← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وأما كون يومي العيدين لا يدخلان في ذلك على المذهب؛ فلأنهما يومان لا يصح صومهما عن نذره. فلم يدخلا في صوم السنة؛ كأيام رمضان. وأما كون ناذر ذلك يقضيه على روايةٍ؛ فلأن الصوم لما كان حراماً وجب أن ينعقد نذره موجباً للقضاء. وأما كون أيام التشريق فيها روايتان فمبني على أن صومها عن الفرض هل هو جائز أم لا؟ فإن قيل: هو جائز دخلت في نذره، وإن قيل: هو غير جائز لم تدخل. وأما كونها تقضى على روايةٍ؛ فبالقياس على العيدين. ولا بد أن يلحظ في هذه الرواية أنها مبنية على القول بتحريم صيامها عن الفرض؛ لأنها حينئذ تشبه العيدين. قال: (وإذا نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض أفطر وقضى وكفّر. وعنه: يكفّر من غير قضاء، ونقل عنه ما يدل على أنه إن صام يوم العيد صحّ صومه. وإن وافق أيام التشريق فهل يصومه؟ على روايتين). أما كون من نذر ما ذكر فوافق يوم عيد يفطر؛ فلأن الشرع حرم صومه. وأما كونه يقضي؛ فلأنه فاته ما نذر صومه. وأما كونه يكفّر؛ فلعدم الوفاء بنذره. وأما كونه يكفّر من غير قضاء على روايةٍ؛ فكما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها. وأما كون الناذر إن صام يوم العيد صح صومه على روايةٍ؛ فلأنه وفاء بما نذر. وذكر المصنف في المغني رواية رابعة: أنه يقضي ولا كفارة عليه: أما كونه يقضي؛ فلأن النذر الواجب فاته. فلزمه قضاؤه؛ كما لو تركه ناسياً. وأما كونه لا كفارة عليه؛ فلأن الشرع منع القادر صومه. فلم تلزمه الكفارة؛ كالمكره. وأما كون من نذر ما ذكر فوافق يوم حيض يفطر فلا خلاف فيه؛ لقيام المنافي للصوم.

стр. 2837

وأما كونه يقضي ويكفر، أو يكفر من غير قضاء، أو يقضي ولا يكفر؛ فلما تقدم فيمن نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد. وأما كونه إذا وافق أيام التشريق هل يصومه فيه روايتان؛ فمبني على جواز صومها فرضاً. فإن قيل: يجوز صومها عن الفرض جاز له صوم يوم النذر، وإن قيل: لا يجوز صومها عن الفرض كان حكمها حكم يومي العيد. قال: (وإن نذر صوم يوم يقدُم فلان فقدم ليلاً فلا شيء عليه. وإن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره، ولا يلزمه إلا إتمامُ صيام ذلك اليوم إن لم يكن أفطر. وعنه: أنه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم). أما كون من نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم ليلاً لا شيء عليه؛ فلأن شرط لزوم النذر قدومه نهاراً ولم يوجد. وأما كونه إذا قدم نهاراً لا ينعقد نذره على روايةٍ؛ فلأنه لا يمكنه صومه بعد وجود شرطه. فلم ينعقد؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان. وأما كونه لا يلزمه إلا إتمام صيام ذلك اليوم إن لم يكن أفطر فكما لو قال: لله عليَّ أن أصوم بقية يومي. وأما كونه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم على روايةٍ: أما فيما إذا قدم وهو صائم؛ فلأنه لم ينو صوم النذر من الليل. فإن قيل: لو علم بقدوم فلان من الليل فنوى الصوم. قيل: يصح صومه ويجزئه عن نذره؛ لوفائه بما نذره. فإن قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ أن إتمام صيام ذلك اليوم مرتب على عدم الانعقاد؛ لأنه قال: وإن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره ولا يلزمه إلا إتمام صيام ذلك اليوم، وعنه أنه يقضي ويكفر. قيل: ليس لذلك وجه. وقد حكى في المغني بانعقاد النذر المذكور ثم علله ثم قال: فإذا ثبتت صحته فعلم ... وذكر بقية الأحكام.

стр. 2838

قال: (وإن وافق قدومه يوماً من رمضان فقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره، وقال غيره: عليه القضاء. وفي الكفارة روايتان. وإن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة). أما كونه إن وافق قدومه يوماً من رمضان يجزئه صيامه لرمضان ونذره أي عنهما على قول الخرقي؛ فلأن الناذر نذر صيام ذلك الزمن وقد صامه. وكونه يجزئه صيام ذلك اليوم فيه إشعار بأن النذر صحيح. صرح به في المغني. وقال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد أن النذر لا ينعقد؛ لأن النذر وافق زمناً يستحق صيامه. فلم ينعقد؛ كما لو نذر صيام رمضان. والأول عند المصنف ﵀ أصح. ذكره في المغني وعلله بأنه نذر طاعة يمكن الوفاء به غالباً. فانعقد؛ كما لو قدم في غير رمضان. وأما كونه عليه القضاء على قول غير الخرقي؛ فلأن زمن النذر يستحق الصيام لغيره. فلم يمكن صيامه عنه. فوجب أن يجب عليه القضاء؛ استدراكاً لما فاته من نذره. وأما كونه عليه الكفارة في روايةٍ؛ [فلتأخر النذر] (١). [وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ] (٢)؛ فلأنه ممنوع من صيام غير رمضان فيه فيصير كالمكره على عدم صيامه عن النذر، ومع الإكراه المذكور لا كفارة فكذلك ما هو بمنزلته. وأما كونه لا قضاء عليه ولا كفارة إذا وافق يوم نذره وهو مجنون؛ فلأن وجود الشرط يصير الناذر كالمطلق للنذر. ولو أطلق النذر وهو مجنون لم يكن عليه قضاء ولا كفارة فكذلك هاهنا. ولأن وجوبه ينفي وجوب الأداء عليه، والقضاء والكفارة يعتمدان وجوب الأداء. قال: (وإن نذر صوم شهر معين فلم يصمه لغير عذر فعليه القضاء وكفارة يمين. وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء، وفي الكفارة روايتان. وإن صام قبله لم يجزئه.

стр. 2839

وإن أفطر في بعضه لغير عذر لزمه استئنافه ويكفر. ويحتمل أن يُتم باقيه ويقضي ويكفر). أما كون من ذكر عليه القضاء إذا لم يصم المنذور لغير عذر أو لعذر؛ فلأنه أفطر ما نذر صومه. فلزمه قضاؤه؛ استدراكاً لما فاته من نذره. وأما كونه عليه كفارة يمين إذا لم يصم لغير عذر؛ فلأنه أفطر من غير عذر عرض له. فكان عليه الكفارة؛ استدراكاً لما فاته من التعيين. وكانت كفارة يمين؛ لأن النبي ﷺ قال: «النذر حلفةٌ وكفارتهُ كفارةُ يمين» (١). وأما كونه عليه الكفارة إذا لم يصم لعذر في روايةٍ؛ فلأنه أخلّ بنذره. فلزمته الكفارة؛ كما لو نذر الحج ماشياً فركب. ولأن النذر كاليمين. ولو حلف ليصومن يوم كذا فأفطره لعذر لزمته الكفارة فكذا هاهنا. وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ؛ فلأنه أتى بصيام أجزأ عن نذره من غير تفريط. فلم يكن عليه كفارة؛ كما لو صام ما عيّنه. والأولى أولى. قاله المصنف في المغني وعلله بما تقدم ذكره. وأما كونه لا يجزئه إذا صامه قبله؛ فلأنه يجب عليه صوم ذلك الشهر بعينه، ولم يوجد ذلك مع تقديم الصوم، وذلك يقتضي عدم الإجزاء لبقائه في عهدة ما وجب عليه. ولأن العبادات إذا كانت مؤقتة لم يجز تقديمها على وقتها. دليله الصلاة. وأما كونه يلزمه الاستئناف إذا أفطر في بعضه لغير عذر؛ كمن نذر صوم المحرم فأفطر منه يوماً؛ فلأن ما نذره صوم يجب تتابعه. فأبطله الفطر فيه لغير عذر؛ كما لو أفطر في نذرٍ نَذَرَ التتابُع فيه. وأما كونه يكفر؛ فلفوات زمن النذر. وأما كونه يحتمل أن يُتمّ باقيه ويقضي ويكفر: أما الإتمام؛ فلأن التتابع فيما نذره وجب من حيث الوقت لا من حيث الشرط. فلم يبطله الفطر؛ كصوم رمضان.

стр. 2840

وأما القضاء؛ فكما لو أفطر يوماً من رمضان. وأما الكفارة؛ فلفوات زمن النذر. والأول أصح؛ لما تقدم. والفرق بين رمضان وبين النذر: أن تتابُع رمضان بالشرع لا بالنذر، وتتابُع النذر أوجبه الناذر على نفسه على صفة ثم فوّتها فهو شبيه بما شرط التتابُع فيه. فإن قيل: هذا حكم ما إذا أفطر بعض المنذور لغير عذر، فما حكمه إذا أفطره لعذر فإنه لم يذكر المصنف ﵀ حكمه؟ قيل: قد ذكره في المغني فقال: قياس المذهب أنه يبني على ما مضى ويقضي ما أفطر ويكفر: أما البناء؛ فلأنه معذور في القطع. وأما القضاء؛ فلاستدراك ما فات من النذر الواجب صومه. وأما الكفارة؛ فلفوات زمن المنذور. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أنه لا كفارة عليه؛ لأن المنذور محمول على المشروع. ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء. والأولى أولى؛ لأن النبي ﷺ قال لأخت عقبة بن عامر: «لتركب ولتكفِّر عن يمينِها» (١). وفارق رمضان من حيث إنه لو أفطر لغير عذر لم يكن عليه كفارة إلا في الجماع. وإنما لم يذكره المصنف ﵀ بالتصريح؛ لأنه يصح أن يدخل في قوله: وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء وفي الكفارة روايتان. فإن قيل: لمَ لمْ يقتصر فيما إذا أفطر بعضه لغير عذر على قوله قبل ذلك: فلم يصمه لغير عذر؟ قيل: لأن حكم ما إذا أفطر الناذر بعضه الاستئناف على روايةٍ ولا دلالة لقوله فعليه القضاء وكفارة يمين على ذلك. بخلاف قوله: وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء وفي الكفارة روايتان فإن ذلك له دلالة على حكم ما أفطر الناذر بعضه؛ لاستوائهما في وجوب القضاء وجريان الخلاف في الكفارة لم يبق بينهما إلا

стр. 2841

وجوب الإتمام وذلك يصلح أن يترك استناداً إلى أصل وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الإتمام بعض ما نذره. قال: (وإذا نذر صوم شهر لزمه التتابع. وإن نذر صيام أيام معدودة لم يلزمه التتابع إلا أن يشترطه). أما كون من ذكر يلزمه التتابع في نذر الشهر؛ فلأن إطلاق الشهر يقتضي ذلك. وحكى المصنف ﵀ في المغني رواية أخرى أنه لا يلزمه التتابع؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يوماً إجماعاً. فلم يلزمه التتابع؛ كما لو نذر صوم ثلاثين يوماً. وأما كونه لا يلزمه ذلك في نذر صيام الأيام المعدودة إذا لم يشترطه؛ فلأن الأيام لا دلالة لها على التتابع، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]: لم يلزم التتابع فيها. وأما كونه يلزمه إذا شرطه؛ فللوفاء بنذره. ولم يفرق المصنف ﵀ في الأيام بين الثلاثين وبين غيرها؛ كعشرة ونحوها. ومنصوص الإمام أحمد في الثلاثين لا يلزمه التتابع وأنه في العشرة يلزمه. وفرق بينهما من حيث إن الثلاثين تطلق ويراد بها الشهر فعدوله عن الشهر دليل على إرادة العدد دون التتابع فيها. قاله المصنف في المغني؛ لأن عدم ما يدل على التفريق ليس بدليل على التتابع، ولذلك أن الله تعالى لما قال في قضاء رمضان: ﴿فعدةٌ من أيامٍ أخَر﴾ [البقرة: ١٨٤] ولم يذكر تفريقها ولا تتابعها لم يجب التتابع فيها. قال: (وإن نذر صياماً متتابعاً فأفطر لمرض أو حيض قضى لا غير. وإن أفطر لغير عذر لزمه الاستئناف. وإن أفطر لسفر أو ما أبيح الفطر فعلى وجهين). أما كون من ذُكر إذا أفطر لمرض أو حيض يقضي؛ فلأنه صوم وجب عليه. فيجب قضاؤه؛ كما لو أفطر في رمضان.

стр. 2842

وأما كونه لا شيء عليه غيره؛ فلأن المرض والحيض عذر لا يقطع التتابُع. ويخير بين الاستئناف وبين البناء وقضاء ما ترك وكفارة يمين: أما الاستئناف؛ فلأن به يحصل التتابع صورة وحكماً. وأما البناء؛ فلأن ذلك بقية زمن نذر جميعه. وأما القضاء؛ فبدل عما أفطره. وأما الكفارة؛ فلأن العجز لا ينفيها. بدليل أن النبي ﷺ أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة مع عجزها عن المشي. ولأن النذر كاليمين. ولو حلف ليصومنّ متتابعاً فأخلّ به لزمته الكفارة. وأما كونه يلزمه الاستئناف إذا أفطر لغير عذر؛ فلأن التتابُع ينقطع بالفطر لغير عذر، وذلك يوجب الاستئناف ضرورة الوفاء بالتتابع. وأما كونه إذا أفطر لسفر أو ما يبيح الفطر يلزمه الاستئناف على وجه؛ فلأنه أفطر باختياره. أشبه ما لو أفطر لغير عذر. وأما كونه لا يلزمه ذلك على وجه؛ فلأن فطره لعذر. أشبه ما لو أفطر لمرض أو حيض. ويجيء على قول الخرقي أنه يخير بين الاستئناف وبين البناء والقضاء والكفارة؛ لما تقدم. فإن قيل: قد ذكر المصنف ﵀ المرض فيما يوجب القضاء لا غير، من غير فرق بين الموجب للفطر منه وبين المبيح. ثم حكى فيما يبيح الفطر وجهين فهل يجب تأويل المرض بالمخوف ليكون موجبا للفطر كالمعطوف عليه وهو الحيض، أم يحمل على إطلاقه؟ وعلى تأويله لا إشكال وعلى حمله على إطلاقه ما الفرق بين المرض المبيح وبين السفر المبيح؟ قيل: هو محمول على التأويل المذكور. ويؤيده ما حكاه أبو الخطاب في هدايته. وعلى ظاهر كلام المصنف ﵀ أن المرض يبيح الفطر مطلقاً سواء كان مخوفاً أو لا، ويؤيده أنه ذكر في المغني عن أبي الخطاب أن المرض غير المخوف؛ كالسفر فيه وجهان، وأنه فرق بين الموجب للفطر وبين المبيح له ثم قال: ولم أرَ هذا عن غيره.

стр. 2843

فعلى الفرق بين المرض المبيح وبين السفر المبيح على القول بأن السفر يقطع التتابع أن المرض ليس باختياره والسفر يحصل باختياره فناسب أن يقطع السفر التتابع ضرورة أنه من فعله بخلاف المرض. قال: (وإن نذر صياماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم عنه لكل يومٍ مسكين. ويحتمل أن يكفّر ولا شيء عليه). أما كون من ذكر يُطعم عنه لكل يوم مسكين على المذهب؛ فلأنه لو عجز عن صوم رمضان كما ذكر لوجب عليه أن يُطعم لكل يوم مسكيناً. فكذلك الصوم المنذور. وأما كونه يحتمل أن يكفر ولا شيء عليه؛ فلأن موجب النذر عند (١) الإمام أحمد موجب اليمين إلا مع القدرة على الوفاء بنذر الطاعة. ولو حلف ليصومنّ يوماً بعينه فعجز عنه لم يلزمه غير الكفارة فكذلك هاهنا. قال: (وإن نذر المشي إلى بيت الله أو موضع من الحرم لم يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة. فإن ترك المشي لعجز أو غيره فعليه كفارة يمين. وعنه: عليه دم. وإن نذر الركوب فمشى ففيه الروايتان). أما كون من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لا يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة؛ فلأن المشي المعهود الشرعي. فإن قيل: يجب المشي عليه. قيل: يُنظر فيه فإن كان قادراً عليه وجب الوفاء به؛ لأن المشي إلى العبادة أفضل. ولهذا لم يكن النبي ﷺ يركب في عيد ولا جنازة. وإن كان عاجزاً جاز له الركوب؛ «لأن النبي ﷺ لما سُئلَ عن أخت عقبة وقد نذرت المشي إلى بيت الله الحرام قال: لتركب ولتمش» (٢). فإن قيل: ليس في الحديث أن أخت عقبة بن عامر كانت عاجزة.

стр. 2844

قيل: يجوز أنه كان عالماً بحالها، أو ذُكر له ذلك ولم ينقله الراوي، أو علم أن الظاهر من حال المرأة أنها لا تقدر على المشي. وأما كونه إذا ترك المشي لعجز أو غيره عليه الكفارة؛ فلحديث أخت عقبة: «وتكفرْ يمينها» (١) وفي رواية: «ولتصُمْ ثلاثةَ أيام» (٢). وأما كونها دماً على روايةٍ؛ فلأن ابن عباس روى في حديث أخت عقبة أن النبي ﷺ قال: «لتركبْ وتهدِ هَدياً» (٣). والأول أصح؛ لأن الرواية الصحيحة: «لتكفرْ يمينها» (٤)، وفي رواية: «ولتصُمْ ثلاثةَ أيام». وما روى ابن عباس ضعيف. وروى عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «كفارةُ النذر [إذا لم يُسمِّ] كفارة يمين» (٥). ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام. فلم يجب الدم بتركه؛ كما لو نذر صلاة ركعتين فلم يصلهما. وأما كون من نذر المشي إلى موضع من الحرم كمن نذر المشي إلى البيت؛ فلأنه موضع من الحرم. أشبه البيت. وأما كون من نذر الركوب فمشى فيه الروايتان المتقدم ذكرهما؛ فلأنه تارك لما نذر. أشبه ما لو نذر المشي فركب.

стр. 2845

قال: (وإن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب؛ إلا أن ينوي رقبة بعينها). أما كون من نذر رقبة لا تجزئ عنها إلا الرقبة التي تجزئ عن الواجب إذا لم ينو رقبة بعينها؛ فلأن النذر المطلق يحمل على المعهود، والرقبة التي تجزئ عن الواجب معهودة شرعاً. فوجب حمل المطلق عليها. وأما كونه إذا نوى رقبة بعينها تجزئ عما نوى؛ فلأنه نوى ما لفظه يحتمل. قال: (وإن نذر الطواف على أربعٍ طاف طوافين. نص عليه). أما كون من نذر الطواف على أربع يطوف طوافين؛ فلأن ابن عباس قال ذلك. وقال المصنف ﵀ في المغني: الأولى أن يلزمه طواف واحد على رجليه، ولا يلزمه ذلك على يديه؛ لأنه ليس بمشروع. فأما قول المصنف ﵀: نص عليه؛ فتأكيد، ورفع لوهمِ كون ذلك قولاً لبعض الأصحاب.

стр. 2846

كتاب القضاء الأصل في القضاء ووجوبه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فآيات: إحداها: قوله تعالى: ﴿يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ [ص: ٢٦]. وثانيها: قوله تعالى: ﴿وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم﴾ [النور: ٤٨]. ورابعها: قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ [النساء: ٦٥]. وأما السنة؛ فما ورى عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجر» (١). وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على نَصب القضاة للحكم بين الناس. قال المصنف ﵀: (وهو فرض كفاية. قال أحمد ﵀: لا بدّ للناس من حاكم، أتذهبُ حقوقُ الناس؟ فيجب على الإمام أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً. ويختارُ لذلك أفضلَ من يجد وأورعهم، ويأمره بتقوى الله ، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق. وإن يستخلف في كل صُقْعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم). أما كون القضاء فرض كفاية؛ فلأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. فكان فرض كفاية؛ كالجهاد والإمامة، ولذلك قال الإمام ما تقدم ذكره. وأما كون الإمام يجب عليه أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً؛ فلأنه هو القائم بأمر الرعية المتكفّل بمصلحتهم المسؤول عنهم. فإذا كان القضاء فرض كفاية ولم

стр. 2847

يكن بد من نصب من تقوم الكفاية به تعين على القائم بأمر الرعية نصبُه. ضرورة دفع الحاجة، ولذلك «بعث رسول الله ﷺ قاضياً إلى اليمن» (١). و«ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وكعبَ بن سور (٢) قضاء البصرة» (٣). و«بعث إلى كل مصرٍ قاضيًا وواليًا». وأما كونه يختار أفضل من يجد وأورعهم؛ فلأن ذلك أقرب وأكمل تولية إلى حصول المقصود من القضاء. ولأن منصب القضاء أكمل المناصب، وذلك يناسب أن يكون متوليه أكمل من يوجد. وأما كونه يأمر من ينصبه بتقوى الله ، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق؛ فلأن في ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله، وإعانةً له على عمل ذلك، وتقويةً لقلبه، وتنبيهاً على اهتمام الإمام بأمر الشرع وأهله. وأما كونه يأمره أن يستخلف في كل صُقعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم؛ فلأن في ذلك خروجاً في جواز الاستنابة، وتنبيهاً على مصلحة رعية بلد القاضي، وحثاً له على اختيار الأصلح. قال: (ويجب على من يصلحُ له إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يوثقُ به الدخول فيه. وعنه: أنه سئل: هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ممن يوثقُ به؟ قال: لا يأثم. وهذا يدل على أنه ليس بواجب). أما كون من يصلح للقضاء إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يُوثق به يجب عليه الدخول فيه على المذهب؛ فلأن فرض الكفاية إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد وجب عليه. دليله: غسل الميت وتكفينه. وأما كونه ليس بواجب على روايةٍ؛ فلأن في دخوله في القضاء خطراً عظيماً ومشقَّة شديدة.

стр. 2848

والأول أصح؛ لما تقدم. والرواية الثانية: محمولة على أنه كان عاجزاً عن القيام بالواجب؛ لظلم السلطان وغيره. قال: (فإن وُجد غيره كُره له طلبه بغير خلاف في المذهب. وإن طُلب فالأفضل أن لا يجيب إليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه). أما كون من وُجد غيره يُكره له طلب القضاء بغير خلاف في المذهب؛ فلأن أنساً روى روى أن النبي ﷺ قال: «من ابتغى القضاءَ وسألَ فيه شفعًا (١) وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكرهَ عليه أنزلَ اللهُ عليه ملكًا يسددُه» (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال ﷺ لعبدالرحمن بن سمرة: «يا عبدالرحمن! لا تسأل الإمارةَ. فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها» (٣). متفق عليه. وأما كونه إذا طُلب له فالأفضل أن لا يدخل فيه في ظاهر كلام الإمام؛ فلما فيه من الخطر والغرر. وفي تركه من السلامة والظفر، ولما وَرد فيه من التشديد. ولذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من وُلّي قاضياً فقد ذُبحَ بغير سِكِّين» (٤). ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له، وقد «أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه».

стр. 2849

وأما كون الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه في قول ابن حامد؛ فلأنه كما فيه خطر فكذا فيه أجر عظيم، ولذلك جعل الله للمجتهد فيه أجراً مع الخطأ، وأجرين مع الإصابة، وأسقط عنه حكم الخطأ. ولأن فيه الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظُلمه، ولذلك تولاه الرسول ﷺ . وعن ابن مسعود أنه قال: «لأن أجلسَ قاضياً بين اثنين لحق أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة». وحكى المصنف ﵀ في المغني أن ابن حامد قال: إن كان -يعني المطلوب- رجلاً خاملاً لا يرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرف فالأولى له توليه القضاء؛ ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به حق. وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى له الاشتغال بذلك؛ لما فيه من تحصيل النفع مع الأمن من التغرر. قال: (ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو نائبه). أما كون ولاية القضاء لا تثبت بغير ولاية الإمام أو نائبه؛ فلأن ولاية القضاء حكم على الناس بالرجوع إلى أقوال القضاة، ومن ليس بإمام أو نائبه ليس له الحكم على الناس، ولا يجب عليهم الرجوع على من ولاه عليهم. وأما كونها تثبت بتولية الإمام؛ فلأن الإمام هو وليُّ أمر المسلمين، وصاحبُ الأمر والنهي، وهو واجب الطاعة، مسموعُ الكلمة، مالك لجميع الولايات الشرعية الحكمية والحربية. وأما كونها تثبت بولاية نائبه؛ فلأنه مُنَزّل منزلته، وقائم مقامه، ولذلك تجب طاعته والرجوع إلى قوله.

стр. 2850

قال: (ومن شرط صحتها: معرفة المولِّي كون المولَّى على صفة تصلح للقضاء، وتعيين ما يوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان، ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها، وإشهاد شاهدين على توليته. وقال القاضي: تثبت بالاستفاضة إذا كان بلده قريباً يستفيض فيه أخبار بلد الإمام. وهل تشترط عدالة المولّي؟ على روايتين). أما كون تولية القضاء من شرط صحتها: معرفة المولّي كون المولّى على صفة تصلح للقضاء؛ فلأن كون المولّى على الصفة التي تصلح للقضاء شرط لصحته التولية لما يأتي في مواضعه، وما كان شرطاً للصحة كانت معرفته شرطاً. دليله: العدالة لما كانت شرطاً لصحة الحكم بشهادة الشاهد كانت معرفتها شرطاً لصحة ذلك. وأما كونها من شرط صحتها تعيين ما يُوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان؛ فلأن ولايته مستفادة من تولية الإمام. فلم يكن بد من معرفته ما تولاه؛ ليمكن الفصل بين الخصوم بموضع التولية. وأما كونها من شرط صحتها مشافهة الإمام المولى بالولاية أو مكاتبته بها مع الإشهاد على المذهب؛ فلأنه إذا عُدمت المشافهة والمكاتبة لم يتصل طريق الولاية ولم يعلم المولي من المولى عليه. وأما كونها تثبت بالاستفاضة بشرط كون بلد القاضي قريباً من بلد الإمام على قول القاضي؛ فلأن العلم بالولاية يحصل بذلك. وأما كون عدالة المولي تشترط على روايةٍ؛ فلأن الفسق مؤثر في المنع من ولاية المولى عليه. فوجب أن يكون له أثر في المنع من تولية المولي. وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأن أكثر الأمراء فسقة. فاشتراط العدالة في المولي يؤدي إلى تعطيل الأحكام وضياع الناس.

стр. 2851

قال: (وألفاظ التولية الصريحة سبعة: ولّيتُكَ الحكم، وقلّدتُكَ، واستَنبْتُكَ، واستخلفتُكَ، ورددتُ إليكَ، وفوّضتُ إليكَ، وجعلتُ إليكَ الحكم. فإذا وجد لفظ منها والقبول من المولّى انعقدت الولاية. والكناية نحو: اعتمدتُ عليكَ، وعوّلتُ عليكَ، ووَكلتُ إليكَ، وأسندتُ إليكَ الحكم فلا ينعقد بها حتى يقترن بها قرينة نحو: فاحكمْ، أو فَتَولّ ما عوّلتُ عليكَ فيه، وما أشبهه). أما كون ألفاظ التولية صريحة وكناية؛ فلأنها عقد. فكانت ألفاظها صريحة وكناية؛ كغيرها من العقود. وأما كون الألفاظ الصريحة سبعة؛ فلأنها تدل على ولاية القضاء دلالة لا يفتقر معها إلى شيء آخر، وذلك هو شأن الصريح. وأما كون الولاية إذا وجد لفظ من الألفاظ الصريحة والقبول من المولى تنعقد؛ فلأنه يلزم من ذلك وجود الإيجاب والقبول، وذلك يستلزم الانعقاد إذا وجدت بقية الشروط. دليله: البيع والإجارة وغيرهما. وأما كون بقية الألفاظ كناية؛ فلأنها تفتقر في دلالتها إلى شيء آخر، وذلك شأن الكناية. وأما كون الولاية لا تنعقد بلفظ منها حتى تقترن بها قرينة نحو: فاحكم أو فتولّ أو ما أشبه ذلك؛ فلأن الكناية لا تستقل بنفسها. فوجب افتقارها إلى قرينة تقوّيها وتعضُدُها. فعلى هذا إذا وجد اللفظ المذكور مع القرينة انعقدت الولاية؛ لحصول الكناية مع ما يقوّيها ويعضُدها.

стр. 2852

فصل [فيما تفيده الولاية] قال المصنف ﵀: (وإذا ثبتت الولايةُ وكانت عامةً استفادَ بها النظر في عشرة أشياء: فصلُ الخصومات واستيفاءُ الحق ممن هو عليه ودفعهُ إلى ربه، والنظرُ في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء، والحجرُ على من يرى الحجر عليه لسفهٍ أو فلسٍ، والنظرُ في الوقوف في عمله بإجرائها على شرطِ الواقف، وتنفيذُ الوصايا، وتزويجُ النساء اللاتي لا ولي لهن، وإقامةُ الحدود، وإقامةُ الجمعة، والنظرُ في مصالحِ عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم، وتصفحُ حال شهوده وأمنائه، والاستبدالُ بمن ثبت جرحه منهم. فأما جبايةُ الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين). أما كون من ثبتت ولايته وكانت عامة يستفيدُ بها النظر في الأشياء المذكورة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه. وأما كونه يستفيد فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه؛ فلأن المقصود من القضاء ذلك. فلو لم يملكه لذهب مقصود القضاء، ولذلك وقعت الإشارة من الإمام أحمد ﵀ بقوله: أتذهب حقوق الناس؟ . وأما كونه يستفيد النظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء؛ فلأن بعضهم لا ينظر في ماله إلا الحاكم هو السفيه، وبعضهم هو بين أن لا يكون له ولي فترك نظره في ماله يؤدي إلى ضياعه، وبين أن يكون له ولي فترك نظره في حال الولي يؤدي إلى طمعه في مال موليه، وفي ذلك ضرر عليه. وأما كونه يستفيد الحجر على من يرى الحجر عليه من سفه أو فلس؛ فلأن الحجر المذكور يفتقر إلى نظر واجتهاد، وليس ذلك لغير القاضي، ولذلك جُعل الحجر المذكور مختصاً به.

стр. 2853

وأما كونه يستفيد النظر في الوقوف؛ فلأن النظر ضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطها. فإن لم يكن لها نُظّار على وجه الخصوصية تعين نظره فيها، وتولية ذلك لمن ينظر في أحوالهم وفي فعلهم فيها. وأما كونه يستفيد تنفيذ الوصايا؛ فلأن بالميت حاجة إلى ذلك، وليس ذلك لغيره. وأما كونه يستفيد تزويج النساء اللاتي لا ولي لهن؛ فلأن النبي ﷺ قال: «فإن اشتجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» (١) والحاكم نائبه. وأما كونه يستفيد إقامة الحدود؛ فلأن النبي ﷺ كان يقيمها. فكذا الخلفاء بعده، وكان من مناصبه الإمامة. فلم لا يجوز أن يكون ذلك مستفاداً من جهة الإمامة؟ . فإن قيل: هو نائب الإمام في الاستيفاء المذكور؛ لأنه هو الذي نصبه (٢). وأما كونه يستفيد إقامة الجمعة؛ فلأن الخلفاء هم الذين كانوا يقيمونها. وأما كونه يستفيد النظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين؛ فلأنه مرصد للمصالح فإذا كان ذلك من المصالح استفاد النظر فيه. وأما كونه يستفيد تصفح حال الشهود؛ فلأن ذلك من أكبر المهمات المتعلقة بالقضاء؛ لأنه يجب أن يعلم حال الشهود عندهم منهم. وأما كونه يستفيد الإبدال بمن ثبت عنده جرحه؛ فلأن المجروح لا تسمع له شهادة، وأمر الشهادة مردود إلى الحاكم. فكذلك يجب أن يُرد إليه ترتيب الشهود واستبدالهم بمن يصلح لها. وأما كونه يستفيد جباية الخراج وأخذ الصدقة على وجه؛ فلأنه أخذ حقٍ ممن هو عليه. أشبه أخذ الحق من الخصوم ودفعه إلى خصومهم.

стр. 2854

وأما كونه لا يستفيد ذلك على روايةٍ؛ فلأن الخراج مصرفه إلى أهل الديوان. والصدقة يصرف بعضها إلى أهل الديوان، وبعضها يصرف للناس في مصارف ذلك. فلم يدخل ذلك في ولايته؛ كما لو جرت العادة لذلك بناظر خاص. ولا بد أن يلحظ في الخلاف المذكور أن الخراج والصدقة ما خص الإمام بهما أحداً. ذكره أبو الخطاب شرطاً في جريان الوجهين. ولفظه: وأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فهل يدخل في مطلق ولايته إذا لم يخص بناظرٍ؟ وجهان. قال: (وله طلبُ الرزقِ لنفسه وأمنائهِ وخلفائهِ مع الحاجة. فأما مع عدمها فعلى وجهين). أما كون القاضي له طلب الرزق لنفسه مع الحاجة؛ فلأن أخذ الرزق مع الحاجة جائز وطلبُ ما أخذه جائز يجب أن يكون جائزاً. بيان جواز الأخذ: «أن عمر ﵁ رزق شريحاً في كل شهر مائة درهم» (١). و«رزق ابن مسعود نصف شاة كل يوم» (٢). و«كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظروا رجالاً من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من بيت المال». وأما كونه له طلب الرزق لأمنائه وخلفائه مع الحاجة؛ لأن معناهم: فإذا جاز له الطلب لنفسه وجب أن يكون ذلك لمن هو في معناه. وأما كونه له ذلك مع عدم الحاجة على وجه؛ فلما تقدم من رزق عمر لشريح وغيره. ولأنه لو لم يجز ذلك لأفضى إلى تعطيل القضاء؛ لأن أحداً لا يسهل عليه الاشتغال عن اشتغال نفسه وتكسبه بغير عوض.

стр. 2855

وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن القضاء قُربة وطاعة. فلم يجز فيها طلب الرزق مع عدم الحاجة؛ كالصلاة.

стр. 2856

فصل [في الولاية العامة والخاصة] قال المصنف ﵀: (ويجوز أن يوليه عمومَ النظرِ في عموم العمل، ويجوز أن يوليه خاصاً في أحدهما أو فيهما، فيوليه عموم النظر في بلد أو في محلة خاصة، فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه، أو يجعل الحكم في المداينات خاصة، أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يفوّض إليه عقود الأنكحة دون غيرها). أما كون القاضي يجوز أن يوليه الإمام عمومَ النظر في عموم العمل، وعموم النظر في خصوص العمل؛ فلأن الخيرة له في التولية فكذلك في صفتها. ولأن الإمام قد يعلم المصلحة في بعض هذه الأشياء دون بعض وذلك يقتضي تمكينه من فعل ما رأى فيه المصلحة. ولأن القاضي المتولي قد يكون قيّماً بعموم النظر في عموم العمل وقد يكون عاجزاً عن ذلك قيّماً بالخصوص فيهما أو في أحدهما. فيجب أن تكون الولاية مختصة بما هو قيّم به دون ما هو عاجز عنه. فإن قيل: ما مثال كل واحدٍ من الأمور الأربعة؟ قيل: مثال التعميم في النظر والعمل: أن يوليه الإمام القضاء في سائر الأحكام وسائر البلدان. ومثال تعميم النظر وتخصيص العمل: أن يوليه القضاء في سائر الأحكام ولكن في بلد من البلاد ومحلة من المحال. ومثال تخصيص النظر وتعميم العمل: أن يوليه الحكم في المداينات أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يوليه عقود الأنكحة أو ما أشبه ذلك في جميع البلاد. ومثال تخصيص النظر والعمل: أن يوليه الحكم فيما ذكر في بعض البلاد أو بعض المحال. وأما كون المولى في بلد أو محلة ينفذُ قضاؤه في أهله؛ فظاهر.

стр. 2857

وأما كونه ينفذ فيمن طرأ إليه؛ فلأن الطارئ إلى مكان يُعطى حكم أهله في كثير من الأحكام. ألا ترى أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها. قال: (ويجوز أن يولى قاضيين أو أكثر في بلد واحد يجعلُ إلى كل واحدٍ عملاً، فيجعل إلى أحدهما الحكمَ بين الناس وإلى الآخر عقود الأنكحة. فإن جعل إليهما عملاً واحداً جاز، وعند أبي الخطاب لا يجوز). أما كون الإمام يجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد واحدٍ يجعل لكل واحد منهما عملاً كما مثّل المصنف ﵀؛ فلأن ذلك ليس فيه ضرر، والإمام كامل الولاية. فوجب أن يملك ذلك؛ كتولية القاضي الواحد. وأما كونه يجوز إذا جَعل إليهما عملاً واحداً عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يجوز أن يستخلف الإمام في البلدة التي هو فيها فيكون في البلدة قاضيان. فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان. وأما كونه لا يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه يؤدي إلى إيقاف الأحكام والخصومات؛ لأن القاضيين يختلفان في الاجتهاد فيؤدي إلى ذلك. وهذا صوابه. والأول أصح عند المصنف ﵀. قاله في المغني. قال: (وإن مات المولي أو عزل المولى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين، وتبطل في الآخر. وهل ينعزل قبل العلم بالعزل؟ على وجهين بناء على الوكيل). أما كون ولاية المولَّى لا تبطل بما ذكر في وجه؛ فلأنه عَقدٌ عُقِدَ لمصلحة المسلمين. فلم يبطل بموته؛ كما لو عقد الولي النكاح على موليته ثم مات أو فسخه. وأما كونها تبطل في وجه؛ فلأنه نائبه فتبطل ولايته بما ذكر؛ كوكيله. ويؤيد بطلان الولاية بالعزل «أن عمر ﵁ قال: لأعزلنّ أبا مريم وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه. فعزله وولى كعب بن سور». و«ولى علي أبا الأسود ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا حبيت؟ قال: رأيتك يعلو كلامك على الخصمين».

стр. 2858

وأما كونه إذا انعزل ينعزل بنفس العزل أو يعلم به فيه وجهان مبنيان على عزل الموكل الوكيل؛ فلأنه في معناه. قال: (وإذا قال المولي: من نظرَ في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي، أو قد ولّيته لم تنعقد الولاية لمن ينظر. وإن قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظرَ منهما فهو خليفتي انعقدت الولاية). أما كون الولاية لا تنعقد لمن ينظر إذا قال: من نظرَ [في الحكم] (١) في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته؛ فلأن المولّي لم يعين المولَّى. أشبه ما لو قال للبائع: بعتك أحد الثوبين. وأما كونها تنعقد إذا قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظر منهما فهو خليفتي؛ فلأن المولي ولاّهما جميعاً ثم عين السابق منهما. فإن قيل: لو قال البائع: بعت ثوبي من فلان وفلان فمن قبضه فهو له لم يصح. فكذلك يجب هاهنا لم يصح. لا سيما وعدم الصحة في المسألة الأولى عليه قياسها على قول البائع: بعتك أحد الثوبين. قيل: الولاية قابلة للعزل ويلزم من عزل أحدهما استقلال الآخر بالولاية. ولا كذلك مسألة البيع فإنه بعد انعقاده لا يقبل الإبطال، ولو قُبل لعاد ذلك إلى مالكه لا إلى رفيقه في الشراء.

стр. 2859

فصل [في شروط القاضي] قال المصنف ﵀: (ويشترطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: أن يكونَ بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، مُتكلّماً، مجتهداً. وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين). أما كون القاضي يشترطُ فيه عشرُ صفاتٍ؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه. وأما كونها أن يكون بالغاً ... إلى آخره: أما بلُوغه وعقلُه؛ فلأن الصبي والمجنون لا ينفذ قولهما في أنفسهما. فلأن لا ينفذ قولهما في غيرهما بطريق الأولى. ولأن الصبي والمجنون يستحقان الحجر عليهما، والقاضي يستحق الحجر على غيره؛ فبين حاليهما وبين حاله منافاة. وأما ذكوريته؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ما أفلحَ قومٌ ولّوا أمرهمُ امرأة» (١). ولأن المرأة ناقصة العقل وقليلة الرأي ليست أهلاً لحضور الرجال وشهود محافل الخصوم. وأما حريته؛ فلأن القضاء منصبٌ شريفٌ. فلا يجوز أن يتولاه عبدٌ؛ كالإمامة العُظمى. ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوعٌ للفصل بين الخصوم. فحاله يُنافي حال الولاية. وأما إسلامه؛ فلأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يقتضي احترامه وبينهما منافاة. ولأن الإسلام شرطٌ في الشهادة. فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.

стр. 2860

وأما عدالته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. والحاكم يجيء بقول. فلا يجوز قبوله مع فسقه كذلك. ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً. فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى. وأما سَمعُهُ وبَصرُهُ وتكلّمُهُ؛ فلأنه لا يتمكن مع فقد هذه الحواس من الفصل بين المتخاصمين؛ لأن سماع القول لا يتمكن منه إلا بسمعه. ومعرفة المدعِي من المدعَى عليه، والمقر من المقرِّ له، والشاهد من المشهود عليه: لا يتمكن منه إلا ببصره. والحكمُ بين الخصومِ لا يتمكن منه إلا بالنطق. وأما اجتهاده؛ فلأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله. ولأن رسول الله ﷺ قال: «القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار وواحدٌ في الجنة: رجلٌ علمَ الحق فقضى به فهوَ في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ جارَ في الحكمِ فهوَ في النار» (١). رواه ابن ماجة. ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فُتيا وإلزام، والمفتي لا يجوزُ أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى. وأما كون القاضي يشترطُ فيه أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن القاضي من أهل الكمال، والكتابة منه. ولأنه يحتاج إلى الكتابة على ما ثبت عنده، وعلى خطوط الشهود. وأما كونه لا يشترطُ أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن النبي ﷺ كان حاكم الحكام ولم يكن كاتباً. وأجيب عنه بأن عدم الكتابة لرسول الله ﷺ لمعنى كان مفقوداً في غيره، وذلك يقتضي قطع الإلحاق. قال: (والمجتهدُ: من يعرفُ من كتاب الله وسنة رسوله ﵇ الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص

стр. 2861

والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه. ويعرفُ من السنةِ صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلقٌ بالأحكام خاصة. ويعرف ما أُجمع عليه مما اختُلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربيةُ المتداولةُ بالحجازِ والشامِ والعراقِ وما يواليهم، وكل ذلك مذكورٌ في أصولِ الفقهِ وفروعهِ، فمن وقَفَ عليه ورُزق فهمُه صَلُحَ للفُتيا والقضاء وبالله التوفيق). أما كون المجتهد من يعرفُ ما ذكره المصنف ﵀؛ فلأن العالم لا يتمكن من الاجتهاد بدون ذلك. وأما كون ذلك مذكوراً في أصولِ الفقهِ وفروعهِ؛ فلأنهما محلُ ذلك كله. وفيه تنبيه على المواضع لتُقصَدَ فيحصُل لطالبها ما قصَدَه. وأما كون من وقَفَ على ذلك ورُزق فهمُه صلُح للفُتيا والقضاء؛ فلأن العالم بذلك متمكنٌ من التصرفِ في العلومِ الشرعية ووضعها في مواضعها.

стр. 2862

فصل [في التحاكم] قال المصنف ﵀: (وإن تحاكمَ رجلان إلى رجلٍ يصلحُ للقضاء فحكَّماهُ بينَهُما فحكمَ نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلامه. ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذُ حكمُه إلا في المال خاصة). أما كون من تحاكم إليه رجلان فحكَّماهُ بينهما فَحَكم ينفذ حكمه؛ فلما روي أن النبي ﷺ قال: «من حكمَ بين اثنين تراضيا به فلمْ يعدل بينهما فهو ملعون» (١). ولولا أنه ينفذ حكمه لما كان كذلك. وأما كون حكمه ينفذ في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن عموم الحديث المذكور يشمل ذلك كله. وفي نفاذ حكم من ذكر إشعار بجواز التحاكم في الجملة. وهو صحيح؛ لما ذكر من الحديث. و«لأن عمر وأبيًا احتكما إلى زيد بن ثابت» (٢)، و «حاكم عمرُ رجلاً إلى شريح قبل توليه القضاء». و«تحاكم عثمان وعبدالرحمن إلى جبير بن مطعم» (٣).

стр. 2863

فإن قيل: عمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردَّا الحكم إلى رجل صار حاكماً. قيل: لم ينقل عنهما أكثر من الرضى بحكمه خاصة. وذلك لا يصير به المتحاكم إليه قاضياً. وأما كون حكم المتحاكم إليه لا ينفذُ إلا في المال خاصة على قول القاضي؛ فلأنه أسهل من غيره. فيجب الاقتصار عليه.

стр. 2864

باب أدب القاضي قال المصنف ﵀: (ينبغي أن يكون قوياً من غير عُنفٍ، ليناً من غير ضَعفٍ، حليماً ذا أناةٍ وفطنةٍ، بصيراً بأحكام الحكام قبله، ورعاً عفيفاً). أما كون القاضي ينبغي أن يكون قوياً؛ فلئلا يطمع المُبطل في باطله، ولذلك قال عمر: «لأعزلن أبا مريم عن القضاء ولأستعملن رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه». وأما كون ذلك من غير عنف؛ فلأنه إذا كان ذا عنف ربما أيسَ الضعيف من حقه. وأما كونه ليناً؛ فلئلا يخاف منه صاحب الحق فيترك حقه. وأما كون ذلك من غير ضعف؛ فلأن اللين إذا كان لضعفٍ طمع المبطل في القاضي فلا يُقر بالحق. وأما كونه حليماً؛ فلأنه ربما يغضب من كلام الخصوم فيمنعه ذلك من الحكم بينهم. وأما كونه ذا أناة؛ فلئلا يؤتى من عجلته. وأما كونه ذا فطنة؛ فلئلا يخدع بغيره. وأما كونه بصيراً بأحكام الحكام قبله؛ فلما روي عن علي ﵁ أنه قال: «لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى يكونَ فيه خمس خصال: عفيفٌ، حليمٌ، عالمٌ بما كان قبله، يستشيرُ ذوي الألباب، ولا يخافُ في اللهِ لومةَ لائم» (١). وأما كونه ورعاً؛ فليؤمن منه مع ذلك أخذ الرشا. وأما كونه عفيفاً؛ فلما تقدم من قول علي ﵁.

стр. 2865

ولأنه إذا كان كذلك كان بعيداً من الطمع قريباً من النزاهة لا يطمع أحد في ميله معه بغير حق. قال: (وإذا وُلّي في غير بلده سأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول. ويُنفذُ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتلقَّوه، ويدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت لابساً أجملَ ثيابه. فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين ويستقبل القبلة. فإذا اجتمع الناس أمرَ بعهده فقرئ عليهم، وأمر من ينادي: من له حاجةٌ فليحضر يوم كذا ثم يمضي إلى منزله. ويُنفذُ فيتسلم ديوان الحكم من الذي كان قبله. ثم يخرج اليوم الذي وعدَ بالجلوسِ فيه على أعدل أحواله غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمرٍ يشغلُه عن الفهمِ، فيسلّم على من يمر به ثم على من في مجلسه، ويصلي تحية المسجد إن كان في مسجد). أما كون القاضي إذا وُلّيَ في غير بلده يسأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول؛ فليعرف حالهم حتى يشاور من يصلح للمشاورة، ويقبلَ شهادةَ من هو أهل للعدالة. وأما كونه يُنفذُ من يعلمهم يوم دخوله؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من قوله: ليتلقَّوه؛ لأن في تلقِّيه تعظيماً له، وذلك طريقٌ لقبول قوله ونفوذِ أمره. وأما كونه يدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت (١). وأما كونه يأمرُ بعهده فيقرأ على من في بلد ولايته؛ فليعلموا ولايته وصفتها وعلامَ وُلِّي. وأما كونه يأمر من ينادي: من له حاجة فليحضر يوم كذا؛ فليعلم صاحب الحاجة يوم جلوس القاضي فيقصد حضوره؛ لقضاء حاجته. وأما كونه يمضي بعد ذلك إلى منزله؛ فليستريح حتى إذا خرج لفصل الخصومات يكون على أعدل أحواله.

стр. 2866

وأما كونه ينبغي له أن ينفذَ فيتسلم ديوان الحكم من الحاكم قبله؛ فلأن ذلك كان في يد الحاكم قبله بحكم الولاية، وقد صارت إليه. فوجب أن ينتقل ذلك إليه. وأما كونه يخرج اليوم الذي وعدَ بالجلوس فيه؛ فليحصل الوفاء بما نادى مُناديه. وأما كونه على أعدل أحواله؛ فلأن حال القاضي ينبغي أن يكون أكمل الأحوال. وأما كونه غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمرٍ يشغله عن الفهم؛ فلأن القاضي متى كان به خصلة واحدة من الخصلات المذكورة ربما شَغلت فكره فأدّت إلى خطئه. ولذلك قال النبي ﷺ : «لا يقضِي القاضي بين اثنين وهو غضبان» (١). صرَّحَ بالغضب، وقيس عليه ما في معناه من سائر ما ذكر. وأما كونه يسلّم على من يمرُ به وعلى من في مجلسه؛ فلأن السنة سلامُ المارّ على الممرور به، وسلام الداخل على من في المجلس. وأما كونه يصلي ركعتين تحية المسجد إن كان في مسجد؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلسْ حتى يصلي ركعتين» (٢). قال: (ويجلس على بساطٍ ويستعينُ بالله ويتوكلُ عليه، ويدعو سراً أن يعصمهُ من الزللِ ويوفقهُ للصواب، ولما يرضيه من القول والعمل. ويجعلُ مجلسه في مكان فسيحٍ؛ كالجامعِ والفضاءِ والدارِ الواسعةِ في وسط البلد إن أمكن). أما كون القاضي يجلس على بساطٍ؛ فلأنه أبلغُ في هيبته، وأوقع في نفس الخصوم، وأعظم لحرمة الشرع.

стр. 2867

وأما كونه يستعينُ بالله ويتوكلُ عليه؛ فلأن ذلك ينبغي لكل واحدٍ. فلأن ينبغي للقاضي بطريق الأولى. وأما كونه يدعو سراً أن يعصمه من الزللِ ويوفقه للصوابِ وما يرضيهِ من القولِ والعملِ؛ فلأن ذلك مطلوب مطلقاً لا سيما في أوقات الحاجة، والقاضي من أشد الناس حاجةً إلى ما ذكر. وأما كونه يجعلُ مجلسهُ في مكان فسيح كالجامعِ والفضاءِ والدارِ الواسعةِ؛ فليكون ذلك واسعاً على الخصوم وأصحاب المسائل. وأما كونه يجعلهُ في وسط البلد إن أمكن ذلك؛ فلأنه أقرب للعدل وأمكنُ للخصوم. قال: (ولا يتخذُ حاجباً ولا بواباً إلا في غير مجلس الحكم إن شاء). أما كون القاضي لا يتخذُ حاجباً ولا بواباً في مجلس الحكم؛ فلما روي عن أبي مريم صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وليَ من أمور الناس شيئاً وحجبَ دون حاجتهمْ وفاقتهمْ احتجبَ اللهُ عنهُ دونَ حاجتهِ وفاقتهِ وفقره» (١). رواه الترمذي. ولأن حاجبه ربما قدّم المتأخر وأخّر المتقدم؛ لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم. وأما كونه يتخذُ ذلك في غير مجلس الحكم إن شاء؛ فلأنه قد تدعو حاجته إلى ذلك، ولا مضرة على الخصوم في ذلك؛ لأنه ليس بوقتٍ للحكومة. قال: (ويعرضُ القصَصَ فيبدأ بالأول فالأول. ولا يقدمُ السابقَ في أكثر من حكومة واحدة. فإن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة). أما كون القاضي يعرض القَصص؛ فليقضي حوائج أصحابها. وأما كونه يبدأ بالأول فالأول؛ فلأن الأول سابق والسبق له أثر في التقديم. دليله: ما لو سبق رجل إلى شيء من المباحات فإنه يكون أحق به.

стр. 2868

وأما كونه لا يقدّمُ السابق في أكثر من حكومة واحدة؛ فلأنه مسبوق بالنسبة إلى الثاني؛ لأن الذي يليه سبقه بالنسبة إلى الدعوى الثانية. وأما كونه يقدّم أحدهم بالقرعة إذا حضروا دفعة واحدة وتشاحوا؛ فلأنهم تشاحوا في السبق، والقرعة مرجحة. دليله: ما لو أراد الرجل السفر ببعض نسائه. ولأن القرعة مشروعة للترجيح في غير هذا الموضع فكذا في هذا. قال: (ويعدل بين الخصمين في لَحْظِه ولَفْظه ومجلسه والدخول عليه، إلا أن يكون أحدهما كافراً فيقدم المسلم عليه في الدخول ويرفعه في الجلوس. وقيل: يسوي بينهما). أما كون القاضي يعدل بين الخصمين المسلمين أو الكافرين فيما ذكر؛ فلما روي عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: «من ابتُليَ بالقضاءِ بين المسلمينَ فليعدل بينهم في لفظهِ وإشارتهِ ومقعده. ولا يرفعن صوتَه على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» (١). وفي روايةٍ: «فليسوِّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة». وفي كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: «واسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأسَ الضعيفُ من عدلكَ، ولا يطمع الشريفُ في حيفِك» (٢). ولأن الحاكم إذا ميّز أحد الخصمين عن الآخر انكسر الآخر وربما لم تقم حجته فيؤدي ذلك إلى ظلمه. وأما كونه يقدم المسلم على الكافر في الدخول ويرفعه في الجلوس؛ فلما روى إبراهيم التميمي قال: «وَجَد عليٌ كرم الله وجهه درعهُ مع يهودي. فقال: درعي سقطت وقت كذا. فقال اليهودي: درعي في يدي وبيني وبينكَ قاضي المسلمين. فارتفعا إلى شريح. فلما رآه شريح قام من مجلسه وجلسَ في موضعه وجلس مع اليهودي بين يديه. فقال علي: إن خصمي لو كان مسلماً لجلستُ معه بين يديك

стр. 2869

ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تساووهم في المجالس ... وذكر بقية الحديث» (١). وأما كونه يساوي بينهما أيضاً كالمسلمين على قول؛ فلما تقدم من الحديث في المسلمين. والأول أولى؛ لحديث علي. وهو واجب التقديم؛ لأنه خاص والخاص يجب تقديمه. قال: (ولا يسار أحدهما، ولا يلقّنُه حجته، ولا يضيفه، ولا يعلمه كيف يدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز له تحرير الدعوى له إذا لم يحسن تحريرها، وله أن يشفع إلى خصمه ليُنْظِره أو يضع عنه ويزن عنه). أما كون القاضي لا يسار أحد الخصمين؛ فلأن ذلك كسر قلب صاحبه وربما أدى إلى ضعفه عن إقامة حجته. وأما كونه لا يلقّنه حجتَه؛ فلأن عليه العدل بينهما، وليس في تلقينه عدل؛ لما فيه من الضَّررِ على صاحبه. وأما كونه لا يضيفه؛ فلما روي عن علي ﵁ «أنه نزل به رجل. فقال له: ألك خصم؟ قال: نعم. قال: تحوّل عنا. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعهُ خصمه» (٢). وأما كونه لا يُعلمه كيفية الدعوى في وجه؛ فلأن فيه إعانة له على خصمه. وأما كونه يجوز له تحرير الدعوى له إذا لم يحسن تحريرها في وجه؛ فلأن في ترك تعليمه سببًا إلى تأخير حقه وعدم الفصل بينه وبين غريمه. وأما كونه له أن يشفع إلى خصمه ليُنظره أو يضع عنه؛ فلأن رسول الله ﷺ سأل غرماء معاذ فيه، ولهذا جاء في الحديث: «لو تُرك أحدٌ من أجل أحد لتُرِكَ معاذ من أجل رسول الله ﷺ » (١).

стр. 2870

وأما كونه له أن يَزن له عنه؛ فلما روى ابن عباس ﵁ «أن رجلاً رَفع إلى رسول الله ﷺ غريماً له فسأل الغريمُ أن يُنظره شهراً. فقال النبي ﷺ : أنا أنظركَ وتحمَّلَ النبي ﷺ المالَ عنه». قال: (وينبغي أن يُحضِر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن، ويشاورهم فيما يُشكلُ عليه. فإن اتضح له حكم وإلا أخّره. ولا يقلّدُ غيره وإن كان أعلم منه). أما كون القاضي ينبغي له أن يُحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن؛ فلأنه قد تحدث حادثة فيحتاج القاضي إلى سؤالهم عن مذهبهم وأدلتهم ولذلك قال: ويشاورهم فيما يُشكل عليه؛ لأنه إذا شاورهم ذكروا له ما يحضرهم في ذلك فيؤدي ذلك إلى إيضاح العلم له، وحصول الاجتهاد منه. وأما كونه يحكم إن اتضح له؛ فلأنه متى اتضح له الحكم لم يجز تأخيره؛ لما فيه من تأخير الحق عن موضعه. وأما كونه يؤخّره إن لم يتضح له؛ فلأن الحكم مع عدم الإيضاح لا يجوز؛ لما فيه من القضاء بجهل، الداخل في الحديث المتقدم ذكره. وأما كونه لا يقلد غيره وإن كان أعلم منه؛ فلأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره. دليله: المجتهدان في القبلة. قال: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا حاقن، ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج. فإن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه، وقال القاضي: لا ينفذ. وقيل: إن عرض ذلك بعد فهم الحكم جاز وإلا فلا). أما كون القاضي لا يقضي وهو غضبان؛ فلأن النبي ﷺ قال: «لا يحكمُ أحدٌ بين اثنين وهو غضبان» (١) متفق عليه.

стр. 2871

ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه. وأما كونه لا يقضي وهو حاقن أو في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المُزعج؛ فلأن الغضب إنما مُنع من القضاء معه؛ لأن ذلك مُذهبٌ للفكر وحسن الرأي، وذلك موجود في الصور المذكورة. فوجب أن يترتب عليها ما ترتب على الغضب؛ لأن الاستواء في العلة يدل على التساوي في المعلول. وأما كونه إذا حكم مع شيء مما ذكر ينفذ حكمه؛ فلما روي «أن النبي ﷺ لما اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شَراج الحرة قال النبي ﷺ : اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك. فغضب رسول الله ﷺ . فقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» (١). وأما كونه لا ينفذُ على قول القاضي؛ فلأنه ارتكب النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. وأما كونه إذا عرض الغضبُ أو ما في معناه بعد فهم الحكم معه من اشتغال الفكرة المؤدية إلى عدم الإصابة، وذلك مفقود يمتنع من الحكم فيما إذا عرض بعد فهم الحكم موجود فيما إذا عرض قبله. قال: (ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إلا ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة). أما كون القاضي لا يحل له أن يرتشي؛ فلأنه جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أكَّالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢] هو الرشوة. وفي الحديث عن عبدالله بن عمر قال: «لعنَ رسولُ الله ﷺ الراشِي والمرتَشِي» (٢). رواه الترمذي. وهذا حديث حسن صحيح.

стр. 2872

ورواه أبو هريرة وزاد: «في الحكْم» (١). وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن لم يكن يُهدي إليه قبل ولايته؛ فلأن الهدية يُقصد بها غالباً استمالة قلب المهدي إليه؛ ليعتني في الحكم. فهي شبيهة بالرشوة. وفي الحديث: «بعثَ رسولُ الله ﷺ رجلاً من الأزد على الصدقة. فقال: هذا لكمْ وهذا أُهديَ إليّ. فقام النبي ﷺ فحمدَ الله وأثنى عليه. ثم قال: ما بالُ العامل نبعثُه فيجيءُ فيقول: هذا لكم وهذا أُهديَ إليّ. ألا! جلسَ في بيت أبيهِ وأمهِ فينظر أيهدى إليه؟ والذي نفسُ محمدٍ بيده! لا نبعثُ أحد منكم فيأخذَ شيئًا إلا جاءَ يومَ القيامة يحملهُ على رقبته ... مختصر» (٢) متفق عليه. وأما كونه يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة؛ فلأن التهمة المذكورة قبل منتفية هاهنا. ولأن المنع من ذلك إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة وكلاهما منتفٍ. وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي (٣) إليه إذا كان له حكومة؛ فلأن ذلك في معنى الرشوة.

стр. 2873

قال: (ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه. ويستحب أن يوكّل في ذلك من لا يُعرف أنه وكيله). أما كونه يكره أن يتولى البيع أو الشراء بنفسه؛ فلأنه يُعرف فيحابى. فإذا لم يكن ذلك جائزاً فلا أقل من أن يكون مكروهاً. ولأن ذلك يشغله عن أمور المسلمين. وأما كونه يستحب له أن يوكل من لا يُعرف أنه وكيله؛ فلأن ذلك نفي للتهمة. ولأنه وسيلة إلى عدم المحاباة المطلوب شرعاً. قال: (ويستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز مالم يشغله عن الحكم). أما كون القاضي يستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم يشغله ذلك عن الحكم؛ فلأن انشغاله بالفصل بين الخصوم ومباشرة الحكم أولى من ذلك. قال: (وله حضور الولائم. فإن كثرت تركها كلها. ولم يجب بعضهم دون بعض). أما كون القاضي له حضور الولائم؛ فلأن النبي ﷺ كان يجيب إلى ذلك. وأما كونه يترك الولائم كلها إذا كثرت فتشغله عن الحكم ولايجيب البعض دون البعض؛ فلأن الاشتغال بالكل يشغله عن الحكم الذي هو فرض عين، وإجابة البعض دون البعض يؤدي إلى كسر قلب من لم يجيبه. قال: (ويوصى الوكلاء واللأعوان على بابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع. ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أوكهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة). أما كون القاضي يوصي الوكلاء والأعوان بما ذكر؛ فلأن في ذلك رفقاً بالخصوم، وتنبيهاً للأعوان على الفعل الجميل الائق بمجالس القضاة. وأماكونه يجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة؛ فلأن في ذلك مصلحة للمسلمين، والحاكم مأمور بالاجتهاد فيها. قال: (ويتخذ كاتباًمسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه، ويجعل القمطر مختوماً بين يديه. ويستجيب أن لا يحكم إلا بحضرة

стр. 2874

الشهود، ولا يحكم لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته، ويحكم بينهم بعض خلفائه، وقال أبو بكر: يجوز ذلك). أما كون القاضي يتخذ كاتباً؛ فـ «لأن النبي ﷺ استكتبَ زيد بن ثابتَ وغيره» (١). ولأن الحاكم يكثر نظره في أمر المسلمين ولا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه. وأما كون الكاتب مسلماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨]. وأما كونه مكلفاً؛ فلأن غير المكلف لا يُوثق بقوله ولا يعوّل عليه فهو كالفاسق. وأما كونه عدلاً؛ فلأن الكتابة موضع أمانة. وأما كونه حافظاً عالماً؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره. وأما كونه يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره، وأبعد للتهمة، وأمكن لإملائه. وأما كونه يجعل القمطر مختوماً بين يديه؛ فلأن ذلك أحفظُ له، وأبعد من أن يغيّره مغيّر.

стр. 2875

فصل [فيما يبتدئ فيه القاضي] قال المصنف ﵀: (وأولُ ما ينظر في أمر المحبسين. فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة، ثم ينادي في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً، فمن له منهم خصم فليحضره، فإذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة فقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ فإن حضر خصمه نظر بينهما، فإن كان حُبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله خلى سبيله. وإن لم يحضر له خصم وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصم لي نادى بذلك ثلاثاً، فإن حضر له خصم وإلا حلفه وخلى سبيله). أما كون القاضي أول ما ينظر في أمر المحبسين؛ فلأن الحبس عذابٌ وربما كان فيه من لا يستحق البقاء فيه. وأما كونه يبعث ثقة إلى الحبس فيكتبُ اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه. وأما كون الثقة الذي يبعثه القاضي ينادي بالنداء المذكور؛ فلأن في ذلك إعلاماً بيوم جلوس القاضي. وأما كون القاضي إذا كان الغد وحضر أحضر رقعة وقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ ؛ فلأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك. وأما كونه ينظر بين الخصمين إذا حضرا؛ فلأنه له ذلك. وأما كونه يخلى سبيل من حبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله؛ فلأن بقائهما في الحبس ظلم. وأما كونه ينادى ثلاثاً بحال من لم يحضر له خصم في اليوم الذي جلس فيه القاضي وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصمَ لي؛ فلأن ذلك طريق إلى استعلام حال المحبوس، وهل هو مستحِقٌ للحبس أم لا؟ .
следующие страницы →