← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وأما كون من قطع [اليد من فوق] (١) الكوع، والرجل من فوق الكعب لا يزاد على الدية في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن اليد اسم للجميع إلى المنكب، والرجل اسم للجميع إلى الفخذ. فإن قيل: فيجب أن لا يجب بقطعها من الكوع الدية. قيل: لا يلزم من وجوب الدية في شيء عدم وجوبها فيما دونه. بدليل أن الدية تجب في اليد من الكوع، وتجب في قطع الأصابع دون الكف. وأما كون الزائد فيه حكومة على قول القاضي؛ فكما لو قطع يده من الكوع ثم قطع ذلك. قال: (وفي مارن الأنف وحشفة الذكر وحلمتي الثديين وكسر ظاهر السن دية العضو كاملة. ويحتمل أن يلزم من استوعب الأنف جدعاً دية وحكومة في القصبة). أما كون مارن الأنف -وهو ما لان منه- (٢) فيه دية الأنف كاملة؛ فلأن الجمال يذهب بذلك. أشبه الأنف كله. وأما كون الأنف إذا استوعب جدعاً فيه الدية فقط؛ فلأنه روي عن طاوس أنه قال (٣) في كتاب رسول الله ﷺ : «وفي (٤) الأنفِ إذا أُوعِبَ مارِنُهُ جَدْعاً الدية» (٥). وأما كونه يحتمل أن يجب في المارن دية (٦) وحكومة في القصبة؛ فلما تقدم في قطع اليد من فوق الكوع. وأما كون حشفة الذكر فيها دية الذكر؛ فلأن منفعته تكمل بالحشفة كما تكمل منفعة اليد بالأصابع، وفي الأصابع بلا كف دية كاملة. فكذلك الحشفة.

стр. 2487

وأما كون حلمتي الثديين فيهما دية الثديين؛ فلأنه ذهب من الثديين ما تذهب المنفعة بذهابه. فوجب (١) ديتهما كاملة؛ كالأصابع من الكف وحشفة الذكر. بيان ذهاب المنفعة أن بهما يشرب الصبي ويرتضع (٢) فيهما؛ كالأصابع في الكف. وأما كون كسر ظاهر السن فيه دية السن؛ فلأنه هو المسمى سناً وما خفي باللثة يسمى سنخاً. قال: (وفي قطع بعض المارن والأذن والحلمة واللسان والشفة والحشفة والأنملة والسن وشق الحشفة طولاً بالحساب من ديته [يقدر بالأجزاء). أما كون قطع ما ذكر فيه بالحساب من ديته] (٣)؛ فلأن من (٤) تجب الدية في جميعه يجب أن تجب في بعضه بالحساب. وأما كون ذلك يقدر بالأجزاء؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بمقدار الجناية، وهو مطلوب؛ لما فيه من تحصيل العلم بمقدار الواجب. وأما كون شق الحشفة طولاً بالحساب؛ فلأنه نقص. فيجب أن يجب بحسابه؛ كالقطع. قال: (وفي شلل العضو أو إذهاب نفعه، والجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان، وتسويد السن والظفر بحيث لا يزول: ديته. وعنه: في تسويد السن ثلث ديتها. وقال أبو بكر: فيها حكومة). أما كون شلل العضو فيه ديته؛ فلأنه يذهب بشلله المنفعة المقصودة منه. فوجب أن تجب فيه الدية؛ كما لو جنى على عينه فذهب ضوؤها. وأما كون إذهاب نفع العضو فيه ديته؛ فلأن ذلك في معنى شلله، وذلك يوجب الدية. فكذلك ما في معناه لأن التساوي معنى يوجب التساوي حكماً.

стр. 2488

وأما كون الجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان فيها دية الشفتين؛ فلأن الجاني الجناية المذكورة عطل منفعة الشفتين. فوجب أن تجب عليه ديتهما؛ كما لو أشلهما. وأما كون تسويد السن فيه دية السن كاملة على المذهب؛ فلأنه قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً. ولأنه ذهب (١) جمالها بتسويدها. فكملت ديتها على من سودها؛ كما لو سود وجهه. وأما كون ذلك فيه ثلث دية السن على روايةٍ؛ فلأنه منقول عن بعض الصحابة. وأما كونه فيه حكومة على قول أبي بكر (٢)؛ فلأنه لم تذهب منفعتها. أشبه ما لو تغير لون عينه وهو يبصر. وأما كون تسويد الظفر بحيث لا يزول فيه دية الظفر؛ فلما ذكر في السن. فإن قيل: هلا خرج فيه من الخلاف ما خرج في السن (٣)؟ قال: (وفي العضو الأشل من اليد والرجل والذكر والثدي، ولسان الأخرس، والعين القائمة، وشحمة الأذن، وذكر الخصي والعنين، والسن السوداء، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، وقصبة الأنف، واليد والإصبع الزائدتين (٤): حكومة. وعنه: ثلث ديته. وعنه: في ذكر الخصي والعنين كمال ديته). أما كون العضو الأشل من اليد فيه حكومة على الأول؛ فلأنها يد لا منفعة فيها. أشبهت اليد الزائدة.

стр. 2489

وأما كونها فيها ثلث دية اليد على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسولُ الله ﷺ في اليدِ الشلاءِ إذا قُطِعتْ بِثُلُثِ ديتِها» (١). وهذه أولى؛ لأن دليل الأول قياس في مقابلة النص. ولأن ذلك يروى عن عمر بن الخطاب (٢). ولأن اليد المذكورة كاملة الصورة. فوجب أن يكون فيها مقدر؛ كالصحيحة. وأما كون العضو الأشل من الرجل والذكر والثدي فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأنه كاليد الشلاء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. وأما كون لسان الأخرس فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأن خرس اللسان كشلل الأعضاء المذكورة. فوجب أن يخرج فيه ما خرج في العضو الأشل. وأما كون العين القائمة فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأنها في معنى اليد الشلاء. ويعضده أن في حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره: «قضى رسول الله ﷺ في العينِ القائمةِ السَّادة (٣) لمكانِها بُثلُثِ الدية» (٤). وأما كون شحمة الأذن فيها الروايتان المذكورتان (٥). وأما كون ذكر الخصي والعنين فيه حكومة على الأول؛ فلأن نفعه ذهب. أشبه العضو الأشل. وأما كونه فيه ثلث دية (٦) الذكر على روايةٍ؛ فلأن منفعة الإنزل والإحبال معدوم فيه. فلم تبلغ ديته الدية، ولم تنقص عن ثلثها؛ كالعين القائمة. وأما كونه فيه كمال دية الذكر على روايةٍ؛ فلعموم قوله ﵇: «وفي الذَّكرِ الدية» (٧).

стр. 2490

وأما كون السن السوداء فيها الروايتان المذكورتان؛ فلأن سوادهما كشلل (١) اليد معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. ويعضد رواية (٢) ثلث دية السن أن في حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره: «وفي السنِّ السودَاءِ إذا قُلِعَتْ ثلث ديتها» (٣). رواه النسائي. ولأنها كاملة الصورة. فكان فيها مقدّر؛ كالصحيحة. وأما كون الثدي دون حلمته فيه الروايتان المذكورتان في اليد الشلاء؛ فلأن ذهاب الحلمة كالشلل في اليد؛ لأن نفع الثدي يذهب بذهاب الحلمة؛ كما يذهب نفع اليد بشللها. وأما كون الذكر دون حشفته فيه الروايتان المذكورتان (٤)؛ فلأن ذهاب الحشفة كالشلل؛ لاشتراكهما في ذهاب المنفعة. وأما كون قصبة الأنف فيها الروايتان المذكورتان؛ فلأن نفع الأنف يذهب بذهاب القصبة. أشبه ذهاب منفعة اليد لشللها. وأما كون اليد والإصبع الزائدتين فيهما الروايتان فبالقياس على اليد الشلاء. والأولى أن فيهما الحكومة؛ لأن التقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف، أو مماثلة لما فيه توقيف. وليس ما ذكر مماثلاً لليد الشلاء؛ [لأن اليد الشلاء] (٥) يحصل (٦) بها الجمال، واليد الزائدة والإصبع الزائدة لا جمال فيها في الغالب.

стр. 2491

قال: (فلو قطع الأنثيين والذكر معاً أو الذكر ثم الأنثيين لزمه ديتان. ولو قطع الأنثيين ثم قطع الذكر وجبت دية الأنثيين. وفي الذكر روايتان إحداهما: دية، والأخرى: حكومة أو ثلث الدية). أما كون قطع الأنثيين والذكر معاً أو الذكر أولاً ثم الأنثيين يلزم قاطعهما ديتان؛ فلأن كل واحد منهما إذا قطع منفرداً وجبت ديته فإذا اجتمع قطعهما وجبت ديتان. وأما كون قطع الأنثيين أولاً ثم الذكر يجب في الأنثيين ديتهما وفي الذكر الروايتان المتقدم ذكرهما؛ فلأن قطع الأنثيين لم يصادف ما يوجب نقصهما عن ديتهما، وقطع الذكر نظراً إلى أنه ذكر فيه دية الذكر (١)؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ : «في الذكرِ الدية» (٢)، ونظراً إلى أنه صادف ذكر خصي فيه ما تقدم في ذكر الخصي. قال: (وإن أشل الأنف أو الأذن أو عوجهما [ففيه حكومة. وفي قطع الأشل منهما كمال ديته). أما كون من ذُكر] (٣) عليه في ذلك حكومة؛ فلأنه لا تقدير في ذلك، والحكومة واجبة في كل موضع لا مقدر فيه. فإن قيل: شلل كل عضو بمنزلة قطعه. فلم لم يكن الأمر هاهنا كذلك؟ قيل: لأن نفع الأنف والأذن باق مع الشلل. بخلاف اليد فإن نفعها غير باق. وإنما قلنا أن نفع الأنف كونه مجرى اجتذاب الهواء، ونفع الأذن كونها تجمع الصوت ويمنع دخول الهوام في الصماخ، وذلك كله موجود مع الشلل. وأما كون قطع الأشل من الأنف والأذن فيه كمال ديته؛ فلأنه صادف عضواً كامل المنفعة والجمال. أشبه الصحيح.

стр. 2492

قال: (وتجب الدية في الأنف الأخشم والمخزوم وأذني الأصم. وإن قطع أنفه فذهب شمه، أو أذنيه فذهب سمعه: وجبت ديتان. وسائر الأعضاء إذا أذهبها بنفعها لم تجب إلا دية واحدة). أما كون أنف الأخشم والمخزوم تجب فيه الدية؛ فلقوله ﵇: «وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعاً الدية» (١). وأما كون أذني الأصم تجب فيهما الدية؛ فلعموم قوله ﵇: «وفي الأذنينِ الدية» (٢). ولأن الصمم نقص في غير الأذن فلا يؤثر في دية الأذن. وأما كون من قطع أنف شخص فذهب شمه، أو أذنيه فذهب سمعه عليه في ذلك ديتان؛ فلأن الشم في غير الأنف، والسمع في غير الإذن. فلم تدخل إحدى الديتين في الأخرى. وأما كون سائر الأعضاء إذا أذهبها بنفعها لا تجب فيها إلا دية واحدة؛ فلأن تفويت (٣) نفعه وقع ضمناً، والعضو الفائت ضمناً لا شيء فيه. دليله القتل فإنه وجب دية واحدة وإن أتلف أشياء وتجب بكل واحدة منهما الدية. ومما ذكر فارقت سائر الأعضاء، والأنف إذا ذهب معه الشم، والأذن إذا ذهب معها السمع لأن كل واحد من الأمرين في غير الأنف والأذن. فذهاب أحدهما مع الآخر ذهاب لما ليس أحدهما نفعاً للآخر. والله أعلم.

стр. 2493

فصل في دية المنافع قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي كل حاسة دية كاملة. وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق. وكذلك تجب في الكلام، والعقل، والمشي، والأكل، والنكاح). أما كون كل حاسة فيها دية كاملة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه. وأما قول المصنف: وهي السمع والبصر والشم والذوق؛ فبيان لمعنى الحاسة وتعداد لها. وأما كون السمع فيه دية كاملة؛ فلأن النبي ﷺ قال: «وفي السمعِ الدية» (١). وروي «أن عمر رضي الله قضى في رجلٍ رمى رجلاً بحجرٍ في رأسهِ فذهبَ سمعهُ وعقلهُ ولسانهُ ونكاحهُ بأربعِ دياتٍ والرجلُ حي» (٢). وأما كون البصر فيه دية كاملة؛ فلأنها إذا أوجبت بإذهاب السمع والشم؛ فلأن تجب بإذهاب البصر بطريق الأولى؛ لأن انتفاع الإنسان بضوء عينيه أكثر من انتفاعه بالسمع والشم. وأما كون الشم فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي المشامِّ الدية» (٣). ولأن إذهاب ذلك ذهاب حاسة تختص بمنفعة. فكان فيها الدية؛ كسائر الحواس. وأما كون الذوق فيه دية كاملة؛ فلأن الذوق حاسة. أشبه بقية الحواس.

стр. 2494

قال المصنف في المغني: قياس المذهب أن لا دية فيه لأنه لا يُختلف في لسان الأخرس أنه لا تجب الدية فيه ولو وجب في الذوق الدية لوجبت في ذهابه فمع ذهاب اللسان بطريق الأولى. قال: والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لا دية منه لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل في منفعته دونه. دليله سائر الأعضاء. وأما كون الكلام كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته. دليله اليد. وأما كون العقل كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي العقلِ الدية» (١). ولأن العقل أكبر المعاني قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإن به يتميز من البهيمة ويعرف به صحة (٢) حقائق المعلومات ويهتدي به إلى المصالح ويدخل به في التكليف. وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات. فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس. وأما كون المشي كذلك أي يجب فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الصلبِ الدية» (٣). ولأن في المشي منفعة مقصودة. أشبه الكلام. وأما كون الأكل كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأنه قول علي ﵁. ولأن النكاح نفع مقصود. أشبه ذهاب المشي (٤).

стр. 2495

قال: (وتجب في الحدَب والصّعَر. وهو: أن يضربه فيصير الوجه في جانب، وفي تسويد الوجه إذا لم يزل، وإذا لم يستمسك الغائط أو البول: ففي كل واحد من ذلك دية كاملة). أما كون الحدَب تجب فيه دية كاملة؛ فلأن بذلك تذهب المنفعة والجمال لأن انتصاب القامة من كمال الجمال ومن شرف الآدمي على سائر الحيوان. وأما كون الصَّعَر تجب فيه دية كاملة؛ فلأن مكحولاً روى عن زيد بن ثابت أنه قال: «وفي الصَّعر الدية» (١). ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان إجماعاً. ولأن الصعر يذهب معه المنفعة والجمال. فوجب فيه دية كاملة؛ كسائر المنافع. وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يضربه فيصير الوجه في جانب؛ فبيان للصعر. وأصله داءٌ يأخذ البعيرَ يلتوي (٢) له عنقه. قال الله تعالى: ﴿ولا تُصَعِّر خدك للناس﴾ [لقمان: ١٨]. أي ولا تعرض عنهم بوجهك تكبراً كإمالة وجه البعير الذي به الصَّعَر. وأما كون تسويد الوجه إذا لم يزل فيه دية كاملة؛ فلأن بذلك يذهب كمال الجمال. فوجب أن تجب فيه كمال الدية؛ لما تقدم غير مرة. وأما كون الغائط أو البول إذا لم يستمسك في كل واحد دية كاملة؛ فلأن كل واحد من محليهما فيه (٣) منفعة ليس في البدن مثلها. فوجب في تفويتها دية كاملة؛ كسائر الأعضاء. قال: (وفي نقص شيء من ذلك إن علم بقَدْره؛ مثل: نقص العقل بأن يجن يوماً ويفيق يوماً، أو ذهاب بصر إحدى العينين، أو سمع إحدى الأذنين. وفي بعض الكلام بالحساب يقسم على ثمانية وعشرين حرفاً. ويحتمل أن يقسم على الحروف التي للّسان فيها عمل دون الشفوية كالباء والفاء والميم. وإن لم يُعلم قدره مثل إن صار مدهوشاً أو نقص سمعه أو بصره أو شمه، أو حصل في كلامه

стр. 2496

عجلة أو تمتمة، أو نقص مشيه، أو انحنى قليلاً، [أو تقلصت شفته بعض التقلص، أو تحركت سنه، أو ذهب اللبن من ثدي المرأة ونحو ذلك] (١): ففيه حكومة). أما كون نقص شيء مما ذكر إن علم بقدره؛ فلأن ما وجب في جميع الشيء وجب في بعضه بقدره؛ كإتلاف الأموال. وأما قول المصنف ﵀: مثل نقص العقل بأن يجن يوماً ويفيق يوماً ... إلى آخره؛ فبيان للنقص المعلوم قدره. فعلى هذا يجب فيما ذُكر نصف الدية؛ لأن ذلك ذهاب نصف العقل، ويجب في ذهاب ضوء إحدى العينين نصف الدية؛ لأن ذلك نصف البصر، ويجب في ذهاب سمع إحدى الأذنين نصف الدية؛ لأن ذلك نصف السمع. وأما كون بعض الكلام فيه بالحساب؛ فلأنه يساوي ما تقدم معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. وأما كون ذلك يقسم على ثمانية وعشرين حرفاً؛ فلأن لكل حرف باللسان تعلقاً: إما لأنه فيه، وإما لأن ما ليس فيه لا ينتفع به إلا مع الحرف اللساني. وأما كونه يحتمل أن يقسم على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفوية؛ فلأن الجناية صادفت اللسان. فوجب أن يعتبر ما له عمل فيها. فإن قيل: لم سقطت لا من الحساب [على الأول؟ وما الحروف التي للسان فيها عمل] (٢)؟ قيل: أما سقوط لا من الحساب؛ فلأن (٣) مخرجها مخرج الألف واللام. وأما الحروف التي للسان فيها عمل فقال المصنف ﵀ في المغني: الحروف الشفوية أربعة: الباء والميم والفاء والواو، والحروف الحلقية: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين. فهذه عشرة بقي ثمانية عشر.

стр. 2497

فعلى هذا الباقي من الحروف هو: التاء والثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والقاف والكاف واللام والنون والياء. وأما كون ما لا يعلم قدره كما مثل المصنف ﵀ فيه حكومة؛ فلأن ذلك كله لا يمكن تقديره لعدم العلم بمقداره. فوجب أن تجب فيه حكومة؛ كسائر ما لا تقدير فيه. قال: (وإن قطع بعض اللسان فذهب بعض الكلام اعتبر أكثرهما. فلو ذهب ربع اللسان ونصف الكلام أو ربع الكلام ونصف اللسان: وجب نصف الدية). أما كون ما ذكر يعتبر فيه الأكثر؛ فلأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون (١) بالدية منفرداً ومجموعهما (٢) مضموناً بها. فإذا اجتمعا وجب اعتبار الأكثر. وأما كونه يجب فيه نصف الدية؛ فلأن الأكثر من الذاهب يوجب (٣) ذلك. قال: (وإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام ثم قطع آخر بقيته: فعلى الأول نصف الدية، وعلى الثاني نصفها. ويحتمل أن يجب عليه نصف الدية وحكومة لربع اللسان). أما كون الأول عليه نصف الدية؛ فلأنه ذهب بجنايته نصف الكلام. وأما كون الثاني عليه نصفها لا غير على المذهب؛ فلأن اللسان ذهب بجنايتهما وقد ضمن الأول نصف الدية. فوجب أن يكون الباقي على الثاني. وأما كونه يحتمل أن يجب عليه نصف الدية والحكومة: أما نصف الدية؛ فلأنه ذهب بجنايته نصف الكلام. وأما الحكومة؛ فلأن الزائد على نصف اللسان أشل ولا حظ له في الدية. فوجب أن تجب فيه حكومة.

стр. 2498

قال: (وإن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه لم تجب إلا دية. وإن ذهبا مع بقاء اللسان ففيه ديتان). أما كون من قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه لا تجب له (١) إلا دية؛ فلأن فوات النطق والذوق حصل ضمناً. فلم يجب بهما شيء؛ كسائر الأعضاء مع النفس. وأما كون من ذهب نطقه وذوقه مع بقاء اللسان فيه ديتان؛ فلأن كل واحد منهما ذاهب لا على سبيل التبع. أشبه ما لو أذهب واحداً بعد واحد. قال: (وإن كسر صلبه فذهب مشيه ونكاحه ففيه ديتان. ويحتمل أن تجب دية واحدة). أما كون [ما ذكر] (٢) فيه ديتان على المذهب؛ فلأن المشي والنكاح متعتان تجب الدية بذهاب كل واحد منهما منفرداً. فإذا اجتمعا وجب فيهما ديتان؛ كالسمع والبصر. وأما كونه يحتمل أن تجب دية واحدة؛ فلأنهما نفع عضو واحد. فلم تجب فيها أكثر من دية واحدة؛ كما لو قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه. قال: (وإن اختلفا في نقص بصره أو سمعه فالقول قول المجني عليه. وإن اختلفا في ذهاب بصره أُري أهل الخبرة به (٣) وقرّب الشيء إلى عينه في وقت غفلته. وإن اختلفا في ذهاب سمعه أو شمه أو ذوقه صيح به في أوقات غفلته، وتتبع بالرائحة المنتنة، وأطعم الأشياء المرة فإن فزع مما يدنو من بصره أو انزعج للصوت أو عبس للرائحة أو الطعم المر سقطت دعواه، وإلا فالقول قوله مع يمينه). أما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف هو والجاني في نقص البصر والسمع؛ فلأن ذلك لا يعرف إلا من جهته. فكان القول قوله فيه؛ كما أن القول قول المرأة في حيضها لكونه لا يعلم إلا من جهتها.

стр. 2499

وأما كونه يُرى أهل الخبرة إذا اختلف هو والجاني في ذهاب بصره؛ فلأن ذلك تمكن معرفته منهم وهم فيما يخبرون به كالبيّنة. وأما كونه يقرب الشيء إلى عينه في وقت غفلته؛ فلأن ذلك يعلم به أَذَهَبَ بصره أم لا؟ . وأما كونه يصاح به في وقت غفلته إذا ادعى ذهاب سمعه، ويتتبع بالرائحة المنتنة إذا ادعى ذهاب شمه، ويطعم الأشياء المرة إذا ادعى ذهاب ذوقه؛ فلأن كل واحد مما ذكر يمكن الاستعلام به هل صدق في دعواه [أو كذب، ولذلك لم يرجع إلى قوله فيما إذا ادعاه. وأما (١) كونه تسقط دعواه] (٢) إذا فزع عندما يدنو إلى بصره أو انزعج للصوت أو عبس للرائحة المنتنة أو الطعم المر؛ فلأن ذلك دليل على كذبه. وأما كون القول قوله إذا لم يوجد منه ذلك؛ فلأن الظاهر صدقه.

стр. 2500

فصل [لا تجب دية الجرح حتى يندمل] قال المصنف ﵀: (ولا تجب دية الجرح حتى يندمل، ولا دية سن ولا ظفر ولا منفعة حتى ييئس من عودها). أما كون دية الجرح لا تجب حتى يندمل؛ فلأن الدية في الخطأ نظير القصاص في العمد، ولا يقتص من الجرح في العمد حتى يندمل. فكذلك لا تجب الدية في الخطأ حتى تندمل. وأما كون دية سن أو ظفر أو منفعة لا تجب حتى ييئس من عودها؛ فلأن اليأس من العود فيما ذكر كالاندمال في الجرح، ودية الجرح لا تجب حتى يندمل. فكذلك لا تجب دية سن ولا ظفر ولا منفعة حتى ييأس (١) من العود. قال: (ولو قلع سن كبير أو ظفره (٢) ثم نبت أو رده فالتحم، أو أذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه أو عقله ثم عاد: سقطت ديته. وإن كان قد أخذها ردّها. وإن عاد ناقصاً، أو عادت السن أو الظفر قصيراً أو متغيراً فعليه أرش نقصه. وعنه: في قلع الظفر إذا نبت على صفته خمسة دنانير، وإن نبت أسود ففيه عشرة). أما كون من قلع سن كبير أو ظفره (٣) ثم نبت تسقط ديته؛ فلأن المجني عليه عاد له مثل ما جني عليه. فلم تجب له دية؛ كما لو قلع (٤) من صبي لم يثغر.

стр. 2501

وأما كون من قلع ذلك ثم رده فالتحم تسقط ديته؛ فلأن ذلك في معنى نبات السن، وإذا (١) نبت تسقط. فكذلك ما هو في معنى (٢) النبات. وأما كون من أذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه أو عقله ثم عاد تسقط ديته؛ فلما ذكر في السنّ. وأما كون المجني عليه يردها إن كان قد أخذها؛ فلأنه تبين أنه لا حق له فيها. أشبه ما لو أخذ من شخص شيئاً ظناً منه أنه حقه ثم تبين أنه لا حق له في ذلك فإنه يجب عليه رد ما أخذ. فكذلك هاهنا. وأما كون الجاني عليه أرش النقص إذا عاد السمع أو البصر أو الشم ناقصاً؛ فلأن ذلك بمنزلة ما لو نقص ذلك ابتداء. وأما كونه عليه أرش نقص السن إذا عادت قصيرة أو متغيراً (٣)؛ فلأن ذلك نقصٌ فيها وعود الشيء ناقصاً يوجب لوجوب أرش النقص؛ لما تقدم. وأما كونه عليه أرش نقص الظفر إذا عاد قصيراً أو متغيراً على المذهب؛ فلأنه نقص. فكان عليه أرش نقصه؛ كالسنّ. وأما كون قلع الظفر إذا نبت على صفته فيه خمسة دنانير، وإن نبت أسود ففيه عشرة على روايةٍ. قال: (وإن قلع (٤) سن صغير ويئس من عودها وجبت ديتها. وقال القاضي: فيها حكومة). أما كون دية السن الموصوفة بما ذكر تجب على المذهب؛ فلأنه تيقن أنه قلع سناً مأيوساً من عودها. فوجب أن تجب ديتها؛ كما لو قلعها من كبير. وأما كونها فيها حكومة على قول القاضي؛ فلأن السن المذكورة لا تساوي سن الكبير. بدليل أن الدية عند القلع. فوجب أن لا يكون الواجبُ فيها الواجبَ فيها، وذلك يقتضي وجوب الحكومة؛ لأنها جناية لا مقدر فيها.

стр. 2502

والأولى أولى؛ لعموم قوله ﵇: «وفي السنِ خمسٌ من الإبل» (١). ودعوى عدم المساواة بينها وبين السن الكبيرة ممنوعة وما ذكر من الفرق بعدم الوجوب عند القلع فلأمر. وهو: أن العادة جارية بنبات سن الصغير، وشرط الوجوب اليٍأس من العود. فإذا أيس من عود سنه صار بمنزلة سن الكبير فلا فرق. فإن قيل: متى ييأس من عودها؟ قيل: المنقول عن الإمام أحمد بعد سنة؛ لأن ذلك هو الغالب في نباتها. وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ثم نبتت ولم تنبت هي؛ لأن الحال دلّ على ذلك. قال: (وإن مات المجني عليه فادعى الجاني عود ما أذهبه فأنكره الولي فالقول قول الولي. وإن جنى على سنه اثنان واختلفا فالقول قول المجني عليه في قدر ما أتلف كل واحد منهما). أما كون القول قول الولي في إنكاره لعود ما ادعى الجاني عوده؛ فلأن قوله يعضده الأصل من حيث إن الأصل عدم العود. وأما كون القول قول المجني عليه إذا جنى عليه اثنان واختلفا في قدر ما أتلف كل واحد منهما؛ فلأنه أعلم بذلك منهما.

стр. 2503

فصل [في دية الشعر] قال المصنف ﵀: (وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية وهي: شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين. وفي كل حاجب نصفها، وفي كل هدب ربعها، وفي بعض ذلك بقسطه من الدية. وإنما تجب ديته إذا أزاله على وجه لا يعود. فإن عاد سقطت الدية). أما كون كل واحد من الشعور الأربعة فيه الدية؛ فلأن في إذهاب كل واحد منها ذهاب منفعة جنس. أشبهت اليدين والرجلين وما أشبه ذلك. وأما قول المصنف ﵀: وهي شعر الرأس واللحية والحاجبين وأهداب العينين؛ فبيان للشعور الأربعة المتقدم ذكرها. وأما كون كل حاجب فيه نصف الدية؛ فلأن ما وجب الدية في شيء وجب نصفها في نصفه؛ كاليدين. وأما كون كل هدب فيه ربع الدية؛ فلأن في جميع الأهداب الدية وهي أربعة. فيجب أن يجب في كل هدب ربعها. وأما كون بعض ذلك بقسطه من الدية؛ فلأن ما وجب الدية في جميعه وجب في بعضه بقسطه. وأما قول المصنف ﵀: وإنما تجب ديته إذا أزاله على وجه لا يعود؛ فبيان لاشتراط عدم عود الشعور المذكورة للوجوب المذكور. ووجهه: أن احتمال العود في العادة يمنع من الوجوب. دليله سن الصغير. فعلى هذا إن أيس من عودها وجبت الدية. فإن عادت بعد ذلك سقطت؛ كالسن سواء.

стр. 2504

قال: (وإذا أبقى (١) من لحيته ما لا جمال فيه احتمل أن يلزمه بقسطه، واحتمل أن يلزمه كمال الدية. وإن قلع الجفن بهدبه لم تجب إلا دية الجفن. وإن قلع اللحيين بما عليهما من الأسنان فعليه ديتهما ودية الأسنان). أما كون من أبقى من شعر لحية غيره ما لا جمال فيه يحتمل أن يلزمه بقسطه؛ فلأنه بقي (٢) بعض ما كان به الجمال فوجبت بقسطه الدية على الفائت والباقي. وأما كونه يحتمل أن يلزمه كمال الدية؛ فلأنه أذهب المقصود كله. أشبه ما لو أذهب ضوء العين. ولأن جنايته ربما جرت (٣) إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على ذهاب الكل. فتكون جنايته سبباً لذهاب الكل. فأوجب ديته؛ كما لو ذهب بسراية الفعل، وكما لو احتاج في دواء شجة الرأس إلى ما (٤) يذهب ضوء عينه. وأما كون من قلع الجفن بهدبه لا يجب عليه إلا دية الجفن؛ فلأن ذلك يزول تبعاً لزوال الجفن. فلم يجب فيه شيء؛ كالأصابع إذا قطع الكف وهي عليه. وأما كون من قلع اللحيين بما عليهما من الأسنان عليه ديتهما ودية الأسنان؛ فلأن كل واحد لو انفرد تجب ديته، وليس أحدهما تبعاً للآخر. فإذا ذهبا وجبت ديتهما؛ كما لو جنى على أذنه فذهب سمعه وبصره. فإن قيل: لم لا تدخل الأسنان في اللحيين لأن فواتها يقع ضمناً، ولذلك تدخل دية الأصابع في دية اليد؟ . قيل: لوجوه ثلاثة: أحدها: أن الأسنان مغروزة في اللحيين غير متصلة بها. بخلاف الأصابع. والثاني: أن كل واحد من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه، ولا يدخل أحدهما في اسم الآخر. بخلاف الكف والأصابع فإن اسم اليد يشملهما (٥).

стр. 2505

والثالث: أن اللحيين يوجدان قبل وجود الأسنان في الخلقة ويبقيان بعد ذهابها في حق الكبير ومن تقلعت أسنانه عادة. بخلاف الكف والأصابع. قال: (وإن قطع كفاً بأصابعه لم تجب إلا دية الأصابع. وإن قطع كفاً عليه بعض الأصابع دخل ما حاذى الأصابع في ديتها وعليه أرش باقي الكف. وإن قطع أنملة بظفرها فليس عليه إلا ديتها). أما كون من قطع كفاً بأصابعه لا تجب عليه إلا دية الأصابع؛ فلأن تلف الأصابع وقع ضمناً لتلف اليد كما وقع تلف اليد ضمناً لتلف النفس. وفي تلف النفس لا تجب إلا دية النفس. فكذلك لا تجب بتلف الكف الذي عليه أصابعه إلا دية اليد. فإن قيل: كلام المصنف ﵀ مشعر بأن الدية للأصابع، وذلك يقتضي سقوط ما يجب في مقابلة الكف. قيل: ظاهره ذلك وليس بمراد له، ولكن لما كان دية الأصابع كدية اليد أطلق اللفظ المذكور نظراً إلى المعنى. والعبارة المخلصة من الإشكال أن يقول: لم تجب إلا دية اليد كما ذكرتُ في الشرح. وأما كون ما حاذى الأصابع يدخل في ديتها إذا قطع كفاً عليه بعض الأصابع؛ فلأن دخول الكل في الكل يقتضي دخول البعض في البعض. وأما كون قاطع ذلك عليه أرش باقي الكف؛ فلأنه لم يوجد شيء يدخل فيه ضمان ذلك. أشبه ما لو لم يبق من يده إلا ذلك فقطعه. وأما كون من قطع أنملة بظفرها ليس عليه إلا ديتها؛ فلأن الظفر في الأنملة كالإصبع في اليد.

стр. 2506

فصل [في دية الأعور] قال المصنف ﵀: (وفي عين الأعور دية كاملة. نص عليه). أما كون عين الأعور فيها دية كاملة؛ فلأن عمر وعثمان وعلياً وابن عمر ﵃ قضوا بذلك (١)، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة فيكون إجماعاً. ولأن قطع عين الأعور يتضمن إذهاب البصر كله. فوجبت الدية؛ كما لو أذهبه من العينين. ودليل ذلك أنه يحصل بها ما يحصل بالعينين فإنه يرى الأشياء البعيدة ويدرك (٢) الأشياء اللطيفة ويعمل أعمال البصير ويجوز أن يكون شاهداً أو قاضياً. فإن قيل: لو صح أنه يذهب بذهاب العين العوراء البصر كله لم يكن في إذهاب إحدى العينين نصف الدية لأنه لم ينقص ضوء عينه وإنما انتقل. قيل: لا يلزم من وجوب دية إحدى (٣) العينين نقص دية الباقي (٤) بدليل ما لو جنى عليهما فأحولتا أو نقص ضوؤهما فإنه يجب أرش النقص ولا تنقص ديتهما بذلك. وأما قول المصنف ﵀: نص عليه؛ فتنبيه (٥) على أن الإمام أحمد ﵁ صرح بذلك.

стр. 2507

قال: (وإن قلع الأعورُ عين صحيح عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص. ويحتمل أن تقلع عينه ويعطى نصف الدية. وإن قلعها خطأ فعليه نصف الدية). أما كون الأعور عليه دية كاملة إذا قلع عين صحيح عمداً. أي (١) إذا قلع إحدى عيني صحيح عمداً؛ فلأن القصاص لما تعذر لكون عينه بمنزلة عيني (٢) صحيح وجب أن تجب دية عينه بمنزلة عينين لما تقدم من أن ضوء المقلوعة تنتقل إلى الباقية. ولأن ضوء عين الأعور يذهب بذهابه جميع منفعة الجنس. أشبهت بمفردها عيني الصحيح. ولأن الأعور أقيم مقام صحيح العينين في الشهادة والقضاء وغير ذلك. فكذلك هاهنا. ولأن عمر وعثمان ﵄ قضيا بذلك (٣)، ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعاً. وأما كونه يحتمل أن تقلع عين الأعور؛ فلعموم الأدلة المقتضية للقصاص. وأما كونه يعطى مع ذلك نصف الدية؛ فلأن زيادة عينه على عين الصحيح زيادة معنوية. فوجب فيها ما ذكر؛ كما لو قتل رجل امرأة فإنه يقتل بها ويعطى ورثته نصف الدية. وأما كونه عليه نصف الدية إذا قلعها خطأ؛ فلأن الأصل أن تجب في إحدى العينين نصف الدية. تُرك العمل به فيما تقدم لقضاء عمر وعثمان ﵄ وسقوط القصاص في موضع يقتضيه الأصل فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. قال: (وإن قلع عيني صحيح عمداً خُيّر بين قلع عينه ولا شيء له غيرها، وبين الدية).

стр. 2508

أما كون الصحيح مخير بين قلع عين الأعور وبين الدية؛ فلأن (١) ذلك حكم الجناية عمداً في سائر المواضع. فكذلك يجب أن يكون هاهنا. وأما كونه لا شيء له غير العين إذا قلعها؛ فلأن عين الأعور تقوم (٢) مقام العينين بدليل قضاء الصحابة رضوان الله عليهم فيها بالدية كاملة. قال: (وفي يد الأقطع نصف الدية وكذلك في رجله. وعنه: فيها دية كاملة). أما كون يد الأقطع فيها نصف الدية على المذهب؛ فلأن اليد الواحدة لا يجب فيها إلا نصف الدية. وأما كون رجله كذلك؛ فلما ذكر في يده. وأما كون يده أو رجله فيها دية كاملة في روايةٍ؛ فقياس على عين الأعور. والأولى أصح؛ لما تقدم، ولدخولهما في النصوص المقتضية لوجوب نصف الدية. والقياس على عين الأعور لا يصح لوجوه: أحدها: أن عين الأعور حصل بها ما يحصل بالعينين ولم يختلفا بالحقيقة إلا تفاوتاً يسيراً. بخلاف قطع اليد والرجل. وثانيها: أن عين الأعور لم يختلف الحكم فيها باختلاف صفة الذهاب الأول. وهاهنا اختلف. وثالثها: أن التقدير المذكور لا يصار إليه إلا بتوقيف ولم يوجد هاهنا. بخلاف الأعور.

стр. 2509

باب الشجاج وكسر العظام قال المصنف ﵀: (الشجة: اسم لجرح الرأس والوجه خاصة. وهي عشر: خمسٌ لا مقدّر فيها. أولها: الحارصة التي تحرص الجلد أي تشقه قليلاً ولا تدميه، ثم البازلة: التي يسيل منها الدم، ثم الباضعة: التي تُبضع اللحم، ثم المتلاحمة: التي أخذت في اللحم، ثم السِّمْحاق التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة. فهذه الخمس فيها حكومة في ظاهر المذهب. وعنه: في البازلة بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السِّمْحاق أربعة). أما قول المصنف ﵀: الشجة اسم لجرح الرأس والوجه خاصة؛ فبيان لمسمى الشجة واحدة الشجاج. قاله الجوهري. وأما كون الشجاج عشراً؛ فلما يذكر بعد إن شاء الله تعالى. وأما كون خمس منها لا مقدر فيها؛ فلأن التقدير من الشرع، ولم يقدر فيما (١) ذكر شيئاً. وأما قوله: أولها الحارصة ... إلى قوله: قشرة رقيقة؛ فتعداد للخمس التي لا مقدر فيها، وبيان لها. وأما كون الخمس المذكورة فيها حكومة في ظاهر المذهب؛ فلأنها جراحات [لم يرد فيها توقيت في الشرع. فكان الواجب فيها حكومة؛ كجراحات] (٢) البدن. ويؤيده ما روى مكحول قال: «قضى رسول الله ﷺ في الموضحةِ بخمسٍ من الإبلِ ولم يقضِ فيما دونها» (٣).

стр. 2510

ولأنه لم يثبت فيها مقدّر بتوقيف، ولا له قياس يصح. فوجب الرجوع إلى الحكومة؛ كالحارصة. وأما كون البازلة فيها بعير والباضعة فيها بعيران والمتلاحمة فيها ثلاثة والسمحاق فيها أربعة على روايةٍ؛ فلأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت ﵁ (١)، وروي عن علي ﵇ في السمحاق مثل ذلك (٢). رواه سعيد عنهما. فإن قيل: لم سيمت الخمس المذكورة بذلك؟ قيل: أما الحارصة؛ فلأن الحرص الشق. ومنه حرص القصار الثوب إذا شقه. وأما البازلة؛ فإنها تبزل الدم أي تسيله. وتسمى الدامية أيضاً. وأما الباضعة؛ فلأنها تُبضع اللحم أي تبرزه. وأما المتلاحمة؛ فلأخذها في اللحم. وأما السِّمحاق؛ فلأن الجلدة التي تبقى بين الجلد والعظم تسمى سمحاقاً فسمي الجرح باسمها.

стр. 2511

فصل [في الشجاج المقدرة] قال المصنف ﵀: (وخمس فيها مقدر. أولها: الموضحة التي توضح العظم أي تبرزه ففيها خمسة أبعرة. وعنه: في موضحة الوجه عشرة. والأول المذهب). أما كون الخمس من الشجاج فيها مقدر؛ فلأن التقدير من الشرع، وقد ورد في الخمس الآتي بيانها في مواضعها (١). وأما معنى الموضحة فكما ذكر المصنف ﵀. وسميت بذلك لأنها أوضحت وَضَح العظم وهو بياضه. وأما كون موضحة الرأس فيها خمس أبعرة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «في الموضِحَةِ خمسٌ من الإبل» (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «في الموضِحَةِ (٣) خمسٌ خمس» (٤). رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن. وأما كون موضحة الوجه فيها خمسة أبعرة أيضاً على المذهب؛ فلشمول ما تقدم لها (٥).

стр. 2512

وأما كونها فيها عشرة على روايةٍ؛ فلأن شينها أكثر؛ لأن موضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة. والأولى أصح؛ لما تقدم. ولأن ذلك قول أبي بكر وعمر ﵄. ولأن موضحة الوجه موضحة. فكان أرشها خمسة أبعرة؛ كغيرها. وأما كثرة الشين لا عبرة به بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة. قال: (فإن عمت الرأس ونزلت إلى الوجه فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين). أما كون ما ذكر موضحة واحدة على وجه؛ فلأن الوجه والرأس سواء في الموضحة. فصارا كالعضو الواحد. وأما كونه موضحتين على وجهٍ؛ فلأنه أوضحه في عضوين. فكان لكل واحد حكم نفسه؛ كما لو أوضحه في رأسه فنزلت إلى قفاه. قال: (وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز فعليه عشرة. فإن خرق ما بينهما أو ذهب بالسراية صارا موضحة واحدة). أما كون من أوضح كما ذكر عليه عشرة؛ فلأن ذلك موضحتان. وأما كونه إذا خرق (١) ما بينهما يصيران موضحة واحدة؛ فلأن الجميع صار موضحة بفعله. فصار كما لو أوضح الكل من غير حاجز يبقى بينهما. وأما كونهما يصيران موضحة واحدة إذا ذهب ما بينهما بالسراية؛ فلأن سراية الجناية لها حكم أصل الجناية، ولو أتلف ما بينهما بنفسه صارا موضحة واحدة. فكذا إذا ذهب ما بينهما بالسراية. قال: (وإن خرقه المجني عليه أو أجنبي فهي ثلاث مواضح. وإن اختلفا فيمن خرقه فالقول قول المجني عليه). أما كون الموضحتين ثلاثاً إذا خرق ما بينهما المجني عليه أو أجنبي؛ فلأن ذلك من فعل رجلين والرجلان لا يُبنى فعل أحدهما على فعل الآخر. بدليل ما لو قطع

стр. 2513

رجلٌ يد رجل من الكوع، وقطع آخر من الكوع إلى المرفق: فإن الثاني يجب عليه أرش ما قطع وجهاً واحداً، ولا يُبنى فعله على فعل القاطع إلى الكوع. حتى يخرج في أرش ما زاد على الكوع الخلاف الخارج فيما إذا قطع رجل اليد من المرفق. وأما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف هو والجاني فيمن خرقه؛ فلأن سبب أرش موضحتين قد وجد، والجاني يدعي زواله، والمجني عليه ينكره، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه. قال: (ومثله لو قطع ثلاث أصابع امرأة فعليه ثلاثون من الإبل، فإن قطع الرابعة عاد إلى عشرين. فإن اختلفا في قاطعها فالقول قول المجني عليه). أما كون مثل من أوضح موضحتين بينهما حاجز ثم خرق ما بينهما من قطع ثلاث أصابع امرأة ثم قطع الرابعة؛ فلأن الجناية لما زادت قلّ الواجب (١)؛ لأن من أوضح كما ذُكر كان عليه قبل الخرق عشرة أبعرة؛ لأنهما موضحتان فلما خرق الحاجز صار عليه خمسة؛ لأنها صارت موضحة واحدة، ومن قطع ثلاث أصابع امرأة عليه ثلاثون من الإبل فإن قطع الرابعة عاد إلى عشرين؛ فلأن جراح المرأة يساوي جراح الرجل ما لم يزد على الثلث فإذا زاد فعلى النصف. وقد تقدم دليل ذلك في موضعه (٢). وأما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف (٣) هو وقاطع الثلاث في قاطع الرابعة؛ فلما تقدم فيما إذا اختلف المجني عليه والموضح فيمن خرق الحاجز الذي بين الموضحتين. فإن قيل: إنما ذكر المصنف ﵀ ذلك تقوية لما تقدم ولا ينبغي أن يثبت بالقياس [عليه. قيل: لم يُرد القياس] (٤)، وإنما أراد بذلك التنبيه على أن العلة واحدة.

стр. 2514

قال: (وإن خرق ما بين الموضحتين في الباطن فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين. وإن شجّ جميع رأسه سِمْحاقاً إلا موضعاً منه أوضحه فعليه أرش موضحة). أما كون الموضحتين إذا خرق ما بينهما في الباطن موضحة واحدة على وجه. [أشبه ما لو خرق الظاهر. وأما كونه موضحتين على وجه] (١)؛ فلأن ذلك منفصلٌ في الظاهر. وأما كون من شَج جميع رأس غيره سِمْحاقاً إلا موضعاً منه أوضحه: عليه أرش موضحة؛ فلأنه لو أوضح جميع رأسه لم يكن عليه أكثر من أرش موضحة. فلئلا يكون عليه في إيضاح البعض وشج الباقي غيره (٢) موضحة أكثر من أرش موضحة بطريق الأولى. قال: (ثم الهاشمة. وهي: التي توضح العظم وتهشمه. ففيها عشر من الإبل. فإن ضربه بمثقّل فهشمه من غير أن يوضحه ففيه حكومة. وقيل: يلزمه خمس من الإبل). أما قول المصنف ﵀: وهي التي توضح العظم وتهشمه؛ فبيان لمعنى الهاشمة. وسميت بذلك لهشمها العظم. وأما كونها فيها عشر من الإبل؛ فلأن ذلك مروي عن زيد بن ثابت. ولم يعرف له مخالف في عصره فكان إجماعاً. ولأن الهاشمة شجة فوق الموضحة تختص باسم. فكان فيها أكثر منها؛ كالمأمومة بالنسبة إلى ما دونها. وأما كون من ضرب بمثقّل فهشم العظم من غير أن يوضحه عليه فيه حكومة على وجه؛ فلأنه لا مقدر فيه، ولا هو نظير ما قدر فيه. أشبه سائر ما لا مقدر فيه.

стр. 2515

وأما كونه عليه فيه خمس من الإبل على وجه؛ فلأن الهاشمة تشتمل على هشم وإيضاح. فوجب أن يوزع العشر من الإبل عليها نصفين ونصفها خمس من الإبل. قال: (ثم المنقِّلة. وهي: التي توضح وتهشم وتنقل عظامها ففيها خمس عشرة من الإبل). أما قول المصنف ﵀: وهي ... إلى عظامها؛ فبيان لمعنى المنقّلة. سميت بذلك؛ لأنها تنقل العظام. وأما كون فيها خمس عشرة من الإبل؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي المنقِّلَةِ خمسَ عشرةَ (١) من الإبل» (٢). قال: (ثم المأمومة وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى أم الدماغ، وتسمى المأمومة آمّة ففيها ثلث الدية). أما قول المصنف ﵀: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ؛ فبيان لمعنى المأمومة. وسميت بذلك؛ لأنها تصل إلى أم الدماغ. وأما كون جلدة الدماغ تسمى أم الدماغ؛ فلأنها تحوط بالدماغ وتجمعه. وأما كون المأمومة تسمى آمة؛ فلأن الجوهري ذكره في صحاحه. وفي حديث ابن عمر «أن منقذاً سفع في رأسه مأمومة فحبست لسانه. فكان يُخدَعُ في بيعهِ. فقال له رسول الله ﷺ : بايعْ وقل: لا خِلابَة» (٣). رواه الحميدي في مسنده. قال محمد بن يحيى الحباني: جدّي منقذ وكان قد أصابَتْهُ آمَّةٌ فَكَسَرَتْ لسانَهُ وذكر الحديث (٤). رواه البخاري في تاريخه.

стр. 2516

وأما كونها فيها ثلث الدية؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي المأمومةِ ثلثُ الدية» (١). وعن ابن عمر عن النبي ﷺ مثل ذلك. قال: (ثم الدامغة. وهي: التي تخرق الجلدة ففيها ما في المأمومة). أما قول المصنف ﵀: وهي التي تخرق الجلدة؛ فبيان لمعنى الدامغة. وسميت بذلك؛ لأنها تخرق جلدة الدماغ. وأما كونها فيها ما في المأمومة؛ فلأن فيها ما في المأمومة وزيادة. وقيل: فيها مع ما ذكر حكومة؛ لخرق جلدة الدماغ.

стр. 2517

فصل [في الجائفة] قال المصنف ﵀: (وفي الجائفة ثلث الدية. وهي: التي تصل إلى باطن الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو نحر. فإن خرقه من جانب فخرج من جانب آخر فهي جائفتان). أما قول المصنف ﵀: وهي التي إلى (١) نحر؛ فبيان لمعنى الجائفة. وأما كونها فيها ثلث الدية؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدية» (٢)، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ مثل ذلك. وأما كون من خرقَ من جانب فخرج من جانب آخر تكون جنايته جائفتين؛ فلما روى سعيد بن المسيب: «أن رجلاً رمى رجلاً بسهمٍ فأنفذَه. فقضَى أبو بكر ﵁ بثُلُثي الدية» (٣). أخرجه سعيد بن منصور في سننه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن عمرُ قضى في الجائفةِ إذا نفذَتْ بأرشِ الجائفتين». ولأنه أنفذه من موضعين. فكانت جائفتين؛ كما لو أنفذه بضربتين. قال: (وإن طعنه في خده فوصل إلى فمه ففيه حكومة. ويحتمل أن تكون جائفة). أما كون ما ذكر فيه حكومة على المذهب؛ فلأن ذلك ليس بجائفة لأن الفم له حكم الظاهر لا حكم (٤) الباطن. والجائفة ما نفذت من ظاهر إلى باطن. فإذا لم تكن جائفة وجب فيه حكومة؛ لأن ذلك جناية ليس فيها مقدر.

стр. 2518

وأما كونه يحتمل أن تكون جائفة؛ فلأنه قد وصل إلى جوف. أشبه الواصل إلى جوفه. قال: (فإن جرحه في وركه فوصل الجرح إلى جوفه، أو أوضحه فوصل الجرح إلى قفاه: فعليه دية جائفة وموضحة وحكومة لجرح القفا والورك). أما كون الجارح المذكور عليه دية الجائفة والموضحة؛ فلأنه أجافه وأوضحه. وأما كونه عليه حكومة؛ [فلأنه جرح قفاه ووركه، وذلك لا توقيت فيه. فوجب فيه حكومة] (١). ضرورة كون الجناية غير مؤقتة. قال: (وإن أجافه ووسع آخر الجرح فهي جائفتان. وإن وسع ظاهره دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره فعليه حكومة. وإن التحمت الجائفة ففتحها آخر فهي جائفة أخرى). أما كون ما ذكر أولاً جائفتين؛ فلأن كل واحد من الجانيين فعل فعلاً لو انفرد لكان جائفة. فإذا اجتمعا وجب كونهما جائفتين. ضرورة أن فعل الغير لا يسقط حكم (٢) ما انضم إليه. وأما كون من وسع ظاهر الجرح دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره عليه حكومة؛ فلأن جنايته لم تبلغ الجائفة فتكون جناية لا توقيت فيها، وذلك فيه حكومة. وأما كون الجائفة إذا التحمت ففتحها آخر جائفة أخرى؛ فلأن الجائفة بالالتحام عادت إلى الصحة. فصار موضعها كالذي لم يجرح، وجرح ذلك يوجب (٣) كونه جائفة. فكذا هذا.

стр. 2519

فصل [في كسر العظام] قال المصنف ﵀: (وفي الضلع بعير، وفي الترقوتين بعيران، وفي كل واحد من الذراع والزند والعضد والفخذ والساق بعيران، وما عدا ما ذكرنا من الجروح وكسر العظام مثل خرزة الصلب والعصعص ففيه حكومة). أما كون كسر الضلع فيه بعير؛ فلأن عمر ﵁ حكم للضلع بجمل (١). ولأن الضلع عضو واحدٌ. فوجب فيه بعيرٌ واحد؛ كالترقوة. وأما كون كسر الترقوتين فيه بعيران؛ فلأن ذلك روي عن (٢) عمر وزيد بن ثابت. والترقوة: العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف. وأما كون كل واحدٍ من الذراع والزند والعضد والفخذ والساق فيه بعيران؛ فلما روى عمرو بن العاص «أنه كتب إلى عمرَ من أجلِ الزندِ إذا كُسر. فكتب إليه أن فيه بعيرين» (٣). إذا ثبت ذلك في الزند ثبت في بقية ما ذكر بالقياس عليه. وأما كون ما عدا ما ذكر المصنف ﵀ من الجروح وكسر العظام؛ مثل خرزة الصلب والعصعص: فيه حكومة؛ فلأن الجناية على ذلك لا توقيت فيها. أشبهت الجراحات التي لا توقيت فيها.

стр. 2520

قال: (والحكومة: أن يُقَوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به. ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من القيمة فله (١) مثله من الدية. فإن (٢) كان قيمته وهو صحيح عشرين (٣) وقيمته وبه الجناية تسعة عشر ففيه نصف عشر ديته؛ إلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مقدر فلا يبلغ به أرش المقدر. فإذا كانت في الشجاج التي دون الموضحة لم يبلغ بها أرش الموضحة، وإن كانت في إصبع لم يبلغ بها دية الإصبع، وإن كانت في أنملة لم يبلغ بها ديتها). أما قول المصنف ﵀: والحكومة أن يُقَوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت؛ فبيان لمعنى الحكومة. وأما كون ما نقص (٤) المجني عليه مثله من الدية؛ فلأن الحر قيمته ديته. وأما قول المصنف ﵀: فإن (٥) كان قيمته ... إلى قوله: تسعة عشر؛ فتمثيل للمسألة لتصح صورتها ويعرف معناها. وأما كون ذلك هنا فيه نصف عشر دية المجني عليه؛ فلأن الناقص بالتقويم درهم من عشرين، وهو نصف عشرها. فيكون في ذلك هنا نصف عشر الدية. ضرورة أن الواجب مثل ذلك من الدية. وأما قول المصنف ﵀: إلا أن تكون الحكومة؛ فاستثناء من عموم ما تقدم، وذلك أن ما تجب فيه الحكومة على ضربين: أحدهما: أن يكون في شيء لا مقدر فيه، ولا هو بعض المقدر فيه. وحكمه ما ذكر. وثانيهما: أن يكون في شيء هو بعض المقدر فيه. فهذا لا بد أن يُلحظ فيه عدم تجاوزه أرش المؤقت؛ مثل أن يشجه سمحاقاً، وذلك دون الموضحة. فإن بلغ أرشها بالتقويم أكثر من موضحة؛ مثل: أن تنقص الجناية أكثر من نصف عشر قيمته لم يجب الزائد لأنه لو وجب ذلك لكان قد وجب في شيء لا يبلغ موضحة

стр. 2521

أكثر من أرش الموضحة، وذلك غير جائز؛ لأن الموضحة [أكبر من ذلك، والشَّيْن بها أعظم، والمحل واحد. ومثل: أن يجرح إصبعاً فيبلغ] (١) أرشه أكثر من عشر الدية فلا يجب أكثر من عشرها؛ لأن دية الإصبع عشر من الإبل، وذلك عشرها. ومثل: أن يجرح أنملة فيبلغ أرشه أكثر من ثلاثة [وثلث من الإبل؛ لأن ذلك هو دية لأنملته. إذا تقرر هذا فظاهر كلام المصنف ﵀ أنه لا يبلغ] (٢) به أرش المقدر أيضاً والذي تقدم هو قول الخرقي ولفظه: فلا يجاوز به أرش المؤقت وصرح به المصنف ﵀ في المغني فقال: إذا شجه دون الموضحة فبلغ أرش الجراح بالحكومة أكثر من أرش الموضحة لم يجب الزائد. قال: (وإن كانت مما لا تنقص شيئاً بعد الاندمال قُوّمت حال جريان الدم فإن لم تنقص شيئاً بحال أو زادته حسناً فلا شيء فيها). أما كون المجني عليه يُقَوّم حال جريان الدم إذا كانت الجناية لا تنقص شيئاً حال الاندمال؛ فلأنه لا بد من نقص لأجل الجناية. فإذا كان التقويم بعد الاندمال ينفي ذلك وجب أن يُقَوّم في حال جريان الدم ليحصل النقص. وأما كون الجناية لا شيء فيها إذا لم تنقص شيئاً بحال أو زادته (٣) حسناً؛ فلأن الوجوب من أجل النقص ولم يوجد. فعلى هذا لو حلق لحية امرأة لم يجب فيه شيء. وقال أبو الخطاب: تُقَوّم كأنها رجل له لحية ثم تُقَوّم كأنها رجل ذهبت لحيته. فما نقص وجب قسط ذلك من ديتها؛ لأن الجناية عليها جناية لا تنقص شيئاً. فوجب اعتبارها بذلك؛ كتقويم الجرح حال جريان الدم إذا لم تنقص شيئاً بعد الاندمال.

стр. 2522

قال المصنف ﵀ في المغني: والأول أصح؛ لأن الجناية المذكورة لا مقدر فيها ولم تنقص شيئاً. أشبهت الضرب. ولأن لحية الرجل زَيْن له، وعيب في المرأة وتقدير (١) العيب بالزين لا يصح.

стр. 2523

باب العاقلة وما تحمله العاقلة من يحمل العقل. والعَقْل الدية. وسميت عقلاً؛ لأنها تعقل لسان ولي المقتول. وقيل: لأنها تمنع من الإقدام على الفعل. وقيل: إنما سميت العاقلة بذلك؛ لأنهم يمنعون عن القاتل. والعقل: المنع، ولهذا سمي بعض العلوم عقلاً؛ لأنه يمنع من الإقدام على المضار. قال المصنف ﵀: (عاقلة الإنسان عصباته كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء؛ إلا عمودي نسبه آباؤه وأبناؤه. وعنه: أنهم من العاقلة أيضاً). أما كون عصبة الإنسان كلهم غير عمودي النسب من العاقلة؛ فلا خلاف فيه. فإن قيل: ظاهر كلام الخرقي أن في الأعمام روايتين؛ كالولد (١). قيل: قد صرح غيره من الأصحاب بأن العمومة من العصبة بكل حال. وقال صاحب المغني فيه: لا أعلم غيره خلافاً. وأما كون عمودي النسب وهم الآباء والأبناء ليسا من العاقلة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة قال: «اقتتلتِ امرأتان من هذيل فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسولُ الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتِها وورثها ولدها ومن معهم» (٢) متفق عليه. وفي روايةٍ: «فجعلَ رسولُ الله ﷺ ميراثها لبنتها، والعقلُ على العصبة» (٣). رواه أبو داود والنسائي.

стр. 2524

وإذا ثبت هذا في الولد وجب أن يثبت في الوالد؛ لأنه في معناه. وأما كونهما من العاقلة على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسولُ الله ﷺ أن عقلَ المرأةِ بين عصبتها من كانوا لا يَرِثُونَ منها إلا ما فضل عن ورثتِها، وإن قُتلتْ فعقلُها بين ورَثتِها» (١). رواه أبو داود. ولأنهم عصبة. أشبهوا الإخوة. يحققه أن العقل موضوع على التناصر. وهم من أهله. ولأن العصبة في تحمل العقل لهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه. فكانوا أولى بحمل عقله. وأما كون قريب العصبات وبعيدهم من العاقلة؛ فلعموم ما تقدم. ولأن العبد عصبة يرث المال إذا لم يكن وارث أقرب منه. فوجب أن يدخل في العاقلة؛ كالقريب. وأما كون عصبات الإنسان من الولاء من العاقلة؛ فلأن الولاء لحمة كلحمة النسب. قال: (وليس على فقير ولا صبي ولا زائل العقل ولا امرأة ولا خنثى مشكل ولا رقيق ولا مخالف لدين الجاني حمل شيء. وعنه: أن الفقير يحمل من العقل، ويحمل الغائب كما يحمل الحاضر). أما كون الفقير ليس عليه حمل شيء مما يجب على العاقلة على المذهب؛ فلأن حمل العقل مواساة. فلا يلزم الفقير؛ كالزكاة. ولأنه وجب على العاقلة تخفيفاً عن القاتل. فلا يجوز التثقيل به على من لا جناية منه، وفي إيجابه على الفقير تثقيل وتكليف لما لا يقدر عليه. وأما كونه يحمل من العقل على روايةٍ؛ فلأنه من أهل النصرة. أشبه الغني.

стр. 2525

وأما كون الصبي وزائل العقل ليس عليه شيء من العَقْل؛ فلأن الحمل للتناصر، ومن ذكر ليس من أهله. وأما كون المرأة ليس عليها حمل شيء من ذلك؛ فلما ذكر في الصبي. وأما كون الخنثى المشكل ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلاحتمال كونه امرأة. وأما كون الرقيق ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلأنه أسوأ حالاً من الفقير. فإذا لم يحمل الفقير عقلاً فلئلا يحمل الرقيق ذلك بطريق الأولى. وأما كون المخالف لدين الجاني ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلما تقدم من أن حملها للنصرة، ولا نصرة لمخالف له في دينه. وأما كون الغائب يحمل كما يحمل الحاضر؛ فلأنهما سواء في التعصيب والإرث. فوجب استواؤهما في حمل العقل؛ لأن الاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم. قال: (وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال. وعنه: على عاقلته). أما كون الخطأ المذكور في بيت المال على المذهب؛ فلأن الخطأ ممن ذكر يكُن في أحكامه واجتهاده. فإيجاب العقل على عاقلته تجحف بهم. ولأنه نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله. فكان أرش جنايته في مال الله. وأما كونه على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي عن عمر ﵁ «أنه بعثَ إلى امرأة ذُكرت بسوءٍ. فأجهضتْ جنينَها. فقال عمر لعلي ﵄: عزمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» (١). ولأنه جان. فكان خطؤه على عاقلته؛ كغيره. قال: (وهل يتعاقل أهل الذمة على روايتين). أما كون أهل الذمة يتعاقلون على روايةٍ؛ فلأنهم أهل النصرة لبعضهم بعضاً. أشبهوا المسلمين.
следующие страницы →