← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

والثاني: أن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب. بدليل قوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ [البينة: ١]، وقوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ٦]، وقوله: ﴿لتجدنّ أشد الناس عداوةً للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وقوله: ﴿ما يَوَدُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥]، وسائر آي (١) القرآن تَفصل بينهما. وقيد المصنف أهل الكتاب بالحرائر؛ لأن الإماء يأتي حكمهن إن شاء الله تعالى. وأما كون من كان أحد أبويها غير كتابي لا تحل على روايةٍ؛ فلأنها متولدة بين من يحل ومن لا يحل. فلم يحل؛ كالسِّمَع والبغل. وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلعموم الآية المقتضية للحل. ولأنها كتابية تقر على دينها. أشبه من أبويها كتابيان. وذكر المصنف في المغني هذا احتمالاً وسوى بين من أحد أبويها غير كتابي وبين من أبواها غير كتابيين. وأما كون من كانت من نساء بني تغلب لا تحل على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي ﵁. ولأنهم يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل. وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنها من أهل الكتاب فتدخل في عموم الآية المقتضية للحل. ولأن بني تغلب أهل كتاب يقرُّون على دينهم ببذل المال. فحل نكاح نسائهم؛ كأهل الكتاب. قال المصنف في المغني: هذا الصحيح عن الإمام أحمد. وهو مروي عن عمر ابن الخطاب وابن عباس. قال الأثرم: ما علمت أحداً كرهه من أصحاب رسول الله ﷺ إلا علياً.

стр. 2172

قال: (وليس للمسلم وإن كان عبداً نكاح أمة كتابية. وعنه: يجوز). أما كون المسلم ليس له نكاح أمة كتابية وإن كان عبداً على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿من فتياتِكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. وأما كونه له ذلك على روايةٍ؛ فلأنها تحل بملك اليمين. فحلت بالنكاح؛ كالمسلمة. والأول ظاهر المذهب. قاله المصنف في المغني. وفرّق بين المسلمة والكافرة من حيث: إن نكاح المسلمة لا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها؛ لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة، والكافرة تكون ملكاً للكافر ويقر ملكه عليها وولدها لسيدها. ولأنه قد اعتورها نقصان الكفر والملك. فإذا اجتمعا منعا؛ كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر وعدم الكتاب منع من نكاحها. وقول المصنف: وإن كان عبداً تنبيه على أن النقص الحاصل فيه بالرق لا يؤثر في كونه له نكاح الأمة الكتابية؛ لأن الأدلة المقتضية للمنع عامة في الحر والعبد. ولأن ما حرم على الحر نكاحه لأجل دينه حرم على العبد؛ كالمجوسية. قال: (ولا يحل لحر مسلم نكاح أمة مسلمة؛ إلا أن يخاف العنت، ولا يجد طَوْلاً لنكاح حرة ولا ثمن أمة. وإن تزوجها وفيه الشرطان ثم أيسر أو نكح حرة فهل يبطل نكاح الأمة؟ على روايتين). أما كون الحر المسلم لا يحل له نكاح أمة مسلمة إذا لم يخف العنت ولا يجد ما ذُكر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتِكم المؤمنات -إلى قوله-: ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النساء: ٢٥]. شرط في جواز ذلك عدم استطاعة الطول وخشية العنت. ولأن في نكاح الأمة إرقاق ولده مع الغنى. فلم يجز؛ كما لو كان تحته حرة. وأما كونه يحل له ذلك إذا وجد فيه الشرطان؛ فللآية المذكورة.

стр. 2173

فإن قيل: الآية دلت على اشتراط الطَّول للحرة المؤمنة فما وجه اشتراط الطَّول للحرة الكتابية أو ثمن الأمة؟ قيل: لأن القادر على ذلك غير خائف العنت. ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق. فلم يجز له إرقاقه؛ كما لو قدر على نكاح مؤمنة. وأما كونه إذا تزوج أمة وفيه الشرطان ثم أيسر لا يبطل نكاح الأمة على روايةٍ؛ فلأن عدم استطاعة الطَّول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة. فلم يعتبر استدامته؛ كخوف العنت. وأما كونه يبطل على روايةٍ؛ فلأنه إنما أبيح للحاجة. فإذا زالت الحاجة لم يجز له استدامة؛ كمن أبيح له أكل الميتة لضرورته فإذا وَجَد الحلال لم يستدمه. وذكر المصنف في المغني هذا وجهاً. وفرّق بين مسألة الطَّول ومسألة الميتة من حيث: إن أكل الميتة بعد القدرة ابتداء للأكل. بخلاف عادم الطَّول فإنه إذاً غير مبتدئ للنكاح وإنما هو مستديم. وأما كونه إذا تزوج أمة ثم نكح حرة لا يبطل نكاح الأمة على روايةٍ؛ فلأنه لا يبطله اليسار في روايةٍ. فكذا لا يبطله نكاح الحرة. وأما كونه يبطل على روايةٍ؛ فلأنه يبطله اليسار في روايةٍ فلأن يبطله نكاح الحرة بطريق الأولى. قال: (وإن تزوج حرة أو أمة فلم تعفه ولم يجد طولاً لحرة أخرى فهل له نكاح أمة أخرى؟ على روايتين. قال الخرقي: وله أن ينكح من الإماء أربعاً إذا كان الشرطان فيه قائمين). أما كون من ذكر له نكاح أمة أخرى على روايةٍ؛ فلأنه خائف العنت عادم طول حرة. أشبه من لا زوجة تحته وفيه الشرطان. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تحته زوجة. والأولى أولى؛ لما تقدم ذكره. ولذلك قال المصنف: قال الخرقي ... إلى آخره؛ لأن فيه تأكيداً لجوازه. وكونه تحته زوجة لا أثر له؛ لأن المعنى الذي أبيح

стр. 2174

من أجله نكاح الأمة: الشرطان المتقدم ذكرهما. فإذا وجدا فيما ذكر وجب أن يباح. عملاً بالعلة. قال: (وللعبد نكاح الأمة. وهل له أن ينكحها على حرة؟ على روايتين. وإن جمع بينهما في العقد جاز. ويتخرج أن لا يجوز). أما كون العبد له نكاح الأمة وإن فقد الشرطين؛ فلأنه مساوٍ لهما. فلم يعتبر فيه وجود الشرطين؛ كالحر مع الحرة. وأما كونه له أن ينكحها على روايةٍ؛ فلما ذكر قبل. ولأنه لو اشترط عدم الحرة لاشترط عدم القدرة عليها كما في حق الحر. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه مالك لبضع حرة. فلم يكن له أن يتزوج أمة؛ كالحر. وعن سعيد بن المسيب: «تُنكحُ الحرةُ على الأمة، ولا تُنكحُ الأمةُ على الحرّة» (١). وأما كونه إذا جمع بينهما في العقد يجوز على المذهب؛ فلأن كل واحدة (٢) يجوز له إفرادها بالعقد. فجاز له الجمع بينهما؛ كالأمتين. وأما كونه يتخرج أن لا يجوز؛ فلأنه جمع. أشبه ما لو تزوج الأمة على الحرة. فإن قيل: الخلاف في الجمع المذكور مطلقاً أم على قولنا ليس له أن يتزوج الأمة على الحرة. قيل: على الثاني. صرح به صاحب المحرر.

стр. 2175

قال: (وليس له نكاح سيدته، ولا للحر أن يتزوج أمته ولا أمة ابنه. ويجوز للعبد نكاح أمة ابنه). أما كون العبد ليس له نكاح سيدته؛ فلأن أبا الزبير قال: «سألت جابراً عن العبد ينكح سيدته. فقال: جاءتِ امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب ﵁ ونحنُ بالجابيةِ وقد نَكحتْ عبدَها فانتهرَها عمر وهمَّ أن يرجُمَهَا. وقال: لا يحلُّ لك». ولأن أحكام النكاح مع أحكام الملك يتنافيان من حيث إن كل واحدٍ منهما يقتضي أن يكون الآخر في حكمه يسافر سفره ويقيم بإقامته وينفق عليه. وأما كون الحر ليس له أن يتزوج أمته؛ فلأن ملك الرقبة يقيد ملك المنفعة وإباحة البضع، ولا يجتمع مع عقد لضعف منه. وأما كونه ليس له أن يتزوج أمة ابنه؛ فلأن له فيها شبهة الملك. بدليل قوله ﵇: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» (١). أشبه الملك. وأما كون العبد يجوز له نكاح أمة ابنه؛ فلأنه لا شبه له فيها. بخلاف الحر. قال: (وإن اشترى الحر زوجته انفسخ نكاحها. وإن اشتراها ابنه فعلى وجهين). أما كون زوجة الحر إذا اشتراها زوجها ينفسخ نكاحها؛ فلما تقدم من منافاة أحكام الملك أحكام النكاح والملك أقوى؛ لأنه يفيد ملك الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يفيد إلا ملك المنفعة. ولأن النكاح يوجب للمرأة حقوقاً يمنعها ملك اليمين من القَسْم والملك فانفسخ بالملك لئلا يجتمع معه ما لا يوافقه. وأما كونها إذا اشتراها ابنه ينفسخ نكاحها على وجه؛ فلأن ملك الابن كملك الأب في إسقاط الحد وحرمة الاستيلاد. فكان كملكه في فسخ النكاح. وأما كونها لا ينفسخ نكاحها بذلك على وجه؛ فلأنه لا يملكها بملك الابن. فلم يفسخ نكاحها؛ كما لو ملكها أجنبي.

стр. 2176

قال: (ومن جمع بين محرمة ومحللة في عقد واحدٍ فهل يصح فيمن تحل؟ على روايتين). أما كون العقد كما ذكر يبيح فيمن تحل على المذهب؛ فلأنها لو انفردت لكان العقد عليها صحيحاً. فكذلك إذا جمعها مع محرمة. وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن العقد تناول محرَّمة ومحلّلة. فلم يصح فيهما؛ كما لو باع خلاً وخمراً. قال: (ومن حرم نكاحها حرم وطئها بملك اليمين؛ إلا إماء أهل الكتاب). أما كون من حرم نكاحها وليست من إماء أهل الكتاب يحرم وطؤها؛ فلأن النكاح إذاً حرم لكونه طريقاً إلى الوطء. فلأن يحرم الوطء بنفسه بطريق الأولى. وأما كون إماء أهل الكتاب لا يحرم وطؤهن بملك اليمين وإن حرم نكاحهن؛ فلأن حرمة النكاح إنما كان من أجل إرقاق الولد وإبقائه مع كافرة، وهو معدوم في الوطء بملك اليمين.

стр. 2177

فصل [في نكاح الخنثى] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يحل نكاح خنثى مشكل حتى يتبين أمره. نص عليه. وقال الخرقي: إذا قال: أنا رجل لم يمنع من نكاح النساء، ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد، وإن قال: أنا امرأة لم ينكح إلا رجلاً. فلو تزوج امرأة ثم قال: أنا امرأة انفسخ نكاحه، ولو زُوِّج برجل ثم قال: أنا رجل لم يقبل قوله في فسخ النكاح). أما كون الخنثى المشكل لا يحل نكاحه حتى يتبين أمره على منصوص الإمام أحمد؛ فلأنه مشكوك في حله للرجال والنساء. فلم يحل نكاحه حتى يتبين أمره؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبية. وأما كونه لا يمنع من نكاح النساء إذا قال: أنا رجل على قول الخرقي؛ فلأن كونه رجلاً معنى يعرف من جهته وليس فيه إيجاب حق على غيره. فوجب أن يقبل منه؛ كما يقبل قول المرأة في انقضاء عدتها، وإذا قبل قوله في ذلك لم يمنع من نكاح النساء كغيره. وأما كونه لا يكون له أن ينكح بغير ذلك بعد؛ فلأنه أقر بتحريمه. ولأنه إذا ادعى غير الأول يكون مكذباً لنفسه مدعياً دعوى تناقض قوله الأول. فلم يلتفت إليه؛ كالإنكار بعد الإقرار. وأما كونه لا ينكح إلا رجلاً إذا قال: أنا امرأة؛ فلأنه يقبل قوله في كونه امرأة لما تقدم. والمرأة ليس لها أن تنكح رجلاً فكذا الخنثى المذكور. وأما كونه ينفسخ نكاحه إذا قال: أنا امرأة بعد أن تزوج امرأة؛ فلأن النكاح له وقد أقر ببطلانه. وأما كونه لا يقبل قوله في فسخ النكاح إذا قال: أنا رجل بعد أن زُوِّج برجل؛ فلأن النكاح حق عليه. فلم يقبل قوله في إسقاط حق الغير.

стр. 2178

باب الشروط في النكاح قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهي قسمان: صحيح؛ مثل: اشتراط زيادة في المهر، أو نقد معين، أو أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى: فهذا صحيح لازم إن وفى به، وإلا فلها الفسخ). أما كون شروط النكاح قسمين صحيحاً وفاسداً؛ فلأنه عقد معاوضة. فكانت شروطه قسمين صحيحاً وفاسداً؛ كالبيع. ويدل على أن من شروطه ما يكون صحيحاً ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحقَ ما وفَّيتُم به من الشروطِ ما استحلَلتُم به الفُروج» (١). رواه سعيد. وفي لفظٍ: «إن أحقَّ الشروطِ أن تُوفُّوا بها ما استحللتُم به الفُروج» (٢). متفق عليه. وأما قول المصنف: مثل اشتراط زيادة المهر ... إلى آخره؛ فبيانٌ للشروط الصحيحة وتعداد لها. وأما كون ذلك كله صحيحاً؛ فلأنه داخل فيما تقدم. ولأن قول النبي ﷺ : «المؤمنونَ على شُروطهم» (٣) يشمل ذلك كله. وروي «أن رجلاً تزوّجَ امرأةً وشرطَ لها دارها ثم أرادَ نقلها فخاصموه إلى عمر. فقال: لها شرطها. فقال الرجل: إذًا يُطلِّقْننا. فقال عمر: مقاطعُ الحقوقِ عندَ الشروط» (٤).

стр. 2179

ولأن شرط الزيادة في المهر والنقد المعين صحيح وفاقاً، وشرط كل واحد مما بقي شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع مقصود النكاح. فكان صحيحاً؛ كما لو شرط في البيع نقداً معيناً. وأما كون ذلك كله لازماً إن وفى به وإلا فلها الفسخ؛ فلأنه لو شرط في البيع كون المبيع كاتباً أو صانعاً أو ما أشبه ذلك كان حكمه ما ذُكر. فكذا هذا. قال: (وإن شرط لها طلاق ضرتها فقال أبو الخطاب: هو صحيح. ويحتمل أنه باطل لقول رسول الله ﷺ : «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتكْتَفِئَ ما في صَحْفَتَها، ولْتَنْكِحْ، فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (١». أما كون شرط ذلك صحيحاً على ما قال أبو الخطاب؛ فلأن لها في ذلك نفعاً. أشبه ما لو شرطت دارها. وأما كونه يحتمل أنه باطل؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الحديث. وهذا الاحتمال هو اختيار المصنف وقدمه في المغني. وقال عن قول أبي الخطاب: لم أره لغيره. وذكر ما يدل على فساده من الحديث المذكور، وما روى أبو هريرة قال: «نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن تَشترطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٢). رواهما البخاري.

стр. 2180

فصل [في شروط النكاح الفاسدة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني: فاسد. وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما يُبطل النكاح. وهو ثلاثة أشياء: أحدها: نكاح الشغار. وهو: أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته، ولا مهر بينهما. فإن سموا مهراً صح. نص عليه، وقال الخرقي: لا يصح). أما كون هذا القسم الثاني؛ فلأنه يلي الأول. وأما كونه فاسداً؛ فلأن شروط النكاح لما كانت قسمين صحيحاً وفاسداً وكان الأول هو الصحيح كان الثاني هو الفاسد. وأما كونه ثلاثة أنواع؛ فلأنه تارة يُبطل العقد، وتارة لا يُبطله، ويكون تارة (١) في إبطاله له خلاف. وسيأتي ذكر ذلك في مواضعه. وأما كون الذي يُبطله ثلاثة أشياء؛ فلأنه تارة يكون نكاح شغار، وتارة نكاح محلل، وتارة نكاح متعة. وأما كون أحد الأشياء التي تبطل النكاح نكاح الشغار؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ نهى عن الشِّغَار» (٢) متفق عليه. وروى أبو هريرة مثله (٣). أخرجه مسلم. وعن (٤) عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «لا جَنَبَ ولا جَلَبَ ولا شِغَارَ في الإسلام» (٥).

стр. 2181

ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفاً في الآخر. فكان باطلاً؛ كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي. وأما قول المصنف: وهو أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما؛ فبيانٌ لمعنى نكاح الشغار. وفي حديث ابن عمر: «الشِّغَارُ أن يزوجه ابنتَه على أن يزوجه ابنتَه وليسَ بينهما صَداق» (١) متفق عليه. وفي حديث أبي هريرة: «الشغارُ أن يقولَ الرجلُ للرجل: زوِّجني ابنتكَ وأُزوِّجُكَ ابنتي» (٢). رواه مسلم. وأما كون ذلك يصح إذا سموا مهراً على منصوص الإمام أحمد؛ فلما تقدم من الحديث. ولأن الشغار ملحوظ فيه الخلو؛ لأنه مأخوذ من شَغَر الكلب إذا رفع رجله ليبول، وهذا المعنى مفقود هاهنا. وأما كونه لا يصح على قول الخرقي؛ فـ «لأن العباس بن عبدالله بن العباس أنكحَ عبدالرحمن بن الحكم ابنته على أن يُنكحه الآخر ابنته، وكانا جعلا صَداقاً. فكتب معاويةُ إلى مروان فأمرَه أن يفرّق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشِّغَارُ الذي نهى عنه رسول الله ﷺ » (٣). ولأنه شَرط نكاح إحداهما لنكاح الأخرى. فلم يصح؛ كما لو لم يسميا صداقاً. ويحققه أن عدم التسمية ليس بمفسد. بدليل نكاح المفوضة فعلم أن المفسد هو الشرط وقد وجد. ولأنه سلف في عقد. فأفسده؛ كما لو قال: بعتك ثوبي بعشرة على أن تبيعني ثوبك بعشرين.

стр. 2182

والأول أصح؛ لأن حديث ابن عمر متفق عليه وهو يوافق المعنى. فكان الأخذ به أولى. قال: (والثاني: نكاح المحلِّل. وهو: أن يتزوجها على أنه إذا أحلها طلقها. فإن نوى ذلك من غير شرط لم يصح أيضا في المذهب، وقيل: يكره ويصح). أما كون ثاني الأشياء التي تبطل النكاح نكاح المحلِّل؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له» (١). رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «ألا أُخبركم بالتيسِ المستعارِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: هو المحلِّلُ. لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له» (٢). رواه ابن ماجة. وعن عمر: «لا أُوتى بمحل ومحلل له إلا رجمتهما». رواه الأثرم. ولو لم يبطل ذلك النكاح لما لعن فاعله ولا رجم. وأما قول المصنف: وهو أن يتزوجها على أنه إذا أحلها طلقها؛ فبيانٌ لمعنى نكاح المحلل. وأما كونه لا يصح إذا نوى ذلك من غير شرط في ظاهر المذهب؛ فلما روي عن ابن عمر: «أن رجلاً قال له: امرأة تزوجتها أُحِلُّها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم. قال: لا. إلا نكاح رغبة. إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها. قال: وإن كنا نعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا. وقال: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة» (٣).

стр. 2183

وأما كونه يكره ويصح على قول: أما الكراهة؛ فلأنه مختلف في صحته، وأما الصحة؛ فلأنه عقد خلا عن شرط يفسده. أشبه ما لو طلقها لغير الإحلال أو ما لو نوت المرأة ذلك. ولأن العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد (١). بدليل ما لو اشترى عبداً بشرط أن لا يبيعه لم يصح، ولو نوى أن لا يبيعه صح. قال: (الثالث: نكاح المتعة. وهو: أن يتزوجها إلى مدة). أما كون ثالث الأشياء التي تبطل النكاح نكاح المتعة؛ فـ «لأن النبي ﷺ حرَّمَ مُتعةَ النساء» (٢). رواه أبو داود. وفي لفظٍ: «يا أيها الناس! إني كنتُ أذنتُ لكم في الاستمتاع. ألا! وإن اللهَ قد حرّمها إلى يومِ القيامة» (٣). رواه ابن ماجة. وعن علي «أن رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن متعةِ النساءِ يومَ خيبر» (٤) أخرجه الأئمة. وأما قول المصنف: وهو أن يتزوجها إلى مدة؛ فبيانٌ لمعنى المتعة المحرمة. والمراد ذكر المدة في العقد؛ مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو إلى قدوم الحاج ونحو ذلك. فإن لم يذكر المدة في العقد بل نوى الطلاق بعد شهراً أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد: كان النكاح صحيحاً؛ لأن الرجل ليس عليه أن ينوي حبس امرأته.

стр. 2184

قال: (ونكاح شرط فيه طلاقها في وقت، أو علق ابتداءه على شرط؛ كقوله: زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها: فهذا كله باطل من أصله). أما كون نكاح شُرط فيه طلاق الزوجة باطلاً من أصله؛ فلأنه شرط مانع من بقاء النكاح. أشبه المتعة. وأما كون نكاح عُلق ابتداؤه على شرط باطلاً من أصله؛ فلأن النكاح عقد معاوضة. فبطل بتعليقه على شرط؛ كالبيع. قال: (النوع الثاني: أن يشترط أن لا مهر لها، أو لا نفقة، أو يقسم لها أكثر من امرأته الأخرى أو أقل: فالشرط باطل، ويصح النكاح). أما كون الشرط باطلاً؛ فلأنه ينافي مقتضى العقد. ولأنه يتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده. فتبطل؛ كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع. وأما كون النكاح يصح؛ فلأن الشرط يعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به. فلم يبطله؛ كما لو شرط في العقد صداقاً محرماً. ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض. فجاز أن يصح مع الشرط الفاسد المذكور؛ كالعتق. قال: (الثالث: أن يشترط الخيار، أو إن جاءها بالمهر في وقت وإلا فلا نكاح بينهما: فالشرط باطل، وفي صحة النكاح روايتان). أما كون الشرط باطلاً؛ فلأنه ينافي مقتضى العقد. وأما كون النكاح يصح في روايةٍ؛ فلأنه يصح مع المجهول. فيصح مع الشرط الفاسد؛ كالعتق. وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلأن عقد النكاح يجب أن يكون ثابتاً لازماً. فنافاه الشرط وأبطله.

стр. 2185

فصل [إذا اختلف الشرط] قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإن تزوجها على أنها مسلمة فبانت كتابية فله الخيار. وإن شرطها كتابية فبانت مسلمة فلا خيار له. وقال أبو بكر: له الخيار). أما كون الزوج له الخيار إذا تزوج على الزوجة مسلمة فبانت كتابية؛ فلأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد. أشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة. وأما كونه لا خيار له إذا شرطها كتابية فبانت (١) مسلمة على المذهب؛ فلأنه زاده خيراً. وأما كونه له الخيار على قول أبي بكر؛ فلأنه قد يكون له غرض في عدم وجوب العبادات. قال: (وإن شرطها أمة فبانت حرة فلا خيار له. وإن شرطها بكراً أو نسيبة أو جميلة أو شرط نفي العيوب التي لا يفسخ بها النكاح فبانت بخلافه فهل له الخيار؟ على وجهين). أما كون الزوج لا خيار له إذا شرط الزوجة أمة فبانت حرة؛ فلأنه ازداد بذلك خيراً. أشبه المبيع إذا شُرط فيه شرطٌ فبان الشرط خيراً مما شرط. وأما كونه لا خيار له إذا شرطها بكراً ... إلى آخره على وجه؛ فلأن النكاح لا يُرد بعيبٍ سوى العيوب السبعة. فلا يُرد بمخالفة الشرط؛ كما لو شرطت ذلك في الرجل. وأما كونه له الخيار على وجه؛ فلأنها صفة مقصودة. أشبه ما تقدم.

стр. 2186

قال: (وإن تزوج أمة يظنها حرة فأصابها وولدت منه: فالولد حر، ويفديهم بمثلهم يوم ولادتهم ويرجع بذلك على من غره، ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء، وإن كان ممن يجوز له ذلك فله الخيار. فإن رضي المقام معها فما ولدت بعد ذلك فهو رقيق). أما كون الولد فيما ذُكر حراً؛ فلأن الزوج يظنه حراً. فأثر اعتقاده في حريته؛ كما لو وطئ أمة اشتراها يظنها ملكاً لبائعها فإذا هي مغصوبة. وأما كون الزوج يفدي أولاده؛ فلأن عمر وعلياً وابن عباس قضوا بذلك. وعن الإمام أحمد: لا يجب الفداء؛ لأن الولد انعقد حراً. فلم يملكه سيد الأمة فلم يجب فداؤه. والأول أولى لقضاء الصحابة. ولأن الولد نماء الأمة المملوكة وقد فوّت رقه. فوجب فداؤه؛ لفوات رقه بفعله. وأما كونه يفديهم بمثلهم على المذهب؛ فلما روى سعيد بن المسيب قال: «بِعتُ جاريةً لرجلٍ من العرب وانتمت إلى بعضِ العربِ. فتزوّجها رجلٌ من بني عذرة، ثم إن سيدها دبّ فاستاقها واستاقَ ولدها. فاختصموا إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقضى على العذري بفداءِ ولده بغيره مكانَ كل غلامٍ بغلام، ومكانَ كل جاريةٍ بجارية». وعن الإمام أحمد ﵁: يفديهم بقيمتهم؛ لأن الحيوان ليس بمثل. وعنه: هو مخير بين المثل والقيمة؛ لأنهما جميعاً مرويان عن عمر ﵄. وقال المصنف في المغني: الصحيح أنه يضمن بالقيمة؛ كسائر المضمونات المتقومات. وأما كون الفداء معتبراً يوم الولادة؛ فلأن الصحابة المقدم ذكرهم قضوا بذلك. ولأن المذكور محكوم بحريته عند الوضع. فوجب أن يضمنه حينئذ؛ لفوات رقه حينئذ.

стр. 2187

وأما كون الزوج يرجع بالفداء على من غرّه؛ فلأن الصحابة المتقدم ذكرهم قضوا بذلك. ولم يذكر المصنف الرجوع بالمهر، والمذهب أنه يرجع به. قال القاضي: لأن عمر قضى به. ولأن العاقد ضمن له سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد. فكما يرجع عليه بقيمته. فكذلك يرجع بالمهر. وعن الإمام أحمد: لا يرجع بالمهر. وأجازه أبو بكر؛ لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه وهو الوطء. فلم يرجع به؛ كما لو اشترى مغصوباً فأكله. بخلاف قيمة الولد فإنه لم يحصل في مقابلته عوض؛ لأنها وجبت بحرية الولد، وحرية الولد للولد لا لأبيه. وأما كونه يفرق بينه وبين الأمة إن كان (١) ممن لا يحل له نكاح الإماء. وهو من يجد الطَّول أو لا يخشى العنت؛ فلأنّا تبيّنا أن النكاح فاسد من أصله لعدم شرطه. وأما كونه له الخيار إن كان ممن يجوز له ذلك. وهو من لا يجد الطول ويخشى العنت؛ فلأنه عقد غُرّ فيه أحد الزوجين بحرية الآخر. فثبت له الخيار؛ كالآخر. وأما كون ما ولدت الزوجة بعد ذلك رقيقاً إذا رضي بالمقام مع الأمة؛ فلأن المانع من رقهم في المغرور اعتقاد الزوج حريتها، وقد زال ذلك بالعلم. قال: (وإن كان المغرور عبداً فولده أحرار، ويفديهم إذا عتق، ويرجع به على من غرّه). أما كون ولد العبد المغرور أحراراً؛ فلأنه ساوى الحر في السبب الموجب للحرية، وهو الاعتقاد. وأما كون العبد يفديهم إذا عتق فلفوات الرق المستحق. وإنما تأخر الفداء إلى العتق؛ لأنه لا مال له في الحال. وفيه وجه: أنه يتعلق برقبته قياساً على جنايته.

стр. 2188

وفرّق المصنف بين الفداء وبين الجناية من حيث: إن الجناية من فعله. بخلاف الفداء فإنه لم يجئ في عتقهم، وإنما عتقوا من طريق الحكم. وأما كونه يرجع على من غره؛ فلما تقدم في الحرة. قال: (وإن تزوجت رجلاً على أنه حر أو تظنه حراً فبان عبداً فلها الخيار). أما كون الزوجة لها الخيار فيما ذكر؛ فلأن الخيار لما ثبت للعبد إذا غُرّ من أمة ثبت للأمة إذا غُرت بعبد. وأما كون قول المصنف: وإن تزوجت رجلاً؛ فيعمتد أن المرأة أمة أو أن حرية الرجل ليست من شروط النكاح؛ لأنها لو كانت حرة وكانت حرية الزوج شرطاً لصحة النكاح لم يكن لها خيار؛ لأن النكاح باطل من أصله والخيار يعتمد الصحة.

стр. 2189

فصل [إذا عتقت الأمة وزحها حر] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن عتقت الأمة وزوجها حر فلا خيار لها في ظاهر المذهب. وإن كان عبداً فلها الخيار في فسخ النكاح، ولها الفسخ بغير حكم حاكم). أما كون الأمة لا خيار لها إذا عتقت وزوجها حر في ظاهر المذهب؛ فلأنها كافأت زوجها في الكمال. فلم يثبت لها الخيار؛ كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم. وعن الإمام أحمد ﵁: لها الخيار؛ لما روت عائشة «أن النبي ﷺ خيّر بريرةَ، وكان زوجها حرًّا» (١). رواه النسائي. والأول أصح؛ لما تقدم. وأما خبر عائشة ﵂ فيرويه عنها الأسود، وروى عنها القاسم بن محمد وعروة «أن زوج بريرة كان عبدًا» (٢). وهما أخص بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها وابن أختها. وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ «أن زوج بريرة كان عبدًا» (٣). فتتعارض روايتاه وتبقى رواية غيره سالمة عن المعارض.

стр. 2190

وقال ابن عباس: «كان زوجُ بريرةَ عبدًا أسود لبني المغيرة يقال له مُغيث» (١). رواه البخاري وغيره. وأما كونها لها (٢) الخيار إذا كان عبداً؛ فلما روت عائشة ﵂ قالت: «كاتبتْ بريرة فخيّرها رسول الله ﷺ في زوجها، وكان عبداً فاختارتْ نفسَها» (٣). رواه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي. ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد. فكان لها الخيار؛ كما لو تزوجت حرة شخصاً على أنه حر فبان عبداً. وأما كونها لها الفسخ بغير حكم حاكم؛ فلأنه مجمع عليه غير (٤) مجتهد فيه. فلم يفتقر إلى حكم حاكم؛ كالرد بالعيب في المبيع. بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه مجتهد فيه. فافتقر إلى حكم حاكم؛ كالفسخ للإعسار. قال: (فإن أُعتق قبل فسخها أو أمكنته من وطئها بطل خيارها). أما كون خيار الزوجة يبطل إذا عتق الزوج قبل فسخها؛ فلأن الخيار لدفع الضرر بالرق وقد زال بإعتاقه. فسقط؛ كالمبيع إذا زال عيبه. وأما كونه يبطل إذا أمكنته من وطئها قبل ذلك؛ فلأن النبي ﷺ قال في حديث بريرة: «وإن وَطِئَها فلا خِيارَ لها» (٥). رواه الإمام أحمد والأثرم. وفي روايةٍ أبي داود: «فإن قَربَكِ فلا خِيارَ لك» (٦). فإن قيل: إسقاط الخيار مرتب على نفس الوطء لا على ما إذا أمكنته. قيل: الوطء يقع على صورتين: أحدهما: في حال طوعها، والتمكين إذاً حاصل.

стр. 2191

وثانيهما: في حال إكراهها وذلك لا يسقط الخيار؛ لأنها معذورة ولهذا قال النبي ﷺ : «عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ وما استكرهُوا عليه» (١). فعلى هذا يجب حمل الحديث على الصورة الأولى جمعاً بين الآثار وطرداً للقواعد. قال: (فإن ادعت الجهل بالعتق وهو مما يجوز جهله أو الجهل بملك الفسخ فالقول قولها، وقال الخرقي: يبطل خيارها علمت أو لم تعلم). أما كون القول قول الزوجة إذا ادعت الجهل بالعتق وهو مما يجوز جهله؛ مثل: أن يعتقها سيدها ببلد آخر على قول غير الخرقي؛ فلأن القول المذكور محتمل للصدق ويعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم العلم. وفي تقييد ذلك بذلك إشعارٌ بأن العتق إن كان مما لا يجوز الجهل به؛ مثل: أن يكون ببلد المعتقة، واشتهر ذلك: لم يكن القول قولها؛ لأنه خلاف الظاهر. وأما كون القول قولها إذا ادعت الجهل بملك الفسخ على القول المتقدم ذكره؛ فلأن ذلك لا يعرفه إلا خواص الناس فيعضد صدقها الظاهر. وأما كون الخيار يبطل على قول الخرقي علمت أو لم تعلم؛ فلما تقدم من الحديث. وعن حفصة: «أنها قالت لامرأة عتقت تحت زوجها: أمْرُكِ بيدكِ ما لم يمسَّكِ فإن مسَّكِ فليس لكِ من الأمرِ شيء» (٢). رواه مالك. وعن ابن عمر «لها الخيارُ ما لم يمسَّها» (٣). ولأنه خيار عيب. فيسقط بالتصرف فيه مع الجهالة؛ كخيار الرد بالعيب.

стр. 2192

قال: (وخيار المعتقة على التراخي ما لم يوجد منها ما يدل على الرضا. فإن كانت صغيرة أو مجنونة فلها الخيار إذا بلغت وعقلت وليس لوليها الاختيار عنها). أما كون خيار المعتقة على التراخي؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا عَتَقَتِ المرأةُ فهي بالخيارِ ما لم يطَأْهَا إن شاءتْ فارقَتْه» (١). رواه الإمام أحمد والأثرم. ولأنه (٢) قول ابن عمر وأخته حفصة. قال ابن عبدالبر: لا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفاً في الصحابة. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك. فثبت؛ كخيار القصاص أو خيار لدفع ضرر متحقق. أشبه خيار القصاص. وأما كون الصغيرة والمجنونة لها الخيار إذا بلغت وعقلت؛ فلأنهما حينئذ صار لكلامهما حكم. بخلاف ما قبل ذلك. وأما كون وليهما ليس له الاختيار عنهما؛ فلأنه خيارٌ طريقه الشهوة. أشبه خيار القصاص. قال: (فإن طلقت قبل اختيارها وقع الطلاق. وإن عتقت المعتدة الرجعية فلها الخيار. فإن رضيت بالمقام فهل يبطل خيارها؟ على وجهين). أما كون الطلاق يقع إذا طلقت قبل اختيارها؛ فلأنه صادف نكاحاً. وأما كون المعتدة الرجعية لها الخيار إذا عتقت؛ فلأن نكاح الرجعية باق قبل الفسخ ولها في الفسخ فائدة؛ لأنها لا تأمن رجعته إذا لم يفسخ. وفي تقييده المعتدة بالرجعية إشعار بأن البائن لا خيار لها. وهو صحيح صرح به في المغني وغيره؛ لأن الفسخ إنما يكون في نكاح ولا نكاح للبائن. وأما كون الخيار يبطل إذا رضيت بالمقام معه على وجه؛ فلأنها رضيت بالمقام مع جريانها إلى البينونة وذلك ينافي الخيار. وأما كونه لا يبطل على وجه؛ فلأنها حالة يصح فيها اختيار المقام. فصح فيها اختيار الفسخ؛ كصلب النكاح.

стр. 2193

قال: (ومتى اختارت المعتقة الفرقة بعد الدخول فالمهر للسيد. وإن كان قبله فلا مهر. وقال أبو بكر: لسيدها نصف المهر). أما كون المهر للسيد إذا اختارت المعتقة الفرقة بعد الدخول؛ فلأن المهر استقر بالدخول. فيكون لمالكها حينئذ. وأما كونه لا مهر إذا اختارت الفرقة قبل الدخول على المذهب؛ فلأن الفرقة جاءت من قبلها. فسقط مهرها؛ كما لو أسلمت أو ارتدت أو أرضعت من يفسخ نكاحها رضاعه. وأما كون نصف المهر للسيد على قول أبي بكر؛ فلأنه وجب للسيد فلا يسقط بفعل غيره. وأجاب المصنف في المغني عن هذا بأنه وإن وجب للسيد لكن بواسطتها. وفيه نظر؛ لأن الأمة لو نكحت لم يسقط مهرها للمطاوعة كالحرة؛ لأنه حق للسيد. فلا يسقط بالبذل وفيه ما ذكر. قال: (وإن أعتق أحد الشريكين وهو معسر فلا خيار لها، وقال أبو بكر: لها الخيار). أما كون المعتق بعضها لا خيار لها على قول غير أبي بكر؛ فلأنه لا نص فيها ولا هي في معنى الحرة الكاملة؛ لأنها كاملة الأحكام وذلك مفقود في المعتق بعضها. وإنما اشترط المصنف رحمه الله تعالى اعتبار المعتق في ذلك لأنه لو كان موسراً لعتق الباقي بالسراية. فيكون لها الخيار؛ كحريتها كلها. وأما كونها لها الخيار على قول أبي بكر؛ فلأنها أكمل منه؛ لأنها ترث وتورث، وتحجب بقدر ما فيها من الحرية. وحكى المصنف في المغني قول أبي بكر روايةً. ونصر الأول لما تقدم. وقال: العقد صحيح فلا يفسخ بالمختلف فيه وهذه مختلف فيها. قال: (وإن أعتق الزوجان معاً فلا خيار لها. وعنه: ينفسخ نكاحهما). أما كون المعتقة مع زوجها لا خيار لها على المذهب؛ فلأن الحرية الطارئة بعد عتقها تمنع الفسخ. فالمقارنة أولى؛ كإسلام الزوجين.

стр. 2194

وأما كون نكاحهما ينفسخ على روايةٍ ففيه بُعد، وكذلك لم يذكر المصنف لهذه دليلاً في المغني. وحمله على ما إذا وهب عبده سُرِّية وأذن له في التسري بها ثم أعتقهما جميعاً. وذكر أن جماعة رووا ذلك عن الإمام أحمد وأن الإمام احتج على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر ﵄ «أن عبداً له كان له سُرِّيتان فأعتقهما وأعتقه فنهاه أن يقربهما إلا بنكاحٍ جديد». ولأنها بإعتاقها خرجت عن أن تكون مملوكة. فلم يبح له التسري بها؛ كالحرة الأصلية. ثم قال: وأما إذا كانت امرأته فعتقا لم ينفسخ نكاحه بذلك؛ لأنه إذا لم ينفسخ بإعتاقها وحدها فلئلا ينفسخ بإعتاقهما معاً أولى.

стр. 2195

باب حكم العيوب في النكاح قال المصنف رحمه الله تعالى: (العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام: أحدها: ما يختص الرجال. وهو شيئان: أحدهما: أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع به. فإن اختلفا في إمكان الجماع بالباقي فالقول قولها. ويحتمل أن القول قوله). أما كون العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام؛ فلأن منها ما يختص الرجال، ومنها ما يختص النساء، ومنها ما يشترك فيه الرجال والنساء. أما كون ما يختص الرجال (١) شيئين؛ فلأن منها ما يكون جَباً، ومنها ما يكون عِنّة. وأما كون أحد الشيئين المذكورين: أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع معه؛ فلأن ذلك يمنع المقصود من النكاح. أشبه العنة. بل أولى؛ لأنه لا يرجى زواله. بخلاف العنة. وأما كون القول قول الزوجة إذا اختلفت هي والزوج في إمكان الجماع بالباقي على المذهب؛ فلأنها تدّعي شيئاً يعضده الحال فكان القول قولها، وذلك أن الذكر يضعف بالقطع. ولأنها ادعت عدم الوطء والأصل معها. وأما كونه يحتمل أن القول قوله؛ فلأنهما لو اختلفا في العنة كان القول قوله. فكذا هاهنا. ولأن له ما يمكن الجماع بمثله. أشبه من له ذكر قصير.

стр. 2196

قال: (الثاني: أن يكون عِنِّيناً لا يمكنه الوطء. فإن اعترف بذلك أُجّل سنة منذ ترافعه. فإن وطئ فيها، وإلا فلها الفسخ). أما كون ثاني الشيئين اللذين يختصان الرجال من العيوب المثبتة للفسخ: أن يكون الرجل عنيناً لا يمكنه الوطء؛ فلأن عمر ﵁ قضى به (١). ولأن العنة معنى لا يمكن معه الوطء وذلك هو المقصود من النكاح. وأما كون الزوج يؤجل سنة منذ ترافعه الزوجة؛ فلأن عمر ﵁ أجَّلَ العنّين سنة (٢). ولأن ذلك العجز يحتمل أن يكون مرضاً. فضُربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة: فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في زمن الاعتدال. فإذا زالت الفصول الأربعة واختلفت عليه الأهوية (٣) ولم يزل: علم أنه خلقة. وحكي عن أبي عبدالله أن أهل الطب يقولون: الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة ثم يظهر. وأما كون الزوجة لها الفسخ عند عدم الوطء في السنة؛ فلأنه يثبت عنته. فيثبت الفسخ؛ لما تقدم. قال: (وإن اعترفت أنه وطئها مرة بطل كونه عِنِّيناً. وإن وطئها في الدبر أو وطئ غيرها لم تزل العنة. ويحتمل أن تزول). أما كون الزوج يبطل كونه عِنِّيناً إذا اعترفت الزوجة أنه وطئها مرة؛ فلأنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح، وذلك يبطل عنته. ولأن حقوق الزوجة من استقرار المهر والعدة تثبت بالوطء مرة واحدة، وقد وجد. وأما كونه لا تزول عنته إذا وطئها في الدبر على المذهب؛ فلأنه ليس بمحل للوطء. أشبه الوطء دون الفرج.

стр. 2197

وأما كونه لا تزول عنته بوطء غيرها على المذهب؛ فلأن حكم كل امرأة معتبر بنفسها. ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن وطئها، وهو موجود هنا وإن وطئ غيرها. وأما كونه يحتمل أن تزول؛ فلأن العنة خلقة وجبلّة. فلا يختلف باختلاف المحل والنساء. ولأن ذلك يروى عن سمرة وعمر بن عبدالعزيز. وهذا الاحتمال هو اختيار ابن عقيل، ومقتضى قول أبي بكر. ذكره المصنف في المغني. قال: (وإن ادعى أنه وطئها وقالت أنها عذراء وشهد بذلك امرأة ثقة: فالقول قولها، وإلا فالقول قوله). أما كون القول قول الزوجة أنها عذراء إذا شهد بذلك امرأة ثقة؛ فلأن بكارتها أكذبت الزوج. إذ الوطء مع بقاء البكارة متعذر. وأما كون القول قول الزوج إذا لم تشهد امرأة ثقة بذلك؛ فلأن الشاهد تكذبه البكارة وهي منتفية. قال: (وإن كانت ثيباً فالقول قوله. وعنه: القول قولها. وقال الخرقي: يُخلى معها في بيت ويقال له: أخرج ماءك على شيء. فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن ذاب فهو مني وبطل قولها). أما كون القول قول الزوج على روايةٍ؛ فلأنه لا يعلم إلا من جهته. والأصل السلامة. وأما كون القول قول الزوجة على روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم الإصابة. وأما كون الزوج يُخلى معها في بيت على قول الخرقي؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بصدقه أو كذبه. وأما كونه يقال له: أخرج ماءك على شيء؛ فلأن الإنزال علامة على عدم عنته؛ لأن العنّين يضعف عنه. فإذا أنزل واعترف أنه مني تبين صدقه وتحقق كذبها.

стр. 2198

وأما كون الخارج يُجعل على النار إذا ادعت أنه ليس بمني؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بأنه مني؛ لأن المني لا يشبه إلا بياض البيض المنتن، وذلك يحترق بجعله في النار. وأما كونه منيًّا إذا ذاب؛ فلأن ذلك شأنه لا شأن ما يشبهه. وأما كون قولها يبطل عند ذلك فلتحقق كذبها أنه ليس بمني. فإن قيل: إذا عجز عن إخراج مائه. قيل: القول قولها؛ لأن الظاهر معها. فإن قيل: ما الصحيح في الخلاف المذكور؟ قيل: حكى المصنف في المغني إذا كانت ثيباً فالقول قوله في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلامه هنا لأنه قدم ذلك، ودليله ما تقدم. ولأنه يدعي سلامة العقد والأصل معه. وقال في موضع منه أيضاً: الصحيح ما قال الخرقي لدلالة الخبر والمعنى عليه. ثم قال: والصحيح أن القول قوله كما لو ادعى الوطء في الإيلاء. ثم قال: واعتبار خروج الماء ضعيف لأنه قد يطأ ولا يُنزل وقد يُنزل في غير وطء. فإن ضعف الذكر لا يمنع سلامة الظهر ونزول الماء. وقد يعجز السليم القادر على الوطء في بعض الأحوال. وليس كل من عجز في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات يكون عنِّيناً ولذلك جعلت مدته سنة. والله أعلم.

стр. 2199

فصل [القسم الثاني] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني: يختص النساء. وهو شيئان: الرَّتَق. وهو: كون الفرج مسدودًا لا مسلك للذكر فيه، وكذلك القَرْن والعَفَل. وهو: لحم يحدث فيه يسده. وقيل: القَرْن عظم والعَفَل رغوة فيه تمنع لذة الوطء). أما كون القسم الثاني يختص النساء فظاهر. وأما كونه شيئين؛ فلأنه تارة يكون مسداً، وتارة يكون انخراقاً. وأما كون كل واحد من الرَّتَق والقَرْن والعَفَل مثبتاً لخيار الفسخ؛ فلأنه يمنع من استيفاء مقصود النكاح. أشبه الجب والعنة. ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح. فجاز ردها بعيب؛ كالصداق. أو أحد العوضين في عقد النكاح فجاز رده بالعيب. أو أحد العوضين. فثبت له الخيار بالعيب في الآخر؛ كالمرأة. وأما معنى ذلك فالرَّتَق بتحريك الراء والتاء كون الفرج مسدوداً يعني ملتصقاً لا يدخل الذكر فيه. قاله أبو الخطاب. قال الجوهري: الرَتَق مصدر قولك: امرأةٌ رَتْقَاءُ، بَيِّنةَ الرَتَق، لا يستطاع جماعُها لارْتتاق ذلك الموضع منها. وقد رَتَقْتُ الفتق أَرْتُقُهُ فارْتَتَقَ. أي: التأَم. وقال القاضي: الرتق والقرن والعفل لحم ينبت في الفرج. والقَرْن بفتح القاف وسكون الراء قيل: لحم كما تقدم. وقيل: عظم. والعَفَل بفتح العين والفاء قيل: لحم كما تقدم. وقيل: رغوة تمنع لذة الوطء. قاله أبو حفص. وقال الجوهري: هو شيء يخرج في قبل المرأة كالأُدْرة التي للرجال، والأُدْرة: نفخة في الخصية.

стр. 2200

قال: (والثاني: الفتق. وهو: انخراق ما بين السبيلين، وقيل: انخراق ما بين مخرج البول والمني). أما كون الفتق مثبتاً للخيار أيضاً؛ فلأن فيه تنفيراً من الوطء. وربما فات مقصود الوطء. أشبه الجب والعنة وغيرهما من العيوب المثبتة للفسخ. وأما كون الفتق انخراق ما بين السبيلين على المذهب؛ فلأنه مصدر قولك: امرأة فتقاء. وهي المنفتقة الفرج؛ فلأن فيه تنفيراً. أشبه انخراق ما بين السبيلين.

стр. 2201

فصل [القسم الثالث] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثالث: مشترك بينهما. وهو: الجذام، والبرص، والجنون سواء كان مُطْبقاً أو يخنقُ في الأحيان. فهذه الأقسام يثبت فيها خيار الفسخ روايةً واحدة). أما كون الثالث مشتركاً بين الرجل والمرأة فظاهر؛ لأنه يقع بكل واحد منهما. وأما كون كل واحد من الجذام والبرص مثبتاً للفسخ؛ فلأنهما يثيران نفرة في النفس تمنع قربان أحدهما الآخر ويخشى تعديه إلى النفس والنسل، وذلك وسيلة مانعة من الاستمتاع. فأثبت كل واحد منهما لكل واحد فسخ النكاح؛ كالجَبِّ والعنّة. وقد روي عن النبي ﷺ «أنه تزوج امرأةً فرأى بكَشْحِهَا بياضا. فقال لها: البسي ثيابكِ والحقي بأهلِك» (١). وأما كون الجنون مثبتاً للفسخ أيضاً؛ فلأنه يثير النفرة المذكورة، ويخاف ضرره. وأما كون ما ذكر كذلك سواء كان مطبقاً أو يخنق في الأحيان. والمراد كونه دائماً أو يعتوره وقتاً دون وقت؛ فلأن النفس لا تسكن إلى من هذه حياته. وأما قول المصنف: فهذه الأقسام يثبت بها خيار (٢) الفسخ روايةً واحدة؛ فتأكيد لما سبق، وتصريح بأنه لا خلاف عن الإمام أحمد في ذلك.

стр. 2202

فصل [في العيوب المختلف فيها] قال المصنف رحمه الله تعالى: (واختلف أصحابنا في البَخَر. وهو: نتن الفم. وقال ابن حامد: نتن في الفرج يثور عند الوطء، واستطلاق البول، والنجو، والقروح السيالة في الفرج، والباسور، والناصور، والخصاء. وهو: قطع الخصيتين، والسل. وهو: سل البيضتين، والوجاء. وهو: رضّهما، وفي كونه خنثى مشكلاً، وفيما إذا وجد أحدهما بصاحبه عيباً به مثله، أو حدث به العيب بعد العقد: هل يثبت الخيار؟ على وجهين. وإن علم بالعيب وقت العقد، أو قال: قد رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب: فلا خيار له). أما كون البَخَر يثبت الخيار على وجه؛ فلأنه يثير نفرة. أشبه البرص. وأما كون البخر الذي يثبت الخيار نتن الفم على المذهب؛ فلأن النفرة تحصل بذلك. وأما كونه نتناً في الفرج يثور عند الوطء على قول ابن حامد؛ فلأن النفرة تحصل بذلك أيضاً. قال المصنف في المغني: إن أراد به أن يسمى بخراً ويثبت به الخيار، وإلا فلا معنى له. وأما كون استطلاق البول والغائط يثبت الخيار على وجه؛ فلأن النفرة تحصل به ويخشى تعدي النجاسة. وأما كون كل واحد من القروح السيالة في الفرج، والباسور. وهو: علة تحدث في المقعدة، والناصور. وهو: علة تحدث حوالي المقعدة يُثبت الخيار على وجه؛ فلأنه في معنى البَخَر.

стр. 2203

وأما كون الخصاء يُثبت الخيار (١) على وجه؛ فلأن فيه نقصاً وعاراً يمنع الوطء. وقد روي «أن عمرَ ﵁ قال لرجلٍ تزوجَ امرأةً وهو خصي: أَعْلمتها؟ قال: لا. قال: أعلمها ثم خيّرها». رواه أبو عبيد. وأما كون كل واحد من السل والوجاء يثبته على وجه؛ فلأنه في معنى الخصاء. وأما كون كونه خنثى مشكلاً يثبته على وجه؛ فلأن فيه نقصاً وعاراً ومضرة. أشبه الخصاء. وأما كون أحدهما إذا وجد بصاحبه عيباً به مثله يثبت الخيار على وجه؛ فلأن الذي يُثبت الخيار وجود العيب، وهو متحقق هنا. ولأن المساواة لا تبطل الخيار الثابت. بدليل ما لو غر عبداً بأمة. وأما كون من حدث به العيب بعد العقد يثبته على وجه؛ فلأنه عيب حدث للمعقود عليه. فأثبت الخيار؛ كالإجارة. وأما كون شيء مما تقدم لا يُثبت الخيار على وجه: أما في العيوب المذكورة؛ فلأنها لا نص فيها ولا إجماع ولا قياس؛ لأن الفرق بين المنصوص وبين ذلك كله ثابت. وأما إذا وجد بصاحبه عيباً مثله؛ فلأنهما متساويان ولا مزية لأحدهما على صاحبه. أشبها الصحيحين. وأما فيما إذا حدث به عيب بعد العقد؛ فلأنه عيب حدث بالمعقود عليه قبل لزوم العقد. أشبه الحادث بالمبيع. وأما كون من علم بالعيب وقت العقد، أو قال: قد رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب لا خيار له؛ فلأنه عيب يثبت الخيار. فبطل مع ما ذكر؛ كالعيب في المبيع.

стр. 2204

قال: (ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم. فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، وإن فسخ بعده فلها المهر المسمى. وقيل عنه مهر المثل ويرجع به على من غرّه من المرأة والولي. وعنه: لا يرجع). أما كون الفسخ المذكور لا يجوز إلا بحكم حاكم؛ فلأنه مجتهد فيه. فاحتاج إلى حكم حاكم؛ كفسخ الاعسار بالنفقة. وفارق خيار المعتقة من جهة كونه معتقا عليه. وأما كونه لا مهر إذا فسخ قبل الدخول؛ فلما يأتي بعده. ولا فرق بين كون الزوجة هي الفاسخة أو الزوج في أن لا مهر قبل الدخول؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها. فيسقط مهرها؛ كما لو أفسدته برضاع زوجة له أخرى. وإن كان منه فإنما فسخ لعيب بها دلسته بالإخفاء وصار الفسخ كأنه منها. فإن قيل: هلا جعل فسخها لعيبه كأنه منه لحصوله بتدليسه. قيل: العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت فسخ العقد مع استدامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضاً. فافترقا. وأما كون المرأة لها المهر إذا فسخ العقد بعد الدخول؛ فلأن المهر يجب بالعقد ويستقر بالدخول. فلا يسقط بحادث بعده. وكذلك لا يسقط بردتها ولا يفسخ من جهتها. وأما كونه المسمى على المذهب؛ فلأنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح. فوجب المسمى؛ كغير المعيبة، وكالمعتقة تحت عبد. ويدل على أن النكاح صحيح أنه وجد بشروطه وأركانه. فكان صحيحاً؛ كما لو لم يفسخه. ولأنه لو لم يفسخ لكان صحيحاً. فكذلك إذا فسخه كنكاح الأمة إذا عتقت تحت عبد. ولأنه يترتب عليه أحكام الصحة من ثبوت [مهر المثل.

стр. 2205

وأما كونه عليه مهر] (١) المثل على روايةٍ منقولة عن الإمام أحمد؛ فلأن الفسخ استبدال العقد. فصار كالعقد الفاسد. وأما كون الزوج يرجع بذلك على من غرّه من المرأة أو الولي على المذهب؛ فلما روى ابن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: «أيما رجل تزوّجَ بامرأة بها جنونٌ أو جذامٌ أو برصٌ فلها صَدَاقَهَا وذلك لزوجهَا غُرْمٌ على وَليِّها» (٢). ولأنه غره في النكاح بما يثبت الخيار. فكان المهر على الغارّ؛ كما لو غره بحرية أمة. وقول المصنف رحمه الله تعالى: من المرأة؛ يرجع عليها لأنها غارة. أشبهت الولي. وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي ﵁. ولأنه ضمن ما استوفى بدله وهو الوطء. فلا يرجع به على غيره؛ كما لو كان المبيع معيباً فأكله. قال المصنف في المغني: الصحيح أن المذهب [أنه يرجع] (٣) روايةً واحدة. قال الإمام أحمد: كنت أذهب إلى قول علي بن أبي طالب فهبته فملت إلى قول عمر: إذا تزوجها فرأى جذاماً أو مرضاً فإن لها المهر لمسيسه إياها ووليها ضامن الصداق.

стр. 2206

فصل قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليس لولي صغيرة أو مجنونة ولا سيد أمة تزويجها معيباً، ولا لولي كبيرة تزويجها به بغير رضاها. فإن اختارت الكبيرة نكاح مجبوب أو عنّين لم يملك منعها. وإن اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص فله منعها في أصح الوجهين. وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به لم يملك إجبارها على الفسخ). أما كون ولي الصغيرة والمجنونة وسيد الأمة ليس له تزويجها من به أحد العيوب التي تثبت الفسخ؛ فلأن التزويج المذكور يعتمد النظر والحظ، ولا حظ في هذا العقد. فعلى هذا إذا وقع العقد مع العلم بالعيب لم يصح لأنه عقد لهن عقداً لم يجز عقده. فلم يصح؛ كما لو باع عقار الصبي بغير غبطة ولا حاجة. وإن لم يعلم بالعيب صح كما لو اشترى لهن معيباً لا يعلم عيبه. ويجب عليه الفسخ إذا علم؛ لأن غلبة النظر بما فيه الحظ، والحظ في الفسخ. ويحتمل أن لا يصح العقد؛ لأنه زوجهن ممن لا يملك تزويجهن به. فلم يصح؛ كما لو زوجهن بمن يحرم عليهن. وأما كون ولي الكبيرة ليس له تزويجها بمن ذكر بغير رضاها؛ فلأنها تملك الفسخ إذا علمت به بعد العقد. فلأن تملك المنع بطريق الأولى. وأما كون الولي لا يملك منع الكبيرة إذا اختارت نكاح مجبوب أو عنّين؛ فلأن ضرر ذلك مختص بها. وأما كونه له منعها إذا اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص في أصح الوجهين؛ فلأن عليها فيه ضرراً دائماً وعاراً عليها وعلى أهلها. فملك منعها منه، كالتزويج بغير كفء.

стр. 2207

وأما كونه لا يملك منعها في وجه؛ لأن الضرر عليها. أشبه المجبوب. والأول أصح لا شتماله على ضررها وضرر أهلها بخلاف المجبوب. وذكر المصنف في المغني الخلاف المذكور في كل عيب. وحكى عن الإمام أحمد ﵁ أنه قال: ما يعجبني أن يزوجها بعنين وإن رضيت الساعة تكره إذا دخلت عليه لأن من شأنهن النكاح ويعجبهن من ذلك ما يعجبنا. ثم قال: وذلك لأن الضرر في ذلك دائم والرضى غير موثوق بدوامه ولا تتمكن من التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد وربما أفضى إلى الشقاق. والعداوة فيتضرر وليها وأهلها فملك الولي منعها كما لو أرادت زواج من ليس (١) بكفء. والصحيح التفرقة بين الجَبّ والعنة وبين سائر العيوب المذكورة. ولأن الجب والعنة ضرر يختص بها. بخلاف بقية العيوب. فإن ضررها متعد إلى الولد. وأما كونه لا يملك إجبارها على الفسخ إذا علمت العيب بعد العقد أو حدث به؛ فلأن حق الولي في ابتداء العقد لا في دوامه. بدليل أنه يملك منعها من تزوج عبد، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.

стр. 2208

باب نكاح الكفار قال المصنف رحمه الله تعالى: (وحكمه حكم نكاح المسلمين فيما يجب به، وتحريم المحرمات. ويُقرون على الأنكحة المحرمة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا. وعنه: في مجوسي تزوج كتابية أو اشترى نصرانية: يحول بينهما الإمام فيَخْرج من هذا أنهم لا يُقرون على نكاح مُحَرَّم). أما كون حكم نكاح الكفار حكم نكاح المسلمين فيما ذكر؛ فلأن أنكحتهم صحيحة؛ لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقوله: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤]، وقوله: ﴿امرأة فرعون﴾ [التحريم: ١١]. وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة. ولأن النبي ﷺ قال: «وُلدتُ من نكاحٍ لا من سِفَاح» (١). وإذا كانت صحيحة وجب فيها ما يجب في أنكحة المسلمين وحرم فيها ما يحرم فيها، لاشتراكهما في الصحة. فعلى هذا يقع طلاقهم ويصح ظهارهم وإيلاؤهم ويجب المهر بعقدهم والقَسْم وتحصل الإباحة للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام. قال: ويقرون على الأنكحة الفاسدة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا على المذهب؛ فـ «لأن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر» (٢). ولم يتعرض لأنكحتهم مع علمه بأنهم يستبيحون نكاح محارمهم. ولا يقرونهم على كفرهم فلأن يقرون على نكاح يعتقدون حله بطريق الأولى.

стр. 2209

وأما كون المجوسي إذا تزوج كتابية أو اشترى نصرانية يحول بينهما الإمام على روايةٍ؛ فلأنه نكاح فاسد. أشبه المسلم إذا نكح نكاحاً فاسداً. وأما كونه يُخَرَّج من هذا أن الكفار لا يقرون على نكاح محرّم؛ فلأن الحيلولة المذكورة تقتضي عدم الإقرار، وإنما كان كذلك لكون النكاح فاسدا، وهذا موجود في نكاح غير المجوسي. فإن قيل: قد نقل عن الإمام أحمد ﵁ أنه يملك الحيلولة المذكورة لأن النصارى لهم كتاب. وعلل أبو بكر بأن علينا في ذلك ضرراً يعني تحريم أولاد النصرانية. قيل: في التخريج على ذلك إذاً نظر لأن ظاهر تعليل الإمام وأبي بكر ينفي هذا التخريج لأن الحيلولة إذا كانت لمعنى وجب أن يكون في المُخَرَّج. وكلا التعليلين مفقود في الأنكحة الفاسدة لأن من نكاحها يحرم لها دين ولا يحرم نكاح ولدها (١). فوجب اقتصار الحيلولة على المنصوص لانتفاء العلة المقتضية للحيلولة في غيره. قال: (وإن أسلموا أو ترافعوا إلينا في ابتداء العقد لم نُمْضِه إلا على الوجه الصحيح. وإن كان في أثنائه لم يتعرض لكيفية عقدهم، بل إن كانت المرأة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كذات محرمه ومن هي في عدتها أو شرط الخيار في نكاحها متى شاء أو مدة هما فيها أو مطلقة ثلاثاً فرق بينهما، وإلا أقرا على النكاح). أما كون الإمام لا يمضي نكاح الكفار إلا على الوجه الصحيح إذا أسلموا أو ترافعوا إليه في ابتداء العقد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]. ولأنه لا حاجة إلى عقده. بخلاف ذلك. وأما كونه لا يتعرض لكيفية عقدهم إذا أسلموا أو ترافعوا في أثنائه؛ فلأن النبي ﷺ أسلم في زمنه خلقٌ كثير وجَمٌ غفير فأقرَّهم على أنكحتهم ولم يسألهم النبي

стр. 2210

صلى الله عليه وسلم عن شروط النكاح ولا عن كيفيته. وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة. فكان يقيناً. وأما كونه يفرق بين الزوجين إذا كانت الزوجة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كما مثل المصنف؛ فلأن الاستدامة أضعف من الابتداء. فإذا لم يجز الابتداء وهو أقوى فلأن لا تجوز الاستدامة وهي أضعف بطريق الأولى. وأما كونهما يقران على نكاحهما إذا لم تكن المرأة كما ذكر؛ فلما تقدم ذكره من إقرار النبي ﷺ . قال: (وإن قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحاً أقرا، وإلا فلا). أما كون الحربيين يقران على ما ذكر إذا اعتقداه نكاحاً؛ فلأن الصحيح في الكتابي اعتقاده الحل وهو موجود هنا. وأما كونهما لا يقران إذا لم يعتقداه نكاحاً؛ فلأن المصحح اعتقاد كونه نكاحاً، وهو منتف هاهنا. قال: (وإن كان المهر مسمى صحيحاً أو فاسداً قبضته استقر وإن كان فاسداً لم تقبضه فرض لها مهر المثل). أما كون المهر المسمى الصحيح يستقر قبض أو لم يقبض؛ فلأنه مسمى صحيح في نكاح صحيح. فوجب استقراره بشرطه؛ كتسمية المسلم. وأما كون الفاسد المقبوض يستقر؛ فلأنا لا نتعرض إلى ما فعلوه. ولأن المُحَرّم إذا قبضوه لا يتعرض إليه. بدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. أمر بترك ما بقي دون ما قُبض. وقال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ولأن التعرض إليهم تنفيراً لهم عن الإسلام. فعفي عنه؛ كما عفي عما تركوه من الفرائض. ولأنهم تقابضوا بحكم الشرك وبرئت ذمة من هو عليه منه كما لو تبايعوا بيعاً فاسداً وتقابضوا. وأما كون المرأة يفرض لها مهر المثل إذا كان فاسداً ولم تقبضه؛ فلأن مهر المثل يفرض في التسمية الفاسدة إذا كانت الزوجة مسلمة، وكذلك الكافرة.
следующие страницы →