ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه.
وأما كونه لا يقضي وهو حاقن أو في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المُزعج؛ فلأن الغضب إنما مُنع من القضاء معه؛ لأن ذلك مُذهبٌ للفكر وحسن الرأي، وذلك موجود في الصور المذكورة. فوجب أن يترتب عليها ما ترتب على الغضب؛ لأن الاستواء في العلة يدل على التساوي في المعلول.
وأما كونه إذا حكم مع شيء مما ذكر ينفذ حكمه؛ فلما روي «أن النبي ﷺ لما اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شَراج الحرة قال النبي ﷺ : اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك. فغضب رسول الله ﷺ . فقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» (١).
وأما كونه لا ينفذُ على قول القاضي؛ فلأنه ارتكب النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وأما كونه إذا عرض الغضبُ أو ما في معناه بعد فهم الحكم معه من اشتغال الفكرة المؤدية إلى عدم الإصابة، وذلك مفقود يمتنع من الحكم فيما إذا عرض بعد فهم الحكم موجود فيما إذا عرض قبله.
قال: (ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إلا ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة).
أما كون القاضي لا يحل له أن يرتشي؛ فلأنه جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أكَّالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢] هو الرشوة.
وفي الحديث عن عبدالله بن عمر قال: «لعنَ رسولُ الله ﷺ الراشِي والمرتَشِي» (٢). رواه الترمذي. وهذا حديث حسن صحيح.
стр. 2872
ورواه أبو هريرة وزاد: «في الحكْم» (١).
وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن لم يكن يُهدي إليه قبل ولايته؛ فلأن الهدية يُقصد بها غالباً استمالة قلب المهدي إليه؛ ليعتني في الحكم. فهي شبيهة بالرشوة.
وفي الحديث: «بعثَ رسولُ الله ﷺ رجلاً من الأزد على الصدقة. فقال: هذا لكمْ وهذا أُهديَ إليّ. فقام النبي ﷺ فحمدَ الله وأثنى عليه. ثم قال: ما بالُ العامل نبعثُه فيجيءُ فيقول: هذا لكم وهذا أُهديَ إليّ. ألا! جلسَ في بيت أبيهِ وأمهِ فينظر أيهدى إليه؟ والذي نفسُ محمدٍ بيده! لا نبعثُ أحد منكم فيأخذَ شيئًا إلا جاءَ يومَ القيامة يحملهُ على رقبته ... مختصر» (٢) متفق عليه.
وأما كونه يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة؛ فلأن التهمة المذكورة قبل منتفية هاهنا.
ولأن المنع من ذلك إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة وكلاهما منتفٍ.
وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي (٣) إليه إذا كان له حكومة؛ فلأن ذلك في معنى الرشوة.
стр. 2873
قال: (ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه. ويستحب أن يوكّل في ذلك من لا يُعرف أنه وكيله).
أما كونه يكره أن يتولى البيع أو الشراء بنفسه؛ فلأنه يُعرف فيحابى. فإذا لم يكن ذلك جائزاً فلا أقل من أن يكون مكروهاً.
ولأن ذلك يشغله عن أمور المسلمين.
وأما كونه يستحب له أن يوكل من لا يُعرف أنه وكيله؛ فلأن ذلك نفي للتهمة.
ولأنه وسيلة إلى عدم المحاباة المطلوب شرعاً.
قال: (ويستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز مالم يشغله عن الحكم).
أما كون القاضي يستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم يشغله ذلك عن الحكم؛ فلأن انشغاله بالفصل بين الخصوم ومباشرة الحكم أولى من ذلك.
قال: (وله حضور الولائم. فإن كثرت تركها كلها. ولم يجب بعضهم دون بعض).
أما كون القاضي له حضور الولائم؛ فلأن النبي ﷺ كان يجيب إلى ذلك.
وأما كونه يترك الولائم كلها إذا كثرت فتشغله عن الحكم ولايجيب البعض دون البعض؛ فلأن الاشتغال بالكل يشغله عن الحكم الذي هو فرض عين، وإجابة البعض دون البعض يؤدي إلى كسر قلب من لم يجيبه.
قال: (ويوصى الوكلاء واللأعوان على بابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع. ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أوكهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة).
أما كون القاضي يوصي الوكلاء والأعوان بما ذكر؛ فلأن في ذلك رفقاً بالخصوم، وتنبيهاً للأعوان على الفعل الجميل الائق بمجالس القضاة.
وأماكونه يجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة؛ فلأن في ذلك مصلحة للمسلمين، والحاكم مأمور بالاجتهاد فيها.
قال: (ويتخذ كاتباًمسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه، ويجعل القمطر مختوماً بين يديه. ويستجيب أن لا يحكم إلا بحضرة
стр. 2874
الشهود، ولا يحكم لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته، ويحكم بينهم بعض خلفائه، وقال أبو بكر: يجوز ذلك).
أما كون القاضي يتخذ كاتباً؛ فـ «لأن النبي ﷺ استكتبَ زيد بن ثابتَ وغيره» (١).
ولأن الحاكم يكثر نظره في أمر المسلمين ولا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه.
وأما كون الكاتب مسلماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨].
وأما كونه مكلفاً؛ فلأن غير المكلف لا يُوثق بقوله ولا يعوّل عليه فهو كالفاسق.
وأما كونه عدلاً؛ فلأن الكتابة موضع أمانة.
وأما كونه حافظاً عالماً؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره.
وأما كونه يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره، وأبعد للتهمة، وأمكن لإملائه.
وأما كونه يجعل القمطر مختوماً بين يديه؛ فلأن ذلك أحفظُ له، وأبعد من أن يغيّره مغيّر.
стр. 2875
فصل [فيما يبتدئ فيه القاضي]
قال المصنف ﵀: (وأولُ ما ينظر في أمر المحبسين. فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة، ثم ينادي في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً، فمن له منهم خصم فليحضره، فإذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة فقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ فإن حضر خصمه نظر بينهما، فإن كان حُبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله خلى سبيله. وإن لم يحضر له خصم وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصم لي نادى بذلك ثلاثاً، فإن حضر له خصم وإلا حلفه وخلى سبيله).
أما كون القاضي أول ما ينظر في أمر المحبسين؛ فلأن الحبس عذابٌ وربما كان فيه من لا يستحق البقاء فيه.
وأما كونه يبعث ثقة إلى الحبس فيكتبُ اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه.
وأما كون الثقة الذي يبعثه القاضي ينادي بالنداء المذكور؛ فلأن في ذلك إعلاماً بيوم جلوس القاضي.
وأما كون القاضي إذا كان الغد وحضر أحضر رقعة وقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ ؛ فلأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك.
وأما كونه ينظر بين الخصمين إذا حضرا؛ فلأنه له ذلك.
وأما كونه يخلى سبيل من حبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله؛ فلأن بقائهما في الحبس ظلم.
وأما كونه ينادى ثلاثاً بحال من لم يحضر له خصم في اليوم الذي جلس فيه القاضي وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصمَ لي؛ فلأن ذلك طريق إلى استعلام حال المحبوس، وهل هو مستحِقٌ للحبس أم لا؟ .
стр. 2876
وأما كونه يُحلف من لم يحضر له خصم ويخلي سبيله؛ فلأن الظاهر صدقه إذ لو كان له خصم لحضر.
قال: (ثم ينظرُ في أمر الأيتام والمجانين والوقوف. ثم في حال القاضي قبله، فإن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إلا ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً. وإن كان ممن لا يصلح نَقَضَ أحكامه وإن وافقت الصحيح. ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها).
أما كون القاضي ينظر في أمر الأيتام والمجانين والوقوف بعد النظر في أمر المحبسين؛ فلأن المنظور عليه لا يمكنه المطالبة؛ لأن الصبي والمجنون لا قول لهما. وأرباب الوقوف؛ كالفقراء والمساكين لا يتعيَّنون.
وأما كونه ينظر في حال القاضي قبله فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا على أن القاضي المتولي يتبع قضايا القاضي قبله؛ لأنه يحتمل أن يكون مصيباً، ويحتمل أن لا يكون مصيباً.
وقال في المغني: ليس عليه ذلك؛ لأن الظاهر صحة قضايا من قبله وصوابُها. وأنه لا يُولى إلا من هو أهلُ الولاية.
وهذا صحيح لكن في غير قُضاة هذا الزمان. فعلى هذا يترجح وجوب تتبّعها.
وأما كونه لا ينقض من أحكام من يصلح للقضاء ما لم يخالف ما ذكره؛ فلأنه يؤدي إلى أنه لا يثبت حكم أصلاً؛ لأن الحاكم الثالث يخالف الثاني، والرابع يخالف الثالث وهلم جرَّا. ولذلك أن عمر ﵁ خالف أبا بكر في مسائل، وخالف علي عمر في مسائل، ولم ينقض واحد منهما على الآخر.
وفي الحديث: «أن أهل نجران جاؤوا إلى علي. فقالوا: يا أمير المؤمنين! كتابكَ بيدكَ وشفاعتُكَ بلسانك. فقال: ويحكم! إن عمرَ كان رشيدَ الأمر. ولا أردُ قضاء قضى به عمر» (١). رواه سعيد.
стр. 2877
وروي «أن عمر حكم في المشرّكة بإسقاط الأخوة من الأبوين. ثم شرّك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا» (١).
وقضى في الجد بقضايا مختلفة الحال (٢).
وأما كونه ينقض ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً؛ فلأنه حكم لم يصادف شرطه. فوجب نقضه. بيان مخالفة الشرط: أن الشرط الاجتهاد وعدم مخالفة ما ذكر.
ولأنه إذا وجد ذلك فقد فرّط. فوجب نقض حكمه؛ كما لو حكم بشهادة كافرين.
إذا ثبت هذا فظاهر إطلاق المصنف ﵀ هنا أن القاضي المتولي ينقض حكم القاضي قبله سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميين. وفي المغني: إن كان الحق لله؛ كالعتاق والطلاق نقضه؛ لأن له النظر في حقوق الله سبحانه، وإن كان يتعلق بحقوق الآدميين لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه؛ لأن الحاكم لا يستوفي حقاً لمن لا ولاية له عليه من غير مطالبة.
وأما كونه ينقض أحكام من لا يصلح للقضاء إذا لم توافق الصحيح؛ فلأن حكمه غير صحيح، وقضاؤه كلا فضاء؛ لعدم شرط القضاء فيه.
ولأن المانع من نقض حكم الصالح للقضاء نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو مفقود هاهنا؛ لأن الأول ليس باجتهاد بحال.
وأما كونه ينقض أحكامه إذا وافقت الصحيح على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه يحتمل أن لا ينقض أحكامه الصواب منها؛ فلعدم الفائدة في ذلك. وهذا الاحتمال أصح؛ لما ذكر.
ولأن الحق وصل إلى مستحقه. فلم يجز نقض الحكم به؛ كحكم الصالح للقضاء.
стр. 2878
قال: (وإن استعداه أحد على خصم له أحضره. وعنه: لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلاً).
أما كون القاضي يحضر من استعدي عليه قبل علمه بمعاملة جرت لعين المستعدي والمستعدى عليه على المذهب؛ فلأن في تركه تضييعاً للحقوق وإقراراً للظلم؛ لأنه قد يكون للمستعدي على المستعدى عليه حق من غصبٍ أو وديعةٍ أو عاريةٍ أو غير ذلك، ولا يُعلم بينهما معاملة. فإذا لم يُعد عليه سقط حقه.
وأما كونه لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلاً على روايةٍ؛ فلأنه مروي عن علي ﵁.
ولأن في إعداء كل مستعدٍ على مستعدى عليه تبذل أهل المروءات، وإهانة ذوي الهيئات. وربما استعدى شخص على من لا حق له عليه؛ ليفتدي المدعى عليه نفسه من حضوره وشر خصمه.
والأول أصح؛ لأن ضرر فوات الحق أعظم من حضور مجلس الحكم.
قال: (وإن استعداه على القاضي قبله سأله عما يدّعيه فإن قال: لي عليه دَين من معاملةٍ أو رشوةٍ: راسله. فإن اعترفَ بذلك أمره بالخروج منه. وإن أنكر وقال: إنما يريد تبذيلي، فإن عرف أن لما ادعاه أصلاً أحضره وإلا فهل يحضره؟ على روايتين).
أما كون القاضي المتولي يسأل المستعدي على القاضي قبله عما يدّعيه؛ فلأن في بعض الأحوال يلزمه إحضار القاضي قبله وفي بعضها لا يلزمه. فلم يكن بد من السؤال؛ ليتميز الحال من الحال.
وأما كونه يراسله إذا ادعى المستعدي ديناً أو رشوة؛ فلأن الطريق إلى استخلاص حق المستعدي: إما المراسلة أو الإحضار، والإحضار فيه امتهان القاضي وتبذيله، وتطرق أعدائه مع كثرتهم إلى قصد ذلك. وإذا تعذر الإحضار تعين مراسلته؛ لتعينها إلى استخلاص الحق.
ولم يذكر المصنف ﵀ في المغني المراسلة إليه بل قال: إن ذكر -يعني المستعدي- أنه يدعي عليه حقاً من دَين أو غصب أعداه عليه كغير القاضي.
والأول أظهر من حيث الدلائل؛ لأنه لا بد من مزية القاضي على غيره.
стр. 2879
وأما كونه يأمره بالخروج مما ادعى عليه إذا اعترف به؛ فلأن الحق توجه عليه باعترافه.
وأما كونه يحضره إذا أنكر وعَرفَ المتولي أن لما ادعاه المستعدي أصلاً؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى استخلاص حق المستعدي.
وأما كونه إذا لم يعرف لما ادعاه على القاضي قبله أصلاً هل يحضره؟ على روايتين كغير القاضي؛ فلما تقدم من ذكر ذلك وتعليله فيه.
قال: (وإن قال: حكم عليّ بشهادة فاسقين فأنكر فالقول قوله بغير يمين. وإن قال الحاكم المعزول: كنتُ حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحقٍ قبل قوله. ويحتمل أن لا يقبل).
أما كون القول قول القاضي إذا ادُعي عليه أنه حكم بشهادة فاسقين فأنكر فإنه لو لم يقبل قوله في ذلك؛ لتطرق المدعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور، وفي ذلك ضرر عظيم.
وأما كون ذلك بغير يمين؛ فلأن اليمين للتهمة، والقاضي ليس من أهلها.
وأما كون القول قوله إذا قال بعد عزله: كنتُ حكمتُ لفلان على فلان بحقٍّ على المذهب؛ فلأن عزله لا يمنع من قبول قوله. بدليل ما لو كتب كتاباً إلى قاضٍ آخر ثم عزل فإنه يلزم الواصل إليه قبوله بعد عزل صاحبه.
ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم. فوجب قبول قوله؛ كحال الولاية.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل؛ فلأنه في حال ولايته لا يحكم بعلمه فبعد عزله بطريق الأولى.
والأول أولى؛ لما تقدم. وإخباره عن حكمه ليس حكماً بعلمه. بدليل ما لو قال شخص: حكمتَ أن لي حداً على فلان. فذَكَر الحاكم. فإن له أن يحكم به.
قال: (وإن ادُعي على امرأة غير برزة لم يحضرها وأمرها بالتوكيل. وإن وجبت عليها اليمين أرسل إليها من يحلفها).
أما كون القاضي إذا ادعي على امرأةٍ غير بَرْزَة. وهي: التي لا تبرز لقضاء حوائجها: لا يحضرها؛ فلأن في إحضارها مشقة عليها، وحرجاً وضرراً شديداً.
стр. 2880
وقد نبَّهَ الشرع على ذلك حيث قال: «واغدُ يا أنيس إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» (١).
وأما كونه يأمرها بالتوكيل؛ فلأجل فصل الخصومة بينها وبين خصمها.
وأما كونه يرسل إليها من يُحلّفها إذا وجب عليها اليمين؛ فلأن إحضارها غير مشروع، واليمين لا بد منها فتعين ذلك طريقاً لذلك.
قال: (وإن ادعى على غائبٍ عن البلد في موضعٍ لا حاكم فيه كتب إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما. فإن لم يقبلوا قيل للخصم: حقق ما تدعيه. ثم يحضره وإن بعُدت المسافة).
أما كون القاضي يكتب لمن ادعى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما؛ فلأن ذلك طريق إلى قطع الخصومة مع عدم المشقة الحاصلة بالإحضار.
وأما كونه إذا لم يقبلوا يقول للخصم المدعي: حقق ما تدعيه ثم يحضر خصمه قربت المسافة أو بعُدت؛ فلأنه لا بد من فصل الخصومة. فإذا لم يمكن إلا بذلك تعين فعله وإن تضمّن مشقة؛ كما لو امتنع الخصم الحاضر في البلد من الخصومة فإنه يؤدب ويعزر.
فإن قيل: يمكن أن يرسل من يقضي بينهما.
قيل: المشقة الحاصلة بالإرسال أكثر من المشقة الحاصلة بإحضار الخصم. وعلى تقدير التساوي فالخصم أولى بحمل المشقة؛ لأنه المستعدى عليه.
وفي تقييد الموضع بأنه لا حاكم فيه إشعار بأنه إذا كان فيه حاكم لا يفعل ذلك. وهو صحيح؛ لأن فصل الخصومة في بلد الخصم يمكنه. فلم يجز تكلف المشقة مع إمكان الفصل بدونها.
فإن قيل: قد يكون شهوده ببلد القاضي إليه دون بلد الخصم.
قيل: يثبت حقه في موضع شهوده ثم يكتب القاضي كتاباً إلى بلد الخصم.
стр. 2881
باب طريق الحكم وصفته
قال المصنف ﵀: (إذا جلس إليه خصمان فله أن يقول: من المدعي منكما؟ وله أن يسكت حتى يبتدئا. فإن سبق أحدهما بالدعوى قدمه. وإن ادعيا معاً قدم أحدهما بالقرعة. فإذا انقضت حكومته سمع دعوى الآخر ثم يقول للخصم: ما تقول فيما ادعاه؟ . ويحتمل أن لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي: اسأل سؤاله عن ذلك).
أما كون المتحاكم إليه له أن يقول للخصمين: من المدعي منكما؟ ؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة المدعي من المدعى عليه.
وأما كونه له أن يسكت حتى يبتدئَ المبتدئُ منهما؛ فلأن كلامه يستدعي طالباً له ولم يوجد.
وأما كونه يقدّم السابق بالدعوى؛ فلأنه ترجح جانبه بسبقه.
وأما كونه يقدّم أحدهما بالقرعة إذا تداعيا معاً؛ فلأنها مرجحة عند الازدحام. بدليل: الإمامة والأذان.
وأما كونه يسمع دعوى الآخر إذا انقضت حكومة السابق؛ فلأن التزاحم قد زال.
وأما كونه يقول للخصم المدعى عليه: ما تقول فيما ادعاه؟ على المذهب؛ فلأن شاهد الحال يدل عليه؛ لأن إحضار الخصم والدعوى عليه إنما يُرادان ليقول الحاكم للمدعى عليه ذلك.
وأما كونه يحتمل أنه لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي: اسأل سؤاله عن ذلك؛ فلأن الخصم لو أقر لم يملك الحاكم الحكم قبل المطالبة به فكذا السؤال.
стр. 2882
قال: (فإن أقرّ له لم يحكم له حتى يُطالبه المدعي بالحكم. وإن أنكر مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً أو بعته فيقول: ما أقرضني ولا باعني، أو ما يستحقُ عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه، أو لا حق له عليّ: صح الجواب).
أما كون الحاكم لا يحكم على المدعى عليه إذا أقر حتى يُطالبه المدعي بالحكم؛ فلأن الحكم على المدعى عليه حق للمدعي. فلم يجز استيفاؤه إلا بمسألة مستحقه.
وأما كون جواب المدعى عليه صحيحاً إذا أنكر بنفي عين ما ادعاه المدعي، مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً فيقول المدعى عليه: ما أقرضني ذلك ولا شيئاً منه. أو يقول: بعته فيقول: ما باعني. أو ما أشبه ذلك فلا شبهة فيه؛ لنفيه عين ما ادعي عليه.
وأما كونه صحيحاً إذا أنكر بنفي معنى ما ادعاه؛ مثل أن يقول: أقرضته أو بعته فيقول المدعى عليه: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه؛ فلأنه يفيد نفي ما ادعى عليه. أشبه ما تقدم.
فإن قيل: لو قال: لا حق له عليّ.
قيل: يكون جوابه أيضاً صحيحاً؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم. فتصير بمنزلة قوله: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه.
قال: (وللمدعي أن يقول: لي بينة. وإن لم يقل قال الحاكم: ألك بينة؟ . فإن قال: لي بينة أمره بإحضارها، فإذا أحضرها سمعها الحاكم وحكم بها إذا سأله المدعي).
أما كون المدعي له أن يقول: لي بينة؛ فلأن الحق له، والبينة طريق إلى تخليص حقه.
وأما كونه إذا لم يقل ذلك يقول الحاكم له: ألك بينة؟ ؛ فلما روي «أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ حضرمي وكندي. فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبَني على أرضٍ لي. فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليسَ له فيها
стр. 2883
حق. فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه» (١). رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كونه إذا قال: لي بينة يأمره بإحضارها؛ فلأن إحضارها طريق إلى تخليص الحق.
وقال المصنف ﵀ في المغني: إذا ذكر -يعني المدعي- أن له بينة حاضرة لم يقل له الحاكم: أحضرها؛ لأن ذلك حق له فله أن يفعل ما يرى.
وطريق الجمع بين نقله هنا وبين نقله في المغني: أن يحمل أمره بالإحضار على الإذن له فيه؛ لأن حمل الأمر على حقيقته ينافيه. ذكره المصنف ﵀ في المغني، وينافي الدليل أيضاً.
وأما كونه إذا أحضر بينة يسمعها الحاكم؛ فلأن الإحضار من أجل السماع.
فإن قيل: كيف صفة ما يفعل الحاكم حتى يحصل له السماع؟
قيل: إذا حضرت البينة لا يقول الحاكم لها: قولي ما عندك بل يقول: من كانت عنده شهادة فليذكره إن شاء ما عنده.
وأما كون الحاكم يحكم بالبينة إذا سأله المدعي الحكم ببينته؛ فلأن الغرض من الدعوى وحضور البينة وسماعها: الحكم.
قال: (ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان. فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه (٢) شاهد واحد فله الحكم به. نص عليه، وقال القاضي: لا يحكم به).
أما كون الحاكم لا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلس حكمه إذا سمعه معه شاهدان؛ فلأن التهمة الموجودة في الحكم بالعلم منتفية هاهنا.
стр. 2884
وأما كونه له الحكم به إذا لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد على المنصوص عن الإمام أحمد؛ فلأن الحكم إذاً ليس محض حكمٍ بعلم.
وأما كونه لا يحكم به على قول القاضي؛ فلأنه حكم بعلمه، وذلك لا يجوز؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال: (وليس له الحكم بعلمه مما رآه أو سمعه. نص عليه وهو اختيار الأصحاب. وعنه: ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حدٍ أو غيره).
أما كون الحاكم ليس له الحكم بعلمه على المذهب واختيار الأصحاب؛ فلما روي أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر، ولعل بعضكمْ أن يكونَ ألحنَ بحجتهِ من بعض فأقضي له على نحوِ ما أسمعُ منه» (١). فدل على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم. وفي حديث الحضرمي والكندي: «شاهداكَ أو يمينه. ليس لكَ منه إلا ذاك» (٢).
وأما كونه يجوز له ذلك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. قال: خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» (٣). فحكم لها من غير بينة ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها.
وروى ابن عبدالبر في كتابه: أن عروة ومجاهداً رويا «أن رجلاً من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حداً في موضع كذا وكذا. فقال عمر: إني لأعلمُ الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأتني بأبي سفيان. فأتاه به. فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان! خذْ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا. فقال: والله لا أفعل. فقال: والله! لتفعلن. فقال: والله لا أفعل. فعلاه
стр. 2885
بالدرّة وقال: خذه لا أمَّ لك وضعه هاهنا ما علمت قد تم. فأخذ أبو سفيان الحجر فوضعه حيث قال عمر. ثم إن عمر استقبل القبلة وقال: الحمدُ لله. اللهم! لكَ الحمدُ حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام. فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال: اللهم! لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلتَ في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر». فحكم بعلمه.
ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين؛ لأنهما يغلبان على الظن. فلأن يحكم بما تيقنه وتحققه أولى.
وأما كون الحاكم يجوز له الحكم بعلمه سواء كان في حدٍ أو غيره؛ فلأن المصحح للحكم المذكور العلم وهو موجود فيهما.
والرواية الأولى أصح؛ لما تقدم.
وأما حديث هند فلم يحكم لها النبي ﷺ بذلك وإنما أفتاها به بدليل أنه قال ذلك بغير حضور أبي سفيان إذ الحكم على الحاضر في غيبته غير جائز.
وأما حديث عمر فمعارض بما روي عن عمر «أنه تداعى عنده رجلان. فقال أحدهما: أنت شاهدي. فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد» (١).
وأما قياس اليقين على الظن فلا يصح؛ لقيام الفرق بينهما. وهو: أن الحكم بعلمه فيه تهمة. بخلاف الحكم بالشهادة.
قال: (وإن قال المدعي: ما لي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه. فيعلمه أن له اليمين على خصمه. فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله. وإن أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لم يُعتد بيمينه).
أما كون القول فيما ذكر قول المنكر؛ فلأن الأصل براءة ذمته.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال كون المدعي مُحقاً.
وأما كون الحاكم يُعلم المدعي أن له على خصمه اليمين؛ فلأنه موضع حاجة.
стр. 2886
وأما كونه يحلف المدعى عليه إذا سأله المدعي ذلك؛ فلأن اليمين طريق إلى تخليص حقه. فلزم الحاكم إجابة المدعي إليه؛ كسماع البينة.
وأما كونه يخلي سبيله إذا أحلفه؛ فلأنه لم يتوجه عليه حق.
وأما كونه إذا أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لا يُعتد بيمينه؛ فلأنه أتى باليمين في غير موضعها.
قال: (وإن نكل قضى عليه بالنكول. نص عليه واختاره عامة شيوخنا فيقول له: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك ثلاثاً، فإن لم يحلف قضى عليه إذا سأله المدعي ذلك، وعند أبي الخطاب ترد اليمين على المدعي وقال: قد صوّبه أحمد وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ فيقال للناكل: لك رد اليمين على المدعي، فإن ردها حلف المدعي وحكم له. وإن نكل أيضاً صرفهما).
أما كون الحاكم يقضي على المدعي بالنكول؛ فلأن اليمين لا ترد على المدعي؛ لما يأتي. فيتعين القضاء بالنكول؛ لتعينه طريقاً إلى تخليص الحق، ودفعه إلى مستحقه.
ولأن النكول عن اليمين يدل على صدق المدعي؛ لأنه لو كان كاذباً لحلف المدعى عليه على نفي دعواه.
وأما كونه يقول للمدعى عليه: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك ثلاثاً؛ فلأن النكول ضعيف. فوجب اعتضاده بالتكرار.
وأما كونه يقضي على الناكل بشرط سؤال المدعي القضاء على المدعى عليه؛ فلأن القضاء حق للمدعي لا يفعل إلا بسؤاله.
فإن قيل: يشترط في القضاء بالنكول شيء آخر.
قيل: نعم. وذلك أن لا يقال برد اليمين على المدعي وذلك هو المنصوص عن الإمام أحمد. والأصل فيه: أن النبي ﷺ قال: «ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» (١). حصر اليمين في جانب المدعى عليه.
стр. 2887
ولأن النبي ﷺ قال: «البينةُ على المدعِي. واليمين على المدعَى عليه» (١) جعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي.
وقال أبو الخطاب: ترد اليمين عليه؛ لما روى نافع عن ابن عمر «أن النبي ﷺ ردَّ اليمينَ على طالبِ الحق» (٢).
فعلى هذا يقال للناكل: لك رد اليمين؛ لأنه موضع حاجة. أشبه قوله: لك يمينه. فإن ردها حلف المدعي وحكم له بالحق المدعى به؛ لأنه قد استكمل الشروط المعتبرة. وإن نكل أيضاً صرفهما؛ لأنه لم يترجح أحدهما على صاحبه. فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه.
قال: (فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس حتى يحتكما في مجلسٍ آخر. وإن قال المدعي: لي بينة بعد قوله: ما لي بينة لم تسمع. ذكره الخرقي. ويحتمل أن تسمع).
أما كون الحاكم لا يسمع اليمين إذا بُذلت بعد النكول في المجلس المذكور؛ فلأن اليمين فعله وهو قادر عليها فامتناعه منها يجب أن يكون مسقطاً لها.
وأما كونه يسمعها في مجلسٍ آخر؛ فلأن الدعوى فيه تصير محاكمة أخرى.
وأما كونه لا يسمع البينة بعد قوله: ما لي بينة على ما ذكره الخرقي؛ فلأن سماع البينة يحقق كذبه. فيعود الأمر على خلاف المقصود.
وأما كونه يحتمل أن يسمعها؛ فلأنه يحتمل أنه نفى أن تكون له البينة بناء على أنه ما علم ذلك، ولو صرح بذلك سُمعت؛ لما يأتي فكذلك هاهنا.
стр. 2888
قال: (وإن قال: ما أعلم لي بينة. ثم قال: قد علمت لي بينة سُمعت. وإن قال شاهدان: نحن نشهد لك فقال: هذان بينتي سُمعت. وإن قال: ما أريد أن تشهدا لي لم يُكلّف إقامة البينة).
أما كون بينة المدعي تُسمع إذا قال: ما أعلم لي بينة ثم قال: قد علمت لي بينة؛ فلأن إقامته البينة لا يلزم منها كذبه؛ لأن علمه بها مع عدم علمه يتصور صدقه فيهما. بخلاف ما تقدم.
وأما كونها تُسمع إذا قال: ما أعلم لي بينة فقال شاهدان: نحن نشهد بحقك؛ فلأن قول الشاهدين يجعل المدعي عالماً بأن له بينة فيصير بمنزلة ما لو قال: لا أعلم ثم قال: علمت بل أولى؛ لأنه هاهنا لا يُتهم. بخلاف ما إذا قال: ما أعلم ثم قال: علمت.
وأما كون صاحب البينة لا يُكلَّف إقامة بينته إذا قال للشاهدين: ما أريد أن تشهدا لي؛ فلأن إقامتها حقٌ له، والإنسان لا يكلف أن يفعل حقه.
قال: (وإن قال: لي بينة وأريد يمينه: فإن كانت غائبة فله إحلافه. وإن كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين).
أما كون من ذكر له إحلافه مع غيبة البينة؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى استخلاص حقٍّ ودفعه إلى مستحقه.
وأما كونه له ذلك مع حضور البينة على وجه؛ فلأنه أقرب لفصل الخصومة؛ لأن المدعى عليه ربما نكل. فعجّل فصل الخصومة.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن فصل الخصومة لإحضار البينة فلا حاجة إلى اليمين.
قال: (وإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينته حُكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق).
أما كون الحاكم يحكم بالبينة فيما ذكر؛ فلأن حق المدعي ظهر بها.
وأما كون اليمين لا تكون مزيلة للحق؛ فلأن عمر ﵁ قال: «البينةُ الصادقةُ أحبُ إليّ من اليمين الفاجرة». وظاهر البينة المذكورة الصدق فيلزم فجور اليمين المتقدمة فتكون البينة أولى منها.
стр. 2889
ولأن اليمين لو أزالت الحق لاجترأ الفسقة على أخذ أموال الناس.
قال: (وإن سكت المدعى عليه فلم يُقر ولم يُنكر قال له القاضي: إن أجبتَ وإلا جعلتُكَ ناكلاً وقضيتُ عليك. وقيل: يحبسه حتى يجيب).
أما كون القاضي يقول للمدعى عليه: إن أجبتَ وإلا جعلتكَ ناكلاً وقضيتُ عليك على المذهب؛ فلأنه لو نكل لقال له: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك فكذا إذا سكت يقول له: إن أجبتَ وإلا جعلتك ناكلاً وقضيتُ عليك. والجامع بينهما: أن كل واحد من القولين طريق إلى ظهور الحق وقد وجب أحدهما في موضعه فليجب الآخر في موضعه.
وأما كونه يحبسه حتى يجيب على قول؛ فلأن اليمين حقٌ عليه. فإذا امتنع من فعلها وجب حبسه؛ كما لو أقر بمالٍ وامتنع من أدائه.
قال: (فإن قال: لي مخرجٌ مما ادعاه لم يكن مجيباً. وإن قال: لي حسابٌ أريد أن أنظرَ فيه لم يلزم المدعي إنظاره).
أما كون المدعى عليه لا يكون مجيباً إذا قال: لي مخرجٌ مما ادعاه؛ فلأن الإجابة إما بالإقرار أو بالإنكار، ولم يوجد واحد منهما.
ولأنه لو جُعل ما ذكر إجابة لاتخذ المبطلة ذلك القول ذريعة إلى إسقاط اليمين عنهم، وأكل أموال الناس بالباطل.
وأما كون المدعي لا يلزمه إنظار المدعى عليه إذا قال: لي حسابٌ أريد أن أنظرَ فيه؛ فلأن في ذلك تأخيراً لحق الطالب له. فلم يلزم به؛ لما فيه من تأخير حقه.
ولأنه لو لزم الإنظار بذلك لاتخذه الناس وسيلةً إلى تأخير الحق والمدافعة عنه. وفي ذلك ضررٌ شديد.
قال: (وإن قال: قد قضيته أو أبرأني ولي بينة بالقضاء أو بالإبراء وسأل الإنظار أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته. فإن عجز حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق).
أما كون مدعي القضاء أو الإبراء يُنظر ثلاثاً؛ فلأن بينته لا تتكامل في أقل من ذلك ظاهراً.
стр. 2890
وأما كون مدعي الحق له ملازمته؛ فلأن جنبته أقوى منه.
ولأن حقه قد ثبت في الظاهر. ودعوى الإبراء الأصل عدمها (١).
وأما كون المدعي يحلف على نفي ما ادعى عليه من القضاء أو الإبراء إذا عجز المدعى عليه عن إقامة بينته؛ فلأنه مدعىً عليه بذلك، ومن ادُعي عليه بشيء ولا بينة عليه حلف على نفي ما ادعي عليه.
وأما كونه يستحق ما ادعى به بعد ذلك؛ فلأن المدعى عليه أقر بالمدعى به وادعى إسقاطه بالقضاء أو بالإبراء، ولم يظهر واحد منهما. فوجب أن يستحق ما ادعاه عملاً بالمقتضي له السالم عن معارضة القضاء والإبراء.
قال: (فإن ادعى عليه عيناً في يده فأقر بها لغيره جُعل الخصم فيها. وهل يحلف المدعى عليه؟ على وجهين).
أما كون المقر له يُجعل الخصم في العين المدعى بها؛ فلأنه بإقرار صاحب اليد أن العين له وهي محل الخصومة. فتعين أن يكون المقر له الخصم فيها.
وأما كون المدعى عليه يحلف على وجه؛ فلأنه لو أقر لزمه غرامة بدل العين؛ كما لو قال من في يده شيء: هذا لزيد. ثم قال: لعمرو. ومن لزمته الغرامة عند الإقرار لزمته اليمين عند الإنكار.
وأما كونه لا يحلف على وجه؛ فلأن الخصومة انتقلت إلى غيره. فوجب أن ينتقل اليمينُ إلى ذلك الغير.
قال: (فإن كان المقرُ له حاضراً مكلفاً سُئل. فإن ادعاها لنفسه ولم تكن له بينة حلف وأخذها. وإن أقر بها للمدعي سُلمت إليه. وإن قال: ليست لي ولا أعلم لمن هي سُلمت إلى المدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر: لا تُسلم إليه إلا ببينة، ويجعلها الحاكم عند أمين).
أما كون المقر له يُسأل إذا كان حاضراً مكلفاً؛ فلأن الحال تختلف فإذا سُئل تبين المدعي من غيره.
стр. 2891
وأما كونه يحلف إذا ادعى العين لنفسه ولم تكن له بينة؛ فلأنه كالمدعى عليه وقد أنكر فيجب أن يحلف؛ لقوله ﵇: «واليمينُ على من أنكر» (١).
وأما كونه يأخذ العين المقر بها إذا حلف؛ فلأنه ظهر كونها له بإقرار مَن العين في يده واندفعت خصومة المدعي. فوجب الأخذ عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
وأما كون العين تسلم إلى المدعي إذا أقر له بها المقر له؛ فلأن اليد صارت للمقر له بإقرار صاحب اليد فإذا أقر بها المقر له للمدعي وجب تسليمها إليه؛ كما لو ادعى شخصٌ عيناً في يد شخصٍ فأقر بها له.
وأما كونها تسلم إليه إذا قال المقر له: ليست لي ولا أعلم لمن هي في وجه؛ فلأنه يدعيها وغيره لا يدعيها فالظاهر أنها له لسلامتها عن مدع.
ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قُضي بها للمدعي؛ فلأن يقضى بها له مع عدم ادعائه لها أولى.
وأما كونها لا تُسلم إليه إلا ببينة في وجه؛ فلأنه لم يثبت كونه مستحقها.
فعلى هذا يجعلها الحاكم عند أمين؛ لأن ذلك مال ضائع، والأموال الضائعة يحفظها الحاكم عند أمنائه.
قال: (وإن أقر بها لغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى. ثم إن كان للمدعي بينة سُلمت إليه. وهل يحلف؟ على وجهين. وإن لم تكن له بينة حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمها إليه وأقرت في يده؛ إلا أن يقيم بينة أنها لمن سمى فلا يحلف. وإن أقر بها لمجهول قيل له: إما أن تعرّفه أو نجعلك ناكلاً).
أما كون الدعوى تسقط عن المقر المذكور؛ فلأن الدعوى صارت على غيره.
وأما كون العين تسلم إلى المدعي إذا كانت له بينة؛ فلأن جانبه ترجح بالبينة.
وأما كون المدعي يحلف على وجه؛ فلأن الغائب والصبي والمجنون لا يقوم واحد منهم بالحجة فاحتاج إلى اليمين لتتأكد البينة.
стр. 2892
وأما كونه لا يحلف على وجه؛ فلأن البينة وحدها كافية. ولذلك قال رسول الله ﷺ : «البينةُ على المدعِي واليمينُ على من أنكر» (١). فجعل البينة في جانب واليمين في الآخر.
وأما كون المدعى عليه يحلف أن العين لا يلزمه تسليمها إلى المدعي إذا لم يكن للمدعي بينة ولم يقم المدعى عليه بينة أن المدعى به لمن سمى؛ فلأنه لو أقر له لزمه الدفع، ومن لزمه الدفع مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار.
وأما كونه تقر العين في يده؛ فلأن المدعي اندفعت دعواه إما باليمين فيما إذا حلف، أو بالبينة فيما إذا كانت بينة وغيره لا يدعيها. فوجب بقاؤها على ما كان.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف أن إقرار العين في يد المدعى عليه فيما إذا لم يقم بينة أن المدعى به لمن سمى؛ لأنه قال: حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمها إليه وأقرت في يده إلا أن يقيم بينه أنها لمن سمى. جعل الاستثناء بعد ذكر اليمين وإقرار العين، ومع البينة لا يمين فكذا الإقرار.
قيل: ليس مراده ذلك وفي كلامه ما يدل عليه وهو قوله: فلا يحلف؛ لأنه لو أراد ما ذكر لم يكن له حاجة إلى قوله: فلا يحلف.
وأما كونه لا يحلف إذا أقام بينة بما ذكر؛ فلأن البينة أظهرت المستحق فتعين توجه عدم الحلف إليه.
وأما كونه إذا أقر بها لمجهول يقال له: إما أن تعرّفه أو نجعلك ناكلاً؛ فلأن الإقرار بالمجهول لا يصح. فيقال له ذلك ليعرّفه فتعلم صفة الحكم المعتبر شرعاً.
فإن قيل: فما حكمه؟
стр. 2893
قيل: إن أصرّ على قوله قضي عليه بما ادعي عليه؛ لأنه في معنى من ادعي عليه فسكت؛ لأن الجواب إذا لم يكن صحيحاً كان وجوده بمنزلة عدمه.
стр. 2894
فصل [في شروط صحة الدعوى]
قال المصنف ﵀: (ولا تصح الدعوى إلا محرّرة تحريراً يُعلم به المدعي؛ إلا في الوصية والإقرار فإنها تجوز بالمجهول. فإن كان المدعَى عيناً حاضرة عيّنها. وإن كانت غائبة ذكر صفاتها إن كانت تنضبط بها، والأولى ذكر قيمتها. وإن كانت تالفةً من ذواتِ الأمثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها. وإن ذكر قيمتها كان أولى. وإن لم تنضبط بالصفات فلا بد من ذكر قيمتها).
أما كون الدعوى لا تصح إلا محرّرة تحريراً يُعلم به المدعَى إذا كانت في غير الوصية والإقرار؛ فلأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعي عليه. فإذا اعترف به ألزمه فإذا لم تكن الدعوى كذلك لم يكن إلزامه.
وأما كونها تجوز بالمجهول في الوصية والإقرار؛ فلأنهما يصحان بالمجهول، ولذلك لو وصى بشيء أو أقر بشيء صح.
وأما كون المدعي يُعيّن المدعى إذا كان عيناً حاضرة؛ فلأنه تتعين الدعوى فيه وينتفي فيه اللبس.
وأما كونه يذكر صفاتها إذا كانت غائبة وكانت مما تنضبط بها؛ فلأن التعيين لا يمكن والصفات المذكورة تقوم مقامه. فوجب ذكرها؛ ليتميز المدعى به من غيره.
وأما كون الأولى ذكر قيمة العين؛ فلأن ذلك أضبط وأبلغ في تحرير الدعوى.
وأما كونه يذكر قدرها وجنسها وصفتها إذا كانت تالفةً وكانت من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون؛ فلأن التالف يجب مثله إن كان مثلياً. فافتقر إلى ذكر قدره وجنسه وصفته؛ كما يفتقر إلى ذكر ذلك إذا أسلم فيه.
стр. 2895
وأما كونه يذكر (١) قيمتها إذا كانت تالفةً وكانت لا تنضبط بالصفات؛ فلأن الدعوى لا يُعلم بها المدعى إلا بذلك.
قال: (وإن ادعى نكاحاً فلا بد من ذكر المرأة بعينها إن حضرت وإلا ذكر اسمها ونسبها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي مُرشدٍ وشاهدَيْ عدل ورضاها في الصحيح من المذهب. وإن ادعى بيعاً أو عقداً سواه فهل يُشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين).
أما كون من ادعى نكاحاً لا بد له من ذكر المرأة بعينها إن كانت حاضرة؛ فلما تقدم فيما إذا ادعى عيناً حاضرة.
وأما كونه يذكر اسمها ونسبها إن لم تكن حاضرة؛ فلأنها لا تتميز إلا بذلك، ولا طريق إلى معرفتها إلا به.
وأما كونه يذكر شرائط النكاح في الحضور والغيبة في الصحيح من المذهب؛ فلأن الناس اختلفوا فيه فمنهم من اشترط الولي والشهود، ومنهم من لم يشترط. فلم يكن بد من ذكر ذلك حتى يعلم القاضي الحال على ما هي عليه.
وأما كونه لا يذكر ذلك في روايةٍ؛ فلأنه نوع ملك. فلم يُشترط ذكر شرائطه؛ كما لو ادعى بيعاً أو عقداً غيره.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والفرق بين النكاح وبين البيع وغيره من العقود: أن الفروج يحتاط لها. بخلاف غيرها.
وأما كون ذكر شروط البيع أو عقد غيره يُشترط في وجه؛ فلما ذكر في النكاح.
وأما كونه لا يُشترط في وجه؛ فلما بين النكاح وبين ما ذكر من الفرق المتقدم ذكره.
стр. 2896
قال: (وإن ادعت المرأة نكاحاً على رجلٍ وادعت معه نفقةً أو مهراً سُمعت دعواها. وإن لم تدع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين).
أما كون المرأة تُسمع دعواها إذا ادعت مع النكاح نفقةً أو مهراً؛ فلأنها دعوى مشتملة على استحقاق مالٍ. فوجب أن تُسمع؛ كسائر الدعاوي المالية.
وأما كونها تُسمع إذا لم تدع سوى النكاح في وجه هو للقاضي؛ فلأن النكاح يتضمن حقوقاً لها. أشبه ما إذا ادّعت مع النكاح مهراً.
وأما كونها لا تُسمع في وجه؛ فلأن النكاح لا يجوز بذله ولا يستحلف عليه. فلم تسمع الدعوى له بمجرده.
قال: (وإن ادعى قتلَ موروثه ذكر القاتل وأنه انفرد به، أو شارك غيره، وأنه قتله عمداً أو خطأ أو شبه عمد، ويصفه. وإن ادعى الإرث ذكر سببه).
أما كون من ادعى قتل موروثه يذكر ما ذكر؛ فلأن الحال تختلف باختلاف ذلك. فلم يكن بد من ذكره؛ ليرتب الحاكم حكمه عليه.
وأما كون من ادعى الإرث يذكر سببه؛ فلما ذكر قبل.
قال: (وإن ادعى شيئاً محلّى قوّمه بغير جنس حليته. فإن كان محلى بذهب وفضة قوّمه بما شاء منهما للحاجة).
أما كون من ادعى محلّى يقوّمه بغير جنس حليته؛ فلئلا يؤدي إلى الربا.
وأما كونه يقوّمه بما شاء من ذهب وفضة إذا كان محلى بهما؛ فلأن ذلك موضع حاجة إذ الثمينة منحصرة فيهما.
стр. 2897
فصل [في شروط البينة]
قال المصنف ﵀: (وتُعتبر في البينة العدالةُ ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي. وعنه: تقبل شهادةُ كل مسلمٍ لم تظهر منه ريبةٌ. اختارها الخرقي. وإن جُهل إسلامه رُجع إلى قوله. والعمل على الأول).
أما كون العدالة تُعتبر في البينة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. والشهادة نبأ فيجب التثبت في شهادة غير العدل.
وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيهِ ولا محدودٍ في الإسلام» (١).
ولأن دِين الفاسق لا يردعه عن ارتكاب محظورات الدين، ولا تحصل الثقة بخبره.
وأما كونها تُعتبر فيها ظاهراً وباطناً في اختيار من ذكر؛ فلأن العدالة شرط لما تقدم. فيكون العلم بها شرطاً؛ كالإسلام.
وأما كون شهادة من ذكر تقبل في روايةٍ اختارها الخرقي؛ فلأن ظاهر حال المسلم العدالة، ولهذا قال عمر: «المسلمونَ عدولٌ بعضهُم على بعض» (٢).
وروي «أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فشهدَ برؤيةِ الهلال. فقال النبي ﷺ :
стр. 2898
أتشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: نعم. فقال: أتشهد أني رسولُ الله؟ فقال: نعم. فصامَ وأمرَ الناسَ بالصوم» (١).
ولأن العدالة أمرٌ خفيٌ سببها الخوف من الله تعالى، ودليل ذلك: الإسلام. فإذا وجد فليكتفَ به ما لم يقم دليل على خلافه.
فعلى هذه الرواية إن جُهل إسلامه رُجع إلى قوله؛ لأنه إن لم يكن مسلماً صار مسلماً بالاعتراف.
والأول المذهب؛ لما تقدم.
وأما دعوى أن ظاهر حال المسلم العدالة فممنوعة بل الظاهر عكس ذلك.
وأما قول عمر؛ فمعارَضٌ بما روي عنه «أنه أُتي بشاهدين، فقال لهما: لستُ أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما ... الحديث».
وأما الأعرابي؛ فكان صحابياً، والصحابة كلهم عدول.
قال: (وإذا علم الحاكم عدالتهما عمل بعلمه وحكم بشهادتهما؛ إلا أن يرتاب بهما فيفرقهما ويسأل كل واحد كيف تحملت الشهادة ومتى، وفي أيّ موضع. وهل كنت وحدك أو أنت وصاحبك؟ فإن اختلفا لم يقبلهما. وإن اتفقا وعظهُما وخوّفهما، فإن ثبتا حكم بهما إذا سأله المدعي).
أما كون الحاكم يعمل بعلمه في عدالة البينة؛ فلأنه لو لم يكتف بذلك لتسلسل؛ لأن المزكيين يحتاج إلى عدالتهما. فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد إلى مزكيين ثم كل واحد ممن يزكيهما إلى مزكيين إلى ما لا نهاية له.
وأما كونه يحكم بشهادتهما؛ فلأن شروط الحكم قد وجدت.
وأما كونه يفرّق الشاهدين ويسأل كل واحدٍ منهما السؤال المذكور إذا ارتاب فيهما؛ فلأنه يروى عن علي ﵁ «أن سبعة نفر خرجوا ففُقدَ واحدٌ
стр. 2899
منهم فأتت زوجته علياً فدعا الستة فسأل واحداً منهم عنه فأنكر. فقال: الله أكبر فظن الباقون أنه اعترف. فاستدعاهم فاعترفوا. فقال للأول: قد شهدوا عليكَ وأنا قاتلكَ فاعترفَ فقتلهم».
وأما كونه لا يقبل شهادتهما إذا اختلفا؛ فلأن شرط الحكم الإقامة على الشهادة إلى حين الحكم.
وأما كونه يَعِظُهُما ويخوِّفُهما إذا اتفقا؛ فلأن ذلك سبب لتوقفهما بتقدير كونهما شاهدي زور.
وأما كونه يحكم بشهادتهما إذا ثبتا وسأل المدعي الحكم؛ فلأن الشرط ثباتُ الشاهد على شهادته إلى حين الحكم، وطلب المدعي الحكم، وقد وجد ذلك كله.
قال: (وإن جرحهما المشهود عليه كلف البينة بالجرح. فإن سألَ الإنظارَ أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته، فإن لم تقم بينة حكم عليه).
أما كون المشهود عليه يكلف إقامة البينة بالجرح إذا جرح الشاهدين؛ فلأنه ادعى دعوى توجب القدح في البينة وهو متهم فيه. فلم يكن بد من تكليفه ذلك؛ لتحققه صدقه أو كذبه.
وأما كونه يُنظر ثلاثاً حتى يقيم البينة بالجرح إذا سأل الإنظار؛ فلأن تكليفه إقامتها في أقل من ذلك يشق ويضر.
وأما كون المدعي له ملازمة المدعى عليه؛ فلأن حقه قد توجه، والمدعى عليه يَدعي ما يُسقطه، والأصل عدمه.
وأما كون الحاكم يحكم على المدعى عليه إذا لم تقم بينة بالجرح؛ فلأن الحق قد وضح على وجه ولا إشكال فيه.
قال: (ولا يسمع الجرحُ إلا مُفسراً بما يقدح في العدالة إما أن يراه أو يستفيض عنه. وعنه: أنه يكفي أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل).
أما كون الجرح لا يسمع إلا مُفسراً كما ذكر على المذهب؛ فلأن الناس يختلفون كاختلافهم في شارب النبيذ. فوجب أن لا يسمع مجرداً؛ لئلا يُجرح الشاهد بما لا يراه القاضي جَرحاً.
стр. 2900
وأما كونه يكفي فيه أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل على روايةٍ؛ فلأن العدالة تسمع مطلقاً فكذلك الجرح.
والأولة أولى.
والفرق بين الجرح وبين التعديل: أن التعديل يوافق الظاهر، والجرح ينقل عن الظاهر. فلم يكن بد من معرفة الناقل؛ لئلا يعتقد نقله بما ليس بناقل.
قال: (وإن شهد عنده فاسقٌ يعرف حاله قال للمدعي: زدني شهوداً. وإن جهل حاله طلب المدعي بتزكيته، ويكفي في التزكية شاهدان يشهدان أنه عدل رضي، ولا يحتاج أن يقول: عليّ ولي. وإن عدله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى).
أما كون الحاكم يقول للمدعي: زدني شهوداً إذا كان يعرف الحاكم فِسقَ من شهد عنده؛ فلأن ذلك يحصل المقصود مع الستر على الشاهد.
وأما كونه يُطالب المدعي بتزكية شهوده إذا جهلَ حالههم؛ فلأن الحكم بشهادتهم متوقف على تزكيتهم لما تقدم من أن العلم بالعدالة شرط كذلك.
وأما كون التزكية يكفي فيها شاهدان يشهدان أنه عدلٌ رضي من غير حاجة إلى أن يقال: عليّ ولي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]. فإذا شهدا أنه عدل ثبت ذلك بشهادتهما فيدخل في عموم الآية؛ لأنه إذا كان عدلاً لزم أن يكون له وعليه وعلى سائر الناس وفي كل شيء فلا يحتاج إلى ذكره.
وأما كون جرح الاثنين أولى من تعديل الاثنين؛ فلأن الجارح معه زيادة علم خَفيت على المعدل. فوجب تقديمه؛ لأن التعديل يتضمن نفي الريب والمحارم، والجارح يثبت ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
ولأن الجارح يقول: رأيته يفعل كذا والمعدل مستنده أنه لم يره ويمكن صدقهما. والجمع بين قوليهما بأن يكون الجارح رآه يفعل والمعدل لم يره.
إذا علم ذلك فظاهر كلام المصنف ﵀ أن الجرح إنما يقدم عند التساوي وليس كذلك بل لو كثر عدد المعدل فالجرح أولى؛ لما ذكر من الزيادة الحاصلة.
стр. 2901
قال: (وإن سألَ المدعي حبسَ المشهودِ عليه حتى يزكي شهوده فهل يحبَس؟ على وجهين).
أما كون المشهود عليه يحبس فيما ذكر على وجه؛ فلأن جنبة المدعي ظهرت بإقامة البينة.
وأما كونه لا يحبس على وجه؛ فلأن الحبس عذاب والحق لم يثبت. فلم يجز فعله بالنافي له السالم عن معارضة ثبوت الجرح.
قال: (وإن أقام شاهداً وسأل حبسه حتى يقيم الآخر حبسه إن كان في المال. وإن كان في غيره فعلى وجهين).
أما كون من ذكر يحبس في المال؛ فلأن الشاهد وحده مع يمين المدعي كاف في ثبوته، واليمين إنما تتعين عند تعذر شاهدٍ آخر. فلم يحصل التعذر بعد، وفي إطلاق المشهود عليه تضييع لحق من ظهر حقه.
وأما كونه هل يحبس في غيره؟ على وجهين؛ فلأن ذلك في معنى من أقيمت عليه بينة ولم تُزكَّ.
قال: (وإن حاكمَ إليه من لا يعرفُ لسانه تَرجمَ له من يعرفُ لسانه. ولا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إلا قول عدلين. وعنه: يقبل قول واحد).
أما كون من حاكم إليه من ذكر يُترجم له من يعرفُ لسان الخصم؛ فلأنه لا يعرف ما يترتب الحكم عليه إلا بذلك، وفي الحديث: «أن رسول الله ﷺ أمر زيدَ بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود. قال: فكنتُ أكتبُ لهم إذا كتبَ لهم وأقرأُ لهم إذا كتبُوا» (١).
وأما كونه لا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إلا قول عدلين على المذهب؛ فلأن ذلك إثبات شيء يبني الحاكم حكمه عليه. فافتقر إلى ذلك؛ كسائر الحقوق.
стр. 2902
وأما كونه يُقبل في كل واحدٍ من ذلك قولُ واحدٍ على روايةٍ؛ فلما تقدم في حديث زيد.
ولأنه خبر عن شيء فاكتفي فيه بواحد؛ كالرواية.
والأولى أولى؛ لما تقدم.
والرواية تخالف الشهادة فلا يصح قياسها عليها.
قال: (ومن ثبتتْ عدالتُه مرة فهل يحتاج إلى تجديد البحث عن عدالته مرة أخرى؟ على وجهين).
أما كون من ذكر لا يحتاج إلى ذلك على وجه؛ فلأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. فلا يزول حتى يثبت الجرح.
وأما كونه يحتاج إليه على وجه؛ فلأن العيب يحدُث، وقد تتغير حاله فيصير ذلك مانعاً من العلم بالعدالة. فلم يجز له القبول مع فوات الشرط.
стр. 2903
فصل [في الدعوى على الغائب]
قال المصنف ﵀: (وإن ادعى على غائبٍ أو مستترٍ في البلد أو ميتٍ أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها. وهل يحلف المدعي أنه لم يبرئ إليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين. ثم إذا قدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون فهو على حجته).
أما كون الحاكم يسمع بينة المدعي على غائب؛ فلأن عدم سماعها يفضي إلى تأخير الحق مع إمكان استيفائه.
وأما كونه يُحكم بها؛ فلأن السماع من أجل الحكم.
ولأن النبي ﷺ حكم على أبي سفيان في حديث هند ولم يكن حاضراً (١).
وأما كونه يسمع بينة المدعي على مستترٍ في البلد ويحكم بها؛ فلأن حضوره ممتنع. أشبه الغائب.
وأما كونه يسمع بينة المدعي على ميتٍ أو صبي أو مجنون ويحكم بها؛ فلأن كل واحد ممن ذكر عاجز عن الجواب المقصود من الحضور. فوجب أن يلحق بالغائب.
وأما كون المدعي يحلف أنه لم يبرئ من المدعى به ولا من شيء منه على روايةٍ؛ فلأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق من ذكر؛ لأنه لا يعبر واحد منهما عن نفسه، ويجوز أن يكون المدعي قد استوفى ما قامت به البينة أو أبرأه منه. فافتقر الحال إلى اليمين؛ ليندفع ذلك الجواز.
وأما كونه لا يحلف على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ جعل البينة على المدعى عليه (٢).
стр. 2904
ولأنه أقام بينة بحقه. فلم يستحلف؛ كما لو أقامها على حاضرٍ مكلف.
وأما كون المحكوم عليه على حجته إذا زال المعارض فإنه لو كان حاضراً لكان على حجته. فإذا زال المعارض عمن ذكر أشبه الحاضر المكلف.
قال: (وإن كان الخصم في البلد غائباً عن المجلس لم تُسمع البينة حتى يحضر. فإن امتنع من الحضور سُمعت البينة وحُكم بها في إحدى الروايتين، وفي الأخرى لا تُسمع حتى يحضر. فإن أبى بُعث إلى صاحب الشرطة ليحضره. فإن تكرر منه الاستتار أُقعد على بابه من يضيّق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر).
أما كون الحاكم لا يسمع بينة المدعي على حاضرٍ قبل حضوره؛ فلأن حضوره ممكن. فلم يجز الحكم عليه مع حضوره، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لا تقض للأول حتى تسمع كلام الثاني» «١).
وأما كونه تُسمع بينة المدعي على حاضرٍ يمتنع من الحضور في روايةٍ؛ فلأنه إذا سمعت البينة على غائب وحكم بها. فلأن تسمع على الحاضر الممتنع بطريق الأولى.
ولأن (٢) الحاضر الممتنع لا عذر له، وفي الحديث أن أبا موسى قال: «كانَ الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله ﷺ فاتعد الموعد فوفى أحدهما ولم يفِ الآخر قضَى للذي وفى منهما».
وأما كونه لا تسمع بينته عليه في روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «لا تقض للأول حتى تسمعَ كلامَ الثاني» (٣).
فعلى هذا يبعث من يحضره فإن لم يحضر معه بعث إلى صاحب الشرطة ليحضره. فإن استتر أَقعد على بابه من يضيّق عليه.
стр. 2905
قال: (وإن ادعى أن أباه مات عنه وعن أخٍ له غائب وله مال في يد فلان أو دينٌ عليه فأقر المدعى عليه أو ثبتت ببينة سُلم إلى المدعي نصيبه، وأخذ الحاكم نصيب الغائب فحفظه له. ويحتمل أنه إذا كان المال دَيناً أن يُترك نصيب الغائب في ذمة الغريم حتى يقدُم).
أما كون نصيب المدعي يُسلم إليه؛ فلأن حقه ثبت، وذلك يوجب تسليم نصيبه إليه.
وأما كون الحاكم يأخذ نصيب الغائب؛ فلأنه ثبت حقه. فتعين أخذه؛ ليحفظه له.
وأما كونه يحتمل أن يترك نصيبه إذا كان المال ديناً؛ فلأن أخذه يعرضه للتلف، وفي ذلك تفويتٌ لحقه بالكلية. فلم يجز؛ كما لو تيقن تلفه بأخذه.
قال: (وإن ادعى إنسان أن الحاكمَ حكمَ له بحقٍ فصدقه قُبل قول الحاكم وحده. وإن لم يذكر الحاكم ذلك فشهد عدلان أنه حكم له به: قُبل شهادتهما وأمضى القضاء. وكذلك إن شهدا أن فلاناً وفلاناً شهدا عندكَ بكذا قُبل شهادتهما).
أما كون الحاكم يقبل قوله وحده إذا صدق المدعي في دعواه؛ فلأنه قولٌ صدر من حاكم في حال ولايته. فوجب قبول قوله؛ كما لو أقرّ خصمه في مجلس الحكم فسأل المدعي الحاكم عن إقراره فقال: نعم.
فإن قيل: أليس قد قيل: لا يحكم الحاكم بعلمه؟
قيل: ليس هذا حكم بالعلم بل إمضاء لحكمه السابق.
وأما كونه يقبل شهادة العدلين أنه حكم للمدعي بدعواه ويمضي القضاء؛ فلأن العدلين لو شهدا عنده بحكم غيره قبل شهادتهما وأمضى القضاء فكذا إذا شهدا عنده بحكمه؛ لأنهما شهدا بحكم حاكم.
فإن قيل: لو نسي الشاهد شهادته فشهد عنده عدلان أنه شهد لم يكن له أن يشهد. فما الفرق؟
قيل: الفرق بينهما أن الحاكم يُمضي ما حكم به إذا ثبت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته.
стр. 2906
وأما كونه يقبل شهادة من شهد عنده أن فلاناً وفلاناً شهدا عندك بكذا وكذا؛ فلأنه في معنى قبول شهادتهما عنده أنه حكم.
قال: (وإن لم يشهد به أحدٌ لكن وجده في قمطره في صحيفة تحت ختمه بخطه فهل ينفذُه؟ على روايتين).
أما كون الحاكم ينفذُ ذلك على روايةٍ؛ فلأنه متى كان كذلك لم يكن إلا صحيحاً.
وأما كونه لا ينفذُ على روايةٍ؛ فلأنه يحتمل أن يزور على خطه وعلى ختمه، ويشتبه عليه ذلك.
قال: (وكذلك الشاهد إذا رأى خطه في كتاب بشهادة ولم يذكرها فهل له أن يشهد بها؟ على روايتين).
أما كون الشاهد له أن يشهد بذلك على روايةٍ كما أن للحاكم أن يحكم به على روايةٍ؛ فلأن الشاهد هنا بمنزلة الحاكم إذا رأى خطه تحت ختمه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلما ذكر في الحاكم من الاشتباه عليه.
стр. 2907
فصل [فيمن قدر على أخذ حقه]
قال المصنف ﵀: (ومن كان له على إنسانٍ حقٌ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على مال لم يجز أن يأخذ قدر حقه نص عليه، واختاره عامة شيوخنا. وذهب بعضهم من المحدثين إلى جواز ذلك، فإن قدرَ على جنس حقه أخذ بقدره، وإلا قوّمه وأخذ بقدره متحرياً للعدل في ذلك لحديث هند: «خُذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» (١)، ولقوله ﵇: «الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ» (٢».
أما كون من ذكر إذا قدر على ما ذكر لا يجوز له أن يأخذ قدر حقه على المنصوص واختيار عامة الأصحاب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «أدّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخنْ من خَانك» (٣). والآخذ بقدر حقه من مال غيره بغير إذنه خائن له فيدخل في الحديث.
ولأن النبي ﷺ قال: «لا يحل مالُ امرئ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» (٤). والمأخوذ على هذا الوجه ليس كذلك؛ لأن المأخوذ على هذا الوجه إن كان من جنس الحق فتعيينه بغير رضى صاحبه لا يجوز. ضرورة أن التعيين إليه، وإن كان من غير جنسه كان معاوضة، والمعاوضة بغير رضى مالك العوض لا تجوز.
стр. 2908
وأما كونه يجوز له على قول بعض الأصحاب؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من حديث هند، وحديث الرهن.
فعلى هذا يجب أن يتحرّى الآخذ العدل. فإن كان المأخوذ من جنس الحق لا يزيد على ذلك، وإن كان من غير جنسه لا يزيد على حقه؛ لأن الزائد على ذلك لا مقابل له.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما حديث هند فقد أشار الإمام أحمد إلى الفرق وهو أن حق الزوجة واجبٌ في كل وقت والمحاكمة في كل لحظة تشق. بخلاف من له دينٌ. وفرّق أبو بكر من أصحابنا بفرقٍ آخر وهو أن قيام الزوجية كقيام البينة.
ولأن المرأة لها من التبسط في ماله بحكم العادة ما يؤثر في أخذ الحق وبذل اليد فيه. بخلاف الأجنبي.
قال: (وحكمُ الحاكمِ لا يُزيل الشيء عن صفته في الباطن. وذكر ابن أبي موسى عنه روايةً: أنه يُزيل العقودَ والفسوخ).
أما كون حكمُ الحاكم لا يُزيل الشيء عن صفته في الباطن في غير العقود والفسوخ مثل: أن يشهد شاهدا زورٍ أن لفلان على آخر مائة فيحكُم الحاكم بذلك بناء على ما ظهر له من عدالتهما وما أشبهه بلا خلاف في المذهب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه. فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيهِ فكأنما أقطعُ له قطعةً من النار» (١). متفق عليه.
وأما كونه لا يُزيل في الباطن في العقود والفسوخ؛ مثل: أن يدّعي شخص نكاحاً أو بيعاً ويقيم شاهدَي زورٍ بذلك فيحكُم له الحاكم به ظناً منه أنهما عدلان، أو تدعي امرأة طلاقاً أو فسخ نكاح وتقيم بذلك شاهدي زورٍ فيحكُم
стр. 2909
الحاكم بذلك وما أشبهه على المذهب؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه» (١).
وأما كونه يُزيله على روايةٍ؛ فلما روي عن علي ﵁ «أن رجلاً ادعى على امرأةٍ نكاحًا فرُفعا إلى علي. فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية. فقالت: والله ما تزوجني يا أميرَ المؤمنين. اعقِد بيننا عقدًا حتى أحل له. فقال: شاهداكِ زوَّجاك».
فعلى هذا يحل لمدعي النكاح وطء المرأة المشهود عليها للحديث، ولمدعي البيع التصرف في العين المبيعة، ولمن علم كذبَ شهود الطلاق أن يتزوج بالمرأة؛ لأنه في معنى ما تقدم ذكره.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وحديث علي لا حجة فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه.
стр. 2910
باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي
الأصل في كتاب القاضي إلى القاضي كالأصل في كتاب الأمير إلى الأمير. والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريمٌ? إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٠].
وأما السنة؛ فهو «أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف» (١).
وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي والأمير إلى مثليهما.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى قبوله. فإن من له حق في بلد غيره لا يمكنه إثباته ومطالبته إلا بكتاب القاضي وذلك يقتضي وجوب قبوله.
قال المصنف ﵀: (يُقبل كتابُ القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد به المال؛ كالقرض والغصب والبيع والإجارة والرهن والصلح والوصية له والجناية الموجبة للمال. ولا يقبل في حدٍّ لله تعالى. وهل يقبل فيما عدا ذلك مثل: القصاص والنكاح والطلاق والخلع والعتق والنسب والكتابة والتوكيل والوصية إليه؟ على روايتين).
أما كون كتاب القاضي إلى القاضي يقبل في المال وما قصد منه المال؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الشهادة، وهي في المال وما قصد منه المال مقبولة فكذلك يجب أن تكون مقبولة فيما هو في معناها.
وأما كونه لا يقبل في كل حدٍّ لله تعالى؛ فلأن الحد لله تعالى مبني على الستر، والدرأ بالشبهات، والإسقاط بالرجوع فيها.