما كونها على ثلاثة أضرب؛ فلأن منها: حيواناً، كالشاة، ومنها: ما يخشى فساده، كالطبيخ، ومنها: ما سوى ذلك. وأما كون الملتقط يتخيّر في الحيوان بين أكله في الحال وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإنفاق عليه من ماله: أما الأكل؛ فلأن النبي ﷺ قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» (١). جعلها له في الحال ثم سوّى بينه وبين الذئب، والذئب يأكلها، فإذا أكله كان عليه قيمته؛ لأنه إذا كان عليه قيمة ما يضطر إليه إذا أكله. فلأن يكون عليه قيمة (٢) ما ذُكر بطريق الأولى. فعلى هذا يحفظ صفته ويعرّفه عاماً فإذا جاء صاحبه غرمه له. وأما بيعه وحفظ ثمنه؛ فلأنه إذا كان له أكله فلأن يكون له بيعه بطريق الأولى. وأما حفظه والإنفاق عليه من ماله؛ فلأن في ذلك حفظه على صاحبه عيناً ومالاً. وأما كونه يرجع بما أنفقه على الحيوان ناوياً للرجوع بما أنفقه على وجهٍ؛ فلأنه أنفق على اللقطة لحفظها. فكان من مال صاحبها، كمؤونة تجفيف الرطب والعنب. وقد روي عن عمر بن عبدالعزيز «أنه قضى فيمن وجدَ ضالةً فأنفقَ عليها وجاءَ ربُها بأنه يغرمُ له ما أنفق» (٣). وأما كونه لا يرجع على وجهٍ؛ فلأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه فلم يرجع، كما لو بنى داره. وفارق ذلك التجفيف من حيث: إن ذلك أحفظ. بخلاف إبقاء الحيوان. ولأن نفقة التجفيف لا تتكرر، ونفقة الحيوان تتكرر حتى ربما استغرقت ثمنه.

стр. 1698

قال: (الثاني: ما يُخشى فساده. فيتخيّر بين بيعه وأكله. إلا أن يمكن تجفيفه كالعنب فيفعل ما يرى الحظ فيه لمالكه، وغرامة التجفيف منه. وعنه: يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم). أما كون الملتقط يتخير فيما يُخشى فساده، كالطبيخ والبطيخ (١) والتمر الرطب (٢) إذا كان لا يمكن تجفيفه. بين بيعه وبين أكله على المذهب: أما البيع؛ فلأن فيه إبقاء لمالية ذلك. وأما الأكل؛ فلأنه إذا كان له أكل ما لا يتلف بتقدير البقاء فلأن يكون له أكل ما لا يبقى بطريق الأولى. فعلى هذا إن باعه حفظ ثمنه، وإن أكله غرم قيمته. ولم يصرح المصنف ﵀ بذلك؛ اكتفاء بما تقدم. إذ هما سواء في المعنى. وأما كونه يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم على رواية؛ فلأن اليسير يتسامح به. بخلاف الكثير. والأول أولى، لأنه مالٌ أبيحَ له التصرف فيه بالأكل والصدقة. فأبيح له أن يتولى بيع الكثير منه واليسير، كمال نفسه. أو مال أبيح له بيعه عند عدم الحاكم. فجاز عند وجوده، كمال مَوْلِيِّه. وأما كونه يفعل ما يرى فيه الحظ لمالكه فيما يُخشى فساده ويمكن تجفيفه كالعنب والرطب ونحوهما؛ فلأن ذلك أمانة في يده، وفعل الحظ في الأمانة مُتعين. فإن قيل: كيف جاز بيع الحيوان دون هذا؟ قيل: لأن في ترك الحيوان ضرراً وهو النفقة عليه، وخيفة موته. بخلاف هذا. وأما كون غرامة التجفيف منه؛ فلأنه من مصلحته. فكان منه، كما لو كان ذلك ليتيم. قال: (الثالث: سائر المال فيلزمه حفظه). أما قول المصنف ﵀: سائر المال؛ فيشمل ما عدا ما تقدم ذكره، كالأثمان، والمتاع، وغيرهما.

стр. 1699

وأما كون الملتقط يلزمه حفظ ذلك؛ فلأنه أمانةٌ في يده. فلزمه حفظه، كالوديعة. قال: (ويعرِّف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس، كالأسواق، وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولاً كاملاً: من ضاع منه شيء أو نفقة). أما كون الملتقِط يُعَرِّف جميع ما تقدم ذكره بالنداء عليه؛ فلأن النبي ﷺ أمر به زيد بن خالد (١) وأبي بن كعب (٢). ولأن إيصال اللقطة إلى صاحبها مع القدرة عليه واجبٌ، ولا يتم ذلك إلا بالتعريف، وما لا يتم الواجبُ إلا به واجب. وأما كون التعريف كما ذكره المصنف (٣)؛ فلأنه طريقٌ إلى إيصال الحق إلى مستحقه. وفيه تنبيهٌ على أنه يشتمل على أربعة أضرب: مكانه، وزمانه، ومدته، وكيفيته: أما مكانه فكما ذكر المصنف من الأسواق وأبواب المساجد؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها، وذلك طريق إليه. وقد روي عن عمر ﵁ «أنهُ أمرَ واجدَ اللقطةِ بتعريفها على بابِ المسجد» (٤). وفي قوله ﵀: وأبواب المساجد إشعارٌ بأن التعريف لا يفعل في المسجد، وإن كان مجمَع الناس؛ لأن المسجد لم يُبْن (٥) لذلك. وقد روى أبو هريرة عن النبي

стр. 1700

صلى الله عليه وسلم: «من سمعَ رجلاً ينشدُ ضالةً في المسجد فليقل: لا أدّاها الله إليكَ. فإن المساجدَ لم تُبْنَ لهذا» (١) [رواه مسلم] (٢). وأما زمانه فكما ذكره المصنف ﵀ من أوقات الصلوات. والمعتبر فيه النهار دون الليل؛ لأن النهار مَجْمع الناس وتيقظهم فيه. دون الليل. وأما مدته فحول كامل؛ لأن النبي ﷺ قال لزيد بن خالد الجهني: «عرفها سنة» (٣). ولأن السَّنَة لا تتأخر عنها القوافل غالباً، وتمضي فيها الأوقات المشتملة على الحر والبرد والاعتدال. فصلحت مدةً، كمدة أجل العنِّين. وأما كيفيته، فكما ذكره المصنف قبلُ. وقال في المغني: يَذكر جنسها. فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دراهم أو دنانير. ولا يذكر الوصف، فإنه لا يؤمن أن يسمعه أحد فيعرف. ثم يذكره. فيأخذها. قال: (وأجرة المنادي عليه. وقال أبو الخطاب: ما لا يُملك بالتعريف، وما يُقصد حفظه لمالكه: يرجع بالأجرة عليه). أما كون أجرة المنادي على المعرّف على المذهب؛ فلأنه سببٌ لتملكها. فكانت الأجرة عليه، كما لو اكترى شخصاً يقطع له مباحاً. وأما كون أجرة ما لا يملك بالتعريف، وما يُقصد حفظه لمالكه يرجع بها على المالك على قول أبي الخطاب؛ فلأنه من مؤونة إيصالها إليه. فكان على مالكها، كأجرة مخزنها ورعيها (٤) وتجفيفها. ونسب المصنف ﵀ في المغني ما لا يُملك بالتعريف إلى ابن عقيل، وما يُقصد تعريفه إلى أبي الخطاب.

стр. 1701

قال: (فإن لم يُعرف دخل في ملكه بعد الحول حكماً، كالميراث. وعند أبي الخطاب: لا يملكه حتى يختار ذلك. وعن أحمد: لا يَملك إلا (١) الأثمان. وهي ظاهر المذهب. وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين. وعنه: لا تملك لقطة الحرم بحال). أما كون ما لم يُعرف يدخل في ملك الملتقط بعد الحول حكماً، كالميراث على الأول؛ فلأن النبي ﷺ حكم بكونها له فقال في حديث زيد بن خالد: «فإن لم تعرفْ فاستنفقْها» (٢). وفي لفظ: «فهي كسبيلِ مالِك» (٣). وفي لفظ: «فانتفِعْ بها». وفي لفظ: «فشأنكَ بها» (٤). وأما كونه لا يملك ذلك عند أبي الخطاب حتى يختار ذلك (٥)؛ فلأنه يملك بعوض. فلم يحصل إلا باختيار المتملك، كالبيع. وأما كونه لا يَملك إلا الأثمان في ظاهر المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود. ولأنها لقطة لا تُملك في الحرم. فلا تملك في غيره، كالإبل. ولأن الخبر ورد في الأثمان، وغيرها لا يساويها، لعدم الغرض المتعلق بعينها. فمثلها يقوم مقامها من كل وجهٍ. بخلاف غيرها. وظاهر كلام المصنف ﵀ في قوله: فإن لم يعرف دخل في ملكه أن العروض تُملك كالأثمان؛ لأنه عمّم. ثم ذكر عن أحمد رواية: أنها لا تملك. وقد رجح الأول في المغني؛ لأنه ذكر نحواً مما تقدم. ثم قال: ولنا عموم الأحاديث في

стр. 1702

اللقطة جميعها «فإن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: عرِّفهَا سنةً -ثم قال في آخره: - فانتفعْ بها أو فشأنكَ بها» (١). وفي حديث عياض: «منْ وَجَدَ لُقطَةً» (٢). وهو عام (٣). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أتى رجلٌ رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله! كيف ترى في متاعٍ يوجد في الطريق الميتاء، أو قرية مسكونة؟ فقال: عرّفه سنةً. فإن جاء صاحبه، وإلا فشأنكَ به» (٤) رواه الأثرم والجوزجاني. ورويا «أن سفيانَ بن عبدالله وجد عَيْبَةً فأتى بها عمر بن الخطاب. فقال: عرِّفهَا سنة. فإن عُرِفَتْ وإلا فهيَ لك. زاد الجوزجاني: فلم تُعرفْ. فلقيَهُ بها في العام (٥) المقبل فذكرها له. فقال عمر: هيَ لكَ. إن رسول الله ﷺ أمرَنا بذلك» (٦). ولأن ما جاز التقاطه يمُلك (٧) بالتعريف، كالأثمان. وأما كون الملتقِط له الصدقة بالملتقَط الذي لا يُملك على روايةٍ؛ فلما روي عن ابن مسعود «أنه اشترى جاريةً. فذهبَ صاحبها. فجعلَ يتصدقُ بالثمنِ ويقولُ: لصاحبها. فإن أبى قبلنَا، وعلينا الثمن. ثم قال: هكذَا يُصنعُ باللقطة» (٨). ولأن الإنسان ينتفع بماله تارة لمعاشه، وتارة لمعاده. فإذا تعذّر المعاشُ انصرف إلى المعاد.

стр. 1703

ولا بد أن يُلحظ في هذه: الضمان إذا جاء طالبها، كالأموال التي في يده لا يعلم مالكها، وحديث ابن مسعود يدل عليه. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تصرّف في مال الغير بغير إذنه. قال المصنف في المغني: هذا قولٌ قديمٌ رَجع عنه. وأما كون لقطة الحرم لا تملك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال في مكة: لا تَحِلُ ساقطتُها إلا لمُنشد» (١) متفق عليه. قال أبو عبيدة: المُنشِد: المعرّف، والناشد: الطالبُ. فيكون معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرّفها؛ لأنها خُصّت بهذا من بين سائر البلدان. وعن النبي ﷺ «أنه نهَى عن لُقطةِ الحاجّ» (٢) رواه مسلم. قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها. والأول أصح، لما تقدم من عموم الأحاديث. ولأنه أحد الحرمين. أشبه حرم المدينة. ولأنها أمانة. فلا يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة. وقوله ﵇: «إلا لمنشد» (٣) يحتمل أنه يريد إلا لمن عرّفها عاماً. وتخصيصها بذلك لتأكيدها لا لتخصيصها، كقوله ﵇: «ضالةُ المسلمِ حَرقُ النَارِ» (٤)، وضالة الذمي تُقاس عليها. ولأن في ذكر ذلك فائدة هي مفقودة في غير مكة وذلك أنه ربما تُوُهّم أنه لا فائدة في تعريف لقطةِ مكة من حيث إن الناس يتفرّقون شرقاً وغرباً. فنص على التعريف قطعاً لذلك.

стр. 1704

والقول بأن التعريف مطلقاً مرجوحٌ بالنسبة إلى تعريف السنة، لأن اللفظ وإن كان مطلقاً هنا فهو مقيدٌ في بقية الأحاديث. والقول بأن المنشد: الطالب إن (١) لم يُمنع فهو مرجوحٌ بالنسبة إلى استعماله بمعنى المعرف (٢).

стр. 1705

فصل [في التصرف باللقطة] قال المصنف ﵀: (ولا يجوز له التصرّف في اللقطة حتى يَعْرف وِعاءها، ووكاءها، وقَدْرها، وجنسها، وصفتها). أما كون الملتقط لا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها، ووكاءها، وقدرها؛ فلأن النبي ﷺ أمر بذلك كله فقال لزيد بن خالد: «اعرف وكاءَهَا وعِفَاصَهَا» (١)، وفي حديث أبي بن كعب: «اعرف وعاءَهَا ووكاءَهَا وعدَدَهَا» (٢). وأما كونه لا يجوز له التصرف حتى يعرف جنسها وصفتها؛ فلأنه إذا تصرّف فيها انعدمت عينها. فإذا لم يعرف جنسها وصفتها لم يبق سبيلٌ إلى معرفتها. قال: (ويستحب ذلك عند وجدانها، والإشهاد عليها). أما كونه يستحب معرفة ذلك عند وجدان اللقطة؛ فلأن فيه تحصيلاً للعلم بذلك. فإذا جاء صاحبها فوصفها غلب على ظنه صدقه. فيجوز دفعها إليه. وأما كونه يستحب الإشهاد عليها؛ فلأن النبي ﷺ قال: «منْ وجدَ لقطةً فليشهدْ ذَوَيْ عَدل» (٣) رواه أبو داود [والنسائي وابن ماجة] (٤). فإن قيل: هذا أمرٌ، وظاهر الأمرِ الوجوب. قيل: مُسَلَّم. إلا أنه يُحمل على الاستحباب إذا دلّ عليه الدليل، وقد وُجد

стр. 1706

هنا؛ لأن النبي ﷺ أمر زيد بن خالد (١) وأبي بن كعب (٢) بالتعريف دون الإشهاد. فلو وجب الإشهاد لذكره (٣). لا سيما وقد سُئل عن حكم اللقطة. ولأنه أخذ على وجهِ الأمانة. فلا يفتقرُ إلى الإشهاد، كالوديعة. قال: (فمتى جاء طالبها. فوصفها: لزمه دفعها إليه بنمائها المتصل. وزيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول، ولواجدها بعده في أصح الوجهين). أما كون الملتقط يلزمه دفع اللقطة إلى صاحبها الواصف لها؛ فلأن النبي ﷺ قال: «فإن جاءكَ أحد يخبرك بعددها ووعاءها ووكاءها فادفعها إليه» (٤). قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ . وفي حديث زيد: «اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه» (٥) يعني إذا ذكر صفاتها؛ لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث. وأما كونه يلزمه دفع نمائها المتصل؛ فلأنه نماء ملكه. ولأنه لا يمكن انفصاله. ولأن ذلك يتبع في الفسوخ والعقود. وأما كون زيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول؛ فلأنها نماء ملكه. وأما كونها لواجدها بعد الحول في وجهٍ، فلأنه ملكها بانقضاء الحول. فيكون النماء المنفصل نماء ملكه. وأما كونها لصاحب اللُّقطة في وجهٍ؛ فبالقياس على المفلس إذا استُرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة، وعلى الابن إذا استرجَع أبوه ما وهبه له بعد زيادته.

стр. 1707

وصحح المصنف ﵀ الأول. ثم قال: وكذا نقول: الصحيح في الموضعين المذكورين: أن الزيادة المذكورة لا تتبع الأصل. ثم الفرق بينهما وبين اللقطة أن الملتقط يضمن النقص. فتكون الزيادة له ثم ليس على من ذُكر ضمان النقص. فأمكن أن لا تضمن (١) الزيادة. قال: (وإن تلفت، أو نقصت قبل الحول: لم يضمنها. وإن كان بعده ضمنها). أما كون الملتقط لا يضمن اللقطة إذا تلفت أو نقصت قبل الحول؛ فلأنها أمانة في يده. فلم يضمن إذا لم يفرط (٢) فيها، كالوديعة. وأما كونه يضمن ذلك بعده؛ فلأنها دخلت في ملكه بانفصاله وتلفت من ماله، ولا فرق حينئذٍ بين التفريط وعدم التفريط؛ لأن النبي ﷺ قال: «فاستنفقها فإذا طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه» (٣)، وليس المراد العين؛ لأنه أمره بإنفاقها فعلم أن المراد الضمان، وقد أوجبه (٤) عليه من غير تفصيل. قال: (وإن وصفها اثنان قسمت بينهما في أحد الوجهين، وفي الآخر: يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها. وإن أقام آخر بينة أنها له أخذها من الواصف. فإن تلفت ضمنها من شاء من الواصف والدافع إليه. إلا أن يدفعها بحكم حاكم فلا ضمان عليه. ومتى ضمن الدافع رجع على الواصف). أما كون اللقطة تقسم (٥) بين الواصفين في وجهٍ، فلأنهما استويا في السبب الموجب للدفع. أشبه ما لو استويا في السبب (٦) الموجب للنَّقل. وأما كونه يقرع بينهما في وجهٍ، فلأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. قال المصنف في المغني: والذي قلناه أصح -يعني القرعة-؛ لأنها أشبه بالأصول. فيما إذا تداعيا شيئاً في يد غيرهما.

стр. 1708

فعلى هذا (١) من قرع صاحبه أخذها؛ لأن ذلك فائدة القرعة، ويحلف لاحتمال أنها ليست له. وأما كون من أقام بينة أنها له يأخذها من الواصف؛ فلأن البينة أقوى من الوصف. وأما كونه يُضَمِّنها من شاء من الواصف والدافع إليه إذا تلفت وكان الدفع بغير حكم حاكم: أما تضمين الواصف؛ فلأنه أخذ مال غيره بغير إذنه. فتلف عنده. وأما تضمين الدافع؛ فلأنه دفع المال إلى غير صاحبه. أشبه ما لو دفع الوديعة إلى غير مُودعها إذا غلب على ظنه أنه مالكها. وأما كونه لا يضمن الدافع إذا كان بحكم الحاكم؛ فلأنها أُخذت منه كرهاً. فلا ينسب إلى تفريط. وأما كون الدافع إذا ضَمن يرجع على الواصف؛ فلأن التلف حصل في يده. واشترط المصنف في المغني في الرجوع على الواصف: أن لا يكون الدافع أقر له (٢) بالملك بلفظه؛ لأنه إذا اعترف بذلك فقد اعترف أن الواصف هو المحق وأن صاحب البينة ظلمه. وفي كلام المصنف هنا إشعارٌ بأن صاحب البينة إذا ضَمَّن الواصف لا يرجع الواصف على الدافع. وصرح به في المغني؛ لأن التلف حصل في يده. ولأن الدافع لو ضَمِن لرجع على الواصف. فكيف يرجع الواصف عليه؟ .

стр. 1709

فصل [في الملتقط] قال المصنف ﵀: (ولا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها. وقيل: يُضم إلى الفاسق أمينٌ في تعريفها وحفظها). أما كونه لا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً؛ فلعموم ما تقدم من الأدلة. وأما كونه لا فرق بين كونه عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها على المذهب؛ فلما ذكر. وأما كونه يُضم إلى الفاسق أمينٌ فيما ذُكر على قولٍ؛ فلأن الفاسق لا يؤمن على مال غيره، ولا يمكن انتزاعها من يده؛ لأن له فيها حق التملك (١). ونصّ المصنف ﵀ على التعريف؛ لأن الفاسق قد ينقص شيئاً من صفاتها أو يغيّره. فافتقر ذلك إلى مشاركة الأمين، كالحفظ. قال: (وإن وجدها صبي أو سفيه قام وليه بتعريفها. فإذا عرّفها فهي لواجدها). أما كون ولي الصبي والسفيه يقوم بتعريف اللقطة؛ فلأن واجدها ليس من أهل التعريف، وهو يقوم في ماله. فكذلك يقوم في لقطته. وأما كونها لواجدها إذا عرّفها وليه؛ فلأن سبب الملك الوجدان. فاختص بمن وجد منه. وفي قيام الولي (٢) بما ذكر إشعارٌ بأنه (٣) يصح التقاط الصبي والسفيه، وهو صحيح؛ لدخولهما في عموم الأخبار. ولأن ذلك نوع كسب. فصح منهما، كالاصطياد.

стр. 1710

قال: (وإن وجدها عبد فلسيده أخذها منه وتركها معه يتولى تعريفها إذا كان عدلاً. وإن لم يأمن العبد سيده عليها لزمه سترها عنه. فإن أتلفها قبل الحول فهي في رقبته. وإن أتلفها بعده فهي في ذمته). أما كون السيد له أخذ اللقطة من عبده؛ فلأنها من كسب العبد، وأكسابُه لسيده، وللسيد انتزاع كسبه من يده. وأما كونه له تركها في يده مع عدالته؛ فلأنها من كسبه، وله ترك كسبه في يده. وفي كلام المصنف ﵀ ما يُشعر بصحة التقاط العبد بغير إذن سيده. وقد صرح به في المغني، لعموم الأخبار. ولأن الالتقاط سببٌ يَملك به الصبي، ويصح منه. فصح من العبد، كالاحتطاب. ولأن من جاز له قبول الوديعة بغير إذن سيده جاز له أن يأخذ اللقطة، كالحر. فإن قيل: اللقطة قبل الحول أمانة وولاية (١)، وبعده تملكٌ، والعبد ليس من (٢) أهل ذلك. قيل: أما كونها ولاية؛ فباطل بالصبي والمجنون. وأما كونها تملكاً؛ فصحيح. والعبد أهلٌ له. بدليل أنه يصح منه الاصطياد والاحتشاش وغير ذلك. وأما كون العبد يلزمه سترها عن سيده إذا لم يأمنه عليها؛ فلأنه يلزمه حفظها، وذلك وسيلةٌ إليه. وأما كونها في رقبته إذا أتلفها قبل الحول؛ فلأن ذلك من جنايته. فتعلق برقبته، كسائر جناياته. وفي كلامه إشعارٌ بأنها إذا تلفت بغير تفريطٍ لا ضمان عليه. وصرح به في المغني؛ لأنه يصح التقاطه. فلم يضمن إذا لم يفرّط، كالحر.

стр. 1711

وأما كونها في ذمته إذا أتلفها بعده؛ فلأنه غير متعدٍ في إتلافها بعد الحول بالنسبة إلى صاحبها. فوجب تعلقها بذمته لا برقبته. بخلاف إتلافها قبل الحول فإنه متعدٍّ (١). قال: (والمكاتب كالحر. ومن بعضه حرٌّ فهي بينه وبين سيده. إلا أن يكون بينهما مهايأة فهل تدخل في المهايأة؟ على وجهين). أما كون المكاتب هنا كالحر؛ فلأن حكمه كالحر في سائر أكسابه. فكذلك في هذا (٢). وأما كون اللقطة بين من بعضه حر وبين سيده إذا لم يكن بينهما مهايأة؛ فلأنها من كسبه، وكسبه بينهما فكذا هذا. وأما كونها تدخل في المهايأة إذا كانت بينهما مهايأة. وهي: أن يتفق السيد ومن بعضه حر على أن تكون المنافع يوماً لهذا ويوماً لهذا، أو يومين ويومين، أو يوماً ويومين (٣) على الاتفاق في الملك والاختلاف على وجهٍ؛ فلأنها من كسبه. دخلت، كسائر الأكساب. وأما كونها لا تدخل على وجهٍ؛ فلأنها من الأكساب النادرة. والنادر لا يُعلم وجوده. فلا يدخل في المهايأة. قال المصنف في المغني: وحكم سائر الأكساب النادرة من الوصية والركاز (٤) والهدية ونحو ذلك حكم اللقطة. والله أعلم بالصواب.

стр. 1712

باب اللقيط اللَّقيط: فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: قتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. والالتقاط واجب، لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]. ولأن فيه إحياءَ النفس. فكان واجباً، كما لو اضطر إلى طعامه. وهذا الوجوب على الكفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين؛ لأن الغرض يحصل بذلك. قال المصنف ﵀: (وهو الطفل المنبوذ. وهو حرٌ يُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما يُنفق عليه). أما قول المصنف ﵀: وهو الطفل المنبوذ؛ فبيان لمعنى اللقيط. والمنبوذ: الذي نُبذ. أي: طُرح. وأما كون اللقيط حراً. فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حرٌّ. ولأن الأصل في الآدمي الحرية؛ لأن الله خلق آدم وبنيه أحراراً. وإنما يحصل الرق بعارضٍ. فإذا لم يُعلم ذلك العارض بقي على حكم الأصل. وأما كونه يُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما يُنفق عليه؛ فلأن ميراثه مصروف إليه. فكانت نفقته فيه، كالوارث. وروي عن عمر ﵁: «أنه قال في اللقيط: علينا نفقته» (١) وفي رواية: «من بيت المال» (٢).

стр. 1713

قال: (ويُحكم بإسلامه. إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافراً. فإن كان فيه مسلم فعلى وجهين). أما كون اللقيط يحكم بإسلامه إذا وجد في بلاد الإسلام، كالبصرة، والكوفة، ودمشق، ومصر، وما أشبه ذلك. وإن كان فيها أهل الذمة؛ فلظاهر الدار. ولأن الإسلام يَعلو ولا يُعلى. وأما كونه كافراً إذا وجد في بلاد الكفار، كبلاد الهند، والروم، وما أشبهها إذا لم يكن فيها مسلم كتاجرٍ ونحوه؛ فلأنه لم يوجد فيها مسلمٌ يمكن إلصاق اللقيط إليه. ولأن الحكم للدار وهي دار كُفر. وأما كونه يحكم بإسلامه إذا كان فيها مسلم على وجهٍ؛ فتغليب للإسلام. وأما كونه يحكم بكفره على وجهٍ؛ فتغليب للدار. وكل موضع حكم بإسلام اللقيط فهو بطريق الظهور لا بطريق اليقين. بدليل أنه لو أقام كافرٌ بينة أنه ابنه وُلد على فراشه حُكم له به. قال: (وما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود بثيابه: فهو له. وإن كان مدفوناً تحته، أو مطروحاً قريباً منه: فعلى وجهين). أما كون ما وجد مع اللقيط من فراش تحته، أو ثياب عليه، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود بثيابه: له؛ فلأن الطفل يملك، وله يد صحيحة. بدليل أنه يرث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع له. ومن له ملك صحيح فله يدٌ صحيحة، كالبالغ. وأما كون المدفون تحته، والمطروح قريباً منه: له على وجهٍ؛ فبالقياس على المتصل به. ولأن ذلك يُحكم به للبائع. فكذلك الطفل. ألا! ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه حوله، ويحكم له باليد، وكذلك الجمّال يَترك جمله قريباً منه.

стр. 1714

وأما كونه لا يكون له على وجهٍ؛ فلأنه منفصلٌ عنه. فلا يكون له، كما لو كان بعيداً. وقال المصنف في المغني: قال ابن عقيل يعني في المدفون: إن كان الحفر (١) طرياً فهو له، وإلا فليس له. وهو صحيح؛ لأنه إذا كان طرياً غلب على الظن أن الذي ألقاه دفنه لكونه ملك المنبوذ. بخلاف العكس. قال: (وأولى الناس بحضانته واجده إن كان أميناً. وله الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكم. وعنه: ما يدل على أنه لا ينفق عليه إلا بإذنه). أما كون أولى الناس بحضانة اللقيط واجده إن كان أميناً؛ فلأن عمر ﵁ أقرّ اللقيط في يد واجده (٢). ولأنه سبق إليه فكان أولى به؛ لقوله ﵇: «من سبق إلى ما لم يسبقْ إليه أحدٌ فهو أحق به» (٣). واشترط المصنف الأمانة في الواجد؛ لأن عمر أقرّ اللقيط في يد واجده بعد أن علم أنه رجلٌ صالح. ولأن ذلك ولاية. فلا يجوز أن يليها غير عدلٍ، كسائر الولايات. وأما كونه له الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكمٍ على المذهب؛ فلأنه جُعل أميناً على اللقيط. فكان له الإنفاق عليه من ماله بغير إذن الحاكم، كالوصي (٤). وأما كونه لا يُنفق عليه إلا بإذنه على روايةٍ؛ فلأنه إنفاقٌ على صبي. فلم يجز بغير إذن الحاكم، كما لو أنفق على صغيرٍ مودَعٍ (٥) عندَه.

стр. 1715

قال صاحب النهاية فيها: والصحيح قولنا يعني الأول؛ لأن الظاهر أن اللقيط لا ولي له. فجاز أن يُجعل الملتقط ولياً له. وبهذا فارق الصبيُّ المودَعَ. فإن الولاية عليه لغير المستودَع ثابتة. قال: (وإن كان فاسقاً، أو رقيقاً، أو كافراً، واللقيط مسلم أو بدوياً ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية: لم يقرّ في يده). أما كون اللقيط لا يقرّ في يد الفاسق؛ فلأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق. وفارق اللقطة من وجهين: أحدهما: أن في اللقطة معنى التكسب، وليس هنا إلا الولاية. الثاني: أن اللقطة إذا انتزعت منه رُدّت إليه بعد الحول. بخلاف اللقيط فإنه لا يردّ إليه. وأما كونه لا يقرّ في يد الرقيق؛ فلأنه مستحق الخدمة والمنفعة لسيده. ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية، وليس العبدُ من أهلها. وأما كونه لا يُقرّ في يد الكافر إذا كان اللقيط مسلماً؛ فلأن الكافر لا ولاية له على مسلم. ولأنه لا يؤمن أن يفتن المسلم عن دينه. وفي كلام المصنف ﵀ إشعارٌ بأن اللقيط إذا كان كافراً يقرّ في يده. وصرح به في المغني؛ لأن الولاية تثبت لبعض الكفار على بعض. وأما كونه لا يقرّ في يد بدويٍ ينتقل في المواضع؛ فلأن فيه إتعاباً للصبي بتنقله. وأما كونه لا يقرّ في يد من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية؛ فلأنه ينقل اللقيط إلى شدة العيش وجفائه، وفي الأثر: «من بَدَا فقد جَفَا» (١). ولأن فيه تعسراً لمداواته، ومراجعة الطبيب، وانقطاع النسب، وتفويت التأديب والعلم.

стр. 1716

قال: (وإن التقطه في البادية مقيم في حلّهٍ، أو من يريد نقله إلى الحضر: أقرّ معه). أما كون اللقيط يقرّ مع المقيم في حلّه بحيث لا يرحل لطلب الماء والكلأ؛ فلأنه كالمقيم في قرية. وأما كونه يقرّ مع من يريد نقله إلى الحضر؛ فلأنه أنفع له، ويحصل له من الفوائد ما تقدم ذكره. قال: (وإن التقطه في الحضر من يريد النقلة إلى بلد آخر فهل يقر في يده؟ على وجهين). أما كون اللقيط يُقرّ (١) في يد من ذكر على وجهٍ؛ فلأن البلد كالبلد. وأما كونه لا يقرّ على وجهٍ؛ فلأن بلده أقرب إلى ظهور نسبه. قال: (وإن التقطه اثنان قُدم الموسر منهما على المعسر، والمقيم على المسافر. فإن تساويا وتشاحّا أُقْرِع بينهما). أما كون الموسر من الملتقطين يقدم على المعسر، والمقيم على المسافر؛ فلأن ذلك أحظ للقيط، وأَعْوَد لمصلحته. وأما كونهما يقرع بينهما إذا تساويا وتشاحّا؛ فلأنه لا يمكن تسليمه إليهما؛ لما فيه من الضرر اللاحق بالطفل؛ لأنه إذا كان عند أحدهما يوماً وعند الآخر يوماً اختلفت عليه الأغذية والأُنْس والأُلْف. فإذاً يتعين دفعه إلى أحدهما، ولا يمكن ذلك إلا (٢) بقرعة؛ لأن حقَّهما متساوٍ.

стр. 1717

قال: (فإن اختلفا (١) في الملتقط منهما قُدم من له بينة، فإن لم يكن لهما بينة قُدّم صاحب اليد، فإن كان في أيديهما أقرع بينهما، فإن لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما قُدّم، وإلا سلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما). أما كونه يقدم من له بينة على من لا بينة له؛ فلأن البينة تقطع الخصومة، وتُظهر صاحب الحق من غيره. وأما كونه يُقدم صاحب اليد إذا لم تكن بينة؛ فلأن اليد دليلٌ على استحقاق الإمساك ز دليله: الأموال. ولأنه يغلب على الظن أنه هو الملتقط. بخلاف من لا يد له. وأما كونه يقرع بينهما إذا كان في أيديهما؛ فلأنهما تساويا في السبب، ولم يمكن تسليمه إليهما لما تقدم. فتعينت القرعة، كما تقدم. وأما كون الواصف يقدم بالوصف إذا لم تكن يدٌ؛ فلأن اللقيط نوع من اللقطة. فيقدم فيه بالوصف، كلقطة المال. ولأن الوصف دليل على قوة اليد. فكان مُقدماً به. وأما كون الحاكم يسلم اللقيط إلى من يرى [منهما أو من غيرهما إذا لم يكن وصف؛ فلأنه لم يوجد لأحدهما شيء يقتضي ترجيحه. فكانت الخيرة للحاكم] (٢) في دفعه إلى من يحضنه، كغير اللقيط إذا لم يكن له قريبٌ، أو كان له جماعة لا مزيّة لأحدهم على الآخر.

стр. 1718

فصل [في أحكام اللقيط] قال المصنف ﵀: (وميراث اللقيط وديته إن قُتل لبيت المال. وإن قُتل عمداً فوليه الإمام: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية). أما كون ميراث اللقيط وديته إن قُتل لبيت المال؛ فلأنه مسلم لا عَصَبة له (١) ولا ذا فرضٍ. فكان ماله وديته لبيت المال، كغير اللقيط. وأما كون وليه الإمام؛ فلأن الإمام ولي من لا ولي له، وهذا لا وليَّ له. وأما كونه إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية إذا قُتل عمداً، فكسائر الأولياء. ولا بد أن يُلحظ هنا أن ذلك خِيَرَة مصلحة لا خيرة تَشَهِّي؛ لأن الإمام يتعين عليه فعل الأصلح. بخلاف بقية الأولياء. قال: (وإن قُطع طرفُه عمداً انتُظر بلوغه. إلا أن يكون فقيراً، أو مجنوناً: فللإمام العفو على مالٍ ينفق عليه). أما كون اللقيط يُنتظر بلوغه إذا قُطع طرفه ولم يكن فقيراً ولا مجنوناً؛ فلأن مستحق الاستيفاء المجني عليه، وهو حينئذٍ لا يصلح له. فانتظر بلوغه ليستوفي حقه عند أهليته للاستيفاء. وأما كون الإمام له العفو على مالٍ ينفق عليه منه إذا كان فقيراً أو مجنوناً؛ فلأن الانتظار هنا لا ينتهي إلى حدٍ معلوم؛ لأن الجنون قد لا يفارقه. وفارق هذا ما إذا كان الصغير فقيراً عاقلاً من حيث إن الصغر له حدٌ معلوم ينتهي إليه.

стр. 1719

قال: (وإذا ادعى الجاني عليه، أو قاذفُه: رقَّه. وكذبه اللقيط بعد بلوغه: فالقول قول اللقيط. وإن ادعى إنسان أنه مملوكه لم يقبل إلا ببينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه. ويحتمل أن لا يعتبر قولها في ملكه). أما كون القول قول اللقيط في نفي رقه؛ فلأنه محكومٌ بحريته. ولأن قوله يعضده الأصل. إذ الأصل عدم رقه. وأما كون من ادعى أنه مملوكه لا يقبل إلا ببينة؛ فلأن مجرد الدعوى لا تكفي في انتزاع المدعي. والأصل فيه قوله ﵇: «لو يُعطَى الناسُ بِدعواهُم لادعَى أُناسٌ دِماءَ رجالٍ وأموالهم. ولكن البينةَ على المدعي واليمينَ على من أنكر» (١). وأما كونه يقبل قوله مع البينة؛ فلأن البينة تُظهر الحق. وأما كون البينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه على المذهب؛ فلأنها إذا ولدت قبل ملكه لها يَصْدُق أنها ولدته. فلا بدّ من قولها في ملكه ليخرج ذلك. وليس مراد المصنف ﵀ أنه لا بدّ من بينة تشهد على الصفة المذكورة بل لو أقام بينة بأن اللقيط مملوكه كانت كافية، ولم يحتج إلى أن أمته ولدته في ملكه؛ لأنه يجوز أنه اشتراه أو اتهبه أو نحو ذلك. وصرح بذلك في المغني، وقال: إن شهدت بينة أنه عبده أو ملكه حكم بها وإن لم يذكر سبب الملك، كما لو شهدت بملك دارٍ أو عبد. وأما كونه يحتمل أن لا يعتبر قول البينة في ملكه؛ فلأن قوله (٢) أن أمته ولدته بمنزلة قولها في ملكه. والأول أصح، لما تقدم ذكره.

стр. 1720

قال: (وإن أقرّ بالرق بعد بلوغه لم يقبل. وعنه: يقبل. وقال القاضي: يقبل فيما عليه روايةً واحدةً، وهل يقبل في غيره؟ على روايتين). أما كون اللقيط لا يقبل إقراره بالرق بعد بلوغه من غير تفصيلٍ على المذهب؛ فلأنه يُبطل حق الله تعالى من الحرية المحكوم بها. وأما كونه يقبل على روايةٍ؛ فلأنه مجهول الحال. أقرّ بالرق. فقبل، كما لو أقر غير اللقيط بالرق. واشترط المصنف ﵀ في المغني في هذا: أن لا يكون أقرّ بالحرية قبل ذلك؛ لأنه إذا أقرّ بذلك اعترف بالحرية، وهي حقٌ لله تعالى. ولأنه يكون مكذباً لقوله بقوله. فلم يقبل إقراره، كما لو أقرّ بمالٍ ثم جحده. وأما كونه يقبل فيما عليه رواية واحدة على قول القاضي؛ فلأن الضرر يعود على نفسه. فلا تلحقه التهمة. وأما كونه هل يقبل في غيره؟ على روايتين؛ فوجههما ما تقدم. قال: (وإن قال: إني كافر لم يُقبل قوله، وحكمه حكم المرتد. وقيل: يُقْبل قوله. إلا أن يكون قد نطق بالإسلام وهو يعقله). أما كونه لا يُقبل قوله في ذلك على المذهب؛ فلأنه محكوم بإسلامه. وأما كون حكمه على ذلك حكم المرتد؛ فلأنه أقرّ بالكفر. فعلى هذا إن تاب وإلا قُتل؛ لأن المرتد هكذا يُفعل به. وأما كونه يقبل قوله إذا لم يكن نطق بالإسلام وهو يعقله على قولٍ؛ فلأن إسلامه لم يثبت يقيناً. وأما كونه لا يقبل قوله إذا كان نطق بالإسلام؛ فلأن إسلامه ثبت يقيناً فلم يقبل إقراره بالكفر، كالمسلم إذا أقرّ بكفر نفسه. والأصح أنه لا يقبل مطلقاً؛ لأن الحكم بالإسلام ملحقٌ بالإسلام اليقيني، واللقيط محكومٌ بإسلامه.
следующие страницы →