قال: (وإن تنازع صاحب الدار والخياط الإبرة والمقص فهما للخياط. وإن تنازع هو والقرّاب القربة فهي للقرّاب. وإن تنازعا عرَصَة فيها شجرٌ أو بناءٌ لأحدهما فهي له).
أما كون الإبرة والمقص للخياط دون صاحب الدار فيما ذكر؛ فلأن تصرف الخياط في ذلك أظهر، والظاهر معه؛ لأن العادة جارية بحمل الخياط الإبرة والمقص.
وأما كون القربة للقرّاب دون صاحب الدار فيما ذكر؛ فلما ذكر في الخياط.
وأما كون العرصَة التي فيها شجر أو بناء لأحدهما لمن له ذلك؛ فلأن ذلك دليل الملك ظاهراً.
قال: (وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببناء أحدهما وحده أو متصلاً به اتصالاً لا يمكن إحداثه، أو له عليه أزج: فهو له. وإن كان محلولاً من بنائهما أو معقوداً بهما فهو بينهما).
أما كون الحائط المعقود ببناء أحد المتنازعين (١).
[قال: (وإن اختلف صانعان في قماش دكان لهما حكم بآلة: كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي. وقال القاضي: إن كانت أيديهما عليه من طريق الحكم فكذلك. وإن كانت من طريق المشاهدة فهو بينهما على كل حال)] (٢).
أما كون كل آلة كل صناعة يحكم بها لصاحبها في ظاهر كلام من ذكر؛ فلأن الظاهر أنها له.
ولأن الآلة بالنسبة إلى الصانع كالقماش الصالح للرجل بالنسبة إليه والصالح للرجل للرجل. فكذا يجب أن يكون الصالح للصانع له.
وأما كون ذلك كذلك إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم على قول القاضي؛ فلما ذكر.
стр. 2942
وأما كونه بينهما إذا كانت أيديهما عليه من طريق المشاهدة؛ فلأن المشاهدة أقوى من اليد الحكمية. بدليل: لو تنازع الخياط وصاحب الدار الإبرة والمقص.
فإن قيل: قول القاضي يجري في مسألة الزوجين أم هو مختص بمسألة الصانعين؟ .
قيل: هو عام فيهما، وصرح به المصنف ﵀ في المغني في مسألة الزوجين.
قال: (وكل من قلنا هو له فهو له مع يمينه إذا لم تكن بينة. وإن كانت لأحدهما بينة حُكم له بها).
أما كون اليمين على من حُكم له بشيء مما ذكر؛ فلأنه يحتمل أن لا يكون ذلك له فشُرعت اليمين من أجل ذلك.
وأما كون من كانت له بينة يُحكم له بها؛ فلأن البينة تُظهر صاحب الحق، وذلك يقتضي كون الحكم له دون غيره.
قال: (وإن كان لكل واحدٍ منهما بينة حُكم بها للمدعي في ظاهر المذهب. وعنه: إن شهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه أو قطيعة من الإمام قدمت بينته، وإلا فهي للمدعي ببينته. قال القاضي فيهما: إذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يُحكم بها رواية واحدة. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنها مقدمة بكل حال).
أما كون العين يحكم بها للمدعي في ظاهر المذهب إذا كان لكل واحدٍ من المتنازعين بينة وكانت العين في يد أحدهما؛ فلأن النبي ﷺ قال: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه» (١). جعل النبي ﷺ جنس البينات في جنبة المدعي فلا تبقى في جنبة المنكر بينة.
ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها. ودليل كثرة فائدتها أنها تُثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تُثبت ظاهراً دلت اليدُ عليه.
وأما كون المدعى عليه تقدم بينته إذا شهدت بالسبب من نتاج أو غيره كما مثّل المصنف ﵀؛ فلأن البينة إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده
стр. 2943
اليد، وقد روى جابر بن عبدالله «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في دابةٍ أو بعير فأقام كل واحدٍ منهما البينة أنها له أنتجها. فقضى رسولُ الله ﷺ أنها للذي في يده» (١).
وأما كون بينة الداخل لا يُحكم بها رواية واحدة إذا لم يكن معها ترجيح على قول القاضي؛ فلأن بينة الخارج أقوى منها؛ لأنه لا يجوز أن يكون مستندها اليد. بخلاف بينة الداخل.
وأما كون بينة الداخل مقدمة بكل حال في روايةٍ قالها أبو الخطاب؛ فلأن جنبته أقوى من جنبة الخارج. بدليل: أن يمينه تُقدم على يمينه.
قال: (فإن أقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج، وأقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل فقال القاضي: تقدم بينة الداخل، وقيل: تقدم بينة الخارج).
أما كون بينة الداخل تقدم على قول القاضي؛ فلأنه هو الخارج في المعنى؛ لأنه ثبت بالبينة أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه.
وأما كون بينة الخارج تقدم على قول؛ فلأنه المدعي، وفي الحديث: «البينةُ على المدعِي» (٢).
ولأن اليمين في حق الداخل فتكون البينة في حق الخارج.
стр. 2944
فصل [إذا كانت العين في يديهما]
قال المصنف ﵀: (القسم الثاني: أن تكون العين في يديهما، فيتحالفان، وتُقسم بينهما).
أما كون القسم الثاني ما ذكر؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كون من العين في يديهما يتحالفان. وهو: أن يحلف كل واحدٍ منهما لصاحبه؛ فلأن كل واحدٍ منهما منكرٌ ما ادعاه صاحبه واليمين على من أنكر.
وأما كون العين تقسم بينهما أي نصفين؛ فلأن يد كل واحدٍ منهما على نصف العين، وما وُجد ما يقتضي رفعَ ذلك. فوجب إقراره في يده.
قال: (وإن تنازعا مُسَنَّاةً بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا، وهي بينهما).
أما كون من تنازعا ما ذكر يتحالفان كما تقدم؛ فلما تقدم.
وأما كون المُسَنَّاة وهي الحاجز بين النهر والأرض بين صاحب النهر وصاحب الأرض؛ فلأنها حاجز بين ملكيهما ويديهما عليها. فكانت لهما؛ كما لو تنازع صاحب العلو وصاحب السفل السقف الذي بينهما.
قال: (وإن تنازعا صبياً في يديهما فكذلك. وإن كان مميزاً فقال: إني حر فهو حر، إلا أن تقوم بينة برقّه. ويحتمل أن يكون كالطفل).
أما كون الصبي الذي في يد المتنازعين فيه بينهما؛ فلأن اليد دليل الملك، والصبي لا عبارة له فهو كالبهيمة والمتاع.
وأما كونه حراً إذا كان مميزاً وقال: إني حر ولم تقم بينة برقّه على المذهب؛ فلأنه مُعرِبٌ عن نفسه في قوله: إني حر المعتضد بالأصل. فوجب أن يقبل قوله؛ كالبالغ.
وأما كونه يحتمل أن يكون كالطفل؛ فلأنه صغير ادعى رقّه من هو في يده. أشبه ما لو كان طفلاً.
стр. 2945
فعلى هذا إن لم يكن لأحد المتنازعين بينة فهو بينهما لثبوت يدهما عليه، وإن كان لأحدهما بينة حُكم له بها؛ لأن البينة تُظهر صاحب الحق، وذلك يعلق حقه بالعين المتنازع فيها.
قال: (فإن كان لكل واحدٍ بينةٌ قدّم أسبقهما تاريخاً، فإن وقتت إحداهما (١) وأطلقت الأخرى فهما سواء. ويحتمل تقديم المطلِقة).
أما كون أسبق البينتين تاريخاً تقدّم؛ فلأنها أثبتت الملك لصاحبها في وقتٍ لم تُعارضها فيه البينة الأخرى، وذلك يقتضي ثبوت الملك له في ذلك الزمان، وفي الزمان الثاني تعارضت فيه البينتان وسقطتا. فوجب بقاء الملك الثابت في الزمان الأول إلى حال التنازع.
فعلى هذا إذا شهدت بينة أحدهما أن العين له منذ سنتين وشهدت بينة الآخر أنها له منذ سنة فهي لمن شهدت بينته أنها له منذ سنتين.
إذا علم ذلك فقال المصنف ﵀ في المغني في تقديم أقدمهما تاريخاً: قال القاضي: هو قياس المذهب. ثم قال: وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما؛ لأن الشاهد بالملك الحادث أولى؛ لجواز أن يعلم به دون الأول فإذا لم ترجح بهذا فلا أقل من التساوي. وأجاب عن ثبوت الملك في الزمن الأول بأن ذلك إنما يثبت تبعاً للزمن الحاصل. بدليل: أنه لو انفردت الدعوى بالزمن الماضي لم تسمع.
وأما كون البينتين سواء إذا وقتت إحداهما وأطلقت الأخرى على المذهب؛ فلأنه ليس في المطلقة ما يقتضي التقدم. فوجب استواؤهما؛ كما لو أطلقتا جميعاً.
وأما كون المطلقة يحتمل تقديمها؛ فلأن الملك فيها يجوز أن يكون ثابتاً قبل المؤقتة فيكون مقدماً عليها.
والأول أصح؛ لما تقدم. والاحتمال المذكور معارض بمثله؛ لأنه يجوز أن تكون الموقتة قبل المطلقة، وإذا تساويا في الاحتمال المذكور وجب استواؤهما.
стр. 2946
قال: (وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بالملك والنتاج، أو سبب من أسباب الملك فهل تقدم بذلك؟ على وجهين).
أما كون بينة النتاج أو السبب تقدم بذلك على وجه؛ فلأنها شهدت بزيادة على الأخرى.
وأما كونها لا تقدم بذلك على وجه؛ فلأنهما اشتركا في إثبات أصل الملك وفي اليد. فوجب استواؤهما لذلك.
قال: (ولا تقدم إحداهما بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة، ولا الرجلان على الرجل والمرأتين، ويقدم الشاهدان على الشاهد، واليمين في أحد الوجهين).
أما كون إحدى البينتين لا تقدم بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة، وكون الرجلين لا يقدمان على الرجل والمرأتين؛ فلأن الشرع قدر الشهادة بمقدار معلوم وبالعدالة وبالرجل والمرأتين. فلم يختلف ذلك بالزيادة؛ كالدية.
وأما كون الشاهدان يقدمان على الشاهد واليمين في وجه؛ فلأنهما متفق عليهما والشاهد واليمين مختلف فيه، والمتفق عليه أولى من المختلف فيه.
ولأن اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الأجنبي له. فيجب تقديمها عليه؛ كما تقدم بينة المدعي على يمين المنكر.
وأما كونهما لا يقدمان عليهما في وجه؛ فلأنهما حجتان. أشبهتا البينتين.
قال: (وإذا تساوتا تعارضتا، وقسمت العين بينهما بغير يمين. وعنه: أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما. وعنه: أنه يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها).
أما كون البينتين تتعارضان إذا تساوتا؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون العين تقسم بين المتنازعين نصفين على المذهب؛ فلما روي «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقامَ كل واحدٍ منهما شاهدين فقضى رسولُ الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين» (١). رواه أبو داود.
стр. 2947
وأما كون ذلك بغير يمين؛ فلأن النبي ﷺ لم يحلف أحداً في الحديث المتقدم ذكره.
ولأنه قد تقرر أن بينة الخارج متقدمة، وكل واحدٍ من المتنازعين داخل في نصف خارج في نصف. فتقدم بينته في النصف الذي في يد صاحبه ولا يحتاج إلى يمين، وتقدم بينة صاحبه في النصف الآخر.
وأما كون المتنازعين يتحالفان على روايةٍ؛ فلأن البينتين لما تعارضتا من غير ترجيح وجب إسقاطهما؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما؛ لتنافيهما. ولا ترجيح إحداهما؛ لأنه ترجيحٌ لا لمرجحٍ، وإذا سقطتا وجب أن يتحالفا كمن لا بينة لهما.
وأما كونهما يقرع بينهما على روايةٍ؛ فلأن القرعة مشروعة في موضع الإبهام وهو موجود هاهنا.
وأما كون من قرع صاحبه يحلف؛ فلأن العين يحتمل أنها لصاحبها.
وأما كونه يأخذ العين؛ فلأن ذلك فائدة القرعة.
والأول أصح؛ للحديث المتقدم ذكره.
قال: (فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيدٍ لم تُسمع البينة على ذلك حتى يقول: وهي ملكه وتشهد البينة به).
أما كون البينة على ذلك لا تُسمع حتى يقول المدعي: وهي ملكه وتشهد البينة له بذلك: أما الأول؛ فلأن مجرد الشراء لا يوجب نقل الملك لجواز أن يقع مع غير مالك. فلم يكن بد من انضمام الملك للبائع.
ولأن مجرد الشراء لو أفاد لتمكن من أراد انتزاع ملكٍ من يد شخص من ذلك بأن يوافق شخصاً لا ملك له على إيقاع الشراء على الملك الذي في يد ذلك الشخص وينزعه منه، وذلك ضرر عظيم.
وأما الثاني؛ فلأن سماع البينة الشاهدة بشيء متوقف على شهادتهما بذلك.
قال: (فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه، وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه، وأقاما بذلك بينتين: تعارضتا. وإن أقام أحدهما
стр. 2948
بينة أنها ملكه وأقام الآخر بينة أنه اشتراها منه أو وقفها عليه أو أعتقه: قدمت بينته).
أما كون البينتين في المسألة الأولى تتعارضان؛ فلأنهما استويا في السبب وثبوت الملك، وذلك يوجب التعارض؛ كالحديثين المتنافيين من كل وجه.
وأما كون بينة الشراء والوقف والعتق في المسألة الثانية تقدم؛ فلأنها شهدت بما يوجب نقل ملك صاحبه وذلك مرجح على غيره.
قال: (ولو أقام رجلٌ بينةً أن هذه الدار لأبي خلفها تركة، وأقامت امرأته بينة أن أباهُ أصدقَها إياها فهي للمرأة).
أما كون الدار المذكورة للمرأة فيما ذكر؛ فلأن بينتها شهدت بالسبب المقتضي للنقل عمن شهدت البينة الأخرى أنها له.
وأما كون بينة الابن بأنها تركة لا تُعارضها وإن نافتها؛ فلأن قولها: تركة مستندها فيه الاستصحاب وقد تيقن قطعه بقيام البينة على سبب النقل.
стр. 2949
فصل [إذا تداعيا عينا في يد غيرهما]
قال المصنف ﵀: (الثالث: تداعيا عيناً في يد غيرهما، فإنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها).
أما كون القسم الثالث ما ذكر؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون من تداعيا ما ذكر يقرع بينهما؛ فلما روى أبو هريرة «أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن لواحد منهما بينة. فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما على اليمين» (١).
ولأن أحدهما لا مزية له. أشبه ما لو أعتق أحد عبديه، وما لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته.
وأما كون من خرجت له القرعة يحلف ويأخذها؛ فلما تقدم فيما إذا تساوت البينتان. وقيل: بالقرعة فيها (٢).
قال: (وإن كان المدعي عبداً فأقر لأحدهما لم يرجح بإقراره. وإن كان لأحدهما بينة حُكم له بها. وإن كان لكل واحدٍ بينة تعارضتا والحكمُ على ما تقدم).
أما كون إقرار العبد فيما ذكر لا يرجح به؛ فلأنه متهم؛ لأنه يحتمل أن يميل إلى من أقر له دون الآخر.
وأما كون العين يحكم بها لمن له بينة دون من ليس له بينة؛ فلأن بينته أظهرت أنه هو المستحق للعين المالك لها.
وأما كون البينتين تتعارضان إذا كان لكل واحدٍ منهما بينة؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
стр. 2950
وأما كون الحكم على ما تقدم؛ فلأنه في معناه.
فعلى هذا يكون هنا روايتان:
إحداهما: يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة قياساً على ما إذا لم تكن بينة.
والثانية: تقسم العين بينهما نصفين؛ لما روى أبو موسى الأشعري «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقامَ كل واحدٍ منهما بينة أنه له. فقضى به رسول الله ﷺ بينهما نصفين» (١).
والأول أصح؛ لما تقدم. وحديث أبي موسى محمول على ما إذا كانت العين في يد المنازعين. ولذلك جاء في بعض الألفاظ: «ولا بينةَ لهما» (٢).
قال: (فإن أقرّ صاحب اليد لأحدهما لم يرجح بذلك).
أما كون من ذكر لا يرجح به؛ فبالقياس على إقرار العبد لأحد المدعيين.
وأما الحكم فيما ذكر مما علم أن المنقول في المغني والهداية وغيرهما من الكتب أن المقر له يصير بالإقرار صاحب يدٍ؛ لأن المقر بإقراره له تبين أن يده مبنية على يد المقر له، ويلزم من ذلك صيرورة المقر له صاحب يد. ولفظ المصنف ﵀ في المغني بعد أن ذكر المسألة: فإن أقر بها لواحدٍ منهما أم لواحد غيرهما صار المقر له صاحب اليد ويكون حكمه كالحكم فيما إذا تداعيا عيناً في يد أحدهما على ما مضى وذلك يقتضي ترجيح قوله.
قال: (وإن ادّعاها صاحب اليد لنفسه فقال القاضي: يحلفُ لكل واحدٍ منهما وهي له. وقال أبو بكر: بل يقرع بين المدعيين، ويكون لمن تخرج له القرعة).
أما كون صاحب اليد يحلف لكل واحدٍ من المدعيين على قول القاضي؛ فلأنهما وإن تعارضت بينتاهما ليسا بأقل ممن لا بينة لهما، وهناك يحلف صاحب اليد؛ لاحتمال صدق المدعيين. فلأن يحلف هنا بطريق الأولى.
стр. 2951
وأما كون العين لصاحب اليد على ذلك؛ فلأن المدعيين تعارضت بينتاهما وصارا كمن لا بينة له، ولو لم تكن لهما بينة لحكم بالعين لصاحب اليد بعد حلفه فكذا هاهنا.
وأما كونه يقرع بين المدعيين على قول أبي بكر؛ فلأن بينتهما أظهرت أنهما هما المستحقان، وأنه لا حق لصاحب اليد، وذلك يقتضي كون العين لأحدهما. فإذا لم يُعرف شرعت القرعة كغير ذلك من المواضع.
فعلى هذا تكون العين لمن خرجت له القرعة؛ لأن فائدتها ذلك.
قال: (وإن كان في يد رجل عبد فادعى أنه اشتراه من زيد، وادعى العبد أن زيداً أعتقه، وأقام كل واحدٍ بينة انبنى على بينة الداخل والخارج. وإن كان العبد في يد زيد فالحكم فيه الحكم ما إذا ادعيا عيناً في يد غيرهما).
أما كون بينة المشتري والعبد تنبني على بينة الداخل والخارج؛ فلأن المشتري داخل؛ لأن يده على العبد، والعبد خارج؛ لأنه ليست له يد.
فعلى هذا إن قدمت بينة الخارج قدمت بينة العبد وإن قدمت بينة الداخل قدمت بينة المشتري.
ولا بد أن يلحظ أن بينتي المشتري والعبد كانتا مؤرختين تاريخاً واحداً، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة ونقول: هما سواء.
وإن كانتا مؤرختين تاريخاً مختلفاً قدمت الأولة؛ لأنها أسبق. ومتى سبق العتق لم يصح البيع وبالعكس.
وأما كون الحكم في العبد إذا كان في يد سيده حكم ما إذا ادعيا عيناً في يد غيرهما؛ فلأن العبد عين وهو في يد غير المتنازعين.
فعلى هذا يرجع إلى قول زيد فإن أنكرهما فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر. وإن أقر لأحدهما قُبل إقراره وحلف للآخر. وإن أقام أحدهما بينة حُكم بها. وإن أقام كل واحدٍ بينة قُدمت السابقة؛ لما تقدم ذكره، فإن كانتا في وقتٍ أو مطلقتين أو إحداهما وقيل: هما سواء تعارضتا.
فإن قيل: بتساقطهما صارا كمن لا بينة لهما.
وإن قيل: يُقرع بينهما أقرع بين المشتري والعبد فمن خرجت له القرعة حلف وحكم له.
стр. 2952
وإن قيل: تقسم العين جعل نصف العبد مبيعاً ونصفه حراً ويسري العتق إلى جميعه إن كان البائع موسراً؛ لأن البينة قامت عليه بأنه أعتقه مختاراً وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما.
قال: (وإن كان في يده عبدٌ فادعى عليه رجلان كل واحد منهم أنه اشتراه مني بثمن سماه فصدقهما لزمه الثمن لكل واحدٍ منهما. وإن أنكرهما حلف لهما وبرئ. وإن صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر. وإن كان لأحدهما بينة فله الثمن، ويحلف للآخر. وإن أقام كل واحدٍ بينة فأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما أو إطلاقهما أو إطلاق إحداهما وتاريخ الأخرى عمل بهما. وإن اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم).
أما كون من العبد في يده يلزمه الثمن لكل واحدٍ من المدعيين إذا صدقهما؛ فلأنه يجوز أنه اشتراه من أحدهما ثم ملكه الآخر فاشتراه منه.
وأما كونه يحلف لهما إذا أنكرهما؛ فلأن من أنكر وجبت عليه اليمين.
وأما كونه يبرأ؛ فلأن كل مدعى عليه بلا بينة إذا حلف برئ.
وأما كونه يلزمه ما ادعى أحدهما إذا صدقه؛ فلتوافقهما على صحة دعواه.
وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه منكر.
وأما كون الثمن لمن له بينة؛ فلأن البينة مقدمة على الإنكار، ولهذا قال النبي ﷺ : «البينةُ على المدعِي» (١).
وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه منكر فيدخل في قوله ﵇: «واليمينُ على من أنكر» (٢).
وأما كون البينتين يعمل بهما إذا أمكن صدقهما؛ فلأن البينة حجة شرعية. فإذا أمكن صدقها من الجانبين وجب العمل بهما؛ كالخبرين إذا أمكن العمل بهما.
فعلى هذا لإمكان العمل بهما صور:
стр. 2953
إحداها: أن يختلف تاريخهما؛ مثل: أن تشهد إحداهما أنه اشتراه من زيد في المحرم، وتشهد الأخرى أنه اشتراه من عمرو في صفر؛ لأنه يمكن أن يكون قد اشتراه من زيد في الوقت المذكور ثم ملكه لعمرو ثم اشتراه في الوقت الآخر.
فإن قيل: لم قيل بأن البائع لو كان واحداً والمشتري لو كان اثنين فأقام أحدهما بينة أنه اشتراه في المحرم وأقام الآخر بينة أنه اشتراه في صفر يكون الشراء الثاني باطلاً؟
قيل: لأنه إذا ثبت الملك للأول بالشراء لم يبطل ببيع البائع ثانياً، وفي المسألة المذكورة ثبوت شرائه من كل واحدٍ منهما يبطل ملكه؛ لأنه لا يجوز أن يشتري ثانياً ملك نفسه.
وثانيها: أن تكون البينتان مطلقتين؛ لأنه يمكن أن يكون زمن إحداهما غير زمن الأولى.
وثالثها: أن تكون إحدى البينتين مطلقة والأخرى مؤرخة؛ لأنه يمكن في ذلك أيضاً اختلاف زمن الشراء. أشبه المطلقتين.
وأما كونهما تتعارضان إذا اتفق تاريخهما؛ فلأنهما تساويا، والتساوي يوجب التعارض.
وأما كون الحكم على ما تقدم؛ فلأنه في معناه.
فعلى القول بالتساقط يصير المدعيان كمن لا بينة لهما.
فعلى هذا لا يلزمه المدعى عليه شيء من الثمن، وعلى القول بالقرعة يقرع بين المدعيين فمن خرج له القرعة لزم المدعى عليه الثمن له، وعلى القول بقسمة المدعى بينهما يلزم المدعى عليه الثمن ويكون مشتركاً بينهما.
قال: (وإن ادعى كل واحدٍ منهما أنه باعني إياه بألفٍ وأقاما بينة قدّم أسبقهما تاريخاً، فإن لم تسبق إحداهما تعارضتا).
أما كون أسبق البينتين تاريخاً فيما ذكر تقدم؛ فلأن نقل الملك حاصل لمن سبق. فوقوع العقد بعد ذلك لا يصح.
وأما كونهما تتعارضان إذا لم تسبق إحداهما الأخرى؛ فلأنهما تساويا، والتساوي يوجب التعارض.
стр. 2954
قال: (وإن قال أحدهما: غصبني إياه، وقال الآخر: ملكنيه أو أقر لي به، وأقام كل واحدٍ بينة: فهو للمغصوب منه، ولا يغرم للآخر شيئاً).
أما كون العبد للمغصوب منه دون المملك والمقر له؛ فلأنه لا تعارض بين بينتيهما؛ لأن الجمع بينهما ممكن بأن يكون قد غصب العبد من مدعيه ثم ملكه أو أقر به لمدعي ذلك.
وأما كون المشهود عليه لا يغرم للمقر له شيئاً؛ فلأنه لم يحل بينه وبين ما أقر به. وإنما حالت البينة بينهما.
стр. 2955
باب في تعارض البينتين
قال المصنف ﵀: (إذا قال لعبده: متى قُتلتُ فأنتَ حر، فادعى أنه قتل وأنكر الورثة فالقول قولهم. وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه فهل تقدم بينة العبد فيعتق أو يتعارضان ويبقى على الرق؟ فيه وجهان).
أما كون القول قول الورثة مع عدم البينة؛ فلأن العبد يدعي شيئاً يوجب عتقه، والورثة تنكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه.
وأما كون بينة العبد تقدم إذا أقام كل واحد منهما بينة في وجه؛ فلأنها شهدت بزيادة، وهو كون الموت قتلاً.
فعلى هذا يعتق؛ لأن هذا فائدة تقديم بينته.
وأما كونهما يتعارضان في وجه؛ فلأن كل واحدةٍ تشهد بضد ما شهدت الأخرى.
فعلى هذا يبقى العبد رقيقاً؛ لأنه لم يثبت عتقه.
قال: (وإن قال: إن متُّ في المحرم فسالم حر. وإن مت في صفر فغانم حر، فأقام كل واحدٍ منهما بينة بموجب عتقه قدمت بينة سالم. وإن قال: إن مت في مرضي هذا فسالم حر. وإن برئتُ فغانم حر فأقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق ذكره أصحابنا. والقياس: أن يَعتق أحدهما بالقرعة. ويحتمل أن يَعتق غانم وحده؛ لأن بينته تشهد بزيادة).
أما كون بينة سالم تقدم فيما إذا قال: إن مت في المحرم؛ فلأن معها زيادة علم.
وأما كون البينتين تتعارضان ويبقى العبدان على الرق في مسألة: إن مت في مرضي على ما ذكره أصحابنا؛ فلأن كل واحدةٍ منهما تكذب الأخرى وتثبت زيادة تنفيها الأخرى.
стр. 2956
وأما كون القياس: أن يَعتق أحد العبدين بالقرعة؛ فلأن أحدهما استحق العتق ولا يعلم عينه فشُرعت القرعة بينهما؛ كما لو أعتق أحد عبديه.
وأما كونه يحتمل أن يعتق غانم وحده؛ فلأن بينته شهدت بزيادة قد تخفى على بينة سالم؛ لأنه يحتمل أن بينة سالم بالموت من المرض بناء على الاستصحاب.
قال: (وإن أتلف ثوباً فشهدت بينة أن قيمته عشرون، وشهدت أخرى أن قيمته ثلاثون: لزمه أقل القيمتين).
أما كون من أتلف ما ذكر يلزمه أقل القيمتين المشهود بهما؛ فلأنه متيقن.
وأما كونه لا يلزمه أكثرهما؛ فلأن بينة الأقل ربما اطلعت على ما يوجب التنقيص المذكور فتكون شاهدة بزيادة خفيت على بينة الأكثر فتكون مقدمة عليها.
قال: (ولو ماتت امرأة وابنُها فقال زوجها: ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها ولا بينة حلف كل واحدٍ منهما على إبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين. وإن أقام كل واحدٍ منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا. وقياس مسائل الغرقَى أن يُجعل للأخ سدس مال الابن والباقي للزوج).
أما كون كل واحدٍ من المتنازعين يحلف على إبطال دعوى الآخر؛ فلأن دعوى كل واحدٍ محتملة وصاحبه ينكر ذلك فتجب اليمين؛ لقوله ﵇: «واليمينُ على من أنكَر» (١).
وأما كون ميراث الابن لأبيه خاصة مع عدم قيام بينة لأحدهما؛ فلأن سبب استحقاقه جناية وهي موجودة، وبقاء من يشاركها بعد الموت مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك.
وأما كون ميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين مع عدم البينة؛ فلأن بقاء الابن بعد أمه مشكوك. فصارت الميتة بمنزلة ميتة لها زوج وأخ لا غير.
فإن قيل: قد أعطي الزوج النصف وهو لا يدعي إلا الربع.
стр. 2957
قيل: بل هو مدعٍ له كله؛ لأنه يقول: أخذتُ ربعه بالميراث من المرأة وثلاثة أرباعه صار إلى ابني ثم صار إليّ.
وأما كون البينتين تتعارضان إذا أقامها كل واحدٍ منهما؛ فلأن ذلك تساويا، وذلك يوجب تعارضهما.
وأما كونهما يسقطان؛ فلأنه لما لم يمكن العمل بهما وجب تساقطهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون قياس مسائل الغرقى: أن يُجعل سدس مال الابن للأخ والباقي للزوج؛ فلأنه يقدر أن المرأة ماتت أولاً فيكون ميراثها لابنها وزوجها، ثم مات الابن فورث الزوج كل ما في يده فصار ميراثها كله لزوجها، ثم يقدر الابن مات أولاً فلأمه الثلث والباقي لأبيه، ثم ماتت أمه وفي يديها الثلث فكان بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحدٍ منهما السدس.
стр. 2958
فصل [في صور من تعارض البينتين]
قال المصنف ﵀: (إذا شهدت بينة على ميتٍ أنه أوصى بعتق سالم وهو ثُلث ماله، وشهدت أخرى أنه أوصى بعتق غانم وهو ثُلث ماله أقرع بينهما، فمن تقع له القرعة عَتق دون صاحبه؛ إلا أن تجز الورثة. وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يَعتق من كل واحدٍ نصفه بغير قرعة).
أما كون سالم وغانم يُقرع بينهما إذا لم تُجز الورثة على المذهب؛ فلأنه لم تترجح بينة أحدهما على الأخرى، والقرعة مرجحة. دليله: الإمامة والأذان.
وأما كون من تقع له القرعة يَعتق دون صاحبه؛ فلأن فائدة القرعة ذلك.
ولأن القرعة ترجحه. فيصير بمنزلة من بينته راجحة على بينة غيره.
وأما كون نصف كل واحدٍ منهما يَعتق بغير قرعة على قول أبي بكر وابن أبي موسى؛ فلأن القسمة أقرب إلى الصواب؛ لأن القرعة قد ترقّ السابق وهو مستحق. فإذا قسم العتق حصل له حرية نصفه.
والأول أقيس في المذهب؛ لأن الميت لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته أو وصى بعتقهم كُمّل العتق في بعضهم بالقرعة. ولو أعتق عبداً من عبيده أخرج بالقرعة. وما ذكر من حرية نصف السابق معارض بإرقاق نصف الحر يقيناً، وعتق نصف الرقيق يقيناً، وهو أعظم ضرراً.
قال: (وإن شهدت بينة غانم أنه قد رجع عن عِتق سالم عَتق غانم وحده سواء كانت وارثة أو لم تكن).
أما كون غانم يَعتق وحده؛ فلأن وصيته وصية بعتقٍ لم يتصل بها رجوع. بخلاف سالم فإنه وإن وجد في حقه وصية بعتقٍ لكنه اتصل بها رجوع.
стр. 2959
وأما كون ذلك كذلك سواء كانت البينة وارثة أو لم تكن؛ فلأن الوارثة إذا كانت هي الشاهدة بالرجوع لا تُتّهم؛ لاستواء قيمة العبدين المشهود بالوصية بعتقهما.
فإن قيل: شهادة الوارثة تثبت ولاء غانم لنفسها.
قيل: وتسقط ولاء سالم. على أن الولاء إنما هو إثبات سبب الميراث، ومثل ذلك لا تُرد به الشهادة. بدليل: شهادة الأخ لأخيه فإنها جائزة ويجوز أن يرثه.
قال: (وإن كانت قيمة غانمٍ سدس المال وبيّنته أجنبية قُبلت. وإن كانت وارثةً عَتق العبدان. وقال أبو بكر: يحتمل أن يُقرع بينهما، فإن خرجت القرعة لسالم عَتق وحده. وإن خرجت لغانمٍ عَتق هو ونصف سالم).
أما كون بينة غانم تقبل إذا كانت أجنبية؛ فلأنها غير متهمة.
فعلى هذا لا يعتق سالم؛ لشهادة البينة الأجنبية بالرجوع عن الوصية بعتقه، ويعتق غانم؛ لشهادة البينة بالوصية بعتقه السالمة عن الرجوع.
وأما كون العبدين يعتقان إذا كانت وارثةً على المذهب: أما سالم؛ فلشهادة البينة الأجنبية بالوصية بعتقه.
وأما غانم؛ فلإقرار الورثة بعتقه مع أنه أقل من ثلث الباقي.
وأما كونهما يحتمل أن يقرع بينهما على قول أبي بكر؛ فلأن التهمة في حق الورثة إنما هي في الرجوع فتبطل الشهادة بها، ويبقى أصل العتق لغانم، فاحتيج إلى القرعة؛ لتميز المستحق من غيره.
فعلى هذا إذا أخرجت القرعة تضرب. فإن خرجت لسالم عَتق وحده؛ لأنه كمال الثلث، وإن خرجت لغانم عَتق؛ لأنه أقل من الثلث، ويُعتق نصف سالم؛ لأن الثلث لا تكمل إلا بذلك.
стр. 2960
قال: (وإن شهدت بينة أنه أعتق سالماً في مرضه، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانمٍ وكل واحدٍ منهما ثلث المال عَتق سالم وحده. وإن شهدت بينةُ غانمٍ أنه أعتقه في مرضه أيضاً عَتق أقدمهما تاريخاً، فإن جُهلَ السابق عَتق أحدهما بالقرعة).
أما كون سالم يعتق في المسألة الأولى؛ فلأنه معتق في مرضه وغانم موصى بعتقه، وعطايا المريض مقدمة على وصاياه؛ لرجحانها بنفس الإيقاع.
وأما كون من بينته أقدم تاريخاً يعتق؛ فلأن كل واحدٍ من العبدين معتق في المرض، وعطايا المريض يقدم فيها الأقدم فالأقدم.
وأما كون أحدهما يعتق بالقرعة إذا جُهل السابق؛ مثل: أن تكون البينتين مطلقتين أو إحداهما؛ فلأن البينتين تساوتا فاحتيج إلى التمييز، والترجيح حاصل بالقرعة.
قال: (فإن كانت بينة أحدهما وارثةً ولم تكذب الأجنبية فكذلك. وإن قالت: ما أعتق سالماً إنما أعتق غانماً عَتق غانماً كله، وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بيّنته في أنه يَعتق إن تقدم تاريخ عتقه، أو خرجت له القرعة وإلا فلا).
أما كون حكم إذا كانت بينة أحد العبدين وارثةً ولم تكذب الأجنبية كما تقدم في أنه يَعتق الأقدم تاريخاً مع العلم به، وأحدهما بالقرعة مع الجهل به؛ فلأن الوارثة غير متهمة ولا مكذبة فهي بمثابة بينة الأجنبي، ولو كانت البينتان أجنبيتين لكان الأمر كذلك فكذلك إذا كانت إحداهما وارثة.
وأما كون غانم يَعتق كله إذا كذبت الوارثة الأجنبية؛ فلإقرار الورثة بعتقه.
وأما كون سالم يَعتق إن تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإلا فلا؛ فلأن طعن الوارثة في الأجنبية غير مقبول؛ لأن الأجنبية مثبتة والوارثة نافية، وقول المثبت مقدم على النافي. وإذا لم يقبل الطعن صار طعنها كلا طعن، ولو لم تطعن الوارثة في الأجنبية لكان الحكم كما ذكر فكذلك فيما هو بمنزلته.
قال: (وإن كانت الوارثة فاسقةً ولم تطعن في بينة سالم عَتق سالم كله. وينظرُ في غانم فإن كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له عَتق كله. وإن كان
стр. 2961
متأخراً أو خرجت القرعة لسالم لم يَعتق منه شيء. وقال القاضي: يَعتق من غانم نصفه. وإن كذبت بينة سالم عتق العبدان).
أما كون سالم يعتق كله إذا كانت الوارثة فاسقةً ولم تطعن في بينة سالم؛ فلأن البينة شهدت بعتقه ولم يوجد ما يعارضها.
وأما كون غانم يعتق كله إذا كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له؛ فلإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق.
وأما كونه لا يَعتق منه شيء إذا كان تاريخ عتقه متأخراً أو خرجت القرعة لسالم على قول غير القاضي؛ فلأنه قد ثبت عتق سالم لشهادة بينةٍ عادلةٍ، وعتق غانم بإقرار الورثة. فصار كما لو كانت البينتان عادلتين سواء إلا في أن حرية سالم لا تنتقض بشهادة الوارث؛ لأنه إقرار ليس بشهادة صحيحة.
وأما كونه يَعتق منه نصفه على قول القاضي؛ فلأنه مقر بعتقه مع ثبوت عتق الآخر بالبينة. فصار بالنسبة إليه كأنه أعتق العبدين وعتقه موجب للتوزيع عليهما. فكذلك بالنسبة إلى غانم.
وأما كون العبدين يعتقان إذا كذبت الوارثة بينة سالم؛ مثل أن تقول: ما أعتق سالماً وإنما أعتق غانماً؛ فلأن سالماً مشهود بعتقه وغانماً مقرٌ له بأنه لا مُستحق للعتق سواه.
стр. 2962
فصل [إذا اختلفا في دين مورثهما]
قال المصنف ﵀: (إذا مات رجل وخلّف ولدين مسلماً وكافراً، فادعى كل واحدٍ منهما أنه مات على دينه فإن عُرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه. وإن لم يُعرف فالميراث للكافر؛ لأن المسلم لا يُقر ولدَهُ على الكفر في دار الإسلام. وإن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم تقم به بينة فالميراث بينهما. ويحتمل أن يكون للمسلم؛ لأن حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه. وقال القاضي: القياس أن يُقرع بينهما. ويحتمل أن يقف الأمرُ حتى يظهرَ أصلُ دينه).
أما كون القول قول من يدعي الدين الذي عُرف أنه أصل دين الأب؛ فلأن الظاهر يعضده.
وأما كون الميراث للكافر إذا لم يُعرف أصل دين الأب؛ فلأن الظاهر أن الأب كان كافراً؛ لأنه لو كان مسلماً لما أُقر ولده على الكفر في دار الإسلام.
وأما كونه بينهما إذا لم يعرف المسلم بأن الكافر أخوه ولم تقم بينة على الأول؛ فلأنهما سواء في اليد والدعوى. أشبه ما لو تداعيا عيناً في أيديهما.
وأما كونه يحتمل أن يكون للمسلم؛ فلأن حكم الميت حكم المسلمين في الغسل والصلاة والدفن وغير ذلك.
وأما كون القياس أن يُقرع بينهما على قول القاضي؛ فلأن القرعة تُزيل الإبهام، وهو موجود هاهنا.
وأما كون الأمر يحتمل أن يقف حتى يظهرَ أصلُ دينه؛ فلأنه لا يُعلم المستحق إلا بذلك.
وظاهر كلام المصنف ﵀ فيها: أن غاية الإيقاف ظهور دين الميت فقط.
стр. 2963
وقال أبو الخطاب في هدايته: حتى يظهرَ أصلُ دينه أو يصطلحا. وهو صحيح فيجب أن يحمل كلام المصنف ﵀ عليه.
قال: (وإن أقام كل واحدٍ منهما بينة أنه مات على دينه تعارضتا. وإن قال شاهدان: نعرفه مسلماً، وقال شاهدان: نعرفه كافراً، فالميراث للمسلم إذا لم يُؤرخ الشهود معرفتهم).
أما كون البينتين تتعارضان إذا شهدت بينة كل واحدٍ منهما أنه مات على دينه؛ فلأنهما تساوتا، وذلك يوجب التعارض.
وأما كون الميراث للمسلم إذا لم يُؤرخ الشهود معرفتهم؛ فلأنه يمكن العمل بهما بأن تعرفه بينة تدعي الكفر ثم تعرفه بينة تدعي الإسلام بالإسلام.
فإن قيل: كما يجوز ما ذكر يجوز العكس.
قيل: إلا أنه خلاف الظاهر؛ لأن الأمر لو كان كذلك لما أُقر على كفره لأنه مرتد.
قال: (وإن خلّف أبوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الأبوين. ويحتمل أن القول قول الابنين).
أما كون القول قول الأبوين على الأول؛ فلأن كونهما كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه؛ لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه.
وأما كونه يحتمل أن القول قول الابنين؛ فلأن ظاهر الدار انقطاع حكم التبعية في الكفر؛ للبلوغ.
قال صاحب النهاية فيها مزيفاً للتبطيل المذكور: حكم الدار إنما يعتبر فيمن لا يعرف نسبه؛ كالمنبوذ.
قال: (وإن خلّف ابناً كافراً وأخاً وامرأة مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الابن على قول الخرقي. وقال القاضي: يُقرع بينهما. وقال أبو بكر: قياس المذهب أن تُعطى المرأة الربع، ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين).
أما كون القول قول الابن على قول الخرقي؛ فلأن الظاهر كون الأب كافراً؛ لأنه لو كان مسلماً لما أقرّ ولده على الكفر في دار الإسلام.
стр. 2964
وأما كونهما يُقرع بينهما على قول القاضي؛ فلأنها مشروعة في الإبهام وهو موجود هاهنا.
وأما كون قياس المذهب أن تُعطى المرأة الربع ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين على قول أبي بكر: أما الأول؛ فلأن الكافر لا يحجب الزوجة.
وأما الثاني؛ فلأنهما استويا في الدعوى.
فعلى هذا تصح المسألة من ثمانية.
قال: (ولو مات مسلم وخلّف ولدين مسلماً وكافراً فأسلم الكافر وقال: أسلمتُ قبل موت أبي وقال أخوه: بل بعده، فلا ميراث له. فإن قال: أسلمتُ في المحرم ومات أبي في صفر وقال أخوه: بل مات في ذي الحجة فله الميراث مع أخيه).
أما كون القائل المذكور لا ميراث له في المسألة الأولى؛ فلأنه يدعي الإسلام قبل موت أبيه المسلم وأخوه يُنكره، والقول قول المنكر.
وأما كونه له الميراث مع أخيه في المسألة الثانية؛ فلأن الأصل بقاء الأب إلى صفر فيكون الابن المدعي الإسلام في المحرم مسلماً قبل موت الأب. فيكون شريك أخيه.
стр. 2965
كتاب الشهادات
الأصل في الشهادة الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدَيْن من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأما السنة؛ فما روى وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ . فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرضي. فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه ... مختصر» (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه» (٢). قال الترمذي: في إسناده مقال، والعملُ عليه عند أصحاب العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم.
وأما الإجماع؛ فأجمع أهل العلم على مشروعيتها وإن اختلفوا في مسائل منها.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى الشهادة؛ لحصول التجاحد بين الناس.
قال المصنف ﵀: (تحمّل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين. وإن لم يقم بها من يكفي تعينت على من وجد.
قال الخرقي: ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعُه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك).
أما كون تحمّل الشهادة فرضاً؛ فلأنه لو لم يكن فرضاً لامتنع الناس من التحمّل فيؤدي إلى ضياع حقوق الناس.
стр. 2966
وأما كونه فرضاً على الكفاية؛ فلأن الحاجة المذكورة تندفع بشهادة من تقوم به الكفاية.
وأما كونه إذا قام بها من يكفي يسقط عن الباقين وإذا لم يقم بها من يكفي يتعين على من وجد؛ فلأن هذا شأن فرض الكفاية.
وأما كون الأداء فرضاً على الكفاية؛ فلما ذكر في التحمل.
فعلى هذا حكمه حكمُه.
وأما كونه فرض عين على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣].
ولأن الشهادة أمانة. فلزم أداؤها عند طلبها؛ كالوديعة، ولقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨].
وقول المصنف ﵀: قال الخرقي ... إلى آخره؛ تنبيه على هذه الرواية.
وقال صاحب المستوعب فيه: ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ أنه فرض عين؛ لعموم القرآن. يعني ما تقدم من الآيات.
قال: (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة عليها، ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين).
أما كون أخذ الأجرة لا يجوز لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين؛ فلأنه أخذ أجرة عن فرض؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضاً.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن النفقة على عياله فرض عين. فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية.
وقال المصنف ﵀ في المغني: من له كفاية ليس له أخذ الجُعل -يعني الأجرة -، ومن ليس له كفاية ولا تعينت عليه احتمل ذلك -يعني الجواز-، واحتمل أن لا يجوز.
قال: (ومن كانت عنده شهادة في حدٍّ لله أُبيح إقامتها ولم تستحب، وللحاكم أن يُعَرِّض لهم بالوقوف عنها في أحد الوجهين. ومن كانت عنده شهادة لآدمي
стр. 2967
يعلمها لم يُقمها حتى يسأله، فإن لم يعلمها استحب له إعلامه بها، وله إقامتها قبل ذلك).
أما كون من كانت عنده شهادة في حدٍّ من حدود الله تعالى يباح له إقامتها؛ فـ «لأن أبا بكرة وأصحابه والجارود وأبا هريرة أقاموا الشهادة على قدامة بن مظعون بشُرب الخمر» (١).
وفي تخصيص الشهادة المذكورة بالإباحة تنبيه على أن أداءها غير واجب؛ لأنها شهادة لا يستحب إقامتها؛ لما يأتي. فلأن لا يجب بطريق الأولى.
وأما كون إقامتها لا تستحب؛ فلأن الستر مندوب إليه، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «من سترَ مسلماً سترهُ اللهُ في الدنيا والآخرة» (٢).
وأما كون الحاكم له أن يُعَرِّض للشهود بالوقوف عن الشهادة المذكورة في وجه؛ فلأن التعريض للشهود بالرجوع كالتعريض للفاعل بالرجوع عن إقراره وذلك جائز؛ «لأن النبي ﷺ عرّض في قضية ماعز» (٣). وقال لسارق: «ما إخالُكَ سرقت» (٤) وفي رواية: «قل: لا» (٥). فليكن التعريض للشهود جائزاً؛ لأنه في معناه.
ولأن عمر قال في قضية المغيرة لما شهد عليه ثلاثة وجاء الرابع: «ما تقول يا شيخ؟ »، وفي لفظ آخر: «يا شيخ العقاب».
стр. 2968
وأما كونه ليس له ذلك في وجه؛ فلأن ذلك حق من الحقوق. فلم يجز للحاكم التعريض فيه للشهود بالرجوع؛ كحق الآدمي.
وأما كون من كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يُقمها حتى يسأله؛ فلأن النبي ﷺ قال: «خيرُ الناس قَرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يأتي قومٌ يَنذرونَ ولا يُوفون، ويَشهدونَ ولا يُستشهدون، ويخونونَ ولا يُؤتمنون» (١). رواه البخاري.
ولأن أداءها حق لآدمي. فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.
وأما كونه يستحب له إعلام صاحب الحق بالشهادة التي له؛ فلأن ذلك تنبيهاً على حقه.
وأما كونه له إقامتها قبل إعلامه بها؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكمْ بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبلَ أن يُسألها» (٢). رواه أبو داود.
فإن قيل: الحديث مطلق فيمن معه شهادة علم بها صاحبها أو لم يعلم.
قيل: الحديث الأول دل على المنع من الشهادة قبل أن يُستشهد بها. فيجب حمل الحديث هنا على شهادة لا يعلم بها صاحبها؛ لأن فيه جمعاً بين الحديثين.
قال: (ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع. والرؤية تختص بالأفعال؛ كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرهما. والسماع على ضربين: سماع من المشهود عليه نحو: الإقرار والعقود والطلاق والعتاق، وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك؛ كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزْل وما أشبه ذلك).
أما كون الشاهد لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]، وفي الحديث عن ابن عباس قال: «سُئلَ
стр. 2969
رسولُ الله ﷺ عن الشهادة. فقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهدْ أو دَعْ» (١). رواه الخلال في الجامع بإسناده.
ولأن الشهادة بغير علم رجم بالغيب وذلك حرام.
وأما كون ما يُعلم تارة برؤية، وتارة بسماع؛ فلأنهما من الحواس الخمس الموجبة للعلم. وفي قول النبي ﷺ : «هل ترى الشمس» (٢) إشارة إلى الرؤية، والسماع كالرؤية. وإنما لم يذكر بقية الحواس كالشم والذوق واللمس؛ لأنها ليست طريقاً في الشهادة.
ولأنها لا حاجة إلى شيء منها في الأغلب.
وأما كون الرؤية تختص بالأفعال كما ذكره المصنف ﵀؛ فلأن المسموع لا يُرى.
وأما كون السماع على ضربين؛ فلأنه تارة يكون من المشهود عليه؛ مثل: أن يقرّ أن لفلان عليه دَيناً أو قصاصاً، أو استأجر منه داره، أو اشترى منه ثوبه أو ما أشبه ذلك، وتارة من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك. والكلام فيه في موضعين:
أحدهما: في كون الاستفاضة طريقاً إلى الشهادة في الجملة. والأصل في ذلك أن المنع من الشهادة بذلك يؤدي إلى عدم ثبوت ما ذكر غالباً وفي بعضها قطعاً، وذلك ضررٌ عظيم، والضررُ منفيٌ شرعاً لا سيما العظيم منه.
وثانيهما: في عدد الذي يثبت بذلك، وذلك على ضربين:
أحدهما: مجمع عليه بين العلماء وهو النسب والولادة.
стр. 2970
وثانيهما: مختلف فيه وهو باقي الصور، وذلك كله يثبت بالاستفاضة في مذهب الإمام أحمد؛ لأن العلم في ذلك كله يتعذر غالباً. أشبه النسب.
فإن قيل: بعض الأشياء المذكورة يمكن العلم به بمشاهدة سببه.
قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن الإمكان لا ينافي التعذر غالباً.
وثانيهما: أن وجود السبب لا يعلم به المسبب قطعاً، وذلك أن الشاهد إذا رأى شخصاً يبيع شيئاً فقد شاهد السبب، والسبب غير مقطوع به يجوز أن يكون غير مملوك للبائع.
قال: (ولا تُقبل الاستفاضة إلا من عددٍ يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي، وقال القاضي: تُسمع من عدلين فصاعداً).
أما كون الاستفاضة لا تُقبل في ظاهر كلام الإمام أحمد إلا من عددٍ يقع العلم بخبرهم؛ فلأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء؛ لكثرته، وذلك يستدعي كثرة القائل بذلك.
وأما كونها تُسمع من عدلين فصاعداً في قول القاضي؛ فلأن الثابت بها حق من الحقوق. فوجب أن تسمع من عدلين؛ كسائر الحقوق.
قال: (وإن سمع إنساناً يقرّ بنسب أبٍ أو ابن فصدقه المقر له جاز إن شهد له به. وإن كذبه لم يشهد. وإن سكت جاز أن يشهد. ويحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر).
أما كون من سمع إنساناً يقر بنسب أبٍ أو ابن فصدقه المقر له يجوز أن يشهد له به؛ فلِتوافُق المقر والمقر له على ذلك.
وأما كونه لا يجوز أن يشهد له إذا كذبه المقر له؛ فلأنه لو أقر شخصٌ لشخصٍ بمال فكذبه المقر له لم يثبت ولم يجز لمن سمعه أن يشهد له. فلأن لا تجوز الشهادة بذلك في النسب بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز أن يشهد إذا سكت المقر له على المذهب؛ فلأن سكوته دليل على تصديقه. أشبه ما لو صدقه.
стр. 2971
وأما كونه يحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر؛ فلأنه لو أكذبه لم تجز الشهادة، وسكوته يحتمل التصديق والتكذيب.
واعلم أن هذا تعليل كلام المصنف ﵀ وعندي فيه نظر وذلك: أن الاختلاف المذكور في الصورة المذكورة ينبغي أن يكون في دعوى الأبوّة؛ مثل: أن يدعي شخص أنه ابن فلان وفلان يسمع فسكت فإن السكوت إذا نزل هنا منزلة الإقرار صار كما لو أقر الأب أن فلاناً ابنه، ويقوي ما ذُكر أن المصنف ﵀ ذكر في المغني إذا سُمع رجلاً يقول لصبي: هذا ابني جاز أن يشهد، وإذا سُمع الصبي يقول: هذا أبي والرجل يسمعه فسكت جاز أن يشهد؛ لأن سكوت الأب إقرار، والإقرار يثبت النسب فجازت الشهادة به. ثم قال: وإنما أقيم السكوت مقام النطق؛ لأن الإقرار على الأنساب الفاسدة لا تجوز. بخلاف سائر الدعاوي.
ولأن النسب يغلب فيه الإثبات. ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح.
ثم قال: وذكر أبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يشهد به مع السكوت حتى يتكرر.
والعجب من المصنف حيث نقل في المغني الاحتمال المذكور في هذه الصورة عن أبي الخطاب، وإنما ذكر أبو الخطاب الاحتمال المذكور في الصورة التي ذكرها المصنف ﵀ هنا، وفي خروج الخلاف فيما إذا ادعى شخص أنه ابن آخر بحضور الآخر فسكت ظاهر، وفي الصورة التي ذكرها المصنف ﵀ هنا الخلاف فيها بعيد.
قال: (وإن رأى شيئاً في يد إنسان يتصرّف فيه تصرّف المُلاّك من النقض والبناء والإجارة والإعارة ونحوها جاز أن يشهد بالمُلك له. ويحتمل أن لا يشهد إلا باليد والتصرف).
أما كون من رأى ما ذكر يجوز أن يشهد له بالملك على الأول؛ فلأن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها. فجرى مجرى الاستفاضة.
وأما كونه يحتمل أن لا يشهد إلا باليد والتصرف؛ فلأن يده تحتمل أن تكون غير مالكة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
стр. 2972
وأما قيام الاحتمال فلا يمنع جواز الشهادة بدليل: جواز الشهادة بالملك بناء على ما عاينه من التسبب؛ كالبيع والإرث ونحو (١) ذلك مع أنه يحتمل أن البائع ليس بمالك والموروث غير مالك.
стр. 2973
فصل [في صفة الشهادة]
قال المصنف ﵀: (ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه، وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدَي عدل ورضاها).
أما كون من شهد بالنكاح لا بد من ذكر شروطه؛ فلأنه مما يحتاط له لما فيه من إباحة الفروج.
وأما كونه لا بد من ذكر أنه تزوجها بولي مرشد وشاهدَي عدل ورضاها؛ فلأن النكاح الصحيح يتوقف على ذلك كله. أشبه الشروط.
قال: (وإن شهد بالرضاع فلا بد من ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها أو من لبن حُلب منه).
أما كون من شهد بالرضاع لا بد من ذكر الرضعات؛ فلأن الحل والحرمة في المرتضعة يختلف بذلك. فلم يكن بد من ذكر ذلك؛ لتتميز المحرمة بالرضاع من غيرها.
وأما كونه لا بد من ذكر أنه شرب من ثديها أو من لبن حُلب منه؛ فلأن ذلك من الشروط في التحريم. فلم يكن بد من ذكره في الشهادة بذلك؛ كذكر شروط النكاح في الشهادة به.
قال: (وإن شهد بالقتل احتاج أن يقول: ضربه بالسيف أو جرحه فقتله ومات من ذلك. وإن قال: جرحه فمات لم يحكم به).
أما كون من شهد بالقتل يحتاج إلى قول أحد الأمور المذكورة من الضرب بالسيف وما بعده؛ فلأن منه ما يوجب القتل ومنه ما لا يوجبه. فاحتيج إلى القول المذكور؛ ليترتب على الشهادة موجبها.
ولأن أحد ما ذكر شرط في إيجاب القتل. فاحتيج إلى قوله في الشهادة به؛ كذكر شروط النكاح في الشهادة به.
стр. 2974
وأما كون من قال في شهادته: جرحه فمات لا يحكم به؛ فلأنه لم يسند الموت إلى الجرح. فلم يثبت كون الموت بسبب جرحه.
قال: (وإن شهد بالزنا فلا بد أن يذكر بمن زنا، وأين زنا، وكيف زنا، وأنه رأى ذكره في فرجها. ومن أصحابنا من قال: لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان).
أما كون من شهد بالزنا لا بد أن يذكر بمن زنا على المذهب؛ فليُعلم هل هي ممن يجب بوطئها حدٌ أم لا؟ .
وأما كونه لا بد أن يذكر أين زنا على المذهب؛ فلأن الشهود قد يختلفون فيه. فيصير ذلك شبهة دارئة للحد.
و«لأن النبي ﷺ سأل ماعزاً عن ذلك» وكان مقراً. فلأن يسأل الحاكم الشهود عنه بطريق الأولى.
وأما كونه لا بد أن يذكر كيف زنا وأنه رأى ذكره في فرجها؛ فلأن في قصة ماعز: «قال له النبي ﷺ : أنكتَها؟ قال: نعم. قال: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها كما يغيبُ المرودُ في المكحلةِ والرشاء في البئر. قال: نعم» (١).
وإذا اعتبر ذلك في الإقرار ففي الشهادة أولى.
وروى أبو داود قصة اليهود وفيها: «أنهم قالوا للنبي ﷺ : إذا شهدَ أربعةٌ أنهم رأوْا ذكرهُ في فرجها مثلَ الميلِ في المُكْحُلة. فدعا رسولُ الله ﷺ بالشهود فشهدوا أنهم رأوْا ذكرهُ في فرجها مثل الميلِ في المكحُلة. فأمرَ النبي ﷺ برجمهما» (٢).
ولأن الشهود إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد. فاعتبر ذكر كيفيته؛ ليتحقق.
وأما كون ذكر المزني بها وذكر المكان لا يحتاج إليه على قول بعض أصحابنا؛ فلأنهما لم يذكرا في الحديثين المتقدم ذكرهما. فلم يحتج إلى ذكرهما في الشهادة.
стр. 2975
قال: (ومن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر المسروق منه والنصاب والحرز وصفة السرقة).
أما كون من شهد بالسرقة لا بد من ذكر المسروق منه؛ فلأنه قد يكون ممن يباح أخذ ماله. فلم يكن بد من ذكره؛ ليتميز حال من يجب القطع بسرقة ماله من حال من لا يجب القطع به.
وأما كونه لا بد من ذكر النصاب؛ فلأن القطع لا يجب بدونه؛ لما ذكر في باب السرقة. فلم يكن بد من ذكره؛ ليتحقق شرط وجوب القطع.
وأما كونه لا بد من ذكر الحرز؛ فلأن السرقة من غير حرزٍ لا يجب بها القطع. فلم يكن بد من ذكره؛ ليتحقق شرط وجوب القطع.
وأما كونه لا بد من ذكر صفة السرقة؛ فلأن الأخذ تارة يكون على وجه السرقة، وتارة على وجه الخُلْسة، وتارة على وجه النُهْبة. فلم يكن بد من ذكر صفة الأخذ؛ لتتميز السرقة الموجبة للقطع من غيرها.
قال: (وإن شهد بالقذف ذكر المقذوف وصفة القذف).
أما كون من شهد بالقذف يذكر المقذوف؛ فلأن موجبه يختلف باختلافه.
وأما كونه يذكر صفة القذف؛ فليُعلم أنه صريح لا يفتقر إلى شيء، أو كناية تفتقر إلى نية، أو ما يقوم مقامها.
قال: (وإن شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لم يُحكم له حتى يقولا: ولدتْه في ملكه. وإن شهدا أنه اشتراها من فلان أو وقفها أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه. وإن شهدا أن هذا الغزل من قطنه، أو الطير من بيضته، أو الدقيق من حنطته حُكم له بها).
أما كون من شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لا يحكم له حتى يقولا: ولدته في ملكه؛ فلأنه لا يتحقق كون الولد مملوكاً بدون ذلك؛ لجواز أن يكون ابن أمته وهو مملوك لغيره؛ مثل: أن تلده قبل أن يشتريها ثم يشتريها.
стр. 2976
فإن قيل: وقول الشاهدين: ولدته في ملكه لا يوجب كونه مملوكاً؛ لجواز أن يكون قد قيل له عن الأمة المذكورة أنها حرة فتزوجها ثم ولدت له ولداً ثم تبين أنها أمة فإن الولد يكون حراً، ويصح أن يقال: ابن أمة؛ فلأنها (١) ولدته في ملكه.
قيل: الغرور نادر، والنادر لا يعتدّ به. بخلاف ما تقدم ذكره.
وأما كون من شهد أنه اشترى الأمة من فلان أو وقفها أو أعتقها لا يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه؛ فلأنه لا بد من كون البائع والواقف والمعتق مالكاً؛ لأنه قد يبيع الإنسان ما لا يملك وقد يقفه وقد يعتقه.
ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهي في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع شيئاً من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضرة شاهدين، ثم ينتزعه المشتري من يد صاحبه، ثم يقتسماه، وفي ذلك ضررٌ عظيم لا يرد الشرع بمثله.
وأما كون من شهدا أن هذا الغزل من قطنه والطير من بيضته والدقيق من حنطته يحكم له بها؛ فلأن الغزل والدقيق عين ماله، والطير حادث من عين ماله.
قال: (وإذا مات رجل وادعى آخرُ أنه وارثه وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه سُلِّم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا. وإن قالا: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها).
أما كون من ادعى ما ذكر وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلم المال إليه؛ فلأن بذلك يظهر استحقاق المشهود له وعدم استحقاق غيره، والعلم لا يمكن الاطلاع عليه. فوجب الاكتفاء بالظاهر؛ لقوله ﵇: «أنا أقضي بالظاهر» (٢).
стр. 2977
وأما كون ذلك كذلك سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا؛ فلأن قول البينة يعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم وارث غير من شهد له.
وقال المصنف ﵀ في المغني: ويحتمل أن لا يقبل من غير أهل الخبرة الباطنة؛ لأن عدم علمهم بوارث ليس بدليل على عدمه. بخلاف أهل الخبرة.
وأما كونه يحتمل أن يسلم المال إليه إذا قال الشاهدان: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد؛ فبالقياس على ما ذكر قبل.
وأما كونه يحتمل أن لا يسلم المال إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها؛ فلأنه قبل الكشف عن ذلك لا يحصل الظن بنفي غير المشهود له؛ لأنه لا يلزم من عدم علمهما بوارث في البلد المذكور عدم علمهما بوارث، فلا يحصل الظهور الحاصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه.
وهذا أولى؛ لما ذكر من أنه لا يحصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه في هذا البلد كحصوله في قولها: لا نعلم له وارثاً سواه، وذلك يوجب قيام الفرق بينهما فلا يصح القياس معه.
قال: (وتجوز شهادة المستخفي. ومن سمع رجلاً يُقر بحقٍ أو يشهد شاهداً بحقٍ، أو سمع الحاكم يحكم أو يشهد على حكمه وإنفاذه في إحدى الروايتين، ولا يجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك).
أما كون شهادة المستخفي وهو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره يجوز في إحدى الروايتين والمراد قبول شهادته؛ فلأنه شهد بما سمع، وذلك هو المعتبر في صحة التحمل.
ولأن حاجة صاحب الحق قد تدعو إلى ذلك؛ مثل: أن يكون خصمه يقر سراً ويجحد جهراً. فلو لم تقبل شهادة المستخفي؛ لأدّى الحال إلى بطلان حق صاحبه في هذه الصورة المذكورة.
стр. 2978
وأما كونها لا تجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تجسّسوا﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «من حَدَّثَ بحديثٍ ثم التَفَتَ فهي أمانَة» (١). يعني أنه لا يجوز لسامعه أن يذكره عنه؛ لالتفاته وحذره.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والآية والخبر يحملان على غير ما ذكر؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة.
وأما كون شهادة من سمع رجلاً يُقرُ بحق، أو يشهد شاهداً بحق، أو سمع الحاكم يحكم، أو يشهد على حكمه وإنفاذه يجوز في أحد الروايتين؛ فلأن المعتمد عليه السماع وهو موجود.
ولأن قول المقر للشاهد: اشهد عليّ لو اعتبر لكان عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: إنه لم يشهدكما، ولسأل الذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر: هل أشهدكما، ولسأل عثمان الذين شهدوا على الوليد بن عقبة عن ذلك، ولسأل الذين شهدوا على السارق عن ذلك. ولم ينقل شيء من ذلك.
وأما كونها لا تجوز في صورة من الصور المتقدمة حتى يقول المشهود عليه للشاهد: اشهد عليّ في الأخرى؛ فلأنها شهادة عليه. فلم تجز قبل ذلك؛ كشهادة الشاهد على شهادة آخر.
стр. 2979
فصل [في اختلاف الشاهدين]
قال المصنف ﵀: (وإذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر، وشهد آخر أنه غصبه ثوباً أبيض، أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم، وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة. وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة).
أما كون البينة لا تكمل إذا اختلف الشاهدان في صفة المشهود له؛ فلأن أحد الثوبين غير الآخر؛ لأن الموصوف بكونه أحمر غير الموصوف بكونه أبيض فإذا كان كذلك لم يكن على العين الواحدة شاهدان. فلم تكمل البينة على واحدٍ منهما.
وأما كونها لا تكمل إذا اختلفا في الوقت في مسألة الغصب وفي كل شهادة على الفعل؛ فلأن أحد الفعلين غير الآخر؛ لأن الفعل الواقع في يوم غير الفعل الواقع في يومٍ آخر، وإذا كان كذلك لم يتوارد قول الشاهدين على فعل واحد، وذلك يوجب عدم كمال البينة؛ لما تقدم.
قال: (وإن شهد أحدهما أنه أقرّ له بألفٍ أمس وشهد آخر أنه أقرّ له بألفٍ اليوم، أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس وشهد آخر أنه باعه إياها اليوم: كملت البينة، وثبت البيع والإقرار).
أما كون البينة في مسألة الإقرار تكمل؛ فلأنه وإن كانا إقرارين فهما إقرار بشيء واحد. ولهذا لو شهدت بينة على إقرار زيد بمائة ثم شهدت بينة أخرى على إقراره بمائة حملت الثانية على الأولى ولم يلزمه سوى مائة.
ولأن المشهود عليه قد لا يمكنه أن يجمع الشهود ليقر عندهم دفعة واحدة. فاشتراط ذلك فيه مشقة عظيمة وذلك منتفٍ شرعاً.
стр. 2980
وأما كونها تكمل به في مسألة البيع؛ فلأن المشهود به شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحداً، واختلاف الشهود في الوقت ليس اختلافاً فيه. فلم يؤثر اختلافهما؛ كما لو شهد أحدهم بالعربية والآخر بالفارسية.
وأما كون كل واحدٍ من الإقرار والبيع يثبت؛ فلأن البينة كملت بكل واحدٍ منهما، وكمال البينة بالشيء يوجب ثبوته.
قال: (وكذلك كل شهادة على القول؛ إلا النكاح إذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة، وكذلك القذف. وقال أبو بكر: يثبت القذف).
أما كون كل شهادة على القول غير النكاح والقذف؛ كمسألتي الإقرار والبيع المتقدم ذكرهما في أن اختلاف الشاهدين في الوقت لا يؤثر؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الإقرار والبيع. وقد تقدم أن الاختلاف في الوقت لا يؤثر فكذلك يجب أن لا يؤثر فيما هو في معناه.
وأما كون النكاح ليس ككل شهادة على القول؛ فلأن اختلاف الشهود في الوقت يمنع من كمال البينة عليه ومن ثبوته: أما كونه يمنع من كمالها؛ فلأن البينة الكاملة تثبت موجبها كما تقدم، والبينة المذكورة لا تثبت موجبها؛ لما يأتي ذكره.
وأما كونه يمنع من ثبوته؛ فلأن من شرط صحته حضور الشاهدين له فإذا اختلفا في الوقت لم يتحقق حصول الشرط. فلم يثبت المشروط مع عدم تحقق شرطه.
وأما كون القذف كالنكاح على قول غير أبي بكر؛ فلأن موجب القذف حد، والحد يدرأ بالشبهة، وفي اختلاف الشهود شبهة.
وأما كون القذف يثبت بذلك على قول أبي بكر؛ فلأن الشهادة على ذلك على قول ليس بنكاح. أشبه الإقرار والبيع وسائر الأقوال.
قال: (وإن شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين ثبت ألف، ويحلف على الآخر مع شاهده إن أحب).
أما كون ألف تثبت؛ فلأنه شهد به شاهدان.