← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولأن مدته تطول غالباً فعفي عنه لما في إيجاب القضاء المتكرر من الضرر المنتفي شرعاً. وأما كونها لا تصح من كافر ولا مجنون؛ فلأن من شرط صحتها النية وهي لا تصح من كافر ولا تقع من مجنون. ولأن صحة الصلاة تقتضي دخول الجنة غالباً وذلك معلوم الانتفاء مع الكفر. ولأن السكران ممنوع من فعل الصلاة لزوال عقله فكذلك المجنون لاشتراكهما في الزوال بل أولى لأن المجنون لا يدرك شيئاً بخلاف السكران فإنه قد يدرك بعض الأشياء. وأما كون الكافر إذا صلى حكم بإسلامه؛ فلقوله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا: فهو منا. له ما لنا وعليه ما علينا» (١). ولأن الصلاة عبادة تختص شرعنا أشبهت الشهادة. وسواء في ذلك صلاته في دار الحرب أو في دار الإسلام. جماعة أو فرادى؛ لعموم ما ذكر. قال: (ولا تجب على صبي. وعنه تجب على من بلغ عشراً). أما كون الصلاة لا تجب على صبي لم يبلغ عشراً فلا خلاف فيه عند الإمام أحمد؛ لما تقدم من قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... الحديث» (٢). وأما كونها لا تجب على من بلغ عشراً ولم يبلغ على المذهب؛ فلما ذكر. وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلقوله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر» (٣). والضرب لا يكون إلا لترك واجب.

стр. 247

والصحيح الأول؛ لما ذكر من الحديث. والضرب للتمرين. قال: (ويؤمر بها لسبع ويضرب على تركها لعشر [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها). أما أمر الصبي بالصلاة لسبع وضربه عليها لعشر] (١) فللحديث المذكور قبل. وأما كون من بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها يلزمه إعادتها؛ فلأن الأولى (٢) وقعت نفلاً. وببلوغه في الوقت صارت الصلاة واجبة عليه فلم تجزئه عن الفرض كما لو نوى نفلاً في صلاة مفروضة. قال: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها إلا لمن ينوي الجمع أو لمشتغل بشرطها). أما كون من وجبت عليه الصلاة لا يجوز له تأخيرها عن وقتها لغير المستثنى؛ فلأن الصلاة يجب إيقاعها في الوقت فإذا خرج الوقت ولم يأت بها كان تاركاً للواجب مخالفاً للأمر. والتارك للواجب المخالف للأمر عاصٍ مستحق للعقاب. وأما كون من ينوي الجمع يجوز له تأخيرها عن وقتها فـ «لأن النبي ﷺ كان يؤخر الأولى في الجمع فيصليها في وقت الثانية» (٣). وسيأتي ذلك مبيناً في باب الجمع (٤). ولأن وقت الصلاتين يصير وقتاً لكل واحدة منهما. فإن قيل: فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى استثناء من ينوي الجمع لأن الاستثناء له إنما هو من التأخير عن آخر الوقت. فإذا كان الوقتان وقتاً لهما لم يحتج إلى ذلك.

стр. 248

قيل: لما كان وقت كل صلاة معلوماً تبادر الذهن عند قولنا عن وقتها إليه. وذلك يحتاج معه إلى الاستثناء لأن من ينوي الجمع يجوز أن يؤخر الصلاة عن آخر ذلك الوقت المتبادر إلى الذهن. وأما كون المشتغل بشرط الصلاة يجوز له تأخيرها عن وقتها؛ فلأنه لا يجوز له الدخول في الصلاة مع عدم شرطها. فكيف يوصف الدخول بالوجوب؛ لأن قولنا لا يجوز له التأخير ينافيه قولنا يجب عليه الدخول. إذا علم ذلك ففي جواز التأخير للمشتغل بالشرط نظر. وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لم ينقله أحد من الأصحاب ممن تقدم المصنف ﵀ ممن نعلمه. بل نقلوا المسألة المتقدم ذكرها واستثنوا من نوى الجمع لا غير. ذكر ذلك أبو الخطاب في هدايته وصاحب النهاية فيها وفي خلاصته. وثانيهما: أن ذلك يدخل فيه من أخر الصلاة عمداً حتى بقي من الوقت مقدار الصلاة. ولا وجه لجواز التأخير له. قال: (ومن جحد وجوبها كفر. فإن تركها تهاوناً لا جحوداً دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله. وعنه: لا يجب حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة. ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل بالسيف. وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين). أما كون من جحد وجوب الصلاة يكفر؛ فلأنه كذب الله تعالى في خبره. وأما كون من تركها تهاوناً لا جحوداً يُدعى إلى فعلها فلاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها بمثله كالمرض ونحوه. وأما كون من تركها تهاوناً ودعي إلى فعلها وأبى يجب قتله في الجملة؛ فلأن الصلاة آكد من الزكاة. وقد أجمع الصحابة على وجوب قتل مانعها؛ فلأن يجب قتل تارك الصلاة بطريق الأولى. وأما كونه يجب قتله إذا تضايق وقت الثانية على المذهب؛ فلأنه إذا لم يجب قتله بالأولى في وقتها لإمكان فعلها فيه ولا إذا خرج وقتها لأنها صارت فائتة -والفائتة لا يقتل بها لأن وقتها موسع في بعض المذاهب- تعين وجوب قتله إذا ضاق وقت الثانية عن فعلها لأنه يُعلم أنه قد عزم على ترك الصلاة.

стр. 249

وأما كونه لا يجب قتله حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة على روايةٍ؛ فلأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة. فإذا ترك الرابعة علم أنه عزم على ترك الصلاة بالكلية. وأما كونه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام فبالقياس على المرتد. وأما كونه يقتل إن لم يتب فكالمرتد إذا لم يتب، وكمانع الزكاة إذا لم يؤدها. وأما كونه يقتل بالسيف؛ فلأنه قتلٌ واجب فكان بالسيف كالقصاص. وأما كونه يقتل حداً على روايةٍ فبالقياس على الزاني المحصن. وأما كونه يقتل لكفره فلقول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١]. وقوله ﷺ : «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة» (١). وقوله ﷺ : «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» (٢) رواه مسلم. ولأن الصلاة من دعائم الإسلام لا يدخلها نيابة نفس ولا مال فيكون تاركها كافراً كالشهادتين. وهذه الرواية هي ظاهر المذهب لما ذكر. والأولى اختيار المصنف ﵀؛ لما ذكر. ولقوله ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (٣) من المسند. والكافر لا يدخل تحت مشيئته. ولأنها فعل واجب فلم يكفر تاركها المعتقد لوجوبها كالحج.

стр. 250

باب الأذان والإقامة الأذان (١) في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣] أي وإعلام. وقال تعالى: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أي أعلمتكم فاستوينا في العلم. قال الشاعر (٢): آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ وقال الحطيئة (٣): أَلاَ إنّ ليْلى آذَنَتْ بِقُفُولٍ ... وما آذَنَتْ ذا حَاجَةَ برَحِيلِ وفي الشرع: [هو] (٤) الإعلام بدخول الوقت للصلاة. يقال: أذّن يُؤذن أذاناً وتأذيناً أي أعلم الناس بدخول الوقت للصلاة. وشُدد للمبالغة والتكثير؛ لأن المؤذن يكرر الشهادتين. والإقامة في اللغة: الإدامة. ومنه قوله تعالى: ﴿ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣] أي ويديمون فعلها. وفي الشرع هنا: إعلام الحاضرين بقيام الصلاة ليقوموا فيصطفوا. والأصل في الأذان قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، ، وقوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا﴾ [المائدة: ٥٨]، ، وقوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (٥) رواه البخاري.

стр. 251

قال المصنف ﵀: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها. للرجال دون النساء). أما كون الأذان والإقامة مشروعين للصلوات الخمس للرجال؛ فلأن النبي ﷺ كان يُؤذن له للصلوات الخمس وتقام سفراً وحضراً. وأما كونهما غير مشروعين في غير الصلوات الخمس؛ فلأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ . وأما كونهما غير مشروعين للنساء؛ فلأنهما مشروعان للإعلام. يسن فيهما رفع الصوت ورفع الصوت مكروه للنساء لأن صوتهن عورة. وقد روى النجاد بإسناده عن أسماء قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ... مختصر» (١). قال: (وهما فرض على الكفاية. إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام). أما كون الأذان فرضاً على الكفاية؛ فلما روى مالك بن الحويرث قال: «أتينا النبي ﷺ فأقمنا عنده عشرين يوماً. وكان رحيماً رفيقاً. فظن أننا قد اشتقنا إلى أهلنا. فقال: ارجعوا إلى أهلكم. وليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم» (٢) متفق عليه. أمر أحدهم بالأذان فظاهر الأمر الوجوب فيكون ذلك فرضاً على الكفاية للإجماع على أنه ليس فرضاً على الأعيان.

стр. 252

وقد روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة لا يُؤذن ولا يُقام فيهم إلا استحوذ عليهم الشيطان» (١) رواه البخاري. ولأن الأذان من شعائر الإسلام أشبه الجهاد. ولأن النبي ﷺ واظب عليه سفراً وحضراً ولو كان ذلك غير واجب لبين حكمه بالترك ولو مرة. وأما كون الإقامة فرضاً على الكفاية؛ فلأنها كأذان معنى فوجب أن تكون كالأذان حكماً. وعن الإمام أحمد أنها سنة؛ لما روى الأثرم بإسناده عن علقمة والأسود قالا: «دخلنا على عبدالله فقام فصلى بلا أذان ولا إقامة» (٢). و«لأن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: إذا أدركتَ الصلاة فأحسن الوضوء. ثم استقبل القبلة فكبر» (٣). ولم يأمره بأذان ولا إقامة. والصحيح الأول لما ذكر. وحديث المسيء يدل على أن الأذان والإقامة ليسا ركناً ولا شرطا لأن النبي ﷺ بين له الأركان والشرائط ونحن نقول به. وذلك لا ينفي كونهما فرضين على الكفاية. فإن قيل: ذلك يختص أهل البلدان أم يعم البلدان والقرى والصحراء جماعة وفرادى؟ قيل: يختص أهل البلدان. ذكره القاضي؛ لأنها هي المواضع التي يقصد فيها شعائر الإسلام غالباً. وتختص الجماعة بذلك.

стр. 253

وقيل: يعم ما ذكر. وهو الصحيح من المذهب لأن النبي ﷺ كان يؤذن له ويقام سفراً وحضراً. و«لأن النبي ﷺ قال لأبي سعيد الخدري: إذا كنت في غنمك أو في باديتك فأذّنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (١) رواه البخاري. ويكفي أذان واحد لجميع أهل البلد الصغير والمحلة الكبيرة إذا كان يسمعهم جميعهم؛ لأن الغرض إسماعهم. وذلك حاصل بما ذكر. وأما كون الإمام يُقاتل أهل بلد اتفقوا على تركهم الأذان والإقامة؛ فلأنهم تركوا ما هو من شعائر الإسلام الظاهرة. فكان للإمام أن يقاتلهم؛ كما لو تركوا الجهاد. وظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أن ما ذكر مرتب على القول بفرضهما على الكفاية لأنه قال: وهما فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد. وهو ظاهر كلامه في المغني أيضاً؛ لأنه حكى أنهما فرض كفاية. ثم قال: فعلى هذا إذا قام به قوم سقط عن الباقين. فإن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام. فعلى هذا يكون قتال الإمام لهم لتركهم الواجب كقتال مانعي الزكاة. وقال صاحب النهاية فيها: سواء قلنا أنهما سنة أو واجب متى اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام لأنهما من أعلام الدين الظاهرة فلا يرخص في تعطيلهما لأن الشعائر المستمرة الظاهرة في الشريعة لو خلا منها قطرٌ لتبادر الخلق بالإنكار والاستنكار. قال: (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين. فإن لم يوجد متطوع بهما رَزق الإمامُ من بيت المال من يقوم بهما). أما كون أخذ الأجرة على الأذان لا يجوز في أظهر الروايتين؛ فلما روى عثمان بن أبي العاص أنه قال: «إن آخر ما عهد إلي النبي ﷺ أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (٢). قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 254

ولأنه يقع قربة لفاعله أشبه الإمامة. وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأن فعله عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه [فجاز أخذ الأجرة عليه] (١) كسائر الأعمال. والأولى أصح؛ لأن دليل الثانية قياس مع وجود النص وذلك فاسد. وأما كون أخذ الأجرة على الإقامة لا يجوز ففيه الروايتان المذكورتان لأنها كالأذان معنى فكذا يجب أن تكون حكماً. وأما كون الإمام يَرزق من بيت المال من يقوم بهما إذا لم يوجد متطوع بهما؛ فلأن الحاجة داعية إليه فجاز إعطاء الرزق عليه كالجهاد. وتقييد المصنف ﵀ رزق الإمام بعدم وجدان متطوع مشعر بأنه إذا وجد متطوع بهما لم يرزقه من بيت المال. وهو صحيح لأن بيت المال مُرْصَدٌ للمصلحة ولا مصلحة في الرزق مع وجدان المتطوع فلا يفعل لعدم المصلحة. قال: (وينبغي أن يكون المؤذن صَيِّتاً أميناً عالماً بالأوقات). أما كون المؤذن ينبغي أن يكون صيتاً فـ «لأن النبي ﷺ قال لعبدالله: ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً» (٢). ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان. وأما كونه ينبغي أن يكون أميناً؛ فلأنه يحتاج إلى ذلك لكونه يُؤمَن على الأوقات، وعلى الكف عن النظر إلى الجيران. وأما كونه ينبغي أن يكون عالماً بالأوقات فليتمكن من الأذان في أول الأوقات. قال: (فإن تشاح فيه نفسان قدم أفضلهما في ذلك. ثم أفضلهما في دينه وعقله. ثم من يختاره الجيران، فإن استويا أقرع بينهما). أما كون أفضل المؤذنيْن في ذلك -أي في الصوت والأمانة والعلم بالأوقات- يقدم إذا تشاحا؛ فـ «لأن النبي ﷺ قدم بلالاً على عبدالله لكونه أندى صوتاً منه» (٣). والأمران الآخران في معناه.

стр. 255

وأما كون أفضلهما في دينه وعقله يقدم؛ فلأنه إذا قدم بالأفضل في الصوت؛ فلأن يقدم بالأفضل في ذلك بطريق الأولى؛ لأن مراعاة الدين والعقل أولى من مراعاة الصوت لأن ضرر فقد الدين أو العقل شديد؛ لأنه يتعدى إلى رؤية الجيران وغير ذلك بخلاف ضرر فَقْدِ حسن الصوت؛ فلأنه لا يؤدي إلى ذلك. وأما كون من يختاره الجيران يقدم بعد ما تقدم ذكره؛ فلأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ولا ينظر إلى حريمهم ويكف عن عوراتهم فاعتبر اختيارهم ورجح به كالإمامة. وأما كونهما يقرع بينهما إذا استويا؛ فلقوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (١) متفق عليه. و«لأنه لما تشاح الناس يوم القادسية في الأذان فاختصموا إلى سعد أقرع بينهم» (٢). فإن قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ يقتضي تقديم من يختاره الجيران على القرعة. قيل: في ذلك روايتان. إحداهما: هو كذلك؛ لما ذكر قبل. والثانية: يقدم من خرجت له القرعة لأن القرعة تزيل الإبهام وتجعل من خرجت له كالمستحق المتعين. قال: (والأذان خمس عشرة كلمة. لا ترجيع فيه. والإقامة إحدى عشرة كلمة. فإن رجع في الأذان أو ثنى الإقامة فلا بأس. ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين). أما كون الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة إحدى عشرة كلمة؛ فلما روى عبدالله بن زيد قال: «لما أَمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعمل لجمع الناس للصلاة وهو كاره لموافقة النصارى. طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً. فقلت له: يا

стр. 256

عبدالله! ألا تبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. فقال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك. فقلت له: بلى. قال: تقول: الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة حي على الصلاة. حي على الفلاح حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. ثم استأخر عني غير بعيد. قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة حي على الفلاح. قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت. قال: إنها رؤيا حق إن شاء الله. فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت. فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك. قال: فجعلت أُلقيه عليه ويؤذن به. فسمع عمر ذلك وهو في بيته. فخرج يجر رداءه. فقال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثل الذي رأى. فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله» (١) رواه أبو داود. وذكر الترمذي آخره بهذا الطريق. وقال: حديث عبدالله بن زيد حديث حسن صحيح. فإن قيل: ما معنى هذه (٢) الكلمات؟ . قيل: معنى حي على الصلاة أقبلوا إلى الصلاة. وقيل: أسرعوا. ومعنى الفلاح البقاء لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله فيبقى فيها ويخلد. وقيل: هو الرشد والخير. وطَالِبُهُما مفلح لأنه يصير إلى الفلاح. وقيل: هو إدراك الطلب والظفَر. وأما كون الأذان لا ترجيع فيه. وهو: أن يُكرر لفظ الشهادتين يَخفض بهما صوته. ثم يرفعه؛ فلأن أذان عبدالله لا ترجيع فيه.

стр. 257

وأما كون المؤذن إذا رجَّع في الأذان لا بأس فـ «لأن النبي ﷺ علم أبا محذورة الأذان مُرَجّعاً» (١). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قيل لأحمد رحمة الله عليه: حديث أبي محذورة بعد فتح مكة. قال: أليس قد رَجَع النبي ﷺ إلى المدينة وأقر بلالاً على أذانه. أشار الإمام أحمد رحمة الله عليه إلى ترجيح أذان بلال من حيث إنه مؤذن رسول الله ﷺ . وإن أذانه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . وأما كونه إذا ثنى الإقامة. وهو: أن يقيم كما يؤذن بزيادة قد قامت الصلاة مرتين لا بأس؛ فلأن في حديث عبدالله بن زيد في بعض طرقه «أنه أقام مثل أذانه» (٢) رواه أبو داود. وأما قول المصنف ﵀: فلا بأس؛ فمشعر بأن الأولى أن لا يرجع الأذان ولا يثني الإقامة. وهو صحيح لأن مؤذن رسول الله ﷺ لم يكن يفعل ذلك في أذانه ولا في إقامته. وفي الحديث: «أمر رسول الله ﷺ بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» (٣) متفق عليه. وروى ابن عمر [قال] (٤): «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة واحدة. غير أن المؤذن كان إذا قال: قد قامت الصلاة قالها مرتين» (٥).

стр. 258

وأما كونه يقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين؛ فلما روى أبو محذورة أن رسول الله ﷺ قال: «إن كان في أذان الصبح قلت: الصلاة خير من النوم مرتين» (١) رواه النسائي. قال: (ويستحب أن يَتَرَسَّلَ في الأذان. ويحدر الإقامة (٢). ويؤذن قائماً متطهراً على موضع عال مستقبل القبلة. فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر. ويجعل أصبعيه في أذنيه. ويتولاهما معاً. ويقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه). أما كون المؤذن يستحب أن يَتَرَسّل في الأذان -وهو التمهل والتأني. من قولهم جاء فلان على رِسْله- وأن يحدر الإقامة وهو الإسراع؛ فلقوله ﷺ : «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر» (٣). رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث غريب. وأما كونه يستحب أن يؤذن قائماً؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لبلال: قم فأذن» (٤). ولأنه أبلغ في الإسماع. وأما كونه يستحب أن يؤذن متطهراً؛ فلأن أبا هريرة قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» (٥). وروي مرفوعاً. أخرجه الترمذي. وأما كونه يستحب أن يؤذن على موضع عال؛ فلأنه أبلغ في الإعلام.

стр. 259

وأما كونه يستحب أن يؤذن مستقبل القبلة فاقتداء بمؤذن رسول الله ﷺ . ولأنه دعاء إلى جهة القبلة فاقتضى أن يكون من (١) سنته التوجه إليها. وأما كونه يستحب أن يلتفت إذا بلغ الحيعلة يميناً وشمالاً ولا يستدبر القبلة؛ فلما روى أبو جحيفة قال: «أتيت النبي ﷺ وهو في قبة له حمراء من أدم. فأذن بلال فجعلت أتتبع فاه يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح» (٢) متفق عليه. وفي لفظ: «ولم يستدر» (٣) رواه أبو داود. وأما كونه يستحب أن يجعل أصبعيه في أذنيه؛ فلأن في حديث أبي جحيفة: «وأصبعاه في أذنيه» (٤) رواه الترمذي. وأما كونه يستحب أن يتولى الأذان والإقامة معاً؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إن أخا صداء أذّن ومن أذّن فهو يقيم» (٥) من المسند. ولأنهما فصلان من الذكر يندبان للصلاة فاستحب أن يتولاهما واحد كالخطبتين. وأما كونه يستحب أن يقيم في موضع أذانه إذا لم يشق عليه؛ فلأن الإقامة مشروعة للإعلام فشرعت في موضع الأذان ليكون أبلغ. ولأنه فصل باق من الذكر يتقدم عليه فصل من جنسه فكان محلهما واحد كالخطبتين. فإن قيل: المراد بالإقامة في موضع الأذان عدم التأخر عنه مطلقاً أم لا. قيل: التأخر عنه باليسير غير البعيد لا يخل بالسنة لأن في حديث عبدالله بن زيد «فاستأخر غير بعيد» (٦).

стр. 260

وأما كونه لا يستحب ذلك إذا شق عليه مثل أن يكون في منارة أو شبهها؛ فلأن فيه تفويتاً للركعة الأولى. قال: (ولا يصح الأذان إلا مرتباً متوالياً. فإن نكسه أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير أو محرم لم يعتد به). أما كون الأذان لا يصح إلا مرتباً متوالياً؛ فلأنه [لا يعلم أنه أذان بدونهما. ولأنه] (١) شرع في الأصل مرتباً متوالياً وعلمه رسول الله ﷺ أبا محذورة مرتباً متوالياً. وأما كونه لا يعتد به إذا نكسه وهو أن يجعل آخره أوله وأوله آخره أو نحو ذلك، أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير؛ فلما ذكر من أنه لا يعلم أنه أذان مع ذلك. وأما كونه لا يعتد به إذا فرق بينه بكلام محرم وإن قل كالقذف والسب؛ فلأنه فعل يخرجه عن أهلية الأذان أشبه الردة. قال: (ولا يجوز قبل دخول الوقت (٢) إلا الفجر فإنه يؤذن لها بعد نصف الليل. ويستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم). أما كون الأذان لا يجوز قبل دخول الوقت في غير الفجر؛ فلأن الأذان شرع للإعلام بالوقت فلو جاز قبل الوقت لذهب مقصوده. وأما كونه يجوز في الفجر قبل ذلك؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٣) متفق عليه. وهذا يدل على دوام ذلك. فإن قيل: هذا يدل على الجواز لكن بشرط كونهما مؤذنين كمؤذني رسول الله ﷺ . قيل: كونهما مؤذنين ليس بشرط. بدليل ما روى زياد بن الحارث الصدائي قال: «لما كان أذان الصبح أمرني النبي ﷺ فأذنت. فجعلت أقول: أقيم يا رسول

стр. 261

الله! فجعل ينظر إلى ناحية المشرق. ويقول: لا. حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز. ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم ... الحديث» (١). رواه الترمذي. ولأن الفجرَ وقتُها وقت نوم الناس فجاز تقديم الأذان ليتأهبوا. ويحتمل أن فيهم من احتلم أو جامع فينتبه ليغتسل فيدرك الصلاة في أول وقتها. وأما كون الجواز المذكور يختص بعد نصف الليل؛ فلأن الليل إذا تنصف ترجح جانب الفجر. والمستحب أن لا يكون بين الأذان وطلوع الفجر إلا شيء قليل «لأنه كان بين أذان بلال وبين أذان ابن أم مكتوم قدر ما ينزل هذا ويطلع هذا» (٢). ويستحب أن يكون مؤذنان: أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر عند طلوعه اقتداء بمؤذني رسول الله ﷺ . وليحصل الإعلام من أحدهما بقرب الوقت، ومن الآخر بدخول الوقت. وأما كون المؤذن يستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة» (٣) رواه تمام في الفوائد.

стр. 262

قال: (ومن جمع بين صلاتين أو قضى فوائت أذّن وأقام للأولى ثم أقام لكل صلاة بعدها). أما كون من جمع بين صلاتين يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم؛ فلما روى جابر «أن النبي ﷺ جمع بينهما -أي بين المغرب والعشاء- بجَمْع بأذان وإقامتين» (١). وأما كون من قضى فوائت يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم لكل صلاة بعدها فـ «لأن المشركين شغلوا النبي ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله. فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى الظهر. ثم أمره فأقام وصلى العصر. ثم أمره فأقام وصلى المغرب. ثم أمره فأقام فصلى العشاء» (٢) رواه أحمد. قال: (وهل يجزئ أذان المميز للبالغين؟ على روايتين). أما إجزاء أذان المميز على روايةٍ. ومعناه: أنه يعتد به؛ فلأنه ذَكَرٌ تصح صلاته أشبه البالغ. وروى ابن المنذر بإسناده عن عبدالله بن أنس قال: «كان عمومتي يأمروني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد فلم ينكر ذلك عليهم». وهذا مما يظهر ولا يخفى فيكون كالإجماع. وأما عدم إجزائه على روايةٍ؛ فلأنه لا يقبل خبره فلم يصح الإعلام بأذانه. قال: (وهل يعتد بأذان الفاسق والملحن؟ على وجهين). أما كون أذان الفاسق لا يعتد به على وجهٍ؛ فلأنه لا يقبل خبره. ولأنه قد روي في الحديث: «وليؤذن لكم خياركم» (٣).

стр. 263

ولأنه يستحب أن يؤذن على موضع عال فإذا لم يكن عدلاً فلا يؤمن منه النظر إلى العورات. وأما كونه يعتد به على وجهٍ؛ فلأنه أذان رجل مكلف فاعتد به كأذان العدل. وأما كون الأذان الملحن وهو الأذان الذي فيه تمديد لا يعتد به على وجهٍ؛ فلما روى ابن عباس قال: «كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب. فقال رسول الله ﷺ : إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن» (١) رواه الدارقطني. ولأنه يخرج الكلام عن حد الإفهام. وأما كونه يعتد به على وجهٍ؛ فلأن المقصود الإعلام وهو يحصل به أشبه غير الملحن. قال: (ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويقول بعد فراغه: اللهم! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد). أما كون من سمع المؤذن يستحب له أن يقول كما يقول في غير الحيعلة؛ فلما روى أبو سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول» (٢) متفق عليه. وأما كونه يستحب له أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في الحيعلة؛ فلما روى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله.

стр. 264

فقال: أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر الله أكبر. فقال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة» (١) رواه مسلم. وأما كونه يستحب له أن يقول بعد فراغه: اللهم! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد؛ فلما روى جابر أن النبي ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة التامة وذكر إلى قوله: الذي وعدته. حلت له الشفاعة يوم القيامة» (٢) رواه البخاري. ولم يذكر الدرجة الرفيعة، ولم يُعَرّف المقام ولا المحمود. ورواه غيره معرفاً لهما.

стр. 265

باب شروط الصلاة الشروط: جمع شرط. والشرط في اللغة: ما يلزم من وجوده وجود المشروط. وفي الشرع: ما يلزم من عدمه عدمه؛ كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة. وسمي الشرط شرطاً لأنه علامة على المشروط. ومنه: أشراط الساعة أي علاماتها. قال المصنف ﵀: (وهي ما يجب لها قبلها. وهي ست: أولها: دخول الوقت. والثاني: الطهارة من الحدث). أما قول المصنف ﵀: وهي ما تجب لها قبلها؛ فبيان لمعنى شروط الصلاة. وسميت شروط الصلاة شروطاً لأنها متقدمة على الصلاة وسابقة لها وأعلام عليها. وأما كون الشروط ستة؛ فلأنها دخول الوقت، والطهارة، وستر العورة، واجتناب النجاسات، واستقبال القبلة، والنية. وأما كون ذلك كله شروطاً للصلاة: أما دخول الوقت؛ فلأن عمر ﵁ قال: «والصلاة لها وقت شرطه الله (١) لا تصلح إلا به» (٢). [وأما الوقت فيأتي بيانه إن شاء الله] (٣).

стр. 266

وأما [اشتراط] (١) الطهارة من الحدث؛ فلقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢) متفق عليه. قال: (والصلوات المفروضات خمس: الظهر وهي الأولى. ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله (٣) بعد الذي زالت عليه الشمس). أما كون الصلوات المفروضات خمساً؛ فلأن النبي ﷺ قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة» (٤). وفي حديث الأعرابي «أنه قال للنبي ﷺ لما أخبره بذلك: هل عليّ غيرها؟ قال: لا [إلا أن تطوع] (٥») (٦). وأما كون الظهر الأولى؛ فلأن جبريل بدأ بها حين بيّن للنبي ﷺ الوقت (٧). ولأن أبا برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس -يعني حين تزول-» (٨) متفق عليه. وأما كون وقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ فلما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أمّني جبريل عند البيت مرتين. فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك. ثم صلى بي في المرة الآخرة حين صار ظل كل شيء مثله. وقال: الوقت ما بين هذين» (٩) في حديث طويل. قال الترمذي: هو حديث حسن.

стр. 267

ويعرف الزوال بطول الظل بعد تناهي قصره. وأما كون الظل المذكور بعد الذي زالت عليه الشمس؛ فلأن الشمس تزول في بعض الأوقات وبعض الأمكنة وللشيء ظل فلم يكن بد من اعتباره. قال: (والأفضل تعجيلها إلا في شدة الحر والغيم لمن يصلي جماعة). أما كون الأفضل تعجيل الظهر في غير الحالتين المذكورتين؛ فلحديث أبي برزة المتقدم. ولقول عائشة: «ما رأيت أحداً أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله ﷺ ولا من أبي بكر ولا من عمر ﵄» (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وأما كون الأفضل في شدة الحر تأخيرها؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٢) متفق عليه. فإن قيل: الأمر بالإبراد رخصة أم سنة. قيل: الأرجح أنه سنة؛ لأنه أمر به، وأدنى مراتب الأمر الاستحباب؛ فلأن شدة الحر تمنع الخشوع. فجرى مجرى حضور الطعام [والشراب] (٣) وبه حاجة إليه. ذكر ذلك صاحب النهاية فيها. وصرح المصنف ﵀ في المغني والكافي أنه مستحب لما تقدم. فإن قيل: الإبراد يستحب في الجمعة كالظهر. قيل: لا؛ لما روى سلمة بن الأكوع «كنا نُجَمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس» (٤).

стр. 268

ولأنه لم ينقل تأخيرها بل تعجيلها. فروى سهل بن سعد: «ما كنا نقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة» (١) رواه البخاري. ولأن السنة المباكرة (٢) إليها واجتماع الناس لها قبل الزوال فلو شرع [تأخيرها] (٣) لتأذى الناس بحر المسجد. وأما كون الأفضل في الغيم تأخيرها؛ فلأنه لا يؤمن مع التعجيل عدم مصادفة الوقت حقيقة؛ لأن الدخول في الصلاة يجوز إذا غلب على الظن دخول الوقت فإذا كان غيم وصلى بناء على غلبة الظن ربما صادف في الباطن عدم الوقت. وقول المصنف ﵀: لمن يصلي جماعة؛ يحتمل أن يعود إلى شدة الحر والغيم جميعاً. فعلى هذا يكون عدم أفضلية التعجيل في شدة الحر والغيم مشروطاً بكون المصلي يصلي جماعة. ولم أر ذلك لغيره ولا له في غير مقنعه. إلا أنه نقل في المغني عن القاضي أنه قال: يستحب تأخير الظهر والمغرب في الغيم. وأنه علل ذلك بأنه وقت يخاف منه العوارض والموانع من المطر والريح والبرد فتلحق المشقة في الخروج لكل صلاة. وفي تأخير الأولى من صلاتي الجمع وتقديم الثانية دفع لهذه المشقة. فعلى هذا يكون التأخير للغيم مشروطاً بحضور الجماعة؛ لأن المعنى لا يحصل إلا بذلك. ولا تكون علة التأخير في الغيم إلا من عدم إصابة الوقت في الحقيقة. ويحتمل أن يعود يعني قوله: لمن يصلي جماعة إلى شدة الحر فقط ويكون الغيم لا حظ له في ذلك. وفيه بُعْد لتوسط أجنبي بين الحكم وشرطه إلا أن ذلك موافق لنقل الأصحاب ونقل المصنف ﵀ في سائر مصنفاته. وإنما اشترطت الصلاة جماعة في عدم أفضلية التعجيل؛ لأن في التعجيل السعي في الشمس وشدة الحر وذلك مشقة في حق من يصلي جماعة لا في حق غيره. وظاهر كلام المصنف ﵀: أنه لا يشرط غير ما ذكر.

стр. 269

وضم القاضي إلى شدة الحر وصلاة الجماعة في المسجد: أن يكون في البلاد الحارة كبغداد ونحوها؛ لأن التأخير إنما استحب لينكسر الحر ويتسع فيء الحيطان فيكثر السعي إلى الجماعات وذلك مفقود في من فقد منه شرط من هذه الثلاثة. فعلى هذا من يصلي في بيته جماعة، أو فرادى، أو في مسجدٍ بفنائه، أو يكون ببلد ليس بحار كالشام ونحوه فالأفضل تعجيلها له بكل حال لزوال المقتضي للتأخير. وقد روي عن الإمام أحمد ﵁ أنه كان يؤخرها في مسجده. ولم تكن هذه الصفة. فعلى هذا لا فرق بين البلد الحار وغيره ولا بين مَنِ المسجد بفنائه ومن يصلي في بيته ومن غير ذلك وهو الصحيح لأنه داخل في عموم قوله ﷺ : «إذا اشتد الحر فأبردوا» (١). قال: (ثم العصر وهي الوسطى. ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس. وعنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس. وتعجيلها أفضل بكل حال). أما قول المصنف ﵀: ثم العصر؛ فمعناه أنها تلي الظهر بمهلة. ويلزم أن تكون الثانية؛ لأنه قد ثبت أن الظهر هي الأولى فلزم أن تكون العصر هي الثانية. وأما كونها الوسطى؛ فلما روى علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» (٢) متفق عليه. وأما كون أول وقتها من خروج وقت الظهر؛ فلقوله ﷺ في حديث جبريل: «وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله» (٣). وأما كون آخره إلى اصفرار الشمس على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» (٤) رواه مسلم.

стр. 270

وأما كونه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه على روايةٍ؛ فلأن في حديث جبريل المتقدم «ثم صلى بي العصر في المرة الأخرى حين صار ظل كل شيء مثليه» (١). وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن مقتضى حديثي عمرو وجبريل المتقدم ذكرهما ذهاب الوقت بعد ما ذكر فيهما. تُرك العمل به في الإدراك قبل غيبوبة الشمس لما يأتي (٢) فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى غروب الشمس؛ فلما يأتي من حديث أبي هريرة. فإن قيل: ما المعنيّ بوقت الاختيار ووقت الضرورة؟ قيل: وقت الاختيار هو الذي تقع الصلاة فيه أداء. فلا إثم على فاعلها فيه. ووقت الضرورة هو الذي تقع الصلاة فيه أداء ويأثم فاعلها بالتأخير إليه لغير عذر. أما كون الصلاة في وقت الاختيار تقع أداء؛ فلأنها تقع في وقت الضرورة أداء لما يأتي؛ فلأن تقع أداء في وقت الاختيار بطريق الأولى. وأما كون فاعلها فيه لا إثم عليه؛ فلأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يفعلونها فيه. وأما كون الصلاة في وقت الضرورة تقع أداء؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» (٣) متفق عليه. وفي لفظ للنسائي «فقد أدركها» (٤). وأما كون فاعلها فيه يأثم؛ فلما روى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين. يجلس

стр. 271

أحدكم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اسم الله فيها إلا قليلاً» (١) متفق عليه. ولو لم يأثم بتأخيرها لما ذُمّ عليه، ولما جعله علامة النفاق. وأما كون تعجيلها أفضل بكل حال؛ فلما روى أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العصر فيذهب أحدنا إلى العوالي والشمس مرتفعة. قال الزهري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة. وأحسبه قال: وأربعة» (٢) متفق عليه. وروى رافع بن خديج «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العصر ثم ينحر الجزور فَيُقَسّم عشرة أقسام ثم يطبخ فيأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغيب الشمس» (٣) متفق عليه. قال: (ثم المغرب. وهي الوتر. ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر. والأفضل تعجيلها إلا ليلة جَمْع لمن قصدها). أما قول المصنف ﵀: ثم المغرب؛ فعلى نحو ما تقدم في العصر. وأما كونها الوتر؛ فلأنها ثلاث ركعات. وليس مراده الوتر المشهور بل أنها وتر لما ذُكر من العدد.

стр. 272

وأما كون وقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق؛ فلما روى بريدة «أن النبي ﷺ أمر بلالاً فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق (١») (٢) [رواه مسلم. وأما كون الشفق الحمرة] (٣)؛ فلما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «الشفق الحمرة. فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» (٤) رواه الدارقطني. وروى جابر «أن النبي ﷺ صلى عشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق» (٥). وبالإجماع لا يجوز قبل غيبوبة الأحمر فثبت أنه صلاها قبل الأبيض وبعد الأحمر. وأما كون الأفضل تعجيلها في غير ليلة جَمْع لمن قصدها فـ «لأن جبريل أمّ النبي ﷺ في اليومين في أول الوقت» (٦). وأقل أحوال ذلك تأكد الاستحباب. وأما كون الأفضل تأخيرها ليلة جَمْع (٧) لمن قصدها؛ فـ «لأن النبي ﷺ أخرها إلى مزدلفة» (٨). وكذلك أصحابه. ولأن ليلة جُمَع يكون المحرم مشتغلاً بالنفير والمسير إلى مزدلفة فلو كان التعجيل أفضل لاستحب النزول والصلاة في طريقه وذلك مشقة تناسب إسقاط الوجوب فضلاً عن الفضيلة.

стр. 273

وقول المصنف ﵀: لمن قصدها معناه أن التأخير أفضل للحاج؛ لأنه هو الذي (١) يقصدها لا لغيره؛ لأن غير الحاج لا يحتاج إلى نزول، ولا هو مشتغل بسير إلى مكان يخاف فيه فواته أو زحمة فيه أو نحو ذلك، وذلك يقتضي اختصاص الحاج به. ولأن الحجة في ذلك فعل النبي ﷺ وأصحابه وكانوا حجاجاً فلا يتعدى إلى غير حاج؛ لعدم وجود المعنى فيه. قال: (ثم العشاء. ووقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل (٢). وعنه نصفه. ثم يذهب وقت الاختيار. ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني. وهو: البياض المعترض في المشرق ولا ظلمة بعده. وتأخيرها أفضل ما لم يشق). أما قول المصنف ﵀: ثم العشاء؛ فعلى نحو ما تقدم في العصر والمغرب. وأما كون وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل على روايةٍ؛ فلما روى بريدة «أن النبي ﷺ صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق. وصلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل» (٣). وحديث ابن عباس في صلاة جبريل مثله (٤). وأما كون آخره إلى نصفه على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل» (٥) رواه مسلم. وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن ما تقدم من الحديث يدل على ذهاب الوقت بالكلية. تُرك العمل به في وقت الضرورة لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.

стр. 274

وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى طلوع الفجر الثاني؛ فلأن ما بعد الثلث أو النصف وقت للوتر وهي من توابع العشاء فاقتضى أن يكون وقتاً للعشاء لأن التابع إنما يصلى في وقت المتبوع كركعتي الفجر. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت أخرى». ولأن الحديث الصحيح ورد في الفجر والعصر فليكن هذا مثله لعدم الفرق. وأما قول المصنف ﵀: وهو البياض المعترض [في المشرق] (١) ولا ظلمة بعده؛ فبيان لمعنى الفجر الثاني؛ لأن الفجر فجران: كاذب وهو بياض مستدق مستطيل كذنب السَّرْحان، وصادق وهو ما ذكر. وسيأتي نحو ذلك. وأما كون تأخيرها أفضل إذا لم يشق على المأمومين ذلك؛ فلما روى بريدة «أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي (٢) تدعونها العتمة» (٣). وفي حديث جابر: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروها إلى ثلث الليل أو نصفه» (٤) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وأما كون تعجيلها أفضل إذا شق ذلك عليهم فلأجل المشقة اللاحقة بالتأخير ولهذا «كان النبي ﷺ يصليها أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر» (٥). قال: (ثم الفجر. ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. والأفضل تعجيلها. وعنه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار). أما قول المصنف ﵀: ثم الفجر؛ فعلى نحو ما تقدم.

стр. 275

وأما كون أول وقتها من طلوع الفجر؛ فلما روى بريدة عن النبي ﷺ «أنه أمر بلالاً فأقام الفجر حين طلع (١) الفجر» (٢). وفي حديث ابن عباس في حديث جبريل (٣) مثله. وأما كون الفجر هو الفجر الثاني؛ فلأن النبي ﷺ قال: «لا يَغُرَّنكم الفجر المستطيل كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير» (٤). والصلاة لا تجوز في وقتٍ يجوز فيه الأكل؛ لأن زيد بن ثابت قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ . ثم قمنا إلى الصلاة. قال: قلت كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية» (٥). ولو جاز الأكل بعد ذلك لأخره؛ لأن السحور تأخيره أفضل. وأما كون آخره طلوع الشمس؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» (٦). وأما كون تعجيلها أفضل على المذهب فلما روت عائشة ﵂ قالت: «لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر ويشهد معه نساء من المؤمنات مُتلفعات بمروطهن ثم ينصرفن [إلى بيوتهن] (٧) ما يُعرفن من الغلس» (٨) متفق عليه. وأما كونه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ لما بعث معاذ إلى اليمن قال: إذا كان الشتاء فصل الصبح في أول الوقت. ثم أطل

стр. 276

القراءة [قدر ما يطيق الناس ولا تملهم] (١). وإذا كان في الصيف فأسفر بالصبح. فإن الليل طويل. والناس ينامون» (٢). ولأنه نوع تأخير فكان مشروعاً لأجل المأموم كانتظار الداخل في الركوع. ولأن التأخير يفضل لوجود الفضيلة؛ فلأن يفضل لأجل الجماعة -وهي واجبة- بطريق الأولى. قال: (ومن أدرك تكبيرة الإحرام من صلاةٍ في وقتها فقد أدركها. ومن شك في دخول الوقت لم يصل حتى يغلب على ظنه دخوله. فإن أخبره بذلك مخبر عن يقين قُبل قوله. وإن كان عن ظن لم يقبله). أما كون من أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» (٣) متفق عليه. وفي روايةٍ النسائي: «فقد أدركها» (٤). ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها؛ كإدراك المسافر صلاة المقيم، والمأموم صلاة الإمام. وأما كون من شك في دخول الوقت لم يصل؛ فلأن دخوله شرط لصحتها ولم يوجد. وأما قول المصنف ﵀: حتى يغلب على ظنه دخوله؛ فتنبيه على أن ذلك يحصل بغلبة الظن كما يحصل باليقين؛ لأن الشرع أقام الظن مقام اليقين في مواضع فكذلك هاهنا. ولذلك كانت الصحابة رضوان عليهم يبنون أمر الفطر في الصيام على الظن. ويحصل اليقين للعالم بالمواقيت ودقائق الساعات وتسيير الكواكب إذا لم يكن في السماء علة ولا مانع.

стр. 277

ويحصل غلبة الظن للعالم بما ذكر مع وجود المانع، وللجاهل بالمواقيت، والأعمى، والمحبوس في مطمورة إذا كان أحدهم صاحب صنعة وقدر الوقت بعمل معلوم أو قراءة معلومة أو ما أشبه ذلك. وأما كون المصلي يقبل قول من أخبره بالوقت عن يقين؛ فلأن خبره مع الثقة يفيد غلبة الظن والعمل بغلبة الظن واجب. وأما كونه لا يقبل قول من أخبره بذلك عن ظن؛ فلأنه قادر على الاجتهاد بنفسه وتحصيل مثل ظنه فلم يجز له قبول قول غيره كالمجتهد إذا أخبره مجتهد آخر عن حكم شرعي. وبهذا فارق اليقين لأنه لا يمكنه تحصيل اليقين وإن اجتهد. قال: (ومتى اجتهد وصلى فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده أجزأه. وإن وافق قبله لم يجزئه). أما كون من اجتهد وصلى تجزئه صلاته إذا وافق الوقت؛ فلأن الصلاة وقعت الموقع؛ لأنه أدى ما خوطب به وفرض عليه. وأما كونه يجزئه إذا وافق ما بعده؛ فلأن الصلاة تقع بعد الوقت قضاء وهو مسقط للفرض ومجزئ عنه. وأما كونه لا يجزئه إذا وافق قبله؛ فلأن المخاطبة بالصلاة وجدت بعد ذلك. وإن قيل: إذا اجتهد في القبلة فأخطأ قلتم لا إعادة ولو اجتهد في الوقت فأخطأ قلتم عليه الإعادة فما الفرق؟ قبل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن المجتهد في القبلة أدى الصلاة بعد أن وجبت وفي الوقت أداها قبل وجوبها ثم تجدد سبب الوجوب. الثاني: أن تحصيل اليقين في الوقت ممكن، وتحصيل اليقين في القبلة غير ممكن.

стр. 278

قال: (ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جُن أو حاضت المرأة لزمه القضاء. وإن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون أو طهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح. وإن كان ذلك قبل غروب الشمس لزمهم الظهر والعصر. وإن كان قبل طلوع الفجر لزمهم المغرب والعشاء). أما كون من أدرك من الوقت قدر تكبيرة الإحرام ثم جن أو حاضت المرأة يلزمه القضاء؛ فلأن الصلاة تجب بأول الوقت لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أَمَر بالصلاة في أول الوقت. والأمر للوجوب. ووجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء. فعلى هذا لا يشترط مضي زمان يمكن فعلها. وقال ابن بطة: يشترط ذلك لوجوب القضاء كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت. والأول أصح؛ لما ذكر. ولأنها صلاة واجبة فوجب قضاؤها كما لو أمكن أداؤها. والفرق بين ذلك وبين طريان العذر قبل الوقت أن الصلاة لم تجب ثَمّ بخلاف هاهنا. وأما كون الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة يلزمهم الصبح؛ فلأنهم أدركوا جزءاً من وقتها أشبه ما لو أدركوا أول وقتها. وأما كونهم يلزمهم العصر إذا كان ذلك قبل غروب الشمس، والعشاء إذا كان قبل طلوع الفجر؛ فلما ذكر في الصبح. وأما كونهم يلزمهم الظهر إذا كان ذلك قبل غروب الشمس، والمغرب إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر؛ فلأن وقت العصر والعشاء وقت للظهر والمغرب حال العذر وهي حالة الجمع للمسافر والمريض والممطور فيكون مدركا جزءاً من وقت الظهر والمغرب في حال فلزمته. أشبه ما لو أدرك جزءاً من وقتها في كل حال.

стр. 279

قال: (ومن فاتته صلاة لزمه قضاؤها على الفور مرتباً. قلّتْ أو كثُرت. فإن خشي فوات الحاضرة أو نسي الترتيب سقط وجوبه). أما كون من فاتته صلاة يلزمه (١) قضاؤها على الفور؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصليها إذا ذكرها» (٢) متفق عليه. ولمسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣). أمر بالصلاة عند الذكر والأمر للوجوب. و«لأن النبي ﷺ فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء يوم الخندق فصلاها عقب ذكره» (٤). وقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). ولأن فعله ﷺ بياناً لقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: ٧٢]. وأما كونه يلزمه قضاؤها مرتباً؛ فلأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب فكذا ما يحكيه. و«لأن النبي ﷺ رتب لما قضى» (٦) وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧). وأما قول المصنف ﵀: قلّت أو كثرت؛ فإشارة إلى أن كثرة الفوائت لا تُسقط الترتيب؛ لأن الترتيب واجب فلم يسقط بالكثرة، [وكما لو نسي صلاة يوم. ولأنه ترتيب في صلوات فلم يسقط بالكثرة] (٨) كترتيب الركوع على السجود.

стр. 280

وأما كون من خشي فوات الحاضرة يسقط وجوب الترتيب عنه؛ فلأن الحاضرة آكد بدليل أنه يُقتل بتركها بخلاف الفائتة. ولئلا تصير الحاضرة فائتة. وفيه رواية: أنه لا يسقط الترتيب قياساً على ما إذا لم يخش فوات الحاضرة. والأول أصح؛ لما تقدم. وأما كون من نسي الترتيب يسقط وجوبه عنه؛ فلقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» (١) رواه النسائي. والمراد بقول المصنف ﵀: أو نسي الترتيب؛ أنه نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة، لا إن نسي الترتيب في الفوائت؛ لأن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح. فإن قيل: المراد بقولك: حتى صلى (٢) الحاضرة الشروع فيها أو الفراغ منها. قيل: الفراغ منها. فإن قيل: فإذا ذكر في الحاضرة فما الحكم؟ قيل: يتمها ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة. نص عليه الإمام أحمد في المأموم. والأصل فيه قول النبي ﷺ : «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام. فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام» (٣). وروي موقوفاً على ابن عمر (٤). وألحق بالمأموم الإمام والمنفرد لأنهما في معناه. وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: أن المنفرد يقطع صلاته ويقضي الفائتة. ونقل عنه في الإمام ينصرف ويستأنف المأمومون. قال أبو بكر: لم ينقلها غير حرب.

стр. 281

ونقل عنه في المأموم أنه يقطع. وجه القطع في الثلاثة أنه ترتيب واجب فوجب اشتراطه لصحة الصلاة كترتيب المجموعتين. والأول هو ظاهر المذهب؛ لما ذكر من الحديث. ومساواةِ غير المأمومِ المأمومَ (١). وينبغي أن يكون مضي الإمام مبنياً على (٢) اقتداء المفترض بالمتنفل. فإنا حيث قلنا يمضي يكون متنفلاً لأن المضي ليس بواجب.

стр. 282

باب ستر العورة قال المصنف ﵀: (وهو الشرط الثالث. وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب). أما كون ستر العورة الشرط الثالث؛ فلأنه يلي الثاني. وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة؛ فلقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) رواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة] (٢). وأما كون سترها عن النظر واجباً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. وقد اتفقت (٣) الأمة على أن غير اللباس لا يجب زينة. فثبت وجوب الستر باللباس. وروى سلمة بن الأكوع قال: «قلت: يا رسول الله! إني أكون في الصيف وليس عليّ إلا قميص واحد. فقال رسول الله ﷺ : رده عليك أو اربطه بشوكة» (٤). فإن قيل: الآية المذكورة نزلت بسبب شيء خاص. قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 283

وأما كون الستر الواجب الستر بما لا يصف البشرة؛ فلأن الستر لا يحصل بدون ذلك. قال: (وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة. وعنه أنها الفرجان). أما كون عورة الرجل ما بين السرة والركبة على المذهب؛ فلما روى علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبرز فخذك. ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» (١) رواه الإمام أحمد ﵁. وروى ابن عباس ﵄ قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل فخذه خارجة. فقال: غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته» (٢) رواه الإمام أحمد. وروي «أنه قال لجرهد: غط فخذك. فإن الفخذ عورة» (٣) رواه الإمام أحمد. وأما كونها الفرجين على روايةٍ؛ فلما روى أنس «أن النبي ﷺ يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي ﷺ » (٤) رواه البخاري. وروت عائشة «كان رسول الله ﷺ في بيته كاشفاً عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على ذلك [ثم استأذن عمر فأذن له وهو على ذلك] (٥») (٦). ولو كانت عورة لما كشفها.

стр. 284

وأما كون عورة الأمة ما بين السرة والركبة فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا زوج أحدكم أمته عبده فلا ينظر إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى ركبته عورة. يريد الأمة» (١) رواه الدارقطني. وعن الإمام أحمد أن عورتها جميع بدنها إلا ما يظهر منها غالباً كالرأس. واليدين إلى المرفقين. والرجلين إلى الكعبين؛ لأنه لا يظهر منها غالباً أشبه ما تحت السرة. ولم أجد في كتب الأصحاب مصرحاً بأن عورة الأمة الفرجان في روايةٍ. وقد فرع صاحب النهاية فيها فروعاً يقتضي أن هذه الرواية عامة في الرجل والأمة. وهو ظاهر إطلاق أصحابنا. وفيه نظر. قال: (والحرة كلها عورة إلا الوجه. وفي الكفين روايتان). أما كون الحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين؛ «فلقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] قال ابن عباس: وجهها وكفيها» (٢). ولأنه يحرم ستر الوجه والكفين في الإحرام ولو كانا من العورة ما حرم. وروت أم سلمة «أن رسول الله ﷺ قيل له: تصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» (٣) رواه الدارقطني وأبو داود.

стр. 285

وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء. فقالت أم سلمة ﵂: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، قالت: فإذاً تنكشف أقدامهن. قال: يرخين ذراعاً لا يزدن عليه» (١) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وأما كون الكفين عورةً على روايةٍ فقياساً (٢) على القدمين. والأول أصح لما تقدم. قال: (وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة. وعنه كالحرة). أما كون عورة أم الولد كالأمة على روايةٍ فلثبوت أحكام الإماء فيها سوى نقل الملك وما يراد له. وأما كون عورة المعتق بعضها كذلك فلعدم كمال الحرية. وأما كون عورة أم الولد كالحرة على روايةٍ؛ فلأنها قد انعقد فيها سبب الحرية انعقاداً لا يمكن بطلانه أشبهت الحرة. وأما كون عورة المعتق بعضها كذلك؛ فلأنها اجتمع فيها تحريم وتحليل فغلب جانب التحريم. فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين المذكورتين؟ قيل: الصحيح في أم الولد أنها كالأمة لمساواتها لها في أكثر الأحكام، وفي المعتق بعضها أنها كالحرة لتحقق الحرية في بعضها.
следующие страницы →