← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فصل [إذا شرط الأب له شيئا] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها: صح، وكانا جميعاً مهرها. فإن طلقها قبل الدخول بعد قبضهما رجع عليها بألف، ولم يكن على الأب شيء مما أخذ. وإن فعل ذلك غير الأب فالكل لها دونه). أما كون الأب يصح أن يشرط له شيئاً من مهر ابنته؛ فلأنه لو شرط الكل لنفسه صح. فلأن يصح أن يشرط البعض بطريق الأولى. بيان صحة اشتراط الكل لنفسه: أن شعيباً زوّج موسى ابنته على رعاية غنمه. وذلك اشتراط لنفسه. ولأن للوالد الأخذ من مال ولده. بدليل قوله ﵊: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» (١)، وقوله ﷺ : «إن أولادكم من أطيب كسبكم. فكلوا من أموالهم» (٢). أخرجه أبو داود، ونحوه للترمذي. وقال: حديث حسن. فإذا اشترط لنفسه شيئاً من مهر ابنته يكون ذلك أخذًا من مال ابنته. وأما كون الزوج يرجع عليها بألف إذا طلقها قبل الدخول بعد قبضهما؛ فلأن صداقها ألفان. فوجب الرجوع عليها بألف؛ لأنه نصف الصداق. وأما كون الأب لا شيء عليه مما أخذ؛ فلأنه أخذ من مال ابنته ألفاً. فلا يجوز للزوج الرجوع عليه بشيء.

стр. 2242

وفي قول المصنف: بعد قبضهما إشعار بأن الطلاق لو كان قبل القبض لم يكن الحكم كذلك. وهو صحيح؛ لأنه إذا لم يقبض الصداق لم يرجع بل يسقط عنه نصف المسمى، وبقي عليه ألف للزوجة يأخذ الأب منه ما شاء. قاله المصنف في المغني. وقال القاضي: يكون بينهما نصفين. وقال: نقله مهنا عن أحمد لأنه شرط لنفسه النصف ولم يحصل من الصداق إلا ما قال المصنف في المغني. وليس هذا القول على سبيل الإيجاب؛ فلأن للأب أن يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء. وأما كون الكل لها إذا فعل ذلك غير الأب دون ذلك الغير؛ فلأن جميع ما اشترطه عوض في تزويجها. فيكون صداقاً لها؛ كما لو جعله لها. وليس للغير أن يشترط من مال الغير شيئاً إذا لم يكن أباً فحينئذٍ يقع الاشتراط لغواً ويكون الكل لها. ولا فرق بين كون الغير جَداًّ أو غيره؛ لاستوائهما في كونهما ليس لهما الأخذ من مال الزوجة. قال: (وللأب تزويج ابنته البكر والثيب بدون صداق مثلها وإن كرهت. وإن فعل ذلك غيره بإذنها صح، ولم يكن لغيره الاعتراض. وإن فعله بغير إذنها وجب مهر المثل. ويحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى، والباقي على الولي؛ كالوكيل في البيع). أما كون الأب له تزويج ابنته بدون صداق مثلها؛ فلما روي: «أن عمر ﵁ خطبَ الناس. فقال: ألا! لا تُغالُوا في صُدُق النساء. فما أصدقَ رسول الله ﷺ أحداً من نسائه ولا أحداً من بناته أكثر من ثنتي عشرةَ أوقية» (١). وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك اتفاقاً منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان ذلك دون مهر المثل. وعن سعيد بن المسيب: «أنه زوجَ بنته بدرهمين». وهو من سادات قريش شرفاً وديناً وعلماً. ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها.

стр. 2243

ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض، وإنما المقصود السكن، والازدواج، ووضع المرأة في منصب عند من يكفلها ويصونها. والظاهر من حال الأب مع تمام شفقته وتمام نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا بتحصيل المعاني المقصودة من النكاح. فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره. وأما كونه له ذلك بكراً كانت أو ثيباً طائعة كانت أو مكرهة؛ فلأن المصحح تحصيل المعاني المذكورة. وهو مشترك بين البكر والثيب والمطاوعة والمكرهة. فإن قيل: الأب لا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة قولاً واحداً. فكيف يملك تزويجها بدون مهر مثلها وهي كارهة؟ قيل: يتصور ذلك بأن تأذن له في أصل النكاح دون قدر المهر. وظاهر كلام ابن عقيل في الفصول: أن الأب إنما يملك التزويج بدون مهر المثل لمن يملك إجبارها. لأنه قال فيه: وإذا زوج الأب ابنته التي يملك إجبارها وهي الصغيرة رواية واحدة، والبكر البالغ في إحدى الروايتين بدون مهر مثلها: يثبت المسمى ولم يبلغ تسميته، ولا يثبت مهر المثل. ولو لم يختص الحكم بالمجبرة لم يكن حاجة إلى ما ذكره. وهذا أرجح من جهة النظر؛ لأن من لا يملك إجبارها على النكاح كيف يملك نقصها من مهر مثلها؟ . ولأن الأب إذا لم يملك الإجبار ساوى بقية الأولياء. فيجب أن يساويهم في عدم التنقيص من مهر المثل. وأما كون ذلك يصح إذا فعله غير الأب بإذنها؛ فلأن الحق لها. فإذا رضيت بإسقاطه سقط. ولأنه إذا صح في بعض الصور بغير إذنها تحصيلاً للمصلحة. فلأن يصح بإذنها بطريق الأولى. وأما كون غير من ذكر لا يكون له الاعتراض؛ فلأن الحق في ذلك متمحض لها دون غيرها. بخلاف تزويجها من غير كفء. وأما كون مهر المثل يجب على المذهب إذا فعله غير الأب بغير إذنها؛ فلأنه ليس له ذلك؛ لأن مقتضى الدليل أنه ليس لأحدٍ تنقيصها من مهر المثل لما عليها في

стр. 2244

ذلك من الضرر. تُرك العمل به في الأب لما تقدم. فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. وإذا لم يكن له ذلك لغت تسميته ووجب مهر المثل؛ كالخالي عن التسمية. وأما كونه يحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى؛ فلأنه ما التزم غيره. فعلى هذا تكون الزيادة على الولي؛ لأنه مفرط. أشبه الوكيل في البيع. وقال المصنف في المغني: قال أحمد: أخاف أن يكون ضامناً. فعلى هذا يكون الاحتمال منقولاً عن الإمام أحمد ﵁، وتجعل رواية له؛ لأنه كثيراً ما يقول: أخاف، وتجعل مذهباً له. قال: (وإن زوّج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل صح ولزم ذمة الابن. فإن كان معسراً فهل يضمنه الأب؟ يحتمل وجهين). أما كون الأب إذا زوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل يصح؛ فلأن تصرف الأب ملحوظ فيه المصلحة لولده. فكما صح أن يزوج ابنته بدون مهر المثل للمصلحة فكذا يصح أن يزوج ابنه بأكثر من مهر المثل تحصيلاً للمصلحة. وأما كون الصداق يلزم ذمة الابن؛ فلأن العقد له. فكان بذله عليه؛ كثمن المبيع. وأما كون الأب يضمن ذلك إذا كان الابن معسراً على وجهٍ؛ فلأنه مباشر له غارّ للزوجة بابنه. أشبه الغارّ في النكاح. وأما كونه لا يضمنه على وجهٍ؛ فلأنه ناب فيه عن غيره. فلم يضمنه؛ كثمن مبيعه أو كالوكيل. قال القاضي: هذا أصح. وذكر المصنف رحمه الله تعالى هذين الاحتمالين في المغني روايتين. قال: (وللأب قبض صداق ابنته الصغيرة بغير إذنها. ولا يقبض صداق الثيب الكبيرة إلا بإذنها. وفي البكر البالغ روايتان). أما كون الأب له قبض صداق ابنته الصغيرة بغير إذنها؛ فلأنه وليها ويملك إجبارها على النكاح وقبض سائر أموالها بغير إذنها. فكذلك قبض صداقها.

стр. 2245

وأما كونه لا يقبض صداق الثيب الكبيرة إلا بإذنها؛ فلأنه لا يلي مالها ولا يملك إجبارها على النكاح. فافتقر ذلك إلى إذنها؛ كسائر حقوقها. وأما كون البكر البالغ فيها روايتان؛ فلأنه هل يملك إجبارها على النكاح؟ فيه روايتان. فإن قيل: يملكه: ملك قبض مهرها؛ كالبكر الصغيرة، وإن قيل: لا يملكه: لا يملك؛ كالبنت الكبيرة.

стр. 2246

فصل [في صداق العبد] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن تزوج العبد بإذن سيده على صداق مسمى صح. وهل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين. وإن تزوج بغير إذنه لم يصح النكاح. فإن دخل بها وجب في رقبته مهر المثل. وعنه: يجب خمسا المسمى. اختارها الخرقي). أما كون تزويج العبد بإذن سيده على صداق مسمى يصح؛ فلأن الحجر عليه لحق سيده. فإذا أسقط حقه سقط. وأما كونه يتعلق برقبته على روايةٍ؛ فلأنه وجب بفعله. أشبه جنايته. وأما كونه يتعلق بذمة سيده على روايةٍ؛ فلأنه حق تعلق بالعبد برضا السيد. فتعلق بذمة سيده؛ كدين التجارة المأذون فيها. وأما كون تزويج العبد بغير إذن سيده لا يصح؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر» (١). رواه أبو داود وابن ماجة. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما عبدٍ تزوجَ بغير إذن مَواليهِ فهو زان» (٢). وفيه مقال. وروي موقوفاً على ابن عمر. ولأنه تزويج فقد شرطه. فلم يصح؛ كما لو تزوجها بغير شهود.

стр. 2247

وأما كون مهر المثل يجب إذا دخل بها على روايةٍ؛ فلأنه استحل فرجها وذلك موجب للمهر؛ لقوله ﵇: «أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذنِ وليها فنكاحها باطل فإن أصابها فلها المهرُ بما استحل من فرجها» (١). ولأنه استوفى منافع البضع. فكان المهر المتقدم ذكره واجباً؛ كسائر الأنكحة الفاسدة. وأما كونه في رقبته؛ فلأنه من جنايته. وأما كون خمسي المسمى يجب على روايةٍ؛ فلأن عثمان بن عفان قال ذلك. قال: (وإن زوج السيد عبده أمته لم يجب مهر. ذكره أبو بكر. وقيل: يجب ويسقط). أما كون ما ذكر لا يجب به مهر على المذهب؛ فلأنه لو وجب لوجب لسيدها، والسيد لا يجب له على عبده مال. وأما كونه يجب على قول؛ فلئلا يخلو العقد من مهر. وأما كونه يسقط حينئذ؛ فلتعذر إتيانه. قال: (وإن زوج عبده حرة ثم باعها العبدَ بثمن في الذمة تحول صداقها أو نصفه إن كان قبل الدخول إلى ثمنه. وإن باعها إياه بالصداق صح قبل الدخول وبعده. ويحتمل أن لا يصح قبل الدخول). أما كون الصداق المذكور أو نصفه يتحول إلى ثمن العبد إذا باعه سيده لزوجته قبل الدخول بثمن في الذمة؛ فلأن ذلك متعلق برقبة العبد. فوجب أن ينتقل إلى بدله وهو الثمن. وأما كون السيد إذا باعها إياه بالصداق يصح قبل الدخول وبعده على المذهب؛ فلأن الصداق يصلح أن يكون ثمناً لغير العبد. فكذا للعبد.

стр. 2248

وأما كونه يحتمل أن لا يصح قبل الدخول؛ فلأن شراء الزوجة زوجها يوجب فسخ نكاحها على وجهٍ، وذلك يوجب سقوط صداقها. فيبطل كونه ثمناً.

стр. 2249

فصل [في ملك المرأة الصداق] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وتملك المرأة الصداق المسمى بالعقد. فإن كان معيناً؛ كالعبد والدار فلها التصرف فيه. ونماؤه لها وزكاته. ونقصانه وضمانه عليها. إلا أن يمنعها قبضه فيكون ضمانه عليه. وعنه: فيمن تزوج على عبدٍ ففقئت عينه إن كانت قد قبضته فهو لها، وإلا فهو على الزوج. فعلى هذا: لا يدخل في ضمانها إلا بقبضه. وإن كان غير معينٍ؛ كقفيز من صبرة لم يدخل في ضمانها، ولم تملك التصرف فيه إلا بقبضه كالمبيع). أما كون المرأة تملك الصداق المسمى بالعقد؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال للزوج الذي قال: لا أجد إلا إزاري: إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك» (١). ولو لم تملكه المرأة بالعقد لكان الإزار له. ولأن النكاح عقد يملك به المعوض. فملك به العوض كاملاً؛ كالبيع. وأما كونها تملك التصرف فيه إذا كان معيناً كالعبد والدار؛ فلأنه ملكها. فكان لها التصرف فيه؛ كسائر أملاكها. وأما كون نمائه لها وزكاته عليها ونقصانه عليها إذا لم يمنعها قبضه؛ فلأن ذلك كله من توابع الملك، وهو موجود هاهنا. وأما كون ضمانه عليها على المذهب إذا لم يمنعها قبضه؛ فلأن ذلك من توابع الملك الخالي عن الغصب، وهو موجود هنا. وأما كون ضمانه عليه إذا منعها قبضه؛ فلأنه غاصب أو بمنزلته. وأما كونه لا يدخل في ضمانها إلا بقبضه على روايةٍ؛ فلأنه غير مقبوضٍ. فلم يضمنه قياساً على المبيع في روايةٍ.

стр. 2250

وأما كون غير المعين كقفيز من صَبُرة لا يدخل في ضمانها ولا تملك التصرف فيه إلا بقبضه كالمبيع. فقد نبه المصنف رحمه الله تعالى على تعليل ذلك بقوله: كالمبيع؛ لأن الحكم في المبيع غير المعين كذلك. والجامع بين الصداق والمبيع كون كل واحدٍ منهما عوضاً في عقد معاوضة. وذكر في المغني: أن الصداق إن كان مكيلاً أو موزوناً فهو من ضمان الزوج قبل القبض، وإن كان غيرهما ففيه وجهان بناء على المبيع. وفي هذا تنبيه على إلحاق الصداق بالمبيع. فعلى هذا يُخَرّج فيه أربع روايات؛ لأن في المبيع قبل القبض أربع روايات: إحداهن: الفرق بين المعين وغيره. والثانية: الفرق بين المكيل والموزون وغيرهما. والثالثة: الفرق بين المطعوم وغيره. والرابعة: كل مبيعٍ لا يضمنه المشتري قبل قبضه. فيُخَرّج جميع ذلك في الصداق؛ لتحقق المشابهة بينهما. قال: (وإن قبضت صداقها ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصفه إن كان باقياً ويدخل في ملكه حكماً كالميراث. ويحتمل أن لا يدخل حتى يطالب به ويختار. فما ينمى قبل ذلك فهو لها). أما كون الزوج يرجع بنصف الصداق إن كان باقياً إذا طلق قبل الدخول؛ فلأن الطلاق قبل الدخول يوجب تنصيف الصداق. بدليل قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وأما كونه يدخل ذلك في ملكه حكماً كالميراث على المذهب؛ فلأن قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]: يدل عليه؛ لأن التقدير: "فنصف ما فرضتم لكم أو لهن" وذلك يقتضي كينونة النصف له أو لها بمجرد الطلاق. ولأن الطلاق سبب يملك به بغير عوض. فلم يفتقر إلى اختياره؛ كالإرث. ولأنه سبب لنقل الملك. فنقل الملك بمجرده؛ كالبيع وسائر الأسباب. وأما كونه يحتمل أن لا يدخل حتى يطالب به ويختار فقياس على الشفيع.

стр. 2251

وأما كون النماء الحادث قبل الاختيار لها على ذلك؛ فلأنه نماء ملكها لأن التقدير أنه لا يملك إلا باختياره. فهو قبل الاختيار على ملك الزوجة. قال: (فإن كان الصداق زائداً زيادة منفصلة رجع في نصف الأصل، والزيادة لها. وإن كانت متصلة فهي مخيرة بين دفع نصفه زائداً وبين دفع نصف قيمته يوم العقد. وإن كان ناقصاً خيّر الزوج بين أخذه ناقصاً وبين أخذ نصف قيمته وقت العقد). أما كون الزوج يرجع في نصف الأصل فيما إذا زاد زيادة منفصلة؛ كالولد والثمرة والكسب؛ فلأن الظاهر قبل الدخول يقتضي الرجوع في نصف الصداق، وقد أمكن الرجوع فيه من غير ضرر على أحد. فوجب أن يثبت حكم الرجوع عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض. وأما كون الزيادة المنفصلة للزوجة؛ فلأنها نماء ملكها. وأما كون الزوجة فيما إذا زاد زيادة متصلة مخيرة بين دفع نصف الأصل زائداً وبين دفع نصف قيمته يوم العقد؛ فلأنها إن اختارت دفع نصف الأصل زائداً كان ذلك إسقاطاً لحقها من الزيادة وذلك لها. وإن اختارت دفع نصف قيمته كان ذلك لها؛ لأنه لا يلزمها دفع نصف الأصل زائداً لاشتماله على الزيادة التي لا يمكن فصلها عنه. وإذا كان كذلك كان رد نصف الأصل متعذراً وتعينت القيمة؛ كالإتلاف وغيره. وأما كون الزوج مخيراً بين أخذ النصف ناقصاً وبين أخذ نصف القيمة وقت العقد؛ فلأنه إن اختار أخذ النصف ناقصاً كان ذلك إسقاطاً لحقه، وذلك له. وإن اختار أخذ نصف القيمة وقت العقد كان ذلك له؛ لأنه لا يلزمه قبوله ناقصاً لما فيه من الضرر عليه. وإذا لم يلزمه أخذ عينه تعينت القيمة.

стр. 2252

قال: (وإن كان تالفاً أو مستحقاً بدين أو شفعة فله نصف قيمته يوم العقد؛ إلا أن يكون مثلياً فيرجع بنصف مثله. وقال القاضي: له القيمة أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض). أما كون الزوج له نصف قيمة (١) الصداق غير المثليّ كالعبد والدار وما أشبه ذلك إذا تلف أو استحق كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأن تعذر الرجوع في عينه يوجب الرجوع في نصف القيمة لأنها بدل نصفه. دليله الإتلاف. وأما كون القيمة معتبرة بيوم العقد على المذهب؛ فلأن الزيادة بعد ذلك تكون ملكاً (٢) للزوجة لكونها نماء لملكها. فلا يجوز تقويمها بعد العقد؛ لكونه تقويماً بملك غيره. وإذا لم يعتبر بعد العقد وجب اعتبارها يوم العقد لأن ذلك مما يصح الاستناد إليه. وأما كون الزوج له القيمة أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض على قول القاضي؛ فلأنه لو نقص في يده كان ضمانه عليه. قال صاحب النهاية فيها: الأول أصح؛ لأن المعين لا يفتقر الملك فيه إلى قبض. فلا يضمن باليد. وأما كونه يرجع بنصف المثلي كالدراهم والدنانير والحبوب وما أشبه ذلك؛ فلأنه أقرب مماثلة ومشابهة لحقه. ولهذا ضمن المثلي في الإتلاف بالمثل لا بالقيمة. قال: (وإن نقص الصداق في يدها بعد الطلاق فهل تضمن نصفه؟ يحتمل وجهين. وإن قال الزوج: نقص قبل الطلاق، وقالت: بعده فالقول قولها مع يمينها). أما كون ما ذُكر يحتمل وجهين؛ فلأن لحظ ما تقدم من الخلاف فيما إذا نقص الصداق المتعين في يد الزوج يوجب ذلك. ولأن كل واحدة من المسألتين تشبه الأخرى معنى فلتساويها حكماً. فعلى هذا إذا قيل: يضمن هناك تضمن هي هنا، وإذا قيل: لا يضمن هناك لم تضمن هاهنا.

стр. 2253

وأما كون القول قولها إذا قال الزوج: نقص قبل الطلاق، وقالت: بعده؛ فلأن الأصل براءة ذمتها. ولا بد أن يلحظ في هذا أنه إذا نقص الصداق في يد الزوجة بعد الطلاق لا يضمنه؛ لأنه إذا كان مضموناً بعده كما يضمن قبله فلا فائدة في الاختلاف. قال: (والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح. فإذا طلق قبل الدخول فأيهما عفى لصاحبه عما وجب له من المهر وهو جائز الأمر في ماله برئ منه صاحبه. وعنه: أنه الأب. فله أن يعفو عن نصف مهر ابنته الصغيرة إذا طلقت قبل الدخول). أما كون الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح في ظاهر المذهب؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ولي العقدة: الزوج» (١). رواه الدارقطني. وأما كونه الأب على روايةٍ؛ فلأن الذي بيده عقدة النكاح بعد الطلاق هو الولي. ولأن الله تعالى خاطب الأزواج بخطاب المواجهة ثم قال: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وهذا خطاب غائب. فعلى هذه الرواية للولي أن يعفو عن نصف مهر موليته. لكن بشروط: أحدها: أن يكون أباً؛ لأنه هو الذي يلي مالها، ولا يتهم في حقها بوجه. وثانيها: أن تكون الزوجة صغيرة؛ لأنها هي التي يلي الأب مالها. دون الكبيرة. وثالثها: أن تكون بكراً؛ لأن الثيب لا يملك الأب تزويجها. والأول أصح؛ لما تقدم. ولأن الله تعالى قال (٢): ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وليس عفو الولي عن مهر موليته أقرب للتقوى. ولأن مهر المرأة حق لها. فلا يملك الولي إسقاطه؛ كسائر حقوقها.

стр. 2254

ولأن الصغير لو رجع إليه مهر زوجته أو نصفه لانفساخ النكاح برضاع أو شبهة لم يكن لوليه العفو رواية واحدة. فكذلك ولي الصغيرة. وأما خطاب الغيبة بعد المواجهة فتابع في الكلام. ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها﴾ [يونس: ٢٢]، ومنه قول النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت ... وطال عليها سالف الأبد فعلى هذه أي الزوجين أبرأ الآخر مما وجب له عليه برئ منه؛ لأنه أبرأه من حقه الواجب له. فبرئ منه؛ كالبراءة من دينه. واشترط المصنف كون المبرئ جائز التصرف؛ لأن إبراء غير جائز التصرف؛ كالصبي والسفيه ونحو ذلك: لا يصح.

стр. 2255

فصل [في الإبراء من الصداق] قال المصنف ﵀: (إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها أو وهبته له ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصفه. وعنه: لا يرجع بشيء. وإن ارتدت قبل الدخول فهل يرجع عليها بجميعه؟ على روايتين). أما كون الزوج يرجع على زوجته فيما إذا ما أبرأته من صداقها أو وهبته له ثم طلقها قبل الدخول بنصفه على المذهب؛ فلأن الطلاق قبل الدخول يقتضي الرجوع في نصف الصداق. وقد وجد ولا أثر لكونها أبرأته أو وهبته له؛ لأن ذلك حصل بعقد مستأنف. فلم يمنع استحقاق الرجوع في النصف؛ كما لو وهبته لأجنبي فوهبه الأجنبي للزوج. وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأن نصف الصداق يتعجل له. وقال المصنف في الكافي: إن كان الصداق عيناً فوهبتها لزوجها ثم طلقها قبل الدخول ففيه روايتان، وإن كان ديناً أبرأته منه وقلنا: لا يرجع ثَمَّ فهاهنا أولى، وإن قلنا: يرجع ثَمَّ خُرّج هاهنا وجهان: أحدهما: يرجع؛ لأنه عاد إليه بغير الطلاق. أشبه العين. والثاني: لا يرجع؛ لأن الإبراء إسقاط وليس بتمليك. وأما كونه يرجع عليها بجميعه إذا ارتدت بعد الإبراء والهبة ففيه روايتان إحداهما: ما تقدم. قال: (وكلُّ فرقة جاءت من الزوج كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته، أو من جهة أجنبي كالرضاع ونحوه قبل الدخول: يتنصف بها المهر بينهما). أما كون المهر يتنصف بالطلاق؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تَمَسُّوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصفُ ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 2256

وأما كونه يتنصف ببقية ما ذكره المصنف؛ فلأنها فرقة لا من جهتها. فاقتضت التنصيف المذكور؛ كما لو طلقها. قال: (وكلُّ فرقة جاءت من قِبَلها؛ كإسلامها وردتها وإرضاعها مَن ينفسخ به نكاحها، وفسخها لعيبه أو إعساره، وفسخه لعيبها: يسقط به مهرها ومتعتها). أما كون ما ذُكر يُسقط المهر والمتعة ما خلا فسخ الزوج لعيبها؛ فلأنها أتلفت المعوض قبل التسليم. فسقط العوض؛ كما لو أتلفت المبيع قبل تسليمه. وأما كون فسخ الزوج لعيبها يسقط به ذلك؛ فلأنه بسببٍ من جهتها. وقد تقدم بيانه في موضعه (١)، وتقدم أيضاً أنها إذا أسلمت لا يسقط مهرها على روايةٍ (٢)؛ لأنها فعلت ما وجب عليها. والانفساخ لأنه لم يوافقها على فعل الواجب. قال: (وفرقة اللعان تُخَرّج على روايتين. وفي فرقة بيع الزوجة من الزوج وشرائها له وجهان. وفرقة الموت يستقر بها المهر كله كالدخول. ولو قتلت نفسها لاستقر مهرها كاملاً). أما كون فرقة اللعان تخرج على روايتين؛ فلأن النظر إلى كون الفسخ عقيب لعانها يقتضي أن يكون كفسخها لعيبه، والنظر إلى أن سبب اللعان القذف الصادر من الزوج يقتضي أن يكون كفسخه. وأما كون فرقة بيع الزوجة من الزوج وشرائها له فيها وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الزوجة شاركت في الفسخ يقتضي أن يكون كفسخها، والنظر إلى أن الزوج شارك فيه يقتضي أن يكون كفسخه. وذكر المصنف رحمه الله تعالى في المغني في شرائها له روايتين في النكاح عند قوله وفي شرائه لها وجهين مخرجين على الروايتين في شرائها له.

стр. 2257

وأما كون فرقة الموت يستقر بها المهر كله؛ فلما روى معقل بن سنان «أن رسول الله ﷺ قضى في بِرْوع بنت واشق، وكان زوجها مات ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقًا. فجعل لها مهر نسائها لا وَكْس ولا شطط» (١). ولأنه عقد ينتهي بموت أحدهما. فاستقر به العوض؛ كانتهاء الإجارة. وأما كونها يستقر مهرها كاملاً إذا قتلت نفسها؛ فلأنها فرقة حصلت بالموت وانتهاء النكاح. فاستقر بها المهر؛ كما لو ماتت حتف أنفها. فإن قيل: إذا قتلت نفسها فقد أتلفت المعوض قبل تسليمه. فيجب أن يسقط العوض؛ كالردة. قيل: الردة لم ينته معها العقد فالتلف حاصل مع عدم انتهائه. فكأنها قطعته. بخلاف القتل فإنه انتهى به.

стр. 2258

فصل [في اختلاف الزوجين في الصداق] قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا اختلف الزوجان في قدر الصداق فالقول قول الزوج مع يمينه. وعنه: القول قول من يدعي مهر المثل منهما. فإن ادعى أقل منه وادعت أكثر منه ردا إليه بلا يمين عند القاضي في الأحوال كلها. وعند أبي الخطاب: تجب اليمين. فإن قال: تزوجتك على هذا العبد قالت: بل على هذه الأمة خرج على الروايتين). أما كون القول قول الزوج مع يمينه في قدر الصداق على روايةٍ؛ فلأنه منكر للزيادة ومدعى عليه. فيدخل في قوله ﷺ : «اليمين على المدعَى عليه» (١). وأما كون القول قول من يدعي مهر المثل منهما على روايةٍ؛ فلأن الظاهر صدق من يدعيه. فكان القول قوله. قياساً على المنكر في سائر الدعاوي وعلى المودع إذا ادعى التلف أو الرد. فإن قيل: لم لا يتحالفان كالبيع؟ قيل: لأنه عقد لا ينفسخ بالتحالف. فلم يشرع فيه؛ كالعفو عن دم العمد. ولأن القول بالتحالف يفضي إلى إيجاب أكثر مما يدعيه أو أقل مما يقر لها به؛ لأنه إذا شُرع التحالف والعقد غير قابل للفسخ يجب مهر المثل. فلو كان مائة وادعت ثمانين فقال: بل هو خمسون وقيل بالتحالف والرجوع إلى مهر المثل وجب لها عشرون يتفقان على أنها غير واجبة. ولو ادعت مائتين فقال: بل هو مائة وخمسون سقط خمسون يتفقان على وجوبها.

стр. 2259

وأما كونهما يُردّان إلى مهر المثل إذا ادعى الزوج أقل منه وادعت الزوجة أكثر منه؛ فلأن ذلك فائدة قبول قول من يدعيه. وأما كون ذلك بلا يمين عند القاضي؛ فلأنها دعوى في نكاح. أشبهت الدعوى في أصل النكاح. وأما كون اليمين تجب عند أبي الخطاب؛ فلأنه اختلاف فيما يجوز بدله فوجب أن تجب فيه اليمين؛ كالدعاوي في سائر الأموال. فإن قيل: ما معنى قول المصنف ﵀: في الأحوال كلها؟ قيل: الدعوى توافق تارة قول المرأة، وتارة قول الزوج، وتارة تدعي المرأة أكثر والرجل أقل وغير ذلك من صور الاختلاف. وقد صرح المصنف بنفي اليمين هنا عند القاضي وإثباتها عند أبي الخطاب. وقال في المغني: إذا ادعى أقل من مهر المثل وادعت أكثر منه رد إلى مهر المثل. ولم يذكر أصحابنا يميناً، والأولى أن يتحالفا. فإن ما يقوله كل واحدٍ منهما محتمل للصحة. فلا يعدل عنه إلا بيمين من صاحبه؛ كالمنكر في سائر الدعاوي. ولأنهما تساويا في عدم الظهور. فشرع التحالف؛ كما لو اختلف المتبايعان. وفيما قاله في المغني نظر من وجهين أحدهما (١) أنه قال: ولم يذكر أصحابنا يميناً مع أنه قد صرح هنا بقول القاضي نفياً وأبي الخطاب إثباتاً. وثانيهما: أنه قال: فشرع التحالف، ومفهومه أن كل واحدٍ منهما تجب عليه اليمين نفياً وإثباتاً فيقول هو: ما أصدقتها كذا ولقد أصدقتها كذا. وتقول هي: ما أصدقني كذا وإنما أصدقني كذا، ويحققه قياس ذلك على المتبايعين، ويمكن الجواب عن الثاني بأن المعوض حلف الزوج أنه ما أصدقها الذي ادعته وحلفت الزوجة أنه ما أصدقها الذي ادعاه.

стр. 2260

وأما كون الزوج إذا قال: تزوجتك على هذا العبد فقالت: بل على هذه الأمة تخرج على روايتي القول قول الزوج أو قول من يدعي مهر المثل؛ فلأنه اختلاف في مهر. أشبه ما تقدم. فعلى هذا إذا قيل: القول قول من يدعي مهر المثل فوافق قيمة الأمة مثلاً مهر المثل هل تجب لها عينها أو قيمتها فيه وجهان: أحدهما: تجب عين الأمة؛ لأنه قبل قولها في القدر فكذلك في العين. والثاني: تجب لها قيمتها؛ لأن قولها إنما وافق الظاهر في القدر لا في العين. قال: (وإن اختلفا في قبض المهر فالقول قولها. وإن اختلفا فيما يستقر به المهر فالقول قوله). أما كون القول قول المرأة في قبض المهر؛ فلأنها منكرة لشيء الأصل عدم وجوده. ولأنها تنكر قبض حقها. فكان القول قولها؛ كما لو أنكرت قبض دين لها عليه. وأما كون القول قول الزوج فيما يستقر به المهر؛ فلأن الأصل عدمه. والمراد بما يستقر به المهر: المسيس والخلوة والوطء ونحو ذلك. قال: (وإن تزوجها على صداقين سرٍّ وعلانية: أُخذ بالعلانية، وإن كان قد انعقد بالسر. ذكره الخرقي. وقال القاضي: إن تصادقا على السر لم يكن لها غيره. وإن قال: هو عقد واحد أسررته ثم أظهرته وقالت: بل هو عقدان فالقول قولها مع يمينها). أما كون الزوج يؤخذ بالعلانية إذا تزوجها على صداقين سر وعلانية وإن كان قد انعقد بالسر على ما ذكره الخرقي وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في روايةِ الأثرم؛ فلأنه وجد منه بذل الزائد على مهر السر. فوجب ذلك عليه؛ كما لو زادها على صداقها. وأما كونه يلزم السر إن تصادقا عليه على قول القاضي؛ فلأنه هو الذي يثبت به النكاح. ولأن العلانية ليست بعقد ولا تتعلق بشيء. فلم يجب به مهر.

стр. 2261

وقول القاضي أظهر؛ لأن المهر من توابع العقد، وما ذكر من أنه بذل الزائد فيه نظر من حيث إنه لم يقصد حقيقة البذل، وإنما وقع لعارض. فإن قيل: العلانية مع السر تارة تكون أكثر مع تأخره، وتارة تكون أكثر مع تقدمه، وتارة تكون أقل مع تأخره، وتارة تكون أقل مع تقدمه. وقد ذكر الأول فما حكم ما عداه؟ قيل: إذا كان أكثر مع تقدمه لزم الزوج مهر العلانية؛ لأنه الذي انعقد به النكاح ووقوع السر بعده لا يسقط العلانية فوجب الحكم به، وإذا كان أقل مع تأخره لزمه مهر السر؛ لأنه وجب عليه بعقده ولم تسقطه العلانية فوجب الحكم ببقاء وجوبه. وإذا كان أقل مع تقدمه لم أعلم فيه نقلاً. لكن ينبغي أن يكون حكمه حكم الحالة الأولة؛ لأن دليل الوجهين متجه فيها. وأما كون القول قول المرأة مع يمينها إذا قال الزوج: هو عقد واحد أسررته ثم أظهرته. فقالت المرأة: بل هو عقدان؛ فلأن الظاهر أن الثاني عقد صحيح يفيد حكماً كالأول. فوجبا عليه لاعترافه بتعدده صُورة، وظهور كون الثاني غير الأول.

стр. 2262

فصل في المفوضة يقال: المفوّضة بكسر الواو وفتحها. فالكسر على أن الفعل مضاف إليها على أنها فاعلة؛ مثل: مُقَوِّمة، والفتح على أنه مضاف إلى وليها. ومعنى التفويض لغة: الإهمال. ومنه قول الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا يعني مهملين. فكأن المرأة أهملت أمر المهر حيث لم يسمه. قال المصنف رحمه الله تعالى: (والتفويض على ضربين: تفويض البضع. وهو: أن يزوج الأب ابنته البكر، أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر. وتفويض المهر. وهو: أن يتزوجها على ما شاءت أو شاء، أو شاء أجنبي ونحو ذلك: فالنكاح صحيح، ويجب مهر المثل بالعقد). أما قول المصنف رحمه الله تعالى: والتفويض على ضربين فبيان لمعنى التفويض شرعاً. وقد تقدم وجه اشتقاقه لغة وتعداد تصريفه، وأنه يكون تارة تفويض البضع، وتارة تفويض المهر. وأما كون النكاح صحيحاً مع ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا جُناح عليكم إن طلقتمُ النساء ما لم تَمَسُّوهن أو تَفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وروي عن ابن مسعود «أنه سئل عن رجلٍ تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وَكْس ولا شَطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بِرْوع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت» (١) أخرجه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 2263

ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق. فصح من غير ذكره؛ كالنفقة. وأما كون مهر المثل يجب؛ فلما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁. وأما كونه يجب بالعقد؛ فلأنها تملك المطالبة. فكان واجباً بالعقد؛ كالمسمى. ولأنه لو لم يجب بالعقد ما استقر بالموت؛ كما في العقد الفاسد. ولأن النكاح لا يخلو عن المهر. والقول بعدم وجوبه بالعقد يفضي إلى خلوه منه. مع أنه يقع صحيحاً. قال: (ولها المطالبة بفرضه. فإن فرضه الحاكم لم يجز إلا بمقداره. وإن تراضيا على فرضه جاز ما اتفقا عليه من قليل وكثير). أما كون المفوضة لها المطالبة بفرض المهر؛ فلأن عقد النكاح يقتضي استحقاق المعوض. فكان لها المطالبة بتبيان قدره. وأما كونه لا يجوز فرضه إلا بقدره إذا فرضه الحاكم؛ فلأن الزيادة ميل عليه والنقصان ميل عليها والعدل تجنب (١) الميل. ولأنه إنما يفرض بدل البضع. فوجب أن يتقدر به؛ كالسلعة إذا تلفت. وأما كونه يجوز ما اتفقا عليه من قليل وكثير؛ فلأن الحق لهما لا يعدوهما. ولأنه إذا فرض لها كثيراً فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه، وإن رضيت باليسير فقد رضيت بدون ما يجب لها. قال: (وإن مات أحدهما قبل الإصابة ورثه صاحبه، ولها مهر نسائها. وعنه: يتنصف بالموت؛ إلا أن يكون قد فرضه لها). أما كون من مات من الزوجين قبل الإصابة يرثه صاحبه؛ فلأن في حديث ابن مسعود المتقدم ذكره: «ولها الميراث» (٢).

стр. 2264

وأما كون المرأة لها مهر نسائها على المذهب؛ فلأن في حديث ابن مسعود المذكور: «لها مهرُ نسائها لا وَكْسَ ولا شَطَط» (١). وأما كونه يتنصف بالموت على روايةٍ إلا أن يكون قد فرضه الحاكم؛ فلأن الموت فرقة وردت على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس. فلم يجب لها مهر المثل؛ كفرقة الطلاق. وأما كونه لا يتنصف إذا كان الحاكم قد فرضه؛ فلأن الفرض يجعله كالتسمية، ولو سمي ثم مات لوجب كله. فكذا إذا فرضه. والأول أصح؛ لحديث ابن مسعود. ولأن الموت معنى يكمل به المسمى. فكمل به مهر المثل للمفوضة؛ كالدخول. وقياس الموت على الطلاق غير صحيح؛ لأن الموت يتم به النكاح فيكمل به الصداق، والطلاق يقطعه ويزيله قبل إتمامه، ولذلك وجبت العدة بالموت قبل الدخول ولم تجب بالطلاق قبل (٢) الدخول. قال: (وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها عليه إلا المتعة على الموسِع قدره، وعلى المُقْتِر قدره. فأعلاها خادم، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها. وعنه: يرجع في تقديرها إلى الحاكم. وعنه: يجب لها نصف مهر المثل). أما كون المفوضة لا يكون لها على الزوج إلا المتعة إذا طلقها قبل الدخول بها على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها.

стр. 2265

وقال تعالى: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدةٍ تَعْتَدُّونها فمتعوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وأما كونها يجب لها نصف مهر المثل على روايةٍ؛ فلأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول. فيوجب نصفه بالطلاق قبله؛ كما لو سمى محرما. والأول أصح؛ لما تقدم. ولأن الله تعالى قسّم المطلقات قسمين أوجب المتعة لمن لم يسم لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سمي لها. وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه. بيان قسمته قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسِع قدره وعلى المُقْتِر قَدَرُه متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين? وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصفُ ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧]. فعلى هذه المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره؛ كقوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وأعلاها خادم وأدناها كسوة؛ لأن ابن عباس قال: «أعلا المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة». وقُيّدت الكسوة بما تجزئها في صلاتها؛ لأن ذلك أقلَّ الكسوة. وعن الإمام أحمد: يرجع في تقديرها إلى الحاكم؛ لأنه أمرٌ لم يرد الشرع بتقديره. وهو يحتاج إلى الاجتهاد. فيجب الرجوع فيه إلى الحاكم؛ كسائر المجتهدات. قال: (وإن دخل بها استقر مهر المثل. وإن طلقها بعد ذلك فهل تجب المتعة؟ على روايتين. أصحهما: لا تجب). أما كون مهر المثل يجب إذا دخل بالمفوضة؛ فلأن الدخول يوجب استقرار المسمى. فكذا مهر المثل؛ لاشتراكهما في المعنى الموجب للاستقرار. وأما كون المتعة لا تجب إذا طلقها بعد ذلك على روايةٍ؛ فلأنه وجب لها مهر المثل. فلم تجب لها المتعة؛ لأن المتعة كالبدل مع مهر المثل.

стр. 2266

وأما كونها تجب على روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١]. والأول أصح؛ لأنه قد تقدم أن الله تعالى قسّم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن. وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.

стр. 2267

فصل [في مهر المثل] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومهر المثل معتبر بمن يساويها من نساء عصباتها؛ كأختها وعمتها وبنت أخيها وعمها. وعنه: يعتبر جميع أقاربها؛ كأمها وخالتها). أما كون مهر المثل معتبراً بمن يساويها من نساء عصباتها؛ كما مثل المصنف رحمه الله تعالى على المذهب؛ فلأنه قد روي في قصة بِرْوع «أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق بمثل مهر نساء قومها» (١). ولأن شرف المرأة معتبر في مهرها، وشرفها بعصباتها؛ لأنهم نساؤها. وأما كونه يعتبر جميع أقاربها كأمها وخالتها على روايةٍ؛ فلأن مطلق القرابة له أثر في الجملة. ولأن أمها وخالتها يشملهم قول ابن مسعود: «لها مهرُ نسائها» (٢). والأول أولى؛ لما تقدم. ولأن الأم قد تكون مولاة، وبنتها شريفة، وبالعكس. وقول ابن مسعود مطلق فيقيد بقوله ﵇: «بمثل مهر نساء قومها» (٣).

стр. 2268

قال: (وتعتبر المساواة في المال والجمال والعقل والأدب والسن والبكارة والثيوبة والبلد. فإن لم يكن من نسائها إلا دونها زيدت بقدر فضيلتها. وإن لم يوجد إلا فوقها نقصت بقدر نقصها. وإن كان عادتهم التخفيف على عشيرتهم دون غيرهم اعتبر ذلك. وإن كان عادتهم التأجيل فُرض مؤجلاً في أحد الوجهين. وإن لم يكن لها أقارب اعتبر بنساء بلدها ثم بأقرب النساء شبها بها). أما كون المساواة تعتبر بما ذكر؛ فلأن مهر المثل بدل متلف فاعتبرت الصفات المقصودة فيه. وكل صفة مما ذكر مقصودة. فوجب اعتبارها. وأما كون المفوضة إذا لم يكن من نسائها إلا دونها [زيدت بقدر فضيلتها؛ فلأن زيادة فضيلتها تقتضي زيادة في المهر] (١). فوجب أن يترتب عليها الزيادة بحسبها. وأما كونها إذا لم يوجد من نسائها إلا فوقها تنقص بقدر نقصها؛ فلأن النقص له أثر في تنقيص المهر. فوجب أن يترتب عليه النقص بحسبه. وأما كون التخفيف المذكور يعتبر؛ فلأن العادة لها أثر في المقدار. فكذا في التخفيف على العشيرة. فإن قيل: مهر المثل بدل متلف. فوجب أن يختلف باختلاف المتلف؛ كسائر المتلفات. قيل: النكاح يخالف سائر المتلفات من حيث إن المقصود بها المالية خاصة. فلم تختلف باختلاف المتلف. والنكاح المقصود به أعيان الزوجين فاختلف باختلافهما. ولأن سائر المتلفات لا تختلف باختلاف الفوائد والمهر يختلف باختلاف الفوائد. وأما كون المهر يفرض مؤجلاً إذا كانت عادتهم التأجيل في وجهٍ؛ فلأن مهر مثلها مؤجل. وأما كونه يفرض حالاًّ في وجهٍ؛ فلأنه بدل مثله. فوجب أن يكون حالاًّ؛ كقِيَم سائر المتلفات.

стр. 2269

وأما كون بنساء بلدها يعتبر إذا لم يكن لها أقارب؛ فلأن شبهها بهن أقرب من نساء سائر البلاد. فوجب اعتباره؛ لأن له أثراً في الجملة. وأما كون أقرب النساء شبهاً بها يعتبر بعد ذلك؛ فلأن القرب المذكور له أثر. فوجب اعتباره عملاً بذلك الأثر.

стр. 2270

فصل [في المهر في النكاح الفاسد] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النكاح الفاسد فإذا افترقا قبل الدخول بطلاق أو غيره: فلا مهر فيه. وإن دخل بها استقر عليه المسمى. وعنه: يجب مهر (١) المثل. وهي أصح. فلا يستقر بالخلوة. وقال أصحابنا: يستقر). أما كون النكاح الفاسد لا مهر فيه إذا افترق الزوجان قبل الدخول بطلاق أو غيره؛ فلأن المهر استدعى عقداً صحيحاً أو وطءاً، ولم يوجد واحد منهما. وأما كون المسمى يستقر على الزوج إذا دخل بالزوجة في النكاح الفاسد على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل. فإن دخل بها فلها المهرُ بما استحل من فرجها» (٢). والألف واللام للعهد، والمعهود المسمى. ولأن المهر يجب في مقابلة الوطء، وقد وجد. وأما كون مهر المثل يجب على روايةٍ وهي أصح؛ فلأن العقد الفاسد وجوده كعدمه. أشبه ما لو وطئها لا في عقد. وقوله ﷺ : «فلها المهر» لا يستلزم المسمى؛ لاحتمال إرادة مهر المثل. وأما كون المهر لا يستقر بالخلوة عند المصنف؛ فلأن المهر في النكاح الفاسد إنما يوجبه الوطء لا العقد. بدليل أنه لا يتنصف بالطلاق. ولأن الخلوة هنا لا في نكاح صحيح. أشبه الخلوة بالأجنبية. وأما كونه يستقر على قول أصحابنا؛ فلأن الابتذال بالخلوة فيه كالابتذال بذلك في النكاح الصحيح. فوجب أن يستقر به؛ كالصحيح.

стр. 2271

قال: (ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهةٍ والمكرهة على الزنا، ولا يجب معه أرش البكارة. ويحتمل أن يجب للمكرهة). أما كون المهر يجب للموطوءة بشبهةٍ والمكرهة على الزنا؛ فلأن الواطئ مستحل لفرج كل واحدٍ منهما. فيجب لها المهر عليه؛ لقوله ﵇: «فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجها» (١). فإن قيل: ما معنى قوله ﵇: «بما استحَلَّ من فَرجها»؟ فيل: الاستحلال الفعل في غير موضع الحِلّ. ومنه قوله ﵇: «ما آمنَ بالقرآنِ من استحلَّ محارمُه» (٢). ولأن الموجب للمهر في النكاح الفاسد الوطء، وقد وجد هنا. وفي قول المصنف ﵀: والمكرهة تنبيه على أن المطاوعة لا مهر لها. وصرح به في الكافي؛ لأنها باذلة لما يوجب البدل لها (٣). فلم يجب لها شيء؛ كما لو أذنت في قطع يدها. فإن قيل: المطاوعة إذا كانت أمة كالحرة؟ . قيل: لا؛ لأن المهر للسيد لا لها. فلم يسقط بذلها؛ كما لو أذنت في قطع يدها. وأما كونه لا يجب مع المهر في الصورتين المذكورتين أرش البكارة؛ فلأنه وطء ضُمِن بالمهر. فلم يجب معه أرش؛ كالوطء في النكاح الصحيح. وأما كونه يحتمل أن يجب للمكرهة مع المهر الأرش المتقدم ذكره؛ فلأنه إتلاف جزء. فوجب عوضه؛ كما لو جرحها ثم وطئها. والأول أولى؛ لما ذكر. ولأن المهر بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، وبدل المتلف لا يختلف بكونه في عقد فاسد وكونه تمحض عدواناً.

стр. 2272

ولأن الأرش يدخل في المهر لكون الواجب لها مهر المثل، ومهر البكر يزيد على مهر الثيب ببكارتها. فكانت الزيادة في المهر مقابلة لما أتلف من البكارة فلا يجب عوضها مرة ثانية. قال: (وإذا دفع أجنبية فأذهب عذرتها فعليه أرش بكارتها. وقال القاضي: يجب مهر المثل. وإن فعل ذلك الزوج ثم طلق قبل الدخول لم يكن عليه إلا نصف المسمى). أما كون من دفع أجنبية فأذهب بكارتها عليه أرش بكارتها على قول غير القاضي؛ فلأنه أتلف البكارة. فلزمه أرشها؛ كما لو أتلف منها جزءاً لم يرد الشرع فيه بتقدير. وأما كون مهر المثل يجب على قول القاضي؛ فلما روي «أن رجلاً كانت عنده يتيمة. فخافت امرأته أن يتزوج بها. فاستعانت بنسوة ضبطنها لها فأفسدت عذرتها وقالت لزوجها: فَجَرَت. فأخبر علياً ﵁ بذلك. فأرسل إلى امرأته والنسوة. فلما أتينه لم يلبثن أن اعترفن بما صنعن. فقال للحسن بن علي: اقض فيها. فقال: الحد على من قذفها، والمهر عليها وعلى الممسكات» (١). ولأنه إتلاف يُستحق به مهر المثل في العقد. فإذا أتلفه أجنبي وجب مهر المثل؛ كمنفعة البضع. ونسب المصنف في المغني قول القاضي إلى الإمام أحمد فقال فيه: قال أحمد: لها صداق نسائها. وكلامه فيه مشعر بترجيحه. وأما كون الزوج إذا فعل ذلك ثم طلق قبل الدخول لا يكون عليه إلا نصف المسمى؛ فلأنها مطلقة قبل الدخول. فلم يستحق أكثر من نصف المسمى؛ كسائر المطلقات قبل الدخول. ولأنه أتلف ما استحق إتلافه بالعقد. فلم يضمنه؛ كما لو أتلف عذرة أمته. وقال في المغني: يتخرج أن يجب الصداق كاملاً؛ لأن أحمد ﵁ قال: إن فعل ذلك أجنبي عليه الصداق. ففيما يفعله الزوج أولى.

стр. 2273

وتقريره: أن ما يجب الصداق به ابتداء أحق بتقديره. ويتخرج من كلام أحمد وجوب أرش البكارة مع نصف المسمى إن قيل الواجب على الأجنبي أرشها لا مهر المثل؛ لأنه قاسه على الأجنبي فينبغي أن يعطى حكمه من حيث الإتلاف ويعاد عليه بنصف المسمى لكونه مُطَلِّقاً قبل الدخول. قال: (وللمرأة منع نفسها حتى تقبض مهرها. فإن تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت المنع فهل لها ذلك؟ على وجهين). أما كون المرأة لها منع نفسها حتى تقبض مهرها؛ فلأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع والامتناع من بذل الصداق. فلا يمكن الرجوع في البضع. وبه يظهر الفرق بين النكاح وبين البيع؛ لأن البائع إذا سلم المبيع أولاً فبتقدير تعذر الثمن يمكنه فسخ البيع والرجوع في عين المبيع. ويشترط في المنع المذكور: أن يكون الصداق حالاًّ فإن كان مؤجلاً لم يملك المنع؛ لأن رضاها بتأجيله رضًى منها بتسليم نفسها قبل قبضه. دليله تأجيل الثمن. ولا فرق بين حلوله بعد تأجيله وبين عدم حلوله. صرح به في المغني؛ لأن التسليم قد وجب عليها فاستقر قبل قبضه. فلم يكن لها أن تمتنع منه. وأما كونها إذا تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت المنع لها ذلك على وجهٍ وهو لابن حامد؛ فلأنه تسليم يوجبه عليها العقد. فكان لها أن تمتنع منه قبل قبض صداقها؛ كما لو لم تتبرع بتسليم نفسها. وأما كونها ليس لها ذلك على وجهٍ وهو لابن بطة وابن شاقلا؛ فلأن التسليم استقر به العوض برضى المُسَلِّم. فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك؛ كما لو سلم البائع المبيع. وفي هذا تنبيه على الفرق بين المتبرع بالتسليم وعدمه. وهو قادح في صحة القياس المذكور قبل. وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: تبرعت بتسليم نفسها: إشعارٌ بأنها لو أكرهت على التسليم كان لها الامتناع بعد ذلك. وصرح به الشيخ في المغني. وقاسه على المبيع المكره بائعه على تسليمه.

стр. 2274

قال: (وإن أعسر بالمهر قبل الدخول فلها الفسخ. وإن أعسر بعده فعلى وجهين. ولا يجوز الفسخ (١) إلا بحكم حاكم). أما كون المرأة لها الفسخ بإعسار الزوج بالمهر قبل الدخول؛ فلأنه تعذر وصولها إلى عوض العقد قبل تسليم المعوض. فكان لها الفسخ؛ كما لو أعسر المشتري بالثمن قبل تسليم المبيع. وأما كونها إذا أعسر بعده ففيه وجهان؛ فلأن ما تقدم من الخلاف في أنها هل لها منع نفسها بعد تسليمها حتى تقبض مهرها؟ يقتضي ذلك: فإن قيل: لها منع نفسها كان لها هنا الفسخ؛ لأنه حينئذ في معنى الفسخ قبل الدخول. وإن قيل: ليس لها المنع لم يكن لها هنا الفسخ؛ كما لو أفلس بدين آخر لها. وأما كون الفسخ لا يجوز إلا بحكم حاكمٍ؛ فلأنه فسخ مجتهد فيه. أشبه الفسخ للاعسار بالنفقة ونحوه.

стр. 2275

باب الوليمة قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهي: اسم لدعوة العرس خاصة. وهي مستحبة). أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهي اسم لدعوة العرس خاصة: فبيانٌ لمعنى الوليمة لغة. قال ثعلب وغيره من أهل اللغة: الوليمة اسم للطعام في العرس خاصة. لا تقع على غيره. وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: الوليمة تقع على كل طعام لسرورٍ حادث؛ إلا أن استعمالها في العرس أكثر. قال المصنف في المغني: وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة. فإن قيل: أسماء بقية الدعوات ما هي؟ قيل: دعوة الختان تسمى العذيرة والأعذار، ودعوة الولادة تسمى الخرس والخرسة، ودعوة البناء تسمى الوكِيرة، ودعوة القدوم من الغيبة تسمى النقيعة. قال الشاعر: كل الطعام تشتهى ربيعة ... الخرس والأعذار والنقيعة ودعوة الصبي إذا حذق تسمى الحذاق. ويعم الكل المأدبة؛ لأنها اسم لكل دعوة لها سبب أو لا سبب لها. وصاحبها يسمى الآدب. قال الشاعر: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر الجفلى: الدعوة العامة. والنقرى: الدعوة الخاصة.

стр. 2276

وأما كون الوليمة مستحبة؛ فلأن النبي ﷺ أمر بها عبدالرحمن بن عوف فقال: «أوْلم ولو بشاة» (١). ولأنه ﵇ فعلها. قال أنس: «ما أولمَ رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه ما أولمَ على زينب. جعل يبعثني فأدعو له الناس. فأطعَمَهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا» (٢). فإن قيل: قوله: «أولم»: أمر، والأمر للوجوب. فيجب أن تكون واجبة. ولأن الإجابة إليها واجبة. فيجب أن تكون واجبة؟ قيل: أما الأمر فيجوز أن يراد به الاستحباب. وقد قام دليلٌ على إرادته لأنه أمر في حديث عبدالرحمن بشاة. ولو كان الأمر للوجوب لوجبت الشاة. وذلك منتفٍ لوجهين: أحدهما: الإجماع. وثانيهما: «أن النبي ﷺ أولم على صفية بحيْس» (٣) متفق عليه. و«أولم على بعض نسائهِ بمدَّين من شَعير» (٤) رواه البخاري. ولأن دعوة العرس طعام لسرور. فلم تكن واجبة؛ كسائر الأطعمة. ووجوب الإجابة لا يستلزم وجوب الفعل. دليله السلام فإنه ليس بواجب وإجابته واجبة.

стр. 2277

قال: (والإجابة إليها واجبة إذا عيّنه الداعي المسلم في اليوم الأول. فإن دعاه الجفلى؛ كقوله: يا أيها الناس! تعالوا إلى الطعام، أو دعاه فيما بعد اليوم الأول، أو دعاه ذمّي: لم تجب الإجابة). أما كون الإجابة إلى وليمة العرس واجبة في الجملة؛ فلأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: «إذا دُعيَ أحدكم إلى وليمةً فليأتها» (١). وفي لفظ: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعيتم إليها» (٢). وعن أبي هريرة ﵁: «شرُ الطعام طعامُ الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُتركُ الفقراء. ومن لم يجب فقد عصَى الله ورسوله» (٣). [قال: (وسائر الدعوات والإجابة إليها مستحبة غير واجبة. وإذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لم يفطر، وإن كان نفلاً أو كان مفطراً استحب الأكل. وإن أحب دعا وانصرف). أما كون سائر الدعوات والإجابة إليها غير واجبة؛ فلما روي عن عثمان بن أبي العاص: «أنه دعي إلى ختان فأبى أن يجيب. وقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ » (٤). رواه الإمام أحمد. وما كونها تستحب فلقوله ﵇: «إذا دعي أحدكم فليجب عُرسا كان أو غير عرس» (٥). رواه أبو داود. ولأن فيه جبر قلب الداعي وتطييبه. وأما كونه إذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لا يفطر؛ فلأن] (٦) الأكل غير واجب لما يأتي. فلا يترك واجباً لأجل مستحب.

стр. 2278

وأما كونه يستحب له الأكل إذا كان صائماً نفلاً؛ فلأن فيه إجابةً لأخيه المسلم، وإدخالَ السرور على قلبه. وقد روي «أن النبي ﷺ كان في دعوة ومعه جماعة. فاعتزل رجل من القوم ناحية. فقال: إني صائم. فقال النبي ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلّف لكم. كُلْ. ثم صم يومًا مكانه إن شئت» (١). وأما كونه إن أحب دعا وانصرف؛ فلأنه داخل في قوله ﵇: «فإن كان صائماً فليدْعُ» (٢). ولأن الأكل غير واجب لما يأتي. فلم يجب أن يترك صومه وإن كان نفلاً. فعلى هذا يستحب له أن يُعلم صاحب الدعوة بأنه صائم ليعلم عذره وتزول عنه التهمة في ترك الأكل. وعن عبدالله: «إذا عُرضَ على أحدكم الطعامَ وهو صائم فليقل: إني صائم» (٣). وعن عثمان بن عفان: «أنه أجاب عبد المغيرة وهو صائم. فقال: إني صائم ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو له بالبركة». رواه أبو حفص. وأما كونه استحب له الأكل إذا كان مفطراً؛ فلما تقدم في الصائم نفلاً. ولأنه إذا استحب للصائم أن يفطر من أجل الأكل؛ فلأن يستحب للمفطر الأكل بطريق الأولى. وإنما لم يَجب الأكل؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا دُعي أحدكم فليُجِب. فإن شاءَ أكلَ وإن شاءَ ترك» (٤). حديث صحيح.

стр. 2279

فإن قيل: قوله ﵇: «فإن كان مفطرًا فليطعَم» (١) يقتضي وجوب الأكل. ولأن المقصود الأكل. فيجب أن يكون واجباً. قيل: أما الخبر فمحمول على الاستحباب لما ذكرنا من الحديث لما فيه من الجمع الذي لا يمكن عكسه. وأما كون المقصود الأكل فيبطل بالصائم فرضاً. فإنه يجب عليه الإجابة مع أنه ممنوع من الأكل. فعلى هذا المقصود الإجابة وقد وجدت من المفطر إن لم يأكل. قال: (فإن دعاه اثنان أجاب أولهما. فإن استويا أجاب أدينهما، ثم أقربهما جواراً). أما كون من دعاه اثنان يجيب أولهما؛ فلأن النبي ﷺ قال: «فإن سبقَ أحدهما فأجبِ الذي سبق ... مختصر» (٢) رواه أبو داود. ولأن إجابته وجبت بدعوته. فلم تزل بدعوة الثاني. وكلام المصنف ﵀ مشعرٌ بأنه لا يجيب دعوة الثاني. وهو صحيح. لكن بشرط أن لا يتسع الوقت لإجابتهما؛ لأنه لو وجبت عليه إجابة الثاني مع عدم اتساع الزمن لأوجبنا عليه ما لا يمكنه فعله إلا يترك واجب مثله بل أرجح منه؛ لأن حق الأول سابق. فإن اتسع الوقت لهما وجبت إجابتهما للنصوص المتقدمة السالمة عما ذكر قبل. وأما كونه يجيب أدينهما مع تساويهما في الدعوة؛ مثل أن تتفق دعوتهما في وقت واحد؛ فلأن كثرة الدِّين لها أثر في التقديم. دليله الإمامة.

стр. 2280

وأما كونه يجيب أقربهما جواراً مع تساويهما في الدعوة والدِّين؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا اجتمعَ داعيان فأجبْ أقربَهما بابًا فإنَّ أقربَهما بابًا أقربَهما جوارًا» (١) رواه أبو داود. وعن عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! إن لي جارين. فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منكِ بابًا» (٢) رواه البخاري. فإن قيل: فإن كان أحدهما أقرب والآخر أدين. قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أنه يجيب الأدين؛ لأن الدين درجة رفيعة فكيف بالأدين. وقال في المغني: يقدم أقربهما منه باباً فإن استويا فأدينهما. وظاهره أنه يجيب الجار الأقرب دون غيره وإن كان أدين منه؛ لأن القرب في الجوار مأخوذ من الحديث، والكثرة في الدين مأخوذة من الأصول. قال: (وإن علم أن في الدعوة منكراً كالزمر والخمر وأمكنه الإنكار حضر وأنكر، وإلا لم يحضر). أما كون من ذكر يحضر وينكر إذا أمكنه الإنكار؛ فلأن فيه تحصيل فرضين فرض الإجابة وفرض إزالة المنكر. وأما كونه لا يحضر إذا لم يمكنه الإنكار؛ فلأن عليه ضرراً في الحضور. ولأنه يحرم عليه مشاهدة المنكر مع إمكان عدم مشاهدته؛ لأن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمر» (٣). رواه أبو حفص. ولأنه يشاهد المنكر من غير حاجة إليه. فمنع منه؛ كما لو شاهده مع القدرة على إزالته.
следующие страницы →