← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وأما كون كل من قدر على إنجاء شخص من هَلَكة فلم يفعل حتى مات يخرج على ذلك على قول أبي الخطاب؛ فلاشتراكهما في القدرة على سلامته وخلاصه من الموت. وأما كون ذلك ليس مثله على اختيار المصنف ﵀؛ فلأن الهلاك هنا لم يكن بسبب منه. فلم يضمنه؛ كما لو لم يعلم حاله. والمعني بذلك: أن التخريج يقتضي المساواة ولا مساواة بينهما؛ لأنه في مسألة الطعام منعه منعاً كان سبباً في هلاكه. بخلاف مسألة القدرة على إنجائه؛ لأنه لم يفعل شيئاً هو سبب لهلاكه. قال: (ومن أفزع إنساناً فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته. وعنه: لا شيء عليه). أما كون من أفزع إنساناً فأحدث بغائط عليه ثلث ديته على المذهب فلأنه يروى عن عثمان ﵁. قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه. وأما كونه لا شيء عليه على روايةٍ؛ فلأن الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جَمَال، وليس هاهنا شيء من ذلك. والأول أصح لقضاء عثمان ﵁. لا سيما وذلك في مظنة الشهرة ولم ينقل خلافه فيكون إجماعاً، وأن قضاء الصحابي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف. وحكم من أفزع إنساناً فأحدث ببول أو ريح حكم من أفزع إنساناً فأحدث بغائط؛ لأنه يروى عن عثمان أيضاً ويدل عليه دليل الرواية الثانية. وحكم من ضرب إنساناً فأحدث بغائط أو بول أو ريح حكم من أفزعه فأحدث بما ذكر؛ لأنه يساويه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً (١).

стр. 2452

فصل [فيمن أدب ولده فتلف] قال المصنف ﵀: (ومن أدّب ولده، أو امرأته في النشوز، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فأفضى إلى تلفه: لم يضمنه. ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى عاقلته الدية). أما كون من أدّب ولده، أو امرأته، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فتلف: لم يضمنه على المذهب؛ فلأن كل واحد منهم فعل ما يُشرع له فعله. فلم يضمن ما تولد منه؛ كقطع يد السارق إذا سرى إلى نفسه. وأما كون وجوب الضمان يتخرج على (١) ما قاله الإمام أحمد فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى العاقلة الدية؛ فلأنه في معناه. وكلام المصنف ﵀ متضمن بيان الحكم في المخرج عليه. والأصل في ضمان الجنين والأم: أما الجنين؛ فما روي «أن عمر ﵁ بعث إلى امرأة مُغيّبةٍ كان يُدخل عليها. فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر. فبينا هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر أصحاب رسول الله ﷺ ، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدب. وصمتَ علي. فأقبل عليه عمر. وقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحُوا لك. إن ديَتَه عليك؛ لأنك أفزعتَها فألقتْه. فقال عمر: أقسمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» (٢).

стр. 2453

وأما الأم؛ فلأنها هلكت بإرسال السلطان إليها فضمنها كجنينها. أو يقال: نفس هلكت بسببه. فوجب أن يضمن؛ كما لو ضربها فماتت. قال: (وإن سلم ولده إلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه. ويحتمل أن تضمنه العاقلة). أما كون السابح لا يضمن الولد بما ذكر على المذهب؛ فلأنه فَعَل ما جرت العادة به لمصلحته. فلم يَضمن ما تلف به؛ كما لو ضرب المعلم الصبي ضرباً معتاداً فتلف. وأما كونه يحتمل أن تضمنه العاقلة؛ فلأن الوالد سلم ولده إليه ليحتاط في حفظه فإذا غرق نسب إلى التفريط. فوجب أن تضمنه عاقلته؛ لأنه قتل خطأ. قال: (وإن أمر عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك بذلك لم يضمنه؛ إلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين. وإن وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لم يضمنه). أما كون الآمر (١) لمن ذكر لا يضمنه إذا لم يكن السلطان؛ فلأن الهالك هلك بفعل نفسه. فلم يضمنه الآمر؛ كما لو قال له: اقتل نفسك. وأما كون الآمر (٢) لا يضمنه أيضاً إذا كان السلطان على وجه؛ فلذلك. وأما كونه يضمنه على وجه؛ فلأن من أمره السلطان لا يقدر على الامتناع فصار كالمكره على ذلك، والمكره يجب ضمان فعله على المكره. وأما كون من وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لا يضمنه؛ فلأن التلف لم يكن من فعل الواضع، والوضع (٣) كان في ملكه. فلم يكن متعدياً.

стр. 2454

باب مقادير ديات النفس قال المصنف ﵀: (دية الحر المسلم مائةٌ من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألفُ مثقال، أو اثنا عشر ألف درهم. فهذه الخمس أصولٌ في الدية. إذا أَحضر من عليه الدية شيئاً منها لزم قبوله. وفي الحُلَل روايتان: إحداهما: ليست أصلاً في الدية، وفي الأخرى: أنها أصل وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن كل حلة بردان. وعنه: أن الإبل هي الأصل خاصة وهذه أبدال عنها فإن قدر على الإبل وإلا انتقل إليها). أما كون الخمس المذكورة أصولاً في الدية؛ فلأن عمرو بن حزم روى في كتابه: «أن رسول الله ﷺ كتبَ إلى أهل اليمن: وأن في النفسِ المؤمنةِ مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار» (١). رواه النسائي. وفي حديث ابن عباس «أن رجلاً من بني عدي قُتل. فجعلَ رسولُ الله ﷺ ديتَهُ اثني عشرَ ألفاً» (٢). رواه أبو داود [وابن ماجة. وفي الحديث أن عمر قال: «على أهل الذهبِ ألفُ دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشرَ ألفاً، وعلى أهل البقرِ مائتا بقرة، وعلى أهل الشاةِ ألفَا شاة» (٣). رواه أبو داود] (٤). وأما كون الحلل ليست أصلاً في روايةٍ؛ فلأنها تختلف ولا تنضبط.

стр. 2455

وأما كونها أصلاً في روايةٍ؛ فلأن في حديث عمر: «وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتا حُلَّة» (١). رواه أبو داود. فعلى هذا تكون السّتُ أصولاً. وأما كون قدرها مائتي حلة؛ فلما ذكر في الحديث المذكور. وأما كون الحلل من حلل اليمن؛ فلأنها تنسب إليه. وأما كون كل حلة بردين؛ فلأن ذلك هو المتعارف. وأما كون الإبل هي الأصل خاصة على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ألا! إن في قتيلِ العصَا والسوطِ مائةٌ من الإبل» (٢). ولأنه (٣) فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل. فعلى هذه بقية ما ذكر أبدال عنها؛ لأن ذلك أقل ما تحمل الأحاديث عليه. وأما كون من (٤) عليه الدية إذا أحضر شيئاً من الخمس المذكورة على الرواية الأولى يلزم مستحق الدية قبوله؛ فلأن من عليه الدية قد أحضر أصلاً فلزم قبوله كما لو أحضر الإبل. وعلى هذا إذا أحضر من عليه الدية إحدى الست المذكورة على روايةِ كون الحلل أصلاً يلزم مستحقها قبوله لما ذكر في الخمس. وأما كون من قدر على الإبل على روايةِ كونها هي الأصل خاصة تلزمه (٥)؛ فلأن الحق متعين. فتعينت؛ كالمثل في المثليات. فعلى هذا إذا أحضر غيرها لم يلزم مستحقها قبوله؛ لأنه غير ما وجب له. وأما كون من لم يقدر على الإبل ينتقل إلى أحد الأبدال عنها؛ فلأنه بدل عنها. أشبه التيمم إذا عدم الماء.

стр. 2456

فإن قيل: ما الصحيح من هاتين الروايتين؟ قيل: هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل. وهي التي ذكرها الخرقي وإن كانت الأولى هي الصحيحة في المذهب. ذكره أبو الخطاب في هدايته، وذلك لأن الإبل هي المذكورة في كتاب عمرو بن حزم وهو كتاب ثابت مشهور وغيرها: منه ما لم يذكره النبي ﷺ كالبقر والشياه والحلل، ومنه ما ذكره وهو الذهب والورق ولا يلزم من ذكره كونه أصلاً لجواز كونه بدلاً، ويعضد ذلك أن في حديث عمر أنه قام خطيباً فقال: «ألا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ فقوّم على أهل الذهبِ ... وذكره إلى آخره» (١)؛ لأنه يدل على أن ذلك كله بدل على الإبل. قال: (فإن كان القتل عمداً أو شبه عمد وجبت أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وهل يعتبر كونها ثنايا؟ على وجهين. وإن كان خطأ وجبت أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. ويؤخذ في البقر النصف مسنات والنصف أتبعة، وفي الغنم النصف ثنايا والنصف أجذعة. ولا تعتبر القيمة في شيء من ذلك بعد أن يكون سليماً من العيوب. وقال أبو الخطاب: يعتبر أن يكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهماً. فظاهر هذا أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان. والأول أولى). أما كون دية العمد وشبهه أرباعاً كما ذكر المصنف ﵀ على الأول؛ فلما روي عن السائب بن يزيد (٢) قال: «كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعاً: خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض».

стр. 2457

ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان. فلا يعتبر فيه الحمل؛ كالزكاة والأضحية. وأما كونها أثلاثاً على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «منْ قَتَلَ متعمداً دُفع إلى أولياءِ المقتول فإن شاؤا قتَلُوا وإن شاؤا أخذوا الدية. وهيَ: ثلاثونَ حقةً وثلاثونَ جذعةً وأربعونَ خَلِفَةً. وما صُولحوا عليه فهوَ لهم، وذلك لتشديدِ العَقْل» (١). رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وروى عبدالله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنّ في قتلِ عمدِ الخطإِ قتيلَ السوطِ والعصا: مائةٌ من الإبل منها أربعون خَلِفَةً في بُطونِها أولادُها» (٢). رواه الإمام أحمد وأبو داود. وأما كون الخلفات لا يعتبر كونها ثنايا وهن (٣) ما لهن ست سنين على وجه؛ فلأن الشارع نص على الخلفة وهي موجودة بدون ذلك. وأما كونها يعتبر كونها ثنايا على وجه؛ فلأن في الحديث: «ما بينَ ثنيةٍ إلى بَازِل» (٤). ولأن جميع الأنواع مقدرة بالسن فكذا الخلفات. وأما كون دية الخطأ أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة؛ فلما روى عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «في ديةِ الخطإِ عشرونَ حِقَّة، وعِشرونَ جذعَةً، وعشرونَ بنتَ مخاضٍ، وعشرونَ بنتَ لبونٍ، وعشرونَ بني مخَاض» (٥). رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.

стр. 2458

وأما كون البقر يؤخذ فيها النصف مسنات والنصف أتبعة، والغنم النصف ثنايا والنصف أجذعة؛ فلأن (١) في أخذه تسوية وعدم جور لأنه لو أخذ الكل مسنات والكل ثنايا لكان ذلك تحاملاً على الجاني ولو أخذ الكل أتبعة والكل أجذعة لكان ذلك تحاملاً على المجني عليه. وأما كون القيمة لا تعتبر في شيء من ذلك بعد أن يكون سليماً من العيوب على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ أوجب من نفس المؤمن مائة من الإبل مطلقاً من غير اعتبار القيمة. فتقييده بالقيمة يخالف الإطلاق. فلم يجز إلا بدليل. وأما كون كل بعير يعتبر أن تكون قيمته (٢) مائة وعشرين درهماً على قول أبي الخطاب؛ فـ «لأن عمر ﵁ قوّم الإبل على أهل الإبل باثني عشر ألفاً» (٣)، وذلك يدل على أن ذلك قيمتها. ولأن جميع أنواع الدية بدل على محل واحد. فوجب أن تتساوى في القيمة؛ كالمثل والقيمة في بدل القرض والمتلف في المتلفات. وأما كون ظاهر هذا -أي اعتبار كون قيمة (٤) كل بعير مائة وعشرين- أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان وهو تخريجٌ من المصنف ﵀ على ما ذكره أبو الخطاب؛ فلأنه إذا اعتبرت القيمة في الإبل وهي أصل رواية واحدة؛ فلأن تعتبر القيمة في غيرها من أنواع الدية بطريق الأولى. وأما كون الأول أولى. ومعناه: أن الأصح أنه لا تعتبر القيمة في الإبل ولا في غيرها؛ فلما تقدم من الدليل. وأما تقويم عمر ﵁ (٥)؛ فلأجل أخذ الدراهم عوضاً عن الإبل ولا نزاع (٦) فيه؛ لأن الإبل كانت تؤخذ على عهد رسول الله ﷺ وقيمتها ثمانية آلاف ثم قومها عمر لغلائها باثني عشر ألفاً، وذلك يدل على أنها في حال رخصها أقل

стр. 2459

قيمة (١) من ذلك. فكانت تؤخذ في عصر النبي ﷺ وأبي بكر وصدرٍ من ولاية عمر مع رخصها (٢) وقلة قيمتها ونقصها عن مائة وعشرين. وإذا لم تعتبر القيمة في الإبل لا تعتبر في البقر والشياه قياساً لهما عليها. قال: (ويؤخذ في الحلل المتعارف فإن تنازعا فيها جعلت قيمة كل واحد ستين درهماً). [أما كون الحلل يؤخذ فيها المتعارف؛ فلأن ما لم يرد الشرع فيه بحدّ محدود يرجع فيه إلى العرف. دليله القبض والحِرز. وأما كون قيمة كل حلة تجعل ستين درهماً إذا تنازعا فيها] (٣)؛ فلأن الأصل تساوي الأبدال والأخذ المذكور يحصل به التساوي بين الحلل وبين اثني عشر ألف درهم.

стр. 2460

فصل [في دية المرأة] قال المصنف ﵀: (ودية المرأة نصف دية الرجل. ويساوي جراحها جراحه إلى ثلث الدية. فإذا زادت صارت على النصف). أما كون دية المرأة نصف دية الرجل؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «ديةُ المرأةِ على النصفِ من ديةِ الرجل» (١). فإن قيل: قوله ﵇: «في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل» (٢) عام فيجب أن يشمل المرأة. قيل: ما ذكر خاص فيجب تقديمه على العموم لا سيما وهما في كتاب واحد. وأما كون جراحها يساوي جراحه إلى ثلث الدية؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقلُ المرأةِ مثلُ عقلِ الرجلِ حتى يبلغَ الثلثَ [من ديّتِها» (٣). رواه النسائي. وأما كونها تصير على النصف من جراحه إذا زادت على الثلث] (٤)؛ فلأن النبي ﷺ جعل الثلث غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها. وإذا وجبت المخالفة تعين كونها على النصف كدية نفسها. [وعن ربيعة] (٥) قال: «قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبعِ المرأةِ؟ قال: عشرٌ. قال: قلت: ففي إصبعَين. قال: عشرون. قلت: ففي ثلاثِ أصابع. قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع. قال: عشرون. قال: قلت لما عظُمَتْ

стр. 2461

مُصيبَتُها قَلَّ عقلُها. قال: هكذا السنةُ يا ابن أخي» (١). وهذا يقتضي سنة رسول الله ﷺ . رواه سعيد بن منصور. فإن قلت: إذا بلغت جراح المرأة الثلث ما حكمه؟ قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ أنه مساو لجراح الرجل؛ لأنه قال: فإذا زادت صارت على النصف. فاشترط في صيرورتها على النصف الزيادة والمتساوي ليس زائداً. وفي ذلك روايتان: إحداهما: أنها مساوية؛ لأن الثلث لم يعتبر حد القلة ولذلك صحت الوصية به. والرواية الثانية: أنها على النصف. قاله المصنف ﵀ في المغني. وهو الصحيح؛ لقوله ﵇: «حتى يبلُغَ الثلث» (٢) و"حتى" للغاية. فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها؛ لقوله تعالى (٣): ﴿حتى يُعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩]. ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله ﵇: «والثُّلُثُ كثير» (٤). قال: (ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى. وكذلك أرش جراحه). أما كون دية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى؛ فلأن ميراثه كذلك. فكذلك ديته. وأما كون أرش جراحه كذلك؛ فلأن الجراح كالتابع للقتل. فإذا وجب في القتل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى. فلأن تجب في أرش الجراح كذلك بطريق الأولى.

стр. 2462

فصل [في دية الكتابي] قال المصنف ﵀: (ودية الكتابي نصف دية المسلم. وعنه: ثلث ديته. وكذلك جراحهم. ونساؤهم على النصف من دياتهم). أما كون دية الكتابي نصف دية المسلم على المذهب؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ المسلم» (١). وفي لفظ: «أن النبي ﷺ قضى أن عقلَ أهل الكتابِ نصفُ عقلِ المسلمين» (٢). رواه الإمام أحمد. وأما كونها ثلث ديته على روايةٍ؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «ديةُ اليهودي والنصراني أربعةُ آلاف [أربعةُ آلاف] (٣»). وروي «أن عمر جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف» (٤). والأول أصح؛ لما تقدم. وأما حديث عبادة فلم يذكره أصحاب السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح. وأما جعل عمر فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية ألاف (٥) فأوجب نصفها أربعة آلاف، ودليل ذلك [ما روى] (٦) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

стр. 2463

قال: «كانت قيمةُ الديةِ على عهدِ رسول الله ﷺ ثمانمائة دينارٍ أو ثمانيةَ (١) آلافِ درهم (٢) وديةُ أهلِ الكتابِ يومئذٍ النصفُ» (٣). فهذا (٤) بيان وشرح يزيل الإشكال، وفيه جمع بين (٥) الأحاديث، ولو لم يكن كذلك فقول النبي ﷺ مقدم على فعل عمر وغيره. فإن قيل: فقد ذكر الله تعالى دية الكتابي ودية المسلم ولم يفرّق بينهما، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ديةُ اليهودي والنصراني مثلُ ديةِ المسلم». قيل: أما عدم الفرق بين دية المسلم والكتابي في كتاب الله تعالى فتقيد بالحديث المتقدم ذكره. وأما الحديث فالصحيح حديث عمرو بن شعيب ما ذكر دليلاً على أن دية الكتابي النصف أخرجه الأئمة في كتبهم دون ما روي (٦). وأما كون جراح الكتابي كذلك أي نصف جراح المسلم على المذهب وثلثه على روايةٍ؛ فلأن الجراح يتبع النفس في دية النفس، وفي دية النفس الخلاف المتقدم ذكره. فكذلك الجراح. وأما كون ديات نسائهم على النصف من دياتهم؛ فلأن ديات المسلمين على النصف من دياتهم. فكذلك نساء أهل الذمة. قال: (ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم. ومن لم تبلغه الدعوة فلا ضمان فيه، وعند أبي الخطاب: إن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه، وإلا فلا شيء فيه). أما كون دية المجوسي ثمانمائة درهم؛ فلأنه قول عمر وعثمان وابن مسعود. ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً.

стр. 2464

فإن قيل: فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «سُنُّوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب» (١). فوجب أن تكون ديته كدية الكتابي. قيل: المراد بالحديث أخذ الجزية وحقن الدم لا في كل شيء. بدليل أن ذبائحهم ونساءهم لا تحل لنا. بخلاف أهل الكتاب. وأما كون دية الوثني ثمانمائة درهم؛ فلأنه كافر لا تحل ذبيحته. أشبه المجوسي. فإن قيل: الوثني دمه هدر فكيف يضمن؟ قيل: المراد بالوثني هنا من لا تجوز إراقة دمه مثل من أُعطي الأمان ولذلك يقال في علة ذلك: كافر ذو عهد. فعلى هذا لا يختص الحكم بالوثني بل كل من لا يقر بالجزية إذا حقن دمه بأمان فقتل فديته كدية المجوسي؛ لأنها أقل الديات، وهو مشابه له من حيث اشتراكهما في العهد وعدم حل المناكحة. وأما كون من لم تبلغه الدعوة لا ضمان فيه على المذهب؛ فلأنه لا عهد له ولا أمان. أشبه الحربي. ولا بد أن يُلحظ أنه لا أمان له فإن كان له أمان فديته دية أهل دينه لأنه له أمان. أشبه أهل دينه. فإن لم يعرف له دين ففيه دية مجوسي لأنها اليقين وما زاد مشكوك فيه. وأما كونه إن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه وإلا فلا شيء فيه عند أبي الخطاب؛ فلأنه إذا كان ذا دين يكون محقون الدم؛ لأنه لا يجوز قتله حتى تبلغه الدعوة، وإذا لم يكن ذا دين لم يكن محقون الدم. فلم يضمن؛ لأن الضمان في المحقون الدم إنما كان من أجل حقن دمه، وهذا مفقود فيمن لا دين له. فينتفي الضمان لانتفاء ذلك.

стр. 2465

فصل [في دية العبد] قال المصنف ﵀: (ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت. وعنه: لا يبلغ بها دية الحر. وفي جراحه إن لم يكن مقدراً من الحر ما نقصه، وإن كان مقدراً في الحر فهو مقدر في العبد من قيمته: ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر. وعنه: أنه يضمن بما (١) نقص. اختاره الخلال). أما كون دية العبد والأمة قيمتهما بالغةً ما بلغت على المذهب؛ فلأن العبد والأمة مال متقوم. فيُضمن كل واحد منهما بكمال قيمته؛ كالفرس. أو يقال: كل منهما مضمون بقيمته. فكان بجميع القيمة؛ كما لو ضمنه باليد. وأما كون القيمة لا يبلغ بها دية الحر على روايةٍ؛ فلأنه ضمان آدمي. فلم يزد على دية الحر؛ كضمان الحر، وذلك أن الله تعالى لما أوجب في الحر دية لا تزيد وهو أشرف من العبد لخلوه من نقيصة الرق كان تنبيهاً على أن العبد المنقوص لا يزاد عليها. فتجعل مالية العبد معياراً للمقدار الواجب فيه ما لم تزد على الدية فإذا زاد عُلم خطأُ ذلك فيرد إلى دية الحر كأرش ما دون الموضحة يجب فيه ما تخرجه الحكومة ما لم يزد على أرش الموضحة فإذا زاد رده إليها. والأول أصح؛ لما تقدم. والفرق بين الحر وبين العبد: أن الحر ليس مضموناً بالقيمة وإنما يضمن بما قدّره الشرع فلم يتجاوزه (٢)، والعبد مضمون بالقيمة فافترقا.

стр. 2466

ولأن الحر ليس مضموناً؛ [لأنه ليس مال] (١)، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته. والعبد مضمون؛ لأنه مال والمال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فافترقا. وأما كون جراحه فيها ما نقص إذا لم يكن مقدراً في مثله من الحر؛ مثل أن يكسر عصعصه أو خرزة صلبه وما أشبه ذلك؛ فلأن العبد مال. فاعتبر فيه ما نقص؛ كما لو تعدى على مال غير العبد فنقص بسبب ذلك. ولأن مقتضى الدليل ضمان العبد بما نقص لأنه مال. تُرك العمل به فيما كان مقدراً في مثله من الحر لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. وأما كون ما كان مقدراً في الحر كاليد والرجل والموضحة وما أشبه ذلك فهو مقدر في العبد من قيمته كدية الحر (٢). فعلى هذا في يده نصف قيمته؛ لأن الواجب فيها من الحر نصف الدية، وفي موضحته نصف عشر قيمته؛ لأن الواجب فيها من الحر خمس من الإبل، وذلك نصف عشر ديته. وسواء نقصت الجناية أقل من ذلك أو أكثر لأن العبرة بالمقدر من الحر من القيمة لا بالنقصان. وأما كون ذلك يضمن بما نقص على روايةٍ؛ فلما ذكر من أن العبد مال. فيجب أن يضمن بما نقص؛ كغيره من الأموال. قال: (ومن نصفه حر ففيه نصف دية حر ونصف قيمته. وهكذا في جراحه). أما كون من نصفه حر فيه نصف دية حر ونصف قيمته؛ فلأن نصفه حر فيجب أن يكون فيه (٣) نصف ديته، ونصفه عبد فيجب أن يكون فيه (٤) نصف قيمته. وأما كونه هكذا في جراحه؛ فلأن (٥) جراح (٦) الشخص تبع لديته.

стр. 2467

قال: (وإذا قطع خصيتي عبد أو أنفه أو أذنه (١) لزمته قيمته للسيد ولم يزل ملكه عنه). أما كون من قطع ما ذكر يلزمه قيمة العبد؛ فلأن القيمة بدل عن الدية، وفي كل واحد مما ذكر دية إذا كان حراً ففي كل واحد منه القيمة إذا كان عبداً. وأما كون القيمة للسيد؛ فلأنها بدل عن الأعضاء المملوكة للسيد. وأما كونه لا يزول ملكه عن العبد؛ فلأنه لم يوجد سبب يقتضي الزوال. فوجب بقاؤه على ملكه عملاً باستصحاب الحال. ولأن قطع يد العبد مثلاً بمنزلة تلف بعض ماله، وتلفه (٢) لا يوجب زوال الملك عن الباقي. فكذلك لا يزول ملك السيد عن العبد المجني عليه. قال: (وإن قطع ذكره ثم خصاه لزمته قيمته لقطع الذكر (٣) وقيمته مقطوع الذكر، وملك سيده باق عليه). أما كون من قطع ما ذكر تلزمه قيمة العبد لقطع الذكر؛ فلأن الواجب في ذلك من الحر دية كاملة. وأما كونه يلزمه قيمته مقطوع الذكر؛ فلأن الواجب في قطع الخصيتين من الحر بعد الذكر دية كاملة. فإن (٤) قيل: القيمة هنا نقصت عن القيمة أولاً لأن المصنف ﵀ قيدها (٥) بقطع الذكر. بخلاف الدية في الحر فإنهما سواء. قيل: القيمة في مقابلة الدية لكنها تزيد وتنقص بحسب الأحوال. بخلاف الدية في الحر فإنها مقدرة بقدر معلوم لا تزيد ولا تنقص فلذلك نقصت القيمة دون الدية. وأما كون ملك سيده باقياً عليه؛ فلما ذكر قبل.

стр. 2468

فصل [في دية الجنين] قال المصنف ﵀: (ودية الجنين الحر المسلم إذا سقط ميتاً غُرّة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه كأنه سقط حياً. ذكراً كان أو أنثى). أما كون دية الجنين في الجملة غُرّة؛ فلما روي «أن عمر ﵁ استشار الناس في إملاص المرأة. فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة. فقال: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد له محمد (١) بن مسلمة» (٢) متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: «اقتتلتِ امرأتان من هُذيل. فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ . فقضى رسول الله ﷺ أن ديةَ جنينها غُرّة عبدٍ أو أمة. وقضى بديةِ المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معهم» (٣) متفق عليه. وأما كون الغُرّة المذكورة يشترط لوجوبها حرية الجنين وإسلامه؛ فلأن الذي قضى رسول الله ﷺ فيه بالغرة المذكورة في حديث أبي هريرة المتقدم ذكره إنما كان في حر مسلم فلا يتعدى إلى من فقد واحداً منهما. فإن قيل: حديث عمر ﵁ مطلق. قيل: يجب تقييده بما ذكر؛ لأنه إنما بني على قضاء رسول الله ﷺ ، وهو على الصفة المذكورة. وأما كونها يشترط سقوط الجنين ميتاً؛ فلأنه إذا سقط حياً حياة مستقرة تجب فيه الدية. وسيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 2469

وأما كونها عبداً أو أمة؛ فلأن ذلك هو المذكور في الحديثين المتقدمين. فإن قيل: فقد جاء في بعض الأحاديث: «بغرة عبدٍ أو أمةٍ أو فرسٍ أو بغل» (١). وروي «أنه ﵇ [جعل في ولدها مائة شاة» (٢). رواه أبو داود. قيل: الذي قضى به رسول الله ﷺ ] (٣) إنما هو العبد والأمة. وأما ذكر الفرس والبغل فوهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: «عبد أو أمة». وأما كون قيمة الغرة خمساً من الإبل؛ فلأن ذلك مروي عن عمر وزيد ﵄. ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات؛ لأنه أرش الموضحة ودية السن. فوجب الرد إليه. فإن قيل: فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكر. قيل: الذي نص الشارع عليه أرش الموضحة، ودية السن وهو خمس من الإبل، وأما الأنملة فالواجب فيها ما ذكر بالحساب من دية الإصبع لا بالصريح. وأما كونها موروثة عن الجنين كأنه سقط حياً؛ فلأنها دية له وبدل عنه. فوجب أن يرثها ورَثته؛ كما لو قتل بعد الولادة. وأما كون ذلك كذلك ذكراً كان الجنين أو أنثى؛ فلأن النبي ﷺ أوجب الغُرّة من غير فرق. قال: (ولا يقبل في الغُرّة خنثى، ولا معيب، ولا من له دون سبع سنين). أما كون الغرة لا يقبل فيها خنثى ولا معيب؛ فلأنهما ليسا بخيار، والغُرّة هي الخيار. بخلاف الكفارة حيث يجزئ فيها المعيب عيباً لا يمنع العمل. ولأن الغرة بدل. فاعتبرت فيها السلامة؛ كإبل الصدقة.

стр. 2470

وأما كونها لا يقبل فيها من له دون سبع سنين؛ فلما ذكر من أن الغرة خيار ومن له دون سبع سنين ليس بخيار. ولأن من له دون ذلك لا يستغني بنفسه ولا يستقل ويحتاج إلى من يحضنه. فلم يؤخذ في الغرة؛ كالمعيب. قال: (وإن كان الجنين مملوكاً ففيه عُشْر قيمة أمه ذكراً كان أو أنثى. فإن ضرب بطن أمةٍ فعتقت ثم أسقطت الجنين ففيه غرة. وإن كان الجنين محكوماً بكفره ففيه عشر دية أمه. فإن كان أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً اعتبر أكثرهما). أما كون الجنين إذا كان مملوكاً فيه عُشْر قيمة أمه؛ فلأن الواجب في الجنين إذا كان حراً غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك عشر دية الحرة (١)، والمقابل لدية الحر قيمة العبد. فإن قيل: الواجب اعتبار القيمة من قيمة الجنين نفسه؛ لأنه متلف. فاعتبر بدله بنفسه؛ كسائر المتلفات. قيل: لما خولف في الجنين المذكور سائر المتلفات في عدم اعتبار قيمة جميعه وجب اعتباره بأمه. وأما كون ذلك كذلك ذكراً كان أو أنثى؛ فلأن ذلك كذلك في الجنين إذا كان حراً. فكذلك إذا كان مملوكاً. وأما كون الجنين الذي ضُرب بطن أمه فعتقت ثم أسقطت فيه غرة؛ فلأنه سقط حراً. إذ العبرة بحال السقوط؛ لأنه (٢) قبل ذلك لا يحكم فيه بشيء. وأما كون الجنين المحكوم بكفره فيه عُشر دية أمه؛ فلأنه لأمه عشر دية مقدرة. فوجب فيه عشر دية أمه؛ كالمسلم. وأما كون من أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً يعتبر أكثر الأمرين من عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب؛ فلأن ذلك ضمان متلف. فغلب فيه الأكثر تغليظاً على الجاني.

стр. 2471

ولأنه لو اجتمع في المتلف ما يجب الضمان به وما لا يجب غلب جانب الوجوب. دليله المُحْرم إذا قتل مُتولداً من وحشي وأهلي. قال: (وإن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه دية حر إن كان حراً، أو قيمته إن كان مملوكاً إذا كان سقوطه لوقت يعيش مثله وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، وإلا فحكمه حكم الميت. وإن اختلفا في حياته ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله؟ وجهان). أما كون الجنين فيه دية حر إذا سقط حياً لوقت يعيش مثله وكان حراً؛ فلأنه حرٌّ مات بجناية. أشبه ما لو باشره بالقتل. وأما كونه فيه قيمته إذا كان عبداً؛ فلأن القيمة في العبد بمنزلة الدية في الحر. وأما كون سقوطه لوقت يعيش مثله شرطاً فيما ذكر؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك لا يعلم فيه حياة يجوز بقاؤها. فلم تجب فيه دية ولا قيمة؛ كما لو سقط ميتاً. وأما كون الوقت الذي يعيش مثله فيه ستة أشهر فصاعداً؛ فلأن من وُلد لأقل من ذلك [لم تجر العادة ببقائه. وأما كون حكمه حكم الميت إذا سقط لأقل من ذلك] (١)؛ فلأن الحركة التي فيه كحركة المذبوح لما ذكر من كون العادة لم تجر ببقائه. وأما كون مستحق الدية إذا اختلف هو والجاني في حياة الجنين ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الجنين كان حياً في بطن أمه يقتضي تقديم قول مستحق الدية لأن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وذلك يقتضي كونه حياً حين السقوط. والنظر إلى أن الأصل براءة ذمة الجاني من الدية يقتضي قبول قوله؛ لأنه يوافق ذلك الأصل. وتقييد ما ذكر بلا بينة مشعر بأن أحدهما لو كان له بينة كان قوله مقدماً على الآخر وجهاً واحداً. وهو صحيح؛ لأن البينة تُظهرُ الحقَّ وتبيّنه.

стр. 2472

فصل [فيما تغلظ به الدية] قال المصنف ﵀: (وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته بالحَرَم، والإحرام، والأشهر الحرم، والرحم المحرم. فيزاد لكل واحد ثلث الدية. فإذا اجتمعت المحرمات الأربع وجبت ديتان وثلث. وظاهر كلام الخرقي أنها لا تغلظ بذلك وهو ظاهر الآية والأخبار). أما كون القتل تغلظ ديته بما ذكر عند أصحاب الإمام أحمد فيزاد لكل واحدٍ ثلث الدية؛ فلما روي «أن امرأة وُطئت في الطواف. فقضى عثمان ﵁ فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم» (١). وعن ابن (٢) عمر أنه قال: «من قَتلَ في الحرم أو ذا رحم (٣) أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث». وعن ابن عباس «أن رجلاً قَتل رجلاً في الشهر الحرام في البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألفاً، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف». وأما كون الحرمات الأربع إذا اجتمعت تجب ديتان وثلث؛ فلأن القتل يوجب دية، والمواضع الأربعة توجب كل واحد ثلثاً. فلزم كون الواجب ديتين وثلثاً. وأما كونه لا تغلظ ديته بذلك على ظاهر قول الخرقي؛ فلأن النبي ﷺ قال: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» (٤). إلى غير ذلك من الآيات والآثار الدالة على وجوب الدية. ولذلك قال المصنف ﵀: وهو ظاهر الآية والأخبار. وأجاب عن قول الصحابة المتقدم ذكرهم بأن ذلك ليس بثابت عنهم. وفي الجملة إن ثبت

стр. 2473

ما ذكر عن الصحابة يكون قول الأصحاب راجحاً على ما ذكره المصنف؛ لأنه قول يدل على خصوص التغليظ، والعموم من الآية والأخبار لا ينفيه. فوجب العمل به؛ لكونه دليلاً سالماً عن المعارض وإن لم يثبت ذلك فالعمل بعموم الآية. والسنة أولى. قال: (وإن قتل المسلم كافراً عمداً أُضعفت الدية لإزالة القود كما حَكَم عثمان بن عفان ﵁. أما كون الدية تضاعف بقتل المسلم كافراً عمداً؛ فلما أشار إليه المصنف ﵀ من إزالة القود وحكم عثمان ﵁. وأما إزالة القود؛ فلأن المسلم لا يُقتل بكافر لما ذكر في موضعه (١). فإن قيل: ما وجه التغليظ من أجل إزالة القود؟ قيل: لأن القود شُرع زجراً عن تعاطيه. فإذا لم يجب ناسب أن يشرع تغليظ الدية لأجل الزجر. ولذلك نظائر: منها: أن الأعور إذا قلع عين صحيح تجب دية كاملة حيث لا قصاص. ومنها: أن سارق الثمر تلزمه مثلاَ قيمته حيث لا يقطع. وأما حكم عثمان ﵁؛ فلما روى الإمام أحمد بإسناده «أن رجلاً قَتل رجلاً من أهل الذمة. فرُفعَ إلى عثمان ﵁ فلم يقتُله، وغلَّظَ الدية ألفَ دينار» (٢).

стр. 2474

فصل [إذا جنى العبد خطأ] قال المصنف ﵀: (وإن جنى العبد خطأ فسيده بالخيار بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته، أو تسليمه ليباع في الجناية. وعنه: إن أبى تسليمه فعليه فداؤه بأرش الجناية كله). أما كون العبد إذا جنى خطأ سيدُه بالخيار بين ما ذُكر؛ فلأن حق المجني عليه يحصل بذلك لأن السيد إذا فدا عبده بقيمته فقد أدى عوض المحل الذي تعلقت به الجناية، وإذا فداه بأرش الجناية فقد أدى ما استحقه المجني عليه، وإذا سلمه ليباع فقد دفع المحل الذي تعلقت به الجناية. وفي قول المصنف ﵀: بين فدائه؛ إشعار بأن جناية العبد جناية على آدمي. فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر. ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذرهما وعدم تكليفهما. فلأن لا تلغى جناية العبد وهو مكلف بطريق الأولى. وإذا لم يجز أن لا تتعلق بشيء فالذي تتعلق به: إما رقبة العبد، أو ذمته، أو ذمة سيده. والثاني والثالث باطل فيتعين الأول: أما بطلان تعلقها بذمته؛ فلأنه يفضي إلى إلغاء الجناية وتأخير حق المجني عليه إلى غير غاية. وأما بطلان تعلقها بذمة سيده؛ فلأنه لم يجن. وأما تعين (١) الأول؛ فلأنه إذا تخير التعلق (٢) فيما ذكر وبطل الثاني والثالث تعين الأول وهو تعلقها برقبته. وأما كونه إذا فداه (٣) يفدية بالأقل من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأنه إذا فداه بقيمته أدى قدر الواجب لأن حق المجني عليه لا يتعلق بغير رقبة

стр. 2475

الجاني، وإذا فداه بأرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه. فلم يملك مطالبته بأكثر منه. وأما كون سيده إذا أبى تسليمه عليه فداؤه بأرش الجناية كله على روايةٍ؛ فلأنه ربما إذا عُرض المبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فوّت على المجني عليه تلك الزيادة. قال: (وإن سلمه فأبى ولي الجناية قبوله وقال: بعه أنت. فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين). أما كون السيد يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن حق المجني عليه متعلق بمالية العبد لا بعينه. ولهذا لو طلب المالك فداءه قدم المالك عليه. وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن المالك بالخيار بين فدائه وبين تسليمه لما تقدم وقد سلمه. فلم يلزمه شيء آخر. قال: (وإن جنى عمداً فعفى الولي عن القصاص على رقبته فهل يملكه بغير رضى السيد؟ على روايتين). أما كون ولي المجني عليه يملك العبد إذا عفى عن القصاص على رقبته بغير رضى سيده على روايةٍ؛ فلأنه استحق إتلافه. فاستحق إبقاءه على ملكه؛ كعبده الجاني عليه. وأما كونه لا يملكه على روايةٍ؛ فلأنه إذا لم يملكه بالجناية. فلأن لا يملكه بالعفو بطريق الأولى. ولأن العبد أحد من عليه القصاص. فلا يملك بالعفو؛ كالحر. ولأنه إذا عفى عن القصاص انتقل حقه إلى المال. فصار كالجاني جناية موجبة للمال. فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟ قيل: الثانية؛ لما تقدم ذكره.

стр. 2476

ولأن ملكه له بغير رضى سيده ينافي كونه بالخيار. دليلهما (١). وقياس عبد غيره على عبده لا يصح؛ لأن الملك على عبد غيره تجديد. بخلاف عبده. قال: (وإن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص، وإن عفى أحدهما أو مات المجني عليه فعفى بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ (٢) على وجهين). أما كون المجني عليهما خطأ يشتركان (٣) في الجاني بالحصص؛ فلأنهما اشتركا في سبب تعلق الحق به. فوجب أن يشتركا بالحصص؛ كغرماء المفلس والميت. ولأنه لو جنى عليهما دفعة واحدة لاشتركا بالحصص. فكذا إذا جنى عليهما دفعة بعد أخرى. وأما كون حق الباقين يتعلق بجميع العبد بعد عفو بعض المستحقين (٤) إنما كان للمزاحمة. فإذا وجد العفو وجب عوده إلى ذلك؛ لزوال السبب المانع من التعلق به. وأما كونه يتعلق بحصصهم فقط على وجه؛ فلأن ذلك هو الواجب لهم عند الجناية. فوجب بقاء الأمر على ما كان.

стр. 2477

قال: (وإن جرح حراً فعفى عنه ثم مات من الجراحة ولا مال له وقيمة العبد عُشر ديته فاختار السيد فداءه وقلنا يفديه بقيمته: صح العفو في ثلثه، وإن قلنا يفديه بالدية صح العفو في خمسة أسداسه وللورثة سدسه؛ لأن العفو صح في شيء من قيمته، وله بزيادة (١) الفداء تسعة أشياء بقي للورثة ألف إلا عشرة أشياء تعدل شيئين. اجبر وقابل يخرج الشيء نصف سدس الدية وللورثة شيئان فتعدل السدس). أما كون العفو يصح في ثلث العبد إذا قيل السيد يفديه بقيمته؛ فلأن المجني عليه مات وهو يملكها لا غير. فوجب انحصار العفو في ثلث العبد. ضرورة أن الإبراء في المرض معتبر من الثلث. وأما كونه يصح في خمسة أسداس العبد إذا قيل السيد يفديه بالدية؛ فلما ذكر المصنف ﵀. فإن قيل: لم نكّر الذي صح العفو فيه؟ ولمَ كان الحاصل بالزيادة تسعة أشياء؟ ولمَ (٢) جبر الألف إلا عشرة أشياء؟ ولمَ كان الخارج يعدل نصف سدس الدية؟ ولمَ كان شيئا الورثة يعدل (٣) السدس؟ قيل: أما تنكير ما صح العفو فيه؛ فلأن مقدار الزيادة الحاصلة من الفداء بأرش الجناية غير معلوم. وأما كون الحاصل بالزيادة تسعة أشياء؛ فلأن قيمة العبد عشر الدية، وبين العشر والدية تسعة أعشار. وأما جبر (٤) الألف إلا عشرة أشياء بعشرة أشياء؛ فليخرج العدد بلا مجهول. وأما كون الخارج نصف سدس؛ فلأنك إذا قسمت ألفاً على اثني عشر كان الشيء نصف سدس الدية.

стр. 2478

وأما كون شيء الورثة يعدل السدس؛ فلأن الشيء إذا عدل نصف سدس كان (١) الشيئان يعدل السدس (٢) ضرورة. فعلى هذا لو كان قيمة (٣) العبد ثلث الدية صح العفو على (٤) القول بأن الفداء يكون بالدية في ثلاثة أخماسه، ولو كانت قيمته الربع صح في ثلثيه، ولو كانت قيمته الخمس صح في خمسة أسباعه. وعلى هذا فقس.

стр. 2479

باب ديات الأعضاء ومنافعها قال المصنف ﵀: (ومن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية. وهو: الذكر، والأنف، واللسان الناطق، ولسان الصبي الذي يحركه بالبكاء). أما كون من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد عليه فيه الدية؛ فلأن إتلاف ذلك إذهاب منفعة الجنس، وإذهابها كإتلاف النفس، وإتلاف النفس فيه الدية. فكذلك ما هو في معناه، وفي كتاب عمرو بن حزم «وفي الذَّكرِ الدية، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدية، وفي اللسان الدية» (١). وأما قول المصنف ﵀: وهو الذكر ... إلى آخره؛ فبيان لما في الإنسان منه شيء واحد. فإن قيل: لم يساوى لسان الصبي الذي يحركه بالبكاء لسان الناطق؟ قيل: لعموم الحديث. ولأن لسان الصبي متأهل لأن يتكلم به صاحبه. فوجب فيه الدية كاملة؛ كاللسان الناطق. وتقييد المصنف ﵀ اللسان بأحد الشيئين مشعر بأن الدية لا تجب في لسان الأخرس. وهو صحيح صرح به في المغني. ووجهه بأن منفعته المقصودة قد ذهبت. أشبه اليد الشلاء. قال (٢): ([وما فيه منه شيئان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها؛ كالعينين، والأذنين، والشفتين] (٣)، واللحيين، وثديي المرأة، وثَنْدُوَتَي الرجل،

стр. 2480

واليدين، والرجلين، والإليتين، والأنثيين، وأسكتي المرأة. وعنه: في الشفة السفلى ثلثا الدية، وفي العليا ثلثها). أما كون ما في الإنسان منه شيئان فيهما الدية؛ فلأن في إتلافهما ذهاب منفعة الجنس، وذلك كإتلاف النفس. وأما كون أحدهما فيه نصفها؛ فلأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس. فعلى هذا في العينين وكل شيئين مما ذكر الدية، وفي كل واحد نصفها: أما العينان؛ فلأنهما في الإنسان منه شيئان، وفي الحديث: «وفي العينينِ الدية» (١). رواه النسائي. وأما العين الواحدة؛ فلأنها على النصف من العينين. فتكون على النصف من الدية، وفي الحديث: «وفي العينِ خمسُونَ من الإبل» (٢). رواه مالك في الموطأ. ولا فرق بين أن تكون العين كبيرة أو صغيرة أو مليحة أو قبيحة أو مريضة أو حولاء؛ لأن الحديث مطلق. فلا يجوز تقييده بغير دليل. وأما الأذنان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وفي الحديث: «وفي الأُذنينِ الدية» (٣). ولأن فيهما جمالاً كاملاً ومنفعة ظاهرة. أشبها العينين. وأما الأذن الواحدة؛ فلأنها على النصف من الأذنين فتكون على النصف من الدية. ولأنهما مما في الإنسان منه شيئان. فوجب في كل واحد نصف الدية؛ كالعينين. وأما الشفتان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وفي كتاب عمرو بن حزم: «وفي الشفتينِ الدية» (٤).

стр. 2481

ولأن فيهما جمالاً ظاهراً ومنفعة كاملة. أشبها ما تقدم. وأما الواحدة ففيها نصف الدية على المذهب؛ لأن ذلك يُروى عن أبي بكر وعلي ﵄ (١). ولأن كل شيئين وجبت الدية فيهما وجبت الدية في أحدهما نصفها. دليله سائر الأعضاء المتقدم ذكرها. وفي السفلى ثلثا الدية، وفي العليا ثلثها على روايةٍ؛ لأن ذلك يُروى عن زيد بن ثابت (٢). ولأن نفع السفلى أكثر؛ لأنها هي التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام. والأولى هي ظاهر المذهب؛ لما تقدم. وقول زيد معارض بقول أبي بكر وعلي. وأما اللحيان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان. ولأن فيهما جمالاً ومنفعة. أشبها الأذنين. فإن قيل: ما اللحيان؟ قيل: العظمان اللذان فيهما الأسنان. وأما ثديا المرأة وثَنْدُوَتا الرجل؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان. [وأما اليدان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان] (٣)، وفي الحديث: «وفي اليدينِ الدية» (٤). وأما الواحدة؛ فلأنها (٥) على النصف من اليدين فتكون على النصف من الدية، وفي كتاب عمرو بن حزم: «وفي اليدِ خمسونَ من الإبل» (٦). وأما الرجلان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وفي الحديث: «وفي الرجلينِ الدية» (٧).

стр. 2482

وأما الواحدة؛ فلأنها (١) على النصف من الرجلين فتكون على النصف من الدية، وفي الحديث: «وفي الواحدةِ -يعني الرجل- نصفُ الدية» (٢). وأما الإليتان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان. ولأن فيهما جمالاً ظاهراً ومنفعة كاملة. أشبها الثديين (٣). وأما الواحدة؛ فلأنها (٤) على النصف من الإليتين فتكون على النصف من الدية. قال: (وفي المنخرين ثلثا الدية، وفي الحاجز ثلثها. وعنه: في المنخرين الدية، وفي الحاجز حكومة). أما كون المنخرين فيهما ثلثا الدية وفي الحاجز ثلثها على المذهب؛ فلأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء: منخرين وحاجز. فوجب توزيع الدية على عدد ذلك؛ كسائر ما في الإنسان منه عدد من جنس. وأما كون المنخرين فيهما الدية على روايةٍ؛ فلأنهما لا ثالث لهما. أشبها اليدين. ولأن بقطع المنخرين يذهب الجمال كله والمنفعة. فوجب أن تجب فيهما الدية؛ كسائر ما تقدم ذكره. وأما كون الحاجز فيه حكومة؛ فلأنه لا تقدير فيه. قال: (وفي الأجفان الأربعة الدية [وفي كل واحد ربعها] (٥». أما كون الأجفان الأربعة فيها الدية؛ فلأن في إتلافها إذهاب (٦) منفعة جنس. أشبهت اليدين.

стр. 2483

وأما كون كل واحد منها (١) فيه ربعها؛ فلأن كل ذي عدد يجب في جميعه الدية يجب في الواحد منه بحصته من الدية؛ كاليدين والرجلين. قال: (وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل أصبع عشرها، وفي كل أنملة ثلث عقلها إلا الإبهام فإنها مفصلان ففي (٢) كل مفصل نصف عقلها، وفي الظفر خمس دية الأصبع). أما كون أصابع اليدين فيها الدية؛ فلأن في إتلاف ذلك إذهاب منفعة جنس، وفي الحديث: «في كلِّ إصْبعٍ عشرٌ من الإبل» (٣) وأصابع اليدين عشر فيلزم أن يكون فيها مائة، وذلك هو الدية. وأما كون أصابع الرجلين فيها (٤) الدية؛ فلما ذكر في أصابع اليدين. وأما كون كل أصبع فيها عشر الدية؛ فلما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ديةُ أصابعِ اليدينِ والرجلينِ عشرٌ من الإبلِ لكلِّ أُصْبُع» (٥) أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وفي حديث آخر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «هذهِ وهذهِ سواءٌ يعني الإبهامَ والخنصَر» (٦) أخرجه البخاري وأبو داود. وأما كون كل أنملة غير الإبهام فيها ثلث عقل الإصبع؛ فلأن كل أنملة ليست إبهام ثلاث مفاصل. وأما كون كل مفصل من الإبهام فيه نصف عقلها؛ فلأنهما مفصلان.

стр. 2484

وأما كون الظفر فيه خمس دية (١) الإصبع؛ فلأن ... (٢). قال: (وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد ثغر (٣) والأضراس والأنياب؛ كالأسنان. ويحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة). أما كون كل سن فيها خمس من الإبل على المذهب؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم عن النبي ﷺ : «في السنِ خمسٌ من الإبل» (٤). رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب عن النبي ﷺ قال: «في الأسنانِ خمسٌ خمسٌ (٥») (٦). رواه أبو داود. فعلى هذا يجب في جميعها مائة وستون بعيراً لأنها اثنان وثلاثون. وأما كونه يحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة؛ فلأنها ذو عدد تجب فيه الدية. فلم يزد (٧) على الدية؛ كالأصابع والأجفان وسائر ما في الإنسان منه شيء واحد. ولأنها تشتمل على منفعة جنس. فلم تزد ديتها على الدية؛ كسائر منافع الجنس. وهذا الاحتمال ذكره المصنف ﵀ في المغني رواية. والأول أولى؛ لأن دليل الثانية قياس في مقابلة النص فلا يصح. فإن قيل: ما معنى ممن ثغر ولم اشترط ذلك؟ قيل: معناه ممن أبدل أسنانه وبلغ حداً إذا قلعت سنه لم يعد بدلها. وإنما اشترط ذلك؛ لأن من لم يبلغ ذلك العادةُ جارية بعود سنه. فلم تجب فيها في الحال شيء؛ كنتف شعره.

стр. 2485

فعلى هذا ينتظر عودها فإن عادت تبين أنه لم يجب له دية السن، وإن لم تعد ومضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها لأن عودها صار مأيوساً. أشبه ما إذا قلعها ممن ثغر. نص عليه الإمام أحمد؛ لأن (١) [الغالب أن يعود فيها. وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أُخذت ديتها لأن الغالب أنها] (٢) لا تعود بعد ذلك. وأما كون الأضراس والأنياب كالأسنان؛ فلما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «الأصابعُ سواءٌ، والأسنانُ سواءٌ، السنُّ (٣) والضرسُ سواءٌ هذه وهذه سواء» (٤). رواه أبو داود. وفي الحديث المتقدم: «وفي الأسنانِ خمسٌ خمسٌ» (٥). ولم يفصل فيدخل الأضراس والأنياب في ذلك. ولأن (٦) كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع (٧) كالأصابع والأجفان. قال: (وتجب دية اليد والرجل في قطعهما من الكوع والكعب. فإن قطعهما من فوق ذلك لم يزد على الدية في ظاهر كلامه. وقال القاضي: في الزائد حكومة). أما كون الدية تجب في قطع اليد من الكوع؛ فلأن اليد المطلقة في الشرع محمولة على ذلك. بدليل قطع السارق والمسح في التيمم. وأما كونها تجب في قطع الرجل من الكعب؛ فلأن الكعب من الرجل بمنزلة الكوع من اليد، ولذلك إذا سرق ثانياً قطعت رجله من كعبها.

стр. 2486

وأما كون من قطع [اليد من فوق] (١) الكوع، والرجل من فوق الكعب لا يزاد على الدية في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن اليد اسم للجميع إلى المنكب، والرجل اسم للجميع إلى الفخذ. فإن قيل: فيجب أن لا يجب بقطعها من الكوع الدية. قيل: لا يلزم من وجوب الدية في شيء عدم وجوبها فيما دونه. بدليل أن الدية تجب في اليد من الكوع، وتجب في قطع الأصابع دون الكف. وأما كون الزائد فيه حكومة على قول القاضي؛ فكما لو قطع يده من الكوع ثم قطع ذلك. قال: (وفي مارن الأنف وحشفة الذكر وحلمتي الثديين وكسر ظاهر السن دية العضو كاملة. ويحتمل أن يلزم من استوعب الأنف جدعاً دية وحكومة في القصبة). أما كون مارن الأنف -وهو ما لان منه- (٢) فيه دية الأنف كاملة؛ فلأن الجمال يذهب بذلك. أشبه الأنف كله. وأما كون الأنف إذا استوعب جدعاً فيه الدية فقط؛ فلأنه روي عن طاوس أنه قال (٣) في كتاب رسول الله ﷺ : «وفي (٤) الأنفِ إذا أُوعِبَ مارِنُهُ جَدْعاً الدية» (٥). وأما كونه يحتمل أن يجب في المارن دية (٦) وحكومة في القصبة؛ فلما تقدم في قطع اليد من فوق الكوع. وأما كون حشفة الذكر فيها دية الذكر؛ فلأن منفعته تكمل بالحشفة كما تكمل منفعة اليد بالأصابع، وفي الأصابع بلا كف دية كاملة. فكذلك الحشفة.

стр. 2487

وأما كون حلمتي الثديين فيهما دية الثديين؛ فلأنه ذهب من الثديين ما تذهب المنفعة بذهابه. فوجب (١) ديتهما كاملة؛ كالأصابع من الكف وحشفة الذكر. بيان ذهاب المنفعة أن بهما يشرب الصبي ويرتضع (٢) فيهما؛ كالأصابع في الكف. وأما كون كسر ظاهر السن فيه دية السن؛ فلأنه هو المسمى سناً وما خفي باللثة يسمى سنخاً. قال: (وفي قطع بعض المارن والأذن والحلمة واللسان والشفة والحشفة والأنملة والسن وشق الحشفة طولاً بالحساب من ديته [يقدر بالأجزاء). أما كون قطع ما ذكر فيه بالحساب من ديته] (٣)؛ فلأن من (٤) تجب الدية في جميعه يجب أن تجب في بعضه بالحساب. وأما كون ذلك يقدر بالأجزاء؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بمقدار الجناية، وهو مطلوب؛ لما فيه من تحصيل العلم بمقدار الواجب. وأما كون شق الحشفة طولاً بالحساب؛ فلأنه نقص. فيجب أن يجب بحسابه؛ كالقطع. قال: (وفي شلل العضو أو إذهاب نفعه، والجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان، وتسويد السن والظفر بحيث لا يزول: ديته. وعنه: في تسويد السن ثلث ديتها. وقال أبو بكر: فيها حكومة). أما كون شلل العضو فيه ديته؛ فلأنه يذهب بشلله المنفعة المقصودة منه. فوجب أن تجب فيه الدية؛ كما لو جنى على عينه فذهب ضوؤها. وأما كون إذهاب نفع العضو فيه ديته؛ فلأن ذلك في معنى شلله، وذلك يوجب الدية. فكذلك ما في معناه لأن التساوي معنى يوجب التساوي حكماً.

стр. 2488

وأما كون الجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان فيها دية الشفتين؛ فلأن الجاني الجناية المذكورة عطل منفعة الشفتين. فوجب أن تجب عليه ديتهما؛ كما لو أشلهما. وأما كون تسويد السن فيه دية السن كاملة على المذهب؛ فلأنه قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً. ولأنه ذهب (١) جمالها بتسويدها. فكملت ديتها على من سودها؛ كما لو سود وجهه. وأما كون ذلك فيه ثلث دية السن على روايةٍ؛ فلأنه منقول عن بعض الصحابة. وأما كونه فيه حكومة على قول أبي بكر (٢)؛ فلأنه لم تذهب منفعتها. أشبه ما لو تغير لون عينه وهو يبصر. وأما كون تسويد الظفر بحيث لا يزول فيه دية الظفر؛ فلما ذكر في السن. فإن قيل: هلا خرج فيه من الخلاف ما خرج في السن (٣)؟ قال: (وفي العضو الأشل من اليد والرجل والذكر والثدي، ولسان الأخرس، والعين القائمة، وشحمة الأذن، وذكر الخصي والعنين، والسن السوداء، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، وقصبة الأنف، واليد والإصبع الزائدتين (٤): حكومة. وعنه: ثلث ديته. وعنه: في ذكر الخصي والعنين كمال ديته). أما كون العضو الأشل من اليد فيه حكومة على الأول؛ فلأنها يد لا منفعة فيها. أشبهت اليد الزائدة.

стр. 2489

وأما كونها فيها ثلث دية اليد على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسولُ الله ﷺ في اليدِ الشلاءِ إذا قُطِعتْ بِثُلُثِ ديتِها» (١). وهذه أولى؛ لأن دليل الأول قياس في مقابلة النص. ولأن ذلك يروى عن عمر بن الخطاب (٢). ولأن اليد المذكورة كاملة الصورة. فوجب أن يكون فيها مقدر؛ كالصحيحة. وأما كون العضو الأشل من الرجل والذكر والثدي فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأنه كاليد الشلاء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. وأما كون لسان الأخرس فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأن خرس اللسان كشلل الأعضاء المذكورة. فوجب أن يخرج فيه ما خرج في العضو الأشل. وأما كون العين القائمة فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأنها في معنى اليد الشلاء. ويعضده أن في حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره: «قضى رسول الله ﷺ في العينِ القائمةِ السَّادة (٣) لمكانِها بُثلُثِ الدية» (٤). وأما كون شحمة الأذن فيها الروايتان المذكورتان (٥). وأما كون ذكر الخصي والعنين فيه حكومة على الأول؛ فلأن نفعه ذهب. أشبه العضو الأشل. وأما كونه فيه ثلث دية (٦) الذكر على روايةٍ؛ فلأن منفعة الإنزل والإحبال معدوم فيه. فلم تبلغ ديته الدية، ولم تنقص عن ثلثها؛ كالعين القائمة. وأما كونه فيه كمال دية الذكر على روايةٍ؛ فلعموم قوله ﵇: «وفي الذَّكرِ الدية» (٧).

стр. 2490

وأما كون السن السوداء فيها الروايتان المذكورتان؛ فلأن سوادهما كشلل (١) اليد معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. ويعضد رواية (٢) ثلث دية السن أن في حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره: «وفي السنِّ السودَاءِ إذا قُلِعَتْ ثلث ديتها» (٣). رواه النسائي. ولأنها كاملة الصورة. فكان فيها مقدّر؛ كالصحيحة. وأما كون الثدي دون حلمته فيه الروايتان المذكورتان في اليد الشلاء؛ فلأن ذهاب الحلمة كالشلل في اليد؛ لأن نفع الثدي يذهب بذهاب الحلمة؛ كما يذهب نفع اليد بشللها. وأما كون الذكر دون حشفته فيه الروايتان المذكورتان (٤)؛ فلأن ذهاب الحشفة كالشلل؛ لاشتراكهما في ذهاب المنفعة. وأما كون قصبة الأنف فيها الروايتان المذكورتان؛ فلأن نفع الأنف يذهب بذهاب القصبة. أشبه ذهاب منفعة اليد لشللها. وأما كون اليد والإصبع الزائدتين فيهما الروايتان فبالقياس على اليد الشلاء. والأولى أن فيهما الحكومة؛ لأن التقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف، أو مماثلة لما فيه توقيف. وليس ما ذكر مماثلاً لليد الشلاء؛ [لأن اليد الشلاء] (٥) يحصل (٦) بها الجمال، واليد الزائدة والإصبع الزائدة لا جمال فيها في الغالب.
следующие страницы →