فصل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليس لولي صغيرة أو مجنونة ولا سيد أمة تزويجها معيباً، ولا لولي كبيرة تزويجها به بغير رضاها. فإن اختارت الكبيرة نكاح مجبوب أو عنّين لم يملك منعها. وإن اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص فله منعها في أصح الوجهين. وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به لم يملك إجبارها على الفسخ).
أما كون ولي الصغيرة والمجنونة وسيد الأمة ليس له تزويجها من به أحد العيوب التي تثبت الفسخ؛ فلأن التزويج المذكور يعتمد النظر والحظ، ولا حظ في هذا العقد.
فعلى هذا إذا وقع العقد مع العلم بالعيب لم يصح لأنه عقد لهن عقداً لم يجز عقده. فلم يصح؛ كما لو باع عقار الصبي بغير غبطة ولا حاجة.
وإن لم يعلم بالعيب صح كما لو اشترى لهن معيباً لا يعلم عيبه. ويجب عليه الفسخ إذا علم؛ لأن غلبة النظر بما فيه الحظ، والحظ في الفسخ. ويحتمل أن لا يصح العقد؛ لأنه زوجهن ممن لا يملك تزويجهن به. فلم يصح؛ كما لو زوجهن بمن يحرم عليهن.
وأما كون ولي الكبيرة ليس له تزويجها بمن ذكر بغير رضاها؛ فلأنها تملك الفسخ إذا علمت به بعد العقد. فلأن تملك المنع بطريق الأولى.
وأما كون الولي لا يملك منع الكبيرة إذا اختارت نكاح مجبوب أو عنّين؛ فلأن ضرر ذلك مختص بها.
وأما كونه له منعها إذا اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص في أصح الوجهين؛ فلأن عليها فيه ضرراً دائماً وعاراً عليها وعلى أهلها. فملك منعها منه، كالتزويج بغير كفء.
стр. 2207
وأما كونه لا يملك منعها في وجه؛ لأن الضرر عليها. أشبه المجبوب.
والأول أصح لا شتماله على ضررها وضرر أهلها بخلاف المجبوب.
وذكر المصنف في المغني الخلاف المذكور في كل عيب. وحكى عن الإمام أحمد ﵁ أنه قال: ما يعجبني أن يزوجها بعنين وإن رضيت الساعة تكره إذا دخلت عليه لأن من شأنهن النكاح ويعجبهن من ذلك ما يعجبنا. ثم قال: وذلك لأن الضرر في ذلك دائم والرضى غير موثوق بدوامه ولا تتمكن من التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد وربما أفضى إلى الشقاق. والعداوة فيتضرر وليها وأهلها فملك الولي منعها كما لو أرادت زواج من ليس (١) بكفء. والصحيح التفرقة بين الجَبّ والعنة وبين سائر العيوب المذكورة.
ولأن الجب والعنة ضرر يختص بها. بخلاف بقية العيوب. فإن ضررها متعد إلى الولد.
وأما كونه لا يملك إجبارها على الفسخ إذا علمت العيب بعد العقد أو حدث به؛ فلأن حق الولي في ابتداء العقد لا في دوامه. بدليل أنه يملك منعها من تزوج عبد، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.
стр. 2208
باب نكاح الكفار
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وحكمه حكم نكاح المسلمين فيما يجب به، وتحريم المحرمات. ويُقرون على الأنكحة المحرمة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا. وعنه: في مجوسي تزوج كتابية أو اشترى نصرانية: يحول بينهما الإمام فيَخْرج من هذا أنهم لا يُقرون على نكاح مُحَرَّم).
أما كون حكم نكاح الكفار حكم نكاح المسلمين فيما ذكر؛ فلأن أنكحتهم صحيحة؛ لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقوله: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤]، وقوله: ﴿امرأة فرعون﴾ [التحريم: ١١]. وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة.
ولأن النبي ﷺ قال: «وُلدتُ من نكاحٍ لا من سِفَاح» (١). وإذا كانت صحيحة وجب فيها ما يجب في أنكحة المسلمين وحرم فيها ما يحرم فيها، لاشتراكهما في الصحة.
فعلى هذا يقع طلاقهم ويصح ظهارهم وإيلاؤهم ويجب المهر بعقدهم والقَسْم وتحصل الإباحة للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام.
قال: ويقرون على الأنكحة الفاسدة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا على المذهب؛ فـ «لأن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر» (٢). ولم يتعرض لأنكحتهم مع علمه بأنهم يستبيحون نكاح محارمهم. ولا يقرونهم على كفرهم فلأن يقرون على نكاح يعتقدون حله بطريق الأولى.
стр. 2209
وأما كون المجوسي إذا تزوج كتابية أو اشترى نصرانية يحول بينهما الإمام على روايةٍ؛ فلأنه نكاح فاسد. أشبه المسلم إذا نكح نكاحاً فاسداً.
وأما كونه يُخَرَّج من هذا أن الكفار لا يقرون على نكاح محرّم؛ فلأن الحيلولة المذكورة تقتضي عدم الإقرار، وإنما كان كذلك لكون النكاح فاسدا، وهذا موجود في نكاح غير المجوسي.
فإن قيل: قد نقل عن الإمام أحمد ﵁ أنه يملك الحيلولة المذكورة لأن النصارى لهم كتاب. وعلل أبو بكر بأن علينا في ذلك ضرراً يعني تحريم أولاد النصرانية.
قيل: في التخريج على ذلك إذاً نظر لأن ظاهر تعليل الإمام وأبي بكر ينفي هذا التخريج لأن الحيلولة إذا كانت لمعنى وجب أن يكون في المُخَرَّج. وكلا التعليلين مفقود في الأنكحة الفاسدة لأن من نكاحها يحرم لها دين ولا يحرم نكاح ولدها (١). فوجب اقتصار الحيلولة على المنصوص لانتفاء العلة المقتضية للحيلولة في غيره.
قال: (وإن أسلموا أو ترافعوا إلينا في ابتداء العقد لم نُمْضِه إلا على الوجه الصحيح. وإن كان في أثنائه لم يتعرض لكيفية عقدهم، بل إن كانت المرأة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كذات محرمه ومن هي في عدتها أو شرط الخيار في نكاحها متى شاء أو مدة هما فيها أو مطلقة ثلاثاً فرق بينهما، وإلا أقرا على النكاح).
أما كون الإمام لا يمضي نكاح الكفار إلا على الوجه الصحيح إذا أسلموا أو ترافعوا إليه في ابتداء العقد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩].
ولأنه لا حاجة إلى عقده. بخلاف ذلك.
وأما كونه لا يتعرض لكيفية عقدهم إذا أسلموا أو ترافعوا في أثنائه؛ فلأن النبي ﷺ أسلم في زمنه خلقٌ كثير وجَمٌ غفير فأقرَّهم على أنكحتهم ولم يسألهم النبي
стр. 2210
صلى الله عليه وسلم عن شروط النكاح ولا عن كيفيته. وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة. فكان يقيناً.
وأما كونه يفرق بين الزوجين إذا كانت الزوجة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كما مثل المصنف؛ فلأن الاستدامة أضعف من الابتداء. فإذا لم يجز الابتداء وهو أقوى فلأن لا تجوز الاستدامة وهي أضعف بطريق الأولى.
وأما كونهما يقران على نكاحهما إذا لم تكن المرأة كما ذكر؛ فلما تقدم ذكره من إقرار النبي ﷺ .
قال: (وإن قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحاً أقرا، وإلا فلا).
أما كون الحربيين يقران على ما ذكر إذا اعتقداه نكاحاً؛ فلأن الصحيح في الكتابي اعتقاده الحل وهو موجود هنا.
وأما كونهما لا يقران إذا لم يعتقداه نكاحاً؛ فلأن المصحح اعتقاد كونه نكاحاً، وهو منتف هاهنا.
قال: (وإن كان المهر مسمى صحيحاً أو فاسداً قبضته استقر وإن كان فاسداً لم تقبضه فرض لها مهر المثل).
أما كون المهر المسمى الصحيح يستقر قبض أو لم يقبض؛ فلأنه مسمى صحيح في نكاح صحيح. فوجب استقراره بشرطه؛ كتسمية المسلم.
وأما كون الفاسد المقبوض يستقر؛ فلأنا لا نتعرض إلى ما فعلوه.
ولأن المُحَرّم إذا قبضوه لا يتعرض إليه. بدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. أمر بترك ما بقي دون ما قُبض. وقال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ولأن التعرض إليهم تنفيراً لهم عن الإسلام. فعفي عنه؛ كما عفي عما تركوه من الفرائض.
ولأنهم تقابضوا بحكم الشرك وبرئت ذمة من هو عليه منه كما لو تبايعوا بيعاً فاسداً وتقابضوا.
وأما كون المرأة يفرض لها مهر المثل إذا كان فاسداً ولم تقبضه؛ فلأن مهر المثل يفرض في التسمية الفاسدة إذا كانت الزوجة مسلمة، وكذلك الكافرة.
стр. 2211
فصل [إذا أسلم الزوجان]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أسلم الزوجان معاً، أو أسلم زوج الكتابية فهما على نكاحهما).
أما كون الزوجين على نكاحهما إذا أسلما معاً أي دفعة واحدة؛ فلأنه لم يوجد منهما اختلاف دين.
وقد روى ابن عباس «أن رجلاً جاءَ مسلماً على عهدِ النبي ﷺ ثم جاءت امرأته (١) مسلمةٌ بعدَه. فقال: يا رسولَ الله! إنها كانتْ أسلمتْ معي. فردَّها عليه» (٢).
وقول المصنف: معاً؛ يدل على أنه شرط كونهما على نكاحهما بلفظهما بالإسلام دفعة واحدة. وصرح به في المغني لأن اختلاف الدين مفسد للنكاح وبمجرد سبق أحدهما للآخر بالإسلام يحصل الاختلاف. ويحتمل أن يقف على المجلس لأن حكم المجلس حكم العقد. بدليل القبض ونحوه.
ولأن اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة يتعذر. فلو اعتبر ذلك لوقعت الفرقة بين كل مسلمين إلا في الشاذ النادر.
وأما كونهما على نكاحهما إذا أسلم زوج الكتابية؛ فلأن نكاح الكتابية يجوز ابتداؤه فالاستمرار أولى.
стр. 2212
قال: (وإن أسلمت الكتابية أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول انفسخ النكاح. فإن كانت هي المسلمة فلا مهر لها. وإن أسلم قبلها فلها نصف المهر. وعنه: لا مهر لها).
أما كون النكاح ينفسخ إذا أسلمت الكتابية أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول؛ فلأن دينهما اختلف. فلم يجز استمراره؛ كابتدائه.
وأما كون الزوجة لا مهر لها إن كانت هي المسلمة؛ فلأن الفرقة حصلت من جهتها. أشبه ما لو ارتدت.
وعن الإمام أحمد ﵁ لها نصف المهر ذكره المصنف في المغني وأبو الخطاب وغيرهما؛ لأن الفرقة حصلت من جهة الزوج بإبائه الإسلام وامتناعه منه وهي فعلت ما فرض الله عليها. أشبه ما لو علّق طلاقها على الصلاة فصلت.
وفرّق المصنف بين إسلامها وبين التعليق من حيث: إن التعليق من جهة الزوج بخلاف الإسلام فإنه لا أثر له فيه البتة.
وأما كونه لها نصف المهر على المذهب إذا أسلم قبلها؛ فلأن الفرقة حصلت من جهة الزوج. أشبه ما لو طلقها.
وأما كونها لا مهر لها على روايةٍ؛ فلأن الفرقة حصلت بإبائه الإسلام. فكان من جهتها.
ولأن في إيجاب المهر عليه تنفيراً له عن الإسلام لأنه يجتمع عليه فسخ النكاح مع وجوب المهر.
قال: (وإن قالت: أسلمَ قبلي. وأنكرها: فالقول قولها. وإن قال: أسلمنا معاً فنحن على النكاح وأنكرته فعلى وجهين).
أما كون القول قولها إذا قالت: أسلم قبلي وأنكرها؛ فلأنها تدعي استحقاق شيء أوجبه العقد وهو يدعي ما يسقطه. فلم يقبل قوله؛ لأن الأصل عدمه. وهذا تفريع على أنها تستحق نصف المسمى إذا سبقها بالإسلام. أما على الروايةِ الأخرى فلا فائدة في اختلافهما.
وأما كون القول قولها إذا قالا: أسلمنا معاً فنحن على النكاح وأنكرته على وجه؛ فلأن الظاهر معها إذ يتعذر اتفاق إسلامهما دفعة واحدة.
стр. 2213
وأما كون القول قول الزوج على وجه؛ فلأن الأصل بقاء النكاح والفسخ طارئ عليه. فكان القول قول من يوافق قوله الأصل؛ كالمنكر.
وهذا الخلاف مبني على أنه يعتبر إسلامهما دفعة واحدة. أما إذا قيل: العبرة بالمجلس فينبغي أن يكون القول قول الزوج قولاً واحداً لأن الظاهر ينتفي حينئذ.
قال: (وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة. فإن أسلم الثاني قبل انقضائها فهما على نكاحهما، وإلا تبينا أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول. فعلى هذا لو وطئها في عدتها ولم يسلم الثاني فعليه المهر، وإن أسلم فلا شيء لها، وإذا أسلمت قبله فلها نفقة العدة، وإن كان هو المسلم فلا نفقة لها، وإن اختلفا في السابق منهما فالقول قولها في أحد الوجهين. وعنه: أن الفرقة تتعجل بإسلام أحدهما كما قبل الدخول، وأما الصداق فواجب بكل حال).
أما كون الأمر يوقف على انقضاء العدة على المذهب فيما إذا أسلم أحد الزوجين قبل الدخول؛ فلما روى ابن شهاب قال: «كان بين إسلامِ صفوانَ بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهر. أسلمتْ يوم الفتح وبقيَ صفوان حتى شهد حنيناً والطائف وهو كافر. فلم يفرّق النبي ﷺ بينهما واستقرّت عنده امرأتُه بذلك النكاح» (١). رواه مالك في الموطأ.
وقال ابن عبدالبر: وشُهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال ابن شهاب: «أسلمتْ أم حكيم يوم الفتح وهربَ زوجُها عكرمةُ حتى أتى اليمن. فارتحلتْ حتى قدمت عليه اليمن فدعتهُ إلى الإسلام. فأسلمَ وقدمَ فبايعَ النبي ﷺ . فثَبَتَا على نِكاحِهِما» (٢).
و«لأن أبا سفيان أسلمَ عام الفتح قبل دخول النبي ﷺ مكة ولم تسلم هند حتى فتحت مكة فثبتا على نكاحهما» (٣).
стр. 2214
وقال ابن شبرمة: «كان الناسُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ يسلمُ الرجلُ قبلَ المرأة والمرأةُ قبل الرجل فأيُّهما أسلمَ قبلَ انقضاءِ عدّةِ المرأةِ فهيَ امرأتهُ. فإن أسلمَ بعدَ العدةِ فلا نكاحَ بينهما» (١).
ولأنه لا يعلم أن النبي ﷺ فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته.
فإن قيل: فما الفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها؟
قيل: غير المدخول بها لا عدة لها. فتتعجل البينونة؛ كما لو طلقها واحدة.
وأما كون الزوجين على نكاحهما إذا أسلم الثاني قبل انقضاء العدة؛ فلما ذكر قبل.
ولأن فائدة وقوف الأمر ذلك.
وأما كوننا نتبين أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول إذا لم يسلم الآخر؛ فلأن سبب الفرقة اختلاف الدين. فوجب أن تحتسب الفرقة منه؛ كالطلاق.
وأما كون الزوج عليه مهر المثل إذا وطئها في عدتها ولم تسلم هي؛ فلأنه تبين أنه وطئ بائناً منه. أشبه ما لو وطئ مختلعة في عدتها.
وأما كونها لا شيء لها إذا أسلم هو؛ فلأنه وطئ زوجته.
وأما كونها لها نفقة العدة إذا أسلمت قبله؛ فلأنها محبوسة بسببه.
ولأنه يتمكن من بقاء نكاحها واستمتاعه منها بإسلامه معها فكانت لها النفقة كالرجعية.
وأما كونها لا نفقة لها إذا كان هو المسلم؛ فلأنه لا سبيل لها إلى استيفاء نكاحها وتلافي حالها. أشبهت البائن.
وأما كون القول قولها إذا اختلف في السابق منهما في وجه؛ فلأن الأصل وجوب النفقة وهو يدعي سقوطها.
وأما كون القول قوله في وجه؛ فلأنه منكر، والقول قول المنكر.
وأما كون الفرقة تتعجل بإسلام أحدهما كما قبل الدخول على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تُمسكوا بعِصَم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠].
стр. 2215
ولأن فسخ النكاح لا يختلف قبل الدخول وبعده كالرضاع.
والأول أصح؛ لما تقدم من إسلام الجم الغفير والخلق الكثير في زمن الرسول ﷺ مع أنه لم يُعلم أنه فرق بين أحد وبين زوجته.
وأما كون الصداق واجباً بكل حال؛ فلأنه استقر بالدخول. فلم يسقط بشيء.
стр. 2216
فصل [إذا ارتد أحد الزوجين]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح. ولا مهر لها إن كانت هي المرتدة. وإن كان هو المرتد فلها نصف المهر).
أما كون النكاح ينفسخ بردة أحد الزوجين قبل الدخول فلأنه اختلاف دين يمنع الإصابة. فأوجب فسخ النكاح؛ كما لو أسلم أحد الزوجين الوثنيين.
وأما كون الزوجة لا مهر لها إن كانت هي المرتدة؛ فلأن الفسخ من جهتها.
وأما كونها لها نصف المهر إذا كان هو المرتد؛ فلأن الفسخ من جهته. فهو كما لو طلقها قبل الدخول.
قال: (وإن كانت الردة بعد الدخول فهل تتعجل الفرقة أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين. وإن كان هو المرتد فلها نفقة العدة. وإن كانت هي المرتدة فلا نفقة لها).
أما كون الفرقة بعد الدخول تتعجل بالردة أو تقف على انقضاء العدة على روايتين. أي المتقدم ذكرهما (١)؛ فلما مضى من توجيههما فيما إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين حينئذٍ؛ لأن هذا في معناه.
وأما كون الزوجة لها نفقة العدة إذا كان الزوج هو المرتد؛ فلأنه يتمكن من الاستمتاع بها بأن تسلم. فكانت النفقة عليه؛ كالرجعية.
وأما كونها لا نفقة لها إذا كانت هي المرتدة؛ فلأنه لا سبيل للزوج إلى تلافي نكاحها. فلم يكن لها نفقة؛ كما بعد العدة.
стр. 2217
قال: (وإن انتقل أحد الكتابيين إلى دين لا يقر عليه فهو كردته).
أما كون انتقال من ذُكر إلى ما ذُكر كردته؛ فلأنه رجوع عن دينه إلى دين لا يقر عليه. فكان حكمه حكم المرتد؛ لاشتراكهما في المعنى.
وأما كون بيان ما يقر عليه وما لا يقر عليه فقد تقدم ذكره في موضعه فلا حاجة إلى إعادته.
стр. 2218
فصل [إذا أسلم وتحته من يحرم جمعهن]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أسلم كافر وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه اختار منهن أربعاً وفارق سائرهن. فإن لم يختر أجبر عليه. وعليه نفقتهن إلى أن يختار منهن أربعاً).
أما كون من أسلم وتحته أكثر من أربعة نسوة فأسلمن معه يختار منهن أربعاً ويفارق سائرهن؛ فـ «لأن غيلان بن سلمةَ أسلمَ وتحتَهُ عشرُ نسوةٍ فأسلمنَ معهُ فأمرَهُ النبي ﷺ أن يختارَ منهن أربعاً» (١). رواه الترمذي وابن ماجة.
وفي لفظ: «اخترْ منهُنّ أربعاً وفارقْ سائرهن» (٢).
وروى قيس بن الحارث قال: «أسلمتُ وتحتي ثمان نسوة. فأتيتُ النبي ﷺ فقال: اخترْ منهنّ أربعاً» (٣). رواه أبو داود وابن ماجة.
فإن قيل: ما صفة الاختيار؟
قيل: يقول: اخترت نكاح هؤلاء، أو أمسكتهن، أو اخترت حبسهن، أو إمساكهن، أو نكاحهن، أو ما أشبه ذلك.
وإذا وقع الاختيار فالعدة منه؛ لأن البينونة تحصل عنده. ويحتمل أن يكون من حين الإسلام؛ لأن البينونة الحقيقية إنما حصلت بالإسلام وإنما الاختيار بَيّن محلها.
стр. 2219
وأما كون من ذكر يجبر على الاختيار إذا لم يختر؛ فلأنه حق عليه يمكنه فعله وهو ممتنع منه. فأجبر عليه؛ كإيفاء الدين. بيان أنه حق عليه أن النبي ﷺ أمر به غيلان وقيساً (١)، وأمره للوجوب. وإذا وجب عليهما وجب على من ساواهما في المعنى الذي وجب الاختيار من أجله؛ لوجود العلة.
ولقوله ﵇: «حُكمي على الواحدِ حُكمي على الكُل» (٢).
وأما كونه عليه نفقتهن إلى أن يختار؛ فلأنهن في حبسه لأن له أن يختار من شاء منهن.
فإن قيل: هذا اختيار الحاكم كالمُولي إذا امتنع من الفيئة والطلاق.
قيل: الخيار هاهنا خيار تشهي، ولا سبيل إليه إلا بمعرفة منه.
قال: (فإن طلق الجميع ثلاثاً أقرع بينهن فأُخرج بالقرعة أربعٌ منهن، وله نكاح البواقي).
أما كون المطلقات بما ذكر يقرع بينهن؛ فلتمييز الزوجات اللواتي هن محل الطلاق.
وأما كون أربع منهن يخرجن بالقرعة؛ فلأن ذلك فائدة الإقراع.
وأما كون المطلق له نكاح البواقي فلأنهن لم يطلقن منه.
وشرط هذا النكاح: أن تنقضي عدة المطلقات. ذكره المصنف في المغني؛ لئلا يكون جامعاً بين أكثر من أربع.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى هنا في طلاق الجميع: أن يكون ثلاثاً؛ لأنه لو طلقهن أقل من ذلك لكان طلاقهن رجعياً، ويقرع بينهن وبين المختارات؛ لما سبق.
стр. 2220
قال: (وإن ظاهر أو آلى من إحداهن فهل يكون اختيارًا لها؟ على وجهين).
أما كون ذلك اختياراً لها على وجهٍ؛ فلأن حكم الظهار والإيلاء لا يثبت في غير زوجة.
وأما كونه لا يكون اختياراً لها على وجهٍ؛ فلأنه يصح في غير زوجة.
قال: (وإن مات فعلى الجميع عدة الوفاة. ويحتمل أن يلزمهن أطول الأمرين من ذلك، أو ثلاثة قروء).
أما كون الجميع عليهن عدة الوفاة على المذهب؛ فلأن الزوجات لم يتعين منهن.
وأما كونه يحتمل أن يلزمهن أطول الأمرين مما ذكر فلأن كل واحدةٍ منهن يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة. وعدة المختارة عدة الوفاة، وعدة المفارقة ثلاثة قروء فأوجبنا أطولهما لتنقضي العدة بيقين؛ كما قلنا فيمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها.
قال: (والميراث لأربع منهن بالقرعة).
أما كون الميراث لأربع منهن؛ فلأنه لا يجوز أن يرث أكثر من أربع؛ لأن الميراث هنا بالزوجية، ولا زوجية فيما زاد على الأربع.
وأما كون ذلك بالقرعة؛ فلأن المستحق مبهم. أشبه ما إذا أعتق أحد عبديه عيناً ثم أنسيه.
قال: (وإن أسلم وتحته أختان اختار منهما واحدة. وإن كانتا أماً وبنتاً فسد نكاح الأم. وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما).
أما كون من أسلم وتحته أختان يختار واحدة منهما؛ فلما روى الضحاك بن فيروز (١) الديلمي عن أبيه قال: «أتيتُ النبي ﷺ . فقلت: يا رسول الله! إني
стр. 2221
أسلمتُ وتحتي أُختان. فقال لي رسولُ الله ﷺ : اختر أيتَهُما شِئْت» (١). رواه ابن ماجة.
وأما كون نكاح الأم يفسد إذا كانت أماً وبنتاً؛ فلأنها تحرم بنفس العقد لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجلٍ نكحَ امرأةً فدخلَ بها أو لم يَدخلْ فلا يحلُّ لهُ نِكاحُ أمِّهَا» (٢). رواه ابن ماجة.
وأما كون نكاحهما يفسد إذا كان دخل بالأم: أما الأم؛ فلما تقدم.
وأما البنت؛ فلأنها تحرم بالدخول؛ لما تقدم في موضعه، وقد وجد.
стр. 2222
فصل [إذا أسلم وتحته إماء]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أسلم وتحته إماء فأسلمن معه وكان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن يحل له نكاح الإماء فله الاختيار منهن، وإلا فسد نكاحهن).
أما كون من أسلم وتحته إماء فأسلمن معه له الاختيار منهن إذا كان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن يحل له الإماء. والمراد به: أن يكون خائف العنت عادماً لطَوْل الحرة وثمن الأمة؛ فلأنه يجوز (١) له أن يبتدئ نكاح الأمة. فلأن يجوز له الاستدامة بطريق الأولى.
فإن قيل: كم يختار منهن؟
قيل: واحدة. فإن لم تعفه فهل له أن يختار ولو إلى أربع؟ فيه روايتان مضى توجيههما في نكاح الأمة (٢).
وقوله: وكان في حال اجتماعهم: فيه تنبيه على أن شرطي الحل يشترط وجودهما حال الاجتماع على الإسلام؛ لأنه حال الاختيار.
ولا يشترط وجودهما حين إسلامه وحده؛ لأنه ليس وقت الاختيار. وسيتضح ذلك بما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون نكاح الإماء يفسد إذا كان من أسلم ممن لا يحل له نكاح الإماء وهو من لم يخف العنت أو كان واجداً للطَّول المتقدم ذكره؛ فلانتفاء شرط الصحة.
стр. 2223
قال: (وإن أسلم وهو موسر فلم يسلمن حتى أعسر: فله الاختيار منهن. وإن أسلمت إحداهن بعده ثم عتقت ثم أسلم البواقي فله الاختيار منهن. وإن عتقت ثم أسلمت ثم أسلمن لم يكن له الاختيار من البواقي. وإن أسلم وتحته حرة وإماء فأسلمت الحرة في عدتها قبلهن أو بعدهن انفسخ نكاحهن).
أما كون من أسلم وهو موسرٌ فلم تسلم زوجاته حتى أعسر: له الاختيار منهن؛ فلأن الشروط تعتبر في وقت الاختيار، وهو وقت اجتماعهم على الإسلام، وهو حينئذٍ عادم للطول خائف للعنت.
وأما كونه له الاختيار إذا أسلمت إحداهن بعده ثم عتقت ثم أسلم البواقي؛ فلأن الاعتبار بحالة الاختيار وحالة الاختيار حالة اجتماعهم على الإسلام وهن في تلك الحالة إماء.
وأما كونه ليس له الاختيار إذا عتقت ثم أسلمت ثم أسلمن؛ فلأن بعضهن حالة الاجتماع على الإسلام حرة، ومن تحته حرة لم يكن له أن يختار أحداً من البواقي؛ لأنه اختيار مع وجود حرة.
ولا بد أن يُلحظ فيمن عتقت ثم أسلمت حصول الإعفاف بها واحدة كانت أو أكثر. فإن لم يحصل جاز له أن يختار من البواقي ما يحصل به الإعفاف حتى يكمل أربعاً؛ لما تقدم في إحدى الروايتين.
وأما كون نكاح الإماء ينفسخ إذا أسلم وتحته حرة وإماء فأسلمت الحرة في عدتها قبلهن أو بعدهن؛ فلأنه قادرٌ على الحرة فلا يختار أمَة.
قال: (وإن أسلم عبدٌ وتحته إماء فأسلمن معه ثم أُعتق فله أن يختار منهن. وإن أسلم وأُعتق ثم أسلمن فحكمه حكم الحر لا يجوز أن يختار منهن إلا بوجود الشرطين فيه).
أما كون العبد إذا أسلم وتحته إماء فأسلمن معه ثم أُعتق له أن يختار منهن؛ فلأنه زوج له الاختيار كغيره. والمراد: اختيار اثنتين لا غير؛ لأنه ثبت له الاختيار وهو عبد؛ لأن إسلامهن قبل عتقه والاختيار في حالة الإسلام.
стр. 2224
وأما كون حكم من أسلم وأُعتق ثم أسلم زوجاته الإماء حكم الحر. والمراد به: أن له أن يختار أربعاً كالحر؛ فلأنه في وقت الاختيار ممن يحل له نكاح أربع، والاختيار أسهل من الابتداء فإذا جاز الابتداء فلأن يجوز الإمساك بطريق الأولى.
وأما كونه لا يجوز أن يختار منهن إلا بوجود الشرطين فيه؛ فلأن الأمة لا يجوز له نكاحها إلا بوجودهما؛ لما تقدم.
стр. 2225
كتاب الصداق
الصَّداق: هو العوض في النكاح. وله أسام: الصداق، والصدقة، والمهر، والنِّحلة، والفريضة، والأجر، والعلائق، والعقر، والحباء. وقد جاء ذلك مستعملاً: أما الصداق؛ ففيما روت عائشة: «أنها سُئلت عن صداق النبي ﷺ . فقالت: ثنتا عشرة أوقية ونش» (١) وفي حديث صفية: «جعل عتقها صداقها» (٢).
وأما الصدقة؛ ففي قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلة﴾ [النساء: ٤]؛ لأن الصَّدُقات جمع صدقة.
وأما المهر؛ ففي حديث ابن مسعود: «لها مهرُ نسائها» (٣).
وأما النِّحلة؛ ففيما تقدم. قال الجوهري: يقال أعطاها مهرها نِحْلة. بالكسر.
وأما الفريضة والأجر؛ ففي قوله تعالى: ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء: ٢٤].
وأما العلائق؛ ففي قوله ﵇: «أدوا العلائِق. قالوا يا رسول الله! وما العلائق؟ قال: ما تراضَى به الأهلون» (٤).
وأما العقر؛ ففي قول عمر ﵁: «لها عقر نِسائِها».
وأما الحباء؛ ففي قول الشاعر:
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم
يعني: وكان الصداق من أدم.
стр. 2226
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو مشروع في النكاحٍ. ويستحب تخفيفه، وأن لا يعرى النكاح عن تسميته، وأن لا يزيد على صداق أزواج رسول الله ﷺ وبناته. وهو: خمسمائة درهم).
أما كون الصداق مشروعاً في النكاح فالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأُحِلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم مُحْصِنِين غيرَ مسافحين﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ [النساء: ٢٥]، ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نِحْلة﴾ [النساء: ٤].
وأما السنة؛ فما روى أنس: «أن رسول الله ﷺ رأى على عبدالرحمن بن عوف درع زعفران. فقال النبي ﷺ : مَهْيَم؟ قال يا رسول الله! تزوجتُ امرأة. فقال: ما أصدقتها؟ فقال: وزن نواةٍ من ذهب» (١).
وعنه: «أن رسول الله ﷺ أعتقَ صفيةَ وجعلَ عتقَها صَدَاقَهَا» (٢) متفق عليهما.
وأما الإجماع فإجماع المسلمون في الجملة على مشروعية الصداق في النكاح.
وأما كون تخفيفه يستحب؛ فلما روي عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «أعظمُ النساء بركةً أيسرهن مؤونة» (٣) رواه أبو حفص بإسناده.
وعن عمر ﵁ قال: «لا تغالوا في صُدُقَ النساء. فإنه لو كان مكرمة أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ . وإن الرجل ليغالي بصدقة امرأته حتى يكونَ لها عداوةٌ في قلبه. وحتى يقول: كُلِّفْتُ لكمْ عِلْقَ (٤) القِرْبة» (٥) أخرجه النسائي وأبو داود مختصراً.
стр. 2227
وأما كون النكاح يستحب أن لا يعرى عن تسميته؛ فلأن النبي ﷺ كان يزوج بناته وغيرهن ويتزوج. فلم يكن يخلى ذلك من صداق.
و«قال للذي زوجه الموهوبة: هل من شيء تصدقها به؟ فالتمس. فلم يجد شيئًا. قال: التمس ولو خاتمًا من حديد» (١).
ولأنه أقطع للنزاع فيه.
وأما كون المتزوج يستحب له أن لا يزيد على صداق أزواج النبي ﷺ ؛ فلما فيه من التأسّي بهن، والاتباع لفعلهن.
وأما كون صداقهن خمسمائة درهم؛ فلما روي: «أن عائشة ﵂ سئلت عن صداق النبي ﷺ . فقالت: ثنتا عشرة أوقية ونش. فقال: أبو سلمة: ما نَش؟ فقالت: نصف أوقية» (٢) أخرجه النسائي وأبو داود.
والأوقية: أربعون درهماً.
قال: (ولا يتقدّر أقلّه ولا أكثره. بل كل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صداقاً من قليل وكثير، وعين ودين، ومعجل ومؤجل، ومنفعة معلومة؛ كرعاية غنمها مدة معلومة، وخياطة ثوب، ورد عبدها من موضعٍ معين. وإن كانت مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، وخدمتها فيما شاءت: لم يصح. وإن تزوجها على منافعه مدة معلومة فعلى روايتين. وكل موضعٍ لا تصح التسمية وجب مهر المثل).
أما كون الصداق لا يتقدر أقله؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لزوج الموهوبة: التمس ولو خاتمًا من حديد» (٣).
стр. 2228
وعن عامر بن ربيعة «أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين. فقال رسول الله ﷺ : أرضيتِ من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم. فأجازه» (١). رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقًا ملء يده طعامًا كانت حلالاً له» (٢). رواه الإمام أحمد.
ولأن قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]: يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنه بدل منفعتها. فجاز ما تراضيا عليه من المال؛ كالبيع والإجارة وغيرهما من عقود المعاوضة.
وأما كونه لا يتقدّر أكثره؛ فلأنه لا توقيف فيه بإجماع أهل العلم. قاله ابن عبدالبر. وقال الله : ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ [النساء: ٢٠].
وروي: «أن عمرُ أصدقَ أم كلثوم ابنة علي أربعينَ ألفاً» (٣) رواه أبو حفص بإسناده.
وعن أبي سعيد: «ملء مَسْكِ ثور ذهباً». وعن مجاهد: «سبعين ألف مثقال».
وأما كونه يجوز بكل ما يجوز أن يكون ثمناً من قليل ... إلى قوله: ومنفعة معلومة؛ فلأنه أحد العوضين. أشبه عوض المبيع، والمبيع يجوز بذلك كله.
وقد نبه الله تعالى على جواز كون الصداق منفعة معلومة بقوله: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حِجَج﴾ [القصص: ٢٧].
стр. 2229
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: "كرعاية غنمها ... إلى قوله: من موضع معين"؛ فبيان لصور (١) من صور المنفعة المعلومة وتعداد لها.
وأما كونه لا يصح إذا كانت المنفعة مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، أو خدمتها فيما شاءت؛ فلأنه مجهول في عقد معاوضة. فلم يصح؛ كالعوض المجهول في البيع.
وأما كونه إذا تزوجها على منافعه مدة معلومة يصح على روايةٍ؛ فلضبط منافعه بالمدة.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنها متبوعة فتفضي إلى الجهالة.
وأما كون المهر يجب في كل موضعٍ لا تصح التسمية؛ فلأن فساد العوض يقتضي رد المعوض. وقد تعذر رده لصحة النكاح. فوجب قيمته وهو مهر المثل؛ كمن اشترى شيئاً بثمنٍ فاسد فقبض المبيع وتلف في يده فإنه يجب عليه رد قيمته.
قال: (وإن أصدقها تعليم أبوابٍ من الفقه، أو الحديث، أو قصيدةٍ من الشعر المباح: صح. فإن كان لا يحفظها لم يصح. ويحتمل أن يصح، ويتَعلَّمُها ثم يُعلِّمُها. وإن تعلَّمتها من غيره لزمه أجرة تعليمها. وإن طلقها قبل الدخول وقبل تعليمها فعليه نصف الأجرة. ويحتمل أن يعلمها نصفها. وإن كان بعد تعليمها رجع عليها بنصف الأجرة).
أما كون تعليم ما ذُكر يصح أن يكون صداقاً؛ فلأنه يصح أخذ الأجرة على ذلك كله. فصح أن يكون صداقاً؛ كمنافع الدار.
وأما كونه لا يصح ذلك على المذهب إذا كان لا يحفظ ذلك؛ فلأنه أصدقها شيئاً لا يَقدر عليه. فلم يصح؛ كما لو استأجر من لا يحسن الخياطة لخياطة ثوبه.
وأما كونه يحتمل أن يصح ويتعلمها ثم يعلمها: أما الصحة؛ فلأنه متمكن من تعلمها. فلم يكن عاجزاً بالكلية.
وأما تعلمها وتعليمها؛ فليخرج عن عهدة ما وجب عليه.
стр. 2230
وأما كونه يلزمه أجرة تعليمها إذا تعلمتها من غيره؛ فلأنه لما تعذر الوفاء بالواجب وجب الرجوع إلى بدله؛ كما لو وجب لها عليه مثليٌّ فعدم. فإنها تنتقل إلى القيمة. والتعليم بعد التعليم متعذر وبدله أجرته. فوجب الرجوع إليه.
وأما كونه إذا طلقها قبل الدخول وقبل تعليمها عليه نصف الأجرة على المذهب؛ فلأنه لما طلقها بانت منه. فتعذر تعليمها؛ لكونها أجنبية لا يأمن الفتنة. وإذا تعذر تعليمها وهي تستحق نصف الصداق لطلاقها قبل الدخول وجب الرجوع إلى نصف أجرة التعليم لما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن يعلمها نصفها؛ فلأن ذلك موضع حاجة. أشبه سماع كلامها في المعاملات.
واشترط المصنف في المغني: أن يكون التعليم من وراء حجاب، ولا بد منه؛ لأن النظر إلى الأجنبية حرام.
وأما كونه يرجع عليها بنصف الأجرة إذا كان الطلاق بعد التعليم؛ فلأنه بالطلاق قبل الدخول يستحق الرجوع عليها بنصف ما أصدقها. لكن الرجوع بنصف التعليم متعذر. فوجب الرجوع في بدله وهو نصف الأجرة لما تقدم.
قال: (وإن أصدقها تعليم شيء من القرآن معين لم يصح. وعنه: يصح. ولا يحتاج إلى ذكر قراءة مَنْ. وقال أبو الخطاب: يحتاج إلى ذلك).
أما كون تعليم شيء من القرآن معين لا يصح أن يكون صداقاً على المذهب؛ فلأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]، وقال: ﴿ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. والطَّوْل: المال.
وأما كون ذلك يصح أن يكون صداقاً على روايةٍ؛ فلما روي «أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة. فقالت: إني وهبت نفسي لك. فقامت طويلاً. فقال له رجل: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال: هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري. فقال النبي ﷺ : إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك. فالتمس شيئًا. قال: لا أجد شيئاً. قال: التمس ولو
стр. 2231
خاتمًا من حديد. فالتمس. فلم يجد شيئًا. فقال النبي ﷺ : زوجتكها بما معك من القرآن» (١) متفق عليه.
ولأن تعليم القرآن منفعة معلومة مباحة. فجاز جعلها صداقًا؛ كتعليم قصيدة من الشعر المباح.
فعلى هذه الرواية لا بد من تعيين ما يعلمها. فيقول: آية كذا، أو سورة كذا؛ لأنه إذا لم يعين ذلك يكون مجهولاً مفضياً إلى المنازعة والمخاصمة. وهل يحتاج إلى قراءة مَنْ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج؛ لأن القراءات بعضها صعب كقراءة حمزة، ومنها سهل كقراءة غيره. فافتقر ذلك إلى التعيين؛ كتعيين الآيات.
والثاني: لا يحتاج إلى التعيين؛ لأن الاختلاف في ذلك يسير.
والصحيح في المذهب: أن تعليم القرآن لا يكون صداقاً؛ لما تقدم.
وأما حديث الموهوبة فقيل معناه: زوجتكها؛ لأنك من أهل القرآن؛ كما زوج أبا (٢) طلحة على إسلامه فروى ابن عبد البر بإسناده «أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يُسلم. فقالت: أتزوج بكَ وأنتَ تعبد خشبة؟ إن أسلمتَ تزوجتُ بك. فأسلم أبو طلحة. فتزوجها على إسلامه».
ثم ليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم. ويحتمل أنه كان خاصًا به، ويؤيده ما روي «أن رسول الله ﷺ زوّج رجلاً على سورة من القرآن. ثم قال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا» (٣). رواه النجاد.
ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله. فلم يجز أن يكون صداقًا؛ كالصلاة والصوم وتعليم الإيمان.
стр. 2232
قال: (وإن تزوج نساء بمهرٍ واحدٍ، أو خالعهن بعوضٍ واحدٍ: صح، ويقسم بينهن على قدر مهورهن في أحد الوجهين، وفي الآخر: يقسم بينهن بالسوية).
أما كون ما ذكر يصح؛ فلأن الغرض في الجملة معلوم. فلم يؤثر فيه جهالة ما لكل واحدةٍ؛ كما لو اشترى أربعة أعبد من رجل بثمن واحد.
وأما كون المهر والعوض يقسم بينهن على قدر مهورهن في وجهٍ. وهو للقاضي وابن حامد؛ فلأن الصفقة إذا وقعت على شيئين مختلفي القيمة وجب تقسيط العوض بينهما بالقيمة؛ كما لو باع شقصاً وسيفاً، أو كما لو باع عبدين فوجد أحدهما حراً أو مغصوباً. فكذلك هاهنا.
وأما كونه يقسم بينهن بالسوية في وجهٍ. وهو لأبي بكر؛ فلأنه أضافه إليهن إضافة واحدة. فكان بينهن بالسوية؛ كما لو وهبه لهن، أو أقر لهن، وكما لو اشترى جماعة ثوباً بأثمان مختلفة ثم باعوه مرابحة أو مساومة فإن الثمن بينهم بالسوية وإن اختلفت رؤوس الأموال.
ولأن القول بتقسيطه يفضي إلى جهالة العوض لكل واحدةٍ منهن وذلك يفسده.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى في المغني تصحيح الأول؛ لأنه أجاب عن مسألة (١) المتاجرة بالمنع. وبتقدير التسليم أن القيمة فيها واحدة. بخلاف ما ذكر. وعن الإقرار والهبة بأنه ليس فيهما قيمة. بدليل ما تقدم.
стр. 2233
فصل [في كون الصداق معلوماً]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويشترط أن يكون معلوماً؛ كالثمن. وإن أصدقها داراً غير معينة أو دابة: لم يصح. وإن أصدقها عبداً مطلقاً لم يصح. وقال القاضي: يصح، ولها الوسط. وهو: السندي).
أما كون الصداق يشترط أن يكون معلوماً كالثمن؛ فلأن الصداق عوض في عقد معاوضة. فاشترط كونه معلوماً؛ كالعوض في البيع والإجارة.
ولأن غير المعلوم مجهول لا يصح عوضاً في البيع. فلم يصح تسميته؛ كالمُحرّم.
وأما كون من أصدق داراً غير معينة أو دابة لا يصح؛ فلأن الصداق يشترط أن يكون معلوماً لما تقدم، وذلك مفقود فيما ذكر.
وأما كون من أصدق عبداً مطلقاً لا يصح على المذهب؛ فلأنه غير معلوم.
وأما كونه يصح على قول القاضي؛ فلأن النبي ﷺ قال: «العلائق: ما تراضى عليه الأهلون» (١).
ولأنه موضع ثبت فيه العوض في الذمة بدلاً عما ليس المقصود فيه المال. فثبت مطلقاً؛ كالدية.
ولأن جهالة التسمية هنا أقل جهالة [من مهر المثل، و] (٢) إن كانت مهر المثل صح. فكذلك هنا.
فإن قيل: تصحيح القاضي ذلك مطلقاً أو بقيد؟
قيل: بل بقيد.
стр. 2234
قال صاحب المغني فيه: أن القاضي يصحح المهر مجهولاً ما لم تزد جهالته على جهالة مهر المثل كعبدٍ وفرسٍ من جنس معلوم. فلو كان دابة أو حيواناً ونحو ذلك لم يصح؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة الوسط.
وأما كون الزوجة لها الوسط على قوله؛ فلأنه أقرب إلى العدل.
وأما كون الوسط السندي؛ فلأن الأعلى التركي، والأسفل الزنجي، والسندي بينهما. فيكون الوسط.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وأما الخبر فالمراد ما تراضوا عليه مما يصلح عوضاً. بدليل سائر ما لا يصلح.
وأما الدية فإنها تثبت بالشرع لا بالعقد. وهي خارجة عن القياس في تقديرها، ومن وجبت عليه. فلا ينبغي أن تجعل أصلاً. ثم الحيوان الثابت فيها موصوف بسنه مقدر بقيمته. فكيف يقاس عليه العبد المطلق؟ .
وأما كون جهالة المطلق أقل من جهالة مهر المثل فممنوع؛ لأن العادة في القبائل والقرى أن (١) يكون لنسائهم مهر لا يكاد يختلف إلا بالثيوبة والبكارة. فيكون إذاً معلوماً.
قال: (وإن أصدقها عبداً من عبيده لم يصح. ذكره أبو بكر. وروي عن أحمد: أنه يصح، ولها أحدهم بالقرعة. وكذلك يُخَرّج إذا أصدقها دابة من دوابه، أو قميصاً من قمصانه ونحوه).
أما كون الصداق لا يصح أن يكون عبداً من عبيده على ما ذكره أبو بكر؛ فلأنه مجهول. فلم يصح؛ كما لو باعه عبداً من عبيده.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن الجهالة يسيرة ويمكن التعيين بالقرعة.
وأما كون الزوجة لها أحدهم بالقرعة؛ فلأنه إذا صح أن يكون صداقاً استحقت واحداً غير معين. فشرعت له القرعة مميزة؛ كما لو أعتق أحد العبدين.
وأما كون بقية الصور يخرج فيها كذلك؛ فلأنها في معناه.
стр. 2235
قال: (وإن أصدقها عبداً موصوفاً صح. وإن جاءها بقيمته، أو أصدقها عبداً وسطاً وجاءها بقيمته، أو خالعته على ذلك فجاءته بقيمته: لم يلزمهما قبولها. وقال القاضي: يلزمهما ذلك).
أما كون الصداق يصح أن يكون عبداً موصوفاً؛ فلأنه يصح أن يكون عوضاً في البيع. فصح أن يكون عوضاً في النكاح.
ولأن الصفة تنزله منزلة المرئي. فجاز جعله صداقاً؛ كالمعين.
وأما كون الزوجين لا يلزمهما قبول القيمة على المذهب في ذلك، وفيما إذا أصدقها عبداً وسطاً وجاءها بقيمته، وفيما إذا خالعها على ذلك وجاءته بقيمته؛ فلأن المستحق عبد بعقد معاوضة. فلم يلزم قبول القيمة عوضاً عوضاً عنه؛ كالمسلم فيه.
ولأنه عبد وجب صداقاً أو عوض خلع. فلم يلزم قبول القيمة فيه؛ كما لو كان معيباً.
وأما كونهما يلزمهما ذلك على قول القاضي؛ فلأنه مستحق في الذمة. فلزم قبول القيمة فيه؛ كالإبل في الدية.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وأما الدية فلا يلزم فيها أحد قيمة الإبل وإنما الأثمان أصل في الذمة كالإبل فلزم فيه القبول؛ لأن ذلك أصل لا على طريق القيمة. بخلاف هذه المسألة. ثم الدية خارجة عن القياس فلا يقاس عليها. ثم القياس على عقود المعاوضات أولى من القياس على غير عقود المعاوضات.
قال: (وإن أصدقها طلاق امرأة له أخرى لم يصح. وعنه: يصح. فإن فات طلاقها بموتها فلها مهرها في قياس المذهب).
أما كون الصداق لا يصح أن يكون طلاق امرأة له أخرى على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «لا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتَكْتفِئَ ما في صَحْفتَها، ولْتنكِحْ فإنما لها ما قدِّرَ لها» (١) حديث صحيح.
стр. 2236
وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل لرجلٍ أن ينكحَ امرأةً بطلاقِ أخرى» (١).
ولأن ذلك ليس بمال، والمهر لا يكون إلا مالاً؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤].
ولأن هذا لا يصح ثمناً في بيع، ولا أجراً في إجارة. فلم يصح صداقاً؛ كالمنافع المحرمة.
فعلى هذا يكون لها مهر المثل؛ لما تقدم.
وأما كون ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأنه فعل لها فيه فائدة ونفع لما يحصل لها من الراحة بطلاقها من مقاسمتها وضررها والغيرة منها. فصح جعل ذلك صداقاً؛ كعتق أبيها وخياطة قميصها.
وأما كون الزوجة لها مهر ضرتها في قياس المذهب إذا بان طلاقها بموت؛ فلأنه سمى لها صداقاً لم يصل إليه فكان لها قيمته؛ كما لو أصدقها عبداً فخرج حراً.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: في قياس المذهب مشعر بالخلاف. وصرح به في المغني فقال: ويحتمل أن لها مهر مثلها؛ لأن الطلاق لا قيمة له.
قال: (وإن تزوجها على ألفٍ إن كان أبوها حياً، وألفين إن كان ميتاً لم يصح. نص عليه. وإن تزوجها على ألفٍ إن لم يكن له زوجة، وألفين إن كان له زوجة: لم يصح في قياس التي قبلها. والمنصوص أنه يصح).
أما كون من تزوج امرأة على ألفٍ إن كان أبوها حياً، وألفين إن كان ميتاً لا يصح؛ فلأن سبيل ذلك سبيل الشرطين. فلم يصح؛ كالبيع.
ولأنه في معنى بيعتين في بيعه. فلم يصح؛ كما لو قال (٢) بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسئاً.
стр. 2237
وأما كونه لا يصح إذا تزوجها على ألفٍ إن لم يكن له زوجة، وألفين إن كان له زوجة في قياس التي قبلها؛ فلأنها في معناها.
وأما كونه يصح على المنصوص؛ فلأنها قد يكون لها غرض صحيح.
فإن قيل: الإمام أحمد ﵁ نص على الصحة في هذه المسألة، وقد تقدم أنه نص على عدم الصحة في التي قبلها فهلا اتحدا؟
قيل: من الأصحاب من قال: يُخَرّج فيهما روايتان:
أحدهما: الصحة فيهما؛ لأن أحد الألفين معلوم، والثاني: معلق على شرط. فإن وجد الشرط كان زيادة في الصداق، والزيادة فيه جائزة.
والثانية: الفساد فيهما؛ لما تقدم.
ومن الأصحاب من قال: بعدم الصحة في الأول، وبالصحة في الثاني لما يأتي من الفرق بينهما.
قال المصنف في المغني: والأول أولى، يعني القول بالفساد- فيهما. وأجاب عن القول بأن هذا تعليق على شرط: فإن هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن الزيادة لا يصح تعليقها على شرط. فلو قال: إن مات أبوك فقد زدتك في صداقك ألفاً لم يصح ولم تلزم الزيادة عند موت الأب.
والثاني: أن الشرط هاهنا لم يتجدد في قوله: إن كان لي زوجة، أو كان أبوك ميتاً. ثم قال: ويمكن الفرق بين المسألة التي نص على إبطال التسمية فيها وبين التي نص على الصحة فيها: بأن التي نص على الصحة فيها جعل الزيادة فيها ليس للمرأة فيه غرض يصح بذل العوض فيه وهو كون أبيها ميتاً. بخلاف التي صحت التسمية فيها فإن خلو المرأة من ضرة تضرّ بها وتقاسمها وتضيّق عليها من أكبر أغراضها. ثم قال: فعلى هذا يمنع قياس إحدى الصورتين على الأخرى، ولا يكون في كل مسألة إلا رواية واحدة.
قال: (وإذا قال العبد لسيدته: أعتقيني على أن أتزوجك فأعتقته على ذلك: عتق ولم يلزمه شيء).
أما كون العبد يعتق؛ فلأن سيدته أعتقته.
стр. 2238
وأما كونه لا يلزمه شيء؛ فلأن النكاح يحصل به الملك للزوج. فلم يلزمه ذلك؛ كما لو اشترطت عليه أن تملكه داراً.
قال: (وإذا فرض الصداق مؤجلاً ولم يذكر مَحِل الأجل: صح في ظاهر كلامه. ومَحِله الفرقة عند أصحابنا، وعند أبي الخطاب: لا يصح).
أما كون فرض الصداق مؤجلاً من غير ذكر محل الأجل يصح في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن لذلك عرفاً. فوجب أن يصح ويحمل عليه.
وأما كون محله الفرقة عند الأصحاب؛ فلأن المطلق يحمل على العرف. والعُرف تركُ المطالبة بالصداق إلى حين الفرقة. فحمل عليه فيصير حينئذٍ معلوماً.
وأما كون ذلك لا يصح عند أبي الخطاب والمراد به الفرض؛ فلأنه عوضٌ مجهولُ المحِل. فلم يصح الفرض معه؛ كالثمن في البيع.
فعلى هذا يجب مهر المثل لعدم صحة التسمية.
стр. 2239
فصل [في الصداق الفاسد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أصدقها خمراً، أو خنزيراً، أو مالاً مغصوباً: صح النكاح، ووجب مهر المثل. وعنه: أنه يعجبه استقبال النكاح. اختاره أبو بكر. والمذهب صحته).
أما كون النكاح يصح فيما ذكر كله على المذهب؛ فلأنه نكاح لو كان عوضه صحيحاً لكان صحيحاً. فوجب أن يكون صحيحاً وإن كان عوضه فاسداً؛ كالخلع.
ولأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض. فلم يفسد بتحريمه؛ كالخلع.
وأما كون مهر المثل يجب؛ فلفساد التسمية.
وأما كون استقبال النكاح يعجب الإمام أحمد ويختاره أبو بكر؛ فلأنه معوضٌ جعل عوضه محرماً. أشبه نكاح الشغار.
وأما كون المذهب الصحة؛ فلما تقدم.
ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه، ولو عدم لكان صحيحاً. فكذا إذا فسد.
وقول الإمام أحمد ﵁: يعجبني استقبال النكاح محمول على الاستحباب.
قال: (وإن تزوجها على عبدٍ فخرج حراً، أو مغصوباً، أو عصيراً فبان خمراً: فلها قيمته. وإن وجدت به عيباً فلها الخيار بين أخذ أرشه أو ردّه، وأخذ قيمته).
أما كون الزوجة لها قيمة ما ذُكر فيما إذا تزوجها على عبدٍ فخرج حراً أو مغصوباً، أو عصيراً فبان خمراً؛ فلأنها رضيت بما سمى لها، وتسليمه ممتنع لكونه غير قابل لجعله صداقاً. فوجب الانتقال إلى القيمة؛ لأنها بدله.
стр. 2240
وفي كون الزوجة لها القيمة: إشعارٌ بأنها لا تستحق مهر المثل. وصرح به في المغني؛ لأنها لما رضيت بما سمي لها لم يكن لها الانتقال إلا إلى بدل ما رضيت به.
ولا بد أن يلحظ أن المغصوب لو كان مثلياً كان لها مثله لا قيمته؛ كما لو استحق عليه مثلٌ بغير الصداق.
فإن قيل: ما يصنع بالعصير وهو مثلي. بدليل ضمانه بمثله في غصبه؟
قيل: يجب حمله على عصير عدم مثله، أو يعبّر هنا؛ كما عبر في باب الغصب: في أصله.
وأما كونها لها الخيار بين ما ذكر فيما إذا وجدت بذلك عيباً؛ فلأنه عوض في عقد معاوضة. فثبت الخيرة فيه بين أخذ الأرش والبدل؛ كالمبيع المعيب.
стр. 2241
فصل [إذا شرط الأب له شيئا]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها: صح، وكانا جميعاً مهرها. فإن طلقها قبل الدخول بعد قبضهما رجع عليها بألف، ولم يكن على الأب شيء مما أخذ. وإن فعل ذلك غير الأب فالكل لها دونه).
أما كون الأب يصح أن يشرط له شيئاً من مهر ابنته؛ فلأنه لو شرط الكل لنفسه صح. فلأن يصح أن يشرط البعض بطريق الأولى.
بيان صحة اشتراط الكل لنفسه: أن شعيباً زوّج موسى ابنته على رعاية غنمه. وذلك اشتراط لنفسه.
ولأن للوالد الأخذ من مال ولده. بدليل قوله ﵊: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» (١)، وقوله ﷺ : «إن أولادكم من أطيب كسبكم. فكلوا من أموالهم» (٢). أخرجه أبو داود، ونحوه للترمذي. وقال: حديث حسن.
فإذا اشترط لنفسه شيئاً من مهر ابنته يكون ذلك أخذًا من مال ابنته.
وأما كون الزوج يرجع عليها بألف إذا طلقها قبل الدخول بعد قبضهما؛ فلأن صداقها ألفان. فوجب الرجوع عليها بألف؛ لأنه نصف الصداق.
وأما كون الأب لا شيء عليه مما أخذ؛ فلأنه أخذ من مال ابنته ألفاً. فلا يجوز للزوج الرجوع عليه بشيء.
стр. 2242
وفي قول المصنف: بعد قبضهما إشعار بأن الطلاق لو كان قبل القبض لم يكن الحكم كذلك. وهو صحيح؛ لأنه إذا لم يقبض الصداق لم يرجع بل يسقط عنه نصف المسمى، وبقي عليه ألف للزوجة يأخذ الأب منه ما شاء. قاله المصنف في المغني.
وقال القاضي: يكون بينهما نصفين. وقال: نقله مهنا عن أحمد لأنه شرط لنفسه النصف ولم يحصل من الصداق إلا ما قال المصنف في المغني. وليس هذا القول على سبيل الإيجاب؛ فلأن للأب أن يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء.
وأما كون الكل لها إذا فعل ذلك غير الأب دون ذلك الغير؛ فلأن جميع ما اشترطه عوض في تزويجها. فيكون صداقاً لها؛ كما لو جعله لها. وليس للغير أن يشترط من مال الغير شيئاً إذا لم يكن أباً فحينئذٍ يقع الاشتراط لغواً ويكون الكل لها. ولا فرق بين كون الغير جَداًّ أو غيره؛ لاستوائهما في كونهما ليس لهما الأخذ من مال الزوجة.
قال: (وللأب تزويج ابنته البكر والثيب بدون صداق مثلها وإن كرهت. وإن فعل ذلك غيره بإذنها صح، ولم يكن لغيره الاعتراض. وإن فعله بغير إذنها وجب مهر المثل. ويحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى، والباقي على الولي؛ كالوكيل في البيع).
أما كون الأب له تزويج ابنته بدون صداق مثلها؛ فلما روي: «أن عمر ﵁ خطبَ الناس. فقال: ألا! لا تُغالُوا في صُدُق النساء. فما أصدقَ رسول الله ﷺ أحداً من نسائه ولا أحداً من بناته أكثر من ثنتي عشرةَ أوقية» (١). وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك اتفاقاً منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان ذلك دون مهر المثل.
وعن سعيد بن المسيب: «أنه زوجَ بنته بدرهمين». وهو من سادات قريش شرفاً وديناً وعلماً. ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها.
стр. 2243
ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض، وإنما المقصود السكن، والازدواج، ووضع المرأة في منصب عند من يكفلها ويصونها. والظاهر من حال الأب مع تمام شفقته وتمام نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا بتحصيل المعاني المقصودة من النكاح. فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره.
وأما كونه له ذلك بكراً كانت أو ثيباً طائعة كانت أو مكرهة؛ فلأن المصحح تحصيل المعاني المذكورة. وهو مشترك بين البكر والثيب والمطاوعة والمكرهة.
فإن قيل: الأب لا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة قولاً واحداً. فكيف يملك تزويجها بدون مهر مثلها وهي كارهة؟
قيل: يتصور ذلك بأن تأذن له في أصل النكاح دون قدر المهر.
وظاهر كلام ابن عقيل في الفصول: أن الأب إنما يملك التزويج بدون مهر المثل لمن يملك إجبارها. لأنه قال فيه: وإذا زوج الأب ابنته التي يملك إجبارها وهي الصغيرة رواية واحدة، والبكر البالغ في إحدى الروايتين بدون مهر مثلها: يثبت المسمى ولم يبلغ تسميته، ولا يثبت مهر المثل.
ولو لم يختص الحكم بالمجبرة لم يكن حاجة إلى ما ذكره. وهذا أرجح من جهة النظر؛ لأن من لا يملك إجبارها على النكاح كيف يملك نقصها من مهر مثلها؟ .
ولأن الأب إذا لم يملك الإجبار ساوى بقية الأولياء. فيجب أن يساويهم في عدم التنقيص من مهر المثل.
وأما كون ذلك يصح إذا فعله غير الأب بإذنها؛ فلأن الحق لها. فإذا رضيت بإسقاطه سقط.
ولأنه إذا صح في بعض الصور بغير إذنها تحصيلاً للمصلحة. فلأن يصح بإذنها بطريق الأولى.
وأما كون غير من ذكر لا يكون له الاعتراض؛ فلأن الحق في ذلك متمحض لها دون غيرها. بخلاف تزويجها من غير كفء.
وأما كون مهر المثل يجب على المذهب إذا فعله غير الأب بغير إذنها؛ فلأنه ليس له ذلك؛ لأن مقتضى الدليل أنه ليس لأحدٍ تنقيصها من مهر المثل لما عليها في
стр. 2244
ذلك من الضرر. تُرك العمل به في الأب لما تقدم. فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. وإذا لم يكن له ذلك لغت تسميته ووجب مهر المثل؛ كالخالي عن التسمية.
وأما كونه يحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى؛ فلأنه ما التزم غيره.
فعلى هذا تكون الزيادة على الولي؛ لأنه مفرط. أشبه الوكيل في البيع.
وقال المصنف في المغني: قال أحمد: أخاف أن يكون ضامناً.
فعلى هذا يكون الاحتمال منقولاً عن الإمام أحمد ﵁، وتجعل رواية له؛ لأنه كثيراً ما يقول: أخاف، وتجعل مذهباً له.
قال: (وإن زوّج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل صح ولزم ذمة الابن. فإن كان معسراً فهل يضمنه الأب؟ يحتمل وجهين).
أما كون الأب إذا زوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل يصح؛ فلأن تصرف الأب ملحوظ فيه المصلحة لولده. فكما صح أن يزوج ابنته بدون مهر المثل للمصلحة فكذا يصح أن يزوج ابنه بأكثر من مهر المثل تحصيلاً للمصلحة.
وأما كون الصداق يلزم ذمة الابن؛ فلأن العقد له. فكان بذله عليه؛ كثمن المبيع.
وأما كون الأب يضمن ذلك إذا كان الابن معسراً على وجهٍ؛ فلأنه مباشر له غارّ للزوجة بابنه. أشبه الغارّ في النكاح.
وأما كونه لا يضمنه على وجهٍ؛ فلأنه ناب فيه عن غيره. فلم يضمنه؛ كثمن مبيعه أو كالوكيل.
قال القاضي: هذا أصح. وذكر المصنف رحمه الله تعالى هذين الاحتمالين في المغني روايتين.
قال: (وللأب قبض صداق ابنته الصغيرة بغير إذنها. ولا يقبض صداق الثيب الكبيرة إلا بإذنها. وفي البكر البالغ روايتان).
أما كون الأب له قبض صداق ابنته الصغيرة بغير إذنها؛ فلأنه وليها ويملك إجبارها على النكاح وقبض سائر أموالها بغير إذنها. فكذلك قبض صداقها.
стр. 2245
وأما كونه لا يقبض صداق الثيب الكبيرة إلا بإذنها؛ فلأنه لا يلي مالها ولا يملك إجبارها على النكاح. فافتقر ذلك إلى إذنها؛ كسائر حقوقها.
وأما كون البكر البالغ فيها روايتان؛ فلأنه هل يملك إجبارها على النكاح؟ فيه روايتان. فإن قيل: يملكه: ملك قبض مهرها؛ كالبكر الصغيرة، وإن قيل: لا يملكه: لا يملك؛ كالبنت الكبيرة.