← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وأما كونه لا يُشاركه المشتري في وجهٍ، فلأن ملك المشتري لم يستقر على المبيع. بدليل أن للشفيع أخذه (١) بعد البيع الثاني فلم يستحق به شفعة. وأما كونه لا يُشاركه إذا أخذ بالأول؛ فلأنه لم يَسبق له شركة. وأما كونه لا يُشاركه في شفعة الأول إذا أخذ بالبيعين؛ فلما ذكر من عدم الشركة. وأما كونه يُشاركه في شفعة الثاني ففيه وجهان، وجههما ما تقدم قبل. قال: (وإن اشترى اثنان حقَّ واحد فللشفيع أخذ حقِّ أحدهما. وإن اشترى واحدٌ حقَّ اثنين، أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين). أما كون الشفيع له أخذ حق أحد الشريكين المشتريين حقَّ واحد؛ فلأن العقد مع الاثنين بمنزلة عقدين. وأما كونه له أخذ أحد الحقين إذا اشترى واحد حق اثنين على وجهٍ؛ فلأن تعدد البائع كتعدد المشتري. وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلأن فيه تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر (٢) عليه. والأول أصح، لما ذكر من التعدد. وأما كونه له أخذ أحد الشقصين إذا اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة على وجهٍ؛ فلأن الضرر قد يلحقه بأرضٍ دون أرض. وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلما ذكر من التبعيض على المشتري. والأول أصح؛ لما ذكر. ولأن كل واحدٍ منهما يُستحق بسببٍ غير الآخر. فجرى مجرى الشريكين.

стр. 1647

قال: (وإن باع شقصاً وسيفاً فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن. ويحتمل أن لا يجوز). أما كون الشفيع له أخذ الشقص بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأن الشقص تجب فيه الشفعة إذا بيع منفرداً. فكذلك إذا بيع مع غيره. فعلى هذا يُقَوَّم، ويؤخذ بقيمته. وأما كونه يحتمل أن لا يجوز؛ فلأن في ذلك تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر به. قال: (وإن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن. وقال ابن حامد: إن كان تلفه بفعل الله تعالى فليس له أخذه إلا بجميع الثمن). أما كون الشفيع له أخذ (١) الباقي من التالف بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأنه تعذّر أخذ الكل. فجاز أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي. وأما كونه ليس له الأخذ إلا (٢) بجميع الثمن إذا كان تلفه بفعل الله على قول ابن حامد؛ فلأن في أخذه بالبعض إضراراً بالمشتري، فلم يكن له ذلك، كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع.

стр. 1648

فصل [الشرط الخامس] قال المصنف ﵀: (الخامس: أن يكون للشفيع ملك سابق. فإن اشترى اثنان داراً صفقة واحدة فلا شفعة لأحدهما على صاحبه. فإن ادعى كل واحد السبق، فتحالفا، أو تعارضت بينتاهما: فلا شفعة لهما). أما كون الخامس من شروط الشفعة: أن يكون للشفيع ملك سابق؛ فلأن الشفعة ثبتت لإزالة الضرر عن شريك البائع، فإذا لم يكن له ملك سابق على الشراء لم يكن شريكاً للبائع. وأما كونه لا شفعة لأحد المشتريين داراً صفقة واحدة على صاحبه؛ فلأن شرط استحقاق الشفعة سبقُ الملك، وهو معدوم هنا. وأما كونه لا شفعة لهما إذا ادعى كل واحدٍ منهما السبق فتحالفا أو تعارضت بينتاهما؛ فلأن من شرطها أن يكون الملك سابقاً على الشراء ولم يتحقق ذلك. قال: (ولا شفعة بشركة الوقف في أحد الوجهين). أما كونه لا شفعة بشركة الوقف في وجهٍ، فلأن مستحق الوقف: إما غير مالك، والشفعة لا تثبت لغير المالك. وإما مالك لكن ملكه غير تام لكونه لا يستفيد به تصرفاً في الرقبة. والملك غير التام لا يستفاد به ملك تام. ولأن الوقف لا تستحق فيه الشفعة. فلم تجب به، كغير المنقسم. وأما كون الشفعة تستحق بذلك في وجهٍ؛ فكالملك الطَّلْق. وقال المصنف في المغني: قال أبو الخطاب: هذا -يعني هذين الوجهين- ينبني على الملك في الوقف، وفيه روايتان. فإن قيل: الوقف مملوك تثبت فيه الشفعة، وإلا فلا.

стр. 1649

فصل [إذا تصرف المشتري في المبيع] قال المصنف ﵀: (وإن تصرّف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقفٍ، أو هبةٍ: سقطت الشفعة. نص عليه. وقال أبو بكر: لا تسقط). أما كون الشفعة تسقط بالتصرف بما ذُكر على المنصوص؛ فلأن الشفعة تثبت في المملوك للمشتري، وقد خرج هذا عن كونه مملوكاً له. وأما كونها لا تسقط على قول أبي بكر؛ فلأن حقَّ الشفيع سابق على ما ذكر. فلم يكن للمشتري التصرف بما يبطل حقه. ولأن الشفيع يملك فسخ البيع مع إمكان الأخذ به، فلأن يملك فسخ عقدٍ لا يمكنه الأخذ به بطريق الأولى. قال: (وإن باع فللشفيع الأخذ بأيّ البيعين شاء. فإن أخذ بالأول رجع الثاني على الأول). أما كون الشفيع له الأخذ بأيّ البيعين شاء؛ فلأن كل واحدٍ منهما له ملك سابقٌ عليه. وأما كون الثاني يرجع على الأول إذا أخذ الشفيع بالبيع الأول؛ فلأنه لم يُسَلَّم له المعوض (١). فكان له الرجوع بالعوض. قال: (وإن فسخ البيع بعيب، أو إقالة، أو تحالف: فللشفيع أخذه. ويأخذه في التحالف بما حلف عليه البائع). أما كون الشفيع له أخذ ذلك مع الفسخ بما ذُكر؛ فلأن حقه سابقٌ على ذلك كله، ولا يمكنه الأخذ بما وجد بعد البيع.

стр. 1650

فإن قيل: الإقالة: إن قيل (١) هي فسخ لا تُستحق بها شفعة، وإن (٢) قيل: هي بيع تُستحق بها الشفعة. وهاهنا قد حكم المصنف ﵀ بالأخذ مطلقاً. قيل: الأخذ هنا بالبيع لا بالإقالة. وأما الأخذ بالإقالة فصورته: أن شخصاً حصل له نصيبٌ في عقارٍ بعد أن باع بعض الشركة نصيبه. ثم يقايل هو والمشتري بعد أن ملك الشخص النصيب. فهاهنا هل يملك الشخص الشفعة؟ ينبني على أن الإقالة فسخ أو بيع. أما الشريك هنا فملكه سابقٌ على البيع، فبنفس البيع استحق الشفعة. فإن قيل: ينبغي أن لا يستحق الشفعة؛ لأن الإقالةَ رفعت البيع، وإذا ارتفع البيع زال سبب الاستحقاق. قيل: الإقالة إما بيعٌ وإما فسخٌ في الحال. ولا يصح أن يكون رفعا للعقد، وإلا لوجب على المشتري ردّ الكسب والولد ونحو ذلك؛ لأن العقد لو ارتفع لكان ذلك كله نماء ملك البائع. وأما كونه يأخذه في التحالف بما (٣) حلف عليه البائع؛ فلأن الإنسان لا يجبر على نقل ملكه بغير ثمنٍ يرضيه، ولهذا ردّ المبيع في مسألة التحالف إلى البائع. قال: (وإن أجّره أخذه الشفيع، وله الأجرة من (٤) يوم أخذه. وإن استغله فالغَلّة له. وإن أخذه الشفيع وفيه زرع أو ثمرة ظاهرة فهو للمشتري مبقىً إلى الحصاد والجذاذ). أما كون الشفيع له الأخذ مع إجارة المشتري للمشفوع؛ فلأن الإجارة لا تمنع ملك الملك. بدليل أنه يصح بيع المؤجَّر. وأما كون الأجرة له من يوم أخذه؛ فلأنها نماء ملكه بحكم الشفعة. أشبه ما لو اشتراه.

стр. 1651

وأما كون الغلّة التي استغلها المشتري له؛ فلأن الخراج بالضمان. ولو تلف المبيع كان من ضمانه. فكذلك تكون غلته له. وأما كون الزرع أو الثمرة الظاهرة للمشتري مبقىً إلى الحصاد والجذاذ إذا أخذ المشفوعَ وفيه ذلك؛ فلأن المشتري فعل ذلك في ملكه. أشبه ما لو اشترى أرضاً فيها زرع أو ثمرة ظاهرة. ولأن جميع ما ذُكر حَدَثَ في ملك المشتري. وأَخْذُ الشفيع له بمنزلة شراءٍ ثانٍ. أشبه ما لو اشتراه ابتداء. فإن قيل: إذا كان بمنزلة شراءٍ ثانٍ يجب أنه إذا أخذه وقد أجّره المشتري لا يستحق الأجرة، كما لو اشترى عيناً مؤجرة. قيل: الشفيع يستحق الانتزاع على الوجه الذي وقع عليه العقد، والعقد وقع مشتملاً على المنفعة. فمقتضى هذا أن يستحق نفس المنفعة. لكن عارضه أن المشتري تصرف فيها بالإجارة، وتصرفه نافذٌ لكونه مالكاً، وإذا تعذر أخذ عين المنفعة وجب الرجوع ببدلها لكونه غير متعذر. قال: (وإن قاسم المشتري وكيل الشفيع، أو قاسم الشفيع لكونه أَظْهَرَ له زيادة في الثمن أو نحوه، أو غرس، أو بنى: فللشفيع أن يدفع إليه قيمة الغراس والبناء ويملكه أو يقلعه، ويضمن النقص. فإن اختار أخذه فأراد المشتري قلعه فله ذلك، إذا لم يكن فيه ضرر). أما كون الشفيع له الخيرة بين دفع ما ذكر وملكه له وبين قلعه وضمان نقصه؛ فلأن ضررهما لا يزول إلا بذلك، وقد قال ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» (١) رواه ابن ماجة. وأما كون المشتري له قلع ذلك مع اختيار الشفيع الأخذ؛ فلأن ذلك ملكه. واشترط المصنف ﵀ في كون المشتري له القلع عدم الضرر على الشفيع؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.

стр. 1652

قال: (وإن باع الشفيع ملكه قبل العلم لم تسقط شفعته في أحد الوجهين. وللمشتري الشفعة فيما باعه الشفيع في أصح الوجهين). أما كون الشفيع لا تسقط شفعته إذا باع ملكه قبل علمه ببيع نصيب شريكه في وجهٍ قاله أبو الخطاب؛ فلأنها تثبت له. فلا تسقط بالبيع بعده. وأما كونها تسقط في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأنها تثبت لإزالة الضرر الحاصل بالشركة، وقد زال بالبيع. ولأنه زال السبب الذي تستحق به الشفعة، وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه، فصار كمن اشترى معيباً فلم يعلم بعيبه حتى زال أو حتى باعه. وأما كون المشتري له الشفعة فيما باعه الشفيع في وجهٍ، فلأن له ملكاً سابقاً على بيع الشفيع. فملك الأخذ به. وأما كونه لا شفعة له في وجهٍ، فلأن ملكه ضعيف، لكونه بعَرَضِيَّة الأخذ بالشفعة. قال: (وإن مات الشفيع بطلت الشفعة. إلا أن يموت بعد طلبها فتكون لوارثه). أما كون الشفعة تبطل بالموت قبل طلبها؛ فلأن الشفعة حقُّ فسخٍ، ثبت لا لفوات جزء. فلم يورث، كالرجوع في الهبة. ولأنه نوع خيار جعل للتمليك. أشبه خيار القبول. ويتخرّج أن لا يبطل (١)، كخيار الرد بالعيب. والفرق بينهما: أن خيار الرد ثبت لفوات جزء وقد نبّه على ذلك فيما تقدم من قوله: لا لفوات جزء. وأما كونها لا تبطل إذا طلبها الشفيع ثم مات؛ فلأن الشقص يصير ملكاً له بنفس الطلب. فعلى هذا يكون لوارثه من بعده، كسائر حقوقه.

стр. 1653

فصل [في الثمن الذي يأخذ به الشفيع] قال المصنف ﵀: (ويأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع العقد عليه. وإن عجز عنه، أو عن بعضه: سقطت شفعته). أما كون الشفيع يأخذ المبيع بالثمن المذكور؛ فلأن في حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «هو أحق به بالثمن» (١). رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم. ولأن الشفيع إنما يستحق الشقص بالبيع. فكان مستحقاً له بالثمن، كالمشتري. فإن قيل: ينبغي أن يأخذه بقيمته، كالمضطر إلى طعام غيره. قيل: المضطر استحقه بسبب حاجته فكان المرجع (٢) في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقه لأجل البيع. ولهذا لو انتقل بهبة أو ميراث لم يستحق الشفعة. وإذا استحق ذلك بالبيع وجب أن يكون بالعوض الثابت بالبيع. وأما كون الشفعة تسقط بالعجز عن الثمن أو عن بعضه؛ فلأن الأخذ بلا ثمن، أو ببعض الثمن: ضررٌ بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر. قال: (وما يُحَطُّ من الثمن، أو يُزاد فيه في مدة الخيار: يُلحق به. وما كان بعد ذلك لا يلحق). أما كون ما يُحَطُّ من الثمن أو يُزاد فيه في مدة الخيار يلحق بالثمن؛ فلأن زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، والتغيير اللاحق حالة العقد ملحقٌ. فكذلك ما هو بمنزلته. وأما كون ما بعد ذلك لا يُلحق به؛ فلأن الزيادة حينئذٍ هبةٌ، يشترط لها شروط الهبة، والنقصان إبراء. فلا يثبت شيء منهما في حق الشفيع.

стр. 1654

ولأن (١) ذلك وجد بعد استقرار العقد. فلم يثبت في حق الشفيع، كما لو وهب أحدهما الآخر (٢) عيناً أخرى. قال: (وإن كان مؤجلاً أخذه الشفيع بالأجل إن (٣) كان ملياً، وإلا أقام كفيلاً ملياً وأخذ به). أما كون الشفيع يأخذ المشفوع المبيع بثمنٍ مؤجلٍ بالأجل؛ فلأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته. وأما قول المصنف ﵀: إن كان ملياً وإلا أقام كفيلاً ملياً؛ فتنبيهٌ على اشتراط الملاءة أو إقامة الشفيع كفيلاً ملياً في استحقاق الشفعة؛ لأنه لو أخذ بدون ذلك لتضرر المشتري، والضرر لا يزال بالضرر. قال: (وإن كان الثمن عرضاً أعطاه مثله إن كان ذا مثل، وإلا قيمته). أما كون الشفيع يعطي المثل إذا كان الثمن (٤) مِثْلِياًّ، كالحنطة والشعير ونحو ذلك؛ فلأنه أقرب إلى مساواة ما دفعه. ولهذا يجب المثل في الإتلاف، والقرض، ونحو ذلك. وأما كونه يعطى القيمة إذا كان عرضاً لا مثل له، كالثياب والحيوان، فلتعذر المثل. ولأن (٥) ذلك بدله في الإتلاف. وفي كلام المصنف ﵀ تنبيهٌ على أن كون الثمن غير مثلي لا يمنع استحقاق الشفعة. وصرح به في المغني؛ لأنه أحد نوعي الثمن. فجاز أن تثبت به الشفعة، كالمثلي.

стр. 1655

قال: (وإن اختلفا في قدر الثمن فالقول قول المشتري. إلا أن يكون للشفيع بينة). أما كون القول قول المشتري فيما ذُكر إذا لم تكن للشفيع بينة؛ فلأن الملك له، فلا ينزع من يده بقول المدعي. ولأنه العاقد فهو أعرفُ بالثمن. وأما كونه لا يقبل قوله إذا كان للشفيع بينة؛ فلأنها تكذّبه. قال: (وإن قال المشتري: اشتريته بألف، وأقام البائع بينة أنه باعه بألفين: فللشفيع أخذه بألف. فإن قال المشتري: غلطتُ. فهل يُقبل قوله مع يمينه؟ على وجهين). أما كون الشفيع يأخذ المشفوع بألفٍ إذا قال المشتري: اشتريته بذلك، وأقام البائع بينة بألفين؛ فلأن المشتري يقر بأن البينة كاذبة، وأنه ظلم في الألف الآخر. فلم يستحق الرجوع به. وأما كون المشتري إذا قال: غلطتُ لا يقبل قوله مع يمينه على وجهٍ؛ فلأنه رجع عن إقراره بعد تعلق حق غيره. وأما كونه يُقبل على وجهٍ؛ فلأنه لو أخبر في المرابحة بثمنٍ، ثم قال: غلطتُ قُبِل. فكذا هذا. قال: (وإن ادعى أنك اشتريته بألف، فقال: بل اتهبته أو ورثته: فالقول قوله مع يمينه. فإن نكل عنها، أو قامت للشفيع بينة: فله أخذه، ويقال للمشتري: إما أن تقبل الثمن، وإما أن تبرئ منه). أما كون القول قول مدعي الهبة والميراث مع يمينه؛ فلأن الأصل معه. ولأن المثبت للشفعة البيع، ولم يتحقق. وأما كونه يحلف، فلاحتمال صدق خصمه. وأما كون الشفيع له الأخذ إذا نكل المشتري عن اليمين؛ فلأن النكول قائمٌ مقام الإقرار. ولو أقرّ بالبيع لأخذ بالشفعة. فكذلك (١) ما قام مقامه.

стр. 1656

وأما كونه له الأخذ إذا قامت له بينة؛ فلأن البيع يثبت بحقوقه. والأخذ بالشفعة من حقوقه. وأما كونه يقال للمشتري بعد أخذ المشفوع منه: إما أن تقبل الثمن، وإما أن تبرئ منه؛ فلأن الثمن صار مستحقاً له. فيقال له ذلك لتحصل براءة الشفيع. قال: (وإن كان عوضاً في الخلع، أو النكاح، أو عن دم عمد فقال القاضي: يأخذه بقيمته. وقال غيره: يأخذه بالدية، ومهر المثل). أما كون الشفيع يأخذ ما ذكر بقيمته على قول القاضي؛ فلأنه مَلَك الشِّقْص القابل للشفعة ببدلٍ، ليس بمثلي. فوجب الرجوع إلى القيمة، كما لو ملكه بسلعة لا مثل لها. وأما كونه يأخذه بالدية ومهر المثل على قول غيره؛ فلأن ذلك بدل المشفوع. فوجب أن يؤخذ به، كالثمن. واعلم أن الاختلاف في صفة الأخذ يعتمد الأخذ بالشفعة في الصور (١) المذكورة. وفيه وجهان: أحدهما: لا شفعة فيها. قال المصنف ﵀ في المغني: ظاهر كلام الخرقي أنه لا شفعة فيه، وهو قول أبي بكر. ثم قال: قال (٢) القاضي: هو قياس المذهب؛ لأن ما يقابل المبيع ليس بمال. ولأن الأخذ: إما بالقيمة وهو ممتنع؛ لأنه ليس بعوض للمبيع، وإما بالمهر وفيه تقويم البضع على الأجانب وإضرار بالشفيع؛ لأن مهر المثل يتفاوت مع المسمى؛ لأن المهر يُسامح به في العادة. بخلاف البيع. فإن قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أن القاضي يثبت استحقاق الشفعة، وما ذكر في المغني يناقضه!

стр. 1657

قيل: قول القاضي هنا في صفة الأخذ لا في أصله. ويجب حمل كلامه هنا على ذلك دفعاً للتناقض، وقد صرح بذلك في المغني فقال: وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة. ثم قال: قال القاضي: قياس قول ابن حامد يأخذ الشقص بقيمته. والوجه الثاني: فيه الشفعة؛ لأنه عقد معاوضةٍ. فجاز أن تثبت الشفعة في الأرض المملوكة به، كالبيع.

стр. 1658

فصل [مسائل من الشفعة] قال المصنف ﵀: (ولا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه. نص عليه. ويحتمل أن يجب). أما كونه لا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه على المنصوص؛ فلأن في الأخذ التزام المشتري بالعقد (١) قبل رضاه بالتزامه، وإيجاب العهدة عليه، وتفويت (٢) حقه من الرجوع في عين الثمن. وأما كونه يحتمل أن يجب؛ فلأن الملك انتقل إلى المشتري. فوجب أن تجب الشفعة لشريكه؛ لإزالة ضرر الشركة. قال: (وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري فهل تجب الشفعة؟ على وجهين). أما كون الشفعة فيما ذُكر تجب على وجهٍ؛ فلأن البائع أقرّ بحقين: حقٌ للمشتري، وحقٌ للشفيع. فإذا سقط حق المشتري بإنكاره لم يسقط حق الشفيع، كما لو أقرّ بدارٍ لرجلين، فأنكر أحدهما. وأما كونها لا تجب على وجهٍ؛ فلأن الشفعة فرعُ البيع، فإذا لم يثبت البيع لم يثبت فرعُه. قال المصنف في المغني: نصر الشريف أبو جعفر في مسائله يعني الأول. وقال: لا نصّ فيه عن أحمد. قال: (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع).

стр. 1659

أما كون عهدة الشفيع على المشتري. ومعناها (١): أن الشفيع إذا أخذ الشقص فوجده مستحقاً، فعهدة الرجوع بالثمن على المشتري لا على البائع؛ فلأن الشفيع يملكه من جهة المشتري. فوجب أن يرجع عليه؛ لكونه بائعه. ولأن الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري، ثم يزول الملك من المشتري إلى الشفيع بالثمن. فكانت العهدة عليه، كما لو أخذه منه ببيع. وأما كون عهدة المشتري على البائع. ومعناها: أنه إذا رجع عليه يرجع هو على البائع؛ فلأن ملكه من جهته. فكان له الرجوع عليه؛ لما ذكر في الشفيع مع المشتري. قال: (فإن أبى المشتري قبض المبيع أجبره الحاكم عليه. وقال أبو الخطاب: قياس المذهب أن يأخذه الشفيع من يد البائع). أما كون الحاكم يجبر المشتري على قبض المبيع؛ فلأن القبض واجب ليحصل حق الشفيع من تسليمه. ومن شأن الحاكم: أن يجبر الممتنع على فعل ما يجب فعله؛ لما فيه من قطع التنازع. وأما كون الشفيع يأخذ المشفوع من يد البائع على قول أبي الخطاب؛ فلأن البيع يلزم من غير قبض. قال: (وإذا ورث اثنان شقصاً عن أبيهما، فباع أحدهما نصيبه: فالشفعة بين أخيه وشريك أبيه. ولا شفعة لكافر على مسلم). أما كون الشفعة بين الوارث (٢) وشريك أبيه؛ فلأنهما شريكان حال ثبوت الشفعة. فكان بينهما، كما لو ملكا كلاهما (٣) بسببٍ واحد. ولأن الشفعة تثبت لدفع ضرر (٤) الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته وهو موجود هاهنا.

стр. 1660

وأما كون الكافر لا شفعة له على مسلمٍ؛ فلما روى الدارقطني في العلل بإسناده عن أنس أن (١) النبي ﷺ قال: «لا شُفعة لنصراني» (٢). ولأنه معنى يُملك به، يترتب وجوبه على وجود ملكٍ مخصوصٍ. فلم تجب للذمي على المسلم، كالزكاة. ولأنه معنى يختص العقار، فلا يثبت لذمي على مسلم؛ كالاستعلاء في البنيان. وفي قول المصنف ﵀: ولا شُفعة لكافرٍ على مسلمٍ؛ إشعارٌ بأن للذمي على الذمي شُفعة. وصرح به في المغني؛ لعموم الأدلة المقتضية لثبوت الشفعة، وزوال المعنى المذكور في المسلم. قال: (وهل تجب الشفعة للمضارب على رب المال، أو لرب المال على المضارب فيما يشتريه للمضاربة؟ على وجهين). أما كون الشفعة تجب للمضارب -والمراد بذلك: أن المضارب إذا كان له شقص في دارٍ، فاشترى بمال المضاربة بقيتها- على وجهٍ؛ فلأن في ذلك دفعاً لضرر الشركة. وأما كونها لا تجب على وجهٍ؛ فلأن له في مال المضاربة تعلقٌ (٣) في الجملة. أشبه رب المال. وقال المصنف في المغني: إن لم يكن له في مال المضاربة ربحٌ فله الشفعة. وإن كان فيها (٤) ربحٌ، وقلنا: لا يملكه بالظهور فكذلك. وإن قلنا: يملكه بالظهور ففيه وجهان، كما في رب المال. وقال صاحب النهاية فيها بعد أن حكى قريباً مما ذُكر: وعندي أنه لا شُفعة للعامل فيما اشتراه، كالوكيل والوصي.

стр. 1661

وأما كون الشفعة تجب لرب المال على المضارب -والمراد بذلك: أن يكون له شقصٌ في دارٍ فيشتري المضارب من مال المضاربة بقيتها- على وجهٍ؛ فلأن مال المضاربة كالمنفرد بنفسه لتعلق حق الغير به. ولأن المضارب يستحق البيع، ورب المال يثبت الملك لنفسه بالشفعة ليقطع حق العامل من ذلك، وصار ذلك بمنزلة ما إذا كان المشتري شريكاً، فإن الشفعة بينه وبين شريكه، وهذه شفعة في الحقيقة لم تجلب ملكاً وإنما أثبتته وقررته. فكذلك هاهنا. وأما كونها لا تجب له على وجهٍ؛ فلأن الملك وقع له. فلا يستحق الشفعة على نفسه. وقال المصنف في المغني: هذان الوجهان مبنيان على شراء رب المال من مال المضاربة. وقال صاحب النهاية فيها بعد أن ذكر التعليل المذكور قبل: هذا تكلّف. والصحيح نفي الشفعة. والشقص كسائر أموال القراض. والله أعلم (١).

стр. 1662

باب الوديعة والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وأما السنة فقول النبي ﷺ : «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنكَ، ولا تَخُنْ منْ خَانَكْ» (١). رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن. وأما الإجماع فأجمع المسملون في الجملة على جواز الإيداع والاستيداع. وأما المعنى؛ فلأن بالناس حاجة إليها؛ لأنهم يتعذر عليهم حفظ جميع أموالهم بأنفسهم. قال المصنف ﵀: (وهي أمانة. لا ضمان عليه فيها. إلا أن يتعدى). أما كون الوديعة أمانة؛ فلأن الله تعالى سماها أمانة. وأما كون المودَع لا ضمان عليه فيها إذا لم يتعد؛ فلأن الضمان ينافي الأمانة، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «منْ أَودعَ وَديعةً فلا ضَمانَ عليه» (٢) رواه ابن ماجة. ولأنه قول جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر وعلي ﵄. ولأن المستودَع إنما يحفظها لصاحبها، فلو ضُمِنَت لامتنع الناس من قبول الودائع وذلك مضر؛ لما فيه من مسيس الحاجة إليها. وأما كونه عليه الضمان إذا تعدى؛ فلأن التعدي يوجب الضمان حيث وجد، وقد وجد هنا. قال: (وإن تلفت من بين ماله لم يضمن في أصح الروايتين). أما كون المودَع لا يضمن ما ذُكر على الصحيح من المذهب؛ فلما ذكر قبل.

стр. 1663

وأما كونه يضمن على روايةٍ، فلما روي «أن أنساً كانت عنده وديعة فذهبت. فرفع الأمر إلى عمر. فقال: هل ذهب معها شيء؟ قال: لا. فقال: اغرمها» (١). قال المصنف في المغني: قال القاضي: الأولى أصح؛ لما ذكر قبل. وحديث عمر محمولٌ على التفريط. قال: (ويلزم حفظها في حرز مثلها. فإن عيّن صاحبها حرزاً، فجعلها في دونه: ضمن. وإن أحرزها بمثله، أو فوقه: لم يضمن. وقيل: يضمن إلا أن يفعله لحاجة). أما كون المودَع يلزمه حفظ الوديعة في حرز مثلها؛ فلأن الله تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن (٢) ذلك إلا بالحفظ. ولأن فائدة الوديعة الحفظ وحرز المثل معتبرٌ في مواضع. فكذلك هاهنا. وأما كونه يضمن إذا عيّن صاحبها حرزاً، فجعلها المودَع في دونه؛ فلأنه خالفه في حفظ ماله. وأما كونه لا يضمن إذا أحرزها بمثل الحرز أو فوقه على المذهب؛ فلأن تنصيصه على الحرز يقتضي الحفظ فيه، وفيما يقوم مقامه، كمن اكترى أرضاً لزرع الحنطة فإن له زرعها بها وبما هو مثلها في الضرر. وأما كونه يضمن إذا فعل ذلك لغير حاجةٍ في وجهٍ، فلأنه خالف المالك. وأما كونه لا يضمن إذا فعل ذلك لحاجة، مثل: أن يخاف عليها سيلاً، أو حريقاً، أو نحو ذلك؛ فلأنه حينئذ لا يُعد مفرّطاً، بل يُعدُّ تَرْك ذلك تفريطاً. قال: (وإن نهاه عن إخراجها فأخرجها لغشيانِ شيء الغالب منه التوى: لم يضمن. وإن تركها فتلفت ضمن. وإن أخرجها لغير خوف ضمن). أما كون المودَع لا يضمن فيما إذا أخرج الوديعة لغشيان شيء الغالب منه التوى. وهو التلف؛ فلما تقدم من أن المخرج لذلك لا يُعد مفرّطاً.

стр. 1664

وأما كونه يضمن فيما إذا تركها فتلفت؛ فلأن تارك الإخراج مع غشيان ما ذكر يُعد مفرّطاً. ولأن (١) الحال لما تغيرت كان حفظها نقلها. فإذا تركها فقد ضيعها. وذكر المصنف في المغني وجهاً آخر: لا ضمان عليه؛ لأنه ممتثل لقول صاحبها. وأما كونه يضمن فيما إذا أخرجها لغير خوف؛ فلأنه خالف المالك ونهيه لغير مصلحة. قال: (وإن قال: لا تخرجها وإن خفت عليها. فأخرجها عند الخوف، أو تركها: لم يضمن). أما كون المودَع لا يضمن إذا أخرجها عند الخوف؛ فلما ذكر من أن حفظها نقلها. وأما كونه لا يضمن إذا تركها؛ فلأنه تركها بإذنه الصريح. بخلاف التي قبلها. قال: (ولو أودعه بهيمةً، فلم يَعْلفها حتى ماتت: ضمن. إلا أن ينهاه المالك عن علفها). أما كون المودَع يضمن مع عدم النهي؛ فلأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي أن من أودع بهيمة فإن الاعتماد عليه في علفها. فصار مأموراً بالعلف من حيث العرف. وأما كونه لا يضمن مع النهي عن العلف؛ فلأن المالك قد أذن له في السبب المهلك. أشبه ما لو أذن له في قتل عبده. قال: (وإن (٢) قال: اترك الوديعة في جيبك. فتركها في كُمّه: ضمن. وإن قال: اتركها في كمّك. فتركها في جيبه: لم يضمن. وإن تركها في يده احتمل وجهين). أما كون المودَع يضمن فيما إذا قال: اترك الوديعة في جيبك. فتركها في كمّه؛ فلأن الجيب أحرز وأبعد (٣) من البَطِّ.

стр. 1665

وأما كونه لا يضمن إذا قال: اتركها في كمّك فتركها في جيبه؛ فلما تقدم من أن الجيب أحرز من الكُمّ. وأما كونه يضمن إذا تركها في يده على وجهٍ؛ فلأن اليد يتطرق إليها الفتح بالنسيان والنوم. وأما كونه لا يضمن على وجهٍ؛ فلأن اليد أحرز؛ لأن الكُمّ يتطرّق إليه البط. قال: (وإن دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، كزوجته، وعبده: لم يضمن. وإن دفعها إلى أجنبي، أو حاكم: ضمن. وليس للمالك مطالبة الأجنبي. وقال القاضي: له ذلك). أما كون المودَع لا يضمن فيما إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، كزوجته وعبده؛ فلأنه مستودَع. فله أن يحفظ الوديعة بنفسه، وبمن جرت العادة أن يحفظ ماله. وأما كونه يضمن (١) فيما إذا دفعها إلى أجنبي أو حاكم؛ فلأنه مودَع. فليس له أن يُودع من غير عذر. وأما كون المالك ليس له مطالبة الأجنبي -والمراد به عند التلف- على قولِ غير القاضي؛ فلأن المودَع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ. فلا يجب الضمان على الثاني؛ لأن دفعاً واحداً لا يوجب ضمانين. بخلاف غاصب الغاصب؛ لأن الغاصب يده ضامنة فرُتِّب الضمان على الضمان. وأما كونه له ذلك على قول القاضي؛ فلأنه قَبَضَ ما ليس له قبضه. أشبه المستودع (٢) من الغاصب. قال: (وإن أراد سفراً، أو خاف عليها عنده: ردّها إلى مالكها. فإن لم يجده حملها معه إن كان أحفظ لها، وإلا دفعها إلى الحاكم. فإن تعذر ذلك أودعها

стр. 1666

ثقة أو دفنها وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار. وإن دفنها ولم يعلم بها أحداً، أو أعلم بها من لا يسكن الدار: ضمنها). أما كون المودَع يردّ الوديعة على مالكها إذا أراد سفراً أو خاف عليها؛ فلأن في ذلك تخليصاً له من دركها. وأما كونه يحملها معه إذا لم يجده، وكان أحفظ لها؛ فلأن المقصود الحفظ، وهو موجود هنا وزيادة. وأما كونه يدفعها إلى الحاكم إذا لم يكن حملها معه أحفظ لها (١)؛ فلأن في السفر بها غرراً؛ لأن ذلك بعرضيّة النهب وغيره. وأما كونه يودعها ثقة عند تعذر ما تقدم؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان عنده ودائع فلما هاجر تركها عند أم أيمن». وأما كونه يدفنها (٢) بالشروط المتقدم ذكرها؛ فلأن الحفظ يحصل به. وأما كونه يضمن إذا دفنها ولم يُعلم بها أحداً؛ فلأنه قد يموت في سفره، وربما نسي مكانها، أو أصابه آفة من غرقٍ أو هدمٍ أو نحوهما. وأما كونه يضمن إذا أعلم بها من لا يَسكن الدار؛ فلأنه لم يُودعها إياه. والحكم فيما (٣) إذا أعلم بها ساكناً في تلك الدار وهو غير ثقة كالحكم فيما ذكر؛ لأن غير الثقة ربما خان فيها. ولم يصرح به المصنف ﵀ اكتفاء بمفهوم قوله: وأعلم بها ثقة. قال: (وإن تعدى فيها فركب الدابة لغير نفعها، ولبس الثوب، وأخرج الدراهم لينفقها ثم ردّها، أو جحدها ثم أقر بها، أو كسر ختم كيسها، أو خلطها بما لا تتميز منه: ضمنها. وإن خلطها بمتميز، أو ركب الدابة ليسقيها: لم يضمن). أما كون المودع يضمن إذا تعدى؛ فلما تقدم أول الباب (٤). ولأن المتعدي شبيهٌ بالغاصب. فوجب أن يضمن بالقياس عليه.

стр. 1667

وأما قول المصنف ﵀: فركب الدابة؛ فتمثيل للتعدي، وذلك يحصل بأشياء: - منها: ركوب الدابة، ولبس الثوب؛ لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه. وقيَّد الركوب بعدم نفع الدابة احترازاً من ركوبها لنفعها. وسيأتي بيانه. - ومنها: إخراج الدراهم من وعائها لينفقها؛ لأنه تصرف أيضاً في مال المالك بغير إذنه. - ومنها: جحود الوديعة؛ لأنه خرج به عن حيز الأمانة، لأن الجحود ضدها. - ومنها: كسر ختمها؛ لأنه يزيل عنها أحد أسباب حفظها، وهو مأمور بتحصيله (١). - ومنها: خلطها بما لا تتميز منه؛ لأنه يتعذر بذلك ردّها بعينها إلى صاحبها، وهو مأمور به. وأما كونه لا يضمن إذا خلطها بمتميز كسُودٍ وضعها في بِيض، ومُقَطَّعَةٍ في صحاحٍ؛ فلأن ذلك ليس بخيانةٍ (٢). أشبه ما لو وضع فوق الوديعة ثوباً، أو مع الدراهم دنانير. وأما كونه لا يضمن إذا ركب الدابة ليسقيها؛ فلأن ذلك لنفعها. بل لو ترك سقيها حتى ماتت ضمنها. قال: (وإن أخذ درهماً، ثم رده. فضاع الكل: ضمنه وحده. وعنه: يضمن الجميع. وإن رد بدله متميزاً فكذلك. وإن كان غير متميز ضمن الجميع. ويحتمل أن لا يضمن غيره). أما كون المودَع يضمن الدرهم وحده إذا أخذه ثم رده ثم ضاع الكل على المذهب؛ فلأن الضمان تعلق بالأخذ فلم يضمن غيرَ ما أخذه. وأما كونه يضمن الجميع على روايةٍ؛ فلأنه جنى على الوديعة بأخذ بعضها. فصارت مضمونة، كجملتها. وشرط هذا الخلاف: أن تكون الدراهم غير

стр. 1668

مصرورة ولا مختومة، فلو كانت مختومة أو مصرورة في خرقة أو شبهها فكسرَ الختم أو فتحَ الصرّة ضمن الكل بلا خلاف؛ لأنه هتك الحرز بفعل تعدَّى به. وأما كون حكم ما ردّ بدله متميزاً كحكم الدرهم؛ فلما ذكر. وأما كونه يضمن الجميع إذا ردّ غير متميزٍ على المذهب؛ فلأنه خلط الوديعة بماله. أشبه ما تقدم. وأما كونه يحتمل أن لا يضمن غيره؛ فلأن التعدي في الحقيقة إنما وقع فيه. أشبه ما لو ردّه بعينه. قال: (وإن أودعه صبيٌّ وديعةً ضمنها. ولم يبرأ إلا بالتسليم إلى وليّه). أما كون المودَع يضمن ما أودعه الصبي؛ فلأن القبض ممن لا إذن له. أشبه القبض من المجنون. وأما كونه لا يبرأ إلا بالتسليم إلى وليّه؛ فلأن الوديعة صارت مضمونة في يده. فلم يبرأ إلا بما ذكر، كما لو كان له دين في ذمته. قال: (وإن أودع الصبيَّ وديعةً. فتلفت بتفريطه: لم يضمن. وإن أتلفها لم يضمن. وقال القاضي: يضمن). أما كون الصبي لا يضمن الوديعة إذا تلفت بتفريطه؛ فلأن مالك الوديعة فرّط في تسليمها إليه. وأما كونه لا يضمنها إذا أتلفها (١) على قولِ غير القاضي؛ فلما ذكر قبل. وأما كونه يضمنها على قول القاضي؛ فلأن ما ضُمن بالإتلاف قبل الإيداع ضُمن به بعده. والصبي لو أتلف شيئاً من غير الوديعة ضمن. فكذلك يضمن الوديعة إذا أتلفها. قال: (وإن أودع عبداً وديعة. فأتلفها: ضمنها في رقبته). أما كون العبد يضمن الوديعة إذا أتلفها؛ فلأن العبد مكلف يصح استحفاظه، وبهذا يحصل الفرق بينه وبين الصبي.

стр. 1669

وقال صاحب النهاية فيها: قال القاضي: فيه وجهان كوديعة الصبي. ثم قال: والصحيح الفرق، وذَكَر ما تقدم. وأما كون الضمان في رقبته؛ فلأن إتلافه من جنايته، ولو جنى كان الضمان في رقبته. فكذلك إذا أتلف (١).

стр. 1670

فصل [المودَع أمين] قال المصنف ﵀: (والمودع أمين. والقول قوله فيما يدعيه من رَدٍّ، وتلفٍ، وإذنٍ في دفعها إلى إنسان، وما يدعى عليه من جنايةٍ وتفريط). أما كون المودع أميناً؛ فلأن الله تعالى سمى الوديعة أمانة بقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال ﵇: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك» (١). ولأنه لا منفعة له في قبضها. وأما كون القول قوله فيما ذكر؛ فلأن ذلك شأن الأمين. قال: (فإن قال: لم تودعني، ثم أقر بها، أو ثبتت ببينة فادعى الرد أو التلف: لم يُقبل وإن أقام به بينة. ويحتمل أن تقبل بينته. وإن قال: ما لك عندي شيء قبل قوله في الرد والتلف). أما كون المودَع المذكور لا يقبل قوله إذا ادعى الرد والتلف بعد قوله: لم تودعني؛ فلأنه خرج بالإنكار عن الأمانة. وأما كونه لا تقبل بينته بذلك على المذهب؛ فلأنه مكذبٌ لها. وأما كونه يحتمل أن تقبل فلعدم (٢) التهمة. والكذبُ الصادر منه لا يمنع من إظهار الحق، كالمرأة إذا ادعت القذف على زوجها فأنكر. فأقامت البينة بقذفه. فأراد الزوج إقامة البينة على زناها.

стр. 1671

وأما كونه يقبل قوله في الرد والتلف إذا قال: ما لك عندي شيء؛ فلأن قوله أولاً لا يناقض قوله ثانياً؛ لأن من أخذ وديعة فتلفت أو ردّها يصح أن يقول: ما لك عندي شيء، لأنه صادق. قال: (وإن مات المودَع فادعى وارثُه الردَّ: لم يُقبل إلا ببينة. وإن تلفت عنده قبل إمكان ردّها لم يضمنها، وبعده يضمنها في أحد الوجهين). أما كون وارث المودَع لا تُقبل دعواه في الرد إذا لم تكن بينة؛ فلأن دعوى الرد من المودَع إنما تقبل لكونه أمين المودِع، وهذا مفقود في وارثه؛ لأن المالك لم يأتمنه (١). وأما كونه تقبل دعواه إذا كان له بينة؛ فلأن البينة تُظهر صدق دعواه. وأما كونه لا يضمنها إذا تلفت عنده قبل إمكان ردها؛ فلأنه معذورٌ. قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأما كونه يضمنها بعد الإمكان في وجهٍ، فلأن مال الغير صار في يده من غير أن يودعه إياه. فوجب ضمانه إذا لم يردّه مع إمكانه، كما لو أطارت الريح ثوب رجلٍ إلى سطحٍ آخر، وأمكنه ردّه. فلم يفعل. وأما كونه لا يضمنها في وجهٍ؛ فكما لو تلفت قبل (٢) الإمكان. ولأن يده نائبةٌ عن موروثه، ولو تلفت عند موروثه مع إمكان الرد لم يضمن. فكذلك هذا. قال: (وإن ادعى الوديعة اثنان. فأقرّ بها لأحدهما: فهي له مع يمينه. ويحلف المودَع أيضاً. وإن أقر بها لهما فهي لهما، ويحلف لكل واحدٍ منهما. فإن قال: لا أعرف صاحبها حلف أنه لا يعلم، ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها). أما كون الوديعة للمُقَرِّ له وحده؛ فلأن إقراره له بيّن أن يده نائبة عن يد المدعي. واليدُ دليل الملك.

стр. 1672

وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال أن لا تكون له. ولهذا لو ادعى شخص داراً في يد آخر وطلب يمينه لزمته. فكذلك هاهنا. وأما كون المودَع يحلف أيضاً؛ فلأن من لزمه الدفع إذا أقرّ، لزمه اليمين إذا أنكر. وأما كونها لهما إذا أقرّ بها لهما، وكونه يحلف لكل واحدٍ منهما؛ فلما ذكر قبل. وأما كونه يحلف أنه لا يعلم إذا قال: لا أعرف صاحبها؛ فلأنه يحتمل كذبه. ولأن كل موضعٍ يُقضى فيه مع الإقرار تجب اليمين فيه مع الإنكار، وهاهنا لو أقرّ بها لهما أو لأحدهما قضي عليه. وفي قول المصنف ﵀: حلف أنه لا يعلم؛ إشعارٌ بأن اليمين واحدة لا ثنتان نظراً إلى تعدد المدعي. وصرح به في المغني. ووجهه أن المدعى أمر واحد وهو العلم بعين المالك وبهذا فارق ما إذا أنكرهما من حيث إن كل واحدٍ منهما يدعي أنها له فهما دعوتان. وأما كونه يقرع بينهما؛ فلأنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما. فوجب أن يقرع بينهما، كالعبدين إذا أعتقهما المريض فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما، وكما لو أراد السفر بإحدى نسائه. وأما كون من قرع يحلف؛ فلأنه يحتمل أنها ليست له. وأما كونه يأخذ الوديعة إذا قرع (١) وحلف؛ فلأن ذلك فائدةَ القرعة. قال: (وإن أودعه اثنان مكيلاً أو موزوناً (٢). فطلب أحدهما نصيبه: سلمه إليه). أما كون المودَع يُسَلم نصيب الطالب إليه؛ فلأنه حق مشترك. يمكن تمييز أحدهما من الآخر من غير حيف محقق ولا موهوم فغيبة أحد الشريكين لا يمنع تمييز نصيب الحاضر. دليله الدين المشترك. فإن قيل: في الدين يدفع مال نفسه، وهاهنا يأخذ عين مال غيره. قيل: بل هنا يأخذ عين ماله؛ لأن القسمة في المثلي إقرار لا بيع.

стр. 1673

وأما قول المصنف ﵀: مكيلاً أو موزوناً؛ فإشعارٌ بأن ذلك إنما يجوز في المثلي. وصرح به صاحب النهاية فيها؛ لأن قسمة غير ذلك بيعٌ، وليس للمودَع أن يبيع على المودِع. ولأن قسمة ذلك لا يؤمن فيها الحيف؛ لأنه يفتقر إلى التقويم وذلك ظنٌ وتخمين. قال: (وإن غصبت الوديعة فهل للمودَع المطالبة بها؟ على وجهين). أما كون المودَع ليس له مطالبة الغاصب بالوديعة على وجهٍ؛ فلأنه ليس وكيلاً للمالك. وأما كونه له مطالبته بها على وجهٍ؛ فلأن له حق اليد والحفظ. أشبه المستأجر والمرتهن. وهذا قول أبي الخطاب.

стр. 1674

باب إحياء المَوَات والأصل في ذلك ما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «منْ أحيَا أرضاً ميتةً فهيَ لهُ. وليسَ لعرقِ ظالمٍ حَق» (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وعن عائشة مثله (٢). رواه أبو داود. قال ابن عبدالبر (٣): هو مسند صحيح مُتلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم. قال المصنف ﵀: (وهي: الأرض الداثِرة، التي لا يُعلم أنها ملكت. فإن كان فيها آثار الملك (٤)، ولا يُعلم لها مالك: فعلى روايتين). أما قول المصنف ﵀: وهي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت؛ فبيانٌ لمعنى الموات شرعاً. ويسمى مَواتاً ومِيتَةً ومَوَتاناً بفتح الميم والواو. والمُوْتان بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع. ولا بد أن يُلحظ في قوله: التي لا يعلم أنها ملكت: أن يكون الملك لمسلمٍ أو مقرٍّ بالجزية، ولهذا روى كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده قال (٥): سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحيَا أرضاً مَواتاً في غيرِ حقِّ مسلمٍ فهيَ له» (٦). رواه ابن عبدالبر.

стр. 1675

وأما كون الأرض الداثرة التي كان فيها آثار المُلك، ولا يعلم لها مالك على روايتين؛ فلأن النظر إلى كونها داثرة يقتضي أن تكون مَواتاً. والنظر إلى كونها فيها آثار المُلك يقتضي أن لا تكون مَواتاً. فإن قيل: ما فائدة الخلاف في ذلك؟ قيل: جواز الإحياء وعدمه. ويعضد الجواز عموم قوله: «من أحيا أرضاً ميتةً فهيَ له» (١). ويعضد العدم أنها أرض لها مالك، فلم يجز إحياؤها، كما لو كان معلوماً. وعموم الحديث مخصوص بذلك. قال: (ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له، مسلماً كان أو كافراً، بإذن الإمام أو غير إذنه، في دار الإسلام وغيرها. إلا ما أحياه مسلم من أرض الكفار التي صولحوا عليها. وما قَرُب من العامر وتعلق بمصالحه لم تملك بالإحياء. وإن لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين). أما كون من أحيا أرضاً ميتة هي للمحيي؛ فلما تقدم من الأحاديث. وأما كونها له بذلك مسلماً كان أو كافراً، بإذن الإمام أو غير إذنه، في دار الإسلام وغيرها غير ما استثني؛ فلأن العموم المتقدم يشمل ذلك كله. ولأن الموجب للملك الإحياء، وهو موجود في كل الصور. ولأن التمليك لا يختلف فيه المسلم والذمي. دليله: البيع وسائر العقود. وقال ابن حامد: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام؛ لما روي عن النبي ﷺ : «مُوتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم» (٢). وجوابه: أن هذا لا يعرف صحته. وإنما روى أبو عبيد: «عادِي الأرض لله ورسوله ثم هي لكم» (٣) وهو مرسل رواه طاووس عن النبي ﷺ . ثم لا يمتنع أن أن يريد بقوله: «هي لكم» أي لأهل دار الإسلام، والذمي من أهل الدار.

стр. 1676

وأما كون المسلم لا يملك بالإحياء ما أحياه من أرض الكفار التي صولحوا عليها؛ فلأنهم صولحوا على بلادهم فلم يُتَعَرّض لمواتهم؛ لأن الموات تابع للبلد. وأما كونه لا يُملك بالإحياء ما قرب من العامر، وتعلق بمصالحه من طريقٍ، ومسيلِ ماءٍ، ومطرحِ عمارةٍ، وملقى ترابٍ؛ فلقوله ﵇: «من أحيا أرضاً ميتةً في غيرِ حق مسلمٍ فهيَ له» (١). ولأنه تعلق به حق الأرض. أشبه ما حصل فيه الإحياء. وأما كونه يملك بالإحياء ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه على روايةٍ فلعموم الأدلة المقتضية لذلك. وأما كونه لا يملك ذلك بالإحياء على روايةٍ؛ فلأنه قريبٌ من العامر، وقد يحتاج إليه في المآل. أشبه ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه. والأولى أولى، لما ذكر. و«لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيَّة» (٢). وهو يعلم أنها بين عمارة المدينة. ولأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر. فجاز إحياؤه، كالبعيد. قال: (ولا تملك المعادن الظاهرة، كالملح، والقار، والنفط، والكحل، والجص بالإحياء. وليس للإمام إقطاعه. فإن كان بقرب الساحل موضعٌ إذا حصل فيه الماء صار ملحاً مُلك بالإحياء، وللإمام إقطاعه). أما كون المعادن الظاهرة (٣) لا تملك بالإحياء؛ فلأن في ذلك ضرراً على المسلمين لكونه من المصالح العامة. وأما كون الإمام ليس له إقطاع ذلك؛ فلما ذكر قبل. و«لأن النبي ﷺ أقطع رجلاً معدن الملح. فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العدّ: ردّه» (٤). كذا قال الإمام أحمد، ورواه أبو عبيد في الأموال.

стр. 1677

ولأنه لا يجوز إقطاع مشارع الماءِ وطرق المسلمين. فكذلك هذا. وأما كون الموضع الذي إذا حصل فيه الماء صار ملحاً يملك بالإحياء، وكونه يجوز إقطاعه؛ فلأنه لم يضيق على أحدٍ. فملك بالإحياء وجاز إقطاعه، كبقية الموات. قال: (وإذا مَلك المحيا ملكه بما فيه من المعادن الباطنة، كمعادن الذهب والفضة. وإن ظهر فيه عين ماء أو معدن جارٍ أو كلأ أو شجر فهو أحق به. وهل يملكه؟ على روايتين). أما كون المعادن الباطنة تملك بملك المحيا؛ فلأنها من جملة أجزائه. فملكت بملكه، كغيره. وأما كون المحيي أحق بما ظهر في المحيا من عين ماءٍ (١) أو معدِنٍ جارٍ أو كلأٍ أو شجر؛ فلأنه لو سبق إلى شيء من المباح الذي لا يَملك أرضه كان أحقَّ به، لقوله ﵇: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه مسلمٌ فهوَ له» (٢). رواه أبو داود. وفي لفظ: «فهو أحق به» (٣)؛ فلأن يكون أحق بالمباح الذي في ملكه بطريق الأولى. وأما كونه يملكه على روايةٍ؛ فلأنه متصلٌ بأرضه. فَمَلَكه، كالمعادن الباطنة. ولأنه نماء ملكه. فملكه، كشعر غنمه. وأما كونه لا يملكه على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: الماء والكَلأ والنار» (٤) رواه ابن ماجة والخلال. وقال ﵇ (٥): «لا حمى إلا في الأراك» (٦).

стр. 1678

قال: (وما فضل من مائه لزمه بذله لبهائم غيره. وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين). أما كون ما فضل من ماء الشخص (١) يلزمه بذله لبهائم غيره؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «منْ منعَ فضلَ الماءِ وفضلَ الكلأِ منعهُ اللهُ فضلَ رحمتهِ [يومَ القيامة] (٢») (٣). وأما كونه لا يلزمه بذل ذلك لزرع غيره على المذهب؛ فلأن الزرع لا حرمة له. وأما كونه يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلما روى إياس بن عبد (٤) «أن النبي ﷺ نهَى عن بيعِ فضلِ الماء» (٥). رواه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال: حديث صحيح.

стр. 1679

فصل [فيما يحصل به الإحياء] قال المصنف ﵀: (وإحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماء. وإن حفر بئراً عادِيَة ملك حريمها خمسين ذراعاً. وإن لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون ذراعاً. وعند القاضي: حريمها قدر مد رشائها من كل جانب. وقيل: قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها. وقيل: إحياء الأرض ما عُدَّ إحياء. وهو: عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرع أو بناء. وقيل: ما يتكرر كل عام، كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء). أما كون إحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماءً على المذهب: أما الأول، فلما روى سمرة أن النبي ﷺ قال: «منْ حَاطَ حَائِطاً على أرضٍ فهيَ له» (١). رواه أبو داود. ولأن الحائط حاجز منيع. فكان إحياء، كبناء الأرض داراً. وأما الثاني؛ فلأن نفع الأرض بالماء أكثر من إحيائها بحائط. وأما كون حافر البئر العادِيَة يملك حريمها خمسين ذراعاً، وكون حريمها إذا لم تكن عادِيَة خمسة وعشرين ذراعاً على المذهب؛ فلما روى سعيد بن المسيب أنه قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ (٢) خمسة وعشرون ذراعاً» (٣). رواه أبو عبيد في الأموال.

стр. 1680

وروي عن النبي ﷺ نحوه رواه الخلال والدارقطني (١). وأما كون حريم البئر قدر مد رشائها من كل جانب عند القاضي؛ فلأن ذلك ثبت لدفع الضرر. فَقُدِّر بمد الرِّشاء من كل جانب؛ لأن الحاجة تندفع به دون غيره. وأما كون إحياء الأرض ما عد إحياء على قولٍ؛ فلأن النبي ﷺ أطلق الإحياء ولم يبين صفته. فوجب أن يحمل على العرف، كالحِرْز والقبض. وأما قول المصنف: وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرعٍ أو بناءٍ؛ فبيان لما يُعد إحياء في العرف. فعلى هذا إذا أرادها للزرع كفاه تحويطُها بترابٍ أو غيره مما تتميز به عن غيرها، وبسوق الماء إليها من نهرٍ أو بئر. وإن أرادها لحظيرةٍ كفاه تحويطها بحائط جرت به عادة مثلها. وإن أرادها داراً كفاه التحويط مع التسقيف بما جرت به العادة. وأما كون ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث ليس بإحياء، وكون ما لا يتكرر إحياءً على قولٍ؛ فلأن ما يتكرر لا إشعار فيه بالإحياء. بخلاف ما لا يتكرر. قال: (ومن تحجّر مَوَاتاً لم يملكه. وهو أحق به ووارثه بعده ومن ينقله إليه. وليس له بيعه. وقيل: له ذلك. فإن لم يُتم إحياءه قيل له: إما أن تحييه أو تتركه. فإن طلب الإمهال أُمْهِل الشهرين والثلاثة. فإن أحياه غيره فهل يملكه؟ على وجهين). أما كون من تحجر مَوَاتاً لا يملكه؛ فلأن سبب الملك الإحياء، ولم يوجد. وأما كونه أحق به؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من سبقَ إلى ما لا يَسْبقْ إليه مسلمٌ فهوَ له» (٢) رواه أبو داود. وفي لفظ: «فهوَ أحقُّ به» (٣).

стр. 1681

وأما كون وارثه أحق به بعده؛ فلقوله ﵇: «منْ تَرَكَ حقاً فلِوَرثتِه» (١). وأما كون من ينقله إليه أحق به؛ فلأنه بمنزلته. وأما كونه ليس له بيعه على المذهب؛ فلأنه لم يملكه. فلم يكن له بيعه، كحق الشفعة. وأما كونه له ذلك على قولٍ؛ فلأنه صار أحق به. وأما كونه يقال لمن لم يُتم الإحياء: إما أن تحييه أو تتركه؛ فلأن في تركه على حاله تضييقاً على المسلمين في حقٍّ مشترك، . فلم يمكن (٢) منه، كالوقوف في طريق ضيق. وأما كون طالب الإمهال يمهل الشهرين والثلاثة؛ فلأنه ربما أخّره لعذرٍ والظاهر زواله في مثل تلك المدة. وأما كون غيره يملكه إذا أحياه على وجهٍ؛ فلعموم قوله ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتةً ملكَها» (٣). ولأن الإحياء يُملك به وفاقاً. فقدم على التحجر المختلف في ثبوت الملك به. وأما كونه لا يملكه على وجهٍ؛ فلأن مفهوم قوله ﵇: «منْ سبقَ إلى ما لم يَسبقْ إليه مسلم» (٤) يدل عليه. ولأن المتحجر أسبق. فكان أولى، كحق الشفيع مع المشتري.

стр. 1682

فصل [في الإقطاع] قال المصنف ﵀: (وللإمام إقطاع مَوَات لمن يحييه. ولا يملكه بالإقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء). أما كون الإمام له إقطاع مَوَات لمن يحييه؛ فلما روى وائل بن حجر «أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضاً فأرسل إلى معاوية أن أعطه إياه أو أعلمها إياه» (١). حديث صحيح. و«أقطع بلالَ بن الحارث المزني» (٢)، و «أبيضَ بنَ حمّال المازني» (٣)، و «الزبيرَ حُضْرَ فَرَسِه» (٤) رواه أبو داود. وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله ﷺ (٥). وأما كون من أقطع له ذلك لا يملكه بالإقطاع؛ فـ «لأن النبي ﷺ أقطعَ بلال بن الحارثِ العقيق. فاسترجعَ منه عمرُ ما عجزَ عن إحيائِه» (٦). ولو ملكه لم يجز استرجاعه. وأما كونه يصير كالمتحجّر الشارعِ في الإحياء؛ فلأنه ترجح بالإقطاع على غيره. فوجب أن يصير كمن ذكر؛ لاشتراكهما في الترجح على الغير.

стр. 1683

قال: (وله إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة، ورحاب المساجد ما لم يضيّق على الناس. ولا يُملك ذلك بالإحياء. ويكون المُقْطَعٌ أحق بالجلوس فيها. فإن لم يقطعها فلمن سبق الجلوس فيها. ويكون أحق بها ما لم ينقل قُماشه (١) عنها. فإن أطال الجلوس فيها فهل يزال؟ على وجهين). أما كون الإمام له إقطاع ما ذُكر ما لم يضيّق على الناس؛ فلأن ذلك يباح الجلوس فيه، والانتفاع به. فجاز للإمام إقطاعه، كالأرض الميتة. وقول المصنف ﵀: ما لم يضيق على الناس؛ مشعرٌ بأنه ليس له ذلك إذا ضيّق على الناس. وهو صحيح؛ لأن فيه مضرةٌ على الناس. وليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه. فضلاً عمّا فيه مضرة. وأما كون المقطع لا يملك ذلك بالإحياء؛ فلما ذُكر في إقطاع الأرض. وأما كون من سبق له (٢) الجلوس إذا لم يقطعها الإمام؛ فلاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار (٣) على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار. ولأنه ارتفاق بمباحٍ من غير إضرارٍ فلم يمنع منه كالإحياء. وأما كونه أحق بها من غيره ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ فلأنه سبق إلى شيء مباح. أشبه من سبق إلى ماءٍ أو كلأٍ. وقد قال النبي ﷺ : «مِنَى مُناخُ منْ سَبَق» (٤). وقول المصنف ﵀: ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ مشعرٌ بأنه إذا نقل قُماشه عنها كان للغير الجلوس فيها. وصرح به في المغني؛ لأن صاحب القُماش زالت يده برفع قُماشه. بخلاف ما لو أقام ولم يرفع قُماشه فإنه لا يكون للغير الجلوس فيها؛ لأن الأول لم تزل يده. وأما كون قُماشه يُزال إذا أطال الجلوس فيها على وجهٍ؛ فلأنه يصير كالمتملك، وتملكه لا يجوز.

стр. 1684

وأما كونه لا يزال على وجهٍ؛ فلأنه قد سبقت يده. فلم يمنع من الاستدامة، كالابتداء. قال: (فإن سبق اثنان أُقرع بينهما. وقيل: يقدم الإمامُ من يرى منهما). أما كون من ذكر يقرع بينهما على الأول؛ فلأنهما استويا في السبق، والقرعة مميزة في كثيرٍ من المواضع. فليكن هاهنا كذلك. وأما كونه يقدم الإمام من يرى منهما على الثاني؛ فلأنه أعلم بالمصلحة في ذلك. قال: (ومن سبق إلى معدِنٍ فهو أحق بما ينال منه، وهل يمنع إذا طال (١) مقامه؟ على وجهين). أما كون من سبق إلى معدنٍ أحق بما ينال منه؛ فلقوله ﵇: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحق به» (٢). [وأما كونه يمنع إذا طال مقامه ففيه وجهان وجههما ما تقدم في الجلوس في الطريق. قال: (ومن سبق إلى مباح، كصيدٍ، وعنبرٍ، وحطبٍ، وثمرٍ، وما ينبذه الناس رغبة عنه: فهو أحق به. وإن سبق إليه اثنان قسم بينهما). أما كون من سبق إلى شيء مما ذكر أحق به من غيره؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «من سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحقُ به] (٣») (٤). وأما كون المسبوق إليه يقسم بين الاثنين إذا سبقا (٥) إليه؛ فلأنهما استويا في السبب، والقسمة ممكنة. بخلاف ما إذا سبقا إلى مكان ضيّق يقصدان الجلوس فيه.

стр. 1685

قال: (وإذا كان الماء في نهر غير مملوك، كمياه الأمطار: فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه. ثم يرسل إلى من يليه. فإن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه). أما كون الأعلى له السقي وحبس (١) الماء حتى يبلغ الكعب، فلما روى عبادة «أن رسول الله ﷺ قضى من شربَ من نهرٍ من مسيلٍ أن الأعلى يسقي قبل الأسفل» (٢). رواه ابن ماجة بمعناه. وعن عبدالله بن بكر بن حزم أنه بلغه «أن رسول الله ﷺ قال في سيل مَهْزُورٍ ومُذَيْنِبٍ: يُمْسكُ حتى الكعبينِ ثم يُرسلُ الأعلى على الأسْفل» (٣). رواه مالك في موطئه. قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة معمولٌ به عندهم. قال عبدالملك بن حبيب: مهزورٍ ومذينبٍ واديان من أودية المدينة يسيلان من المطر، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما. وأما كون من أراد إحياء أرض بسقيها من ذلك يجوز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه؛ فلأنه مباحٌ لا ضرر على غيره. فجاز له ذلك، كما لو سبق. وقول المصنف ﵀: ما لم يضر ... إلى آخره؛ مشعرٌ بأنه إذا كان ذلك يضر بأهل الأرض المذكورة لا يجوز وهو صحيح؛ لقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار (٤») (٥). [رواه ابن ماجة والدارقطني] (٦).
следующие страницы →