← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

فإن قيل: وقول الشاهدين: ولدته في ملكه لا يوجب كونه مملوكاً؛ لجواز أن يكون قد قيل له عن الأمة المذكورة أنها حرة فتزوجها ثم ولدت له ولداً ثم تبين أنها أمة فإن الولد يكون حراً، ويصح أن يقال: ابن أمة؛ فلأنها (١) ولدته في ملكه. قيل: الغرور نادر، والنادر لا يعتدّ به. بخلاف ما تقدم ذكره. وأما كون من شهد أنه اشترى الأمة من فلان أو وقفها أو أعتقها لا يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه؛ فلأنه لا بد من كون البائع والواقف والمعتق مالكاً؛ لأنه قد يبيع الإنسان ما لا يملك وقد يقفه وقد يعتقه. ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهي في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع شيئاً من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضرة شاهدين، ثم ينتزعه المشتري من يد صاحبه، ثم يقتسماه، وفي ذلك ضررٌ عظيم لا يرد الشرع بمثله. وأما كون من شهدا أن هذا الغزل من قطنه والطير من بيضته والدقيق من حنطته يحكم له بها؛ فلأن الغزل والدقيق عين ماله، والطير حادث من عين ماله. قال: (وإذا مات رجل وادعى آخرُ أنه وارثه وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه سُلِّم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا. وإن قالا: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها). أما كون من ادعى ما ذكر وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلم المال إليه؛ فلأن بذلك يظهر استحقاق المشهود له وعدم استحقاق غيره، والعلم لا يمكن الاطلاع عليه. فوجب الاكتفاء بالظاهر؛ لقوله ﵇: «أنا أقضي بالظاهر» (٢).

стр. 2977

وأما كون ذلك كذلك سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا؛ فلأن قول البينة يعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم وارث غير من شهد له. وقال المصنف ﵀ في المغني: ويحتمل أن لا يقبل من غير أهل الخبرة الباطنة؛ لأن عدم علمهم بوارث ليس بدليل على عدمه. بخلاف أهل الخبرة. وأما كونه يحتمل أن يسلم المال إليه إذا قال الشاهدان: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد؛ فبالقياس على ما ذكر قبل. وأما كونه يحتمل أن لا يسلم المال إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها؛ فلأنه قبل الكشف عن ذلك لا يحصل الظن بنفي غير المشهود له؛ لأنه لا يلزم من عدم علمهما بوارث في البلد المذكور عدم علمهما بوارث، فلا يحصل الظهور الحاصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه. وهذا أولى؛ لما ذكر من أنه لا يحصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه في هذا البلد كحصوله في قولها: لا نعلم له وارثاً سواه، وذلك يوجب قيام الفرق بينهما فلا يصح القياس معه. قال: (وتجوز شهادة المستخفي. ومن سمع رجلاً يُقر بحقٍ أو يشهد شاهداً بحقٍ، أو سمع الحاكم يحكم أو يشهد على حكمه وإنفاذه في إحدى الروايتين، ولا يجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك). أما كون شهادة المستخفي وهو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره يجوز في إحدى الروايتين والمراد قبول شهادته؛ فلأنه شهد بما سمع، وذلك هو المعتبر في صحة التحمل. ولأن حاجة صاحب الحق قد تدعو إلى ذلك؛ مثل: أن يكون خصمه يقر سراً ويجحد جهراً. فلو لم تقبل شهادة المستخفي؛ لأدّى الحال إلى بطلان حق صاحبه في هذه الصورة المذكورة.

стр. 2978

وأما كونها لا تجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تجسّسوا﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «من حَدَّثَ بحديثٍ ثم التَفَتَ فهي أمانَة» (١). يعني أنه لا يجوز لسامعه أن يذكره عنه؛ لالتفاته وحذره. والأول أصح؛ لما تقدم. والآية والخبر يحملان على غير ما ذكر؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة. وأما كون شهادة من سمع رجلاً يُقرُ بحق، أو يشهد شاهداً بحق، أو سمع الحاكم يحكم، أو يشهد على حكمه وإنفاذه يجوز في أحد الروايتين؛ فلأن المعتمد عليه السماع وهو موجود. ولأن قول المقر للشاهد: اشهد عليّ لو اعتبر لكان عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: إنه لم يشهدكما، ولسأل الذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر: هل أشهدكما، ولسأل عثمان الذين شهدوا على الوليد بن عقبة عن ذلك، ولسأل الذين شهدوا على السارق عن ذلك. ولم ينقل شيء من ذلك. وأما كونها لا تجوز في صورة من الصور المتقدمة حتى يقول المشهود عليه للشاهد: اشهد عليّ في الأخرى؛ فلأنها شهادة عليه. فلم تجز قبل ذلك؛ كشهادة الشاهد على شهادة آخر.

стр. 2979

فصل [في اختلاف الشاهدين] قال المصنف ﵀: (وإذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر، وشهد آخر أنه غصبه ثوباً أبيض، أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم، وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة. وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة). أما كون البينة لا تكمل إذا اختلف الشاهدان في صفة المشهود له؛ فلأن أحد الثوبين غير الآخر؛ لأن الموصوف بكونه أحمر غير الموصوف بكونه أبيض فإذا كان كذلك لم يكن على العين الواحدة شاهدان. فلم تكمل البينة على واحدٍ منهما. وأما كونها لا تكمل إذا اختلفا في الوقت في مسألة الغصب وفي كل شهادة على الفعل؛ فلأن أحد الفعلين غير الآخر؛ لأن الفعل الواقع في يوم غير الفعل الواقع في يومٍ آخر، وإذا كان كذلك لم يتوارد قول الشاهدين على فعل واحد، وذلك يوجب عدم كمال البينة؛ لما تقدم. قال: (وإن شهد أحدهما أنه أقرّ له بألفٍ أمس وشهد آخر أنه أقرّ له بألفٍ اليوم، أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس وشهد آخر أنه باعه إياها اليوم: كملت البينة، وثبت البيع والإقرار). أما كون البينة في مسألة الإقرار تكمل؛ فلأنه وإن كانا إقرارين فهما إقرار بشيء واحد. ولهذا لو شهدت بينة على إقرار زيد بمائة ثم شهدت بينة أخرى على إقراره بمائة حملت الثانية على الأولى ولم يلزمه سوى مائة. ولأن المشهود عليه قد لا يمكنه أن يجمع الشهود ليقر عندهم دفعة واحدة. فاشتراط ذلك فيه مشقة عظيمة وذلك منتفٍ شرعاً.

стр. 2980

وأما كونها تكمل به في مسألة البيع؛ فلأن المشهود به شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحداً، واختلاف الشهود في الوقت ليس اختلافاً فيه. فلم يؤثر اختلافهما؛ كما لو شهد أحدهم بالعربية والآخر بالفارسية. وأما كون كل واحدٍ من الإقرار والبيع يثبت؛ فلأن البينة كملت بكل واحدٍ منهما، وكمال البينة بالشيء يوجب ثبوته. قال: (وكذلك كل شهادة على القول؛ إلا النكاح إذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة، وكذلك القذف. وقال أبو بكر: يثبت القذف). أما كون كل شهادة على القول غير النكاح والقذف؛ كمسألتي الإقرار والبيع المتقدم ذكرهما في أن اختلاف الشاهدين في الوقت لا يؤثر؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الإقرار والبيع. وقد تقدم أن الاختلاف في الوقت لا يؤثر فكذلك يجب أن لا يؤثر فيما هو في معناه. وأما كون النكاح ليس ككل شهادة على القول؛ فلأن اختلاف الشهود في الوقت يمنع من كمال البينة عليه ومن ثبوته: أما كونه يمنع من كمالها؛ فلأن البينة الكاملة تثبت موجبها كما تقدم، والبينة المذكورة لا تثبت موجبها؛ لما يأتي ذكره. وأما كونه يمنع من ثبوته؛ فلأن من شرط صحته حضور الشاهدين له فإذا اختلفا في الوقت لم يتحقق حصول الشرط. فلم يثبت المشروط مع عدم تحقق شرطه. وأما كون القذف كالنكاح على قول غير أبي بكر؛ فلأن موجب القذف حد، والحد يدرأ بالشبهة، وفي اختلاف الشهود شبهة. وأما كون القذف يثبت بذلك على قول أبي بكر؛ فلأن الشهادة على ذلك على قول ليس بنكاح. أشبه الإقرار والبيع وسائر الأقوال. قال: (وإن شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين ثبت ألف، ويحلف على الآخر مع شاهده إن أحب). أما كون ألف تثبت؛ فلأنه شهد به شاهدان.

стр. 2981

وأما كون الألف الآخر يحلف على المشهود له مع شاهده إن أحب؛ فلأن المال يثبت بالشاهد واليمين. وما ذكر مشعر بأمرين: أحدهما: أن الألف الآخر لا يثبت بما تقدم من الشهادة. وهو صحيح؛ لأنه لم يشهد به شاهدان. وثانيهما: أنه يثبت إذا حلف المشهود له. وهو صحيح؛ لما ذكر من أن المال يثبت بالشاهد واليمين. قال: (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً وشهد آخر أن له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف؟ على وجهين. وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً من قرض وشهد آخر أن له عليه ألفاً من ثمن مبيع لم تكمل البينة). أما كون البينة تكمل إذا كانت الشهادة مطلقة غير مُسْنِدة للمشهود به إلى سبب على وجه؛ فبالقياس على ما إذا كانت البينة على الإقرار. وأما كونها لا تكمل على وجه؛ فلأن البينة على الإقرار يحمل فيها الإقرار الثاني على الأول. بخلاف البينة على غيره. فعلى الأول تثبت الألف ويحلف على الألف الآخر إن أحب. وعلى الثاني لا يثبت شيء من ذلك. وأما كون البينة لا تكمل إذا كانت الشهادة مُسنِدة للمشهود به إلى سبب كالقرض والبيع؛ فلأن أحد الألفين لا يمكن أن يكون الألف الآخر. قال: (وإن شهد شاهدان أن له عليه ألفاً وقال أحدهما: قضاه نصفه بطلت شهادته نص عليه. وإن شهدا أنه أقرضه ألفاً ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادته). أما كون الشهادة في المسألة الأولى تبطل؛ فلأنه لا يجوز أن يشهد الشاهد بألف ويعلم أنه قد قبض منه بعضه. فإذا قال ذلك علم أنه قد كذب في شهادته، وذلك يوجب بطلانها. وأما كونها في المسألة الثانية تصح؛ فلأن الوفاء لا ينافي القرض.

стр. 2982

قال: (وإذا كانت له بينة بألف فقال: أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز، وعند أبي الخطاب يجوز). أما كون الشهادة بما ذكر لا يجوز على المذهب؛ فلأن في ذلك تلبيساً، وذلك غير لائقٍ بحال الشاهد. وأما كونها تجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه لو أبرأه من خمسمائة جاز أن يشهد له بالباقي فكذلك هاهنا. ولأن المطلوب من الشاهد بعض حق المشهود له؛ لأن خمسمائة بعض الألف، ومالك الشيء مالك لبعضه.

стр. 2983

باب شروط من تقبل شهادته قال المصنف ﵀: (وهي ستة: أحدها: البلوغ. فلا تقبل شهادة الصبيان. وعنه: تُقبل ممن هو في حال أهل العدالة. وعنه: لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها). أما كون شروط من تُقبل شهادته ستة؛ فلأنها البلوغ، والعقل، والكلام، والإسلام، والضبط، والعدالة. وسيأتي ذكرها وذكر دلائلها بعد إن شاء الله تعالى. وأما كون أحدها: البلوغ؛ فلأن غير البالغ كالصبي لا تُقبل شهادته؛ لما يأتي. وأما كون شهادة الصبيان لا تُقبل على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، ، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والصبي ممن لا يُرضى به. وقال: ﴿ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣]. والصبي لا يأثم. ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه. فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى. وأما كونها تُقبل ممن هو في حال العدالة على روايةٍ؛ فلأنه يمكنه ضبط ما يشهد به. فقبلت شهادته؛ كالبالغ. قال ابن حامد على هذه الرواية: تُقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص؛ كالعبيد. وأما كونها لا تُقبل إلا في الجراح خاصة؛ فلأنه يروى عن مسروق قال: «كنا عند علي فجاءه خمس غلمة. فقالوا: كنا ست غلمةٍ نتغاط فغرق منا غلام،

стр. 2984

فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرَّقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرَّقوه، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وعلى الثلاثة خمسيها» (١). وقضى بنحو هذا مسروق. قال: (الثاني: العقل. فلا تُقبل شهادة معتوهٍ ولا مجنونٍ إلا من يخنق في الأحيان إذا شهد في إفاقته). أما كون الثاني من شروط من تقبل شهادته: العقل؛ فلأن من لا عقل له لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها؛ لأنه لا يعقل ذلك إلا بضبط الشهادة. وأما كون شهادة المعتوه لا تقبل؛ فلأنه لا عقل له. وأما كون شهادة مجنون مطبق لا تقبل؛ فلأنه لا عقل له. وأما كون من يخنق في الأحيان تقبل شهادته إذا شهد في إفاقته؛ فلأن المصحح لشهادة من لم يجن أصلاً موجود فيمن ذكر. فوجب إلحاقه به. واشترط المصنف ﵀ في ذلك: أن يشهد في إفاقته؛ ليخرج من شهد في جنونه. ولا بد فيه أيضا أن يكون تحمل في وقت إفاقته؛ لأنه تحمله في جنونه لا يصح؛ لأنه لا يمكنه الضبط. قال: (الثالث: الكلام. فلا تُقبل شهادة الأخرس. ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته). أما كون الثالث من شروط من تقبل شهادته: الكلام؛ فلأنه يلي الثاني. وأما كون الكلام من شروط ذلك؛ فلأن الشهادة يُعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام. وأما كون شهادة الأخرس لا تقبل؛ فلأن شرط القبول الكلام ولم يوجد.

стр. 2985

ولأن الإشارة لو اكتفي بها معه الخرس لوجب أن يكتفى بها مع النطق؛ لأنها إن كانت محصّلة للمطلوب شرعاً فهي موجودة فيهما، وإشارة الناطق لا يحكم بها وفاقاً فكذلك إشارة الأخرس. فإن قيل: قد اكتفي بإشارته في وصيته وطلاقه وإقراره وسائر أحكامه فكذلك يجب أن يكون هاهنا. قيل: إنما اكتفي بذلك للضرورة، ولا ضرر بذلك في قبول شهادته. فإن قيل: في الحديث «عن النبي ﷺ أنه صلى جالساً فصلى من خلفهُ قياماً فأشارَ إليهم أن اجْلِسُوا» (١)، ولو لم تكن الإشارة كافيةً لما كان الأمر كذلك؟ . قيل: الشهادة تفارق ما ذكر بدليل: أن الإشارة اكتُفي بها من النبي ﷺ مع كونه ناطقاً، ولو تعدى ذلك إلى الشهادة لاكتفى بالإشارة من الناطق وذلك منتفٍ إجماعاً. وأما كونها يحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته؛ فلأن اليقين حاصل في التحمل، وإشارة المؤدي العاجز عن النطق؛ كنطقه. دليله: الأحكام المتقدم ذكرها. وفارق ما طريقه السماع من حيث إن الأخرس غالباً يكون أصم فيقع الخلل في التحمل. والأول أولى؛ لأن الكلام شرط في القبول ولم يوجد. قال: (الرابع: الإسلام. فلا تُقبل شهادة كافر إلا أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم، ويحلفهم الحاكم بعد العصر: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، وأنها لوصية الرجل، فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران من أولياء الموصي فحلفا بالله لشهادتُنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم. وعنه: أن شهادة بعض أهل الذمّة تقبل على البعض. والأوّل المذهب). أما كون الرابع من شروط من تقبل شهادته: الإسلام؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل

стр. 2986

منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ومن فقد الإسلام فليس من رجالنا، ولا منّا، ولا ممن نرضاه. وأما كون شهادة الكافر بغير الوصية في السفر لا تُقبل؛ فلأن شرطها الإسلام ولم يوجد. وأما كون شهادته بالوصية في السفر بالشروط التي ذكرها المصنف تقبل ويحلفه الحاكم على الوجه المتقدم ذكره؛ فلأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبةُ الموت﴾ [المائدة: ١٠٦]. ولأن النبي ﷺ وأصحابه قضوا بذلك. فروى ابن عباس قال: «خرجَ رجلٌ من بني سهمٍ مع تميمٍ الداري وعدي بن زيد، فماتَ السهمي بأرضٍ ليس بها مسلمٍ، فلما قدما بتركته فقدوا جامَ فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهب. فأحلفهما رسولُ الله ﷺ . ثم وجدوا الجامَ بمكة. فقالوا: اشتريناهُ من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتُنا أحق من شهادتهما وإن الجامَ لصاحبهم. فنزلت فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموت ... الآية﴾ [المائدة: ١٠٦]» (١). وعن الشعبي «أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقُوقاء (٢) ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته. فأشهد رجلين من أهل الكتاب. فقدما الكوفة. فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته. فقال الأشعري: هذا أمرٌ (٣) لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ . فأحلفهما بعد العصر ما

стр. 2987

خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيّرا، وأنها لوصية الرجل وتركته. وأمضى شهادتهما» (١). رواهم أبو داود. وأما كون شهادة بعض أهل الذمة تُقبل على البعض على روايةٍ؛ فلما روى جابر «أن رسولَ الله ﷺ أجازَ شهادةَ [أهلِ الكتابِ]، بعضِهم على بعض» (٢). رواه ابن ماجة. فجازت شهادة بعضهم على بعض؛ كالمسلمين. والأول المذهب؛ لما تقدم من النصوص. ولأن من لا تقبل شهادته على غير أهل دينه لا تقبل على أهل دينه؛ كالحربي. وأما الخبر المذكور فيرويه مجالد وهو ضعيف. وإن ثبت فيحتمل أنه أراد اليمين؛ لأنها تسمى شهادة، قال الله تعالى في اللعان: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ بالله﴾ [النور: ٦]. وأما الولاية فهي متعلقة بالقرابة وقرابتهم ثابتة، وجازت لموضع الحاجة فإن غيرهم من المسلمين لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك؛ لكثرته، والشهادة ممكنة من المسلمين، ويؤيد ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُقبلُ شهادةُ أهل دين إلا المسلمين فإنهم عدولٌ على أنفسهم وعلى غيرهم» (٣). قال: (الخامس: أن يكون ممن يحفظ. فلا تُقبل شهادة مغفل، ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان). أما كون الخامس من شروط من تقبل شهادة: أن يكون ممن يحفظ؛ فلأنه يلي الرابع. وأما كون ذلك من شروط ذلك؛ فلأن من لا يحفظ لا يدري ما يشهد حين الأداء، وذلك يخل بمقصود الشهادة.

стр. 2988

ولأن من لا يحفظ لا تحصل الثقة بقوله، ولا يغلب على الظن صدقه. وأما كون شهادة المغفل لا تُقبل؛ فلأنه لا يحفظ. وأما كون شهادة معروفٍ بكثرة الغلط والنسيان لا تُقبل؛ فلأن الثقة لا تحصل بقوله؛ لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيه ونسي. ولأنه ربما شهد على غير من استشهد عليه، أو بغير ما شهد به، أو لغير من أشهده.

стр. 2989

فصل [في العدالة] قال المصنف ﵀: (السادس: العدالة. وهي: استواءُ أحواله في دينه واعتدالُ أقواله وأفعاله. وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبةٌ. ويعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين. وهو: أداء الفرائض، واجتنابُ المحارم. وهو: أن لا يرتكبَ كبيرة، ولا يُدمن على صغيرة. وقيل: أن لا يظهر منه إلا الخير). أما كون السادس من شروط من تقبل شهادته: العدالة؛ فلأنه يلي الخامس. وأما كون العدالة من شروط ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. فتثبتوا. ولأن غير العدل لا يُؤمن منه أن يتحامل على غيره فيشهد عليه بغير حق. وأما كون العدالة كما ذكر؛ فلما تقدم من تفسيرها. والخلاف فيها في قول المصنف ﵀: ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً وباطناً في الفصل الثاني من باب طريق الحكم وصفته (١). فلا حاجة إلى إعادة ذلك فيها. وأما كونها يعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين والمروءة؛ فلأن من لا صلاح له في الدين ولا مروءة له لا يُؤمن أن يشهد على غيره بالزور. وأما كون أحد الشيئين الصلاحُ في الدين؛ فظاهر. وأما كون الصلاحُ في الدين أداء الفرائض واجتناب المحارم؛ فلأن (٢) لأنه يؤدي أن لا تقبل شهادة أحد؛ لأنه لا يخلو أحد من ذنب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم﴾ [النجم: ٣٢]. مدحهم لاجتنابهم ما ذكر، وإن كان قد وجد منهم صغيرة.

стр. 2990

وقال ﷺ : «إن تَغْفِرِ اللهم تغْفِرْ جَمّا، وأيُّ عبدٍ لكَ ما ألَمّا» (١). وإنما اعتبر فيمن تقبل شهادته أن لا يرتكب كبيرة؛ لأن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف وهي كبيرة. فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة. وإنما اعتبر فيه أن لا يُدمن على صغيرة؛ لأن من لم يرتكب الكبيرة وأدمن على الصغيرة لا يُعدّ مجتنباً للمحارم لا عُرفاً ولا شرعاً. ولأن الإدمان على الصغيرة كالكبيرة. فإن قيل: ما الكبيرة؟ قيل: هي كل معصية فيها حدٌ، والإشراكُ بالله، وقتلُ النفس الحرام، وشهادةُ الزور، وعقوقُ الوالدين. ونُقل عن الإمام أحمد ﵀: لا تقبل شهادة آكل الربا، وقاطعُ الطريق، ومن لا يؤدي زكاة ماله، ومن أخرج في طريق المسلمين الاسطوانة (٢) والكنيف، والكاذب الكذب الشديد. وأما كون اجتناب المحارم. وهو: أن لا يظهر من الشخص إلا الخير على قول؛ فلأن اعتبار ما تقدم ذكره (٣) مشقة وحرج، وذلك منتفٍ شرعاً. قال: (ولا تُقبل شهادة فاسق سواء كان فسقُه من جهة الأفعال أو الاعتقاد. ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه). أما كون شهادة الفاسق من جهة الفعل؛ كالزاني والقاتل والسارق وما أشبه ذلك لا تُقبل شهادته رواية واحدة؛ فلما تقدم. وأما كون شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد غير المتدين لا تُقبل أيضاً؛ فلأنه فاسق غير متدين. أشبه الفاسق بالفعل. وأما كون شهادة الفاسق المتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه كالخطابية لا تُقبل أيضاً؛ فلأن الثقة لا تحصل بقوله لتدينه بكذبه.

стр. 2991

وأما كون شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بما تقدم ذكره لا تُقبل على المذهب؛ فلعموم النصوص الدالة على عدم قبول قول الفاسق، وقياسه على الصور المذكورة قبل. وأما كونه يتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادته؛ فلأن الفاسق من جهة الاعتقاد أحسن حالاً من الكافر. فإذا قبلت شهادته كان قبول قول الفاسق من جهة اعتقاد المتدين به أولى. قال: (وأما من فعل شيئاً من الفروع المختلف فيها فتزوج بغير ولي، أو شرب من النبيذ ما لا يسكره، أو أخّر الحج الواجب مع إمكانه أو نحوه متأولاً فلا تُرد شهادته. وإن فعله معتقداً تحريمه رُدت شهادته. ويحتمل أن لا تُرد). أما كون من فعل شيئاً متأولاً لا تُرد شهادته؛ فلأن الاختلاف في الفروع رحمة. فلو رُدت الشهادة بذلك لما كان الأمر كذلك. ولأن التأويل فيما ذكر شائع جائز. بدليل اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل الفروعية ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان. وذلك لا يناسب رد الفاعل لذلك على وجه التأويل؛ لأنه فعل ما له فعله. أشبه فعل المتفق عليه. وأما كون من فعل شيئاً من ذلك مع اعتقاد تحريمه تُرد شهادته إذا تكرر ذلك منه على المذهب؛ فلأنه فعل ما يعتقد تحريمه. أشبه فعل المحرم إجماعاً. وأما كونه يحتمل أن لا تُرد؛ فلأن لفعله في الجملة مساغاً. والأول أولى؛ لما تقدم. ولأن الفاعل لشيء من الفروع المختلف فيها معتقداً التحريم بذلك: آثم لفعله، مستديم له، وذلك ينافي قبول شهادته. قال: (الثاني: استعمال المروءة. وهو: فعلُ ما يجمّله ويزيّنه وترك ما يُدنّسه ويشينُه. فلا تُقبل شهادة المصافع والمتمسخِر والمغنّي والرقّاص واللاعب بالشطرنج والنرْد والحمام، والذي يتغدى في السوق ويمدُّ رجليه في مجمع الناس، ويحدّث بمباضَعة أهله وأمته، ويدخل الحمّام بغير مئزر ونحو ذلك). أما كون الثاني من شيء ما يعتبر في العدالة: استعمال المروءة؛ فلأنه يلي الأول.

стр. 2992

وأما كون ذلك مما يعتبر في العدالة؛ فلأن من فقد المروءة اتصف بالدناءة والسقاطة، وكلاهما يذهب الثقة بقول المتصف بهما. وأما كون استعمال المروءة وهو ما ذكر المصنف ﵀؛ فلأن من لم يفعل ما ذُكر فعله ولم يترك ما ذُكر تركه لا مروءة له عُرفاً. فكذا شرعاً. وأما كون شهادة المصافع ... إلى آخره لا تُقبل؛ فلأن الفاعل لشيء من ذلك لا مروءة له، وقد تقدم أنها معتبرة في العدالة. وكلام المصنف ﵀ مشعر بأن شهادة من ذُكر لا تُقبل؛ لعدم المروءة لأنه ذكر استعمال المروءة ثم قال: فلا تُقبل شهادة المصافع ... إلى آخره. وعندي في ذلك نظر وهو: أن المتصف بخصلة مما تقدم ذكره ينبغي أن ينظر فيما اتصف به فإن كان محرماً كان المانع من قبول شهادته كونه فاعلاً للمحرم، لا يقال فعلُ المحرم مرةً لا يمنع من قبول الشهادة؛ لأن الكلام مفروض فيمن هو متصفٌ بذلك مستمرٌ عليه، مشهورٌ به، وذلك يقتضي المداومة عليه، والمداومة على الصغيرة كالكبيرة في رد الشهادة، وإن كان ما اتصف به غير محرم كان المانع من قبول شهادته كون فعله دناءةً وسفهاً ويكون ذلك من باب فقد المروءة. فعلى هذا لا بد من بيان من فعله دناءة وسفه من غير تحريم ممن فعله محرم فنقول: أما المصافع والمتمسخِر، ومن يأكل في السوق، ويمدّ رجليه في مجمع من الناس، ويحدّث بمباضَعته أهله: ففعل كل واحدٍ منهم دناءة وسفه من غير حرمة: أما كونه دناءةً وسفهاً؛ فظاهر. وأما كونه من غير حرمة؛ فلأن التحريم من الشرع ولم يرد به. قال المصنف في المغني بعد أن ذكر الآكل في السوق ومادّ رجليه في مجمع الناس والمتمسخر والمحدث بمباضعته أهله: فإن فعل شيئاً من هذا مختفياً لم يمنع قبول الشهادة؛ لأن مروءته لا تسقط بذلك، ولو كان ذلك محرماً لكان الاختفاء به مانعاً كالإظهار؛ لاستوائهما في الحرمة. وأما المغنّي ففعله حرام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. قال ابن الحنفية: هو الغناء.

стр. 2993

وعن ابن عباس وابن مسعود: «في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ [لقمان: ٦] هو الغناء» (١). ولأن النبي ﷺ قال: «الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلب» (٢). وعن أبي أمامة «أن النبي ﷺ نهى عن شراء المغنيات، وبيعهن، والتجارة فيهن، وأكل أثمانهن حرام» (٣). رواه الترمذي. فعلى هذا ترد شهادته؛ لفعله المحرم. وقال بعض أصحابنا: الغناء غير حرام؛ لأن عائشة قالت: «كان عندي جاريتان تُغنِّيان فدخل أبو بكر فقال: مزمور الشيطان في بيتِ رسول الله ﷺ . فقال النبي ﷺ : دعهما فإنها أيامُ عيد» (٤). وعن عمر ﵁ قال: «الغناءُ زادُ الراكب». فعلى هذا لا تقبل شهادة المغنِّي وهو من يجمعُ الناس عليه يأتيهم مرة ويأتونه أخرى؛ لأن في فعله دناءةً وسفهاً، ولا ترد شهادة من يغني لنفسه على وجه الترنم؛ لأن ذلك لا تحريم فيه ولا دناءة. وأما الرقّاص ففعله دناءة؛ لما يتضمن من قلة العقل. ولم أجد عن أصحابنا ما يقتضي تحريمه، والأصل الإباحة. وأما اللاعب بالنرْد والشطرنج ففعلهما حرام: أما كون اللعب بالنرْد حراماً؛ فلما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لعبَ بالنرْدَشِير فقد عصى الله ورسوله» (٥).

стр. 2994

وروى بريدة أن النبي ﷺ قال: «من لعبَ بالنرْدَشِيرِ فكأنما غَمسَ يدَه في لحمِ الخنزيرِ ودمه» (١). رواهما أبو داود. وأما كون اللعب بالشطرنج حراماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾ [المائدة: ٩٠] قال عليٌ: «الشطرنجُ من الميسر» (٢). وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ قال: «إن للهِ في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاة فيها نصيب». رواه أبو بكر بإسناده. و«مرَّ على قوم يلعبون بالشطرنج. فقال: ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون؟ » (٣). ولأنه لعب يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. أشبه النرد. وأما اللاعب بالحمام فيُنظر فيه فإن كان ذلك ليأخذ حمام الناس، أو ليقامر بها فذلك حرام. وإن كان ليأكل فراخها، أو لتحملَ له الكتب، أو للأُنس فلا بأس. وفي الحديث عن عبادة بن الصامت قال: «جاءَ رجلٌ إلى النبي ﷺ فشكى الوحشة فقال له: اتخذ زوجاً من حمام»، وإن فعل ذلك فُرجة على طيرانها ونظراً كان ذلك سفهاً ودناءة. وأما داخل الحمّام بغير مئزر ففعله حرام؛ لأن فيه كشف عورته المأمور بسترها. وقد تقدم ذكر ذلك في باب ستر العورة (٤).

стр. 2995

قال: (فأما الشَين في الصناعة؛ كالحجام والحائك والنخّال والنفّاط والقمّام والزبّال والمشعوذ والدبّاغ والحارس والقرّاد والكبّاش فهل تُقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم؟ على وجهين). أما كون ما ذكر تُقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم على وجه؛ فلأن بالناس حاجة إلى من يقوم بما ذكر، ورد شهادة فاعله يمنع من تعاطيه. فيؤدي إلى ضرر عام بالخلق، وذلك منتفٍ شرعاً. وأما كونهم لا تُقبل شهادتهم على وجه؛ فلأن تعاطي ما ذكر يتجنَّبهُ أهل المروءات. فكان فعله مانعاً من الشهادة كالقِسْم الذي قبله. هذا تعليل كلام المصنف ﵀. وعندي فيه نظر كما تقدم. وينبغي أن ينظر في الصناعة فإن كانت محرمة منعت قبول الشهادة؛ لفعله المحرم على وجه التكرار؛ لأن من كان الشيء المحرم صنعته كان فعله له مكرراً، وإن كانت مباحة فمنها ما يترجح فيه قبول الشهادة؛ كالحائك لا سيما في بلاد ظهرَ الدينُ فيهم كحرّان، ومنها ما يترجح فيه رد الشهادة؛ كالزبال؛ لأن في فعله دناءة وسفهاً. فعلى هذا: الحجام ينبني على جواز الإجارة: فإن قيل بعدم جواز الإجارة عليه منع فعله الشهادة؛ لأنه فعل محرم متكرر، ويعضده قول النبي ﷺ : «كسبُ الحجّام خبيث» (١)، وإن قيل بجواز الإجارة عليه منع فعله الشهادة؛ لما فيه من الدناءة والسقاطة، والحائك تقدم ذكره. والنخّال والنفّاط فعلهما فيه دناءة، ويترجح عدم رد شهادتهما؛ لأن الظاهر من حالهما الاستقامة. وأما القمّام والزبّال فالظاهر منهما أنهما لا يتوقيان النجاسة، وإن توقياها كان فيها دناءة، ويترجح رد شهادتهما؛ لأجل ذلك الظاهر. وأما المشعوذ والدبّاغ والحارس والقرّاد والكبّاش ففعلهم فيه دناءة، ويترجح رد شهادتهم؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا مروءة لهم، وهي شرط في قبول الشهادة.

стр. 2996

فصل [إذا زالت موانع الشهادة] قال المصنف ﵀: (ومتى زالت الموانع منهم فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قُبلت شهادتهم بمجرد ذلك، ولا يعتبر إصلاح العمل. وعنه: يعتبر في التائب إصلاح العمل سَنَة). أما كون من زالت الموانع المذكورة منهم تُقبل شهادتهم؛ فلأن عدم القبول معلل بذلك فإذا زال عُدم القبول ضرورة أن المعلل يزول لزوال علته. وأما كون الفاسق إذا تاب تُقبل شهادته بمجرد توبته من غير اعتبار صلاح العمل على المذهب؛ فلما تقدم ذكره. وأما كونه يعتبر فيه إصلاح العمل سنة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ [آل عمران: ٨٩]. نهى عن قبول الشهادة ثم استثنى التائب المصلح. و«لأن عمر ﵁ لما ضربَ صَبيغاً وأمر بهجرانه حتى بلغه توبته. فأمرَ أن لا يُكلَّمَ إلا بعدَ سنة» (١). والأول أصح؛ لما تقدم. ولأن النبي ﷺ قال: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» (٢). ولأن شهادة الكافر تُقبل بمجرد الإسلام. فلأن تقبل شهادة الفاسق بمجرد التوبة بطريق الأولى. ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة بدليل قوله تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصِروا

стр. 2997

على ما فعلوا وهم يعلمون? أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ... الآية﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقول عمر ﵁: «بقيةُ عمر المرء لا قيمة له يدركُ فيه ما فات، ويحيي فيه ما أمات، ويبدّلُ الله سيئاته حسنات» فينبغي أن يحصل بمجردها قبول التوبة، وقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح﴾ (١) [المائدة: ٣٩] يحتمل أنه أراد بالإصلاح التوبة وعطف ﴿وأصلح﴾ على ﴿تاب﴾؛ لاختلاف اللفظين، ودليل ذلك قول عمر: «تُبْ أقبل شهادَتك» (٢). قال: (ولا تُقبل شهادة القاذف حتى يتوب. وتوبته: أن يكذب نفسه. وقيل: إن علمَ صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمتُ على ما قلتُ ولا أعودُ إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه). أما كون شهادة القاذف لا تُقبل قبل توبته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]. ولأن النبي ﷺ قال: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» (٣). رواه ابن ماجة. والمراد بالقاذفِ المردودِ الشهادة: القاذفُ الذي لم يأت بما يحقق قذفه فإن أتى بما يحقق قذفه؛ كالزوج يقذف زوجته، ويحقق قذفه بالبينة أو باللعان. والأجنبي يقذف أجنبية، ويحقق قذفه بالبينة: لم ترد شهادته؛ لأن الله تعالى إنما رتب الأحكام المذكورة على مجموع الأمرين: من رمي المحصنات، وعدم الإتيان بأربعة شهداء. فإذا لم يوجد ذلك لم تترتب الأحكام المذكورة؛ لانتفاء شرطها. وأما قول المصنف ﵀: حتى يتوب؛ فمشعر بقبول شهادته بعد توبته. وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله تعالى في المغني. والأصل في ذلك قوله

стр. 2998

تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]، وقول عمر لأبي بكرة: «تُب أقبل شهادَتك» (١). ولأن القاذف المذكور إذا تاب تائب من ذنبه. فوجب أن تقبل شهادته؛ كالتائب من الزنا بل أولى؛ لأن الزنا أعظم من القذف. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ [النور: ٤]، وقول النبي ﷺ : «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» (٢) يدلان على عدم قبول شهادة القاذف وإن تاب. قيل: أما الآية فقد استثنى الله تعالى فيها التائب بقوله بعد قوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ [النور: ٤] ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]. وأما الحديث؛ فمحمول على من لم يتب بدليل الاستثناء في الآية. وأما كون توبة القاذف أن يكذب نفسه على المذهب؛ فلأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]: «توبتهُ إكذابُ نفسه». وأما كونها إذا علم صدق نفسه أن يقول: قد ندمت عما قلت ولا أعود إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه على قول؛ فلأن المقصود يحصل بذلك. فوجب أن تحصل التوبة به؛ كغيره. ولأن الندم توبة؛ لقوله ﷺ : «الندمُ توبة» (٣). فوجب أن تحصل التوبة لمن يقول: قد ندمت ... إلى آخره بحصول الندم. وإنما اعتبر القول؛ لأن ما في الباطن لا يُطلع عليه. فلم يكن بد من القول الدال عليه؛ ليعلم تحقق الندم الموجب للتوبة.

стр. 2999

فصل [في شهادة العبد] قال المصنف ﵀: (ولا يُعتبر في الشهادة الحرية، بل تجوز شهادة العبد في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص على إحدى الروايتين. وتُقبل شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء). أما كون الشهادة لا يعتبر فيها الحرية؛ لأن الله تعالى أمر بإشهاد ذَوي عدل منا، ومن فقد الحرية عدلٌ منا. بدليل قبول روايته وفتياه وأخباره الدينيّة. ولأن العبد عدل غير متهم. فقبلت شهادته؛ كالحر. وأما كون شهادة العبد في كل شيء غير الحدود والقصاص يجوز؛ فلأن الحرية ليست معتبرة في الشهادة. وأما كونها تُقبل في الحدود والقصاص على إحدى الروايتين؛ فلما تقدم. ولأنه حق. أشبه الأموال. وأما كونها لا تُقبل على إحداهما؛ فلأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة؛ لاختلاف العلماء في قبولها. وأما كون شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء تُقبل؛ فلأن الموجود فيها الرق، وذلك لا يمنع في العبد فلا يمنع في الأمة بالقياس عليه، وفي الأثر أن عقبة بن الحارث (١) قال: «تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب. فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتكُما. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» (٢) متفق عليه.

стр. 3000

وفي رواية أبي داود: «فقلتُ: يا رسول الله! إنها لكاذبة. قال: وما يُدريكَ وقد قالت ما قالت؟ دعْهَا عنك» (١). قال: (وتجوز شهادة الأصم على ما يراه، وعلى المسموعات التي كانت قبل صممه). أما كون شهادة الأصم على ما يراه تجوز؛ فلأنه ما يراه كغيره. وأما كون شهادته على المسموعات التي كانت قبل صممه تجوز؛ فلأنه في ذلك كمن لم يصبه صمم. قال: (وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة، وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرفَ الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به، فإن لم يعرفه إلا بعينه فقال القاضي: تُقبل شهادته أيضاً، ويصفه للحاكم بما يتميز به. ويحتمل أن لا تجوز؛ لأن هذا مما لا ينضبط غالباً. وإن شهد عند الحاكم ثم عمي قُبلت شهادته وجهاً واحداً). أما كون شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن صوت المشهود عليه تجوز. والمراد به قبولها؛ فلأن شهادته على مسموع. فوجب قبولها؛ كروايته. ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين فإذا حصل ذلك للأعمى وجب قبول شهادته؛ كالبصير. وعن قتادة أنه قال: إن للسمع قيافةً كقيافة البصر. ولأن الأعمى من رجالنا وهو متيقن لصوت المشهود عليه. فوجب أن يدخل في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولأنه يروى عن علي وابن عباس أنهما أجازا شهادة الأعمى، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة. وأما كون شهادته بالاستفاضة تجوز؛ فلأنها تعتمد على القول وشهادته عليه جائزة؛ كما تقدم.

стр. 3001

وأما كون شهادته في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عَرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به تجوز؛ فلما تقدم. ولأن العمى فقدُ حاسة لا تُخِلّ بالتكليف. فلا تمنع قبول الشهادة؛ كالصمم. وأما كونها تُقبل إذا لم يعرف المشهود عليه إلا بعينه على قول القاضي ويصفه للحاكم بما يتميز به؛ فلما تقدم من عموم الأدلة. وأما كونها يحتمل أن لا تجوز؛ فلما علل المصنف ﵀ من أن هذا لا ينضبط غالباً. وأما كون الأعمى إذا شهد عند الحاكم ثم عمي تُقبل شهادته. والمراد به الحكم بها؛ فلأن العمى طرأ بعد أداء الشهادة لا يورث تهمة في حال الشهادة. فلم يمنع الحكم بها؛ كما لو شهد ثم مات. قال: (وشهادةُ ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره). أما كون شهادة ولد الزنا في الزنا جائزة؛ فلأنه عدلٌ مقبول الرواية. فوجب أن يكون مقبول الشهادة؛ كغيره من العدول. ولأن ولد الزنا من رجالنا. فوجب أن يدخل في عموم النص المتقدم ذكرها. فإن قيل: لا ينبغي أن تقبل شهادته بذلك؛ لأن العادة أن من فعل فعلاً قبيحاً يحب أن يكون له نظير. ولأنه يروى عن عثمان أنه قال: «ودّت الزانيةُ أن النساءَ كلَّهن زنَين». قيل: أما الأول: فغلط؛ لأن ولد الزنا لم يفعل قبيحاً يحب أن يكون له نظير. وأما الثاني: فليس يثبت عن عثمان. والأشبه أن لا يكون ثابتاً عنه؛ لأن الأليق بحاله ودينه أن لا يذكر امرأة في ظهر الغيب بمثل ذلك. وأما كونه في غير الزنا جائزة؛ فلما تقدم ذكره. ولأنه مقبول الشهادة في الزنا. فوجب أن يكون مقبول الشهادة في غيره بالقياس عليه.

стр. 3002

قال: (وتقبلُ شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضعة على الرضاع، والقاسم على القسمة، والحاكم على حكمه بعد العزل). أما كون شهادة المرضعة على فعل نفسها تُقبل؛ فلأن عقبة بن الحارث قال: «تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب. فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتُكُما. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» (١) متفق عليه. وأما كون شهادة القاسم على القسمة تقبل؛ فلأن شهادته على فعل النفس. أشبه شهادة المرضع على الرضاع. وأما كون شهادة الحاكم بعد حكمه بعد عزله تقبل؛ فلأنه شاهد على فعل نفسه. أشبه المرضعة والقاسم. قال: (وتُقبل شهادة البدوي على القروي، والقروي على البدوي. وعنه: في شهادة البدوي على القروي أخشى أن لا تُقبل فيحتمل وجهين). أما كون شهادة البدوي على القروي تُقبل على وجه؛ فكشهادة القروي على البدوي. ولأن من قُبلت شهادته على أهل البلد قُبلت شهادته على أهل القرى. دليله: شهادة القروي على البدوي. وأما كونها لا تُقبل على وجه؛ فلأنه يروى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجوزُ شهادةُ بدوي على صاحبِ القرية» (٢). رواه أبو داود. والأول أصح؛ لما تقدم. والحديث محمول على أن شهادة البدوي لا تُقبل؛ للجهل بعدالته الباطنة. وخص بما ذكر؛ لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم عنه. وأما كون شهادة القروي على البدوي [تقبل] (٣)؛ فلأن تخصيص شهادة البدوي على القروي بعدم جواز القبول مشعر بجواز العكس.

стр. 3003

ولأن القروي في مظنة العلم وانتفاء التهمة. فوجب قبول شهادته عملاً بالنصوص الدالة على القبول السالمة عن معارضة ما ذكر.

стр. 3004

باب موانع الشهادة قال المصنف ﵀: (ويمنع قبول الشهادة خمسة أشياء: أحدها: قرابةُ الولادة. فلا تُقبل شهادة والدٍ لولده وإن سفل، ولا ولدٍ لوالده وإن علا في أصح الروايات. وعنه: تُقبل فيما لا يجر به نفعاً غالباً؛ نحو: أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح أو قذف. وعنه: تُقبل شهادة الولد لوالده، ولا تُقبل شهادة الوالد للولد). أما كون قبول الشهادة يمنعه خمسة أشياء؛ فلما يأتي فيها. وأما كون أحدها: قرابة الولادة؛ فلما يأتي في كون شهادة والدٍ لولده، وشهادة ولدٍ لوالده لا تُقبل. وأما كون شهادة والدٍ أباً كان أو أماً أو جداً أو جدة لولده وإن نزل، وشهادة ولدٍ لوالده وإن علا لا تُقبل في أصح الروايات؛ فلأن الزهري روى عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه، ولا ظِنّين في قرابة ولا ولاء» (١). وكل واحدٍ من الولد والوالد متهم بالنسبة إلى الآخر؛ لأن بينهما تعصيباً وكأنه يشهد لنفسه، ولهذا قال ﵇: «فاطمةُ بَضعَةٌ مني» (٢). وأما كون شهادة كل واحدٍ منهما تُقبل لآخر فيما لا يجر لنفسه نفعاً مثل ما مثله المصنف ﵀ على روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما لا ينتفع بما يحصل للآخر فتنتفي التهمة عنه في شهادته. فوجب أن ينتفى عدم القبول؛ لعدم مقتضيه.

стр. 3005

وأما كون شهادة الولد لوالده تُقبل وشهادة الوالد لولده لا تُقبل على روايةٍ؛ فلأن شهادة الوالد لولده فيها تهمة من حيث إن مال الابن في حكم ماله؛ لأن له أن يتملكه فشهادته له شهادته لنفسه. بخلاف شهادة الولد لوالده؛ فلأن التهمة المذكورة منتفية فيها. قال: (وتُقبل شهادة بعضهم على بعض في أصح الروايتين). [أما كون شهادة بعضهم على بعض تقبل في رواية] (١)؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]. ولو لم تكن شهادة الولد مقبولة على الوالد لما أمر الله تعالى بها. ولأن شهادة كل واحدٍ منهما على الآخر لا تهمة فيها. ولأن التهمة في الشهادة له لا في الشهادة عليه. وأما كونها لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما لا تُقبل شهادته للآخر. فوجب أن لا تُقبل عليه قياساً لإحدى الشهادتين على الأخرى. والأول أصح؛ لما تقدم. والفرق بين الشهادة له والشهادة عليه: التهمة في الشهادة له وانتفائها في الشهادة عليه. قال: (ولا تُقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في إحدى الروايتين). أما كون شهادة كل واحدٍ من الزوجين للآخر لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما يرث صاحبه من غير حجب، ويتبسط في ماله عادة، وذلك يوجب التهمة في شهادته، والتهمة تمنع من القبول. وأما كونها تُقبل في روايةٍ؛ فلأن النكاح عقد على منفعة. فلا يتضمن رد الشهادة؛ كالإجارة. والأول أصح؛ لما تقدم. ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته، ويسار المرأة يزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها. فكأن كل واحدٍ منهما يجر لنفسه نفعاً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وقرن

стр. 3006

في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ [الأحزاب: ٥٣] فأضاف البيوت إليهن تارة وإلى النبي ﷺ أخرى. و«قال ابن مسعود للذي قال له: غُلامي سرقَ مرآة لزوجتي. قال له: مالُكم سرقَ مالكم» (١). وأما القياس على الإجارة فلا يصح؛ لما بينهما من الفرق وهو وجود التهمة بين المتناكحين، وانتفاؤها بين المؤجر والمؤجرة. قال: (ولا تُقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده. وتُقبل شهادة الأخ لأخيه وسائر الأقارب، والصديق لصديقه، والمولى لعتيقه). أما كون شهادة السيد لعبده لا تُقبل؛ فلأن مال العبد لسيده فشهادة السيد له شهادة لنفسه، ولهذا قال النبي ﷺ : «من باعَ عبداً وله مالٌ فمالهُ للبائع إلا أن يشترطهُ المبتاع» (٢). وأما كون شهادة العبد لسيده لا تُقبل؛ فلأن العبد متهم؛ لأنه يتبسط في مال سيده، ولا يقطع بسرقته. فلا تُقبل شهادته له؛ كالأب مع ابنه. وأما كون شهادة الأخ لأخيه تُقبل؛ فلأنه من عدول المسلمين فيدخل في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] وغير ذلك من الآيات. ولأن الأخ عدل غير متهم. فوجب قبول شهادته؛ كالأجنبي. وأما كون شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض تُقبل؛ فلأنه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه. فلأن تُقبل شهادة الأقارب بعضهم لبعض بطريق الأولى. وأما كون شهادة الصديق لصديقه تُقبل؛ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها. ولأن الصديق إذا كان عدلاً لم يكن متهماً في شهادة صديقه. وأما كون شهادة المولى لمعتقه تُقبل؛ فلأنه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه. فلأن تقبل شهادة المولى لمعتقه بطريق الأولى.

стр. 3007

فصل [المانع الثاني] قال المصنف ﵀: (الثاني: أن يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته؛ كشهادة السيد لمكاتبه، والوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال، والوصي للميت، والوكيل لموكله بما هو وكيل فيه، والشريك لشريكه، والغرماء للمفلس بالمال، وأحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته). أما كون الثاني مما يمنع قبول الشهادة: أن يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته؛ فلأنه يلي الأول. وأما كون ذلك يمنع ذلك؛ فلأن فاعله متهم في الشهادة، والتهمة تمنع من قبول الشهادة. وأما كون ذلك كشهادة السيد لمكاتبه ... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ منهم يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته. وبيان النفع في كل صورة مما ذكر ظاهر.

стр. 3008

فصل [المانع الثالث] قال المصنف ﵀: (الثالث: أن يدفع عن نفسه ضرراً؛ كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، والغرماء بجرح شهود الدَّيْن على المفلس، والسيد بجرح من شهد على مكاتبه أو عبده بدين، والوصي بجرح الشاهد على الأيتام، والشريك بجرح الشاهد على شريكه، وسائر من لا تُقبل شهادته لإنسان إذا شهد بجرح الشاهد عليه). أما كون الثالث مما يمنع قبول الشهادة: أن يدفع عن نفسه ضرراً؛ فلأنه يلي الثاني. وأما كون ذلك يمنع ذلك؛ فلأن فاعله أيضاً متهم، والتهمة تمنع قبول الشهادة. وأما كون ذلك كشهادة العاقلة ... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ يدفع عن نفسه ضرراً بشهادته. وبيان الضرر في كل صورة مما ذكر ظاهر.

стр. 3009

فصل [المانع الرابع] قال ﵀: (الرابع: العداوة؛ كشهادة المقذوف على قاذفه، والمقطوع عليه الطريق على قاطعه، والزوج بالزنا على امرأته). أما كون الرابع مما يمنع قبول الشهادة: العداوة؛ فلأنه يلي الثالث. وأما كون العداوة تمنع ذلك؛ فلأن في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه» (١). رواه أبو داود. والغمر: الحقد. ولأن العداوة تورث التهمة. فوجب أن تمنع الشهادة؛ كالقرابة القريبة. وأما كون العداوة كشهادة المقذوف على قاذفه ... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ من الشهود عدو للمشهود عليه. وبيان العدواة في كل صورة مما ذكر ظاهر.

стр. 3010

فصل [المانع الخامس] قال المصنف ﵀: (الخامس: أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب ويعيدها فإنها لا تُقبل للتهمة. ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً قُبلت. ولو شهد كافرٌ أو صبيٌ أو عبدٌ فرُدت شهادتهم ثم أعادوها بعد زوال الكفر والرق والصبى قُبلت). أما كون الخامس مما يمنع قبول الشهادة: أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب ويعيدها؛ فلأنه يلي الرابع. وأما كون ذلك يمنع ذلك فلأن فاعله متهم بأدائها؛ لأنه يُعيّر بردها وتلحقه غضاضة. فإذا أعادها كان متهماً. وأما كون شهادته تُقبل إذا لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً؛ فلأن التهمة إنما كانت من أجل العار الذي يلحقه في الرد، وذلك منتفٍ فيما ذكر. وأما كون شهادة الكافر والصبي والعبد إذا شهدوا في حال الكفر والصبى والرق ثم أعادوها بعد الإسلام والبلوغ والعتق تُقبل؛ فلأن رد الشهادة في الأحوال المذكورة لا غضاضة فيه فلا تقع تهمة في الإعادة. وبذلك يظهر الفرق بين رد الشهادة بالفسق وبين ردها بالكفر والصبى والرق. قال: (وإن شهد لمكاتبه أو لموروثه بجرح قبل برئه فردت ثم أعادها بعد عتق المكاتب وبرء الجريح ففي ردها وجهان. وإن شهد الشفيع بعفو شريكه في الشفعة عنها فرُدت ثم عفي الشاهد عن شفعته وأعاد تلك الشهادة لم تُقبل. ذكره القاضي. ويحتمل أن تُقبل). أما كون شهادة المكاتب لمكاتبه إذا ردت ثم أعادها بعد عتقه، وشهادة الوارث لموروثه بجرح قبل برئه إذا ردت ثم أعادها بعد برء الجريح: لا تُرد في

стр. 3011

وجه؛ فلأن زوال المانع من قبول الشهادة هنا ليس من فعل الشاهد. فلم يمنع ذلك من قبول شهادته المعادة؛ كزوال الصبَى بالبلوغ. ولأن رد الشهادة هنا السببُ لا عار فيه فلا يتهم في قصد نفي العار بإعادتها. وأما كونها تُرد في وجه؛ فلأن الحاكم رد شهادة من ذكر باجتهاده فلا ينقض ذلك باجتهاده. والأول أصح. ذكره المصنف في المغني وعلله بأن الأصل قبول شهادة العدل. وقياس الشاهد هنا على المردود الشهادة بالفسق لا يصح؛ لوجود التهمة في حق الفاسق وانتفائها. وأما نقض الاجتهاد بالاجتهاد فهو جائز بالنسبة إلى المستقبل غير جائز بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قضى عمر ﵁ في قضية بقضايا مختلفة قال: «ذلك على ما قضينَا وهذا على ما نقضي» (١). وقبول الشهادة هنا من النقض في المستقبل لا في الماضي. وأما كون شهادة الشفيع بعفو شريكه في الشُفعة إذا أعادها بعد ردها لا تُقبل؛ فلأنه متهم في الشهادة؛ كالفاسق إذا أعاد شهادته المردودة لفسقه.

стр. 3012

باب أقسام المشهود به قال المصنف ﵀: (والمشهود به ينقسم خمسة أقسام: أحدها: الزنا وما يوجب حده. فلا تُقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال أحرار. وهل يثبت الإقرار بالزنا بشاهدين أو لا يثبت إلا بأربعة؟ على روايتين). أما كون المشهود به ينقسم خمسة أقسام؛ فلأنه تارة يكون الزنا وما يوجب حده، وتارة القصاص وسائر الحدود، وتارة ما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص، وتارة المال وما يقصد به المال، وتارة ما لا يطلع عليه الرجال. وأما كون أحدها: الزنا وما يوجب حده؛ فظاهر. وأما كون ذلك لا تُقبل فيه إلا شهادة أربعة؛ فلأن الله تعالى قال ذلك في آياتٍ من كتابه: منه قوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣]. وأما كونهم رجالاً؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل، قليلة الأمانة. فيكون ذلك شُبهة، والحد يدرأ بالشبهة. وأما كونهم أحراراً؛ فلأن في قبول شهادة العبيد خلافاً بين العلماء فيكون ذلك شبهة مانعة من قبول شهادتهم فيما يدرأ بالشبهة، وقد تقدم في شهادة العبيد أنها تُقبل في الحدود في رواية (١). والأول أصح؛ لما ذكر. فإن قيل: لم يذكر المصنف ﵀ أن يكونوا عدولاً؟

стр. 3013

قيل: اكتفى باشتراط ذلك في الأموال؛ لأنه نبَّه على تأكيد الشهادة على الزنا بالأمور المذكورة فيعلم المتفَقِّه أن اشتراط العدالة فيها أولى. وكذلك عدم ذكره لباقي الشروط الآتي ذكرها. والعدالة المعتبرة ظاهراً وباطناً وجهاً واحداً وإن اختلف في ذلك في الأموال لتأكيد الزنا واشتراط ما ذكر. وأما كون الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أم لا يثبت إلا بأربعة؟ على روايتين؛ فلأن قياسه على سائر الأقارير يقتضي ثبوته بشاهدين، وقياسه على الفعل يقتضي أن لا يثبت إلا بأربعة. ولا بد أن يلحظ في الروايتين المذكورتين: أن تكون الشهادة على إقرارٍ تكرر أربعاً. فلو كانت الشهادة على الإقرار مرتين أو ثلاثاً لم يحد حد الزنا. وقد ذكر ذلك في الفصل الثالث من باب حد الزنا (١). قال: (الثاني: القصاص وسائر الحدود. فلا يُقبل فيه إلا رجلان حران). أما كون ما ذكر لا يُقبل فيه إلا رجلان؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل قليلة الأمانة غالباً، وذلك يقتضي أن الثقة بقولها فيما عداهما على مقتضاه. وأما كونهما حرين؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً في الجملة. فلم يثبت القصاص وسائر الحدود بشهادتهم؛ كالشهادة على الزنا. فإن قيل: القتل أعظم من الزنا فإذا اشترط في الزنا أربعة. فلأن يشترط في القتل الأربعة بطريق الأولى. قيل: القتل فيه حق آدمي وفي اشتراط الأربعة إسقاط له بخلاف الزنا. قال: (الثالث: ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص؛ كالطلاق والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصيةُ إليه وما أشبه ذلك: فلا يُقبل فيه إلا رجلان. وعنه في النكاح والرجعة والعتق: أنه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين. وعنه في العتق: أنه يُقبل فيه شاهدٌ ويمين المدعي. وقال القاضي: النكاحُ وحقوقه من الطلاق والخلع

стр. 3014

والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تُخَرَّج على روايتين. قال أحمد ﵀ في الرجل يُوكل وكيلاً ويشهد على نفسه رجلاً وامرأتين: إن كانت في المطالبة بدين فأما غير ذلك فلا). أما كون ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال؛ كالطلاق لا يُقبل فيه إلا رجلان رواية واحدة؛ فلأن الشرع متشوفٌ إلى عدمه. وأما كون النكاح والرجعة والعتق لا يُقبل فيهما إلا ذلك على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق. وأما كونهما يقبل فيهما شهادة رجلٍ وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنهما لا يسقطان بالشبهة. والأول أصح؛ لأن إلحاق النكاح بالطلاق أولى من إلحاقه بالمال، ولذلك قال القاضي: لا يثبتان إلا بشهادة رجلين رواية واحدة. وأما كون العتق لا يُقبل فيه إلا رجلان على روايةٍ؛ فلأنه إزالة ملكٍ لا على وجه المعاوضة. فلم يقبل فيه إلا ذلك؛ كالنكاح. وأما كونه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأن العبد مالٌ. فقبل في عتقه شهادة رجل وامرأتين؛ كسائر الأموال. وأما كونه يُقبل فيه شهادة واحد ويمين العبد على روايةٍ؛ فلأن في الشرع تشوفاً إلى العتق، وفي قبول شاهد ويمين المعتق توسعة في ثبوت المعتق. وأما كون ما عدا ذلك من الصور التي ذكرها المصنف ﵀ وما في معناها لا يُقبل فيه إلا رجلان على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق. وأما كون النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين على قول القاضي؛ فلأن النكاح وحقوقه يحتاط له. بخلاف بقية ما ذكر. قال: (الرابع: المال وما يقصد به المال؛ كالبيع والقرض والرهن والوصية له، وجناية الخطأ: يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين المدعي. وهل تُقبل

стр. 3015

في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين). أما كون المال يُقبل فيه شهادة رجلٍ وامرأتين؛ فبالكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ... -إلى أن قال-: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على قبول شهادة النساء في الأموال. وأما كون ما يقصد منه المال كالصور التي ذكرها المصنف ﵀ يُقبل فيها شهادة رجل وامرأتين؛ فلأن المقصود منها المال. أشبهت الشهادة بنفس المال. وأما كون المال يُقبل فيه شاهد ويمين المدعي؛ فلما روي أن النبي ﷺ قال: «استشرتُ جبريلَ في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار عليّ بذلك في الأموال لا تعدو ذلك». رواه أحمد بإسناده. وعن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي ﷺ «أنه قضَى بالشاهدِ واليمين. قال عمرو: في الأموال» (١). وعن أبي هريرة قال: «قضَى رسولُ الله ﷺ باليمينِ مع الشاهدِ الواحد» (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه، ولذلك شرعت في حق صاحب اليد وفي حق المنكر، والمدعي هاهنا ظهر صدقه بشاهده. فوجب أن يشرع اليمين في حقه. وأما كون ما يقصد منه المال يُقبل فيه ذلك؛ فلأن ذلك كالمال نفسه في شهادة المرأتين. فكذلك في القضاء باليمين مع الشاهد.
следующие страницы →