← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإذا كان كذلك في البول ففي غيره بطريق الأولى لأنه لا يشق التحرز منه بخلاف البول. وأما كون الدم يعفى عن يسيره فلما روت عائشة قالت: «كان يكون لإحدانا الدرع: فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة. ثم ترى فيه قطرة من دم فَتَقْصَعُهُ بريقها» (١). وفي لفظ: «بلته بريقها ثم قَصعَتْهُ بظفرها» (٢). والريق لا يُطَهِّر. وهو إخبار عن دوام الفعل. ومثل هذا لا يخفى عن النبي ﷺ . ولا يكون ذلك إلا عن أمره. و«لأن ابن عمر ﵁ كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق يديه». و«عصر بُثْرة فخرج منها شيء من دم فمسحه بيديه ولم يغسله (٣») (٤). ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار. واليسير والكثير هنا كهما في نقض الوضوء وقد مر. وأما كون ما تولد من الدم ومن القيح والصديد يعفى عن يسيره؛ فلأنهما متولدان من الدم. والعفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما. والدم المتولد منه المعفو عنه هو ما كان من حيوان طاهر. أما دم الحيوان النجس كالكلب والخنزير وشبههما والمتولد من ذلك الدم فلا يعفى عن شيء منه لأنه (٥) اكتسب حكم التغليظ لملاقاته لحم الحيوان النجس.

стр. 212

وأما كون أثر الاستنجاء والمراد به الاستجمار يعفى عنه؛ فلأن النبي ﷺ قال في الأحجار: «أنها تجزئ» (١). ولو كان الباقي في المحل غير معفو عنه لما كانت مجزئة. وأما كون المذي يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه يخرج من الشاب كثيرًا فيشق التحرز منه. وأما كون القيء يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه خارج من غير السبيل أشبه الدم. وأما كون ريق البغل والحمار يعفى عن يسيره في روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ ركب البغل والحمار» (٢). والظاهر أنه لا يسلم من ريقهما. ولأن ذلك يشق التحرز منه. وأما كون ريق سباع البهائم والطير وعرقها يعفى عن يسيره في روايةٍ فللاختلاف في نجاسته. واعلم أن سباع البهائم عام يدخل فيه الكلب والخنزير والمتولد منهما. وليس ذلك مرادًا من العموم؛ لأن ريق ذلك وعرقه اكتسب حكم التغليظ من الكلب والخنزير والمتولد منهما. وأما كون بول الخفاش يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه لو لم يعف عنه لما أمكن الصلاة في بعض المساجد. وأما كون النبيذ يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه اختلف في نجاسته. وأما كون المني يعفى عن يسيره إذا قيل بنجاسته في روايةٍ؛ فلأنه مختلف في نجاسته. وإذا قيل بطهارته فلا فرق بين القليل والكثير. قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت ولا ما لا نفس له سائلة كالذباب وغيره). أما كون الآدمي لا ينجس بالموت فلقوله ﷺ : «المؤمن لا ينجس» (٣).

стр. 213

وقال ﵇: «لا تنجسوا موتاكم إن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا» (١) رواه الدارقطني. ولأنه آدمي فلم ينجس بالموت كالشهيد. وفارق بقية الحيوانات لحرمته. ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر؛ لاستوائهما في الآدمية. ولأنهما استويا حالة الحياة فكذلك بعد الممات. وعن الإمام أحمد: أنه ينجس قياسًا على سائر ما ينجس بالموت. وأما كون ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فلقوله ﷺ : «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه. فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» (٢) رواه البخاري. أمر بمقله فلو تنجس بالموت لما أمر به لأن الظاهر موته بمقله لا سيما إذا كان الطعام حارًا فلو تنجس بالموت لكان ذلك تنجيسًا للطعام والنبي ﷺ لا يأمر بذلك. فإذا لم يَنجس الذباب بالموت لم ينجس سائر ما لا نفس له سائلة؛ لأن الكل مشترك معنى فوجب أن يشترك حكمًا. وأما قول المصنف ﵀: كالذباب فتمثيل لما لا نفس له سائلة. قال: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر. وعنه أنه نجس). أما كون بول ما يؤكل لحمه طاهرًا على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ أمر العُرَنِيّين بشرب أبوال الإبل» (٣). ولو كانت نجسة لما أمر بشربها.

стр. 214

فإن قيل: أمر به؛ لأن التداوي بالنجس يجوز. قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (١). وعلى تقدير التسليم لا ينبغي حمل الحديث عليه لأنه لو كان للتداوي لا للطهارة لأمرهم بغسل أفواههم وأيديهم لأجل الصلاة وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلما لم يأمرهم بالغسل علم أن الأمر بالشرب للطهارة. وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: «لا بأس ببول ما أُكل لحمه» (٢). وروى جابر ﵇ أنه قال: «ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله» (٣) رواهما الدارقطني. ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه اللبن. وأما كون روثه طاهرًا على المذهب فـ «لأنه ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم» (٤) قبل المسجد. وهي لا تخلو من أبعارها. ولم يكن النبي ﷺ ولا أصحابه يصلون على الأوطية ولم ينقل عنهم تنظيفها. ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه البول واللبن.

стр. 215

وأما كون منيه طاهرًا على المذهب؛ فلأنه إذا حكم بطهارة بوله وروثه؛ فلأن يحكم بطهارة منيّه بطريق الأولى. وأما كون بوله وروثه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه رجيع أشبه رجيع غير مأكول اللحم. وأما كون منيه نجسًا على روايةٍ؛ فلأن طهارته بالقياس على طهارة البول والروث فإذا حكم بنجاستهما وجب الحكم بنجاسته لانتفاء الحكم في المقيس عليه، ولثبوت التنجيس فيه. قال: (ومني الآدمي طاهر. وعنه أنه نجس، ويجزئ فرك يابسه. وفي رطوبة فرج المرأة روايتان). أما كون مني الآدمي طاهرًا على المذهب فلقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. أطلق عليه اسم الماء فوجب أن يطلق عليه حكمه في الطهارة. ولما روت عائشة ﵂ قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ . ثم يذهب. فيصلي فيه» (١) رواه مسلم. ولو كان نجسًا لم يَطهر بالفرك كالعَذِرَة. وقال ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة أو خرقة. ولا تغسله إنما هو كالبصاق والمخاط» (٢). ورواه الدارقطني مرفوعًا. ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرًا كالطين. وأما كونه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه مستحيل من الدم أشبه القيح والصديد. ولأنه خارج لشهوة أشبه المذي. وأما كونه يجزئ فرك يابسه على هذه الرواية فلقول عائشة ﵂: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا» (٣) رواه الدارقطني.

стр. 216

و «لأنه نزل بعائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء ينام فيها. فاحتلم. فاستحيا أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام. فغمسها في الماء. ثم أرسلها. فقالت عائشة ﵂: لِمَ أفسد علينا ثوبنا. إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه. وربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي» (١) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وتقييد الإجزاء بكون المني يابسًا مشعر بأنه إذا كان رطبًا لا بد من غسله. وهو صحيح لوجوه: الأول: أن المجزئ الفرك وذلك لا يتأتى في الرطب. الثاني: أن المحل نجس فلم يكن بد من تطهيره. الثالث: أن الآثار وردت بغسله. منها: ما تقدم من قول عائشة: «وأغسله إذا كان رطبًا» (٢). ومنها ما روي عن عائشة ﵂: «كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ . ثم يخرج فيصلي فيه. وأنا أنظر إلى البقع فيه من أثر الغسل» (٣) متفق عليه. فإن قيل: إجزاء الفرك عام في كل مني أم لا؟ قيل: لا. بل هو مختص بمني الرجل؛ لأن أحمد نص على أنه لا يجزئ فرك مني المرأة لأنه رقيق. وإنما أجزأ فرك مني الرجل لأنه غليظ فيؤثر الفرك فيه تخفيفًا بخلاف مني المرأة. وأما كون رطوبة فرج المرأة نجسة في روايةٍ؛ فلأنها لا تخلو من مذي.

стр. 217

وأما كونها طاهرة في روايةٍ -وهي الصحيحة- لما ذكر في طهارة المني المستدل عليه بفرك مني رسول الله ﷺ لأنه كان مني جماع لا مني غيره ضرورة أن الأنبياء لا يحتلمون. قال: (وسباع البهائم، والطير، والبغل، والحمار الأهلي نجسة. وعنه أنها طاهرة). أما كون سباع البهائم كالأسد والنمر وغير ذلك نجسة على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ سئل عن الماء وما ينوبه من السباع. فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» (١). فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما. وإنما ينجس أن لو كان الذي نابه نجسًا. ولأنه حيوان حرم أكله يمكن التحرز منه فكان نجسًا كالكلب. وأما كونها طاهرة على روايةٍ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ سئل عن الحِياض التي بين مكة والمدينة. تردها الكلاب والسباع والحمر. فقال: لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غَبَرَ طَهور» (٢) رواه ابن ماجة. و«لأن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاصي مرا بحوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض! ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإنا نرد عليها وترد علينا» (٣) رواه مالك في الموطأ. وأما كون جوارح الطير كالعقاب والنسر ونحو ذلك نجسة على روايةٍ، وطاهرة على روايةٍ؛ فلأنها تساوي سباع البهائم معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا. وأما كون كل واحد من البغل والحمار الأهلي نجسًا على روايةٍ فلقول النبي ﷺ يوم خيبر «إنها رجس» (٤) متفق عليه. ولما ذكرنا في السباع.

стр. 218

وأما كونه طاهرًا على روايةٍ فلما روى جابر «أن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ بما أفضلته الحمر؟ قال: نعم. وبما أفضلت السباع كلها» (١) رواه الشافعي في مسنده. ولأن النبي ﷺ كان يركب الحمار والبغل. و «ركب يومًا حمارًا مُعْرَوْرَى في الحر» (٢) أي عريانًا. ذكره البخاري. والظاهر أنه لا يسلم من عرقه. وكان أصحابه ﵇ يقتنون البغال والحمير ويصحبونها في أسفارهم. فلو كانت نجسة لبين لهم نجاستها. ولأنه لا يمكن التحرز منها للمشقة أشبها الهر. ولأنه يجوز بيعهما أشبها مأكول اللحم. قال: (وسؤر الهر (٣) وما دونها في الخلقة طاهر). أما كون سؤر الهر طاهرًا فلما روت كبشة بنت كعب بن مالك قالت: «دخل عليّ أبو قتادة. فسكبت له وضوءًا. فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت. فرآني أنظر إليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم. قال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس. إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (٤) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 219

وأما كون سؤر ما دون الهر في الخلقة كالفأرة ونحوها طاهرًا؛ فلأن النبي ﷺ علل طهارة الهر بكونها من الطوافين والطوافات وذلك موجود فيما دونها لكونه مما يطوف علينا. ولأنه لا يمكن التحرز منه أشبه الهر.

стр. 220

باب الحيض قال المصنف ﵀: (وهو دم طبيعة وجِبِلَّة. ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والطواف، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر، ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد (١) به). أما قول المصنف ﵀: وهو دم طبيعة وجبلة فبيان لمعنى الحيض. وأما كون الحيض يمنع فعل الصلاة فـ «لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: دعي الصلاة أيام أقرائك» (٢) متفق عليه. وأما كونه يمنع وجوبها فلقول عائشة ﵂: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣) متفق عليه. وأما كونه يمنع فعل الصوم فلقول عائشة ﵂: «إن كان ليكون علي الصوم من رمضان. فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان» (٤) متفق عليه. يعني صومًا أفطر به بالحيض.

стр. 221

ولقول النبي ﷺ : «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ قلن: بلى» (١) رواه البخاري. وأما كونه يمنع قراءة القرآن فلقول النبي ﷺ : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» (٢) رواه الترمذي. وأما كونه يمنع مس المصحف فلقول الله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩]. وأما كونه يمنع اللبث في المسجد فلقول النبي ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٣) رواه أبو داود. وأما كونه يمنع الطواف فلما روت عائشة قالت: «قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بالصفا والمروة. فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ . فقال: افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٤) متفق عليه. وأما كونه يمنع الوطء في الفرج فلقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وأما كونه يمنع سنة الطلاق؛ فلأنه يحرم طلاق المدخول بها لما فيه من تطويل العدة.

стр. 222

وأما كونه يمنع الاعتداد بالأشهر؛ فلأن الحائض يجب عليها الاعتداد بالأقراء لما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما كونه يوجب الغسل فلقوله ﷺ : «دعي الصلاة أيام أقرائك التي كنت تحيضين فيها. ثم اغتسلي وصلي» (١) متفق عليه. وأما كونه يوجب البلوغ؛ فلأن حيض المرأة يحصل به البلوغ لما يأتي في المحجور عليه. وأما كونه يوجب الاعتداد به فلقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال: (والنفاس مثله إلا في الاعتداد). أما كون النفاس مثل الحيض في الأحكام المذكورة غير الاعتداد؛ فلأنه دم حيض اجتمع ثم خرج دفعة واحدة. ولأنه دم يمنع فرض الصلاة أشبه الحيض. وأما كونه لا يوجب الاعتداد بخلاف الحيض؛ فلأن عدة النفساء تنقضي بوضع الحمل. قال: (وإذا (٢) انقطع الدم أبيح فعل الصيام والطلاق ولم يبح غيرهما حتى تغتسل). أما كون من انقطع دم حيضها يباح لها فعل الصيام؛ فلأنها حينئذ كالجنب، والجنب يباح له ذلك؛ لما روي عن النبي ﷺ «أنه كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» (٣) متفق عليه. وأما كونها يباح طلاقها فلزوال تطويل العدة التي هي علة تحريمه في الحيض.

стр. 223

وأما كون غير فعل الصيام والطلاق لا يباح حتى تغتسل؛ فلأن المانع من ذلك زمن الحيض موجود زمن الانقطاع قبل الغسل فوجب بقاء ما كان [على ما كان] (١) عملاً بالمقتضى واستصحابًا للحال. قال: (ويجوز أن يستمتع (٢) من الحائض بما دون الفرج. فإن وطئها في الفرج فعليه نصف دينار كفارة. وعنه: ليس عليه إلا التوبة). أما كون الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج يجوز فلقول النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٣) رواه مسلم. ولأن وطء الفرج إنما مُنع من الأذى ويختص المنع بموضع الأذى. وأما كون من وطئها في الفرج عليه نصف دينار كفارة على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار» (٤) رواه أبو داود والنسائي. وأما كونه ليس عليه إلا التوبة على روايةٍ؛ فلأن الحديث المذكور قيل ليس بصحيح. ولذلك قال الإمام أحمد ﵁: لو صح الحديث عن النبي ﷺ كنا أخذنا به. ولأنه وطء نُهي عنه لأجل الأذى فلم تجب فيه كفارة قياسًا على الوطء في الدبر.

стр. 224

وأما كونه عليه التوبة؛ فلأنه وطء محرم فلم يكن بد من التوبة كغيره من المحرمات. قال: (وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين. وأكثره خمسون سنة. وعنه ستون في نساء العرب. والحامل لا تحيض). أما كون أقل سنٍّ تحيض المرأة تسع سنين؛ فلأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (١). وأما كون أكثره خمسين سنة على المذهب فلقول عائشة ﵂: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت عن حد الحيض». وأما كونه ستين سنة في نساء العرب على روايةٍ؛ فلأن المرجع في ذلك إلى الوجود. وقد وجد في نساء العرب حيض معتاد. أخبر به ثقات عن أنفسهن بعد الخمسين. ولأن ما كان فيه الحد معتبرًا ولم يوجد له في الشرع حد: يرجع فيه إلى العادات. وأما كون الحامل لا تحيض فـ «لأن النبي ﷺ لما سأله عمر عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض. قال: مره فليراجعها. ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملاً» (٢) متفق عليه. فإن قيل: ما الحجة في ذلك؟ قيل: الحجة فيه أنه جعل الحمل علمًا على دم الحيض كما جعل الطهر علمًا عليه.

стр. 225

و «لأن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض حيضة» (١) رواه الإمام أحمد. جعل وجود الحيض علمًا على براءة الرحم. ولأنه زمان لا يعتاد فيه الحيض غالبًا فلم يكن ما تراه من الدم حيضًا كالآيسة. قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: إنما يَعرف النساء الحمل بانقطاع الدم. قال: (وأقل الحيض يوم وليلة. وعنه يوم. وأكثره خمسة عشر يومًا. وعنه سبعة عشر. وغالبه: ست أو سبع). أما كون أقل الحيض يومًا وليلة على المذهب؛ فلأنه يروى عن علي ﵁ أنه قال: «أقل الحيض يوم وليلة» (٢). وأما كونه يومًا على روايةٍ؛ فلأن الشرع علق على الحيض أحكامًا ولم يبين قدره فعلم أنه رده إلى العرف كالقبض والحِرز. وقد وجد حيض معتاد يومًا ولم يوجد أقل منه. قال عطاء: «رأيت من تحيض يومًا، ومن تحيض خمسة عشر يومًا» (٣). وأما كون أكثره خمسة عشر يومًا على المذهب؛ فلأنه يروى عن علي ﵁ أنه قال: «ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة» (٤). ولأن في قوله: «تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي» (٥) رواه البخاري. إشارة إلى هذا.

стр. 226

وأما كونه سبعة عشر على روايةٍ؛ فلأن أقل الطهر إذا كان ثلاثة عشر كان أكثر الحيض سبعة عشر ضرورة أن الشهر يجمع طهرًا وحيضًا. وأما كون غالبه ستًا أو سبعًا فـ «لقول النبي ﷺ لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا. ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء. وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» (١). رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. قال: (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا. وقيل خمسة عشر يومًا. ولا حد لأكثره). أما كون أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا على المذهب فلما روي عن علي ﵁ «أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في شهر. فقال لشريح: قل فيها. فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدان أنها حاضت في شهر ثلاث حيضات تترك الصلاة فيها، وإلا فهي كاذبة. فقال علي ﵁: قالون. يعني جيد» (٢). وهذا اتفاق منهما على إمكان ثلاث حيضات في شهر ولا يمكن ذلك إلا بما قلنا في أقل الحيض وأقل الطهر. وأما كونه خمسة عشر على قولٍ فلما تقدم من قوله: «تمكث إحداكن شطر عمرها ... الحديث» (٣). وأما كون الطهر لا حد لأكثره؛ فلأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً.

стр. 227

فصل [في المبتدأة] قال المصنف ﵀: (والمبتدأة تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي. فإن انقطع دمها لأكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه. وتفعل ذلك ثلاثًا. فإن كان في الثلاث على قدر واحدٍ صار عادة، وانتقلت إليه، وأعادت ما صامته من الفرض (١). وعنه يصير عادة بمرتين). أما كون المبتدأة وهي التي أول ما ترى الدم تجلس أي تدع الصلاة والصوم؛ فلأن دم الحيض دم طبيعة وجبلة وعادة، ودم الفساد (٢) دم عارض لمرض ونحوه. والأصل عدم العارض. وأما كون ذلك يومًا وليلة؛ فلأنه أول الحيض على المذهب. ومفهوم ذلك أنها لا تجلس أكثر من ذلك وهو صحيح على المذهب لأن الصلاة في ذمتها بيقين وقد شكّت في الزائد على أقل الحيض فلا يترك اليقين بالشك. وأما كونها تغتسل بعد اليوم والليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكمًا أشبه آخر حيضها حسًا. وأما كونها تصلي بعد ذلك؛ فلأن المانع من الصلاة الحيض وعدم الغسل وقد انتفى كل واحد منهما: أما الحيض؛ فلأنه حكم بانقضائه لما تقدم. وأما عدم الغسل فلوجود الغسل حقيقة. وأما كونها تغتسل عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فلأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها فلا تكون طاهرة بيقين إلا بالغسل حينئذ. وأما كونها تفعل ذلك ثلاثًا أي مثل جلوسها يومًا وليلة وغسلها عند آخر ذلك. ثم غسلها عند انقطاع الدم؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بتكرار الدم ثلاث

стр. 228

مرات على المذهب لقول النبي ﷺ : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (١). والأقراء جمعٌ أقله ثلاثة. ولأن ما اعتبر فيه التكرار اعتبر فيه الثلاث كالأقراء في عدة الحرة، والشهور، وخيار المصراة، ومهلة المرتد، وتعليم الكلب في الوجه الصحيح. فعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد صار ذلك عادة لتكرره ثلاثًا وإلا فلا لما ذكرنا. وإن تكرر مختلفًا مثل أن يكون في الشهر الأول عشرة وفي الثاني اثني عشر وفي الثالث ثلاثة عشر فالعشرة متكررة ثلاثًا فهي عادة وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك. وفي الجملة كل دم تكرر ثلاثًا صار عادة ما لم يجاوز أكثر الحيض وما لا فلا، مختلفًا كان أو متفقًا. وأما كون الدم إذا تكرر مرتين صار عادة على روايةٍ؛ فلأن العادة مأخوذة من المعاودة وذلك يحصل بمرتين. فلا يختلف المذهب أنها لا تثبت بمرة لما ذكرنا من الاشتقاق. [فإن قيل: لم خص المصنف ﵀ جلوس المبتدأة باليوم والليلة؟ قيل: لأن ذلك أقل الحيض على رواية. ولعلها هي المختارة بدليل أنه قدمها. ولأن دليل الثانية يمكن حمله على اليوم والليلة لجواز إطلاق اليوم وإرادة الليلة؛ لأن الليل في العدد قد يدخل تبعا] (٢). وأما كون من صار دمها عادة تنتقل إليه أي تجلسه كما تقدم؛ فلأن المعتادة يجب عليها أن تجلس زمن العادة لقوله ﵇: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (٣). ولما يأتي في المستحاضة المعتادة بعد.

стр. 229

وأما كونها تعيد ما صامته من الفرض في الزمن الذي قبل الحكم بالعادة؛ فلأن بتكرره ثلاثًا عُلم أن الدم في ذلك الزمن كان دم الحيض فعلم أن الصوم فيه غير صحيح فيجب إعادته لأن الحيض لا يُسقِط وجوب الصوم بدليل ما تقدم من حديث عائشة (١). قال: (وإن جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة: فإن كان دمها متميزًا بعضه ثخين أسود منتن، وبعضه رقيق أحمر. فحيضها زمن الدم الأسود وما عداه استحاضة. وإن لم يكن متميزًا قعدت من كل شهر غالب الحيض. وعنه: أقله. وعنه: أكثره. وعنه عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها. وذكر أبو الخطاب في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع). أما كون المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض مستحاضة؛ فلأن عليًا ﵁ قال: «ما زاد على خمسة عشر يومًا فهو استحاضة» (٢). ولما تقدم من أن أكثر الحيض خمسة عشر. فإن قيل: دم المرأة على كم ضرب؟ قيل: على ثلاثة: أحدها: دم يسمى دم فساد. وهو المرئي أقل من يوم وليلة. وثانيها: دم يسمى حيضًا. وهو ما كان في العادة والتمييز أو ما أشبههما مما تُمنع فيه من الصلاة والصوم ونحوهما. وثالثها: دم يسمى استحاضة. وهو ما اتصل بالحيض وجاوزه. والمرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر. منه الحيض، وخارج كالإليتين. منه الاستحاضة. وأما كون حيض المستحاضة إذا كان دمها متميزًا كما ذكر المصنف ﵀ من الدم الأسود فلما روي «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني

стр. 230

أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ قال: إن ذلك عرق ليس بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة. فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم» (١) متفق عليه. يعني بإقباله سواده ونتنه وإدباره رقته وحمرته. وفي لفظ قال لها: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف. فأمسكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضئي. إنما هو عرق» (٢) رواه النسائي. وقال ابن عباس: «ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة. إنها والله إن ترى الدم بعد أيام حيضها إلا كغسالة ماء اللحم» (٣). ولا بد أن يُلحظ في ذلك كون الدم الأسود يصلح أن يكون حيضًا بأن يكون لا ينقص عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره لأنه متى نقص عن ذلك أو زاد عنه لا يصلح أن يكون حيضًا. وأما كون ما عداه استحاضة فـ «لأن النبي ﷺ قال في حديث فاطمة: إن ذلك عرق وليس بالحيضة» (٤). فإن قيل: ما حكم المرأة في زمن استحاضتها؟ قيل: حكم الطاهرات تصوم وتصلي؛ «لأن النبي ﷺ قال في حديث فاطمة: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة. فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (٥) متفق عليه.

стр. 231

وفي لفظ للنسائي: «فإذا كان دم الحيض فأمسكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضئي. إنما هو عرق» (١). وأما كونها إذا لم يكن دمهًا متميزًا تقعد من كل شهر غالبه ستًا أو سبعًا على المذهب فلما روي «أن حمنة بنت جحش قالت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة. قد منعتني الصوم والصلاة. فقال: تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا. ثم اغتسلي ... مختصر» (٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وأما كونها تقعد أوله على روايةٍ فلما ذكرنا في المبتدأة. وأما كونها تقعد أكثره على روايةٍ؛ فلأنه دم في زمن يصلح أن يكون حيضًا فكان حيضًا قياسًا على دم المبتدأة أول ما تراه. ولأن الأصل عدم كونه دم فساد. وأما كونها تقعد عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها على روايةٍ؛ فلأن الغالب شبهها بهن. وقياسًا على المهر. وأما كون المبتدأة أول ما ترى الدم [فيها] (٣) الروايات الأربع على ما ذكره أبو الخطاب؛ فلأنها تساوي ما تقدم ذكره معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا. قال: (وإن استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها وإن كانت مميزة. وعنه يُقدَّم التمييز. وهو اختيار الخرقي). أما كون المستحاضة المعتادة التي لا تمييز لها ترجع إلى عادتها فـ «لقوله ﷺ في حديث أم سلمة: لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر» (٤) متفق عليه.

стр. 232

وروي «أن سودة استحيضت فأمرها رسول الله ﷺ إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت» (١). ولأن الحيض يتعلق به أحكام وأيام فجاز أن يُرجع إلى الأيام عند إعواز الدم كالعدة. وأما كون المعتادة التي لها تمييز ترجع إلى عادتها على المذهب؛ فلأن اعتبار العادة متفق عليه والتمييز مختلف فيه. وأما كونه يُقدم التمييز على روايةٍ - وهو اختيار الخرقي -؛ فلأنه اجتهاد، والعادة تقليد والاجتهاد مقدم على التقليد. والأول أصح لما تقدم. ولأن الرجوع في التمييز إلى لون الدم. ونحن نرى ألوان الدماء التي في العروق تختلف اختلافًا بيّنًا. وقد تبطل دلالة التمييز إذا نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره. بخلاف العادة. ولأن الأحاديث الدالة على العادة تقتضي العموم مميزة كانت أو غير مميزة لأن النبي ﷺ لم يستفصل السائلة ولم يسألها عن ذلك. فإن قيل: حديث فاطمة يدل على اعتبار التمييز من غير استفصال عن العادة ولا سؤال عنها. قيل: حديث فاطمة قد روي من طريق متفق عليه أنه ردها إلى العادة فيتعارضان. ثم على تقدير التسليم بأنه ردها إلى التمييز تكون أخبرته أنها لا عادة لها، أو علم ذلك بقرينة. ثم يلزم من تقدير التمييز إشكال هو أنها إذا كانت عادتها خمسة من أول كل شهر ثم استحيضت فرأت عشرة أيام أسود وباقي الشهر أحمر أو أصفر فعلى تقدير التمييز تترك الصلاة عشرة أيام وفي ذلك إسقاط العبادة عنها في خمسة أيام.

стр. 233

قال: (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز. فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض في كل شهر. وعنه أقله. وقيل فيها الروايات الأربع). أما كون من نسيت العادة تعمل بالتمييز؛ فلأن التمييز حينئذ دليل لا معارض له فوجب العمل به كدم المبتدأة. وأما كون من لها تمييز تجلس غالب الحيض على المذهب فلقوله ﷺ : «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا» (١). ولأن الظاهر أن ذلك حيضها لأن ذلك غالب عادة النساء. وأما كونها تجلس أقله على روايةٍ فقياسًا على المبتدأة. وأما كونها فيها الروايات الأربع المتقدم ذكرهن على قول بعض الأصحاب فلما تقدم في المبتدأة (٢). قال: (وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها جلستها من أول كل شهر في أحد الوجهين. وفي الآخر: تجلسها بالتحري. وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز). أما كون من علمت عدد أيامها ونسيت موضعها تجلسها من أول كل شهر في وجه فلقول النبي ﷺ : «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا. ثم اغتسلي وصلي ثلاثا وعشرين» (٣). جعل حيضها من أوله، والصلاة في بقيته. وأما كونها تجلسها بالتحري أي بالاجتهاد في وجهٍ؛ فلأن النبي ﷺ ردها إلى الاجتهاد في العدد بين الست والسبع (٤) فكذلك في الوقت. وأما كون الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز كالحكم في موضع من علمت عدد أيامها ونسيت موضعها؛ فلأن من لا عادة لها ولا تمييز تشارك من

стр. 234

نسيت موضع حيضها في تعدد الجلوس في زمن محقق فوجب أن يثبت لها ما ثبت لها لأن الاشتراك يوجب المساواة. قال: (وإن علمت أيامها في وقتٍ من الشهر كنصفه الأول جلستها فيه إما من أوله [أو بالتحري] (١) على اختلاف الوجهين). أما كون من علمت أيامها في وقتٍ من الشهر كما مثّل المصنف ﵀ تجلسها فيه؛ فلأن ما عداه طهر بيقين. وأما كونها تجلسها من أوله أو بالتحري ففيه الوجهان المتقدم ذكرهما وتوجيههما في من نسيت موضع أيام حيضها. قال: (وإن علمت موضع حيضها ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين). أما كون من علمت حيضها ونسيت عدده تجلس فيه غالب الحيض على روايةٍ فلما تقدم من قوله ﷺ : «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا» (٢). وأما كونها تجلس أقله على روايةٍ؛ فلأن العبادة في ذمتها بيقين وما زاد على أقله مشكوك فيه ولا يزول عن اليقين بالشك. قال: (وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين على اختلاف الروايتين. وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار). أما كون من تغيرت عادتها بما ذُكر لا يلتفت إلى ما خرج عن العادة على المذهب حتى يتكرر كما ذكر المصنف ﵀؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بذلك فلم يلتفت إلى [ما] (٣) خرج عنها ضرورة أنه غير معتاد. فإن قيل: ما معنى تغيّر العادة بذلك؟

стр. 235

قيل: تغيرها بالزيادة أن تكون عادتها مثلاً خمسة من كل شهر فتصير ستة أو سبعة أو شبه ذلك، وتغيرها بالتقدم أن يكون حيضها في أول الشهر خمسة فيصير يومًا من الشهر الذي قبله وأربعة من الشهر الذي كانت تحيض فيه، وتغيرها بالتأخر أن يكون حيضها خمسة من أول الشهر فتصير خمسة من ثانيه، وتغيرها بالانتقال أن يكون حيضها الخمسة الأولة فتصير الخمسة الثانية. وأما كونها تصير إليه من غير تكرار عند المصنف ﵀. وهي رواية عن الإمام أحمد. ذكرها صاحب المستوعب فيه: فـ «لأن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة ﵂ فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء» (١). ولأن ظاهر الأخبار يدل على أن النساء كن يَعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير اعتبار عادة. ولأنا رجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص. ولأن في اعتبار العادة على الوجه المذكور أولاً إخلاء لبعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتها [الدم] (٢) على صفته، وهذا لا سبيل إليه. قال: (وإن طهرت في أثناء عادتها اغتسلت وصلت. فإن عاودها الدم في العادة فهل تلتفت إليه؟ على روايتين). أما كون من طهرت في أثناء عادتها تغتسل؛ فلأن ابن عباس قال: «لا يحل لها ما رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل» (٣). وأما كونها تصلي؛ فلأنها طاهرة فيلزمها الصلاة كسائر الطاهرات. وأما كونها تلتفت إلى الدم الذي يعاودها في العادة على روايةٍ؛ فلأنه دم في العادة فكان حيضًا كما لو اتصل.

стр. 236

وأما كونها لا تلتفت إليه على روايةٍ؛ فلأنه جاء بعد طهر فلم يكن حيضًا بغير تكرار كالخارج عن العادة. قال: (والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض). أما كون الصفرة في أيام الحيض من الحيض؛ فلما تقدم من «أن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء» (١). فإن قيل: ما القَصَّة؟ قيل: قال الإمام أحمد ﵀: القصة البيضاء ما ابيض يتبع الحيضة. وأما كون الكدرة في أيام الحيض من الحيض؛ فلأنها في معنى الصفرة. [ولأنه في زمن العادة أشبه الأسود] (٢). قال: (ومن كانت ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا فإنها تضم الدم إلى (٣) الدم فيكون حيضًا والباقي طهرًا إلا أن يجاوز أكثر الحيض فتكون مستحاضة). أما كون من كانت ترى ما ذكر تضم الدم إلى الدم والطهر إلى الطهر إذا لم يجاوز مجموعها أكثر الحيض؛ فلأنه لا سبيل إلى جعل كل واحد من الدم حيضة ضرورة أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا أو خمسة عشر على الخلاف وإذا لم يكن سبيل إلى ذلك تعين الضم. وأما كون الدم المضموم بعضه إلى بعض حيضًا؛ فلأنه دم في زمن يصلح أن يكون فيه حيضًا فكان حيضًا كما لو لم يفصل بينه طهرًا. وأما كون الباقي طهرًا؛ فلأنه طهر حقيقة فكذلك حكمًا. وأما كونها مستحاضة إذا جاوز مجموعهما أكثر الحيض فلما تقدم من قول علي ﵁ (٤).

стр. 237

فصل [في المستحاضة] قال المصنف ﵀: (والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ما شاءت من الصلوات. وكذلك من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم). أما كون المستحاضة تغسل فرجها فلإزالة ما عليه من الدم. وأما كونها تعصبه فـ «لأن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف - يعني القطن - تحشي به المحل. قالت: إنه أشد من ذلك. قال: تلجمي» (١). وقال في حديث أم سلمة: «فلتستثفر بثوب ثم لتصل فيه» (٢). وأما كونها تتوضأ لوقت كل صلاة فـ «لأن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: توضئي لوقت كل صلاة وصلي» (٣). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. فإن قيل في بعض ألفاظ الحديث: «توضئي لوقت كل صلاة» (٤). قيل: ذلك مطلق وما تقدم مقيد والمطلق يجب حمله على المقيد لما تقدم ذكره غير مرة.

стр. 238

ولأنها طهارة عذر وضرورة فتقيدت بالوقت لأنه موضع الضرورة بخلاف ما قبله. فإن قيل: إن خرج منها الدم بعد الوضوء. قيل: إن خرج لتفريط في الشدّ أعادت الوضوء لأنه حدثٌ أمكن التحرز منه، وإن خرج لغير تفريط فلا شيء عليها؛ لما روت عائشة قالت: «اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي» (١) رواه البخاري. ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط. وأما كونها تصلي ما شاءت من الصلوات؛ فلأنها متطهرة أشبهت المتيمم. ولا بد أن يُلحظ في ذلك بقاء الوقت. فإن خرج وقت الصلاة الذي توضأت المستحاضة فيه لم يكن لها أن تصلي شيئًا لأن طهارتها تبطل بخروج الوقت لما تقدم من أنها طهارة ضرورة. ولأن النبي ﷺ قال: «توضئي لوقت كل صلاة» (٢). ولا بد أن يُلحظ استمرار دمها فإن انقطع دمها بعد أن توضأت فإن كان عادتها انقطاعه في وقت لا تتسع للصلاة لم تؤثر لأنه يمكن الصلاة فيه، وإن لم يكن لها عادة أو كان عادتها انقطاعه مدة طويلة لزمها استئناف الوضوء، وإن كان في الصلاة بطلت لأن العفو عن الوضوء ضرورة جريان الدم فيزول بزواله. وأما كون من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم كالمستحاضة في الطهارة المذكورة؛ فلأن هؤلاء شاركوا المستحاضة في أعذارهم المذكورة فأعطوا حكمها. فإن قيل: ما لا يمكن عصبه. قيل: يصلي صاحبه بحسب حاله «لأن عمر ﵁ صلى وجرحه يثعب دمًا» (٣).

стр. 239

قال: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين). أما كون وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت لا يباح على روايةٍ؛ فلأن الوطء في الحيض إنما منع منه لكونه أذى وهو موجود هاهنا. وأما كونه يباح على روايةٍ فـ «لأن حمنة كان يجامعها زوجها وهي مستحاضة» (١) رواه أبو داود. وكذلك روي عن أم حبيبة (٢). ولأنها في حكم الطاهرات في جميع الأحكام فكذلك في هذا. وتقيد المصنف ﵀ الخلاف بغير خوف العنت مشعر بأنه إذا خاف العنت أبيح له الوطء بلا خلاف في المذهب. وهو صحيح؛ لأن عدم جوازه مع خوفه العنت مفضٍ إلى وقوعه في الزنا وذلك محذور. ولأن بعض الأشياء محرم الفعل وخوف العنت يبيحه. دليله تزوج الأمة فكذلك يجب أن يكون هاهنا.

стр. 240

فصل [في النفاس] قال المصنف ﵀: (وأكثر النفاس أربعون يومًا. ولا حد لأقله. أيَّ وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي. ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الأربعين). أما كون أكثر النفاس أربعين يومًا فلما روت أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا أو أربعين ليلة. وكنا نطلي وجوهنا بالوَرْسِ من الكلف» (١) رواه أبو داود والترمذي. وقال: أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين من بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي. والأحاديث في هذا ضعيفة. أثبتها ما ذكر هنا. وينبغي أن يجعل مستند هذا الحكم ما وجد في أعصار المتقدمين. وقد روي «أن النبي ﷺ وقت للنفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» (٢). وأما كونه لا حد لأقله؛ فلأنه لم يرد في الشرع تحديده فرجع فيه إلى العرف وقد وجد قليل وكثير. وقد روي «أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ فلم تر دمًا فسميت ذات الجفاف» وروي «ذات الجفوف» (٣) رواه أبو داود.

стр. 241

وأما كون النفساء طاهرًا أيَّ وقت رأت الطهر فلانقطاع دم النفاس. وكما لو انقطع دم الحائض في عادتها. وأما كونها تغتسل عند رؤيتها الطهر فللحكم بانقضاء نِفاسها. وأما كونها تصلي فلما ذكر. وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: «إذا طهرت المرأة حين تضع صلت». وقال علي ﵁: «لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي» (١). وأما كونها يستحب أن لا يقربها زوجها في الفرج حتى تتم الأربعين؛ فلأنه لا يأمن عود الدم في الوطء أو بعده فيكون واطئًا في نفاس. فإن قيل: إذا لم يستحب فهل يكره؟ قيل: روايتان: إحداهما: يكره؛ لذلك. و«لأن عثمان بن أبي العاص أتته امرأته قبل الأربعين. فقال: لا تقربيني حتى تتمي الأربعين» (٢). والثانية: لا يكره لأنها حُكم بطهارتها فلم يكره قياسًا على سائر الطاهرات. قال: (فإن (٣) انقطع دمها في مدة الأربعين ثم عاد فيها فهو نفاس. وعنه أنه مشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض). أما كون الدم المذكور نفاسًا على المذهب؛ فلأنه دم في زمن النفاس فكان نفاسًا كما لو اتصل.

стр. 242

وأما كونه مشكوكًا فيه على روايةٍ فلتعارض الأدلة في كونه نفاسًا أم لا. وأما كون من انقطع دمها فيما ذكر ثم عاد فيه تصوم وتصلي على الرواية المذكورة؛ فلأن النفاس المشكوك فيه كالحيض المشكوك. والحيض المشكوك فيه حكمه حكم الطهر والمرأة في حال طهرها تصوم وتصلي فكذلك هنا لأن حكمها حكمه. ولأن وجوب العبادة في زمنها متيقن وقد شك في كون هذا الدم نفاسًا فلا تعدل عن اليقين بالشك. وأما كونها تقضي الصوم المفروض؛ فلأنه يحتمل أن يكون نفاسًا فلا يصح الصوم فيه. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين الدم الزائد على الست أو السبع في حق الناسية إذ لا يجب عليها قضاء ما صامته فيه مع الشك. قيل: الفرق بينهما أن غالب عادات النساء حيض ست أو سبع وما زاد نادر. والغالب من النفاس أربعون يومًا وما نقص نادر. ولأن الحيض يتكرر فيشق القضاء بخلاف النفاس. قال: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس من الأول وآخره منه. وعنه أنه من الأخير. والأول أصح). أما كون أول نفاس من ذلك من الأول؛ فلأنه دم يعقبه ولادة فكان أوله من الأول كما لو لم تأت بالآخر. وأما كون آخره منه على روايةٍ فلما ذكر. وأما كون آخره من الثاني على روايةٍ؛ فلأن كل واحد منهما سبب للمدة فلما اجتمعا اعتبر أوله من الأول وآخره من الأخير كما لو وطئت في العدة. وأما كون الأول أصح؛ فلأن الولد الثاني تبع الأول فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله.

стр. 243

كتاب الصلاة الصلاة في اللغة: الدعاء. قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم إن دعاءك سكن لهم. وفي الشرع: عبارة عن الأفعال المخصوصة المشتملة على الأذكار والدعاء. وسميت في الشرع صلاة لاشتمالها على الدعاء. وقيل: لرفع الصَّلاَ في الركوع. والصَّلاَ مَغْرِز الذنب من الفرس. وقيل: سميت صلاة لما فيها من الخشوع. يقال: صليت العود بالنار إذا لينته. فالمصلي يلين ويخشع. والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] أي مؤقتاً. وأما السنة؛ فلقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» (١) متفق عليه. وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة. قال المصنف ﵀: (وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء). أما كون الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل ليس حائضاً ولا نفساء فلدخوله فيما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع. وأما كونها غير واجبة على الحائض؛ فلقوله ﵇: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل» (٢) رواه البخاري. ولقول عائشة ﵂: «كنا نؤمر بقضاء [الصوم ولا نؤمر بقضاء] (٣) الصلاة» (٤) متفق عليه.

стр. 244

وأما كونها غير واجبة على النفساء؛ فلأن حكمها حكم الحائض في غير ذلك. فكذلك في هذا. وتقييد المصنف ﵀ وجوب الصلاة بما ذكر مشعر بعدم وجوبها على كافر وصبي ومجنون. وسيأتي ذلك مصرحاً به إن شاء الله تعالى. قال: (وتجب على النائم، ومن زال عقله بسكر، أو إغماء، أو شرب دواء). أما كون الصلاة تجب على النائم؛ فلأنه يجب عليه قضاؤها إذا استوعب وقت الأداء بالنوم بدليل قوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» (١) متفق عليه. أمر والأمر للوجوب. وإذا كان القضاء واجباً اقتضى تعلق الخطاب بالنائم لأنه لو لم يكن كذلك لما وجب القضاء بدليل المجنون. وأما كونها تجب على من زال عقله بسكر؛ فلأن سكره معصية فلا يناسب إسقاط الواجب عنه. ولأن حكمه حكم الصاحي في الطلاق والإقرار والحد بالقذف ونحو ذلك. فكذلك يجب أن يكون حكمُه حكمَه في وجوب الصلاة. وأما كونها تجب على المغمى عليه فـ «لأن عماراً روي أنه غشي عليه ثلاثاً. ثم أفاق فقال: هل صليت؟ قالوا: ما صليت منذ ثلاث. فقال: أعطوني وضوءاً فأعطوه. فتوضأ ثم صلى تلك الثلاثة» (٢).

стр. 245

وروى أبو مجلز: «أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه يترك الصلاة. يصلي مع كل صلاة مثلها. قال: قال عمران: زعم. ولكن ليصليهن جميعاً» (١) رواهما الأثرم. وجه الحجة: أن ما ذكر فعل الصحابة وقولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً. ولأن الإغماء لا يؤثر في إسقاط فرض الصيام فلا يؤثر في إسقاط الصلاة كالنوم. وأما من زال عقله بشرب دواء فقد أطلق المصنف ﵀ القول فيه بوجوب الصلاة عليه. وقال في المغني: ينظر فيه فإن كان -يعني شُربُ الدواءِ- محرماً لم تسقط عنه الفرائض بذلك كما لو شرب مسكراً، وإن كان مباحاً له شربه سقط عنه فرض الصلاة كما لو زال بجنون. ثم قال: ويتوجه أن لا يسقط كما لو زال بالإغماء. قال: (ولا تجب على كافر ولا مجنون. ولا تصح منهما. وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه). أما كون الصلاة لا تجب على كافر؛ فلأنها لو وجبت عليه في حال كفره لوجب عليه قضاؤها في حال السلامة لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء واللازم منتف لقول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. ولأنه قد أسلم كثير في عهد رسول الله ﷺ وبعده فلم يُؤمروا بقضاء. ولأن في إيجاب القضاء تنفيراً لهم عن الإسلام فعفي عنه. ولا فرق بين الأصلي والمرتد فيما ذكر لاستوائهما في ذلك. وعن الإمام أحمد يجب على المرتد قضاء ما ترك حال ردته؛ لأنه اعتقد وجوبها وأمكنه التسبُّبَ إلى أدائها أشبه المسلم. والأول المذهب؛ لأن الدليل الدال على إسقاط العبادة في حق الأصلي موجود في حق المرتد فوجب أن يثبت له حكمه عملاً بالمقتضي الشامل لهما. وأما كونها لا تجب على مجنون؛ فلقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: ذكر منهم المجنون حتى يُفيق» (٢) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن.

стр. 246

ولأن مدته تطول غالباً فعفي عنه لما في إيجاب القضاء المتكرر من الضرر المنتفي شرعاً. وأما كونها لا تصح من كافر ولا مجنون؛ فلأن من شرط صحتها النية وهي لا تصح من كافر ولا تقع من مجنون. ولأن صحة الصلاة تقتضي دخول الجنة غالباً وذلك معلوم الانتفاء مع الكفر. ولأن السكران ممنوع من فعل الصلاة لزوال عقله فكذلك المجنون لاشتراكهما في الزوال بل أولى لأن المجنون لا يدرك شيئاً بخلاف السكران فإنه قد يدرك بعض الأشياء. وأما كون الكافر إذا صلى حكم بإسلامه؛ فلقوله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا: فهو منا. له ما لنا وعليه ما علينا» (١). ولأن الصلاة عبادة تختص شرعنا أشبهت الشهادة. وسواء في ذلك صلاته في دار الحرب أو في دار الإسلام. جماعة أو فرادى؛ لعموم ما ذكر. قال: (ولا تجب على صبي. وعنه تجب على من بلغ عشراً). أما كون الصلاة لا تجب على صبي لم يبلغ عشراً فلا خلاف فيه عند الإمام أحمد؛ لما تقدم من قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... الحديث» (٢). وأما كونها لا تجب على من بلغ عشراً ولم يبلغ على المذهب؛ فلما ذكر. وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلقوله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر» (٣). والضرب لا يكون إلا لترك واجب.

стр. 247

والصحيح الأول؛ لما ذكر من الحديث. والضرب للتمرين. قال: (ويؤمر بها لسبع ويضرب على تركها لعشر [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها). أما أمر الصبي بالصلاة لسبع وضربه عليها لعشر] (١) فللحديث المذكور قبل. وأما كون من بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها يلزمه إعادتها؛ فلأن الأولى (٢) وقعت نفلاً. وببلوغه في الوقت صارت الصلاة واجبة عليه فلم تجزئه عن الفرض كما لو نوى نفلاً في صلاة مفروضة. قال: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها إلا لمن ينوي الجمع أو لمشتغل بشرطها). أما كون من وجبت عليه الصلاة لا يجوز له تأخيرها عن وقتها لغير المستثنى؛ فلأن الصلاة يجب إيقاعها في الوقت فإذا خرج الوقت ولم يأت بها كان تاركاً للواجب مخالفاً للأمر. والتارك للواجب المخالف للأمر عاصٍ مستحق للعقاب. وأما كون من ينوي الجمع يجوز له تأخيرها عن وقتها فـ «لأن النبي ﷺ كان يؤخر الأولى في الجمع فيصليها في وقت الثانية» (٣). وسيأتي ذلك مبيناً في باب الجمع (٤). ولأن وقت الصلاتين يصير وقتاً لكل واحدة منهما. فإن قيل: فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى استثناء من ينوي الجمع لأن الاستثناء له إنما هو من التأخير عن آخر الوقت. فإذا كان الوقتان وقتاً لهما لم يحتج إلى ذلك.

стр. 248

قيل: لما كان وقت كل صلاة معلوماً تبادر الذهن عند قولنا عن وقتها إليه. وذلك يحتاج معه إلى الاستثناء لأن من ينوي الجمع يجوز أن يؤخر الصلاة عن آخر ذلك الوقت المتبادر إلى الذهن. وأما كون المشتغل بشرط الصلاة يجوز له تأخيرها عن وقتها؛ فلأنه لا يجوز له الدخول في الصلاة مع عدم شرطها. فكيف يوصف الدخول بالوجوب؛ لأن قولنا لا يجوز له التأخير ينافيه قولنا يجب عليه الدخول. إذا علم ذلك ففي جواز التأخير للمشتغل بالشرط نظر. وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لم ينقله أحد من الأصحاب ممن تقدم المصنف ﵀ ممن نعلمه. بل نقلوا المسألة المتقدم ذكرها واستثنوا من نوى الجمع لا غير. ذكر ذلك أبو الخطاب في هدايته وصاحب النهاية فيها وفي خلاصته. وثانيهما: أن ذلك يدخل فيه من أخر الصلاة عمداً حتى بقي من الوقت مقدار الصلاة. ولا وجه لجواز التأخير له. قال: (ومن جحد وجوبها كفر. فإن تركها تهاوناً لا جحوداً دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله. وعنه: لا يجب حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة. ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل بالسيف. وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين). أما كون من جحد وجوب الصلاة يكفر؛ فلأنه كذب الله تعالى في خبره. وأما كون من تركها تهاوناً لا جحوداً يُدعى إلى فعلها فلاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها بمثله كالمرض ونحوه. وأما كون من تركها تهاوناً ودعي إلى فعلها وأبى يجب قتله في الجملة؛ فلأن الصلاة آكد من الزكاة. وقد أجمع الصحابة على وجوب قتل مانعها؛ فلأن يجب قتل تارك الصلاة بطريق الأولى. وأما كونه يجب قتله إذا تضايق وقت الثانية على المذهب؛ فلأنه إذا لم يجب قتله بالأولى في وقتها لإمكان فعلها فيه ولا إذا خرج وقتها لأنها صارت فائتة -والفائتة لا يقتل بها لأن وقتها موسع في بعض المذاهب- تعين وجوب قتله إذا ضاق وقت الثانية عن فعلها لأنه يُعلم أنه قد عزم على ترك الصلاة.

стр. 249

وأما كونه لا يجب قتله حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة على روايةٍ؛ فلأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة. فإذا ترك الرابعة علم أنه عزم على ترك الصلاة بالكلية. وأما كونه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام فبالقياس على المرتد. وأما كونه يقتل إن لم يتب فكالمرتد إذا لم يتب، وكمانع الزكاة إذا لم يؤدها. وأما كونه يقتل بالسيف؛ فلأنه قتلٌ واجب فكان بالسيف كالقصاص. وأما كونه يقتل حداً على روايةٍ فبالقياس على الزاني المحصن. وأما كونه يقتل لكفره فلقول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١]. وقوله ﷺ : «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة» (١). وقوله ﷺ : «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» (٢) رواه مسلم. ولأن الصلاة من دعائم الإسلام لا يدخلها نيابة نفس ولا مال فيكون تاركها كافراً كالشهادتين. وهذه الرواية هي ظاهر المذهب لما ذكر. والأولى اختيار المصنف ﵀؛ لما ذكر. ولقوله ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (٣) من المسند. والكافر لا يدخل تحت مشيئته. ولأنها فعل واجب فلم يكفر تاركها المعتقد لوجوبها كالحج.

стр. 250

باب الأذان والإقامة الأذان (١) في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣] أي وإعلام. وقال تعالى: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أي أعلمتكم فاستوينا في العلم. قال الشاعر (٢): آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ وقال الحطيئة (٣): أَلاَ إنّ ليْلى آذَنَتْ بِقُفُولٍ ... وما آذَنَتْ ذا حَاجَةَ برَحِيلِ وفي الشرع: [هو] (٤) الإعلام بدخول الوقت للصلاة. يقال: أذّن يُؤذن أذاناً وتأذيناً أي أعلم الناس بدخول الوقت للصلاة. وشُدد للمبالغة والتكثير؛ لأن المؤذن يكرر الشهادتين. والإقامة في اللغة: الإدامة. ومنه قوله تعالى: ﴿ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣] أي ويديمون فعلها. وفي الشرع هنا: إعلام الحاضرين بقيام الصلاة ليقوموا فيصطفوا. والأصل في الأذان قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، ، وقوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا﴾ [المائدة: ٥٨]، ، وقوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (٥) رواه البخاري.
следующие страницы →