← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف ﵀: (الثالث: أن يكون المقتول معصوماً. فلا يجب القصاص بقتل حربي ولا مرتد ولا زان محصن وإن كان القاتل ذمياً). أما كون الثالث (١) من شروط القصاص أن يكون المقتول معصوم الدم؛ فلأن القصاص إنما شرع حفظاً للدماء المعصومة وزجراً عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، وذلك كله مفقود في غير المعصوم. وأما كون القصاص لا يجب بقتل حربي ولا مرتد ولا زان محصن؛ فلأن من شروطه عصمة الدم، وذلك منتف في كل واحد منهم: أما في الحربي فظاهر. وأما في المرتد؛ فلأن قتله واجب إلا أن يرجع. وأما في الزاني المحصن؛ فلأنه استحق الرجم بزناه. وأما قول المصنف ﵀: وإن كان القاتل ذمياً؛ فتنبيه على مساواة الذمي المسلم في ذلك؛ لأن القتل منهما صادف محلاً غير معصوم. قال: (ولو قطع مسلم أو ذمي يد مرتد أو حربي فأسلم ثم مات أو رمى حربياً فأسلم قبل أن يقع به السهم: فلا شيء عليه). أما كون من ذكر لا شيء عليه؛ فلأن الاعتبار في التضمين بحال ابتداء الجناية؛ لأنها الموجبة. وحالها لم يكن كل واحد من الحربي والمرتد المجني عليهما أهلاً لأن يُضمن. فلم يكن على الجاني شيء؛ لفوات الأهلية المشروطة لوجوب الضمان. وظاهر كلام المصنف ﵀ أنه لا قصاص على الجاني ولا دية. وهو صحيح؛ لأن المحل ليس أهلاً لواحد منهما لما تقدم.

стр. 2382

وأما قول المصنف ﵀: مسلم أو ذمي؛ فبيان لمساواة الذمي المسلم فيما ذكر. وقد تقدم دليله. قال: (وإن رمى مرتداً فأسلم قبل وقوع السهم به فلا قصاص، وفي الدية وجهان). أما كون ما ذكر لا قصاص أي فيه؛ فلما ذكر من أن الاعتبار بحال الجناية. وأما كونه (١) لا دية فيه في وجهٍ؛ فلما ذكر في القصاص. وأما كونه فيه الدية في وجهٍ؛ فلأن الرامي (٢) مفرط حيث رمى المرتد وليس له رميه. بخلاف الحربي. قال: (وإن قطع يد مسلم فارتد ومات فلا شيء على القاطع في أحد الوجهين، وفي الآخر يجب القصاص في الطرف أو نصف الدية. وإن عاد إلى الإسلام ثم مات وجب القصاص في النفس في ظاهر كلامه. وقال القاضي: إن كان زمن الردة مما تسري فيه الجناية فلا قصاص فيه). أما كون القاطع المذكور لا قصاص عليه في النفس إذا ارتد المقطوع ومات مرتداً؛ فلأن الارتداد قطع (٣) حكمَ السراية. وأما كونه لا قصاص عليه في الطرف في وجهٍ إن كان القطع عمداً؛ فلأن قطع اليد تبين أنه موجب للقصاص. فلم يكن موجباً للقطع، والقتل قد (٤) سقط بالارتداد. وأما كونه يجب عليه القصاص في الطرف في وجهٍ؛ فلأن المجني عليه حال القطع كان مكافئاً والقتل بسبب القطع غير موجب للقصاص هنا. فوجب القطع؛ لانتفاء إفضائه إلى القصاص في النفس. وأما كونه لا دية عليه في وجهٍ إن كان القطع خطأ، وكونه يجب عليه نصف الدية في وجهٍ؛ فلما ذُكر في القصاص.

стр. 2383

وأما كون القصاص في النفس يجب على القاطع إذا عاد المرتد المقطوع إلى الإسلام ثم مات في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن الجاني والمجني عليه متكافئان في حال الجناية (١) والموت. فوجب القصاص؛ كما لو لم يرتد. وأما كونه لا قصاص فيه في قول القاضي إذا كان زمن الردة مما تسري فيه الجناية؛ فلأن القصاص يجب بالجناية من كل السراية. فإذا لم يوجد جميعها في حال الإسلام امتنع وجوبها في حال القصاص؛ كما لو عفى بعض المستحقين. ولهذا لو وجدت الردة في أحد الطرفين لم يجب القصاص.

стр. 2384

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف ﵀: (الرابع: أن لا يكون أباً للمقتول. فلا يقتل الوالد بولده وإن سفل. والأب والأم في ذلك سواء. ويقتل الولد بكل واحد منهما في أظهر الروايتين). أما كون الرابع من شروط القصاص أن لا يكون أباً للمقتول فإنه لو لم يكن من شروطه لقتل به لما تقدم ذكره، واللازم منتف لما يأتي. وأما كون الوالد لا يقتل بولده؛ فلما روى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُقتلُ والدٌ بولدِه» (١). رواه ابن ماجة. ولأن النبي ﷺ قال: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» (٢). فحقيقته كونه ملكاً له فإذا لم تثبت حقيقة الملكية بقيت الإضافة شبهة في درء القصاص؛ لأنه يُدرأ بالشبهات. ولأن الوالد سبب إيجاده فلا ينبغي أن يتسلط الولد على إعدام من تسبب في إيجاده. وأما قول المصنف ﵀: وإن سفل؛ فمعناه وإن نزل. أي لا يقتل الوالد بولده وإن نزل لأن الجد وإن علا والد. فيدخل في الحديث. ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة. فاستوى فيه القريب والبعيد؛ كالمحرمية والعتق عليه إذا ملكه. ولأن المعنى الذي امتنع قتل الوالد القريب بولده موجود بعينه في البعيد. فوجب تساويهما في الحكم.

стр. 2385

وأما كون الأب والأم في ذلك سواء؛ فلأن الأم أحد الوالدين. فتدخل في عموم قوله ﵇: «لا يُقتلُ والدٌ بولده» (١). ولأنها أولى بالبر. فتكون أولى بنفي القتل عنها. وعن الإمام أحمد: لا يسقط القتل عن الأم لأن الأب يختص بأشياء. فليكن نفي القتل منها قياساً له عليها. والمذهب الأول؛ لما تقدم. فعلى هذا الجدة وإن علت من قبل الأم أو الأب كالأم؛ لما ذكر في الجد. وأما كون الولد يقتل بكل واحد من أبيه وأمه في أظهر الروايتين فلظواهر الآي والأخبار وموافقة القياس. وأما كونه لا يقتل بواحد منهما في روايةٍ؛ فلأنه ممن لا تقبل شهادته لهما لحق النسب. فلم يقتل بمن لا تقبل شهادته له؛ كالوالد مع ولده. وأما كون الأول أظهر الروايتين؛ فلما تقدم. ولأن كل واحدٍ من الأب والأم أعظم حرمة من الأجنبي وأوجب حظاً. فإذا قتل الشخص بالأجنبي. فلأن يقتل بأبيه وأمه بطريق الأولى. فإن قيل: فقد روي عن سراقة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يُقادُ الأبُ من ابنه، ولا الابنُ من أبيه» (٢). وروي عنه «أنه كان يقيدُ الابنَ من أبيه» (٣). قيل: هما حديثان لا يعرفان ولا يوجدان في الكتب المشهورة وإن كان لهما أصل فهما متعارضان فيجب تساقطهما والعمل بالنصوص الواضحة غيرهما.

стр. 2386

قال: (ومتى ورث ولده القصاص أو شيئاً منه أو ورث القاتل شيئاً من دمه: سقط القصاص. فلو قتل امرأته وله منها ولد أو قتل أخاها فورثته ثم ماتت فورثها أو ولده: سقط عنه القصاص). أما كون من ورث ولده القصاص أو شيئاً منه يسقط القصاص؛ فلأنه لو لم يسقط لوجب للولد على الوالد، والولد لا يجب له قصاص على الوالد لأنه إذا لم يجب له بالجناية عليه. فلأن لا يجب له بالجناية على غيره بطريق الأولى. وأما كون القاتل إذا ورث شيئاً من دمه يسقط القصاص؛ فلأنه لو لم يسقط لوجب القصاص له على نفسه، والقصاص لا يجب على من يجب له. وأما كون من قتل امرأته وله منها ولد يسقط عنه القصاص؛ فلأن ولده ورثه لأنه وارثها ولا حق فيه للزوج لأنه قاتل والقاتل لا يرث. وأما كون من قتل أخا امرأته (١) فورثته ثم ماتت فورثها أو ولده يسقط عنه القصاص؛ فلأن امرأته ترث النصف إن كان الأخ لأبيها أو لأبويها والسدس إن كان لأمها إذا كان معها من يرث بقية المال والجميع إذا لم يكن معها أحد وهو ظاهر كلام المصنف ﵀ هنا؛ لأنه قال: فورثته، وذلك يقتضي استغراقها الإرث فلما ماتت ورث هو شيئاً من الدم أو ورث ولده ذلك أو جميع إرثها وكل ذلك يسقط القصاص. وفي قول المصنف ﵀: فلو قتل امرأته بالفاء عقيب ما تقدم ذكره؛ تنبيه على أن الصور المذكورة من صور إرث الولد القصاص أو شيئاً منه، وقد تقدم تعليله. فإن قيل: ورثته مشعر بأن امرأته ورثت جميع القصاص. وقوله بعد: فورثها ولده مشعر بأن الولد ورث الجميع فيكون كما تقدم في الصورة الأولى ولم يبق لإرث الولد شيئاً منه صورة. قيل: إن حمل ذلك على ظاهره كان الأمر كذلك. وتصور إرث الولد شيئاً من القصاص بأن يكون لامرأته ولدان أحدهما منه والآخر من غيره، وإن حمل

стр. 2387

على أن الأخت في الأغلب إنما ترث النصف كان ذلك من صور إرث الولد شيئاً من القصاص. قال: (ولو قتل أباه أو أخاه فورثه أخواه ثم قتل أحدهما صاحبه سقط: القصاص عن الأول؛ لأنه ورث بعض دم نفسه). أما كون القصاص سقط عن القاتل الأول؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من التعليل. وأما كونه ورث بعض دم نفسه؛ فلأن أخويه يستحقان دم أبيهما فإذا قتل أحدهما صاحبه ورث القاتل الأول ما كان يستحقه المقتول؛ لأنه أخوه. فعلى هذا يستحق نصف دمه لأن دم الأب كان بين الأخوين نصفين. ضرورة أن القاتل لا يرث فإذا قتل أحد الأخوين أخاه انتقل إلى القاتل الأول جميع حقه. ضرورة أن أخاه القاتل لا يرث شيئاً، وذلك نصف دم الأب. قال: (ولو قتل أحد الابنين أباه والآخر أمه وهي زوجة الأب: سقط القصاص عن الأول لذلك، وله أن يقتص من أخيه ويرثه). أما كون القصاص يسقط عن الأول وهو قاتل الأب؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من التعليل المتقدم ذكره. وذلك أنه لما قتل أباه ورثه أخوه لأنه ابنه وأمه؛ لأنها زوجته فلما قتل الأخ أمه ورثهاأخوه قاتل الأب. فيجب أن يسقط عنه القصاص؛ لأنه ورث بعض دم نفسه وذلك ثمن دم الأب. وأما كون قاتل الأب له أن يقتص من أخيه قاتل الأم؛ فلأن دم أمه لقاتل الأب خاصة. ضرورة أن قاتلها لا يرث منها شيئاً. وأما كونه يرثه؛ فلأن القتل قصاص (١) لا يمنع الإرث وقد تقدم في باب ميراث القاتل. قال: (وإن قتل من لا يُعرف وادعى كفره أو رقه، أو ضرب ملفوفاً فقدَّه وادعى أنه كان ميتاً وأنكر وليه، أو قتل رجلاً في داره وادعى أنه دخل يكابره

стр. 2388

على أهله أو ماله فقتله دفعاً عن نفسه وأنكر وليه، أو تجارح اثنان وادعى كل واحد أنه جرحه دفعاً عن نفسه: وجب القصاص، والقول قول المنكر). أما كون من قتل من لا يُعرف وادعى كفره يجب القصاص عليه؛ فلأن الأصل عصمة الدماء فادعاؤه الكفر ادعاء مخالف للأصل. فلم يقبل قوله فيه وإذا كان كذلك كان قوله ذلك كعدمه. فوجب عليه القصاص؛ كما لو لم يدع كفره. وأما كون من قتل من ذكر وادعى رقه يجب القصاص عليه؛ فلأن الأصل الحرية كما أن الأصل العصمة ودعوى الكفر لما لم تقبل لمخالفتها الأصل فكذا دعوى الرق. وأما كون من ضرب ملفوفاً فقدَّه وادعى أنه كان ميتاً وأنكر وليه يجب القصاص عليه؛ فلأن الأصل الحياة. أشبه ما تقدم. وأما كون من قتل رجلاً في داره وادعى أنه دخل يكابره على أهله أو ماله فقتله دفعاً عن نفسه وأنكر وليه ذلك يجب القصاص عليه؛ فلأن الأصل عدم ما يدعيه. وقد روي عن علي ﵁: «فيمن (١) وجد مع امرأته رجلاً فقتله: إن لم يأتِ بأربعةِ شهداءَ فليعطَ بِرُمَّتِه» (٢). وأما كون الاثنين إذا تجارحا وادعى كل واحد أنه جرح صاحبه دفعاً عن نفسه يجب القصاص عليهما؛ فلأن كل واحد منهما قاتل لصاحبه مدع عليه دعوى الأصل عدمها. فوجب أن يجب عليهما القصاص. عملاً بالأدلة المقتضية له السالمة عن معارضة الأصل.

стр. 2389

باب استيفاء القصاص قال المصنف ﵀: (ويشترط له ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون من يستحقه (١) مكلفاً. فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يجز استيفاؤه، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون؛ إلا أن يكون لهما أب فهل له استيفاؤه لهما؟ على روايتين. فإن كانا محتاجين إلى النفقة فهل لوليهما العفو على الدية؟ يحتمل وجهين). أما كون استيفاء القصاص يشترط له ثلاثة شروط؛ فلما يأتي ذكره فيها (٢). وأما كون أحدها أن يكون من يستحقه (٣) مكلفاً؛ فلأن غير المكلف ليس أهلاً للاستيفاء لعدم تكليفه، ولذلك لم يصح إقراره ولا تصرفه. ولأن غير المكلف إما صبي أو مجنون، وكلاهما لا يؤمن منه الحيف على الجاني. لا يقال وليه يقوم مقامه لأن القصاص شرع للتشفي فلا يقوم وليه مقامه. وأما كون الصبي والمجنون لا يجوز لهما استيفاء القصاص؛ فلأن شرط استيفائه أن يكون من يستحقه مكلفاً، وذلك مفقود فيهما. وأما كون القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون؛ فلأن مستحق القصاص يستحق إتلاف نفسه ومنفعته. فإذا تعذر إتلاف النفس لمعارض بقي إتلاف المنفعة سالماً عن المعارض. فإن قيل: يجب أن يخلى سبيله كالمعسر.

стр. 2390

قيل: الفرق بينهما أن الحبس هنا وسيلة إلى استيفاء الحق لأنه إذا بقي في الحبس حتى زال المانع من المستحق تمكن من استيفاء حقه. بخلاف المعسر فإن حبسه سبب لتعذر الاستيفاء لأنه يتعذر الكسب مع الحبس. وأما كون أبي (١) الصبي والمجنون له استيفاؤه لهما على روايةٍ؛ فلأن له ولاية كاملة (٢) ولذلك ملك أن يبيع مال ابن نفسه لنفسه. بخلاف غيره. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن مقصود مشروعية القصاص مفقود في الأب كغيره. وهذه أصح؛ لما ذكر. وأما كون وليهما له العفو على الدية إذا كانا محتاجين إلى النفقة يحتمل وجهين؛ فلأن النظر إلى (٣) دفع حاجتهما مطلوبة وذلك طريق إليه يقتضي الجواز، والنظر إلى أن الدية أحد بدلي النفس. فلم يكن للولي استيفاؤه؛ كالقصاص يقتضي عدمه. قال: (وإن قتلا قاتل أبيهما أو قطعا قاطعهما قهراً: احتمل أن يسقط حقهما، واحتمل أن تجب لهما دية أبيهما في مال الجاني وتجب دية الجاني على عاقلتهما. وإن اقتصا ممن لا تحمل ديته العاقلة سقط حقهما وجهاً واحداً). أما كون من ذكرا يحتمل أن يسقط حقهما؛ فلأن القتل والقطع مستحق لهما فإذا فعلاهما قهراً وجب أن يسقط حقهما. ضرورة استيفاء المستحق لحقه. ولأن الصبي والمجنون لو كان لهما وديعة عند شخص فأخذاها منه قهراً سقط حقهما. فكذلك هاهنا. وأما كونه يحتمل أن تجب دية أبيهما لهما في مال الجاني، ودية الجاني على عاقلتهما: أما الأول؛ فلأن فعلهما لم يصادف محلاً فإذا تعذر القصاص وجب الدية المستحقة؛ لأنها بدله.

стр. 2391

وأما الثاني؛ فلأن فعل الصبي والمجنون (١) خطأ والخطأ تحمله العاقلة؛ لما يأتي بعد إن شاء الله تعالى. وأما كونهما يسقط حقهما وجهاً واحداً إذا اقتصا ممن لا تحمل ديته العاقلة؛ فلأن عدم السقوط قبلُ كان لأن دية فعلهما تحمله العاقلة فمحِل الدية مختلف. بخلاف ما لا تحمله العاقلة.

стр. 2392

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف ﵀: (الثاني: اتفاق جميع الأولياء على استيفائه. وليس لبعضهم استيفاؤه دون بعض. فإن فعل فلا قصاص عليه وعليه لشركائه حقهم من الدية. ويسقط عن الجاني في أحد الوجهين وفي الآخر لهم ذلك في تركة الجاني ويرجع ورثة الجاني على قاتله). أما كون الثاني من شروط استيفاء القصاص اتفاق جميع مستحقي الدم على استيفائه؛ فلأن الاستيفاء حق مشترك لا يمكن تبعيضه. فلم يجز لأحد التصرف فيه بغير إذن شريكه؛ لأن في تصرفه إبطالاً لحق غيره، وذلك لا (١) يجوز. وأما كون بعضهم ليس له استيفاؤه دون بعض؛ فلأن اتفاق الكل شرط في جواز الاستيفاء ولم يوجد. وأما كون من اقتص منهم لا قصاص عليه؛ فلأنه قتل نفساً يستحق بعضها. فلم يجز قتله به؛ لأن النفس لا تؤخذ ببعض نفس. وأما كونه [عليه لشركائه حقهم من الدية في وجهٍ؛ فلأنه فوت عليهم حقهم من القتل. فكان بدله عليه] (٢). فعلى هذا يسقط ذلك عن الجاني؛ لأن (٣) المقتص قد وجب عليه فلا تجب على الجاني. وأما كونهم (٤) لهم ذلك في تركة الجاني في وجهٍ؛ فلأن الواجب على الجاني إما القتل وإما الدية. فلما تعذر القتل تعينت الدية.

стр. 2393

ولأنه فعل يتعذر معه القصاص. فوجبت الدية في تركته؛ كما لو مات حتف أنفه. فعلى هذا يرجع ورثة الجاني بذلك على القاتل لأنه أتلف بدل ذلك بغير حق. قال: (وإن عفى بعضهم سقط القصاص. وإن كان العافي زوجاً أو زوجة فللباقين حقهم من الدية على الجاني. فإن قتله الباقون عالمين بالعفو وسقوط القصاص به: فعليهم القود، وإلا فلا قود وعليهم ديته. وسواء كان الجميع حاضرين أو بعضهم غائباً). أما كون القصاص يسقط إذا عفى بعض مستحقي الدم؛ فلأن القتل عبارة عن زهوق الروح بآلة صالحة له، وذلك لا يتبعض فإذا أسقط بعض مستحقيه حقه منه تعذر استيفاؤه. وأما قول المصنف ﵀: وإن كان العافي زوجاً أو زوجة؛ ففيه تنبيه على أنهما يرثان من الدم. وسيأتي ذلك مصرحاً به إن شاء الله تعالى (١). فعلى هذا يسقط القصاص بعفوهما؛ لأنهما بعض مستحقي الدم. أشبها (٢) بقية ذوي الفروض، وفي الحديث عن عمر ﵁ «أن رجلاً قتلَ رجلاً. فقالت أختُ المقتول وهي زوجة القاتل: عفوتُ عن حقّي من القصاص. فقال عمر: اللهُ أكبر! عَتَقَ الرجُل» (٣). وأما كون الباقين لهم حقهم من الدية على الجاني؛ فلأن تعذر القصاص يوجب الدية؛ لأنها تتعين عنده. وأما كونهم عليهم القود إذا قتلوه وكانوا عالمين بالعفو وسقوط القصاص؛ فلأنه قتل عمد عدوان. أشبه ما لو قتلوه ابتداء. وأما كونهم لا قود عليهم إذا لم يكونوا عالمين بالعفو؛ فلأن القاتل مع عدم علمه بالعفو كالقاتل مع عدم العفو، والقاتل مع عدم العفو لا قود عليه. فليكن هذا مثله.

стр. 2394

وأما كونهم لا قود عليهم إذا لم يكونوا عالمين بسقوط القصاص بالعفو؛ فلأن مثل ذلك يخفى على كثير من الناس. فهو بمنزلة من لم يعلم العفو. وأما كونهم لا قود عليهم إذا لم يكونوا عالمين بهما فبطريق الأولى لأنه إذا كان انتفاء أحد الشيئين مؤثراً في عدم القود؛ فلأن يؤثر مجموعهما أولى. وأما كونهم عليهم ديته في كل موضع لا قود فيه؛ فلأن القتل قد (١) تعذر والدية بدله. فتتعين (٢) عند تعذره. وأما كون ما ذكر كما ذكر سواء كان جميع مستحقي الدم حاضرين أو كان بعضهم غائباً؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. قال: (وإن كان بعضهم صغيراً أو مجنوناً فليس للبالغ العاقل الاستيفاء حتى يصيرا مكلفيْن في المشهور. وعنه: له ذلك). أما كون البالغ العاقل من مستحقي الدم ليس له الاستيفاء إذا كان بعض الورثة صغيراً أو مجنوناً حتى يصيرا مكلفيْن في المشهور -أي عن الإمام أحمد-؛ فلأن استيفاءه يفضي إلى إسقاط حق شريكه من التشفي. وأما كونه له ذلك في روايةٍ عنه؛ فلأن الحسن بن علي ﵄ قتل ابن ملجم وكان لعلي ورثة صغار (٣). والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم. ولأنه قتل غير متحتمثبت لجماعة معينين. فلم يكن لبعضهم استيفاؤه؛ كما لو كان بعضهم غائباً. وقَتْل الحسن لقاتل علي محمولٌ على أنه كان الإمام فقتله؛ لأنه شهر السلاحَ، وسعى في الأرض بالفساد.

стр. 2395

قال: (وكل من ورث المال وَرِث القصاص على قدر ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام. ومن لا وارث له وليه الإمام إن شاء اقتص وإن شاء عفى). أما كون كل من ورث المال ورث القصاص حتى الزوجين وذوي الأرحام؛ فلأن القصاص أحدُ بَدَلي النفس. فكان موروثاً لمن يرث المال؛ كالدية. وفي الحديث: «أن رسول الله ﷺ ورّث زوجة أُشَيْم من دية زوجها» (١). وأما كون من لا وارث له وليه الإمام؛ فلأن الإمام ولي من لا ولي له. وأما كون الإمام له الخيرة في القصاص والعفو؛ فلأن ذلك شأن الولي. إذا ثبت ما ذُكر فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أن للإمام العفو على غير مال؛ لأنه أطلق العفو. وقال في المغني: وإن أحب العفو إلى غير مال لم يملكه؛ لأن ذلك للمسلمين ولا حظ لهم في هذا. ولم يحك فيه خلافاً. فعلى هذا يجب حمل كلامه هنا على العفو على مال حملاً لمطلق كلامه هنا على مقيده في المغني مع موافقة الدليل. وذلك أن خيرة الإمام هنا خيرة مصلحة لأنه نائب المسلمين. بخلاف خيرة الولي من الورثة فإنها لا تعتمد ذلك. وقد تقدم في غير موضع أن خيرة الإمام خيرة مصلحة فليكن هاهنا كذلك. وإذا كانت خيرة مصلحة لم يصح العفو على غير مال لعدم المصلحة فيه. فإن قيل: لو رأى الإمام المصلحة في ترك خراج إنسان جاز. فما الفرق؟ قيل: العدول عن القصاص إنما جاز لكون المصلحة للمسلمين في الدية، وعند تحقق المصلحة في الدية يمتنع أن تكون المصلحة في تركها. وعلى تقدير تصور المصلحة في ذلك الفرق بينهما أن الدية بدل متلف فلو جاز تركها لأدى إلى هدر كون التلف موجباً وذلك منتف.

стр. 2396

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف ﵀: (الثالث: أن يُؤْمن في الاستيفاء التعدي إلى غير القاتل. فلو وجب القصاص على حامل أو حملت بعد وجوبه: لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ. ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه). أما كون الثالث من شروط استيفاء (١) القصاص أن يُؤْمن فيه التعدي إلى غير القاتل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ [الإسراء: ٣٣] والقتل المفضي إلى التعدي [إلى غير القاتل] (٢) قتل فيه إسراف. وأما كون الحامل لا تقتل حتى تضع الولد؛ فلأن في قتلها قبل ذلك تعدياً إلى غير القاتل، وانتفاؤه شرط في جواز الاستيفاء. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قَتلتِ المرأةُ عمدًا لم تُقتلْ حتى تَضعَ ما في بطنِها إن كانتْ حاملاً ... مختصر» (٣). رواه ابن ماجة. ولأن في ذلك قتل غير القاتل. فوجب أن يمنع منه. وأما كون من حملت بعد وجوب القصاص [لا تقتل حتى تضع الولد] (٤)؛ كمن وجب (٥) عليها القصاص وهي حامل؛ فلأنهما سواء في إفضاء قتلها إلى التعدي وقتل من ليس بقاتل. وأما كونها لا تقتل حتى تسقي الولد اللبأ؛ فلأنه لا يعيش غالباً إلا بذلك. وأما كونها تقتل حينئذ إذا وجد من يرضعه؛ فلأن تأخير قتلها إنما كان للخوف على ولدها وقد زال ذلك.

стр. 2397

وأما كونها تترك حتى تفطمه إذا لم يوجد من يرضعه؛ فلأن في حديث ابن ماجة: «لم تُقتلْ حتى تَضعَ وحتى تُكَفِّلَ ولدَها» (١). ولأن القتل إذا أُخر من أجل حفظ الحمل. فلأن يؤخر من أجل حفظ الولد بطريق الأولى. فإن قيل: الحديثان مطلقان وكلام المصنف ﵀ مقيد بأن لا يوجد من يرضعه. قيل: يجب حملهما على ذلك؛ لأن العلة في كونها لا تقتل لأجل (٢) الإفضاء إلى قتل الولد، وفيما إذا وجد من يرضعه لا يوجد ذلك. بخلاف ما إذا لم يوجد. قال: (ولا يقتص منها في الطرف حال حملها. وحكم الحد في ذلك حكم القصاص). أما كون الحامل لا يقتص منها في الطرف حال حملها؛ فلأن القصاص في الطرف لا يؤمن معه التعدي إلى تلف الولد. أشبه الاقتصاص في النفس. وأما كون حكم الحد في ذلك حكم القصاص؛ فلأنه يساويه معنى. فوجب أن يساويه حكماً. وفي حديث ابن ماجة المتقدم: «وإنْ زَنتْ لم تُرجمْ حتى تضعَ ما في بطنِها وحتى تُكَفِّلَ ولدَها» (٣)، وفي حديث الغامدية أن النبي ﷺ قال لها: «اذهَبي حتى تُرضِعيه» (٤).

стр. 2398

قال: (فإن ادعت الحمل احتمل أن يقبل منها فتحبس حتى يتبين أمرها، واحتمل أن لا يقبل إلا ببينة). أما كون من ذكرت يحتمل (١) أن يقبل قولها؛ فلأنه يحتمل، وللحمل أمارات خفية لا تعلمها إلا هي. فوجب قبول قولها فيه؛ كالحيض. فلهذا تحبس حتى يتبين أمرها لأن ذلك طريق إلى تبيّنه وهو مطلوب شرعاً. وأما كونها يحتمل أن لا يقبل قولها إلا ببينة؛ فلأن الحق حالٌّ عليها. فلم يجز تأخيره بدعواها؛ كسائر الحقوق. قال: (وإن اقتص من حامل وجب ضمان جنينها على قاتلها. وقال أبو الخطاب: يجب على السلطان الذي مكّنه من ذلك). أما كون من اقتص من حامل يجب ضمان جنينها على قاتلها على قول غير أبي الخطاب؛ فلأنه هو المباشر. وأما كونه يجب على السلطان على قول أبي الخطاب؛ فلأنه مكنه من الإتلاف. فاختص به الضمان؛ كما لو أمر عبده الجاهل بتحريم القتل: به. إذا تقرر مأخذ الوجهين فلجريان الخلاف المذكور شرط وهو جهل الولي والسلطان بالحمل. فلو علمه السلطان وحده فالضمان عليه دون القاتل؛ لأن السلطان غير معذور. بخلاف القاتل فلو علمه القاتل وحده فالضمان عليه دون السلطان؛ لأنه هو المتلف ولم يسلطه السلطان على إتلاف الحمل؛ لأنه غير عالم به. [ولو علم كل واحد منهما به فالضمان على السلطان؛ لأنه هو الممكّن والذي يعرف الأحكام والقاتل] (٢) يرجع إلى حكمه واجتهاده. هكذا ذكره المصنف في المغني إلا أنه ذكر بدل لفظة: السلطان: الحاكم.

стр. 2399

فصل [في استيفاء القصاص] قال المصنف ﵀: (ولا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان. وعليه تفقد الآلة التي يستوفى بها القصاص فإن كانت كالّة منعه الاستيفاء بها. ويَنظر في الولي فإن كان يحسن الاستيفاء ويقدر عليه أمكنه منه، وإلا أمره بالتوكيل. وإن احتاج إلى أجرة فمن مال الجاني). أما كون القصاص لا يستوفى إلا بحضرة السلطان؛ فلأنه أمر يفتقر إلى الاجتهاد، ويحرم الحيف فيه، ولا يؤمن مع قصد التشفي. فافتقر إلى حضور السلطان؛ ليؤمن ذلك. وأما كون السلطان عليه تفقد الآلة التي يستوفى بها القصاص؛ فلأن منها ما لا يجوز الاستيفاء به. وأما كونه يمنع الولي الاستيفاء بآلةٍ كالّةٍ؛ فلئلا يعذب المقتول، وقد روى شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيء فإذا قَتلتُم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذَبحتُم فأحسِنُوا الذِّبحة، وليحِدَّ أحدكُم شفرته وليرِحْ ذبيحَتَه» (١). وأما كونه يَنظر فيه؛ فلأنه قد لا يحسن الاستيفاء، وتمكينه حينئذ لا يجوز لما فيه من الضرر اللاحق بالقاتل.

стр. 2400

وأما كونه يمكنه من الاستيفاء إذا كان يحسنه ويقدر عليه؛ فلأن القتل حق له. فكان له تمكينه من استيفائه بنفسه؛ كسائر الحقوق. وأما كونه يأمره (١) بالتوكيل إذا لم يحسن ذلك؛ فلأنه عاجز عن استيفاء حقه بنفسه، والوكيل أحد طريقي الاستيفاء، وقد تعذر غيره فتعين عليه (٢) فعله. وأما كون أجرة الوكيل من مال الجاني إذا احتيج إليها؛ فلأنها أجرة لإيفاء ما عليه من الحق. فكانت لازمة له؛ كأجرة الكيال في الطعام المبيع. قال: (والولي مخير بين الاستيفاء بنفسه إن كان يحسن وبين التوكيل. وقيل ليس له أن يستوفي في (٣) الطرف بنفسه بحال. وإن تشاحّ أولياء المقتول في الاستيفاء قدم أحدهم بالقرعة). أما كون الولي مخير إذا كان يحسن الاستيفاء في النفس بنفسه وبين التوكيل؛ فلأن التوكيل حق له. فكان له الخيرة فيه لما ذكر؛ كسائر الحقوق. وأما كونه مخيرا في الطرف وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن استيفاء الطرف أحد نوعي القصاص. أشبه النفس. وأما كونه ليس له أن يستوفي في الطرف بنفسه بحال على وجه؛ فلأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يجني عليه بما لا يمكن تلافيه. وأما كون أحد الأولياء يقدم في القرعة إذا تشاحوا في الاستيفاء؛ فلأن الحقوق إذا تساوت وعُدم الترجيح شُرعت القرعة؛ كما لو تشاحّوا في تزويج موليتهم. ولا بد أن يُلحظ في ذلك أنه إذا قدم أحدهم بالقرعة فقرع بينهم فوقعت عليه لا يجوز له أن يستوفي إلا بإذن بقية الأولياء؛ لأن الحق لهم فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم.

стр. 2401

فصل [في استيفاء القصاص في النفس] قال المصنف ﵀: (ولا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يفعل به كما فعل. فلو قطع يده ثم قتله فعل به ذلك، وإن قتله بحجر أو غرّقه أو غير ذلك فُعل به مثل فعلِهِ (١». أما كون القصاص في النفس لا يستوفى إلا بالسيف في إحدى الروايتين؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا قَوَدَ إلا بالسَّيف» (٢). رواه ابن ماجة. وأما كونه يُفعل به كما فَعل في الأخرى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. و«لأن النبي ﷺ رَضَخَ رأسَ اليهودي لرضْخِه رأسَ الجارية» (٣). ولأن النبي ﷺ قال: «منْ حَرَّقَ حرَّقنَاهُ، ومنْ غَرَّقَ غرَّقنَاه» (٤). ولأن القصاص موضوع على المماثلة، ولفظه مشعر بها. فيجب أن يستوفى منه ما فعل؛ كما لو ضرب العنق آخر غيره. فعلى هذه الرواية لو قطع يده ثم قتله قطعت يده ثم قتل وإن قتله بحجر قتل بحجر، وإن غرقه غرق، وإن فعل به غير ذلك من أنواع القتل فُعل به ذلك.

стр. 2402

قال: (وإن قطع يده من مفصل أو غيره أو أوضحه فمات فُعل به كفعله فإن مات وإلا ضربت عنقه. وقال القاضي: يقتل ولا يزاد على ذلك رواية واحدة). أما كون من ذكر يُفعل به كما فَعل على غير قول القاضي؛ فلما تقدم من الكتاب والسنة واعتبار المماثلة. وأما كونه يضرب عنقه إذا لم يمت بمثل فعله؛ فلأن قتله مستحق لكونه ترتب على فعله القتل. فإذا لم يحصل بمثل ما فعل تعين ضرب العنق؛ لكونه وسيلة إلى استيفاء القتل المستحق عليه. وأما كونه يقتل ولا يزاد على ذلك على قول القاضي؛ فلأن القصاص أحد بدلي النفس. فدخل القطع وغيره في القتل (١)؛ كالدية. ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل البنية وإتلاف الجملة وقد أمكن هذا بالقتل. فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه؛ كما لو قتل بسيف كالٍّ فإنه لا يقتل بمثله. قال: (وإن قتله بمحرم في نفسه كتجريع الخمر واللواط ونحوه قتل بالسيف رواية واحدة. ولا تجوز الزيادة على ما أتى به رواية واحدة، ولا قطع شيء من أطرافه فإن فعل فلا قصاص فيه وتجب فيه ديته سواء عفى عنه أو قتله). أما كون من ذكر يقتل بالسيف رواية واحدة؛ فلأن قتله بمثل فعله لا يجوز لكونه محرماً في نفسه، وإذا لم يجز مثل فعله تعين القتل بالسيف لأن قتله بمثل فعله غير ممكن لأنه محرم لعينه. فوجب العدول عنه. وأما كون الزيادة على ما أتى به القاتل لا تجوز رواية واحدة؛ فلأن الزيادة على فعله تعد عليه. فلم يجز؛ كما لو لم يكن قاتلاً. وأما كون قطع شيء من أطرافه لا يجوز؛ فلأن ذلك زيادة على ما أتى به.

стр. 2403

وأما كون فعل ذلك لا قصاص فيه؛ فلأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهات والشبهة هاهنا متحققة لأنه مستحق لإتلاف الطرف ضمناً لاستحقاقه إتلاف الجملة. وأما كونه تجب فيه ديته؛ فلأن قطع الطرف حصل بفعل تعد. فإذا تعذر القصاص وجبت الدية؛ كما لو لم يكن المقطوع مكافئاً. وأما كون ما ذكر كذلك سواء عفى عنه أو قتله؛ فلأن استحقاق إتلاف الطرف موجود في جانبي العفو والقتل.

стр. 2404

فصل [إذا قتل واحد جماعة] قال المصنف ﵀: (وإن قتل واحد جماعة فرضوا بقتله قُتل لهم ولا شيء لهم سواه، وإن تشاحّوا فيمن يقتله منهم على الكمال أقيد للأول وللباقين دية قتيلهم، وإن رضي الأول بالدية أعطيها وقتل للثاني). أما كون الواحد إذا قتل جماعة فرضي أولياؤهم بقتله يقتل لهم؛ فلأن الحق لهم وقد اتفقوا على استيفائه. ولأن المحل تعلق به حقوق لا يتسع لها. فإذا رضي أصحابها بالقتل جاز؛ كما لو قتل عبد عبدين فرضي صاحبهما بأخذه بدلاً عنهما. ولأن أصحاب الحقوق إذا رضوا بقتله فقد رضوا ببعض حقهم. فجاز؛ كما لو رضي صاحب اليد الصحيحة بالشلاء. وأما كونهم لا شيء لهم غير القتل؛ فلأنهم قد رضوا بالقتل. فلم يكن لهم سواه. وأما كونه يقاد منه للأول إذا تشاحّ أولياء المقتولين فيمن يقتله على الكمال؛ فلأن المحل لا يتسع للكل، وحق الأول سابق. فقُدّم لسبقه. وأما كون الباقين لهم دية قتيلهم؛ فلأن القتل إذا فات بَقِيت الدية. وأما كون الأول يعطى الدية إذا رضي بها؛ فلأنه راضٍ بدون حقه. وأما كون القاتل يقتل للثاني؛ فلأن الأول إنما قدم عليه لسبقه وقد سقط حقه لرضاه بالدية. فوجب أن يقتل للثاني. عملاً بالمقتضي السالم عن معارضة السبق.

стр. 2405

قال: (وإن قتل وقطع طرفاً قطعَ طرفه أولاً (١) ثم قتل لولي المقتول. وإن قطع أيدي جماعة فحكمه حكم القتل). أما كون من قتل وقطع طرفاً من آخر يقطع قبل أن يقتل؛ فلأنه لو بُدئ بالقتل لفات القطع، وفيه تفويت لحق المقطوع، وذلك يوجب تقديم القطع لما فيه من الجمع بين حقي القطع والقتل. وأما كونه يقتل بعد ذلك لولي المقتول؛ فلأنه لا معارض له. وأما كون حكم قطع أيدي الجماعة كحكم قتل الجماعة؛ فلأن القطع كالقتل؛ لأنه في معناه. فعلى هذا إن رضي الجماعة بقطع يده لهم قطعت ولا شيء لهم، وإن تشاحّوا قدم الأول لسبقه، وإن رضي الأول بالدية قطع للثاني.

стр. 2406

باب العفو عن القصاص العفو عن القصاص جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيءٌ فاتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله تعالى بعد قوله: ﴿-وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين- فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥]. وأما السنة؛ فقال أنس بن مالك ﵁: «ما رأيتُ رسول الله ﷺ رُفعَ إليه شيءٌ فيه قصاصٌ إلا أمرَ فيه بالعفو» (١). رواه أبو داود. وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جوازه. وأما القياس؛ فلأن القصاص حق له. فجاز له تركه؛ كسائر الحقوق. قال: (والواجب بقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية في ظاهر المذهب. والخيرة فيه إلى الولي فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفى إلى غير شيء. والعفو أفضل. فإن اختار القصاص فله العفو على الدية، وإن اختار الدية سقط القصاص ولم يملك طلبه. وعنه: أن الواجب القصاص عيناً وله العفو إلى الدية وإن سخط الجاني). أما كون الواجب بقتل العمد أحد شيئين القصاص، أو الدية في ظاهر المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]. أوجب الاتباع بمجرد العفو، ولو وجب بالعمد القصاص عيناً لم تجب الدية عند العفو المطلق.

стр. 2407

وأما كون الواجب القصاص عيناً في روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «منْ قُتِلَ عمداً فهوَ قَوَد» (١). ولأنه بدل متلف. فكان معيناً؛ كسائر المتلفات. وأما كون الأول في ظاهر المذهب؛ فلما تقدم. وعن ابن عباس ﵄ قال: «كانَ في بني إسرائيلَ القصاصُ ولم تكنْ فيهمُ الديّةُ فأنزل اللهُ هذه الآية: ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى ... الآية﴾ [البقرة: ١٧٨]» (٢). ولأن النبي ﷺ قال: «منْ قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يُودَى، وإما يقاد» (٣) متفق عليه. وروي عنه أنه قال: «ثم أنتمْ يا خُزاعةَ قد قَتلتُمْ هذا القتيلَ وإنا واللهِ عاقلتُه. فمن قَتَلَ بعدَهُ قَتيلاً فأهلُه بين خِيَرَتيْنِ: إن أحبُّوا قَتَلُوا وإن أحبُّوا أخذوا الديّة» (٤). رواه أبو داود. ولأن الدية أحد بدلي النفس. فإذا وجبت كانت بدلاً عنها لا عن بدلها؛ كالقصاص. وأما قوله ﷺ : «فهوَ قَوَد» (٥) فالمراد به وجوب القود، وذلك مما لا نزاع فيه. وأما قياس القتل على سائر المتلفات فلا يصح لأن الفرق بينه وبينها ظاهر، وذلك [أن القتل يخالف سائر المتلفات] (٦) لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه، والقتل بخلافه.

стр. 2408

وأما كون الخيرة في الواجب بقتل العمد إلى الولي إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية على الرواية الأولى (١)؛ فلما تقدم من قول النبي ﷺ : «من قُتلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما يُودَى، أو يقاد» (٢)، وقوله: «فمنْ قَتَل بعدهُ قَتيلاً فأهله بين خِيَرَتَيْنِ: إن أحبوا قَتلُوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» (٣). وأما كونه إن شاء عفى إلى غير شيء؛ فلما تقدم أول الباب. وأما كون العفو أفضل؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارةٌ له﴾ [المائدة: ٤٥]. ولأن الله تعالى قال: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]. ولأن النبي ﷺ كان يأمر به (٤). وأما كون من اختار القصاص له العفو إلى الدية؛ فلأن فيه مصلحة له وللجاني: أما له فلما في العفو عن القصاص من الفضيلة. وأما للجاني فلما فيه من سقوط القصاص عنه. وأما كون من اختار الدية سقط القصاص؛ فلأن من وجب له أحد شيئين يتعين حقه باختيار أحدهما، ويلزم من تعيينه سقوط الآخر. وأما كونه لا يملك طلب القصاص بعد ذلك؛ فلأن القصاص إذا سقط لا يعود. وأما كون المجني عليه ووليه (٥) له العفو إلى الدية وإن سخط الجاني على الرواية الثانية وهي أن الواجب القصاص عيناً؛ فلأن الدية أقل منه. فكان له أن ينتقل إليها؛ لأنها أقل من حقه.

стр. 2409

قال: (وإن عفى مطلقاً وقلنا الواجب أحد شيئين فله الدية، وإن قلنا الواجب القصاص عيناً فلا شيء له. وإن مات القاتل وجبت الدية في تركته). أما كون من عفى مطلقاً وقيل الواجب أحد شيئين: له الدية؛ فلأن العفو المطلق يحمل على العفو عن القصاص لأن ذلك المتبادر والغالب، وإذا كان كذلك بقيت الدية غير معفو عنها. فتتعين. ضرورة أن سقوط أحد الواجبين يعين الآخر. وأما كونه لا شيء له إذا قيل الواجب القصاص عيناً؛ فلأن الدية غير واجبة. فإذا سقط الدم لم يبق له شيء. وأما كون القاتل إذا مات تجب الدية في تركته؛ فلأن القصاص تعذر من غير جهة ولي الجناية. فبقيت الدية؛ لأنها بدل القتل. قال: (وإذا قطع أصبعاً عمداً فعفى عنه ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على مال فله تمام الدية، وإن عفى إلى غير شيء فلا شيء له على ظاهر كلامه. ويحتمل أن له تمام الدية، وإن عفى مطلقاً انبنى على الروايتين في موجب العمد. وإن قال الجاني: عفوت مطلقاً أو عفوت عنها وعن سرايتها قال: بل عفوت إلى مال أو عفوت عنها دون سرايتها فالقول قوله مع يمينه). أما كون من قطع أصبعاً عمداً فعفى عنه ثم سرت جنايته إلى الكف أو النفس وكان العفو على مال للعافي تمام الدية؛ فلأن قصاص الذي تلف بالسراية ممتنع. ضرورة أنه لا يمكن استيفاؤه دون ما عفي عنه. وإذا كان كذلك تعين تمام الدية لأن كل موضع تعذر القصاص تعينت الدية، وقد أخذ بعضها فتعين له تمامها. وأما كونه إذا عفى إلى غير مال لا شيء له على ظاهر كلام أحمد؛ فلأن العفو عن الجناية عفو عن سرايتها وقد حصل العفو عن الإصبع. فوجب أن يحصل عن الذي سرى إليه. وأما كونه يحتمل أن له تمام الدية؛ فلأن المجني عليه إنما عفى عن دية الإصبع. فوجب أن يثبت له تمام الدية. ضرورة كونه غير معفو عنه.

стр. 2410

وأما كون من عفى مطلقاً ينبني عفوه على الروايتين في موجب العمد (١)؛ فلأن الحكم يختلف باختلاف ذلك. فعلى هذا إذا قيل الواجب أحد الأمرين فهو كما لو عفى على مال، وإذا قيل الواجب القصاص عيناً فهو كما لو عفى إلى غير مال. وأما كون القول قول المجني عليه إذا قال له الجاني: عفوت مطلقاً، وقال: بل عفوت إلى مال؛ فلأنه منكر للعفو المطلق والقول قول المنكر. ولأن الجاني ادّعى وقوع العفو مطلقاً، والأصل عدمه. فالقول قول مدعي الأصل. وأما كون القول قوله إذا قال الجاني: عفوت عن الجناية وعن سرايتها، وقال: بل (٢) عفوت عنها دون سرايتها؛ فلما ذكر من الوجهين قبل. وأما كون ذلك مع يمينه في المسألتين جميعاً؛ فلأن صدق الجاني محتمل. فوجب اليمين؛ ليكون النكول طريقاً إلى ثبوت دعواه. قال: (وإن قتل الجاني العافي فلوليه القصاص أو الدية كاملة. وقال القاضي: له القصاص أو تمام الدية). أما كون ولي العافي له القصاص فيما ذكر؛ فلأن قتله انفرد عن قطعه. أشبه ما لو كان القاطع غيره. وأما كونه له الدية كاملة وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن القتل منفرد عن القطع. فلم يدخل حكم أحدهما في الآخر. ولأن القتل الصادر هنا موجب للقتل. فأوجب الدية كاملة؛ كما لو لم يتقدمه عفو. وأما كونه له تمام الدية على قول القاضي؛ فلأن القتل إذا تعقب الجناية قبل الاندمال صار بمنزلة سرايته ولو سرى لم يجب إلا تمام الدية. فكذلك فيما هو بمنزلته.

стр. 2411

قال: (وإذا وكل رجلاً في القصاص ثم عفى ولم يعلم الوكيل حتى اقتص فلا شيء عليه. وهل يضمن العافي؟ يحتمل وجهين. ويتخرج أن يضمن الوكيل ويرجع به على الموكِّل في أحد الوجهين؛ لأنه غرّه، والآخر: لا يرجع به ويكون الواجب حالاّ في ماله. وقال أبو الخطاب: يكون على عاقلته). أما كون الوكيل لا شيء عليه إذا لم يعلم بالعفو حتى اقتص؛ فلأنه لا تفريط منه؛ لأن عفو الموكِّل حصل على وجه لا يمكن للوكيل استدراكه. فلم يلزمه ضمانه؛ كما لو عفى بعد ما رماه. وأما كون العافي هل يضمن؟ يحتمل وجهين؛ فلأن النظر إلى أن عفوه غير صحيح لحصوله في حال لا يمكن استدراك الفعل، وأن العفو منه إحسان يقتضي أن لا ضمان عليه، والنظر إلى أن قتل المعفو عنه حصل بأمره وتسليطه على وجه لا ذنب للمباشر فيه يقتضي أن الضمان عليه لأنه أمره به. أشبه ما لو أمر عبده الأعجمي بقتل معصوم فقتله. وأما كون الوكيل يتخرج أن يضمن؛ فلأنه لو علم بالعفو لوجب عليه القصاص. فإذا لم يعلم تعلق به الضمان؛ كما لو قتل مرتداً رجع إلى الإسلام ولم يعلم رجوعه. وأما كونه يرجع على العافي في وجهٍ؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من أنه غره لأنه سلطه على القتل وأمره به وعفى من غير إعلامه فَنُزِّل منزلة الغارّ في النكاح بحرية أمة وتزويج معيبة، ومنزلة من غصب طعاماً وقدمه إلى غيره وأمره بأكله فأكله. وأما كونه لا يرجع في وجهٍ؛ فلأن العفو إحسان فلا يقتضي الرجوع عليه. وأما كون الواجب على الوكيل حالاًّ في ماله وهو قول القاضي؛ فلأن قتله عمد محض أو عمد الخطأ، وذلك لا تحمله العاقلة لأنه قصد قتله وإن سقط القصاص لمعنى آخر (١) كقتل الأب. وأما كونه على عاقلته على قول أبي الخطاب؛ فلأنه جارٍ مجرى الخطأ لأنه معذور في قتله. أشبه من رمى صيداً فبان آدمياً.

стр. 2412

قال: (وإن عفى عن قاتله بعد الجرح صح. وإن أبرأه من الدية أو وصى له بها فهي وصية لقاتل هل تصح؟ على روايتين: إحداهما: تصح ويعتبر من الثلث. ويحتمل أن لا يصح عفوه عن المال ولا وصيته به لقاتل ولا غيره إذا قلنا أنه يحدث على ملك الورثة). أما كون من عفى عن قاتله بعد الجرح يصح؛ فلأنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه. فسقط؛ كما لو أسقط الشفعة بعد البيع. وأما كون من أبرأه من الدية يكون إبراؤه وصية لقاتل؛ فلأن معناها إن متُّ فأنتَ في حلٍ، وذلك وصيةٌ لقاتل. وأما كون من وصى له بها تكون وصيته وصية لقاتل؛ فلأنها وصية بمال. أشبه ما لو وصى له بعبده. وأما كون الوصية لقاتل هل تصح؟ على روايتين فقد تقدم ذكرهما ودليلهما في باب الموصى له (١). فعلى القول بعدم الصحة لا تفريع وعلى القول بالصحة يعتبر ذلك من الثلث لأن هذا شأن الوصية. ولأنها وصية بمال. أشبهت غيرها من الوصايا. وأما كونه يحتمل أن لا يصح عفوه عن المال ولا وصيته به لقاتلٍ ولا غيره إذا قيل أنه يحدث على ملك الورثة؛ فلأن العفو عن ذلك والوصية به على القول المذكور عفو عن غير حقه ووصية به. قال: (وإن أبرأ القاتل من الدية الواجبة على عاقلته أو العبد من جنايته التي يتعلق أرشها برقبته لم يصح، وإن أبرأ العاقلة والسيد صح). أما كون من أبرأ القاتل أو العبد مما ذكر لا يصح؛ فلأن البراءة من ذلك براءة لغير من عليه الحق؛ لأن الدية الواجبة على العاقلة غير واجبة على القاتل والجناية المتعلق أرشها برقبة العبد غير واجبة عليه بل متعلقة بملك سيده وإذا كان كذلك وجب أن لا تصح البراءة؛ لأن صحة البراءة تقتضي تقدم ثبوت الحق على من أبرئ.

стр. 2413

وأما كون من أبرأ العاقلة والسيد يصح؛ فلأنه إبراءٌ من حق لمن هو عليه. فإن قيل: الدية والأرش لم تجب بعد فكيف تصح البراءة منهما؟ قيل: قد انعقد سبب الوجوب فهو بمنزلة ما لو عفى عن القاتل بعد الجرح. قال: (وإن وجب لعبد قصاص أو تعزير قذف فله طلبه [والعفو عنه] (١) وليس ذلك للسيد إلا أن يموت العبد). أما كون العبد له طلب ذلك والعفو عنه؛ فلأن ذلك من أحكام النفوس وهي مختصة به. ولأن التشفي فيما ذكر مطلوب، وذلك وصف قائم بالعبد. وأما كون السيد ليس له طلب ذلك ولا العفو عنه في حال حياة العبد؛ فلأن السيد ليس له في العبد سوى المالية وما ذكر حقوق نفسانية. وأما كونه له ذلك بعد موت العبد؛ فلأن حق العبد ينتقل إليه. فيصير شبهاً بالوارث.

стр. 2414

باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس قال المصنف ﵀: (كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به فيما دونها ومن لا فلا. ولا يجب إلا بمثل الموجب في النفس وهو العمد المحض). أما كون كل من أقيد بغيره في النفس يقاد به فيما دونها؛ فلأن من أقيد به في النفس إنما أقيد به فيها لحصول المساواة المعتبرة للقود. فيجب أن يقاد به فيما دونها لذلك. وفي قول المصنف ﵀: كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به فيما دونها إشعار بمشروعية القود فيما دون النفس من الأطراف والجراح (١). والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس -إلى قوله-: والجروحَ قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. وأما السنة؛ فما روى أنس بن مالك «أن الرُّبَيِّع بنت النضر بن أنس كَسرتْ ثنيَّةَ جاريةٍ. فعرضوا عليهم الأرش. فأبوْ إلا القصاص، فجاءَ أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله! تُكسرُ ثنيةُ الربيِّع. والذي بعثكَ بالحق! ما تُكسَر. فقال النبي ﷺ : كتابَ اللهِ القصاصُ ... مختصر» (٢). رواه البخاري وأبو داود والنسائي. وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعية القصاص فيما دون النفس إذا أمكن بشرطه.

стр. 2415

وأما المعنى وهو أن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص. فكان كالنفس في وجوبه. وأما كون من لا يقاد بغيره في النفس لا يقاد به فيما دونها؛ فلأن من لا يقاد بغيره في النفس إنما لم يُقَدْ به لعدم المساواة المعتبرة في القود، وذلك موجود فيما دون النفس. فوجب أن لا يقاد به فيه عملاً بالعلة. فعلى هذا لو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده لأنه يقاد به في النفس، ولو قطع يد كافر لم تقطع يده لأنه لا يقاد به في النفس، ولو قطع حرٌّ يد حرّ قطعت يده لما تقدم، ولو قطع يد عبد لم تقطع يده لذلك. وعلى هذا فقس. وأما كون القود فيما دون النفس لا يجب إلا بمثل الموجب في النفس؛ فلأن ما دون النفس أحد ما يجب فيه القود. فلم يجب فيه إلا بمثل الموجب في النفس؛ كالنفس. وأما كون الموجب في ذلك هو العمد المحض؛ فلأن ذلك هو الموجب في النفس لما تقدم ذكره في موضعه. قال: (وهو نوعان: أحدهما: في الأطراف. فتؤخذ العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجفن بالجفن، والشفة بالشفة، واليد باليد، والرجل بالرجل). أما كون القود فيما دون النفس نوعين؛ فلأنه تارة يكون في الأطراف [وتارة يكون في الجروح. وأما كون أحد النوعين القود في الأطراف] (١) فظاهر. وأما كون العين تؤخذ بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن؛ [فلأن الله تعالى قال: ﴿والعينَ بالعين والأنفَ بالأنف والأذنَ بالأذن والسنَّ بالسن] (٢) الآية﴾ [المائدة: ٤٥]. وأما كون الجفن يؤخذ بالجفن ... إلى آخره؛ فلأن ذلك في معنى المنصوص عليه. فيجب أن يلحق به؛ لأن التساوي معنى يوجب التساوي حكماً.

стр. 2416

قال: (ويؤخذ كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين بمثله. وهل يجري في الإلية والشفر؟ على وجهين). أما كون كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين يؤخذ بمثله؛ فلأن المماثلة موجودة والقصاص ممكن. فوجب؛ كالعين بالعين والأنف بالأنف. وأما كون القصاص يجري في الإلية والشفر في وجهٍ؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿والجروحَ قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. ولأن لذلك حداً ينتهي إليه. فجرى القود فيه؛ كالذَّكَر. وأما كونه لا يجري فيهما في وجهٍ؛ فلأن الإلية متصلة بلحم والشفر لحم لا مفصل له. فلم يجر القود فيها؛ كلحم الفخذ.

стр. 2417

فصل [في شروط القصاص في الطرف] قال المصنف ﵀: (ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط: أحدها: الأمن من الحَيْف. بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ينتهي إليه كمارن الأنف وهو ما لان منه). أما كون القصاص في الأطراف يشترط له ثلاثة شروط؛ فلما يأتي ذكره فيها. وأما كون أحدها الأمن من الحَيْف؛ فلأن الحَيْف ظلم وعدوان. فإذا لم يمكن القصاص إلا به لم يجب فعله. وأما قول المصنف ﵀: بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه؛ فبيان لما يحصل به الأمن من الحَيْف. وأما قوله: كمارن الأنف؛ فبيان لصورة من صور ما له حد ينتهي إليه. وأما قوله: وهو ما لان منه؛ فبيان للمارن ما هو. قال: (وإن قطع القصبة أو قطع من نصف الساعد أو الساق: فلا قصاص في أحد الوجهين، وفي الآخر يقتص من حد المارن ومن الكوع والكعب. وهل يجب له أرش الباقي؟ على وجهين). أما كون ما ذكر لا قصاص فيه على الصفة التي فعل الجاني بلا خلاف؛ فلأن القطع ليس من مفصل فلا يؤمن الحيف فيه، وفي الحديث: «أن رجلاً ضربَ رجلاً على ساعدهِ بالسيفِ فقطعهَا من غيرِ مَفْصَلٍ. فاستعدَى عليه النبي ﷺ فأمرَ لهُ بالديةِ. فقال: إني أُريدُ القصاصَ. قال: خُذِ الدية باركَ اللهُ لكَ فيها. ولمْ يقضِ له بقصاص» (١). رواه ابن ماجة.

стр. 2418

وأما كونه لا قصاص فيه أصلاً في وجهٍ؛ فلما تقدم من أن النبي ﷺ لم يوجبه أصلاً. ولأنه اقتصاص من غير موضع الجناية. فلم يجب؛ كما لو كان القطع من شيء لا مفصل له أصلاً. وأما كونه يقتص في مسألة القصبة من حد المارن وهو ما لان منه، وفي مسألة الساعد من الكوع، وفي مسألة الساق من الكعب في وجهٍ؛ فلأن ذلك دون حقه. فكان له أن يقتص فيه؛ كما لو شجه هاشمة فإن له أن يقتص موضحة. وأما كون الباقي يجب له أرش على وجه؛ فلأنه حقٌّ له تعذر استيفاؤه. فوجب أرشه؛ كسائر ما هذا شأنه. وأما كونه لا يجب له أرش على وجه؛ فلأن فيه جمعاً بين القصاص والأرش في عضو واحد. قال: (ويقتص من المنكب إذا لم يُخف جائفة). أما كون المنكب يقتص منه في الجملة؛ فلما تقدم في أول الباب. ولأنه اقتصاص من مفصل أُمن فيه الحيف فوجب؛ كالاقتصاص من الكوع. وأما كون ذلك يشترط فيه أن لا يخاف منه جائفة؛ فلأنه إذا خيف منه ذلك لا يؤمن فيه الحيف، وذلك شرط في جواز الاقتصاص في الأطراف لما تقدم. قال: (وإذا أوضح إنساناً فذهب ضوء عينه أو سمعه أو شمه فإنه يوضحه فإن ذهب ذلك وإلا استعمل فيه ما يذهبه من غير أن يجني على حدقته أو إذنه أو أنفه. فإن لم يمكن إلا بالجناية على هذه الأعضاء سقط). أما كون من ذكر يوضح الجاني؛ فلأن الموضحة يجري فيها القصاص. وأما كونه يستعمل فيه ما يذهب ضوء عينه أو سمعه أو شمه إذا لم يذهب بالموضحة من غير أن يجني على ما ذكر؛ فلأن إذهاب ذلك مستحق، وذلك طريق إليه. وأما كون ذلك يسقط إذا لم يمكن إلا بالجناية على ما ذكر؛ فلأن الجناية على ذلك حيف وتعدٍّ. فإذا لم يمكن الاستيفاء إلا بها سقط.

стр. 2419

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف ﵀: (الثاني: المماثلة في الموضع. فتؤخذ كل واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى من الشفتين والأجفان بمثلها، والإصبع والسن والأنملة بمثلها في الموضع والاسم. ولو قطع أنملة رجل العليا وقطع الوسطى من تلك الإصبع من آخر لم تكن له عليا فصاحب الوسطى مخير بين أخذ عقل أنملته وبين أن يصبر حتى تقطع العليا ثم يقتص من الوسطى. ولا يؤخذ شيء من ذلك بما يخالفه). أما كون الثاني من شروط القصاص في الأطراف المماثلة فبالقياس على النفس. وأما كون المماثلة في بعض الأشياء في الموضع وفي بعضها في الموضع والاسم؛ فلأن بعض الأشياء لا يماثل إلا في الموضع وبعضها لا يماثل إلا في الموضع والاسم. فوجب أن تعتبر المماثلة في كل شيء بما تحصل به. وأما كون كل واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى من الشفتين والأجفان تؤخذ بمثلها؛ فلأن الشرط (١) المماثلة في ذلك الموضع (٢)، وهي موجودة في مثلها. فعلى هذا تؤخذ اليد اليمنى باليد اليمنى، واليد اليسرى باليد اليسرى، والشفة العليا بالشفة العليا، والشفة السفلى بالشفة السفلى، والجفن الأعلى بالجفن الأعلى، والجفن الأسفل بالجفن الأسفل، ونحو ذلك؛ لأن المماثلة في الموضع موجودة في ذلك كله.

стр. 2420

وأما كون الإصبع والسن والأنملة تؤخذ بمثلها في الموضع والاسم؛ لأنها لا تحصل إلا بذلك وهي موجودة في مثلها. فعلى هذا يؤخذ الإبهام بالإبهام، والسبابة بالسبابة، والوسطى بالوسطى، والبنصر بالبنصر، والخنصر بالخنصر، والثنية بالثنية، والضاحك بالضاحك، والناب بالناب، والأنملة العليا من الإصبع بالعليا من تلك الإصبع، والوسطى منها بالوسطى منها؛ لأن المماثلة في الموضع والاسم موجودة في ذلك كله. وأما كون صاحب الوسطى فيما تقدم ذكره يخير بين عقل أنملته وبين الصبر حتى تقطع العليا من الجاني عليه ثم يقتص من الوسطى؛ فلأنه لا يمكن القصاص في الحال لما فيه من الحيف وأخذ الزيادة على الواجب ولا سبيل إلى تأخير حقه حتى يتمكن من القصاص لما فيه من الضرر. فوجبت له الخيرة بين الدية ليستوفي حقه وبين الصبر إلى إمكان القصاص؛ لئلا يتضرر بتأخير القصاص. وأما كون شيء من ذلك لا يؤخذ بما يخالفه؛ فلأن المماثلة شرط ولم يوجد. فعلى هذا لا تؤخذ اليد اليمنى باليد اليسرى ولا اليسرى باليمنى، ولا العليا من الشفتين بالسفلى، ولا السفلى بالعليا، ولا الجفن الأعلى بالأسفل، ولا الأسفل بالأعلى، ولا الإبهام ولا السبابة ولا الوسطى ولا البنصر ولا الخنصر بغيرها، ولا الثنية بالضاحك، ولا الضاحك بالثنية، ولا الثنية العليا بالثنية السفلى، ولا الثنية السفلى بالثنية العليا، ولا أنملة من إصبع بأنملة من غيرها، ولا أنملة عليا بأنملة سفلى، ولا وسطى بعليا؛ لعدم المماثلة في ذلك كله. وعلى هذا فقس.
следующие страницы →