وأما كون المنكر له أربعة؛ فلأن له سهماً من مسألة الإنكار مضروباً في مسألة الإقرار.
وأما كون المقِر له ثلاثة؛ فلأنه له سهماً من مسألة الإقرار مضروباً في مسألة الإنكار.
وأما كون المتفق عليه له مثل سهم المقر إن صدقه؛ فلأنه مقر. ومثل سهم المنكر إن أنكره؛ فلأنه منكر.
وأما كون المختلف فيه له سهمان في حال التصديق وسهم في حال الإنكار؛ فلأن ذلك هو الفاضل.
وأما كون المتفق عليه لا يأخذ إلا ربع ما في يد المنكر في حال التصديق على قول أبي الخطاب؛ فلأنه لا يدعي أكثر منه؛ لأنه يدعي أنهم أربعة فيلزم أن لا يكون له في يد المنكر سوى أربعة.
وأما كونه صححها من ثمانية؛ فلأن أصل المسألة من اثنين والمقر به يستحق ربع ما في يد المنكر فابسط المسألة أرباعاً تكن ثمانية: للمنكر ثلاثة؛ لأنه كان يستحق أربعة أخذ منها المتفق عليه ربعها بقي ثلثه، وللمختلف فيه سهم؛ لأنه يستحق ربع ما في يد المقر بهما وذلك أربعة، وللمقر بهما سهمان؛ لأنه كان يستحق أربعة خرج منها سهم للمتفق عليه، وسهم للمختلف فيه بقي اثنان للآخر.
قال: (وإن خلّف ابناً فأقر بأخوين بكلامٍ متصلٍ: ثبت نسبهما. سواء اتفقا أو اختلفا. ويحتمل أن لا يثبت نسبهما مع اختلافهما).
أما كون نسب الأخوين المقر بهما يثبت نسبهما (١) إذا اتفقا؛ فلاتفاقهما مع إقرار الابن بهما.
وأما كونه يثبت إذا اختلفا على المذهب؛ فلأن الإقرار بهما صادف كل الورثة.
ولأن كل واحدٍ من المقر بهما لم يكن في الظاهر وارثاً حالة الإقرار. فلم يعتبر تصديقه.
стр. 1997
وأما كونه يحتمل أن لا يثبت مع اختلافهما؛ فلأن الإقرار بكل واحدٍ منهما لم يصدر من كل الورثة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
قال: (وإن أقرّ بأحدهما بعد الآخر أعطى الأول نصف ما في يده، والثاني ثلث ما بقي في يده. ويثبت نسب الأول. ويقف ثبوت نسب الثاني على تصديقه. وإن أقرّ بعض الورثة بامرأةٍ للميت لزمه من إرثها بقدر حصته).
أما كون المقرّ يعطي الأخ المقر به أولاً نصف ما في يده؛ فلأنه أقر أنه أخوه وتصديقه بغيره (١) معتبر؛ لأنه ثبت كونه وارثاً. فوجب كون المسألة بالنسبة إليه مقسومة على اثنين. فوجب أن يدفع إليه نصف التركة؛ لكونه واحداً من اثنين.
وأما كونه يعطي الثاني ثلث ما بقي في يده وهو السدس؛ فلأنه فاضل عن حقه؛ لأنه أقرّ أن الأولاد ثلاثة، والواحد يستحق الثلث لا غير.
وأما كون نسب الأول يثبت؛ فلأنه أقرّ به كل الورثة.
وأما كون ثبوت نسب الثاني يقف على تصديق المقر به؛ فلأن الأول أقرّ به بعد ثبوت نسب الثاني. فلم يكن إقراراً من كل الورثة.
وأما كون المقر بامرأةٍ للميت يلزمه من إرثها بقدر حصته؛ فلأنه أقرّ أن ذلك فاضلٌ عن حقه. فوجب دفعه إليها؛ كما لو أقرّ بابن.
قال: (وإذا قال رجل: مات أبي وأنت أخي فقال: هو أبي ولست بأخي: لم يقبل إنكاره. وإن قال: مات أبوك وأنا أخوك قال: لست أخي: فالمال كله للمقر به).
أما كون المقَرّ به لا يقبل إنكاره في الصورة الأولى؛ فلأن الإقرار والإنكار إنما يعتبر من الوارث، وقد سبق كون الأب أباً للآخر فهو وارثه ظاهراً لا غيره.
وأما كون المال كله للمقَرّ به في الصورة الثانية؛ فلأنه لما قال: مات أبوك. فقد أقر بكونه هو الوارث وذلك يوجب كون الميراث له. وقوله بعد ذلك: وأنا أخوك دعوى وقد أنكرها المقر له وذلك يوجب أن لا يكون له شيء من المال.
стр. 1998
قال: (وإن قال: ماتت زوجتي وأنت أخوها قال: لست بزوجها: فهل يقبل إنكاره؟ على وجهين).
أما كون إنكار الأخ يقبل على وجهٍ؛ فلأن خصمه قد اعترف أنه أخوها وهو منكرٌ للزوجية، والأصل معه.
وأما كونه لا يقبل على وجهٍ؛ فلما تقدم في قوله: مات أبي وأنت أخي فقال: لستَ بأخي.
стр. 1999
فصل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أقرّ من أعيلت له المسألة بمن يزيل العول؛ كزوج وأختين أقرت أحدهما بأخٍ. فاضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار تكن ستة وخمسين، واعمل على ما ذكرنا: يكن للزوجة أربعة وعشرين، وللمنكرة ستة عشر، وللمقرة سبعة، يبقى تسعة للأخ. فإذا صدقها الزوج فهو يدعي أربعة، والأخ يدعي أربعة عشر، والمقر به من السهام تسعة. فاقسمها على سهامهم لكل سهمين سهم. فيحصل للزوج سهمان، وللأخ سبعة).
أما كون من أعيلت له المسألة إذا أقرّ بمن يزيل العول يضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار؛ فلما تقدم.
وأما قول المصنف: كزوجٍ وأختين أقرت أحدهما بأخ؛ فتمثيل لذلك؛ لأن مسألةً فيها زوج وأختان من ستة وتعول إلى سبعة فإذا أقرت إحدى الأختين بأخٍ صارت مسألة الإقرار من اثنين؛ لأن فيها نصفاً وما بقي. وتصح من ثمانية؛ لأن الزوج له سهم يبقى سهم على أربعة لا يصح ولا يوافق فاضرب اثنين في أربعة تكن ثمانية.
وأما كون السهام ستة وخمسين؛ فلأنك إذا ضربت مسألة الإقرار وهي ثمانية في مسألة الإنكار وهي سبعة تكون ستة وخمسين.
وأما كون الزوج له أربعة وعشرون، وللمنكرة ستة عشر، وللمقرة سبعة، والباقي تسعة للأخ؛ فلأن الزوج له ثلاثة من مسألة الإنكار في ثمانية بأربعة وعشرين، والأخت المنكرة لها اثنان من مسألة الإنكار في ثمانية بستة عشر، والمقرة لها سهم من مسألة الإقرار وهي ثمانية في سبعةٍ بسبعة يبقى تسعة: للأخ والمال ستة
стр. 2000
وخمسون (١): خرج منها أربعة وعشرون للزوج، وستة عشر للأخت المنكرة، وسبعة للأخت المقرة وهي للأخ؛ لأنها الفاضل.
فإن انضم إلى إقرار الأخت تصديق الزوج قسّمت التسعة بينهما على حسب ما تدعيان استحقاقه وذلك هنا ثمانية عشر؛ لأن الزوج يدعي أربعة، لأن له نصف المال ثمانية وعشرين قبض منها أربعة وعشرين بقي أربعة، والأخ يدعي أربعة عشر؛ لأنه يدعي أنه يستحق ربع المال. فاقسم التسعة على الثمانية عشر يحصل لكل سهمين سهم. فيكون للزوج سهمان مضافان إلى أربعة وعشرين تكون ستة وعشرين، وللأخ سبعة.
قال: (فإن كان معهم أختان لأمٍّ. فإذا ضربت وفق مسألة الإقرار في مسألة الإنكار كانت اثنين وسبعين: للزوج ثلاثة من مسألة الإنكار في وفق مسألة الإقرار أربعة وعشرين، وللأختين (٢) من الأم ستة عشر، وللأخت المنكرة ستة عشر، وللمقرّة (٣) ثلاثة، يبقى في يدها ثلاثة عشر: للأخ منها ستة، يبقى سبعة لا يدعيها أحد ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: تقر في يد المقرّة.
والثاني: تؤخذ إلى بيت المال.
والثالث: تقسّم بين المقرّة والزوج والأختين من الأم على حسب ما يحتمل أنه لهم).
أما كون مسألة الإقرار تضرب في مسألة الإنكار؛ فلما تقدم.
وأما كون ذلك اثنين وسبعين؛ فلأن مسألة الإقرار من ستة؛ لأن فيها نصفاً وثلثاً، وما بقي هو هنا سهم على أربعة لا يصح ولا يوافق. فاضرب ستة في أربعة تكن أربعة وعشرين. ومسألة الإنكار من ستة وتعول إلى تسعة؛ لأن فيها نصفاً
стр. 2001
وثلثين وثلثاً، وبين الأربعة والعشرين وبين التسعة موافقة بالأثلاث. فإذا ضربت ثمانية في تسعة يكن اثنين وسبعين كما ذكر المصنف.
وأما كون الزوج له أربعة وعشرون، والأختين من الأم لهما ستة عشر، والمنكرة لها ستة عشر، والمقرة لها ثلاثة؛ فلأن الزوج له ثلاثة من مسألة الإنكار مضروبة في وفق مسألة الإقرار وهو ثمانية بأربعة وعشرين، والأختين للأم لهما اثنان من مسألة الإنكار مضروبان في ثمانية بستة عشر، والأخت المنكرة لها سهمان مضروبان في ثمانية بستة عشر، والمقرّة لها سهم من مسألة الإقرار مضروب في وفق مسألة الإنكار وهو ثلاثة بثلاثة.
وأما كون الباقي ثلاثة عشر؛ فلأن مجموع ما أخذ تسعة وخمسون فيبقى من اثنين وسبعين ثلاثة عشر.
وأما كون الأخ له منها ستة؛ فلأن له سهمين من مسألة الإقرار مضروبين في وفق مسألة الإنكار وهو ثلاثة بستة يبقى سبعة لا يدّعيها أحد؛ لاستكمال كل واحدٍ حقه.
وأما كون السبعة تقر في يد المقرة في وجهٍ؛ فلأنها لا يدعيها أحداً.
وأما كونها تؤخذ إلى بيت المال؛ فلأنه موضع الأموال التي لا أرباب لها.
وأما كونه يقسم بين المقرّة والزوج والأختين من الأم على حسب ما يحتمل أنه لهم. وهو هنا ثلاثة وثلاثون في وجهٍ؛ فلأن المقرة يحتمل أن مسألتها عائلة. واشتبه عليها الحال فأقرت بمن لا يستحق شيئاً فحينئذٍ كانت تستحق ستة عشر كالمنكرة أخذت منها ثلاثة بقيت ثلاثة عشر، والزوج يحتمل أن مسألته غير عائلة فيستحق ستة وثلاثين؛ لأنه حينئذٍ يستحق النصف أخذ منها أربعة وعشرين بقي له اثنا عشر، والأختين لأم يحتمل أن مسألتهما كمسألة الزوج وحينئذٍ تستحقان الثلث أخذتا منه ستة عشر بقي لهما (١) ثمانية فجملة ذلك ثلاثة وثلاثون. فاقسم ذلك الباقي عليه لا يصح ولا يوافق. فاضرب ثلاثة وثلاثين في اثنين وسبعين تكن ألفين وثلثمائة وستة وسبعين. وكل من له شيء من اثنين وسبعين فاضربه في ثلاثة وثلاثين. وكل من له شيء من ثلاثة وثلاثين فاضربه في سبعة. وسيظهر كيفية
стр. 2002
العمل والقسمة في شرح قوله: فإن صدق الزوج المقرّة ... إلى آخره إن شاء الله تعالى.
قال: (فإن صدّق الزوج المقرّة فهو يدّعي اثني عشر، والأخ يدعي ستة يكونان ثمانية عشر، ولا تنقسم عليها الثلاثة عشر ولا توافقها فاضرب ثمانية عشر في أصل المسألة. ثم كل من له (١) شيء من اثنين وسبعين مضروب في ثمانية عشر. وكل من له شيء (٢) من ثمانية عشر مضروب في ثلاثة عشر. وعلى هذا تعمل ما ورد عليك).
أما كون الزوج يدعي اثني عشر؛ فلأنه يدعي أن له النصف وهو هنا ستة وثلاثون أخذ منها أربعة وعشرين بقي اثنا عشر.
وأما كون الأخ يدعي ستة؛ فلأنه يدعي أنه هو وأختاه لهم أربعة من أربعة وعشرين مضروبة في وفق مسألة الإنكار وهو ثلاثة يكون اثني عشر له نصفها.
وأما كون الثمانية عشر تضرب في أصل المسألة؛ فلانكسارها على المقسومة عليه.
فعلى هذا مبلغ ما ترتفع من الضرب ألف ومائتان وستة وتسعون.
وأما قول المصنف: ثم كل من له شيء ... إلى آخره؛ فبيان للقسمة.
فعلى هذا الأختان لأم لهما من اثنين وسبعين ستة عشر. فاضربها في ثمانية عشر تكن مائتين وثمانية وثمانين، والأخت المنكرة لها ستة عشر [في ثمانية عشر بمائتين و] (٣) ثمانية وثمانين، والمقرة لها ثلاثة في ثمانية عشر بأربعة وخمسين، والزوج له أربعة وعشرون في اثنين وسبعين بأربعمائة واثنين وثلاثين. ومن الثمانية عشر اثنا عشر مضروبة في ثلاثة عشر بمائة وستة وخمسين، والأخ له ستة في ثلاثة عشر بثمانية وسبعين صار مجموع ذلك ألفاً ومائتين وستة وتسعين وهو مبلغ ما ارتفع من الضرب.
стр. 2003
وأما قول المصنف: وعلى (١) هذا تعمل ما ورد عليك؛ فتنبيه على طريق عمل ما يرد عليك من هذا؛ لأنه مثل ما ذكر معنى فكذا يجب أن يكون عملاً.
стр. 2004
باب ميراث القاتل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (كل قتلٍ مضمون بقصاص أو ديةٍ أو كفارةٍ يمنع القاتل ميراث المقتول سواء كان عمداً أو خطأ بمباشرةٍ أو سبب، صغيراً كان القاتل أو كبيراً).
أما كون القتل يمنع القاتل الإرث في الجملة؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: «ليسَ لقاتلٍ شيء» (١). رواه ابن عبدالبر.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «منْ قتلَ قتيلاً فإنهُ لا يرثهُ، وإن لم يكنْ لهُ وارثٌ غيرهُ، وإن كانَ والدهُ أو ولده» (٢) رواه الإمام أحمد.
وروي عن عمر «أنه أعطى دية (٣) ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه وكان قد حذفه بسيف فقتله» (٤). واشتهر ذلك بين الصحابة ولم يُنكر فكان إجماعاً.
وقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس لقاتل شيء» (٥). رواه مالك في موطئه.
стр. 2005
ولأن توريث القاتل يفضي إلى تكثير القتل؛ لأن الوارث ربما استعجل موت موروثه ليأخذ ماله؛ كما فعل الاسرائيلي الذي قتل عمه فأنزل الله فيه (١) قصة البقرة.
وأما كون كل قتل مضمون بقصاص؛ كالقتل العمد، أو دية كالخطأ، أو كفارة؛ كمن رمي إلى صف الكفار ولم يعلم أن فيهم مسلماً، وكان فيهم موروثه المسلم سواء كان عمداً أو خطأ بمباشرة أو سبب، صغيراً كان القاتل أو كبيراً: يمنع القاتل ميراث المقتول؛ فلأنه قاتل. فيدخل في الأحاديث المتقدم ذكرها غير مساوٍ لغير المضمون. فوجب المنع عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
قال: (وما لا يضمن بشيء من هذا؛ كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه، وقتل العادل الباغي، والباغي العادل: فلا يمنع. وعنه: لا يرث الباغي العادل ولا العادل الباغي فيُخَرَّج منه أن كل قاتلٍ لا يرث).
أما كون ما لا يضمن من القتل كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه لا يمنع الإرث على المذهب؛ فلأن فاعله فعل فعلاً مأذوناً فيه. فلم يمنع الميراث؛ كما لو أطعمه وسقاه فأفضى إلى تلفه.
ولأنه حرم الميراث فيما تقدم كيلا يفضي إلى إيجاد القتل المحرم، وزجراً عن إعدام النفس المعصومة وهو مفقود هنا. بل كونه مانعاً من الإرث مفضٍ إلى منع إقامة الحد الواجب، واستيفاء الحق المشروع. وإذا ثبت كونه غير مانعٍ من الإرث وجب كونه وارثاً؛ لعموم الأدلة المقتضية للإرث السالمة عن المانع.
وأما كون قتل العادل الباغي لا يمنع الإرث على روايةٍ؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يمنعه على ذلك؛ فلعموم الحديث المتقدم ذكره.
وأما كون قتل الباغي العادل لا يمنع الإرث على روايةٍ؛ فلأنه غير مضمون. أشبه قتل العادل الباغي.
وأما كونه يمنعه على روايةٍ؛ فلعموم الحديث المتقدم ذكره.
стр. 2006
وأما كون قتل العادل الباغي يُخَرَّج منه أن كل قاتل لا يرث؛ فلأن العادل مأذون له في القتل. فإذا منع من الإرث مع الإذن جاز أن يمنع منه كل قاتل؛ لأن أعلى مراتبه: أن يكون مأذوناً له في ذلك. ويعضده عموم الأحاديث في القاتل.
والأول أولى؛ لما ذكر.
стр. 2007
باب ميراث المعتق بعضه
قال المصنف رحمه الله تعالى: (لا يرثُ العبدُ ولا يورَث. سواء كان قِناًّ أو مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد).
أما كون العبد القِنّ لا يرِث؛ فلأن فيه نقصاً منع كونه موروثاً؛ لما يأتي. فمنع كونه وارثاً؛ كالمرتد.
وأما كونه لا يورَث؛ فلأنه لا مال له، أو ملكه ناقص غير مستقر يزول إلى سيده بزوال ملكه فيه بدليل قوله ﵇: «منْ باعَ عبداً وله مالٌ فمالهُ للبائعِ إلا أن يَشترطهُ المبتَاع» (١).
ولأن السيد أحق بأكسابه في حياته. فكذلك بعد مماته.
وأما كون المدبر لا يرِث ولا يورَث؛ فلأن فيه جميع أحكام العبودية.
وأما كون أم ولد لا ترِث ولا تورَث؛ فلأنها رقيقة جاز فيها جميع أحكام الرق إلا ما ينقل الملك أو يراد له؛ كالرهن. وليس شيء منهما من ذلك.
وأما كون المكاتب لا يرِث ولا يورَث؛ فلأنه عبد ما بقي عليه درهم هكذا قال رسول الله ﷺ (٢).
стр. 2008
قال: (فأما المعتق بعضه فما كَسَبَه بجزئه الحر فلورثته. ويرث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية).
أما كون ما كَسَب المعتق بعضه بجزئه الحر لورثته؛ فلأنه يورَث بذلك لما يأتي بعد.
وأما كونه يرث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية؛ فلأن ابن عباس روى أن النبي ﷺ «قال في العبد يعتقُ بعضُه: يرِثُ ويورَثُ على قدرِ ما عتقَ منه».
ولأنه يجب أن يثبت لكلِّ بعض حكمه؛ كما لو كان الآخر مثله، وقياساً لأحدهما على الآخر.
قال: (فإذا كانت بنت وأم نصفهما حر وأب حر: فللبنت بنصف حريتها نصف ميراثها وهو الربع، وللأم مع حريتها ورق البنت الثلث، والسدس مع حرية البنت فقد حجبتها حريتها عن السدس فبنصف حريتها تحجبها عن نصفه يبقى لها الربع لو كانت حرة فلها بنصف حريتها نصفه وهو الثمن، والباقي للأب. وإن شئت نزّلتهم أحوالاً كتنزيل الخناثى).
أما كون البنت المذكورة لها بنصف حريتها نصف ميراثها؛ فلأنها لو كانت كاملة الحرية لكان لها النصف. فوجب أن يكون لها بنصف حريتها نصفه.
وأما كونه الربع؛ فلأن نصف النصف ربع.
وأما كون الأم لها الثمن؛ فلما ذكر المصنف ﵀ وذلك أن يقول: لها السدس مع رق البنت، ونصف السدس مع حرية البنت فلها نصف السدس وربعه مع رق نصف البنت وذلك ثمن.
وأما كون الباقي للأب؛ فلأنه له السدس بالفرض، وما بقي بعده بالتعصيب؛ لأنه أولى رجل ذكر.
وأما كون عامل المسألة إن شاء نزّلهم أحوالاً كتنزيل الخناثى؛ فلأن لهم شبهاً بهم. فوجب تنزيلهم أحوالاً كتنزيلهم.
فعلى هذا تقول في المسألة المذكورة في حال حرية البنت والأم: للبنت النصف، وللأم السدس، والباقي للأب، وهو الثلث. وفي حال رقهما: المال كله للأب. وفي حال رق البنت وحدها: للأم الثلث، وللأب الثلثان. وفي حال رق الأم
стр. 2009
وحدها: للبنت النصف، والباقي للأب. فللبنت في الأحوال الأربعة مال كامل؛ لأن لها ذلك في حالين، ولا شيء لهما في الحالين الآخرين. فإذا قسمته على الأحوال الأربعة حصل لها الربع، وللأم نصف المال. فإذا قسمته على الأحوال الأربعة حصل لها الثمن، وهذا أحد طريقي العمل.
والأخرى أن يقول: مسألة الحرية فيهما من ستة، ومسألة الرق فيهما من واحد، ومسألة رق البنت وحدها من ثلاثة، ومسألة رق الأم وحدها من اثنين، والواحد والثلاثة والاثنان تدخل في ستة فاضرب ستة في الأحوال الأربعة تكن أربعة وعشرين: للبنت ثلاثة في حال، وثلاثة في حال صار ذلك ستة، وللأم سهمان في حال وسهم في حال صار ذلك ثلاثة، وللأب المال كله في حال، والثلث في حال، والنصف في حال، والثلثان في حال صار ذلك خمسة عشر.
قال: (وإذا كان عصبتان نصف كل واحدٍ منهما حر؛ كالأخوين: فهل تكمل الحرية فيهما؟ يحتمل وجهين).
أما كون الحرية تكمل فيما ذكر على وجهٍ؛ فلأن نصفي شيء شيءٌ كامل.
ولأن ذلك قياس قول علي.
فعلى هذا إن كانا وارثين نصفهما حر كما مثل المصنف ورثا المال كله، وإن كان نصف أحدهما حراً وربع الآخر حراً ورثا ثلاثة أرباع المال وعلى هذا فقس.
وأما كون الحرية لا تكمل على وجهٍ؛ فلأنها (١) لو كملت لم يظهر للرق أثر؛ لأنهما في الصورة المتقدمة يرثان المال نصفين، وهذا شأن كامل الحرية.
قال: (وإن كان أحدهما يحجب الآخر كابنٍ وابن ابنٍ فالصحيح أنها لا تكمل).
أما كون الصحيح في حرية من ذكر أنها لا تكمل؛ فلأن الشيء (٢) لا يكمل بما يُسقطه، ولا يجمع بينه وبين ما ينافيه.
وأما كونها يجري فيها الخلاف المتقدم؛ فلما تقدم.
стр. 2010
باب الولاء
قال الله تعالى: ﴿فإن لم تعلموا ءاباءهم فإخوانُكم في الدين ومَوَاليكم﴾ [الأحزاب: ٥].
وقال النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق» (١) متفق عليه.
وقال ﵇: «الولاء لحمة كلحمة النسب» (٢).
قال المصنف رحمه الله تعالى: (كل من أعتق عبداً أو عتق عليه برحمٍ أو كتابةٍ أو تدبيرٍ أو استيلادٍ أو وصيةٍ بعتقه: فله عليه الولاء، وعلى أولاده من زوجةٍ معتقةٍ، أو من أمته، وعلى معتقيه ومعتقي أولاده وأولادهم ومعتقهم أبداً ما تناسلوا).
أما كون الولاء للمعتِق على المعتَق بالمباشرة فظاهر؛ لأن الحديث يتناوله بصريحه.
وأما كونه له على من يعتق عليه بأحد الأسباب المذكورة؛ فلأنه عتق بسبب من جهته. أشبه ما لو باشره بالعتق.
وأما كون الولاء له على أولاد من له عليه الولاء وإن نزلوا؛ فلأن الولد تابع له.
ولأنه إذا كان الولاء له على الأصل. فلأن يكون له على الفرع بطريق الأولى.
ولأن الولد جزءٌ من الوالد أو كالجزء. فإذا كان الولاء له على الوالد. فلأن يكون له على جزئه أو ما هو كجزئه بطريق الأولى.
стр. 2011
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في الولاء على الأولاد: أن يكونوا من زوجةٍ معتقة أو من أمته؛ لأن الزوجة إن كانت حرة الأصل لم يكن على الأولاد ولاء؛ لما سيأتي دليله في موضعه إن شاء الله تعالى.
والأمة إن كانت لغيره كان الولد عبداً، وإن عتق كان ولاؤه لمعتقه.
وأما كون الولاء له على معتقي المعتق ومعتقي أولاده؛ فلأن الولاء يثبت على المعتق للإنعام عليه والمنعِمُ على المنعَمِ عليه مُنعِمٌ عليه.
وأما كونه له ذلك على معتقي أولاد معتقيه وأولاد معتقي أولاد معتقيه (١)؛ فلأن نسبة الوالد إليهم كنسبة ولد المعتق إليه.
وأما كونه له ذلك على معتقي أولاد معتقي أولاد معتقيه (٢) وإن بعد ذلك؛ فلأن المنعم على المنعم على من أعتقه منعم على من أعتقه وإن بعد.
قال: (ويرث به عند عدم العصبة من النسب، ثم يرث به عصباته من بعده الأقرب فالأقرب. وعنه: في المكاتب إذا أدى إلى الورثة أن ولاءه لهم. وإن أدى إليهما فولاؤه بينهما. ومن كان أحد أبويه حر الأصل ولم يمسّه رقٌ فلا ولاء عليه).
أما كون المعتِق يرث بالولاء عند عدم العصبة؛ فلما تقدم من قوله ﷺ (٣) «الولاء لحمة كلحمة النسب» (٤)، ومن توريث النبي ﷺ له عند عدم العصبة، ومن توريثه بنت حمزة من الذي أعتقته (٥).
وأما كون عصباته من بعده ترث؛ فلأنه حق من حقوقه. فوجب أن ترث به عصباته؛ كالنسب.
وأما كون ذلك للأقرب فالأقرب؛ فلأن الإرث بالولاء مشبه بالإرث بالنسب. فوجب أن يثبت فيه حكمه.
стр. 2012
وأما كون ولاء المكاتب إذا أدى إلى الورثة لهم على روايةٍ؛ فلأن المكاتب عبد فإذا مات السيد انتقل إلى الورثة مكاتباً. فإذا أدى عتق عليهم؛ كما لو اشتراه شخص فأدى إليه.
وأما كون ولائه بينهما إذا أدى إليهما على روايةٍ؛ فلأن العتق (١) يتبع الأداء في رواية.
وأما كون من كان أحد أبويه حر الأصل ولم يمسه رقٌّ لا ولاء عليه؛ فلأن الأم إن كانت حرة الأصل فالولد يتبعها في انتفاء الرق إذا كان الأب رقيقاً. فلأن يتبعها في نفي الولاء وحده أولى.
والأب إن كان حر الأصل فالولد يتبعه فيما إذا كان عليه ولاء بحيث يصير الولاء عليه لموالي أبيه (٢). فلأن يتبعه في سقوط الولاء عنه بطريق الأولى.
قال: (ومن أعتق سائبةً أو في زكاته أو نذره أو كفارته ففيه روايتان:
أحدهما: له عليه الولاء.
والثانية: لا ولاء له عليه. وما رجع من ميراثه ردّ في مثله يُشترى به رقابٌ يعتقهم).
أما كون العتق سائبة فأن يقول لعبده: أعتقتك سائبة، أو أعتقتك ولا ولاء لي عليك.
وأما كون الولاء للمعتِق على المعتَق سائبةً في روايةٍ؛ فلدخوله في قوله ﵇: «الولاءُ لمن أعتَقْ» (٣).
وأما كونه لا ولاء له عليه وما رجع من ميراثه يُشترَى به مثله في روايةٍ؛ فلأنه جعله لله.
و«لأن ابن عمرَ أعتقَ عبداً سائبة فماتَ فاشترى بمالهِ رِقاباً فأعتقهُم».
стр. 2013
قال المصنف في المغني: والأول أصح في الأثر والنظر؛ لما روي عن عطاء «أن طارق بن المرقع أعتقَ سوائبَ فماتُوا فكتبَ عمر: أن ادفعْ مالَ الرجلِ إلى مولاهُ فإن قبلهُ وإلا فاشترِ بهِ رِقاباً فأعتقهمْ عنْه» (١).
وروي «أن رجلاً جاء إلى عبدالله فقال: إني أعتقت عبداً لي وجعلته سائبة فمات وترك مالاً ولم يدع وارثاً. فقال عبدالله: أنت وليّ نعمته ... مختصر» (٢) رواه مسلم.
وأما فعل ابن عمر فمحمول على الورع (٣)؛ لأن في ذلك جمعاً بين فعله وقوله مع موافقة الآثار المذكورة.
وأما كون الولاء للمعتِق على المعتَق في زكاته في روايةٍ؛ فلدخوله في الحديث.
ولأن عائشة اشترت بريرة بشرط العتق (٤) وهو يوجب العتق، ولم يمنع ذلك ثبوت الولاء لها عليها.
وأما كونه لا ولاء له عليه في روايةٍ؛ فلأنه أعتقه من غير ماله. فلم يكن له الولاء عليه؛ كما لو دفعها إلى الساعي فاشترى بها وأعتق، وكما لو دفع إلى المكاتب مالاً فأداه في كتابته.
والفرق بين ذلك وبين اشتراط العتق: أنه في الاشتراط أعتق ماله.
وأما كون الولاء للمعتِق على المعتَق في نذره أو كفارته في روايةٍ، وكونه لا ولاء له عليه في روايةٍ؛ فلاشتراكه مع المعتق في كونه من شيء واجب عليه صرفه في جهته.
стр. 2014
قال: (ومن أعتق عبدَه عن ميتٍ أو حيٍّ بلا أمره فولاؤه للمعتق. وإن أعتقه عنه بأمره فالولاءُ للمعتق عنه).
أما كون الولاء للمعتِق فيما إذا أعتق عبده عن غيره بلا أمره؛ فلأنه معتق فدخل في قوله ﵇: «وإنما الولاء لمن أعتق» (١).
وأما كون الولاء للمعتق عنه فيما إذا أعتقه عنه بأمره؛ فلأنه نائبٌ عنه في الإعتاق. فكان الولاء للمعتق عنه؛ كما لو باشره.
قال: (فإذا قال: أعتق عبدك عني وعليّ ثمنه ففعل فالثمن عليه والولاء للمعتق عنه. وإن قال: أعتقه والثمن عليّ ففعل فالثمن عليه والولاء للمعتق).
أما كون الثمن على القائل في المسألة الأولى والولاء للمعتق عنه؛ فلأنه أعتق عنه بشرط العوض فتقدر ابتياعه منه ثم توكيله في عتقه (٢) ليصح عتقه عنه فيكون الثمن عليه والولاء له؛ كما لو ابتاعه منه ثم وكله في عتقه.
وأما كون الثمن عليه في المسألة الثانية؛ فلأنه جعل له جعلاً على إعتاق عبده. فلزمه ذلك بالعمل؛ كما لو قال: من بنى هذا الحائط فله دينار فبناه إنسان.
وأما كون الولاء للمعتق؛ فلأنه لم يأمره بإعتاقه عنه ولا قصد به المعتق ذلك. فلم يوجد ما يقتضي صرفه إليه فيبقى للمعتق؛ لما تقدم في الحديث.
قال: (وإن قال الكافر لرجلٍ: أعتق عبدك المسلم عني وعليّ ثمنه ففعل فهل يصح؟ على وجهين) (٣).
أما كون ما ذكر لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه تلزم من الصحة ثبوت الملك المقدر للكافر على المسلم، والمقدر كالمحقق، وثبوت المحقق لا يجوز؛ لما فيه من الصَّغَار. فكذلك ثبوت ما يشبهه.
وأما كونه يصح على وجهٍ؛ فلأنه يحصل له نفعٌ عظيم في مقابلة ثبوت الملك المقدر؛ لأن خلاص الرقبة فيه نفع عظيم؛ لأنه يصير متهيئاً للطاعات وإكمال القربات.
стр. 2015
قال: (ومن أعتق عبداً يُباينه في دينه فله ولاؤه وهل يرث به؟ على روايتين: أحدهما: لا يرث؛ لكن إن كان له عصبة على دين المعتَق ورثَه. وإن أسلم الكافر منهما ورث المعتِق روايةً واحدة).
أما كون من أعتق عبداً يباينه في دينه له ولاؤه؛ فلأنه معتق. فيدخل في عموم قوله ﵇: «وإنما الولاء لمن أعتق» (١).
وأما كونه يرث به (٢) على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي أنه قال: «الولاءُ شعبةٌ منَ الرّق» (٣).
وأما كونه لا يرث به على روايةٍ؛ فلقوله ﵇: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ» (٤).
ولأنه ميراث. فمنعه منه تباين الدين؛ كميراث النسب.
قال المصنف في المغني: وهذا -يعني عدم الإرث- أصح في الأثر والنظر. وظاهر كلام أحمد الإرث به (٥)؛ لأنه شبهه بالرق فلم يصر تباين الدين. بخلاف الإرث بالنسب.
فعلى هذا إذا مات معتق وخلّف مولاه المباين له في دينه وعصبة له على وفق دين المعتق يكون ميراثه لمولاه على الرواية الأولى ولعصبة مولاه على الثانية. وإن أسلم الكافر من السيد والمعتق ورثه السيد قولاً واحداً؛ لأن الولاء له ولا مانع من الإرث. فوجب ثبوته عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
стр. 2016
فصل [في إرث النساء من الولاء]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يرثُ النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن. وعنه: في بنت المعتق خاصة ترث. والأول أصح).
أما كون النساء لا يرثن بالولاء من لم يعتقنه (١) وإن أعتقه موروثهن على المذهب؛ فلأن المرأة من موروثها المعتق بمنزلة النسب من الأخ والعم ونحوهما فولده من العتيق بمنزلة ولد أخيه وعمه، ولا ترث منهم الأنثى. فكذلك هاهنا.
وأما كونهن يرثن ما أعتقن ... إلى آخره؛ فلأن عائشة أعتقت بريرة. وقال النبي ﷺ فيها: «إنما الولاء لمن أعتق» (٢) متفق عليه.
وقال ﷺ : «تحوزُ المرأةُ ثلاثةُ مواريث: عَتيقَهَا ولقِيطَهَا وولَدَهَا الذي لاعنتْ عليه» (٣). قال الترمذي: حديث حسن.
ولأن المرأة منعمة بالإعتاق. أشبهت الرجل.
وأما كون بنت المعتق خاصة ترث على روايةٍ؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه ورّث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة (٤).
وأما كون الأول أصح؛ فلأن البنت من النساء فلا ترث معتق ابنها كسائر النساء. وأما الحديث فقال عبدالله بن شداد: «كان لبنت حمزة مولى أعتقته فمات وترك ابنته ومولاته بنت حمزة. فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأعطى ابنته النصف وأعطى مولاته بنت حمزة النصف -قال عبدالله بن شداد: أنا أعلم بها لأنها أختي
стр. 2017
من أمي أمنا سلمى-» (١). رواه اللبان بإسناده. وقال: هذا أصح مما روى إبراهيم. يعني أن الولاء (٢) كان لحمزة.
قال: (ولا يرث منه ذو فرضٍ إلا الأب والجد يرثان السدس مع الابن، والجد يرث الثلث مع الإخوة إذا كان أحظ له).
أما كون ذي الفرض غير الأب والجد لا يرث من الولاء؛ كالأخ من الأم والزوج إذا لم يكونا ابني عم؛ فلأنه مختص بالعصبات، وليس من ذكر عصبة بحال.
وأما كون الأب يرث السدس مع الابن؛ فلأنه عصبة في الجملة، وهو يرث السدس مع الابن في غير الولاء. فكذا في الولاء.
وأما كون الجد يرث ذلك مع الابن؛ فلأنه يرث ذلك معه مع عدم الأب في غير الولاء. فكذا فيه.
وأما كونه يرث الثلث مع الإخوة إذا كان أحظ له؛ فلأنه يرث ذلك معهم في غير الولاء. فكذلك في الولاء.
قال: (والولاء لا يورث وإنما يورث به ولا يباعُ ولا يوهب).
أما كون الولاء لا يورث وإنما يورث به؛ لأنه قول عمر وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر وأبي مسعود البدري وأسامة بن زيد [﵃] (٣).
ولأن النبي ﷺ شبهه بالنسب (٤)، والنسب لا يورَث وإنما يورَث به.
وأما كونه لا يباع ولا يوهب؛ فـ «لأن النبي ﷺ نهَى عن بيعِ الولاءِ وهبتِه» (٥). [متفق عليه] (٦).
стр. 2018
قال: (وهو للكِبَر (١). فإذا مات المعتق وخلف عتيقه وابنين فمات أحد الابنين بعده عن ابن، ثم مات العتيق فالميراث لابن المعتق. وإن مات الابنان بعده وقبل مولاه وخلّف أحدهما ابناً والآخر تسعة فولاؤه بينهم على عددهم لكل واحدٍ عشرة).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهو للكِبَر (٢)؛ فمعناه أن المعتق يرثه من عصبات سيده أقربهم إليه وأولاهم بميراثه يوم مات.
قال ابن سيرين: إذا مات المعتق نظر إلى أقرب الناس إلى الذي أعتقه فيجعل ميراثه له. وسيتضح ذلك بالمسألة المذكورة بعد.
وأما كون الميراث لابن المعتق دون ابن ابنه فيما إذا مات المعتق وخلّف عتيقه وابنين فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المعتق؛ فلأن ابن المعتق أقرب عصبة السيد؛ لأن السيد لو مات وترك ابنه وابن ابنه كان ميراثه لابنه دون ابن ابنه.
وأما كون الولاء بين البنين على عددهم لكل واحدٍ عشرة فيما إذا مات الابنان بعده وقبل المولى وخلّف أحدهما ابناً والآخر تسعة؛ فلأن السيد لو مات كان ميراثه بينهم كذلك. فكذلك ميراث مولاه.
قال: (وإذا اشترى رجلٌ وأخته أباهما أو أخاهما فعتق ثم اشترى عبداً فأعتقه، ثم مات المعتق، ثم مات مولاه: ورثه الرجل دون أخته. وإذا ماتت المرأة وخلّفت ابنها وعصبتها ومولاها فولاؤه لابنها، وعقله على عصبتها).
أما كون الإرث في المسألة الأولى للرجل دون أخته؛ فلأنه عصبة المعتق، والأخت مولاة المعتق، وعصبة المعتق مقدمة على معتق المعتق.
وأما كون الولاء لابن المرأة وعقله على عصبتها؛ فلما روى زياد بن أبي مريم «أن امرأةً أعتقتْ عبداً لها ثمّ توفيتْ، وتركتْ ابناً لها وأخاها ثم توفي مولاَهَا من بعدها. فأتَى أخو المرأةِ وابنَهَا رسول الله ﷺ في ميراثِهِ. فقال ﵇: ميراثُهُ
стр. 2019
لابنِ المرأةِ. فقالَ أخوهَا: لوْ جَرَّ جريرةً كانتْ عليّ ويكون ميراثهُ لهذا؟ قال: نعم» (١).
وروى إبراهيم قال: «اختصمَ عليّ والزبير في مولىَ صفية. فقال عليّ: مولى عمتي وأنا أعقلُ عنه، وقال الزبير (٢): مولى أمي وأنا أرثُه. فقضى عمر للزبير بميراثِهِ، وقضى علَى عليٍّ بالعقل» (٣). رواه الإمام أحمد وسعيد في السنن ﵄.
стр. 2020
فصل في جر الولاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: (كل من باشرَ العتق أو عتق عليه لا ينتقل عنه بحال. فأما إن تزوج العبد معتقة فأولدها فولاء ولدها لمولى أمه. فإن أعتق العبد سيده انجرّ ولاء ولده إليه، ولا يعود إلى موالي الأم بحال).
أما كون ولاء من باشر العتق أو عتق عليه لا ينتقل عنه بحال؛ فلأن النبي ﷺ أثبت الولاء له.
ولأن غيره ليس مثله في النعمة.
ولأن مقتضى الدليل أن لا ينتقل حق عن مستحقه. خولف فيمن اشترى أبا من عليهم الولاء تبعا لأمهم للحديث. فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون الولاء لمولى الأم فيما إذا تزوج العبد معتقة فأولدها؛ فلأن مولى الأم هو سبب الإنعام على الولد؛ لكونه انعتق بعتق أمه.
وأما كون الولاء ينجرّ إلى سيد العبد إذا أعتقه فلما روى عبدالرحمن عن الزبير «أنه لما قدمَ خيبر رأى فتيةً لُعْساً فأعجبهُ ظرْفُهم وجمالُهم. فسألَ عنهم. فقيلَ: موالي رافع بن خديج وأبوهم مملوك لآلِ الحرقة. فاشترَى الزبيرُ أباهمْ فأعتقه، وقال لأولاده: انتسبوا إليّ فإن ولاءكمْ لي. فقال رافع: الولاءُ لي فإنهم عتقُوا بعتقي أمهم. فاحتكمُوا إلى عثمان فقضَى بالولاءِ للزبير» (١). فاجتمعت الصحابة عليه.
ولأن الانتساب إلى الأب تعذر لما كان عبداً. فإذا عتق زال ذلك. فوجب عوده؛ لزوال التعذر.
وأما كون الولاء لا يعود إلى موالي الأم بحال. والمراد بذلك: أنه إذا انقرض موالي الأب لا يرجع الولاء إلى موالي الأم بل يكون لبيت المال؛ فلأن الولاء جرى
стр. 2021
مجرى الانتساب ولو انقرض الأب وآباؤه لم تعد النسبة (١) إلى الأم. فكذلك الولاء. وإذا لم تعد إلى موالي الأم، ولم يبق من موالي الأب أحد تعين كونه لبيت المال؛ كما لو مات المعتق ولا موالي له.
قال: (وإن أعتق الجد لم يجرّ ولاءهم في أصح الروايتين. وعنه: يجره).
أما كون معتق الجد لا يجر ولاء ولد ولده على روايةٍ؛ فلأنه لا نص فيه.
وأما كونه يجره على روايةٍ؛ فلأنه أب في الجملة. فجره؛ كالأب.
ولأن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب وأحكام النسب. فكذلك في جر الولاء.
وأما (٢) كون الأولى وهي أصح في المذهب؛ فلأن الأصل بقاء الولاء لمستحقه. خولف هذا الأصل فيما إذا أعتق الأب؛ للاتفاق عليه. والجد لا يساويه بدليل أنه لو أعتق الأب بعد الجد جره عنه موالي الجد إليه، ولو أسلم الجد لم يتبعه ولد ولده.
ولأن الجد يدلي بغيره. فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل.
قال: (وإن اشترى الابن أباه عتق عليه وله ولاؤه وولاء إخوته، ويبقى ولاؤه لمولى أمه؛ لأنه لا يجر ولاء نفسه).
أما كون الابن إذا اشترى أباه يعتق عليه؛ فلقوله ﷺ : «منْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهوَ حُرّ» (٣).
وأما كونه له ولاؤه؛ فلأنه عتق بسبب شرائه له فكان ولاؤه له؛ كما لو باشره بالعتق.
وأما كونه له ولاء إخوته؛ فلأنهم تبع لأبيهم.
وأما كون ولائِه يبقى لمولى أمه؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى.
стр. 2022
قال: (وإن اشترى الولد عبداً فأعتقه، ثم اشترى العتيق أبا معتقه فأعتقه: ثبت له ولاؤه وجر ولاء معتقه فصار كل واحدٍ منهما مولى الآخر. ومثله لو أعتق الحربي عبداً ثم سبى العبد مُعتقه فأعتقه فلكل واحد منهما ولاء صاحبه).
أما كون الولاء يثبت للعتيق على أبي معتقه؛ فلأنه معتقُه.
وأما كونه يجر ولاء معتقه؛ فلأنه أعتق أباه.
وأما كون كل واحدٍ منهما يصير مولى الآخر؛ فلأن الولد مولى المعتق؛ لأنه أعتقه والمعتق مولى الولد؛ لأنه أعتق أباه.
ولا بد أن يلحظ أن الولد كان من معتقه ليكون الولاء عليه لمولى أمه حتى ينجر ولاؤه إلى المعتق بشراء أبيه. ولو قدر أن الولد من حرة الأصل لم يكن عليه ولاء فضلاً أن ينجر إلى أحد.
وأما كون الحربي إذا أعتق عبداً ثم سبى العبد معتقه فأعتقه مثل ما تقدم ذكره؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب (١) أن يكون حكماً.
وأما كون كل واحدٍ منهما له ولاء صاحبه؛ فلأن كل واحدٍ منعم على الآخر بخلاص رقبته من الرق.
стр. 2023
فصل في دور الولاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا اشترى ابنٌ وبنت معتقة أباهما فعتق عليهما: صار ولاؤه لهما نصفين، وجر كل واحدٍ منهما نصف ولاء صاحبه، ويبقى نصفه لمولى أمه).
أما كون ولاء الأب المعتق يصير لابنه وبنته المشتريين له نصفين؛ فلأن كل واحدٍ عتق عليه نصفه.
وأما كون كل واحدٍ منهما يجر نصف ولاء (١) صاحبه؛ فلأن ولاء الولد تابع لولاء الأب.
وأما كون نصفه يبقى لمولى أمه؛ فلأن الشخص لا يجر ولاء نفسه.
قال: (فإن مات الأب ورثاه أثلاثاً. وإن ماتت البنت بعده ورثها أخوها بالنسب ثم إذا مات أخوها فماله لمواليه وهم: أخته وموالي أمه: فلموالي أمه النصف (٢)، والنصف الآخر لموالي الأخت وهم: أخوها وموالي أمها. فلموالي أمها نصف ذلك وهو الربع يبقى الربع وهو الجزء الدائر؛ لأنه خرج من الأخ وعاد إليه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لموالي الأم.
والثاني: أنه لبيت المال؛ لأنه لا مستحق له).
أما كون الابن والبنت يرثان الأب أثلاثاً؛ فلأن ميراث النسب مقدمٌ على الولاء، وميراث النسب للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأما كون الأخ يرث أخته بالنسب؛ فظاهر.
стр. 2024
وأما كون مال الأخ لمواليه؛ فلأنه لا مناسب له.
وأما كون النصف لموالي الأم والنصف الآخر لموالي الأخت (١)؛ فلأن الولاء بينهما نصفين.
وأما كون الربع من النصف الذي لموالي الأخت لموالي الأم؛ فلأن ولاء الأخت بين الأخ وموالى الأخت نصفين.
وأما كون الربع هو الجزء الدائر؛ فلما ذكر المصنف.
وأما كونه لموالي الأم في وجهٍ؛ فلأنهم أولى من غيرهم (٢).
وأما كونه لبيت المال في وجهٍ؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من أنه لا مستحق له.
стр. 2025
كتاب العتق
(١) العتق في اللغة: الخلوص. ومنه: عتاق الخيل وعتاق الطير. سميت بذلك: لخلوصهما. وسمي البيت الحرام عتيقاً: لخلوصه من أيدي الجبابرة.
وهو في الشرع: تحرير الرقبة وتخليصها من الرقّ.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فك رقبة﴾ [البلد: ١٣].
وأما السنة؛ فما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أَعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ اللهُ بكلِ إرْبٍ منه إرْباً منه من النار. حتى أنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج» (٢). متفق عليه.
وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة في الجملة على صحة العتق وحصول القربة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو من أفضل القُرَب. والمستحب عتق من له كسب. فأما من لا قوة له ولا كسب فلا يستحب عتقه ولا كتابته).
أما كون العتق من أفضل القرب؛ فلأن الله تعالى جعله كفارة للقتل، والظهار، والوطء في رمضان، والأيمان. وجعله النبي ﷺ فكاكاً لمعتقه من النار (٣).
وأما كون المستحب عتق من له كسب؛ فلأنه إذا أعتق يجد ما ينفق عليه ولا يبقى عَيْلة ولا محتاجاً.
وأما كون من لا قوة له ولا كسب لا يستحب عتقه ولا كتابته؛ فلأن في عتقه وكتابته نقلاً له من حالة الغنى بنفقة السيد إلى السؤال والفقر.
قال: (ويحصل العتق بالقول والملك).
أما كون العتق يحصل بالقول؛ فظاهر. وسيأتي ذكره بعد.
стр. 2026
وأما كونه يحصل بالملك؛ فبأن يملك أباه أو ابنه أو أخاه وما أشبه ذلك. وسيأتي دليله في موضعه إن شاء الله تعالى (١).
قال: (فأما القول فصريحه لفظ: العتق والحرية كيف صرفا. وكنايته: خليتك، والحق بأهلك، واذهب حيث شئت ونحوها).
أما كون العتق له صريح وكناية؛ فلأنه إزالة قيد. أشبه الطلاق.
وأما كون صريحه لفظ العتق والحرية؛ فلأنهما وردا في الكتاب والسنة ومثلهما (٢): أعتقتك، وحررتك، وأنت معتق وأنت حر أو محرر أو عتيق.
وفي قول المصنف ﵀: كيف صرفا نظر؛ لأن من تصاريف لفظ العتق والحرية الفعل المضارع نحو قولك: أُعْتِقُك وأحررك. وذلك لا يوقع العتق وفاقاً.
وأما كون كنايته (٣) ما ذكر؛ فلأن فيه معنى الإزالة. فجاز أن يكنى به عن العتق؛ كالطلاق.
قال: (وفي قوله: لا سبيل لي عليكَ، ولا سلطان لي عليكَ، ولا ملك لي عليكَ، ولا رق لي عليكَ، وفككت رقبتكَ، وأنت مولاي، وأنت لله، وأنت سائبة: روايتان إحداهما: أنه صريح، والأخرى كناية).
أما كون ما ذكر صريحاً على روايةٍ؛ فلأنه يتضمن العتق. فكان صريحاً؛ كما لو قال: أعتقتك.
وأما كونه كناية على رواية؛ فلأنه يحتمل غير العتق.
قال: (وفي قوله: لأمته أنت طالق أو أنت حرام روايتان: إحداهما: أنه كناية، والأخرى: لا يعتق به وإن نوى).
أما كون ما ذكر كناية على روايةٍ؛ فلأن الرق أحد الملكين في الآدمي. فيزول بلفظ الطلاق والحرام إذا نوى لهما العتق؛ كملك النكاح.
стр. 2027
وأما كونه لا يعتق به وإن نوى على روايةٍ؛ فلأن الرق ملك لا يستدرك بالرجعة. فلم يزل بما ذكر؛ كملك بقية المال.
قال: (وإن قال لعبده وهو أكبر منه: أنت ابني: لم يعتق. ذكره القاضي. ويحتمل أن يعتق).
أما كون العبد المقول له ما ذُكر لا يعتق على المذهب؛ فلأن كذب سيده محقق. فلم يعتق؛ كما لو قال لأمة وهي أصغر منه: هذه أمي.
وأما كونه يحتمل أن يعتق؛ فلأن سيده اعترف بما تثبت به حريته. أشبه ما لو أقر بحريته.
قال: (وإذا أعتق حاملاً عتق جنينها إلا أن يستثنيه. وإن أعتق ما في بطنها دونها عتق وحده).
أما كون الجنين يعتق بعتق أمه مع عدم استثنائه؛ فلأنه تابع لأمه. بدليل دخوله في البيع وغيره.
وأما كونه لا يعتق مع استثنائه؛ فـ «لأن ابن عمر أعتق أمة واستثنى ما في بطنها».
ولأنها ذات حملٍ. فصح استثناء حملها كما لو باع نخلة لم تؤبر فاشترط ثمرتها.
وأما كون ما في بطنها يعتق وحده إذا أعتقه دون أمه؛ فلأن الأم ليست تابعة له. فلم تعتق بعتقه؛ كما لو أعتقه بعد الولادة.
قال: (وأما الملك فمن ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه. وعنه: لا يعتق إلا عمود النسب).
أما كون من ملك ذا رحمٍ محرمٍ من عمودي النسب؛ كالولد وإن نزل، والوالد وإن علا من عمودي النسب؛ كالأخ وأولاده وإن نزلوا والعم وما أشبه ذلك ممن يحرم نكاحه: يعتق عليه على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «منْ مَلكَ ذا رَحِمٍ محرمٍ فهوَ حُر» (١) رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن.
стр. 2028
ولأن غير عمودي النسب ذو رحم محرم. فعتق عليه بالملك؛ كعمودي النسب.
وأما كون غير عمودي النسب لا يعتق على روايةٍ؛ فلأن نفقة غيرهما لا تجب على قول.
والأول أولى؛ لعموم الخبر.
قال: (وإن ملك ولده من الزنا لم يعتق في ظاهر كلامه. ويحتمل أن يعتق).
أما كون ولد الزنا لا يعتق بالملك في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن أحكام الولد غير ثابتة فيه وهي الميراث، وعدم الحجب، والمحرمية، ووجوب الإنفاق، وثبوت الولاية. فكذا في العتق بالملك.
وأما كونه يحتمل أن يعتق؛ فلأنه حر حقيقة وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج. ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين عتق عليه مع انتفاء الأحكام المذكورة.
قال: (وإن ملك سهماً ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله وعليه قيمة نصيب شريكه. وإن كان معسراً لم يعتق عليه إلا ما ملك).
أما كون من ملك سهماً مما ذُكر وهو موسر يعتق عليه كله: أما السهم؛ فلأن كل سببٍ إذا وجد في الكل، عتق به: إذا وجد في البعض عتق به؛ كالإعتاق.
وأما بقية الكل؛ فلأنه إذا أعتقه سرى مع اليسار. فكذلك إذا ملكه باختياره.
وشرط المصنف ﵀ في ذلك: أن يكون مملوكاً بغير الميراث؛ لأنه مملوك بغير اختياره. وسيأتي ذكره.
وأما كونه عليه قيمة نصيب شريكه؛ فلأنه فوّته عليه. أشبه ما لو جرح غيره فمات من سراية الجرح.
стр. 2029
وأما كونه لا يعتق عليه إلا ما ملك إذا كان معسراً؛ فلأن المباشرة مع الإعسار لا يسري بها العتق. فالعتق بالملك بطريق الأولى.
قال: (وإن ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك. موسراً كان أو معسراً. وعنه: أنه يعتق عليه نصيب الشريك إن كان موسراً).
أما كون ما ملكه بالميراث لا يعتق منه إلا ما ملك. موسراً كان أو معسراً على المذهب؛ فلأنه ملكه بغير اختياره. فلم يصح إلحاقه؛ كما لو باشر عتقه.
وأما كون نصيب الشريك يعتق عليه إن كان موسراً على رواية؛ فلأنه سهم ملكه. فيسري إلى نصيب شريكه. أشبه ما لو ملكه بالتسري.
وإنما لم يعتق إذا كان معسراً رواية واحدة؛ لأنه لو باشر عتقه وهو معسر لم يسر. فلأن لا يسري بالملك بالميراث بطريق الأولى.
قال: (وإن مَثَّل بعبده فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك عتق عليه نص عليه. قال القاضي: والقياس أن لا يعتق).
أما كون من مثّل بعبده يعتق عليه على المنصوص؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من مثّل بعبده فهو حر» (١). رواه الإمام أحمد.
وأما قول المصنف: فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك؛ فتمثيل للتمثيل بالعبد، وتعداد لصور منه.
وأما كون القياس أن لا يعتق على قول القاضي؛ فلأن ذلك جناية على ماله. فلم يوجب زوال ملكه عنه. أشبه ما لو جنى على دابته.
قال: (وإذا أعتق السيد عبده فماله للسيد. وعنه: أنه للعبد).
أما كون مال من أُعتق لسيده على المذهب؛ فلما روي عن ابن مسعود: «أنه قال لغلامه عمير: يا عمير! إني أريد أن أعتقك عتقاً هنيئاً. فأخبرني بمالك. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده». رواه الأثرم.
стр. 2030
ولأن العبد وماله كانا جميعاً للسيد. فإذا أزال الملك عن أحدهما وجب أن يبقى الملك على الآخر؛ كما لو باعه.
وأما كونه للعبد على روايةٍ؛ فلما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعتقَ عبداً وله مال فالمال للعبد» (١). رواه الإمام أحمد.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وحديث ابن عمر ضعّفه الإمام أحمد.
стр. 2031
فصل [إذا أعتق جزءاً من عبده]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أعتق جزءاً من عبده معيناً أو مشاعاً عتق كله. وإن أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه عتق كله، وعليه قيمة باقيه يوم العتق لشريكه. وإن أعتقه شريكه بعد ذلك لم يثبت له فيه عتق. وإن كان معسراً لم يعتق إلا نصيبه وبقي حق شريكه فيه. وعنه: يعتق كله ويُستسعى العبد في قيمة باقيه غير مَشقوق عليه).
أما كون من أعتق جزءاً من عبده معيناً كان الجزء أو مشاعاً يعتق عليه كله؛ فلأن العتق يسري في عبد الغير لما يأتي. فلأن يسري في عبدٍ له خاصة بطريق الأولى.
وأما كون من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه يعتق كله، وعلى المعتق قيمة باقيه لشريكه؛ فلما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعتقَ شِركاً له في عبدٍ، فكان معه ما يبلغُ قيمةَ العبد، قوّم عليه قيمةَ عدل، وعَتَقَ عليه جميعَ العبد» (١).
وأما كون القيمة يوم العتق؛ فلأنه يوم التلف.
وأما كون الشريك إذا أعتقه بعد ذلك لا يثبت له فيه عتق؛ فلأن عتق المعتَق لا يصح.
وأما كون المعتِق لا يعتق إلا نصيبه إذا كان معسراً على المذهب؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يعتق على أحدٍ نصيب شريكه. خولف ذلك في اليسار للحديث. فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
стр. 2032
وأما كون حق شريكه يبقى فيه؛ فلأن العتق لم يسر إليه.
وأما كون العبد يعتق كله ويُستسعى في قيمة باقيه غير مشقوق عليه على رواية؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعتقَ شِقْصاً له في مملوكٍ فعليه أن يعتقه كله إن كانَ له مال، وإلا استُسْعَي العبدُ غيرَ مَشْقُوق عليه» (١). رواه أبو داود.
قال: (وإذا كان العبد لثلاثة: لأحدهم نصفه، ولآخر ثلثه، ولآخر سدسه. فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معاً وهما موسران عتق عليهما، وضمنا حق شريكهما فيه نصفين، وصار ولاؤه بينهما أثلاثاً. ويحتمل أن يضمناه على قدر ملكيهما فيه).
أما كون العبد يعتق على صاحبي النصف والسدس؛ فلما تقدم.
وأما كونهما يضمنان حق شريكهما فيه نصفين على المذهب؛ فلأن كل واحدٍ منهما لو انفرد بالعتق لضمن الكل. فإذا وجد سبب التلف منهما وجب الضمان عليهما.
وأما كون ولاء العبد بينهما أثلاثاً؛ فلأن صاحب النصف عتق عليه النصف بالمباشرة والسدس بالسراية وذلك ثلثا العبد. وصاحب السدس عتق عليه السدس بالمباشرة والسدس بالسراية وذلك ثلث العبد.
وأما كونه يحتمل أن يضمناه على قدر ملكيهما فيه؛ فلأن التلف حصل بإعتاق ملكيهما. وما وجب بسبب الملك كان على قدره؛ كالنفقة واستحقاق الشفعة.
стр. 2033
قال: (وإذا أعتق الكافر نصيبه من مسلمٍ وهو موسرٌ سرى إلى باقيه في أحد الوجهين).
أما كون إعتاق الكافر الموسر نصيبه من مسلم يسري إلى باقيه في وجهٍ؛ فلأنه تقويمُ متلفٍ. فاستوى فيه المسلم والكافر؛ كتقويم المتلفات.
وأما كونه لا يسري في وجه؛ فلأنه لا يجوز أن يتملكه. بخلاف المسلم.
قال: (وإذا ادعى كل واحدٍ من الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران فقد صار العبد حراً به؛ لاعتراف كل واحدٍ منهما بحريته، وصار مدعياً على شريكه قيمة حقه منه، ولا ولاء عليه لواحدٍ منهما. وإن كانا معسرين لم يعتق على واحدٍ منهما. وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذٍ ولم يسر إلى نصيبه. وقال أبو الخطاب: يعتق جميعه. وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب المعسر وحده).
أما (١) كون العبد يصير حراً إذا ادعى كل واحدٍ من الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى.
وأما كون كل واحدٍ منهما يصير مدعياً على شريكه قيمة حقه عليه؛ فلأنه يدعي أنه عتق عليه بالسراية.
وأما كون العبد لا ولاء عليه لواحدٍ منهما؛ فلأنه لا يدعيه واحدٌ منهما إذْ كل واحدٍ منهما يقول لصاحبه: أنت المعتق وولاؤه لك لا حق لي فيه.
وأما كونه لا يعتق على واحدٍ منهما إذا كانا معسرين؛ فلأنه لا يقبل قول واحدٍ منهما على شريكه في نصيبه. ولا سراية مع الإعسار. فلم يوجد الاعتراف بالحرية.
وأما كون من اشترى نصيب صاحبه يعتق عليه حينئذٍ؛ فلأنه معترفٌ بحريته.
وأما كونه لا يسري إلى نصيبه الذي كان له على قول غير أبي الخطاب؛ فلأن السراية فرعُ الإعتاق ولم يوجد منه ذلك. وإنما حكم عليه بالعتق؛ لاعترافه أن شريكه أعتقه.
стр. 2034
وأما كونه يعتق جميعه على قول؛ فلأن الحكم بالعتق شبيهٌ بنفس العتق.
وأما كون نصيب المعسر يعتق وحده إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً؛ فلأنه اعترف بأن الموسر أعتق نصيبه، وذلك يوجب السراية. فعتق نصيبه؛ لاعترافه بما يوجب العتق.
قال: (وإذا قال أحد الشريكين: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر فأعتق الأول وهو موسر: عتق كله عليه. وإن كان معسراً عتق على كل واحدٍ منهما نصيبه).
أما كون العبد يعتق كله على المعتق الأول: أما نصيبه؛ فلأنه أعتقه.
وأما نصيب شريكه؛ فلأنه لما أعتق نصيبه كان موسراً. فسرى إلى نصيب شريكه فعتق بالسراية؛ لما تقدم.
وأما كون كل واحدٍ منهما يعتق عليه نصيبه إذا كان المعتق الأول معسراً؛ فلأن عتق المعسر لا يسري إلى نصيب الشريك. فوقع عتق الشريك؛ لأنه وجد شرط عتقه ولم يوجد ما يمنع وقوعه.
قال: (وإن قال: إذا أعتقت (١) نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فأعتق نصيبه: عتق عليهما موسراً كان أو معسراً).
أما كون النصيب المذكور يعتق على من ذكر مع اليسار؛ فلأن عتق شريكه يقع مقارناً للعتق المعلق. ضرورة قوله: مع نصيبك. فلم تجد السراية محلاً؛ لأنها لا توجد إلا بعد عتق الأول لنصيبه.
وأما كونه يعتق عليهما مع الإعسار؛ فلما تقدم.
стр. 2035
فصل [يصح تعليق العتق بالصفات]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويصح تعليق العتق بالصفات؛ كدخول الدار ومجيء الأمطار. ولا يملك إبطالها بالقول. وله بيعه وهبته ووقفه وغير ذلك. فإن عاد إليه عادت الصفة. إلا أن تكون قد وجدت منه في حال زوال ملكه فهل تعود بعوده؟ على روايتين).
أما كون تعليق العتق بالصفات كما ذَكر المصنف يصح؛ فلأنه إزالة قيد. فصح تعليقه بما ذكر؛ كالطلاق.
وأما كون المعلِّق لا يملك إبطال الصفات بالقول. والمراد: إبطال تعليق العتق بالصفات؛ فلأنه ألزم نفسه شيئاً. فلم يملك إبطاله بالقول؛ كالنذر.
وأما كونه له بيع المعلَّق عتقه بالصفات وهبته ووقفه وغير ذلك؛ فلأن ملكه باق عليه؛ لكون العتق لا يقع إلا بعد وجود الشرط؛ لأن المعلق بشرط عَدَمٌ عند عدمِ الشرط.
وأما كون المعلَّق عتقه بصفة؛ كدخول الدار ونحوه إذا باعه سيده ثم عاد إليه تعود الصفة إذا لم تكن وجدت فيه في حال زوال ملكه؛ فلأن التعليق وتحقق الشرط موجودان في ملكه. فوجب العتق؛ كما لو لم يزل ملكه عنه.
وأما كونها لا تعود إذا كانت قد وجدت منه فيما ذكر على رواية منصوصة عن الإمام أحمد؛ فلأن العتق المعلق بشرط لا يقتضي التكرار. فإذا وجد مرة انحلت اليمين. وقد وجدت الصفة في الملك الغير فانحلت يمينه. فلم تعد بعد ذلك.
وأما كونها تعود على رواية مخرجة من المنصوص عنه في الطلاق؛ فلأن العتق في معناه.
ولأن التعليق وتحقق الشرط وجدا في ملكه. أشبه ما تقدم.