قال: (ويؤخذ كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين بمثله. وهل يجري في الإلية والشفر؟ على وجهين).
أما كون كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين يؤخذ بمثله؛ فلأن المماثلة موجودة والقصاص ممكن. فوجب؛ كالعين بالعين والأنف بالأنف.
وأما كون القصاص يجري في الإلية والشفر في وجهٍ؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿والجروحَ قصاص﴾ [المائدة: ٤٥].
ولأن لذلك حداً ينتهي إليه. فجرى القود فيه؛ كالذَّكَر.
وأما كونه لا يجري فيهما في وجهٍ؛ فلأن الإلية متصلة بلحم والشفر لحم لا مفصل له. فلم يجر القود فيها؛ كلحم الفخذ.
стр. 2417
فصل [في شروط القصاص في الطرف]
قال المصنف ﵀: (ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط: أحدها: الأمن من الحَيْف. بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ينتهي إليه كمارن الأنف وهو ما لان منه).
أما كون القصاص في الأطراف يشترط له ثلاثة شروط؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها الأمن من الحَيْف؛ فلأن الحَيْف ظلم وعدوان. فإذا لم يمكن القصاص إلا به لم يجب فعله.
وأما قول المصنف ﵀: بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه؛ فبيان لما يحصل به الأمن من الحَيْف.
وأما قوله: كمارن الأنف؛ فبيان لصورة من صور ما له حد ينتهي إليه.
وأما قوله: وهو ما لان منه؛ فبيان للمارن ما هو.
قال: (وإن قطع القصبة أو قطع من نصف الساعد أو الساق: فلا قصاص في أحد الوجهين، وفي الآخر يقتص من حد المارن ومن الكوع والكعب. وهل يجب له أرش الباقي؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر لا قصاص فيه على الصفة التي فعل الجاني بلا خلاف؛ فلأن القطع ليس من مفصل فلا يؤمن الحيف فيه، وفي الحديث: «أن رجلاً ضربَ رجلاً على ساعدهِ بالسيفِ فقطعهَا من غيرِ مَفْصَلٍ. فاستعدَى عليه النبي ﷺ فأمرَ لهُ بالديةِ. فقال: إني أُريدُ القصاصَ. قال: خُذِ الدية باركَ اللهُ لكَ فيها. ولمْ يقضِ له بقصاص» (١). رواه ابن ماجة.
стр. 2418
وأما كونه لا قصاص فيه أصلاً في وجهٍ؛ فلما تقدم من أن النبي ﷺ لم يوجبه أصلاً.
ولأنه اقتصاص من غير موضع الجناية. فلم يجب؛ كما لو كان القطع من شيء لا مفصل له أصلاً.
وأما كونه يقتص في مسألة القصبة من حد المارن وهو ما لان منه، وفي مسألة الساعد من الكوع، وفي مسألة الساق من الكعب في وجهٍ؛ فلأن ذلك دون حقه. فكان له أن يقتص فيه؛ كما لو شجه هاشمة فإن له أن يقتص موضحة.
وأما كون الباقي يجب له أرش على وجه؛ فلأنه حقٌّ له تعذر استيفاؤه. فوجب أرشه؛ كسائر ما هذا شأنه.
وأما كونه لا يجب له أرش على وجه؛ فلأن فيه جمعاً بين القصاص والأرش في عضو واحد.
قال: (ويقتص من المنكب إذا لم يُخف جائفة).
أما كون المنكب يقتص منه في الجملة؛ فلما تقدم في أول الباب.
ولأنه اقتصاص من مفصل أُمن فيه الحيف فوجب؛ كالاقتصاص من الكوع.
وأما كون ذلك يشترط فيه أن لا يخاف منه جائفة؛ فلأنه إذا خيف منه ذلك لا يؤمن فيه الحيف، وذلك شرط في جواز الاقتصاص في الأطراف لما تقدم.
قال: (وإذا أوضح إنساناً فذهب ضوء عينه أو سمعه أو شمه فإنه يوضحه فإن ذهب ذلك وإلا استعمل فيه ما يذهبه من غير أن يجني على حدقته أو إذنه أو أنفه. فإن لم يمكن إلا بالجناية على هذه الأعضاء سقط).
أما كون من ذكر يوضح الجاني؛ فلأن الموضحة يجري فيها القصاص.
وأما كونه يستعمل فيه ما يذهب ضوء عينه أو سمعه أو شمه إذا لم يذهب بالموضحة من غير أن يجني على ما ذكر؛ فلأن إذهاب ذلك مستحق، وذلك طريق إليه.
وأما كون ذلك يسقط إذا لم يمكن إلا بالجناية على ما ذكر؛ فلأن الجناية على ذلك حيف وتعدٍّ. فإذا لم يمكن الاستيفاء إلا بها سقط.
стр. 2419
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف ﵀: (الثاني: المماثلة في الموضع. فتؤخذ كل واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى من الشفتين والأجفان بمثلها، والإصبع والسن والأنملة بمثلها في الموضع والاسم. ولو قطع أنملة رجل العليا وقطع الوسطى من تلك الإصبع من آخر لم تكن له عليا فصاحب الوسطى مخير بين أخذ عقل أنملته وبين أن يصبر حتى تقطع العليا ثم يقتص من الوسطى. ولا يؤخذ شيء من ذلك بما يخالفه).
أما كون الثاني من شروط القصاص في الأطراف المماثلة فبالقياس على النفس.
وأما كون المماثلة في بعض الأشياء في الموضع وفي بعضها في الموضع والاسم؛ فلأن بعض الأشياء لا يماثل إلا في الموضع وبعضها لا يماثل إلا في الموضع والاسم. فوجب أن تعتبر المماثلة في كل شيء بما تحصل به.
وأما كون كل واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى من الشفتين والأجفان تؤخذ بمثلها؛ فلأن الشرط (١) المماثلة في ذلك الموضع (٢)، وهي موجودة في مثلها.
فعلى هذا تؤخذ اليد اليمنى باليد اليمنى، واليد اليسرى باليد اليسرى، والشفة العليا بالشفة العليا، والشفة السفلى بالشفة السفلى، والجفن الأعلى بالجفن الأعلى، والجفن الأسفل بالجفن الأسفل، ونحو ذلك؛ لأن المماثلة في الموضع موجودة في ذلك كله.
стр. 2420
وأما كون الإصبع والسن والأنملة تؤخذ بمثلها في الموضع والاسم؛ لأنها لا تحصل إلا بذلك وهي موجودة في مثلها.
فعلى هذا يؤخذ الإبهام بالإبهام، والسبابة بالسبابة، والوسطى بالوسطى، والبنصر بالبنصر، والخنصر بالخنصر، والثنية بالثنية، والضاحك بالضاحك، والناب بالناب، والأنملة العليا من الإصبع بالعليا من تلك الإصبع، والوسطى منها بالوسطى منها؛ لأن المماثلة في الموضع والاسم موجودة في ذلك كله.
وأما كون صاحب الوسطى فيما تقدم ذكره يخير بين عقل أنملته وبين الصبر حتى تقطع العليا من الجاني عليه ثم يقتص من الوسطى؛ فلأنه لا يمكن القصاص في الحال لما فيه من الحيف وأخذ الزيادة على الواجب ولا سبيل إلى تأخير حقه حتى يتمكن من القصاص لما فيه من الضرر. فوجبت له الخيرة بين الدية ليستوفي حقه وبين الصبر إلى إمكان القصاص؛ لئلا يتضرر بتأخير القصاص.
وأما كون شيء من ذلك لا يؤخذ بما يخالفه؛ فلأن المماثلة شرط ولم يوجد.
فعلى هذا لا تؤخذ اليد اليمنى باليد اليسرى ولا اليسرى باليمنى، ولا العليا من الشفتين بالسفلى، ولا السفلى بالعليا، ولا الجفن الأعلى بالأسفل، ولا الأسفل بالأعلى، ولا الإبهام ولا السبابة ولا الوسطى ولا البنصر ولا الخنصر بغيرها، ولا الثنية بالضاحك، ولا الضاحك بالثنية، ولا الثنية العليا بالثنية السفلى، ولا الثنية السفلى بالثنية العليا، ولا أنملة من إصبع بأنملة من غيرها، ولا أنملة عليا بأنملة سفلى، ولا وسطى بعليا؛ لعدم المماثلة في ذلك كله. وعلى هذا فقس.
стр. 2421
قال: (ولا تؤخذ أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية. وإن تراضيا عليه لم يجز. فإن فعلا أو قطعها تعدياً أو قال: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها أجزأت على كل حال وسقط القصاص. وقال ابن حامد: إن أخرجها عمداً لم تجز ويستوفى من يمينه بعد اندمال اليسار، وإن أخرجها دهشة أو ظناً أنها تجزئ فعلى القاطع ديتها. وإن كان من عليه القصاص مجنوناً فعلى القاطع القصاص إن كان عالماً بها وأنها لا تجزئ، وإن جهل أحدهما فعليه الدية، وإن كان المقتص مجنوناً والآخر عاقلاً ذهبت هدراً).
أما كون أصلية لا تؤخذ بزائدة؛ فلأن الزائدة دونها.
وأما كون زائدة لا تؤخذ بأصلية؛ فلأنها لا تماثلها.
وأما كون ما ذكر إن تراضيا عليه لا يجوز؛ فلأن الدماء لا تستباح بالإباحة والبذل، ولذلك لو بذل ذلك ابتداء لم يجز.
وأما كون من فعل ذلك لا تعدياً؛ مثل: أن يأخذه باختيار الجاني يجزئ ويسقط القصاص؛ فلأن المجني عليه رضي به، والجاني يعلمه، والحق لا يعدوهما.
ولأن ذلك إن كان دون حق المجني عليه فقد رضي به. أشبه ما لو رضي بغير شيء، وإن كان فوق حقه فقد رضي الجاني ببذله. لا يقال قد تقدم أن البذل في ذلك لا يجوز لأن الذي تقدم بذل في ذات، وهنا بذل في صفة، ولا يلزم من عدم جواز أحدهما عدم جواز الآخر.
وأما كون من قطع اليسار تعدياً، أو قال: اخرج يمينك فأخرج يساره يجزئ ويسقط القصاص؛ فكما لو قطع الإمام يسار السارق بدل يمينه.
وأما كونها لا تجزئ إذا أخرجها عمداً على قول ابن حامد؛ فلأنه تعمد (١) ترك الواجب عليه من القطع. فلم يُعذر في استيفاء الواجب عليه. وما تقدم من قياسه على السارق لا يصح لوجوه:
أحدها: أن الحد مبني على الإسقاط. بخلاف القصاص.
стр. 2422
وثانيها: أن اليسار لا تقطع في السرقة إذا عدمت يمينه لأنه لا يفوت منفعة الجنس في الحد. بخلاف القصاص.
وثالثها: أن اليد إذا (١) سقطت بأكلة أو قصاص سقط القطع. بخلاف القصاص فإنه لا يسقط وينتقل إلى الدية.
وأما كون القصاص يستوفى من يمينه على قوله؛ فلأن اليسار لما لم تجز عنده صار قطعها كلا قطع، وذلك يوجب قطع اليمين. ضرورة استيفاء الواجب له.
وأما كون الاستيفاء بعد الاندمال؛ فلأنه لو حصل الاستيفاء في اليمنى وقد قطعت يساره ربما أدى ذلك إلى هلاك نفسه.
فإن قيل: أليس لو قطع يمين رجل ويسار آخر لا تؤخر إحداهما (٢) إلى اندمال جرح الآخر؟
قيل: الفرق بينهما أن القطعين مستحقان قصاصاً. فلذلك جمع بينهما القطعين هنا. فإن أحدهما غير مستحق فلا جرم لا يجمع بينهما.
وأما كون القاطع عليه دية اليد إذا أخرجها الجاني دهشة أو ظناً أنها تجزئ؛ فلأن مُخرجها أخرجها على وجه البذل في موضع لا يصح بذله. فوجب ضمانها على الجاني عليها. فإذا تعذر القصاص لشبهة البذل وجبت الدية؛ لأنها بدله.
وأما كون القاطع عليه القصاص إذا كان مَن عليه القصاص مجنوناً وكان القاطع عالماً بأنها يسار وأنها لا تجزئ؛ فلأن بذل المجنون لا يصح ولا شبهة للقاطع.
وأما كونه عليه الدية إذا جهل أحدهما؛ فلأن الجهل يسقط القصاص. فوجب أن تتعين الدية.
وأما كون اليسار تذهب هدراً إذا كان المقتص مجنوناً والآخر عاقلاً؛ فلأن المجنون لا عبرة بفعله.
стр. 2423
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف ﵀: (الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال. فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا عين صحيحة بقائمة، ولا لسان ناطق بأخرس، ولا ذَكَر صحيح بأشل، ولا ذكر فحل بذكر خصي ولا عنين. ويحتمل أن يؤخذ بهما. إلا مارن الأشم الصحيح يؤخذ بمارن الأخشم والمخزوم والمستحشف، وأذن السميع بأذن الأصم الشلاء في أحد الوجهين).
أما كون الثالث من شروط القصاص في الأطراف استواؤهما في الصحة والكمال في غير ما استثناه المصنف ﵀؛ فلأن غير الصحيح والكامل لا يستوي هو والصحيح والكامل ولا يماثله. فوجب أن لا يجزئ القصاص بينهما؛ كالحر والعبد.
وأما كون صحيحة [من يد ورجل] (١) لا تؤخذ بشلاء منهما؛ فلانتفاء استواءهما في الصحة، وهو شرط لما تقدم.
ولأن (٢) غير الصحيحة لا يقع فيها سوى الكمال ولا يؤخذ بها ما فيه نفع كامل.
وأما كون كاملة الأصابع من يد ورجل لا تؤخذ بناقصة منهما؛ فلانتفاء استواءهما في الكمال، وهو شرط لما تقدم.
ولأن في قطع الكاملة منهما بالناقصة جناية زائدة على ما جنى عليه، وذلك لا يجوز.
فعلى هذا من قطع من له خمس أصابع يد من له أربع أصابع أو أقل من ذلك، أو قطع من له أربع أصابع يد من له ثلاث أصابع أو أقل: لم يجز القصاص بينهما
стр. 2424
في اليد؛ لأن ذلك فوق حق المجني عليه. وهل يجزئ في مثل أصابعه؟ فيه وجهان: مأخذهما ما تقدم فيما إذا قطع يد شخص من نصف كفه أو نصف ذراعه (١).
وأما كون عين صحيحة لا تؤخذ بقائمة؛ فلانتفاء استواؤهما في الصحة، وهو شرط لما تقدم.
ولأن في (٢) أخذ الصحيحة بالقائمة أخذاً (٣) لأكثر من الحق، وذلك لا يجوز.
وأما كون لسان ناطق لا يؤخذ بأخرس؛ فلانتفاء الكمال، وهو شرط لما تقدم.
ولأن اللسان ذهبت منفعته. فهو كاليد الشلاء.
وأما كون ذكر صحيح لا يؤخذ بأشل؛ فلما ذكر في أخذ اليد الصحيحة بالشلاء.
وأما كون ذكر فحل لا يؤخذ بذكر خصي ولا عنين على المذهب وهو قول الشريف؛ فلأنه لا منفعة فيهما؛ لأن كل واحد [من الخصي والعنين لا يولد له ولد ولا ينزل ولا يكاد يقدر على الوطء. فهما كالأشل.
ولأن كل واحد] (٤) منهما ناقص. فلا يؤخذ به الكامل؛ كاليد الكاملة بالناقصة.
وأما كونه يحتمل أن يؤخذ بهما وهو قول أبي الخطاب؛ فلأنهما عضوان صحيحان ينقبضان وينبسطان. فيؤخذ بهما؛ كذكر الفحل غير العنين. وكون الخصي لا ينزل لذهاب الخصية والعنة لعلة في الظهر. فلم يمنع ذلك من القصاص بهما؛ كأذن الأصم ومارن الأخشم.
قال المصنف في المغني: والصحيح الأول لأنه إذا ترددت الحال بين كونه مساوياً للآخر وعدمه لم يجب القصاص؛ لأن الأصل عدمه. فلا يجب بالشك.
стр. 2425
وأما قول المصنف ﵀: إلا مارن الأشم ... إلى آخره؛ فهو استثناء من استوائهما في الصحة والكمال.
فإن قيل: القول المذكور إنما يعقب قوله: يحتمل أن يؤخذ بهما. فلم لم يعد إليه؟
قيل: لوجهين: أحدهما: أنه لا يتناول ما ذُكر؛ لأن الضمير في قوله: بهما عائد إلى ذَكَر الخصي والعنين.
وثانيهما: أن الاستثناء من الإثبات نفي. وقوله: يؤخذ بهما إثبات والمستثنى مثبت بدليل أنه قال: إلا مارن الأشم الصحيح يؤخذ.
فعلى ما ذكر أولاً يكون المعنى أن استواءهما المذكور شرط إلا في أشياء:
أحدها: أن مارن الأشم هل يؤخذ بمارن الأخشم؟ وهو: الذي لا يشم به. فيه وجهان:
أحدهما: يؤخذ به؛ لأن عدم الشم لعلة في الدماغ والمارن صحيح. فوجب أخذ الأشم به؛ لأنه مثله في كونه صحيحاً.
فإن قيل: إذا استويا في الصحة فلا حاجة إلى استثنائهما؛ لأن الشرط استواؤهما وهو موجود.
قيل: هو بالنظر إلى فوات الشم غير مساو. فنبه المصنف ﵀ على أن ذلك لا أثر له، وذكره بلفظ الاستثناء نظراً إلى ذلك.
والثاني: لا يؤخذ به لأن منفعة الشم قد ذهبت. فهو بالنسبة إلى الأشم كاليد الصحيحة مع الشلاء.
وثانيها: أن المارن الصحيح هل يؤخذ بالمخزوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يؤخذ به كمارن الأشم.
والثاني: لا يؤخذ به لأنه لا يماثله وهذا أصح لما ذكر ولذلك لم يحكِ المصنف ﵀ في الكافي في ذلك خلافاً وذكر في المغني بدل المخزوم المخذوم (١). وعلل الأخذ وعدمه بما يأتي في المستحشف.
وثالثها: أن المارن الصحيح هل يؤخذ بالمستحشف؟ فيه وجهان:
стр. 2426
أحدهما: يؤخذ به؛ لأن الاستحشاف مرض. فلم يمنع القصاص؛ كما لو قتل صحيح مريضاً.
والثاني: لا يؤخذ به؛ لما ذكر في مارن الأخشم.
ورابعها: أن أذن السميع هل تؤخذ بأذن الأصم؟ فيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ بها؛ لأن العضو صحيح ومقصوده الجمال لا السمع، وذهاب السمع نقص في الرأس؛ لأنه محله وليس بنقص في الأذن.
والثاني: لا تؤخذ بها؛ لأنها عضو ذهب نفعه. فهو كاليد الشلاء.
وخامسها: أن الأذن الصحيحة هل تؤخذ بالأذن الشلاء فيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ بها لأن نفعها لا يذهب بشللها لأن نفعها جمع الصوت وستر موضع السمع. فوجب أخذ كل واحد منهما بالأخرى.
والثاني: لا تؤخذ بها كسائر الأعضاء.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ في الاستثناء المذكور أن الاستثناء إنما هو في شيئين:
أحدهما: أن مارن الأشم الصحيح هل يؤخذ بمارن الأخشم والمخزوم والمستحشف أم لا؟
وثانيهما: أن أذن السميع الصحيحة هل تؤخذ بأذن الأصم الشلاء أم لا؟
قيل: الأمر كما ذكر. لكنه لم يرد ذلك. بل مراده أن مارن الأشم هل يؤخذ بمارن الأخشم أم لا؟ وأن المارن الصحيح هل يؤخذ بالمخزوم أم لا؟ وأن المارن الصحيح هل يؤخذ بالمستحشف أم لا؟ وأن أذن السميع هل تؤخذ بأذن الأصم أم لا؟ وأن الأذن الصحيحة هل تؤخذ بالأذن الشلاء أم لا؟ على ما ذكر في الشرح المذكور نصاً ودليلاً. وإنما دعاه الاختصار إلى أنْ جَمَعَ بين الصفات. وقد صرح المصنف ﵀ وغيره بالمسائل المذكورة فيجب حمل كلام المصنف ﵀ هنا على ذلك وإن لم تكن العبارة صريحة في ذلك.
قال: (ويؤخذ المعيب من ذلك كله بالصحيح وبمثله إذا أمن من قطع الشلاء التلف. ولا يجب له مع القصاص أرش في أحد الوجهين، وفي الآخر له دية
стр. 2427
الأصابع الناقصة. ولا شيء له من أجل الشلل، واختار أبو الخطاب أن له أرشه. وإن اختلفا في شلل العضو وصحته فأيهما يقبل قوله؟ فيه وجهان).
أما كون المعيب من الشلاء والناقصة والعين القائمة واللسان الأخرس والذكر الأشل وذكر الخصي والعنين يؤخذ بالصحيح من ذلك؛ فلأنه دون حق المجني عليه.
وأما كونه يؤخذ بمثله؛ فلأن المانع من القصاص عدم الاستواء وهو منتف هاهنا.
وأما كون أمن التلف من قطع الشلاء شرطاً في قطعها بالصحيحة أو بمثلها؛ فلأن القصاص إذا لم يمكن إلا بالحيف سقط. فلأن يسقط إذا خيف منه التلف بطريق الأولى.
فعلى هذا يُسأل أهل الخبرة فإن قالوا: إذا (١) قطعت الشلاء لم تفسد العروق ودخل الهواء إلى البدن فأفسده لم يجب القصاص لأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف، وإن قالوا: ذلك مأمون وجب القصاص لما تقدم.
وأما كون من أخذ المعيب بالصحيح كمن أخذ الشلاء بالصحيحة وناقصة الأصابع بالكاملة: لا يجب له مع القصاص أرش في وجهٍ؛ فلأن المجني عليه فعل كما فعل به. فلم يجب له معه أرش؛ كما لو كانت اليد كاملة أو صحيحة.
ولأن الذي صدر من الجاني فعل واحد، والفعل الواحد لا يوجب مالاً وقوداً.
وأما كونه له دية الأصابع الناقصة في وجهٍ وهو قول القاضي وشيخه ولا شيء له من أجل الشلل؛ فلأن الجمال نَقَصَ بنقصان الأصابع. بخلاف الشلاء فإنها كاملة صورة وعليه مبنى القصاص؛ لأن المماثلة في المعاني لا تعتبر؛ لأنه كان يفضي إلى سقوط القصاص.
وأما كونه له دية الأصابع وأرش الشلل في اختيار أبي الخطاب: أما دية الأصابع؛ فلما تقدم. وأما أرش الشلل؛ فلأن الأرش يجبر النقص فيكون مستوفياً
стр. 2428
مثل حقه. فلو لم يكن له ذلك لكان ممنوعاً من استيفاء مثل حقه، وذلك منتفٍ شرعاً.
وأما كون المجني عليه والجاني إذا اختلفا في شلل العضو وصحته فأيهما يقبل قوله؟ فيه وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الأصل سلامة العضو يقتضي قبول قول المجني عليه والنظر إلى أن الأصل براءة ذمة الجاني مما يدعى عليه يقتضي قبول قوله، ولذلك لو ادعي عليه بدين فأنكره كان القول قوله.
стр. 2429
فصل [في قطع بعض عضو]
قال المصنف ﵀: (وإن قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله. يُقَدّر بالأجزاء كالنصف والثلث والربع).
أما كون ما ذكر يؤخذ مثله؛ فلأن ما جرى القصاص في جملته جرى في بعضه إذا أمكن. بل أولى لأن ما ذكر يؤمن من الاقتصاص في بعضه ما لا يؤمن في غيره.
ولأن المماثلة ممكنة. أشبه قطع العضو من مفصل.
وأما كون ذلك يقدر بالأجزاء كالنصف والثلث والربع؛ فلأن تقديره بالمساحة يفضي إلى أخذ جميع لسان الجاني أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه ببعض ذلك من المجني عليه؛ لأن المجني عليه قد يكون عظيم ذلك والجاني بالعكس.
قال: (وإن كسر بعض سنه بُرد من سن الجاني مثله إذا أمن قلعها. ولا يقتص من السن حتى ييأس من عودها. فإن اختلفا في ذلك رجع إلى قول أهل الخبرة. فإن مات قبل اليأس من عودها فعليه ديتها ولا قصاص فيها. وإن اقتص من سن فعادت: غرم سن الجاني ثم إن عادت سن الجاني رد ما أخذ. وإن عادت سن المجني عليه قصيرة أو معيبة فعلى الجاني أرش نقصها).
أما كون سن الجاني يُبرد منها مثل ما كسر من سن المجني عليه إذا أمن قلعها؛ فلأن القصاص في السن واجب لقوله تعالى: ﴿والسنَّ بالسن﴾ [المائدة: ٤٥].
стр. 2430
ولأن في الحديث: «أن الرُّبَيِّع بنت النضر كَسرتْ ثنية الجارية. فقال رسول الله ﷺ : كتابَ اللهِ القصاص» (١). ولا يمكن أخذ ذلك بالكسر؛ لأنه لا يؤمن به الزيادة.
ولأنه لا يؤمن معه أن ينصدع السن أو يتقدم أو ينكسر من غير موضع القصاص. فتعين البرد؛ لكونه طريقاً ليس غيره يقوم مقامه.
وأما كون أمن القلع شرطاً في البرد المذكور؛ فلأن توهم الزيادة يَمنع في الأعضاء كما لو قطعت يده من غير مفصل. فكذلك يجب أن يَمنع هاهنا.
فإن قيل: القصاص جاز في الطرف مع توهم السراية إلى النفس. فلم يمنع هنا التوهم (٢) السراية إلى بعض العضو؟
قيل: توهم السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه. فلو اعتبر في المنع لسقط القصاص في الطرف بالكلية. أما السراية إلى بعض العضو فتارة يمنع القصاص فيها احتمال الزيادة في الفعل لا في الزيادة.
وأما كون السن لا يقتص منها حتى ييأس من عودها؛ فلأن القصاص يدرأ بالشبهات (٣). فإذا كانت السن غير مأيوس من عودها كان ذلك شبهة. فوجب درأ القصاص بذلك.
وأما كون ذلك يرجع فيه إلى قول أهل الخبرة عند الاختلاف؛ فلأن قولهم يغلب على الظن حصول ما يقولونه.
وأما كون الجاني عليه الدية إذا مات المجني عليه قبل اليأس من عودها؛ فلأن العود مشكوك فيه والقلع متحقق والقصاص سقط للشبهة فرجع إلى الدية.
وأما كونها لا قصاص فيها؛ فلأن شرطه اليأس من عودها ولم يوجد.
وأما كون سن الجاني يغرمها المجني عليه إذا (٤) اقتص منها ثم عادت؛ فلأنا تبينا بعودها عدم وجوب القصاص، وذلك يقتضي وجوب دية السن لأن القصاص منتفٍ لوجهين:
стр. 2431
أحدهما: أنه ليس للمقتص مثل السن التي قلعها لكونه جنى عليها أولاً.
وثانيهما: أنه معذور في الاستيفاء، وذلك شبهة تُسقط القصاص.
وأما كون الجاني يرد ما أخذ إذا عادت سنه؛ فلأنه بعودها تبين أنه لم يكن له عنده حق. أشبه من دفع شيئاً إلى شخص يظنه له عليه فظهر أنه لا شيء له عليه.
وأما كون الجاني: عليه أرش نقص سن المجني عليه إذا عادت قصيرة أو معيبة؛ فلأن ذلك من جنايته. فوجب أرشه عليه.
стр. 2432
فصل [في حكم الجراحات]
قال المصنف ﵀: (النوع الثاني: الجروح. فيجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم؛ كالموضحة، وجرح العضد، والساعد، والفخذ، والساق، والقدم. ولا يجب في غير ذلك من الشجاج إلا أن يكون أعظم من الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص موضحة ولا شيء له على قول أبي بكر. وقال ابن حامد: له ما بين دية موضحة ودية تلك الشجة فيأخذ في الهاشمة خمساً من الإبل وفي المنقلة عشراً).
أما كون النوع الثاني من نوعي القود فيما دون النفس الجروح؛ فلما تقدم من أن ذلك تارة يكون في الأطراف وتارة يكون في الجروح.
وأما كون القصاص في الجروح في الجملة يجب؛ فلما تقدم في أول الباب.
وأما كون الموضع الذي يقتص فيه كل جرح ينتهي إلى عظم كما ذكر المصنف ﵀؛ فلأن ذلك هو الذي يمكن استيفاؤه من غير حَيْف ولا زيادة لانتهائه إلى عظم. أشبه قطع الكف من الكوع.
وأما كون ذلك لا يجب في غير ما ذكر من الشجاج إذا لم يكن أعظم من الموضحة كما مثل المصنف ﵀ من الهاشمة والمنقلة؛ فلأنه ليس له حد ينتهي إليه. فلا يمكن الاستيفاء من غير حيف، وذلك شرط في وجوب القصاص وقد تقدم.
وأما كون المجني عليه له أن يقتص موضحة إذا كان الجرح أعظم منها كما تقدم تمثيله؛ فلأن ذلك دون حقه.
стр. 2433
وأما كونه لا شيء له مع القصاص على قول أبي بكر؛ فلأنه فعلٌ واحد. فلا يجمع فيه بين القصاص ودية؛ كما لو أخذت الشلاء بالصحيحة، وكما في النفس (١)، وكما إذا قتل الكافر بالمسلم والعبد بالحر.
وأما كونه له ما بين دية موضحة ودية تلك الشجة على قول ابن حامد؛ فلأن القصاص متعذر. فوجب أن ينتقل إلى البدل؛ كما لو قطع أصبعيه ولم يمكن الاستيفاء إلا من واحدة.
وأما كونه على هذا يأخذ في الهاشمة خمساً من الإبل؛ فلأن الموضحة يجب فيها خمس والهاشمة عشر. فإذا اقتص موضحة بقي التفاوت بينهما خمساً.
وأما كونه يأخذ في المنقلة عشراً؛ فلأن الواجب فيها خمسة عشر فالتفاوت بينهما عشر.
فإن قيل: كم يأخذ على هذا في المأمومة؟
قيل: ثمانية وعشرين وثلث بعير؛ لأن الواجب فيها ثلث الدية فإذا ذهب منها دية موضحة بقي ذلك.
قال: (ويعتبر قدر الجرح بالمساحة. فلو أوضح إنساناً في بعض رأسه مقدار ذلك البعض جميع رأس الشاج وزيادة كان له أن يوضحه في جميع رأسه، وفي الأرش للزائد وجهان).
أما كون قدر الجرح يعتبر بالمساحة فليعلم حتى يقتص من الجاني بمثابته.
وأما كون المجني عليه له أن يوضح رأس الجاني كله إذا كانت الموضحة أكثر من رأسه؛ فلأن ذلك القدرُ الذي جنى عليه.
وأما كونه له الأرش للزائد في وجهٍ؛ فلأنه لم يحصل في مقابلته قصاص.
وأما كونه لا شيء له في وجهٍ؛ فلأنها جناية واحدة فلا تجمع قوداً ومالاً.
فإن قيل: لمَ لمْ يعتبر مقدار الموضحة بالأجزاء كالثلث والربع كما اعتبر ذلك فيما إذا قطع بعض اللسان والأذن أو ما أشبه ذلك؟
стр. 2434
قيل: الأصل أن يعتبر الكل بالمساحة لما فيه من المماثلة، وإنما ترك ذلك في قطع بعض اللسان ... إلى آخره؛ لأنه يفضي إلى أخذ الكل بالبعض كما تقدم ذكره والكل ليس كالبعض، وذلك مفقود هاهنا؛ لأن إيضاح جميع الرأس كإيضاح بعضه في وجوب خمس من الإبل فيهما وإذا كان كذلك وجب بقاؤه على اعتبار المساحة التي هي الأصل عملاً به مع سلامته عن منافيه.
стр. 2435
فصل [إن اشترك جماعة في جرح]
قال المصنف ﵀: (وإن اشترك الجماعة في قطع طرف أو جرح موجب للقصاص وتساوت أفعالهم؛ مثل أن يضعوا الحديدة على يده أو يتحاملوا عليها جميعاً حتى تَبين فعلى جميعهم القصاص في إحدى الروايتين. وإن تفرقت أفعالهم أو قطع كل إنسان من جانب فلا قصاص رواية واحدة).
أما كون الجماعة إذا اشتركوا فيما ذُكر عليهم القصاص إذا تساوت أفعالهم على الوجه الذي ذكره المصنف ﵀ في إحدى الروايتين؛ فلما روي «أن شاهدين شهدا عند علي على رجلٍ بالسرقةِ. فقطع يدَه. ثم جاءَا بآخر. فقالا: هذا هوَ السارق وأخطأنا في الأول، فردّ شهادتَهُما على الثاني، وغرّمهما ديةَ يد الأول. وقال: لو عَلمتُ أنكُما تَعمَّدتُما ذلك لقطعتُكُما» (١).
ولأن ذلك أحد نوعي القصاص. أشبه قتل الجماعة بالواحد.
وأما كونهم لا قصاص عليهم في روايةٍ؛ فلأن الأطراف يعتبر التساوي فيها. بدليل أنه لا تؤخذ يد صحيحة بشلاء ولا كاملة الأصابع بناقصتها ولا الأصلية بالزائدة ولا اليمنى باليسرى ولا تساوي بين الأطراف والطرف. فوجب امتناع القصاص بينهما.
والأولى أصح لما تقدم.
وأما نفي التساوي بين الأطراف والطرف فممنوع لأن نفي التساوي إن كان من حيث كونه طرفاً فباطل بوجوب القصاص بين الطرفين، وإن كان من حيث الجمع فباطل بقتل الأنفس بالنفس.
стр. 2436
وأما كونهم لا قصاص عليهم رواية واحدة إذا تفرقت أفعالهم أو قطع كل إنسان من جانب؛ فلأن كل واحد منهم لم يقطع اليد ولم يشارك في قطع جميعها. فلم يجب قطع يده في مقابلتها.
وأما كونهم عليهم القصاص إذا اشتركوا في جرح موجب للقصاص (١) في روايةٍ ولا قصاص عليهم في روايةٍ كما لو (٢) اشتركوا في قطع اليد؛ فلأنهما يتساويان معنى. فوجب أن يتساويا حكماً.
قال: (وسراية الجناية مضمونة بالقصاص والدية. فلو قطع إصبعاً فتأكلت أخرى إلى جانبها وسقطت من مفصل، أو تأكلت اليد وسقطت من الكوع: وجب القصاص في ذلك. وإن شل ففيه ديته دون القصاص).
أما كون سراية الجناية مضمونة؛ فلأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة فكذلك أثرها.
وأما كون السراية مضمونة بالقصاص والدية فهو مبني على أن موجب العمد أحد أمرين، وقد تقدم بيانه ودليله في موضعه (٣).
وأما كون القصاص يجب في الإصبع إذا تأكلت وسقطت من مفصل بقطع التي إلى جانبها، أو تأكلت اليد وسقطت من الكوع بقطع بالإصبع؛ فلأن الإصبع واليد تلفتا بالسراية وهي مضمونة كما تقدم.
وأما كونه لا يجب إذا سقطتا من غير مفصل؛ فلأنهما لو قطعتا من غير مفصل لم يجب القصاص. فلأن لا يجب القصاص فيهما بالسراية بطريق الأولى.
وأما كون ذلك إذا شل فيه ديته (٤) دون القصاص؛ فلأن الشلل المذكور حصل بالسراية، وحكمها حكم المباشرة، ولو باشر الشلل المذكور وجبت ديته دون القصاص. فكذلك إذا سرى إليه.
стр. 2437
قال: (وسراية القود غير مضمونة فلو قطع اليد قصاصاً فسرى إلى النفس فلا شيء على القاطع).
أما كون سراية القود غير مضمونة؛ فلما روي أن عمر وعليًا ﵄ قالا: «لا ديةَ له. الحقُ قتلَه». رواه سعيد بمعناه.
ولأن القصاص قطعٌ مستحق مقدر. فلا تضمن سرايته؛ كقطع السارق.
وأما كون قطع يد الجاني قصاصاً إذا سرى القطع إلى نفس الجاني فلا شيء عليه؛ فلأن موته بسبب سراية القطع بطريق القصاص، وهي غير مضمونة؛ لما ذكر.
قال: (ولا يقتص من الطرف إلا بعد برئه. فإن (١) اقتص قبل ذلك بطل حقه من سراية جرحه. فلو سرى إلى نفسه كان هدراً. وإن سرى القصاص إلى نفس الجاني كان هدراً أيضاً).
أما كون الطرف لا يقتص منه إلا بعد برئه؛ فلما روي «أن النبي ﷺ نهَى أن يُستقادَ من الجرحِ حتى يبرَأ المجروح» (٢)؛ لأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل؟ فيجب أن ينتظر ليعلم ما حكمه.
وأما كون حق المجني عليه من سراية جرحه يبطل إذا اقتص قبل برئه؛ فلأن جابراً روى «أن رجلاً طعنَ رجلاً بقرنٍ في ركبته. فقال: يا رسول الله! أقدْ لي. فقال: حتى يبرأ. فأتى وعجّل. فاستقادَ له رسول الله ﷺ . فعيبَت رجْل المستَقيد وبرأَت رجْل المستقَاد منه. فقال النبي ﷺ : ليسَ لكَ شيءٌ إنك عجّلت» (٣). رواه سعيد مرسلاً.
ولأن المجني عليه استعجل ما لم يكن له استعجاله. فبطل حقه؛ كقاتل موروثه.
стр. 2438
وأما كون سراية الجرح إلى نفس المجني عليه هدراً إذا اقتص [على المجني] (١) من الجاني قبل برء جرحه؛ فلأن النبي ﷺ قال في الحديث المتقدم: «ليس لك شيء» (٢).
ولأن حقه بطل باستعجاله، ومع بطلانه يتعين كون السراية إلى نفسه هدراً.
وأما كون سراية القصاص المذكور إلى نفس الجاني هدراً أيضاً؛ فلأنه سراية قصاص، وقد تقدم أنها غير مضمونة.
стр. 2439
كتاب الديات
الديات جمع دية. والهاء في دية عوض من الواو. تقول: وَدَيْتُ القتيل أدِيهِ دية. ونحوه العِدَة في قولك: وَعَدَهُ يَعِدُهُ عِدَةً.
والأصل في وجوب الدية في الجملة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن قَتل مؤمنًا خطئا فتحريرُ رقبةٍ مؤمنة وديةٌ مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدقوا﴾ [النساء: ٩٢].
وأما السنة؛ فقول النبي ﷺ في كتاب عمرو بن حزم: «وأن في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل» (١). وفي الباب غير ذلك يأتي ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع فأجمع أهل الإسلام على وجوب الدية في الجملة.
قال المصنف ﵀: (كل من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته. فإن كان عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالّة، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما أجري مجراه فعلى عاقلته).
أما كون كل من أتلف إنساناً بمباشرة عليه ديته؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
وأما كون من أتلف جزءاً منه بمباشرة عليه ديته؛ فلأنه أتلفه بمباشرة فوجبت فيه ديته؛ كما تجب دية النفس إذا تلفت بالمباشرة.
وأما كون من أتلف ذلك بسبب عليه ديته؛ فلأن السبب مؤد إلى تلفه. أشبه المباشرة.
ولأن السبب لو لم يترتب عليه وجوب الدية لاتخذه الناس وسيلة إلى الإتلاف، وفيه ضرر عظيم. فينتفي بقوله ﵇: «لا ضَرَرَ ولا إضرَار» (٢).
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف عمداً محضاً في مال الجاني؛ فلأن القياس يقتضي وجوب الضمان على المتلِف؛ لأن التلف أثر فعله. فيجب أن
стр. 2440
يختص به، ولذلك قال النبي ﷺ : «لا يجني جان إلا على نفسه» (١). تُرك العمل به في غير العمد المحض لأمر يختص به يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيبقى في العمد المحض على مقتضاه.
وأما كون الدية حالّة؛ فلأنها موجب عمد محض. فوجب كونها حالّة؛ كالقصاص.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف شبه عمد على العاقلة؛ فلما روى أبو هريرة ﵁ قال: «اقتتلتِ امرأتان من هُذيل فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها. فقضَى رسولُ الله ﷺ بديةِ المرأةِ على عاقِلَتِها» (٢). متفق عليه.
ولأن شبه العمد نوعُ قتل لا يوجب قصاصاً. فأوجب الدية على العاقلة؛ كالخطأ.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان خطأً على العاقلة؛ فلأنه قد ثبت في الأخبار عن رسول الله ﷺ «أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة» (٣).
قال ابن المنذر: أجمع على هذا -يعني على تحمل العاقلة دية الخطأ- كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
ولأن في إيجاب دية شبه العمد عليها تنبيهاً على إيجاب دية الخطأ عليها (٤).
فإن قيل: ما المعنى في تحمل العاقلة ذلك؟
قيل: لأن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كبيرة فإيجابها على الجاني في ماله تجحف به. فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفاً عنه.
стр. 2441
وأما كونها فيما أجري مجرى الخطأ على العاقلة؛ فلأن ما أجري مجرى الشيء يعطى حكمه والخطأ على العاقلة. فكذلك (١) ما أُجري مجراه.
قال: (ولو ألقى على إنسان أفعى، أو ألقاه عليها فقتلته، أو طلب إنساناً بسيف مجرد فهرب منه فوقع في شيء تلف به. بصيراً كان أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه، أو وضع حجراً، أو صب ماء في طريق، أو بالت فيها دابته ويده عليها، أو رمى قشر بطيخ عليها فتلف به إنسان (٢): وجبت عليه ديته).
أما كون من ألقى على إنسان أفعى أو ألقاه عليها فقتلته تجب عليه ديته؛ فلأنه عمد إلى قتله بما لا يقتل غالباً. فوجب عليه ديته؛ كما لو غرزه بإبرة فمات.
وأما كون من طلبه بسيف مجرد -أي مشهور- فهرب منه فوقع في شيء فتلف تجب عليه ديته؛ فلأنه هلك بسبب عدوانه. فوجب أن يضمنه؛ كما لو حفر له بئراً أو نصب له سكيناً أو سم طعامه ووضعه في منزله.
وأما كون ذلك كذلك بصيراً كان المتلف أو ضريراً؛ فلاستوائهما في السبب المهلك.
وأما كون من حفر بئراً في فنائه فتلفَ به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن ذلك مروي عن علي. وقضى به شريح.
ولأنه تلف بعدوانه. أشبه ما لو تلف بجنايته.
وقول المصنف ﵀: [في فنائه] (٣)؛ مشعر بأن الضمان لا يجب إذا حفرها في ملكه. وهو صحيح لأنه إذا حفرها في ملكه لا يعد متعدياً.
وأما كون من فعل ذلك في الصور الباقية فتلف به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن التلف بسبب وضع الحجر وصب الماء وبول الدابة التي عليها يده ورمي القشر وكل ذلك منسوب إلى فاعله. فوجب الدية عليه؛ كالمتسبب إلى القتل بغير ذلك.
стр. 2442
قال: (وإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر به إنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر).
أما كون الضمان على واضع الحجر؛ فلأن الحجر كالدافع، وإذا اجتمع الدافع والحافر فالضمان على الدافع وحده.
وأما كون الحافر لا ضمان عليه؛ فلأن المباشر قطع تسببه.
قال: (وإن غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته (١) صاعقة ففيه الدية. وإن مات بمرض فعلى وجهين).
أما كون الدية فيما إذا غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته صاعقة على غاصبه؛ فلأن فعل (٢) غاصبه جاز أن يكون له أثر في تلفه بذلك. فكان ضمانه على غاصبه؛ كما لو غصب مالاً فتلف بسبب غصبه.
وأما كونها فيما إذا غصبه (٣) فمات بمرض على غاصبه على وجه؛ فلأنه تلف في يده. أشبه ما لو أصابته صاعقة عنده.
وأما كونها ليست في ذلك عليه على وجه؛ فلأنه لا أثر للغاصب في ذلك. أشبه ما لو كان كبيراً.
قال: (وإن اصطدم نفسان (٤) فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر. وإن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر. وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر ضمان الواقف ودابته؛ إلا أن يكون في طريق ضيّق قاعداً أو واقفاً فلا ضمان فيه وعليه ضمان ما تلف به).
أما كون عاقلة كل واحد من النفسين المتصادمين عليها (٥) دية الآخر إذا ماتا أي بذلك؛ فلأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وذلك قتل خطأ.
стр. 2443
فكانت دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر؛ لما تقدم من أن العاقلة تحمل قتل الخطأ.
وأما كون كل واحد من الراكبين السائرين عليه قيمة دابة الآخر إذا ماتتا أي بذلك؛ فلأن تلف دابة كل واحد منهما حصل بصدمة الآخر. فوجب ضمان الدابة على متلفها؛ كما لو أتلفها بغير المصادمة.
وأما كون السائر على عاقلته ضمان الواقف وعليه ضمان دابته إذا كان أحدهما يسير والآخر واقفاً ولم يكن في طريق ضيق؛ فلأنهما تلفا بصدمة السائر من غير تعد في الوقوف، وضمان النفس على العاقلة لأنه قتل خطأ وضمان المال على المتلف لأن العاقلة لا تحمل ذلك.
فإن قيل: كلام المصنف يقتضي أن يكون ضمان الكل على السائر فإنه قال: فعلى (١) السائر ضمان الواقف ودابته.
قيل: ليس الحكم كذلك صرح به صاحب النهاية وغيره.
وظاهر كلام المصنف ﵀ أن دم السائر هدر لأنه لم يوجبه على أحد بل جعل ضمان الواقف عليه لتعد به. وهو صحيح صرح به صاحب النهاية فيها وغيره.
وأما كون القاعد أو الواقف في الطريق الضيق لا ضمان فيه؛ فلأن السائر لم يتعد عليه بل القاعد أو الواقف (٢) هو المتعدي عليه، ولذلك يجب عليه ضمان ما أتلف من السائر وماله. لكن يكون ضمان النفس على عاقلة القاعد أو الواقف، وضمان المال على المتلف لما تقدم.
ولا بد أن يلحظ أن الطريق الضيق غير مملوك للواقف أو القاعد لأنه إذا كان مملوكاً له (٣) لم يكن متعدياً بوقوفه بل السائر هو المتعدي لسلوكه ملك غيره بغير إذنه.
стр. 2444
قال: (وإن أركب (١) صبيين لا ولاية له عليهما فاصطدما فماتا فعلى عاقلته ديتهما).
أما كون دية الصبيين المذكورين على عاقلة من أركبهما؛ فلأن من أركبهما تعدى بإركابه من لا ولاية له عليه وتصادمهما وركوبهما وهما مما لا يعتبر فعلهما. فوجب إضافة القتل إلى من أركبهما وهو خطأ فلزم كون ديتهما على عاقلة من أركبهما؛ كما لو قتل خطأ.
وأما كون ما ذكر يشترط فيه أن يكون الراكبان صبيين، وأن يكون من (٢) أركبهما لا ولاية له عليهما؛ فلأنه لو أركب صبيين له عليهما ولاية لم يضمنهما هو ولا عاقلته لأنه إركاب مأذون فيه. فلم يترتب عليه ما يترتب على المتعدي.
قال: (وإن رمى ثلاثة بمنجنيق فقتل الحجر إنساناً فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته. وإن قتل أحدهم ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يُلغى فعل نفسه وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية.
والثاني: عليهما كمال الدية.
والثالث: على عاقلته ثلث الدية لورثته وثلثاها على عاقلة الآخرين. وإن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالّة في أموالهم).
أما كون ثلث دية الإنسان المقتول بالحجر على عاقلة كل واحد ممن ذكر؛ فلأن قتله حصل بفعل الثلاثة. فوجب تثليث الدية على العاقلة.
وأما كون أحدهم إذا قتله الحجر يلغي فعل نفسه في وجهٍ فقياس على المتصادمين وقد تقدم ذكره.
فعلى هذا يجب كمال الدية على عاقلة صاحبيه. صرح بذلك المصنف ﵀ في المغني ولم يرتب المصنف ﵀ على إلغاء فعل نفسه كمال الدية بل رتب عليه وجوب ثلثي الدية على عاقلة صاحبيه. [ولا أعلم له وجهاً بل وجه إيجاب
стр. 2445
ثلثي الدية على عاقلة صاحبيه] (١) أن يجعل ما قابل فعل المقتول ساقطاً لا يضمنه أحد لأنه شارك في إتلاف نفسه. فلم يضمن ما قابل فعله؛ كما لو شارك في قتل بهيمته أو عبده. وهذا صرح به المصنف ﵀ في المغني ونسبه إلى القاضي.
وأما كون كمال الدية على عاقلة صاحبيه في وجهٍ؛ فلما مر.
وأما كون ثلث دية المقتول على عاقلته لورثته، وثلثيها على عاقلة الآخرين في وجهٍ: أما الأول فمبني على أن من قتل نفسه خطأ تجب الدية على عاقلته لورثته. وأما الثاني؛ فلأن العاقلة إذا تحملت ثلث الدية بقي ثلثاها على عاقلة الآخرين.
فإن قيل: ما الصحيح من الوجوه الثلاثة؟
قيل: قال أبو الخطاب: قياس المذهب الأول.
وقال المصنف ﵀ في المغني: ما ذكر القاضي أحسن وأصح وقد روي عن علي نحوه في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.
قال الشعبي: «وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فارين فركبت إحداهن على عنق الأخرى. وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فماتت. فرفع ذلك إلى علي ﵁ فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهن» (٢). وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها وهذه شبيهة بمسألتنا.
ولأن المقتول مشارك في القتل. فلم تكمل الدية على شريكيه؛ كما لو قتلوا واحداً من غيرهم. هذا كله نص المصنف ﵀ في المغني.
وأما كون الدية حالّة في أموالهم إذا كانوا أكثر من ثلاثة: أما كونها حالّة؛ فلأنها متى وجبت على القاتل كانت حالّة لما تقدم في باب العفو عن القصاص (٣).
وأما كونها في أموالهم؛ فلأن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث لما يأتي (٤) إن شاء الله تعالى (٥).
стр. 2446
واعلم أن الدية على الرماة صحيح على الوجه الثاني والثالث: أما على الوجه الأول الذي قررته قبل فلا؛ لأن الرمي لو كان من أربعة وجعل فعل المقتول هدراً بقيت الدية على الثلاثة الباقية وكان على عاقلة كل واحد ثلث الدية فلا يلزم أن تحمل العاقلة ما دون الثلث.
قال: (وإن جنى إنسان على نفسه أو طرفه خطأ فلا دية له. وعنه: على عاقلته ديته لورثته ودية طرفه لنفسه).
أما كون جناية الإنسان على نفسه أو طرفه خطأ لا دية له بها على المذهب؛ فـ «لأن عامر بن الأكوع بارزَ مرحباً يوم خيبر فرجعَ سيفه على نفسه فمات» (١). ولم ينقل أن النبي ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجب لبينه ﷺ .
ولأنه جنى على نفسه. فلم يضمنه لغيره؛ كالعمد.
ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفاً عنه وليس على الجاني هنا شيء يحتاج فيه إلى الإعانة والمواساة. فلا وجه للإيجاب.
وأما كون دية جنايته على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي «أن رجلاً ساقَ حماراً ضربه بعصاً كانت معه. فطارت منها شظية فأصابت عينه ففقأتها. فجعل عمر ﵁ ديته على عاقلته. وقال: هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد». ولم يعرف له مخالف في عصره.
ولأنها جناية خطأ. فكان عقلها على العاقلة؛ كما لو قتل غيره.
فعلى هذه الرواية إن كانت الجناية قتلاً نظرت فإن كانت العاقلة غير الورثة وجبت دية النفس عليهم لورثة الجاني، وإن كانوا هم الورثة فلا شيء عليهم لأنه لا يجب على الإنسان شيء لنفسه وإن كانت الجناية على غير النفس وجبت الدية على العاقلة للجاني.
стр. 2447
فإن قيل: ما الصحيح من ذلك؟
قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ أن الرواية الأولى أصح. وصرح به في المغني لأن عدم إيجاب النبي ﷺ على عاقلة ابن الأكوع شيئاً يدل عليه لا سيما وقد اعتضد بأن العلة المقتضية للإيجاب على العاقلة منتفية.
وقال القاضي: أظهرهما -يعني أظهر الروايتين- الوجوب على العاقلة لقضاء عمر لا سيما ولم يعرف له مخالف (١) فيكون إجماعاً.
قال: (وإن نزل رجل بئراً فخر عليه آخر فمات الأول من سقطته فعلى عاقلته ديته. وإن سقط ثالث فمات الثاني به فعلى عاقلته ديته. وإن مات الأول من سقطتهما فديته على عاقلتهما).
أما كون دية الأول على عاقلة الثاني؛ فلأن الأول مات من سقوط الثاني فيكون هو قاتله. فوجبت الدية على عاقلته؛ كما لو باشره بالقتل خطأ.
وأما كون دية الثاني على عاقلة الثالث؛ فلأن فعل الثالث بالثاني كفعل الثاني بالأول، وقد وجبت دية الأول على عاقلة الثاني فكذا تجب دية الثاني على عاقلة الثالث.
وأما كون دية الأول على عاقلتي الثاني والثالث إذا مات من سقطتهما؛ فلأن موت الأول حصل بفعلهما القاتل خطأ. فوجب توزيع ديته على عاقلتهما.
قال: (فإن كان الأول جذب الثاني وجذب الثاني الثالث فلا شيء على الثالث وديته على الثاني في أحد الوجهين، وفي الثاني على الأول والثاني نصفين ودية الثاني على الأول).
أما كون الثالث لا شيء عليه؛ فلأن وقوعه حصل بجذب الثاني فلا أثر له في قتل أحد.
وأما كون ديته على الثاني في وجهٍ؛ فلأنه جذبه وباشره، والمباشرة تقطع حكم السبب؛ كالحافر مع الدافع.
стр. 2448
وأما كونها على الأول والثاني نصفين في وجهٍ؛ فلأن الأول جذب الثاني الجاذب للثالث فصار مشاركاً للثاني في إتلاف الثالث.
وأما كون دية الثاني على الأول؛ فلأنه جذبه من غير مشارك له في ذلك.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ أن الدية على من ذكر لا على عاقلتهم، وصرح في المغني أن دية الثالث على عاقلة الثاني أو على عاقلته وعاقلة الأول نصفين وأن دية الثاني على عاقلة الأول.
قيل: قال صاحب النهاية فيها بعد ذكره المسألة: هذا عمد خطأ. وهل يجب في مال الجاني أو على العاقلة؟ فيه خلاف بين الأصحاب. فلعل المصنف ﵀ ذكر أحد الوجهين هنا والآخر في المغني.
قال: (وإن كان الأول هلك من وقعة الثالث احتمل أن يكون ضمانه على الثاني، واحتمل أن يكون نصفها على الثاني وفي نصفها الآخر وجهان).
أما كون ضمان الأول المذكور يحتمل أن يكون على الثاني؛ فلأن هلاكه حصل بجذبه وجذب الثاني وفعله ملغى كالمتصادمين فتعين إضافة التلف إلى الثاني.
وأما كون نصف الدية يحتمل أن تكون على الثاني؛ فلأن الهلاك حصل بفعله وفعل غيره.
وأما كون نصف الدية فيه وجهان؛ فلأنه متسبب عن (١) جنايته على نفسه وقد تقدم في جناية الإنسان على نفسه الروايتان المتقدم ذكرهما في موضعه.
قال: (وإن خر رجل في زبية أسد فجذب آخر وجذب الثاني ثالثاً وجذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد: فالقياس أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني وعلى عاقلة الثاني دية الثالث وعلى عاقلة الثالث دية الرابع. وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على عاقلة الأول والثاني نصفين ودية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً. وروي عن علي أنه قضى للأول بربع الدية وللثاني بثلثها وللثالث بنصفها
стр. 2449
وللرابع بكمالها على من حضرهم ثم رفع إلى النبي ﷺ فأجاز قضاءه فذهب الإمام أحمد إليه توقيفاً).
أما كون القياس أن دم الأول هدر وأن دية الثاني على عاقلة الأول ودية الثالث على عاقلة الثاني ودية الرابع على عاقلة الثالث؛ فلأن الأول تلف بسبب جذبه غيره. أشبه ما لو قتل نفسه، والثالث تلف بسبب جذب الثاني فتكون ديته على عاقلته، والرابع تلف بسبب جذب الثالث فتكون ديته على عاقلته.
وأما كون دية الثالث على عاقلة الثاني والأول نصفين على الوجه الآخر؛ فلأن جذبهما سبب لهلاكه. فوجب كون ديته على عاقلتهما نصفين؛ كما لو قتلاه خطأ.
وأما كون دية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً؛ فلأن جذب الثلاثة سبب لتلافه، وذلك يقتضي كون الدية (١) بين العاقلة أثلاثاً.
وأما كون الإمام أحمد ذهب إلى ما روي عن علي ﵁ توقيفاً؛ فلأنه صحابي لا سيما وقد اعتضد بما روي من رفعه إلى النبي ﷺ وإجازته قضاءه.
فإن قيل: كيف روي عن علي ﵁؟
قيل: روى حنش الصنعاني «أن قوماً من أهل اليمن حفروا زُبْية للأسد. فاجتمعَ الناسُ على رأسها. فهوى فيها واحدٌ، فجذبَ ثانياً، فجذبَ الثاني ثالثاً، ثم جذبَ الثالثُ رابعاً، فقتلهم الأسد. فرُفعَ ذلك إلى علي ﵁ فقال: للأول ربعُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه ثلاثة، وللثاني ثلثُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه اثنان، وللثالث نصفُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه واحد، وللرابع كمالُ الدية. وقال: فإني أجعلُ الديةَ على من حضرَ رأس البئر. فرُفعَ ذلك إلى النبي ﷺ فقال: هو كما قال» (٢). رواه سعيد بن منصور.
стр. 2450
قال: (ومن اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس به مثل ضرورته فمنعه حتى مات ضمنه نص عليه. وخرّج عليه أبو الخطاب كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل. وليس ذلك مثله).
أما كون من اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس بمالكه مثل ضرورته فمنعه منه حتى مات يضمنه على المنصوص؛ فلأن عمرَ ﵁ قضى بذلك.
ولأنه إذا اضطر إليه صار المضطر أحق من مالكه وله (١) أخذه منه قهراً. فإذا منعه منه فقد تسبب إلى هلاكه بمنعه ما يستحقه. فلزمه ضمانه؛ كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك.
وكلام المصنف ﵀ مشعر بأشياء:
أحدها: أن الضمان يجب على المانع؛ لأنه أضاف الضمان إليه. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ذكره المصنف ﵀ في المغني وعلله بأنه تعمد الفعل الذي يقتل مثله غالباً.
وقال القاضي: هو على عاقلته؛ لأنه قتلٌ لا يوجب القصاص فيكون شبهَ العمد.
وثانيها: أن يطلب المضطر ذلك من مالكه لأن قوله: فمنعه يدل عليه. فإن لم يطلبه من مالكه فمات لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه فعل تسبب به إلى هلاكه.
وثالثها: أن لا يكون بمالكه مثل ضرورته. فإن كان به مثل ضرورته فطلبه منه فمنعه فمات لم يضمنه؛ لأنه لا يجب عليه بذل طعامه في تلك الحال. وفي قول النبي ﷺ : «ابدَأ بنفسكَ ثم بمن تعُول» (٢): تنبيهٌ على ذلك.
стр. 2451
وأما كون كل من قدر على إنجاء شخص من هَلَكة فلم يفعل حتى مات يخرج على ذلك على قول أبي الخطاب؛ فلاشتراكهما في القدرة على سلامته وخلاصه من الموت.
وأما كون ذلك ليس مثله على اختيار المصنف ﵀؛ فلأن الهلاك هنا لم يكن بسبب منه. فلم يضمنه؛ كما لو لم يعلم حاله. والمعني بذلك: أن التخريج يقتضي المساواة ولا مساواة بينهما؛ لأنه في مسألة الطعام منعه منعاً كان سبباً في هلاكه. بخلاف مسألة القدرة على إنجائه؛ لأنه لم يفعل شيئاً هو سبب لهلاكه.
قال: (ومن أفزع إنساناً فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته. وعنه: لا شيء عليه).
أما كون من أفزع إنساناً فأحدث بغائط عليه ثلث ديته على المذهب فلأنه يروى عن عثمان ﵁.
قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه.
وأما كونه لا شيء عليه على روايةٍ؛ فلأن الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جَمَال، وليس هاهنا شيء من ذلك.
والأول أصح لقضاء عثمان ﵁. لا سيما وذلك في مظنة الشهرة ولم ينقل خلافه فيكون إجماعاً، وأن قضاء الصحابي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف. وحكم من أفزع إنساناً فأحدث ببول أو ريح حكم من أفزع إنساناً فأحدث بغائط؛ لأنه يروى عن عثمان أيضاً ويدل عليه دليل الرواية الثانية. وحكم من ضرب إنساناً فأحدث بغائط أو بول أو ريح حكم من أفزعه فأحدث بما ذكر؛ لأنه يساويه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً (١).
стр. 2452
فصل [فيمن أدب ولده فتلف]
قال المصنف ﵀: (ومن أدّب ولده، أو امرأته في النشوز، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فأفضى إلى تلفه: لم يضمنه. ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى عاقلته الدية).
أما كون من أدّب ولده، أو امرأته، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فتلف: لم يضمنه على المذهب؛ فلأن كل واحد منهم فعل ما يُشرع له فعله. فلم يضمن ما تولد منه؛ كقطع يد السارق إذا سرى إلى نفسه.
وأما كون وجوب الضمان يتخرج على (١) ما قاله الإمام أحمد فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى العاقلة الدية؛ فلأنه في معناه. وكلام المصنف ﵀ متضمن بيان الحكم في المخرج عليه.
والأصل في ضمان الجنين والأم: أما الجنين؛ فما روي «أن عمر ﵁ بعث إلى امرأة مُغيّبةٍ كان يُدخل عليها. فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر. فبينا هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر أصحاب رسول الله ﷺ ، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدب. وصمتَ علي. فأقبل عليه عمر. وقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحُوا لك. إن ديَتَه عليك؛ لأنك أفزعتَها فألقتْه. فقال عمر: أقسمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» (٢).
стр. 2453
وأما الأم؛ فلأنها هلكت بإرسال السلطان إليها فضمنها كجنينها. أو يقال: نفس هلكت بسببه. فوجب أن يضمن؛ كما لو ضربها فماتت.
قال: (وإن سلم ولده إلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه. ويحتمل أن تضمنه العاقلة).
أما كون السابح لا يضمن الولد بما ذكر على المذهب؛ فلأنه فَعَل ما جرت العادة به لمصلحته. فلم يَضمن ما تلف به؛ كما لو ضرب المعلم الصبي ضرباً معتاداً فتلف.
وأما كونه يحتمل أن تضمنه العاقلة؛ فلأن الوالد سلم ولده إليه ليحتاط في حفظه فإذا غرق نسب إلى التفريط. فوجب أن تضمنه عاقلته؛ لأنه قتل خطأ.
قال: (وإن أمر عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك بذلك لم يضمنه؛ إلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين. وإن وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لم يضمنه).
أما كون الآمر (١) لمن ذكر لا يضمنه إذا لم يكن السلطان؛ فلأن الهالك هلك بفعل نفسه. فلم يضمنه الآمر؛ كما لو قال له: اقتل نفسك.
وأما كون الآمر (٢) لا يضمنه أيضاً إذا كان السلطان على وجه؛ فلذلك.
وأما كونه يضمنه على وجه؛ فلأن من أمره السلطان لا يقدر على الامتناع فصار كالمكره على ذلك، والمكره يجب ضمان فعله على المكره.
وأما كون من وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لا يضمنه؛ فلأن التلف لم يكن من فعل الواضع، والوضع (٣) كان في ملكه. فلم يكن متعدياً.
стр. 2454
باب مقادير ديات النفس
قال المصنف ﵀: (دية الحر المسلم مائةٌ من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألفُ مثقال، أو اثنا عشر ألف درهم. فهذه الخمس أصولٌ في الدية. إذا أَحضر من عليه الدية شيئاً منها لزم قبوله. وفي الحُلَل روايتان: إحداهما: ليست أصلاً في الدية، وفي الأخرى: أنها أصل وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن كل حلة بردان. وعنه: أن الإبل هي الأصل خاصة وهذه أبدال عنها فإن قدر على الإبل وإلا انتقل إليها).
أما كون الخمس المذكورة أصولاً في الدية؛ فلأن عمرو بن حزم روى في كتابه: «أن رسول الله ﷺ كتبَ إلى أهل اليمن: وأن في النفسِ المؤمنةِ مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار» (١). رواه النسائي.
وفي حديث ابن عباس «أن رجلاً من بني عدي قُتل. فجعلَ رسولُ الله ﷺ ديتَهُ اثني عشرَ ألفاً» (٢). رواه أبو داود [وابن ماجة.
وفي الحديث أن عمر قال: «على أهل الذهبِ ألفُ دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشرَ ألفاً، وعلى أهل البقرِ مائتا بقرة، وعلى أهل الشاةِ ألفَا شاة» (٣). رواه أبو داود] (٤).
وأما كون الحلل ليست أصلاً في روايةٍ؛ فلأنها تختلف ولا تنضبط.
стр. 2455
وأما كونها أصلاً في روايةٍ؛ فلأن في حديث عمر: «وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتا حُلَّة» (١). رواه أبو داود.
فعلى هذا تكون السّتُ أصولاً.
وأما كون قدرها مائتي حلة؛ فلما ذكر في الحديث المذكور.
وأما كون الحلل من حلل اليمن؛ فلأنها تنسب إليه.
وأما كون كل حلة بردين؛ فلأن ذلك هو المتعارف.
وأما كون الإبل هي الأصل خاصة على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ألا! إن في قتيلِ العصَا والسوطِ مائةٌ من الإبل» (٢).
ولأنه (٣) فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل.
فعلى هذه بقية ما ذكر أبدال عنها؛ لأن ذلك أقل ما تحمل الأحاديث عليه.
وأما كون من (٤) عليه الدية إذا أحضر شيئاً من الخمس المذكورة على الرواية الأولى يلزم مستحق الدية قبوله؛ فلأن من عليه الدية قد أحضر أصلاً فلزم قبوله كما لو أحضر الإبل.
وعلى هذا إذا أحضر من عليه الدية إحدى الست المذكورة على روايةِ كون الحلل أصلاً يلزم مستحقها قبوله لما ذكر في الخمس.
وأما كون من قدر على الإبل على روايةِ كونها هي الأصل خاصة تلزمه (٥)؛ فلأن الحق متعين. فتعينت؛ كالمثل في المثليات.
فعلى هذا إذا أحضر غيرها لم يلزم مستحقها قبوله؛ لأنه غير ما وجب له.
وأما كون من لم يقدر على الإبل ينتقل إلى أحد الأبدال عنها؛ فلأنه بدل عنها. أشبه التيمم إذا عدم الماء.