← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاحَ إلا بولي وشاهدَي عدلٍ. وأيما امرأةٍ أَنكحَها وليٌ مسخوطٌ عليه فنكاحُها باطل» (١). ولأنها ولاية نظرية. فلا يستبد بها الفاسق؛ كولاية المال. وأما كونه لا يشترط عدالته على روايةٍ؛ فلأنه يلي نكاح نفسه. فتثبت الولاية على غيره؛ كالعدل. ولأن سبب الولاية القرابة، وشرطها النظر. وهذا قريب ناظر. فوجب أن يلي؛ كالعدل. قال: (فإن كان الأقرب طفلاً أو كافراً أو عبداً: زوج الأبعد. وإن عضل الأقرب زوج الأبعد. وعنه: يزوج الحاكم). أما كون الأبعد يزوج إذا كان الأقرب طفلاً أو كافراً أو عبداً؛ فلأن الأقرب فاقد لشرط الولاية فوجوده كعدمه. فوجب أن تثبت للأبعد؛ كما لو مات الأقرب. وأما كونه يزوج إذا عضل الأقرب على المذهب؛ فلأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب. فانتقل الولاية إلى الأبعد؛ كما لو جُنّ. ولأنه يفسق بالعضل. فتنتقل الولاية عنه؛ كما لو شرب الخمر. وأما كون الحاكم يزوج على روايةٍ اختارها أبو بكر؛ فلقول رسول الله ﷺ : «فإن اشتَجَرُوا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» (٢). والحاكم نائب عنه. ولأن ذلك حق عليه امتنع من أدائه. فقام الحاكم مقامه؛ كما لو كان عليه دين امتنع من قضائه. والأول أصح؛ لما ذكر.

стр. 2137

والحديث لا حجة فيه؛ لأنه قال: «وليُّ من لا وليَّ له» وهذه لها ولي. ثم يمكن حمله على ما إذا عضل الكل. ويؤيده قوله: «فإن اشتَجَرُوا»؛ لأنه ضمير جمع. والفرق بين الولاية والدَّين من وجوه: أحدها: أن الولاية حق للولي، والدَّين حق عليه. وثانيها: أن الولاية تنتقل عنه لعارض من فسق أو جنون أو موت، والدَّين لا ينتقل. وثالثها: أن الولاية يعتبر في بقائها العدالة وقد زالت بالعضْل، والدَّين لا يعتبر في بقائه ذلك. قال: (وإن غاب غيبة منقطعة زوج الأبعد. وهي: ما لا تُقطع إلا بكلفة ومشقة في ظاهر كلامه. وقال الخرقي: ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه. وقال القاضي: ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة. وعن أحمد: إذا كان الأب (١) بعيد السفر زوج الأبعد فيحتمل أنه أراد ما تقصر فيه الصلاة). أما كون الأبعد يزوج إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة؛ فلأن الأقرب تعذر التزويج منه. فوجب أن ينتقل إلى من يليه؛ كما لو جُنّ أو مات. وأما كون الغيبة المنقطعة هي ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن التحديدات توقيفية، ولا توقيف في هذه المسألة. فوجب الرد إلى ما يتعارف الناس. وهو ما ذكر. قال المصنف في المغني: هذا أقرب الأقوال إلى الصواب. ونسبه إلى أبي بكر. وأما كونها ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه في قول الخرقي؛ فلأن مثل هذا متعذر مراجعته. فتكون منقطعة. وأما كونها ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة في قول القاضي؛ فلأن الكفء يُنتظر سنة ولا ينتظر أكثر منها. فيلحق الضرر بترك تزويجها.

стр. 2138

وأما كون ما تقصر فيه الصلاة يحتمل أن يراد من قول أحمد: إذا كان الأب بعيد السفر زوج الأبعد؛ فلأن ذلك هو السفر البعيد الذي علقت عليه الأحكام. قال: (ولا يلي كافر نكاح مسلمة بحال؛ إلا إذا أسلمت أم ولده في وجه). أما كون (١) الكافر لا يلي نكاح مسلمة غير أم ولده؛ فلأنه لا ولاية لكافر عليها البتة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١]. ولأن ابن المنذر قال: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وأما كونه لا يلي نكاح أم ولده في وجه؛ فلما ذكر من الآية. ولأنها مسلمة. فلا يلي نكاحها؛ كابنته. فعلى هذا يزوجها الحاكم. وأما كونه يليه في وجه؛ فلأنها مملوكته. فيلي نكاحها؛ كالمسلم. ولأنه عقد عليها. فيليه؛ كإجارتها. قال: (ولا يلي مسلم نكاح كافرة إلا سيد الأمة أو ولي سيدتها أو السلطان). أما كون المسلم لا يلي نكاح كافرة إذا لم يكن سيد أمة أو ولي سيدتها أو السلطان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض﴾ [الأنفال: ٧٣]. ولأن مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر ولا يعقل عنه. فلم يل عليه؛ كما لو كان أحدهما رقيقا. وأما كونه يلي ذلك إذا كان سيد الأمة؛ فلأنه عقد على منافعها. فوليه وإن اختلف ديناهما؛ كإجارتها. وأما كونه يلي ذلك إذا كان ولي سيدتها؛ فلأنه يلي نكاح سيدها. فلأن يلي نكاحها بطريق الأولى. وأما كونه يلي ذلك إذا كان السلطان؛ فلأن ولايته عامة على أهل دار الإسلام، والكافرة من أهل الدار. فثبتت له الولاية عليها؛ كالمسلمة.

стр. 2139

قال: (ويلي الذميُّ نكاح موليته الذمية من الذمي. وهل يليه من مسلم على وجهين). أما كون الذمي يلي نكاح موليته الذمية من الذمي؛ فلأنه مساوٍ لها. فوليه؛ كالمسلم ولي المسلمة. وأما كونه يليه من مسلم على وجه فللمساواة المذكورة. وأما كونه لا يليه على وجه؛ فلأن فيه صغاراً على المسلم. قال: (وإذا زوج الأبعد من غير عذر للأقرب، أو زوج أجنبي: لم يصح. وعنه: يصح ويقف على إجازة الولي). أما كون ما ذُكر لا يصح على المذهب؛ فلأنه تصرف في حق الغير بغير إذنه. فلم يصح؛ كما لو باع ماله. وقول المصنف رحمه الله تعالى: من غير عذر للأقرب؛ فيه تنبيه على أنه إذا كان معذوراً بأن كان غائباً أو ما أشبه ذلك يصح نكاح الأبعد. وقد تقدم بيانه. فإن قيل: فقد عطف الأجنبي عليه فيجب أن يساويَ الأبعد في ذلك. قيل: لا؛ لأن الغيبة تجعل الأقرب كالمعدوم. فيتحقق الأبعد. وهذا المعنى مفقود في الأجنبي. والعطف يقتضي مساواة المعطوف المعطوف عليه في أصل العطف لا في كل ما يتعلق به. وأما كونه يصح ويقف على إجازة الولي على روايةٍ؛ فلأنه عقد معاوضة. فصح ووقف على الإجازة؛ كالبيع في روايةٍ. ولأنه عقد يقف على الفسخ. فصح ووقف على الإجارة؛ كالوصية. والبيع من الأجنبي لا يصح على الصحيح. والفرق بين هذا وبين الوصية أن الوصية يتراخى فيها القبول وتجوز بعد الموت فهي معدول بها عن سائر التصرفات.

стр. 2140

قال: (ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضراً. ووصيه في النكاح بمنزلته. وعنه: لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية. وقال ابن حامد: لا يصح إلا أن لا يكون لها عصبة). أما كون وكيل كل واحدٍ من الأولياء يقوم مقامه وإن كان حاضراً؛ فلأن الوكالة في النكاح تصح؛ «لأن النبي ﷺ وكّل أبا رافع في تزويج ميمونة» (١). و «وكّل عمرو بن أمية في تزويج أم حبيبة» (٢). ولأنه عقد معاوضة. فصح التوكيل فيه؛ كالبيع. وإذا صحت الوكالة فيه قام الوكيل مقامه كالوكيل في البيع وغيره. ولا فرق في الصحة بين الوكالة في القبول وبين الوكالة في الإيجاب، ولا بين كونها مُطْلقة؛ مثل: أن يوكله في تزويج من يرى بشرطه، وبين كونها مؤقتة؛ مثل: أن يوكله في تزويج رجل بعينه أو امرأة بعينها، ولا بين كون الولي مجبراً؛ كالأب، أو غير مجبر؛ كالجد ونحوه؛ لأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. وفي قول المصنف: ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه؛ إشعارٌ بأن وكيل المجبر يملك الإجبار ووكيل غير المجبر لا يملك الإجبار لأنه أقام مقام نفسه. فوجب أن يثبت له ما هو لموكله. وفي قوله: وإن كان حاضراً تنبيه على أن الوكالة ليس من شرطها الغيبة. ولأن الحاجة كما تدعو إلى الوكالة للغيبة. فكذلك تدعو إليها مع الحضور لكون الموكل يأنف مباشرة العقد ومثله لم تجر العادة بمباشرته. وأما كون وصي كل واحد من الأولياء في النكاح بمنزلته على المذهب واختاره الخرقي؛ فلأنها ولاية نائبه. فجازت وصيته بها؛ كولاية المال. ولأن الوصية نيابة بعد الموت. فجازت الوصية بها؛ كالوكالة.

стр. 2141

وأما كون ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية على روايةٍ؛ فلأنها ولاية تنتقل إلى غيره. فلم يجز أن يوصى بها؛ كالحضانة. ولأنه لا ضرر على الوصي في تضييعها ووضعها عند من لا يكافئها. فلم تثبت له الولاية؛ كالأجنبي. وأما كونها لا تصح على قول ابن حامد إذا كان لها عصبة؛ فلأنه يسقط حقهم. وأما كونها تصح إذا لم يكن لها عصبة فلعدم ذلك. قال: (وإذا استوى الأولياء في الدرجة صح التزويج من كل واحد منهم. والأولى تقديم أفضلهم ثم أسنهم. وإن تشاحوا أقرع بينهم. فإن سبق غير من وقعت له القرعة فزوج صح في أقوى الوجهين). أما كون التزويج من كل واحد من الأولياء يصح إذا استووا في الدرجة كالإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم؛ فلأن القرابة متحققة في كل واحد منهم. وأما الأولى تقديم أفضلهم؛ فلأنه أكمل من المفضول. وأما كون الأولى بعد ذلك تقديم أسنهم؛ فلأنه شيء يقدم به في غير هذا الموضع فكذا هاهنا. وقد نبّه النبي ﷺ على ترجيح الأسن في حديث محيصة وحويصة وعبدالرحمن بن سهل؛ لأنه لما تكلم عبدالرحمن وكان أصغرهم قال: «كبّر كبّر -أي قدّم الأكبر- فتكلّم حويصة» (١). وأما كونهم إذا تشاحوا يقرع بينهم؛ فلأن الحقوق إذا تساوت شرعت القرعة. دليله أن النبي ﷺ «كان يُقرعُ بين نسائهِ إذا سَافر» (٢)؛ لأن حقوقهم متساوية.

стр. 2142

وأما كون غير من وقعت له القرعة إذا سبق فزوج يصح في وجه؛ فلأن القرعة لم تبطل ولايته. فلم يبطل نكاحه. وأما كونه لا يصح في وجه؛ فلأن القرعة تعين المستحق. فلم يكن لغيره التزويج؛ لتعين غيره. وأما كون الأول أقوى؛ فلأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية. فصح؛ كما لو انفرد. قال: (وإن زوج اثنان ولم يعلم السابق منهما فسخ النكاحان. وعنه: يقرع بينهما فمن قرع أُمر الآخر بالطلاق ثم يجدد القارع نكاحه). أما كون النكاحين فيما ذُكر يفسخان على المذهب؛ فلأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون نكاحه هو الصحيح ولا سبيل إلى الجمع ولا معرفة الزوج فيفسخ لإزالة الزوجية. وأما كونهما يقرع بينهما على روايةٍ؛ فلأن القرعة تزيل الإبهام. وأما كون من لم يقرع يؤمر بالطلاق فلاحتمال أنه هو الزوج. فيكون من قرع ناكحاً زوجة غيره. وأما كون القارع يجدد نكاحه؛ فلأن المزوجة إن كانت زوجته لم يضره ذلك وإن لم تكن زوجته صارت زوجته بالتجديد. قال: (وإذا زوج السيد عبده الصغير من أمته جاز أن يتولى طرفي العقد. وكذلك ولي المرأة مثل ابن العم والمولى والحاكم إذا أذنت له في نكاحها فله أن يتولى طرفي العقد. وعنه: لا يجوز حتى يوكل غيره في أحد الطرفين). أما كون السيد إذا زوج عبده الصغير من أمته يجوز أن يتولى طرفي العقد؛ فلأنه ملك ذلك بحكم المُلك لا بحكم الإذن. وأما كون غيره ممن ذكر إذا أذنت له موليته في نكاحها: له ذلك على المذهب؛ فـ «لأن عبدالرحمن بن عوف قال لأمّ حكيم ابنة قارظٍ: أتجعلينَ أمرَكِ إليَّ؟ قالت: نعم. قال: تزوجتُك» (١). رواه البخاري.

стр. 2143

ولأنه يملك الإيجاب والقبول. فجاز أن يتولاهما؛ كما لو زوج السيد عبده الصغير من أمته. ولأنه عقد وُجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو أهل للقبول. فصح؛ كما لو وجدا من رجلين. وقد روي «أن النبي ﷺ أعتقَ صفيةَ وجعلَ عتقَها صداقَها» (١). وإنما اشترط (٢) الإذن في النكاح؛ لأن من ذكر لا يملك الإجبار عليه. ولا يدفع الإذن المذكور الإذن لوليها أن ينكحها نفسه؛ لأن الإذن المطلَق لا يجوز معه (٣) أن يُنكحها نفسه لأن قرينة الحال تؤذن بإنكاح الغير. وأما كونه لا يجوز حتى يوكل غيره في أحد الطرفين على روايةٍ؛ فلما روي عن عبدالملك بن عمير «أن المغيرةَ بن شعبة أمرَ رجلاً أن يزوّجه امرأة. المغيرة أولى بها منه» (٤). رواه أبو داود. ولأنه عقد ملكه بالإذن. فلم يجز أن يتولى طرفيه؛ كالبيع. ولأنه يروى أن النبي ﷺ قال: «كلُ نكاحٍ لا يحضرهُ أربع فهو سِفاح: زوج، وولي، وشاهدان». قال: (وإذا قال السيد لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك صح. وإن طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف قيمتها. وعنه: لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها فإن أبت ذلك فعليها قيمتها). أما كون السيد إذا قال لأمته ما تقدم ذكره يصح على المذهب؛ فـ «لأن النبي ﷺ أعتقَ صفيةَ وجعل عتقَها صداقَها» (٥) متفق عليه.

стр. 2144

وأما كونه يرجع عليها بنصف قيمتها إذا طلقها قبل دخوله بها؛ فلأن الطلاق قبل الدخول يقتضي الرجوع في نصف ما فرض لها، وقد فرض لها نفسها ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله. فرجع بنصف قيمة نفسها. والعبرة بالقيمة حالة الإعتاق لأنها حالة الإتلاف. وأما كون السيد إذا قال ما تقدم ذكره لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها على روايةٍ؛ فلأنه لم يوجد إيجاب وقبول. فلم يصح؛ لعدم وجود أركانه كما لو قال: أعتقتك وسكت. ولأنها بالعتق تملك نفسها. فيجب أن يعتبر رضاها؛ كما لو فصل بين العتق وجَعْلِه صداقاً. وأما كونها عليها قيمتها إذا أبت ذلك؛ فلأنه أزال ملكه بعوض لم يسلم له. فرجع إلى قيمته؛ كالبيع الفاسد.

стр. 2145

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الرابع: الشهادة. فلا ينعقد إلا بشاهدين عدلين ذكرين بالغين عاقلين وإن كانا ضريرين. وعنه: ينعقد بحضور فاسقين، ورجل وامرأتين، ومراهقَيْن عاقلَيْن). أما كون الرابع من شروط النكاح: الشهادة؛ فلأن النبي ﷺ قال: «لا نِكاحَ إلا بولي وشاهدَي عدل» (١). رواه الخلال بإسناده. وعن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا بُدَّ في النكاحِ من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان» (٢). رواه الدارقطني. ولأنه يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد. فاشترطت الشهادة فيه؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه. بخلاف البيع. وأما كونه لا ينعقد إلا بشاهدين عدلين على المذهب فلقوله: «وشاهدَي عدل» (٣). ولأن النكاح لا يثبت بشهادة فاسقين. فلم ينعقد بحضورهما؛ كالمجنونين. وأما كونه ينعقد بحضور فاسقين على روايةٍ؛ فلأنه ينعقد بالشهادة على روايةٍ. فلأن ينعقد بحضور فاسقين على روايةٍ بطريق الأولى. ولأن الشهادة على النكاح تَحَمّل. فصحت من الفاسق؛ كسائر التحملات. قال المصنف في المغني: وعلى كلتي الروايتين لا تعتبر حقيقة العدالة بل ينعقد بحضور مستوري الحال؛ لأن النكاح يكون في القرى والبادية وبين عامة الناس ممن

стр. 2146

لا يعرف بحقيقة العدالة. فاعتبار ذلك يشق. فاكتفي بظاهر الحال، وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه. وأما كونه لا ينعقد إلا بحضور ذكرين على المذهب؛ فلما روى الزهري قال: «مضت السنةُ من رسول الله ﷺ أن لا تجوزَ شهادة النساءِ في الحدودِ، ولا في النكاحِ، ولا في الطلاق». رواه أبو عبيد في الأموال. ولأنه عقد ليس بمال ولا المقصود منه المال ويحضره الرجال في غالب الأحوال. فلم ينعقد بشهادة النساء؛ كالحدود. وأما كونه ينعقد بحضور رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنه عقد معاوضة. فانعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ كالبيع. وأما كونه لا ينعقد إلا بحضور بالغين عاقلين على المذهب؛ فلأن الصبي ليس من أهل الشهادة. وأما كونه ينعقد بحضور مراهقَيْن عاقلَيْن على روايةٍ؛ فلأن المراهق العاقل يصح تحمله. أشبه شهادته على البيع. وأما كونه ينعقد بما تقدم ذكره وإن كانا ضريرين؛ فلأنها شهادة على قول. فصحت من الضريرين؛ كالشهادة بالاستفاضة. قال: (ولا ينعقد نكاح مسلم بشهادة ذميين. ويتخرج أن ينعقد إذا كانت المرأة ذمية). أما كون نكاح المسلم لا ينعقد بشهادة ذميين؛ فلعموم قوله ﷺ : «وشاهدَي عدل» (١). ولأنه نكاح مسلم. فلم ينعقد بشهادة ذميين؛ كنكاح المسلمين. وأما كونه يتخرج أن ينعقد إذا كانت المرأة ذمية؛ فلأن شهادة بعض أهل الذمة تقبل على بعض في روايةٍ.

стр. 2147

قال: (ولا ينعقد بحضور أصمّين ولا أخرسين. وهل ينعقد بحضور عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما؟ على وجهين. وعنه: أن الشهادة ليست من شروط النكاح). أما كون النكاح لا ينعقد بحضور أصمّين؛ فلأنهما لا يسمعان العقد. فكان وجودهما كعدمهما. وأما كونه لا ينعقد بحضور أخرسين؛ فلأنهما لا يتمكنان من الأداء. وأما كونه ينعقد (١) بحضور عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما على وجه؛ فلعموم قوله ﵇: «إلا بولي وشاهدَي عدل» (٢). ولأنه ينعقد بهما نكاح غير هذا الزوج. فانعقد بهما نكاحه؛ كسائر العدول. وأما كونه لا ينعقد بما ذُكر على وجه؛ فلأن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، والابن لا تقبل شهادته لوالده. وأما كون الشهادة ليست من شروط النكاح على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ تزوّجَ صفيةَ بغير شهود (٣). ولأن الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير فعلوه. ولأنه عقد معاوضة. أشبه البيع.

стр. 2148

فصل [الشرط الخامس] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الخامس: كون الرجل كفءاً لها في إحدى الروايتين. فلو رضيت المرأة والأولياء بغيره لم يصح، والثانية: ليس بشرط. وهي أصح، لكن إن لم ترض المرأة والأولياء جميعهم فلمن لم يرض الفسخ، فلو زوج الأب بغير كفء برضاها فللإخوة الفسخ. نص عليه). أما كون الخامس من شروط النكاح: كون الرجل كفءاً للمرأة في إحدى الروايتين؛ فلأن عمر ﵁ قال: «لأمنعن تزوّجَ ذواتِ الأحسابِ إلا من الأكفاء» (١). رواه الخلال. و«لأن سلمان قال لجرير: إنكم يا معشرَ العرب لا نتقدمُ في صلاتكُم ولا ننكح نساءكم. إن الله فضلكُم علينا بمحمدٍ ﷺ ». وعن النبي ﷺ : «لا تُنكحُوا النساء إلا الأكْفاءَ، ولا يزوّجُهن إلا الأولياء» (٢). رواه الدارقطني. وقد ضُعّف. ذكره ابن عبدالبر. فعلى هذا لو رضيت المرأة والأولياء بغير كفء لم يصح؛ لأن ما كان شرطاً لا يسقط برضى أحد. ولأن التزويج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه. فلم يصح؛ كما لو زوجت المرأة بغير إذنها. وأما كون ذلك ليس بشرط في روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 2149

و «لأن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تنكحَ أسامة بن زيد مولاه. فنكحَها بأمره» (١) متفق عليه. و«زَوَّجَ أباهُ زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية» (٢). ولأن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقاً للمرأة أو للأولياء أو لهما. فلم يشترط وجودها؛ كالسلامة من العيوب. وأما كون هذه الروايةِ أصح. والمراد به عند المصنف لا في المذهب؛ فلأن ما ذكر في الأولى يمكن حمله على الاعتبار في الجملة لا على الاشتراط. وأما كون من لم يرض من الأولياء له الفسخ؛ فلأنه يلحقه بذلك عار ويأتيه صغار. فملك الفسخ رفعاً لذلك. ولأنه نقص وقع في العقد. فأثبت الخيار؛ كالعيب. و«لأن رجلاً زوج ابنته ليرفع خَسِيسَتَهُ فجعل لها النبي ﷺ الخيار» (٣). وأما كون الإخوة لهم الفسخ على المنصوص إذا زوج الأب المرأة بغير كفء برضاها؛ فلأن الأخ ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة. فملك الفسخ؛ كالولي المساوي. قال: (والكفاءة: الدين والمنصب. فلا تزوج عفيفة بفاجر ولا عربية بعجمي. والعرب بعضهم لبعض أكْفاء، وسائر الناس بعضهم لبعض أكْفاء. وعنه: لا تزوج قرشية لغير قرشي، ولا هاشمية لغير هاشمي. وعنه: أن الحرية والصناعة واليسار من شروط الكفاءة، فلا تزوج حرة بعبد، ولا بنت بزاز بحجام، ولا بنت تانئ بحائك، ولا موسرة بمعسر). أما كون الدِّين. وهو: العفة من الكفاءة فلا خلاف فيه في المذهب؛ لأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية. غير مأمون على النفس والمال. مسلوب

стр. 2150

الولايات. ناقص عند الله وعند خلقه. قليل الحظ في الدنيا والآخرة. ولا يجوز أن يكون كفءاً للعفيفة. فعلى هذا لا تزوج عفيفة بفاجر؛ لفقد العفة التي هي من الكفاءة. وأما كون المنصب وهو النسب من الكفاءة لا خلاف فيه أيضاً في المذهب؛ فلأن عمر ﵁ قال: «لأمنعنَ ذواتَ الأحسابِ إلا من الأكْفاء. قيل له: وما الأكفاء؟ قال: في الحسَب». رواه أبو بكر عبدالعزيز بإسناده. ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصاً وعاراً. فوجب أن تعتبر في الكفاءة؛ كالدِّين. فعلى هذا لا يزوج عربية بعجمي؛ لفقد النسب الذي هو من الكفاءة. وأما كون العرب بعضهم لبعض أكفاء على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ زوج ابنته عثمان، وزوج أبا العاص ابن الربيع زينب وهما من بني عبد شمس، وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم، وتزوج عبدالله بن عمر بن عثمان فاطمة ابنة الحسين بن علي، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبدالمطلب ابن عمة رسول الله ﷺ ، وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وهي قرشية. ولأن سائر الناس بعضهم لبعض أكفاء إن تفاضلوا في شرف بعضهم على بعض. فكذلك العرب. وأما كون القرشية لا تزوج لغير قرشي والهاشمية لغير هاشمي على روايةٍ؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله اصطفَى كِنانةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى من كِنانةَ قُريشاً، واصطفَى من قريشٍ بني هاشِم» (١). ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله ﷺ ، وقريش أخص به من سائر الناس، وبنو هاشم أخص به من قريش. والأول أولى؛ لأن الثاني يدل على الفضيلة لا على أنها من الكفاءة، وإلا لما كان لفاطمة مكافئ.

стр. 2151

وأما كون الحرية من شروط الكفاءة على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ خيّر بريرة حين عتقت تحت عبدٍ (١). ولو لم يكن للحرية أثر لما كان كذلك. ولأن نقص الرق كبير وضرره بيِّن. فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده، ولا ينفق نفقة الموسرين، ولا ينفق على ولده. وأما كون الصناعة من شروطه على روايةٍ؛ فلأن الحياكة والحجامة والحراسة والكساحة والدباغة والزبالة والقيافة نقص بالنسبة إلى أصحاب الصنائع الجليلة كالتجارة في عرف الناس. أشبه نقص النسب. وقد جاء في حديث: «العربُ بعضهم لبعضٍ أكفاء إلا حَائِكًا أو حجّامًا» (٢). قيل للإمام أحمد: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه. يعني أنه ورد موافقًا لأهل العرف. وأما كون اليسار من شروطه على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «الحسَبُ المالُ» (٣)، وقال: «إن أحسابَ الناسِ بينهم في هذه الدنيا هذا المال» (٤)، وقال لفاطمة بنت قيس لما أخبرته أن معاوية خطبها: «أما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ له» (٥). ولأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤونة أولاده. ولهذا ملكت الفسخ لإخلاله بالنفقة. فكذلك إذا كان مقارناً. ولأن ذلك في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ. قال ابن الحجاج السهمي:

стр. 2152

قلَّ مالي. قد جتئماني بنكر سألتَاني الطلاق أن رأتاني (١) ويْكأن من يكن له نسب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر فكان من شروطه الكفاءة؛ كالنسب. فعلى هذا لا تزوج حرة بعبد؛ لانتفاء الحرية في العبد، ولا بنت بزاز بحجام؛ لانتفاء الاستواء في الصنعة، ولا بنت تانئ بحائك؛ لانتفاء اليسار. لا يقال: الحائك قد يكون موسراً لأن الغالب عليه خلاف ذلك، والعبرة بالغالب. فإن قيل: ما التانئ؟ قيل: كثير المال.

стр. 2153

باب المحرمات في النكاح قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهن ضربان: محرمات على الأبد. وهن أربعة أقسام: أحدها: المحرمات بالنسب). أما كون المحرمات ضربين؛ فلأن منهن من يحرم في كل حال وذلك هو المراد بالمحرمات على الأبد، ومن يحرم في حال ويحل في حال. وذلك هو المراد بقوله بعدُ: الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد. وأما كون المحرمات على الأبد أربعة أقسام؛ فلأن منهن من يحرم بالنسب، ومن يحرم بالرضاع، ومن يحرم بالمصاهرة، ومن يحرم بالملاعنة. وسيأتي تفصيل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وأما كون أحد الأقسام الأربعة: المحرمات بالنسب؛ فظاهر. والأصل في تحريمهن الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ... الآية﴾ [النساء: ٢٣]. وأما السنة؛ فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الرَّضاعةَ تحرِّمُ ما تحرِّمُ الولادة» (١). وأما الإجماع فأجمعت الأمة على تحريم ما نص الله على تحريمه. قال: (وهن سبع: الأمهات. وهن: الوالدة والجدات من قبل الأب والأم وإن علون، والبنات من حلال أو حرام وبنات الأولاد وإن سفلوا، والأخوات من

стр. 2154

الجهات الثلاث، وبنات الأخ، وبنات الأخت وأولادهم وإن سفلوا، والعمات، والخالات وإن علون. ولا تحرم بناتهن). أما كون المحرمات بالنسب سبعاً؛ فلأنهن الأمهات، والبنات، والأخوات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، والعمات، والخالات. وأما كون الأمهات من المحرمات بالنسب فلقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]. ويدخل في ذلك الوالدة؛ لأن اسم الأم (١) حقيقة فيها، والجدات أم الأم وأم الأب وإن علت درجتهن؛ لأن الاسم يصح أن يتناولهن. وقد جاء: «أن أبا هريرة ذكر هاجر أم إسماعيل فقال: تلكَ أمُّكمْ يا بني ماءِ السماء» (٢). وفي الدعاء: «اللهم! صلّ على أبينا آدم وأمّنا حواء». وأما كون البنات منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبناتُكم﴾ [النساء: ٢٣]. ويدخل في ذلك القريبة والبعيدة، وبنت الابن وإن نزلت الدرجة؛ لأن كل امرأة بنت آدم كما أن كل رجل ابن آدم. قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦]. ولا فرق بين كون البنت من حلال أو حرام لأن قوله تعالى: ﴿وبناتُكم﴾ [النساء: ٢٣] يشملها. ولأن البنت من الحرام ابنة مخلوقة من مائه. أشبهت البنت من الحلال. ولأن المخلوق من مائه حقيقة لا يختلف بالحل والحرمة. ويدل عليه «قول النبي ﷺ في امرأة هلال بن أمية: انظروه -يعني ولدها- فإن جاءتْ به على صفةِ كذا فهو لشريك بن سَحْماء» (٣). يعني الزاني. ولأن البنت مخلوقة من مائه. أشبهت المخلوقة من وطء الشبهة. فإن قيل: البنت من الحرام لا يجري التوارث بينها وبين الزاني، ولا تعتق عليه إذا ملكها، ولا يلزمه نفقتها. فلا تحرم؛ كالأجانب.

стр. 2155

قيل: تَخَلُّفُ بعض الأحكام لا يوجب الحل. بدليل ما لو كانت ابنته رقيقة أو مخالفة لدينه. وأما كون الأخوات من الجهات الثلاث أي من الأبوين أو الأب أو الأم: منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأخواتُكم﴾ [النساء: ٢٣]. وأما كون بنات الأخ وبنات الأخت منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبناتُ الأخ وبناتُ الأخت﴾ [النساء: ٢٣]. ويدخل في ذلك أولادهم وإن سفلوا؛ لأن بنت بنت الأخ أو بنت بنت الأخت: بنت أخ وبنت أخت. وأما كون العمات والخالات منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وعماتُكم وخالاتُكم﴾ [النساء: ٢٣]. ويدخل في ذلك العمة والخالة قريبة كانت أو بعيدة لما ذكر. ولأنه قد تقدم أن كل جدة أم فكل أخت لها خالة. وأما كون بناتهن لا يحرمن؛ فلأن الله تعالى أباحهن لنبيه بقوله: ﴿وبناتِ عمك وبناتِ عماتك وبناتِ خالك وبناتِ خالاتك﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وحكم الأمّة حكمه ما لم يدل دليل على تخصيصه. ولأنهن لم يدخلن في التحريم فيدخلن في عموم قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. قال: (القسم الثاني: المحرمات بالرضاع. ويحرم به ما يحرم بالنسب سواء). أما كون القسم الثاني المحرمات بالرضاع؛ فلأنه يلي المحرمات بالنسب وهي القسم الأول. وأما كونهن يحرمن بالرضاع؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأمهاتُكم اللاتي أرضعنكم وأخواتُكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]. وأما كونه يحرم به ما يحرم من النسب سواء؛ فلأن النبي ﷺ قال: «يحرمُ من الرَّضاع ما يحرمُ من النَّسَب» (١) متفق عليه. وفي روايةِ مسلم: «الرّضاع يُحرّم ما تحرّم الولادة» (٢).

стр. 2156

و «قال النبي ﷺ في درة بنت أبي سلمة: إنها لو لم تكن رَبيبتي في حجْرِي ما حلتْ لي. إنها ابنةُ أخي من الرضاعةِ. أرضعتني وأباها ثُوَيْبةُ» (١) متفق عليهن. قال: (القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة). أما كون القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة؛ فلأنه يلي الثاني. وأما كونهن يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأمهاتُ نسائكم﴾ [النساء: ٢٣]، وقال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء: ٢٢] وقال: ﴿وحلائلُ أبنائكم﴾ [النساء: ٢٣]. فإن قيل: ما المُصَاهَرة؟ قيل: هي مصدر صَاهَرَ. يقال: صاهرَ الرجلُ يصاهرُ مصَاهَرة. فإن قيل: ما المراد بالمحرمات بالمصاهرة؟ قيل: المحرمات على الأبد من أهل المرأة والرجل؛ لأن أهل الرجل أصهار عند بعض العرب؛ كما أن أهل المرأة أصهار. قال الجوهري: الأصهار أهل بيت المرأة. عن الخليل. قال: ومن العرب من يجعل الصِّهْرَ من الأحْمَاء والأخْتان جميعاً. قال: (وهن أربع: أمهات نسائه، وحلائل آبائه فيحرمن بمجرد العقد دون بناتهن، والربائب. وهن: بنات نسائه اللاتي دخل بهن دون اللاتي لم يدخل بهن. فإن متن قبل الدخول فهل تحرم بناتهن؟ على روايتين). أما كون المحرمات بالمصاهرة أربعاً؛ فلأنهن أمهات نسائه، وحلائل آبائه، وأبنائه، والربائب.

стр. 2157

وأما كون أمهات نسائه يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأمهاتُ نسائكم﴾ [النساء: ٢٣]. وأما كون حلائل آبائه يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢]. وأما كون حلائل أبنائه يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وحلائلُ أبنائكم﴾ [النساء: ٢٣]. وأما كون من ذكر يحرم بمجرد العقد؛ فلأن المحرم في أمهات نسائه كون المرأة أم أمرأته وفي حلائل آبائه وأبنائه كونها حليلة أبيه وابنه، وذلك موجود حين العقد. وأما كون بنات أمهات نسائه وبنات حلائل آبائه وأبنائه لا يحرمن بذلك؛ فلأن المحرم ما ذكر، وهو مفقود فيهن. فيدخلن في عموم قوله: ﴿وأُحِلّ لكم ما وراءَ ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. وأما كون الربائب يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وربائبُكم اللاتي في حُجوركم من نسائكمُ اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣]. وأما كونهن بنات نسائه اللاتي دخل بهن دون اللاتي لم يدخل بهن؛ فلأن الله تعالى قيد التحريم بذلك. ولأن الله تعالى قال: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: ٢٣]. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [أن النبي ﷺ ] (١) قال: «من تزوجَ امرأةً فطلّقهَا قبلَ أن يَدخُلَ بها لا بأسَ أن يتزوجَ ربيبتهُ، ولا يحلُ له أن يتزوجَ بأمِّهَا». رواه أبو حفص بإسناده. فإن قيل: كما قيّد بالدخول فكذلك قيّد بكونها في الحجور. قيل: القيد إذا خُرّج مخرج الغالب لم يُحتجّ بمفهومه. وهو هنا قد خُرّج مخرج الغالب. بخلاف قوله: ﴿اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣].

стр. 2158

وأما كون بنات من مُتن قبل الدخول يحرمن على روايةٍ؛ فلأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق والعدة. فيقوم مقامه في التحريم. وأما كونهن لا يحرمن على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى شرط في التحريم نفس الدخول. فلو قام الموت مقامه؛ لكان الشرط أحد الأمرين. ولأن بنتَ من مات بنتُ امرأة لم يدخل بها. فلم يحرم؛ لقوله: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: ٢٣]، ، ولما تقدم من حديث عمرو بن شعيب. قال: (ويثبت تحريم المصاهرة بالوطء الحلال والحرام. فإن كانت الموطوءة ميتة أو صغيرة فعلى وجهين). أما كون تحريم المصاهرة يثبت بالوطء الحلال والحرام؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَنكحوا ما نَكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] يعمهما؛ لأن الوطء الحرام يسمى نكاحاً. قال الشاعر: إذا زنيت فأجد نكاحًا وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء لا إلى العقد وهو قوله تعالى: ﴿إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلا﴾ [النساء: ٢٢]. وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ينظرُ اللهُ إلى وجهِ رجلٍ نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتِهَا» (١). وعن وهب بن منبّه: «ملعونٌ من نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتِهَا». رواه الجوزجاني بإسناده. ولأن ما تعلق بالوطء المباح تعلق بالمحظور؛ كوطء الحائض. ولأن النكاح يفسده الوطء بالشبهة. فأفسده الوطء الحرام؛ كالإحرام. وأما كونه يثبت بوطء الميتة على وجه؛ فلأن الوطء ينشر الحرمة المؤبدة. فلم يختص بالحياة؛ كالرضاع. وأما كونه لا يثبت على وجه؛ فلأنه ليس بسبب للبضعية.

стр. 2159

ولأن التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء، والموت يبطل المنافع، والرضاع إنما حرم من أجل إنبات اللحم وهو حاصل من لبن الميتة. وأما كونه يثبت بوطء الصغيرة على وجه؛ فلأنه وطءٌ لآدمية حرة في القُبُل. أشبه وطء الكبيرة. وأما كونه لا يثبت به على وجه؛ فلأنه ليس بسبب للبضعية. قال: (وإن باشر امرأة أو نظر إلى فرجها أو خلا بها لشهوة فعلى روايتين). أما كون تحريم المصاهرة يثبت بمباشرة امرأة لشهوة كتقبيل ومس ونحوه على روايةٍ؛ فلأنه نوع استمتاع. فتعلق به تحريم المصاهرة؛ كالوطء في الفرج. وأما كونه لا يثبت بها على روايةٍ؛ فلأنها مباشرة لا توجب الغسل. فلم يثبت التحريم؛ كالمباشرة لغير شهوة. ولأن التحريم إما بنص أو إجماع أو قياس، والكل مفقود هنا. فإن قيل: تقييد المصنف ما ذكر بالمرأة: مشعرٌ بأن من لا تكون امرأة كالمراهقة والطفلة ليست كذلك. قيل: قال في المغني: الخلاف في اللمس والنظر فيمن بلغت سناً يمكن الاستمتاع منها كابنة تسع فما زاد. فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك. ثم قال: وقد روي عن أحمد في بنت سبع إذا قبّلها حرمت عليه أمها. ثم قال: قال (١) القاضي: هذا عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة. فإن قيل: النظر إلى الفرج مقيد في كلام المصنف رحمه الله تعالى بالشهوة ومطلق في الحديث. قيل: لا بد من تقييده بذلك؛ لأن المباشرة لغير شهوة لا يثبت بها التحريم. فالنظر بطريق الأولى. وتقييد المصنف النظر بكونه إلى فرجها: مشعرٌ بأن النظر إلى سائر بدنها لشهوة لا يثبت به التحريم روايةً واحدة.

стр. 2160

وقال في المغني: وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر الحرمة. ثم قال: والصحيح خلاف ذلك فإن غير الفرج لا يقاس عليه لما بينهما من الفرق. ثم قال: ولا خلاف نعلمه في أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر حرمة؛ لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان لغير شهوة فالنظر أولى. وأما كون التحريم يثبت بالنظر إلى فرجها لشهوة على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من نظرَ إلى فرجِ امرأةٍ: لم تحلَّ له أمُها وبنتُها» (١)، وفي لفظ: «لا ينظرُ اللهُ إلى رجلٍ نظرَ إلى فرجِ امرأةٍ وبنتها» (٢). وأما كونه لا يثبت به على روايةٍ؛ فلعموم قوله: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. ولأنه نظر. فلم يوجب التحريم؛ كالنظر إلى الوجه. والخبر ضعيف قاله الدارقطني. وقيل: هو موقوف على ابن مسعود. ثم يمكن حمله على الوطء بطريق الكتابة. وأما كون التحريم يثبت بالخلوة لشهوة على روايةٍ؛ فلأنها تكمل الصداق. فنشرت الحرمة؛ كالوطء. وأما كونه لا يثبت بها على روايةٍ؛ فلأن في ذلك مخالفة لقوله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: ٢٣]. ولأنها غير منصوص على التحريم بها. فتحل من وجدت فيها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤].

стр. 2161

قال: (وإن تلوط بغلام حرم على كل واحد منهما أمُّ الآخر وابنته، وعند أبي الخطاب هو كالوطء دون الفرج. وهو الصحيح). أما كون كل واحد ممن ذُكر يحرم عليه أمُّ الآخر وابنته على المذهب؛ فلأن اللواط وطء في الفرج. فنشر الحرمة إلى من ذكر؛ كوطء المرأة. وأما كون التلوط عند أبي الخطاب كالوطء دون الفرج؛ فلأنه لا يتعلق به أحكام وطء المرأة من الإحلال ونحوه. فكذا التحريم. وأما كون قول أبي الخطاب هو الصحيح؛ فلأن من ذكر غير منصوص على تحريمهن. فيدخلن في عموم قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. ولا يصح قياسهن على النساء؛ لأن الوطء في المرأة يكون سبباً للبضعية، ويوجب المهر، ويلحق به النسب، وتصير المرأة به فراشاً، وتثبت أحكاماً لا يثبتها اللواط. فلا يجوز إلحاقه به؛ لعدم العلة وانقطاع الشبه. ولذلك لو أرضع الرجل طفلاً لم يثبت به أحكام التحريم. فهاهنا أولى. قال: (القسم الرابع: الملاعنة تحرم على الملاعن على التأبيد؛ إلا أن يُكَذِّب نفسه فهل تحل؟ على روايتين). أما كون القسم الرابع من المحرمات: الملاعنة؛ فلأنه يلي القسم الثالث. وأما كون الملاعنة من المحرمات؛ فلما روى سهل بن سعد قال: «مضت السنةُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما لا يجتمعا أبداً» (١). رواه الجوزجاني بإسناده. وروي مثل هذا عن عمر بن الخطاب. وأما كونها تحرم على المتلاعن على التأبيد إذا لم يكذب نفسه؛ فلما ذكر من الحديث قبل. وأما كونها تحرم عليه إذا أكذب نفسه على روايةٍ؛ فلعموم ما ذكر. ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب. فلم يرتفع بالتكذيب؛ كالرضاع.

стр. 2162

وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنه لما أكذب نفسه صارت شبيهة بحالها قبل الملاعنة وهي حينئذ حلال. فكذلك فيما يشبهه.

стр. 2163

فصل [المحرمات إلى أمد] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد. وهي نوعان: أحدهما: المحرمات لأجل الجمع. فيحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها أو خالتها). أما كون الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد؛ فلأنه يلي الضرب الأول. وأما كونهن نوعين؛ فلأن منهن من يحرم لأجل الجمع، ومنهن من يحرم لعارض يزول؛ كزوجة الغير. وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. وأما كون الجمع بين الأختين يحرم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: ٢٣]. ولا فرق بين الأختين من نسب أو رضاع. حرتين أو أمتين أو حرة وأمة. من أبوين كانتا أو من أب أو أم. قبل الدخول أو بعده؛ لعموم الآية. وأما كون الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها يحرم؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُجمعُ بين المرأةِ وعمتها، ولا بين المرأةِ وخالتها» (١). متفق عليه. وفي روايةِ أبي داود: «لا تُنكح المرأةُ على عمتها، ولا العمةُ على بنتِ أخيها، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالةُ على بنت أُختها. لا تُنكحُ الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكُبرى» (٢). ولأن العلة في الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم. وهو موجود فيما ذكر.

стр. 2164

فإن قيل: فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]؟ قيل: هو مخصوص بما ذكر. قال: (فإن تزوجهما في عقد واحد لم يصح، وإن تزوجهما في عقدين أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى سواء كانت بائناً أو رجعية فنكاح الثانية باطل). أما كون من تزوج من يحرم الجمع بينهما كما تقدم في عقد واحد لا يصح؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى. وأما كون نكاح الثانية باطلاً إذا تزوج من ذكر في عقدين أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى؛ فلأنه يحصل به الجمع وهو المحرم. فاختص البطلان به. وأما كون البائن فيما ذكر والرجعية سواء؛ فلاشتراكهما في العدة. قال: (وإن اشترى أخت امرأته أو عمتها أو خالتها: صح ولم يحل له وطؤها حتى يطلق امرأته وتنقضي عدتها). أما كون من اشترى أخت امرأته وعمتها أو خالتها يصح؛ فلأن الشراء يراد لغير الوطء. بخلاف العقد. والمحرم الجمع في العقد أو الوطء. وليس الشراء واحداً منهما ولا لازماً له. وأما كونه لا يحل له وطؤها حتى يطلق امرأته وتنقضي عدتها؛ فلأن بوطئها يحصل الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها في الوطء وذلك حرام؛ لأن الجمع في العقد حرام لما تقدم. وإنما حرم؛ لأنه وسيلة إلى الوطء. فلأن يحرم الجمع في الوطء بطريق الأولى. قال: (وإن اشتراهن في عقد واحد صح. فإن وطئ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى يحرم على نفسه الأولى بإخراج عن ملكه أو تزويج ويعلم أنها ليست بحامل. فإن عادت إلى ملكه لم يصب واحدة منهما حتى يحرم الأخرى. وعنه: ليس بحرام ولكن ينهى عنه). أما كون من اشترى الأختين أو المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها في عقد واحد يصح؛ فلما تقدم من أن الشراء يراد لغير الوطء. بخلاف العقد.

стр. 2165

ولأنه إذا جاز شراء الأخت على أختها وشراء المرأة على عمتها وشراؤها على خالتها. فلأن يجوز شراؤهما في عقدٍ واحدٍ بطريق الأولى. وأما كونه إذا وطئ إحداهما لا تحل له الأخرى حتى يحرم على نفسه الأولى بما تقدم ذكره؛ فلأن بوطئه لها يحصل الجمع المحرم. وكلام المصنف مشعر بأمرين: أحدهما: أنه إذا اشتراهن جملة واحدة فله وطء إحداهن؛ لأنه لا يحصل به الجمع. فلم يحرم؛ كما لو كانت في ملكه وحدها. وذكر أبو الخطاب أنه لا يجوز؛ لأنه لا مزية لأحدهن على الأخرى. وثانيهما: أن كل من حرم وطؤها لما تقدم ذكره تحل له إذا أخرج الأولى عن ملكه أو زوجها؛ لأن المحذور الذي هو الجمع يزول بذلك. واشترط المصنف رحمه الله تعالى مع ذلك: أن يعلم أنها ليست حاملاً؛ لأنها إذا كانت حاملاً لم يجز وطء الأخرى؛ لأنه يكون جامعاً ماءه في رحم بنتين يحرم الجمع بينهما. أشبه ما لو تزوج إحداهما في عدة الأخرى. ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا الشرط؛ لأن شرط الإباحة أحد أمرين: إما إخراج عن ملكه، وإما تزويج. وكلاهما لا يصح إلا بعد العلم بأن الموطوءة غير حامل. ويمكن الجواب عنه بأن في البيع روايةِ أنه لا يجوز من غير استبراء. وعلى القول بالمنع فإن من صور الإخراج عن الملك: العتق، ولا يشترط فيه العلم بأنها ليست حاملاً. فإن قيل: ينفي إرادة العتق قوله: فإن عادت إلى ملكه إذ المعتقة لا تعود إلى ملك السيد. قيل: يحمل قوله: فإن عادت على بعض الصور كالمبيعة والموهوبة ونحو ذلك. وفي اشتراط المصنف الإخراج عن ملكه أو التزويج إشعار بأن الموطوءة لو حرمها سيدها أو حرم وطئها بسبب غير ذلك لم تحل له الأخرى. وهو صحيح. وقد صرح في المغني بأنه لو حرمها لم تبح له الأخرى لأن تحريمه إما لا يحرم أو يحرم

стр. 2166

تحريماً ترفعه الكفارة. وكذلك لو رهنها لم تحل له الأخرى؛ لأن المنع من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها ولهذا يحل له بإذنه في وطئها. ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه. فإن قيل: فلو كاتبها. قيل: لا تحل له الأخرى؛ لأن الكتابة لا تزيل الملك قبل الأداء. وأما كونه إذا عادت إلى ملكه لا يصيب واحدة منهما حتى يحرّم الأخرى؛ فلأن الثانية صارت فراشاً وقد رجعت إليه التي كانت فراشاً. فحرمت كل واحدة منهما بكون الأخرى فراشاً؛ كما لو انفردت به. ولأنه مختلف في حرمته. فلا أقل من الكراهة. قال: (وإن وطئ أمته ثم تزوج أختها لم يصح عند أبي بكر وظاهر كلام الإمام أحمد أنه يصح ولا يطؤها حتى يحرم الموطوءة. فإن عادت إلى ملكه لم يطأ واحدة منهما حتى يحرم الأخرى). أما كون التزوج المذكور لا يصح عند أبي بكر؛ فلأن ذلك يُصَيِّر المتزوج بها فراشاً. فلم يجز؛ كالوطء. ولأنه فعل في الأخت ما ينافي إباحة المفترشة. فلم يجز؛ كالوطء. قال المصنف رحمه الله تعالى في المغني: قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد. وأما كونه يصح على ظاهر الإمام أحمد؛ فلأنه سبب يستباح به الوطء. فجاز أن يرد على وطء الأخت ولا يبيح؛ كالشراء. وأما كون ذلك ظاهر كلام الإمام أحمد فنقله المصنف في المغني عن أبي الخطاب. وقد تقدم قول القاضي أن الظاهر من كلامه عكسه. وأما كون المتزوج لا يطأ المتزوج بها حتى يُحرم الموطوءة؛ فلئلا يكون جامعاً في الوطء. فإن قيل: لا يلزم من الوطء الجمع لأنه بمجرد النكاح يجب أن تحرم المفترشة؛ لأن النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين فإذا اجتمعا وجب التقديم للأقوى.

стр. 2167

قيل: لا يسلم أن النكاح أقوى من ملك اليمين بل القول بالعكس أولى؛ لأنه لو اشترى زوجته انفسخ النكاح. وعلى تقدير التسليم فالسبق يعارضه، وملك اليمين سابق. وأما كونه إذا عادت أمته إلى ملكه لا يطأ واحدة منهما حتى يحرم الأخرى؛ فلما تقدم ذكره في المسألة قبل. قال: (ولا يحل للحر أن يجمع بين أكثر من أربع، ولا للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين. وإن طلق إحداهن لم يجز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها). أما كون الحر لا يحل له أن يجمع بين أكثر من أربع؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]. يعني اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً. و«لأن النبي ﷺ قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: أَمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائِرهُن» (١). رواه الترمذي. وأما كون العبد لا يحل له أن يتزوج أكثر من اثنتين؛ فلأن الحكم بن قتيبة قال: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين». وروي «أن عمرُ سألَ الناس عن ذلك. فقال عبدالرحمن بن عوف: لا يتزوجُ إلا اثنتين». رواه الإمام أحمد. وهذا قول صحابي لشخص من الصحابة ولم ينكر أحد من الصحابة فكان إجماعاً. وأما كون الحر أو العبد إذا طلق إحدى من تقدم ذكرهن لا يجوز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها: أما مع الطلاق الرجعي فظاهر لأن الرجعية زوجة فلو جاز له تزويج أخرى لكان الحر جامعاً بين خمس والعبد جامعاً بين ثلاث. وأما مع الطلاق البائن؛ فلأن بعض أحكام النكاح باق. فمنعَ الحر من تزوج خامسة والعبد من تزوج ثالثة؛ كما لو كان الطلاق رجعياً.

стр. 2168

فصل [المحرمات لعارض] قال المصنف رحمه الله تعالى: (النوع الثاني: محرمات لعارض يزول. فيحرم عليه نكاح زوجة غيره والمعتدة منه والمستبرئة منه). أما كون النوع الثاني: محرمات لعارض؛ فلأنه يلي المحرمات لأجل الجمع وهو الأول. وأما كون المحرمات هنا لعارض يزول؛ فلأن زوجة غيره والمعتدة من غيره والمستبرأة من غيره إنما حرمن عليه لأجل ذلك الغير، وذلك يزول بطلاق ذلك الغير وانقضاء العدة ومدة الاستبراء. وأما كون نكاح زوجة غيره يحرم عليه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتابَ الله عليكم﴾ [النساء: ٢٤]. وأما كون نكاح المعتدة من غيره يحرم عليه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يبلغَ الكتابُ أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وأما كون نكاح المستبرأة من غيره يحرم عليه؛ فلأنها في معنى المعتدة منه. ولأن إباحة نكاح الثلاثة يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وذلك محذور مطلوب العدم. قال: (وتحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، ومطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره، والمحرمة حتى تحل). أما كون الزانية تحرم حتى تتوب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ [النور: ٣]. ولأنه لا يؤمن أن يلحق به ولداً من غيره. فحرمت؛ كالمعتدة.

стр. 2169

وأما كونها تحرم قبل أن تنقضي عدتها: أما على الزاني؛ فلأن ولدها لا يلحق به. فيفضي نكاحه لها إلى اشتباه من لا يلحق نسبه بأحد ممن يلحق نسبه به. وأما على غير الزاني؛ فلأنها معتدة من غيره. وأما كون مطلقته ثلاثاً تحرم حتى تنكح زوجاً غيره؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. والمراد بالنكاح هنا الوطء؛ «لأن النبي ﷺ قال لامرأة رفاعة لما أرادت أن ترجع إليه بعد أن طلقها ثلاثًا وتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزَّبير: لا. حتى تَذوقِي عُسَيْلَتَه» (١). فإن قيل: مفهوم كلام المصنف هنا أن مطلقته ثلاثاً تحل له إذا نكحت زوجاً غيره؛ لأنه جعل ذلك غاية لتحريمها. وليس كذلك؛ لأن حلها يقف على طلاق الزوج الثاني، وعلى انقضاء العدة منه. قيل: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن تحريمها بكونها مطلقة ثلاثاً يزول بذلك لكن عقيب ذلك التحريم تحريم آخر وهو كونها زوجة غيره ما لم يطلقها فإذا طلقها تكون معتدة من غيره وكلاهما محرم لما تقدم، وكذلك تحرم عليه بذلك وإن كانت مطلقته دون الثلاث. وثانيهما: أنه قد تقدم أنه محرم عليه نكاح زوجة غيره والمعتدة من غيره. فاكتفى بذلك عن التصريح به هنا. فإن قيل: هلا اكتفى بذلك في الزانية لأنه لم يقتصر على قوله: حتى تتوب بل قال: وتنقضي عدتها؟ قيل: عدة الزانية مختلف فيها فجيء بالتصريح بها للتأكيد. بخلاف عدة النكاح فإنها متفق عليها فلا حاجة إلى التأكيد فيها.

стр. 2170

وأما كون المُحْرمة تحرم حتى تحل؛ فلأن رسول الله ﷺ قال: «لا يَنكحُ المحرمُ ولا يُنكحُ ولا يَخطُب» (١). رواه مسلم. ولأنه عارضٌ منع الطيب. فمنع النكاح؛ كالعدة. قال: (ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال ولا لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب. فإن كان أحد أبويها غير كتابي أو كانت من نساء بني تغلب فهل تحل؟ على روايتين). أما كون المسلمة لا يحل لها نكاح كافر بحال؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال : ﴿فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا تَرجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهنّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وأما كون المسلم لا يحل له نكاح كافرة غير حرائر أهل الكتاب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال: ﴿ولا تُمْسكوا بعِصَم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]. وأما كونه يحل له نكاح حرائر أهل الكتاب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [المائدة: ٥]. ولأن الصحابة أجمعت عليه. فإن قيل: عموم ما تقدم يدل على عدم حل أهل الكتاب أيضاً؛ لأنهن مشركات. قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: ما روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١] نسخ بالآية في المائدة. وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان (٢)، والآية التي في المائدة متأخرة عنها.

стр. 2171

والثاني: أن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب. بدليل قوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ [البينة: ١]، وقوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ٦]، وقوله: ﴿لتجدنّ أشد الناس عداوةً للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وقوله: ﴿ما يَوَدُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥]، وسائر آي (١) القرآن تَفصل بينهما. وقيد المصنف أهل الكتاب بالحرائر؛ لأن الإماء يأتي حكمهن إن شاء الله تعالى. وأما كون من كان أحد أبويها غير كتابي لا تحل على روايةٍ؛ فلأنها متولدة بين من يحل ومن لا يحل. فلم يحل؛ كالسِّمَع والبغل. وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلعموم الآية المقتضية للحل. ولأنها كتابية تقر على دينها. أشبه من أبويها كتابيان. وذكر المصنف في المغني هذا احتمالاً وسوى بين من أحد أبويها غير كتابي وبين من أبواها غير كتابيين. وأما كون من كانت من نساء بني تغلب لا تحل على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي ﵁. ولأنهم يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل. وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنها من أهل الكتاب فتدخل في عموم الآية المقتضية للحل. ولأن بني تغلب أهل كتاب يقرُّون على دينهم ببذل المال. فحل نكاح نسائهم؛ كأهل الكتاب. قال المصنف في المغني: هذا الصحيح عن الإمام أحمد. وهو مروي عن عمر ابن الخطاب وابن عباس. قال الأثرم: ما علمت أحداً كرهه من أصحاب رسول الله ﷺ إلا علياً.

стр. 2172

قال: (وليس للمسلم وإن كان عبداً نكاح أمة كتابية. وعنه: يجوز). أما كون المسلم ليس له نكاح أمة كتابية وإن كان عبداً على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿من فتياتِكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. وأما كونه له ذلك على روايةٍ؛ فلأنها تحل بملك اليمين. فحلت بالنكاح؛ كالمسلمة. والأول ظاهر المذهب. قاله المصنف في المغني. وفرّق بين المسلمة والكافرة من حيث: إن نكاح المسلمة لا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها؛ لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة، والكافرة تكون ملكاً للكافر ويقر ملكه عليها وولدها لسيدها. ولأنه قد اعتورها نقصان الكفر والملك. فإذا اجتمعا منعا؛ كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر وعدم الكتاب منع من نكاحها. وقول المصنف: وإن كان عبداً تنبيه على أن النقص الحاصل فيه بالرق لا يؤثر في كونه له نكاح الأمة الكتابية؛ لأن الأدلة المقتضية للمنع عامة في الحر والعبد. ولأن ما حرم على الحر نكاحه لأجل دينه حرم على العبد؛ كالمجوسية. قال: (ولا يحل لحر مسلم نكاح أمة مسلمة؛ إلا أن يخاف العنت، ولا يجد طَوْلاً لنكاح حرة ولا ثمن أمة. وإن تزوجها وفيه الشرطان ثم أيسر أو نكح حرة فهل يبطل نكاح الأمة؟ على روايتين). أما كون الحر المسلم لا يحل له نكاح أمة مسلمة إذا لم يخف العنت ولا يجد ما ذُكر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتِكم المؤمنات -إلى قوله-: ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النساء: ٢٥]. شرط في جواز ذلك عدم استطاعة الطول وخشية العنت. ولأن في نكاح الأمة إرقاق ولده مع الغنى. فلم يجز؛ كما لو كان تحته حرة. وأما كونه يحل له ذلك إذا وجد فيه الشرطان؛ فللآية المذكورة.

стр. 2173

فإن قيل: الآية دلت على اشتراط الطَّول للحرة المؤمنة فما وجه اشتراط الطَّول للحرة الكتابية أو ثمن الأمة؟ قيل: لأن القادر على ذلك غير خائف العنت. ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق. فلم يجز له إرقاقه؛ كما لو قدر على نكاح مؤمنة. وأما كونه إذا تزوج أمة وفيه الشرطان ثم أيسر لا يبطل نكاح الأمة على روايةٍ؛ فلأن عدم استطاعة الطَّول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة. فلم يعتبر استدامته؛ كخوف العنت. وأما كونه يبطل على روايةٍ؛ فلأنه إنما أبيح للحاجة. فإذا زالت الحاجة لم يجز له استدامة؛ كمن أبيح له أكل الميتة لضرورته فإذا وَجَد الحلال لم يستدمه. وذكر المصنف في المغني هذا وجهاً. وفرّق بين مسألة الطَّول ومسألة الميتة من حيث: إن أكل الميتة بعد القدرة ابتداء للأكل. بخلاف عادم الطَّول فإنه إذاً غير مبتدئ للنكاح وإنما هو مستديم. وأما كونه إذا تزوج أمة ثم نكح حرة لا يبطل نكاح الأمة على روايةٍ؛ فلأنه لا يبطله اليسار في روايةٍ. فكذا لا يبطله نكاح الحرة. وأما كونه يبطل على روايةٍ؛ فلأنه يبطله اليسار في روايةٍ فلأن يبطله نكاح الحرة بطريق الأولى. قال: (وإن تزوج حرة أو أمة فلم تعفه ولم يجد طولاً لحرة أخرى فهل له نكاح أمة أخرى؟ على روايتين. قال الخرقي: وله أن ينكح من الإماء أربعاً إذا كان الشرطان فيه قائمين). أما كون من ذكر له نكاح أمة أخرى على روايةٍ؛ فلأنه خائف العنت عادم طول حرة. أشبه من لا زوجة تحته وفيه الشرطان. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تحته زوجة. والأولى أولى؛ لما تقدم ذكره. ولذلك قال المصنف: قال الخرقي ... إلى آخره؛ لأن فيه تأكيداً لجوازه. وكونه تحته زوجة لا أثر له؛ لأن المعنى الذي أبيح

стр. 2174

من أجله نكاح الأمة: الشرطان المتقدم ذكرهما. فإذا وجدا فيما ذكر وجب أن يباح. عملاً بالعلة. قال: (وللعبد نكاح الأمة. وهل له أن ينكحها على حرة؟ على روايتين. وإن جمع بينهما في العقد جاز. ويتخرج أن لا يجوز). أما كون العبد له نكاح الأمة وإن فقد الشرطين؛ فلأنه مساوٍ لهما. فلم يعتبر فيه وجود الشرطين؛ كالحر مع الحرة. وأما كونه له أن ينكحها على روايةٍ؛ فلما ذكر قبل. ولأنه لو اشترط عدم الحرة لاشترط عدم القدرة عليها كما في حق الحر. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه مالك لبضع حرة. فلم يكن له أن يتزوج أمة؛ كالحر. وعن سعيد بن المسيب: «تُنكحُ الحرةُ على الأمة، ولا تُنكحُ الأمةُ على الحرّة» (١). وأما كونه إذا جمع بينهما في العقد يجوز على المذهب؛ فلأن كل واحدة (٢) يجوز له إفرادها بالعقد. فجاز له الجمع بينهما؛ كالأمتين. وأما كونه يتخرج أن لا يجوز؛ فلأنه جمع. أشبه ما لو تزوج الأمة على الحرة. فإن قيل: الخلاف في الجمع المذكور مطلقاً أم على قولنا ليس له أن يتزوج الأمة على الحرة. قيل: على الثاني. صرح به صاحب المحرر.

стр. 2175

قال: (وليس له نكاح سيدته، ولا للحر أن يتزوج أمته ولا أمة ابنه. ويجوز للعبد نكاح أمة ابنه). أما كون العبد ليس له نكاح سيدته؛ فلأن أبا الزبير قال: «سألت جابراً عن العبد ينكح سيدته. فقال: جاءتِ امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب ﵁ ونحنُ بالجابيةِ وقد نَكحتْ عبدَها فانتهرَها عمر وهمَّ أن يرجُمَهَا. وقال: لا يحلُّ لك». ولأن أحكام النكاح مع أحكام الملك يتنافيان من حيث إن كل واحدٍ منهما يقتضي أن يكون الآخر في حكمه يسافر سفره ويقيم بإقامته وينفق عليه. وأما كون الحر ليس له أن يتزوج أمته؛ فلأن ملك الرقبة يقيد ملك المنفعة وإباحة البضع، ولا يجتمع مع عقد لضعف منه. وأما كونه ليس له أن يتزوج أمة ابنه؛ فلأن له فيها شبهة الملك. بدليل قوله ﵇: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» (١). أشبه الملك. وأما كون العبد يجوز له نكاح أمة ابنه؛ فلأنه لا شبه له فيها. بخلاف الحر. قال: (وإن اشترى الحر زوجته انفسخ نكاحها. وإن اشتراها ابنه فعلى وجهين). أما كون زوجة الحر إذا اشتراها زوجها ينفسخ نكاحها؛ فلما تقدم من منافاة أحكام الملك أحكام النكاح والملك أقوى؛ لأنه يفيد ملك الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يفيد إلا ملك المنفعة. ولأن النكاح يوجب للمرأة حقوقاً يمنعها ملك اليمين من القَسْم والملك فانفسخ بالملك لئلا يجتمع معه ما لا يوافقه. وأما كونها إذا اشتراها ابنه ينفسخ نكاحها على وجه؛ فلأن ملك الابن كملك الأب في إسقاط الحد وحرمة الاستيلاد. فكان كملكه في فسخ النكاح. وأما كونها لا ينفسخ نكاحها بذلك على وجه؛ فلأنه لا يملكها بملك الابن. فلم يفسخ نكاحها؛ كما لو ملكها أجنبي.
следующие страницы →