فصل [في الإقرار بالنسب]
قال المصنف ﵀: (وإذا أقرّ الرجل بنسب صغير أو مجنونٍ مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه منه. وإن كان ميتاً ورثه. وإن كان كبيراً عاقلاً لم يثبت حتى يصدقه. وإن كان ميتاً فعلى وجهين. ومن ثبت نسبه فجاءت أمه بعد موت المقرّ فادّعت الزّوجيّة لم تثبت بذلك).
أما كون نسب الصغير والمجنون المجهولي النسب يثبت بما ذكر مع الحياة؛ فلأن الظاهر أن الشخص لا يلحق به من ليس منه.
ولأن الأب أقرّ بذلك ولا معارض لقوله. فوجب قبوله؛ كما لو كانا مكلفين فأقرا بذلك.
وأما كونه يثبت مع الموت؛ فلأن سبب ثبوته مع الحياة الإقرار، وهو موجود هاهنا.
فإن قيل: التهمة موجودة مع الموت من أجل الميراث. فوجب أن لا يقبل؛ كسائر الإقرار المتهم فيه.
قيل: التهمة هنا لا أثر لها بدليل ما لو أقرّ بنسب صغير له مال.
وأما كون النسب لا يثبت إذا كان المقرّ به كبيراً عاقلاً حياً حتى يصدقه؛ فلأن تصديقه ممكن، والقبول يقتضي التوارث من الجانبين. فوجب أن يقف على التصديق.
وفي كلام المصنف ﵀ إشعار بأن المقرّ له المذكور إذا صدق ثبت نسبه. وهو صحيح؛ لأن تصديقه يحصل اتفاقهما على التوارث من الطرفين جميعاً.
وأما كونه لا يثبت إذا كان ميتاً على وجه؛ فلأن شرط القبول في الكبير العاقل التصديق ولم يوجد.
стр. 3047
وأما كونه يثبت على وجه؛ فلأنه مقرٌ به تعذر تصديقه. أشبه الصبي والمجنون.
وأما كون من يثبت نسبه إذا جاءت أمه (١) بعد موت المقرّ فادّعت الزّوجيّة لا يثبت؛ فلأن الولد لا يتعين كونه من زوجته؛ لاحتمال أن يكون من وطء شبهة.
قال: (وإن أقرَّ بنسب أخٍ أو عمٍ في حياة أبيه أو جده لم يُقبل. وإن كان بعد موتهما وهو الوارث وحده صح إقراره وثبت النسب. وإن كان معه غيره لم يثبت النسب، وللمقر له من الميراث ما فضل في يد المقر).
أما كون من أقرّ بنسب أخ أو عم في حياة أبيه أو جده لا يُقبل؛ فلأن كل واحد من الأب والجد له حق في النسب. فلم يثبت بدون إقرارهما بذلك.
وأما كونه يصح إقراره ويثبت نسب المقر به إذا كان بعد موتهما والمقر هو الوارث وحده؛ فلأنه لا منازع له في الميراث ولا حق لغيره في نسبه. فوجب أن يصح إقراره؛ كما لو أقر الأب أن شخصاً ابنه.
وأما كون النسب لا يثبت إذا كان مع المقرّ المذكور وارث غيره؛ فلأن المقرّ بعض الورثة، وإقرار الكل شرط في ثبوته ضرورة أن النسب لا يتبعض. فيثبت بالنسبة إلى المقر دون المنكر.
وأما كون المقر له له (٢) من الميراث ما فضل في يد المقر؛ فلأن بإقراره يتبين أن ذلك له.
قال: (وإن أقرّ من عليه ولاء بنسب وارث لم يُقبل إقراره إلا أن يصدقه مولاه).
أما كون إقرار من ذكر لا يُقبل إذا صدقه مولاه؛ فلأن قبول ذلك يؤدي إلى إسقاط ميراث المولى وفي ذلك ضرر.
ولأن المقر متَّهم؛ لاحتمال قصده منع مولاه. فلم يُقبل؛ كسائر الإقرارات المتهم فيها.
وأما كونه يقبل إذا صدقه مولاه؛ فلأن الحق له فإذا صدقه وجب قبوله.
стр. 3048
قال: (وإن أقرّت المرأة بنكاحٍ على نفسها فهل تُقبل؟ على روايتين. وإن أقرّ الولي عليها به قُبل إن كانت مجبرة وإلا فلا).
أما كون إقرار المرأة المذكورة بما ذكر يُقبل على رواية؛ فلأنها غير متهمة فيه؛ لأنها يمكنها أن تجدد العقد معه بشروطه.
وأما كونه لا يُقبل على رواية؛ فلأن النكاح يفتقر إلى شروطٍ ولا يعلم حصولها بالإقرار.
وأما كون إقرار (١) المولى عليها بذلك يُقبل إذا كانت مجبرة كالثيب الصغيرة والبكر مع أبيها؛ فلأن من ملك شيئاً ملك الإقرار به.
وأما كونه لا يُقبل إذا لم تكن مجبرة كالأخت مع أخيها؛ فلأنه لا يملك تزويجها بغير رضاها. فلم يملك الإقرار عليها به؛ كالأجنبي.
قال: (وإن أقرّ أن فلانة امرأته، أو أقرت أن فلاناً زوجها فلم يصدق المقرُّ له المقرَّ إلا بعد موت المقرِّ صح وورثه).
أما كون الإقرار المذكور يصح؛ فلأنهما تصادقا على ذلك في الجملة.
وأما كون المقر له يرث المقر؛ فلصحة إقراره بالزوجية.
قال: (وإن أقرّ الورثة على موروثهم بدَين لزمهم قضاؤه من التركة. وإن أقرّ بعضهم لزمه منه بقدر ميراثه. فإن لم يكن له تركة لم يلزمهم شيء).
أما كون الورثة إذا أقرّوا على موروثهم بدين يلزمهم قضاؤه من التركة؛ فلأنهم أقروا باستحقاق ذلك على موروثهم، والإقرار أبلغ من البينة. ولو شهدت بينة بدين على موروثهم لزمهم قضاؤه من التركة. فكذلك فيما هو أبلغ منه.
وأما كون بعضهم إذا أقرّ بدين يلزمهم منه بقدر ميراثه؛ فلأنهما لا يستحقون من الإرث أكثر من ذلك. فلا يلزمهم أكثر من قدره.
فعلى هذا إن كان المقرُ واحداً من اثنين فعليه النصف من الدين كما أن له النصف من الميراث، وإن كان أحد ثلاثة فعليه الثلث كما أن له الثلث من الميراث. وعلى هذا فقس.
стр. 3049
وأما كون الورثة لا يلزمهم شيء إذا لم يكن للميت تركة؛ فلأنهم لا يلزمهم أداء دين موروثهم في حياته إذا كان مفلساً. فكذلك لا يلزمهم ذلك إذا كان ميتاً.
стр. 3050
فصل [في الإقرار للحمل]
قال المصنف ﵀: (وإذا أقرّ لحمل امرأة صح. فإن ألقتْه ميتاً أو لم يكن حملٌ بطل. وإن ولدت حياً وميتاً فهو للحي. وإن ولدتهما حيّين فهو بينهما سواء الذكر والأنثى. ذكره ابن حامد. وقال أبو الحسن التميمي: لا يصح الإقرار إلا أن يعزيه إلى [سبب من] (١) إرثٍ أو وصيةٍ فيكون بينهما على حسب ذلك).
أما كون الإقرار للحمل المعزى إلى سبب من إرثٍ أو وصية يصح فلا شبهة فيه؛ لأنه إقرار مستند إلى سبب صحيح.
وأما كونه يصح مطلقاً على المذهب؛ فلأن الحمل يصح أن يَملك بوجه صحيح. فصح الإقرار المطلق له؛ كالطفل.
وأما كونه لا يصح على قول أبي الحسن التميمي؛ فلأن الحمل لا يَملك بغير الشيئين.
والأول أولى؛ لأنه لا يلزم من انحصار سبب لاستحقاق ذكر السبب في الإقرار. بدليل الطفل.
فعلى هذا إن ألقت المرأة الحمل ميتاً أو لم يكن حملٌ بطل الإقرار بفوت شرطه. وإن ولدت حياً وميتاً فهو للحي؛ لأن الشرط فيه فهو محقق دون الميت. وإن ولدتهما حيّين فهو بينهما بالسوية؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، وعلى الثاني هو باطل من أصله. فإن عزاه فمات الحمل نظرت من عزاه إلى إرث عاد إلى ورثة موروث الطفل. وإن عزاه إلى وصية عادت ورثة الموصي. وإن ولدت حياً وميتاً فنصيب الحي له ونصيب الميت حكمه حكم ما لو كان الحمل واحداً ثم مات وقد تقدم ذكره. وإن ولدتهما حيّين فإن عزاه إلى إرثٍ فهو بينهما؛ كالميراث للذكر مثل حظ الأنثيين؛ كالبنين والإخوة للأبوين أو للأب أو الذكر
стр. 3051
والأنثى سواء؛ كالإخوة للأم. وإن عزاه إلى وصية فهو على ما وصى فإن كانت مطلقة فالذكر والأنثى سواء.
قال: (ومن أقرّ لكبير عاقل بمال فلم يُصدقه بطل إقراره في أحد الوجهين، وفي الآخر: يؤخذ المال إلى بيت المال).
أما كون الإقرار المذكور يبطل بالنسبة إلى استحقاق المقر له المقر به فلا خلاف فيه إذا كذبه؛ لأن الإنسان لا يثبت له ملك هو مقر بأنه لا يستحقه.
وأما كونه يبطل بالنسبة إلى عدم استحقاق المقر له والمقر به في وجه؛ فلأن ذلك أحد جهتي الإقرار. فوجب بطلانها؛ كالجهة الأخرى.
ولأن المال محكوم له به فإذا رده المقر له بقي على ما كان الحال عليه.
فعلى هذا يُقَرّ المال في يد المقر.
وأما كونه لا يبطل في وجه؛ فلأن بطلانه بالنسبة إلى المقر له -أعني اختص به- فاختص البطلان به.
فعلى هذا يؤخذ ويجعل في بيت المال؛ لأنه مال لا يدعيه أحد. فوجب على الإمام حفظه وجعله في بيت المال؛ كالمال الضائع.
стр. 3052
باب ما يحصل به الإقرار
قال المصنف ﵀: (إذا ادُّعيَ عليه ألفاً فقال: نعم، أو أجل، أو صدقت، أو أنا مُقرٌ بها، أو بدعواكَ: كان مُقراً).
أما كونه مقراً إذا قال: نعم؛ فلأنها حرف موضوع للتصديق، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم﴾ [الأعراف: ٤٤]: كانوا مقرين.
وأما كون المدعَى عليه مقراً إذا قال: أجل؛ فلأنه حرف موضوع للتصديق. ولذلك لما قيل لسلمان: «عَلَّمكُمْ نبيكُمْ كلَّ شيءٍ حتى الخِرَاءَة. قال: أجَل» (١).
ومنه قول الشاعر:
وقلن على الفردوس أول مشرب ... أجل جيران كانت دعاثره
وأما كونه مقراً إذا قال: صدقت؛ فلأنه تصديق صريح.
وأما كونه مقراً إذا قال: أنا مقرٌ بها أو بدعواكَ؛ فلأن المتصل بقوله: أنا مقرٌ يزيل الاحتمال ويزيل الشبهة.
قال: (وإن قال: أنا أُقرُّ، أو لا أنكر، أو يجوز أن يكون محقاً، أو عسى، أو لعل، أو أظن، أو أحسب، أو أقدر، أو خذ، أو اتزن، أو أحرز، أو افتح كمك: لم يكن مُقراً).
أما كون المدعى عليه لا يكون مُقراً إذا قال: أنا أقر؛ فلأن ذلك وعدٌ بالإقرار في المستقبل، والوعد بالشيء لا يكون إقراراً به.
وأما كونه لا يكون مقراً إذا قال: لا أنكر؛ فلأنه لا يلزم من عدم الإنكار الإقرار؛ لأن ثم قسماً آخر وهو عدمهما معاً.
стр. 3053
ولأنه يحتمل أن يكون مراده لا أُنكر بطلان دعواك.
وأما كونه لا يكون مقراً إذا قال: يجوز أن يكون مُحقاً؛ فلأن الجواز المذكور معارض بجواز أن لا يكون محقاً.
ولأنه لا يلزم من جواز الشيء وجوبه.
وأما كونه لا يكون مقراً إذا قال: أظن أو أحسب أو أقدر؛ فلأن هذه الألفاظ تستعمل في الشك.
وأما كونه لا يكون مقراً إذا قال: خذ أو اتزن أو أحرز؛ فلأنه يحتمل خذ الجواب مني أواتزن أو أحرز مالك على غيري.
وأما كونه لا يكون مقراً [إذا قال: افتح كمك؛ فلأنه يحتمل افتح كملك لشيء آخر] (١).
[قال: (وإن قال: أنا مقرٌ أو خذها أو اتزنها أو اقبضها أو أحرزها أو هي صحاح فهل يكون مقراً؟ ] (٢) يحتمل وجهين).
أما كون المدعى عليه إذا قال: أنا مقر يحتمل أن يكون مقراً؛ فلأن ذكر ذلك عقيب الدعوى عليه ينصرف إليها.
وأما كونه يحتمل أن لا يكون مقراً؛ فلأنه يحتمل أن يريد غير ذلك؛ مثل: أن يعني أنا مقر بالشهادة أو ببطلان دعواك.
وأما كونه إذا قال: خذها أو اتزن بها أو اقبضها أو احرزها أو هي صحاح يحتمل أن يكون مقراً؛ فلأن الكناية تعود إلى ما تقدم (٣).
وأما كونه يحتمل أن لا يكون مقراً؛ فلأن الصفة ترجع إلى المدعي ولم يقر أنه واجب.
стр. 3054
قال: (وإن قال: له عليّ ألف إن شاء الله، أو في علمي، أو فيما أعلم. أو قال: اقضني ديني عليك ألفاً، أو سلّم إليّ ثوبي هذا، أو فرسي هذه فقال: نعم: فقد أقرّ بها).
أما كون المدعى عليه مقراً إذا قال: له عليّ ألف إن شاء الله؛ فلأنه وجد منه الإقرار وعَقَّبه بما لا يقيده ولا يقتضي رفع الحكم. فلزمه ما أقرّ به؛ كما لو قال: له عليّ ألف في علم الله أو قال: مشيئته.
وأما كونه مقراً إذا قال: له عليّ ألف في علمي أو فيما أعلم؛ فلأن ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب.
وأما كونه مقراً في المسائل الثانية؛ فلأن قول: نعم في جواب: اقضني أو سلّم إليّ جواب صريح. أشبه ما لو قال: لك عندي.
قال: (وإن قال: إن قدم فلانٌ فله عليّ ألفٌ لم يكن مُقراً. وإن قال: له عليّ ألف إن قدم فلانٌ فعلى وجهين).
أما كون قائل ما ذكر لا يكون مقراً إذا قدم الشرط؛ فلأن المعلق بالشرط عدم عند عدمه. فإذا لم يكن للمقر له على المقر ألف قبل الشرط لم يكن عليه بعد الشرط؛ لأن الشرط لا يقتضي إيجاب ذلك.
وأما كونه لا يكون مقراً إذا أخر الشرط على وجهٍ؛ فلما تقدم.
وأما كونه يكون مقراً على وجهٍ؛ فلأن قوله: له عليّ ألف يقتضي كون ذلك له عليه، وقوله بعدُ: إن: إن نافاه بطل فيه للمنافاة فيبقى ما قبل ذلك على ما كان عليه.
قال: (وإن قال: له عليّ ألف إذا جاء رأسُ الشهر كان إقراراً. وإن قال: إذا جاء رأسُ الشهر فله عليّ ألفٌ فعلى وجهين).
أما كون ما ذكر إقراراً مع تأخر الشرط؛ فلأن المقر به ثبت بالإقرار، والشرط بعده يحتمل أنه أراد به المحِل. فلم يبطل الإقرار بالاحتمال.
وأما كونه لا يكون إقراراً مع تقدمه على وجه؛ فلأنه بدأ بالشرط، وذلك يقتضي تعلق إقراره به، وما لا يكون عليه في الحال لا يكون عليه في المآل.
стр. 3055
وأما كونه يكون إقراراً على وجه؛ فلأن المعلق على الشرط لا فرق بين تقدمه وتأخره.
قال: (وإن قال: له عليّ ألف إن شهد به فلان، أو إن شهد به فلان صَدَّقته: لم يكن مقراً. وإن قال: إن شهد به فلان فهو صادقٌ احتمل وجهين).
أما كون من قال: له عليّ ألف إن شهد به فلان لا يكون مقراً؛ فلأنه علق الوجوب على شرط.
وأما كونه لا يكون مقراً إذا قال: إن شهد به فلان صَدَّقته؛ فلأنه قد يصدّقُ من ليس بصادق.
وأما كون من قال: إن شهد به فلان فهو صادق يحتمل أن يكون مقراً؛ فلأنه لا يتصور صدق الشاهد إلا بأن يكون المشهود به ثابتاً عليه، وقد اعترف بكونه صادقاً فيكون مقراً بذلك.
وأما كونه يحتمل أن لا يكون مقراً؛ فلأنه علق إقراره على شرط. أشبه ما لو قال: إن شهد به فلان صدقته.
قال: (وإن أقرّ العربي بالعجميّة أو العجمي بالعربيّة وقال: لم أدر معنى ما قلت: فالقولُ قوله مع يمينه).
أما كون القول قول من ذكر؛ فلأن الظاهر صدقه والقول قول من عضد قوله الظاهر. ولذلك كان القول قول المنكر؛ لأن الأصل براءة ذمته. والأصل والظاهر أخوان.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلأنه يحتمل كذبه. أشبه المنكر.
ولأن كل من كان القول قوله كان ذلك مع يمينه، وهاهنا القول قوله فيكون مع يمينه.
стр. 3056
باب الحكم فيما إذا وصل بإقراره ما يغيره
قال المصنف ﵀: (إذا وصل به (١) ما يسقطه؛ مثل: أن يقول: له عليّ ألف لا يلزمني، أو قد قبضه، أو استوفاه، أو ألف من ثمن خمرٍ، أو تكفلت به على أني بالخيار، أو ألف إلا ألفاً، أو إلا ستمائة: لزمته الألف).
أما كون من قال: له عليّ ألف لا يلزمني أو قد قبضه أو استوفاه يلزمه الألف؛ فلأن مجموع قوله لا يمكن تصحيحه. إذ لا سبيل إلى أن يكون عليه ألف على وجه له لا يلزمه أو أنه مقبوض أو مستوفى. فإذا لم يمكن تصحيح المجموع لغى ما حصل به الفساد. فيبقى له عليّ ألف.
وأما كون من قال: له عليّ ألف من ثمن خمرٍ يلزمه الألف؛ فلأن ثمن الخمر لا يكون عليه. فذكر ذلك بعد الإقرار رَفَع الألف بجملته. فلم يصح الدفع؛ كما لو قال: عليّ ألف لا يلزمني.
وأما كون من قال: له عليّ ألف تكفلت به عن فلان على أني بالخيار يلزمه الألف؛ فلأن ذلك رفع لجميع ما أقر به. فلم يقبل قوله فيه؛ كالصورة المذكورة قبل.
وأما كون من قال: له عليّ ألف إلا ألفاً يلزمه الألف؛ فلأنه استثنى الكل، واستثناء الكل لا يصح؛ لأنه لم ترد به لغة.
ولأن صحته توجب جعل الكلام لغواً، والأصل في الكلام أن يقع غير لغو، وإذا لم يصح الاستثناء بقي قوله: عليّ ألف، وذلك يقتضي لزومه له.
وأما كون من قال: له عليّ ألف إلا ستمائة يلزمه الألف؛ لأنه استثنى الأكثر من الأقل، وذلك لا يصح؛ لأنه لم يرد في لغة العرب، ولذلك قال
стр. 3057
الزَّجّاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير، ولو قال قائل: مائة إلا تسعة وتسعين لم يكن متكلماً بالعربية.
فإن قيل: قد ورد ذلك في القرآن بدليل قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿فبعزتك لأُغوِينّهم أجمعين? إلا عبادَك منهم المخلَصين﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. استثنى سبحانه الغاوين من العباد، وثانياً العباد من الغاوين. وأيهما كان أكثر فقد استثنى الأكثر من الأقل.
ومنه قول الشاعر:
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكماً بالحق قواما
قيل: أما الآيتان ففي أحدهما استثنى المخلَص من بني آدم وهم أقل، وفي الأخرى استثنى الغاوين من العباد وهم الأقل؛ لأن الملائكة كلهم طائعون.
وأما البيت فقال ابن فضال النحوي: هو بيت مصنوع لم يثبت عن العرب. ثم على تقدير صحته ليس فيه استثناء.
قال: (وإن قال: كان له عليّ ألف وقضيته، أو قضيت منه خمسمائة: فقال الخرقي: ليس بإقرارٍ والقولُ قوله مع يمينه. وقال أبو الخطاب: يكون مقراً مدّعياً للقضاء فلا يُقبل إلا ببينة، فإن لم تكن بينة حلف المدعي أنه لم يقض ولم يبرأ واستحق وقال: هذا رواية واحدة ذكرها ابن أبي موسى).
أما كون القول المذكور ليس بإقرار على قول الخرقي وهو رواية عن الإمام أحمد؛ فلأنه قول يمكن صحته من غير تناقض في اللفظ. فوجب أن يقبل؛ كاستثناء البعض.
وأما كون قائله مقراً مدّعياً للقضاء فلا يُقبل إلا ببينة على قول أبي الخطاب؛ فلأنها رواية عن الإمام: أما كونه مقراً؛ فلأن قوله: كان له عليّ ألف إقرار بالدين. بدليل أنه لو سكت على ذلك لكان الأمر كذلك.
وأما كونه مدّعياً للقضاء؛ فلأن قوله: وقضيته دعوى كذلك.
وأما كونه لا يُقبل قوله إلا ببينة؛ فلأن كل من ادعى شيئاً لا يُقبل إلا ببينة.
стр. 3058
فإن لم تكن له بينة حلف المدعي أنه لم يقض ولم يبرئ؛ لأن المدعى عليه ادعى القضاء وقوله محتمل. فيجب أن يحلف على نفي ذلك وعلى البراءة منه.
وأما كون المدعي يستحق ذلك؛ فلأن خصمه أقر به وقد حلف هو على عدم المسقط. فتعين الاستحقاق؛ لحصول ما يوجب وبقي ما يعارضه.
стр. 3059
فصل [في الاستثناء]
قال المصنف ﵀: (ويصح استثناء ما دون النصف. ولا يصح فيما زاد عليه. وفي استثناء النصف وجهان. فإذا قال: له عليّ هؤلاء العبيد العشرة إلا واحداً لزمه تسليم تسعة. فإن ماتوا إلا واحداً فقال: هو للمستثنى فهل يُقبل؟ على وجهين. وإن قال: له هذه الدار إلا هذا البيت، أو هذه الدار له وهذا البيت لي: قُبل منه).
أما كون استثناء ما دون النصف يصح؛ فلأن ذلك وارد في القرآن والشعر وكلام العرب الفصيح.
وأما كون الاستثناء فيما زاد على النصف وهو الكل والأكثر لا يصح؛ فلما تقدم في قوله: إلا ألفاً أو إلا ستمائة.
وأما كون استثناء النصف لا يصح في وجه؛ فبالقياس على ما زاد.
وأما كونه يصح في وجه؛ فبالقياس على ما نقض.
والأول أولى؛ لأنه لم يرد في اللغة فإلحاقه بالأكثر أولى.
ولأن مقتضى الدليل أن لا يصح الاستثناء؛ لأنه إبطال بعد إقرارٍ. تُرك العمل به في الأقل للإجماع. فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون من قال: له عليّ هؤلاء العبيد العشرة إلا واحداً يلزمه تسليم تسعة؛ فلأن اللفظ يقتضي وجوب العشرة. خرج استثناء الواحد بالاستثناء الصحيح. فيبقى تسعة.
وأما كونه يُقبل قوله -إذا ماتوا إلا واحداً- هو المستثنى على وجه؛ فلأنه هو المقِرّ وقد فسر كلامه بتفسير يحتمله. فوجب قبوله؛ كما لو قال: له عندي شيء ثم فسره.
وأما كونه لا يُقبل على وجه؛ فلأنه يرفع به جميع ما أقر به.
стр. 3060
والأول أولى؛ لما تقدم. والتفسير المذكور ليس رفعاً للإقرار، وإنما تعذر تسليم المقر به لا لمعنى يرجع إلى التفسير.
وأما كون من قال: له هذه الدار إلا هذا البيت، أو هذه الدار له وهذا البيت لي يُقبل منه؛ فلأن الأول استثناء للبيت من الدار والثاني في معنى الاستثناء، والاستثناء صحيح، وما في معناه ملحق به.
قال: (وإذا قال: له عليّ درهمان وثلاثة إلا درهمين، أو له عليّ درهم ودرهم إلا درهماً: فهل يصح الاستثناء؟ على وجهين).
أما كون الاستثناء فيما ذكر يصح في وجهٍ؛ فلأن الواو في قوله: درهمان وثلاثة، وفي قوله: درهم ودرهم يجعل الجملتين جملة واحدة. فيصير الاستثناء في المسألة الأولى درهمين من خمسة، وفي الثانية درهماً من درهمين، وذلك استثناء صحيح؛ لأنه أقل من الأكثر فيهما.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن الاستثناء يحتمل أن يعود إلى الجملة التي ثلاثة. فيكون درهمين من ثلاثة، ودرهم من درهم، وذلك لا يصح؛ لأنه في المسألة الأولى استثنى الأكثر، وفي الثانية استثنى الكل.
قال: (وإن قال: له عليّ خمسة إلا درهمين ودرهماً لزمه الخمسة في أحد الوجهين، وفي الآخر يلزمه ثلاثة).
أما كون قائل ما ذكر يلزمه الخمسة في وجهٍ؛ فلأن الواو في قوله: ودرهماً جعل معنى الكلام كقوله: عليّ خمسة إلا ثلاثة، واستثناء الثلاثة من الخمسة لا يصح فيبقى قوله: عليّ خمسة على موجب إقراره السالم عن معارضة الاستثناء.
وأما كونه يلزمه ثلاثة في وجهٍ؛ فلأنه استثنى من الخمسة درهمين فيبقى ثلاثة.
فإن قيل: إنما استثنى درهمين ودرهماً.
قيل: يجب أن لا يصح العطف؛ لئلا يكون مستثنياً للأكثر.
قال: (ويصح الاستثناء من الاستثناء، فإذا قال: له عليّ سبعة إلا ثلاثة إلا درهماً يلزمه خمسة. وإن قال: له عليّ عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة إلا درهمين إلا درهماً
стр. 3061
لزمه عشرة في أحد الوجوه، وفي الآخر يلزمه ستة، وفي الآخر سبعة، وفي الآخر ثمانية).
أما كون الاستثناء من الاستثناء يصح؛ فلأنه إذا صح الاستثناء. فلأن يصح الاستثناء من الاستثناء بطريق الأولى؛ لأن الاستثناء إبطال، والاستثناء منه رجوع إلى موجب الإقرار.
وأما كون من قال: له عليّ سبعة إلا ثلاثة إلا درهماً يلزمه خمسة؛ فلأن السبعة بقي منها أربعة؛ لأنه خرج منها ثلاثة بالاستثناء، وعاد بالاستثناء من الاستثناء درهم. فإذا ضممته إلى الأربعة صار المجموع خمسة.
وأما كون من قال: له عليّ عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة إلا درهمين إلا درهماً فيه الوجوه المذكورة؛ فلأن ذلك مبني على استثناء النصف، وعلى أنه إذا بطل الاستثناء هل يبطل الاستثناء من الاستثناء؟ وفيهما خلاف: أما الخلاف في استثناء النصف فقد تقدم ذكره.
وأما بطلان الاستثناء من الاستثناء؛ فلأنه تابع للاستثناء ومتعين به. فوجب بطلانه ببطلانه.
وأما عدم بطلانه؛ فلأنه إذا بطل الاستثناء ولي الاستثناء من الاستثناء المستثنى منه. فيجب أن يعمل عمله؛ كما لو لم يكن بينهما شيء.
ولأن الفاسد وجوده كعدمه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حكم الاستثناء من الاستثناء حكم ما ولي الاستثناء منه.
فعلى قولنا لا يصح استثناء النصف ويبطل الاستثناء من الاستثناء يلزمه عشرة؛ لأنه استثنى منها خمسة وذلك لا يصح؛ لأنه النصف، وإذا لم يصح الاستثناء بطل الاستثناء من الاستثناء فيبقى قوله: عشرة سالماً عن المعارض.
وعلى قولنا: يصح استثناء النصف ولا يبطل الاستثناء من الاستثناء ببطلان الاستثناء يلزمه ستة؛ لأنه إذا صح استثناء الخمسة من العشرة بقي خمسة، واستثناء الثلاثة من الخمسة لا يصح؛ لكونها أكثر فيبطل. ويلي قوله: إلا درهمين قوله: إلا خمسة وهو استثناء صحيح؛ لأنه أقل من النصف. وإذا صح استثناء ذلك عاد
стр. 3062
من الخمسة الخارجة درهمان خرج منها درهم بقوله: إلا درهماً بقي درهم فإذا ضممته إلى الخمسة الباقية أول مرة صار المجموع ستة.
وعلى قولنا: لا يصح استثناء النصف ولا يبطل الاستثناء من الاستثناء يلزمه سبعة؛ لأن استثناء الخمسة لا يصح؛ لأنها نصف، واستثناء الدرهمين من الثلاثة لا يصح؛ لأنهما أكثر، واستثناء الدرهم من الدرهمين لا يصح؛ لأنه نصف. بقي قوله: إلا ثلاثة صحيحاً فيصير بمنزلة قوله: له عليّ عشرة إلا ثلاثة وفي ذلك يلزمه سبعة فكذلك هاهنا.
وعلى قولنا: لا يصح استثناء النصف ويبطل الاستثناء من الاستثناء ببطلان الاستثناء يلزمه ثمانية؛ لأن استثناء الخمسة لا يصح؛ لأنها نصف المستثنى منه، وإذا لم يصح ذلك ولي المستثنى منه قوله إلا ثلاثة. فينبغي أن يعمل عمله. لكن وليه قوله: إلا درهمين، وذلك لا يصح؛ لأنه أكثر، وإذا لم يصح ولي قوله: إلا درهماً قوله: إلا ثلاثة فعاد منها درهم للسبعة الباقية فيصير مجموع الباقي ثمانية.
قال: (ولا يصح الاستثناء من غير الجنس. نص عليه. فإذا قال: له عليّ مائة درهم إلا ثوباً لزمته المائة؛ إلا أن يستثني عيناً من ورق أو ورقاً من عين فيصح ذكره الخرقي. وقال أبو بكر: لا يصح، فإذا قال: له عليّ مائة درهم إلا ديناراً فهل يصح؟ على وجهين).
أما كون الاستثناء من غير الجنس في غير العين من الورق كقول المصنف ﵀: له عليّ مائة درهم إلا ثوباً لا يصح؛ فلأن الثوب غير داخل في مدلول المائة فكيف يخرج منها؟ .
فإن قيل: قد ورد الاستثناء من غير الجنس في القرآن والشعر: أما في القرآن؛ فقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن﴾ [الكهف: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً﴾ [مريم: ٦٢].
وأما الشعر؛ فقول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيسُ ... إلا اليعَافيرُ وإلا العيسُ
стр. 3063
وقول الآخر:
وما بالربع من أحدٍ ... إلا أُوارَيَّ لأيا (١) ما أبينها
قيل: الاستثناء من غير الجنس يجيء معنى لكون ذلك لا مدخل له في الإقرار؛ لأن الإقرار إثبات. ولكن إنما هو الاستدراك بعد الحجة. فلا يحسن ذلك مع الإقرار بحال.
فعلى هذا يلزم المقر في الصورة التي ذكرها المصنف ﵀ مائة؛ لأن الاستثناء لما لم يصح لغى. فبقي قوله: له مائة سالماً عن المعارض.
وأما كون الاستثناء من غير الجنس في العين والورق كقول المصنف ﵀: له عليّ مائة إلا ديناراً لا يصح على وجه؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يصح على وجه؛ فلأن الذهب والفضة كالجنس الواحد في أنهما أثمان المبياعات وقيم المتلفات وأروش الجنايات، ويكمل أحدهما نصاب الآخر في الزكاة.
ولأن أحدهما معلوم من الآخر.
ولأن قيمة الدينار معلومة من الدراهم في الغالب.
стр. 3064
فصل [في تفسير الإقرار]
قال المصنف ﵀: (وإذا قال: له عليّ ألف درهم ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم قال: زُيوفاً أو صغَاراً أو إلى شهر لزمه ألف جياد وافية حالّة؛ إلا أن يكون في بلد أوزانهم ناقصة أو مغشوشة فهل يلزمه من دراهم البلد أو من غيرها؟ على وجهين).
أما كون من قال ما ذكر ولم يكن في بلد أوزانهم ناقصة أو مغشوشة يلزمه جياد وافية حالّة؛ فلأنه لما سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه عُلم أنه قد تم الكلام. فقوله بعد ذلك: زُيوفاً أو صغَاراً أو إلى شهر يكون رفعاً بعد الإقرار.
وأما كون من قال ذلك في بلد أوزانهم ناقصة؛ كطبرية فإن درهمهم أربعة دوانيق، وخوارزم فإن درهمهم أربعة دوانيق ونصف، أو في بلد دراهمهم مغشوشة كمصر والموصل يلزمه من دراهم ذلك البلد على وجهٍ؛ فبالقياس على ثمن المبيع.
وأما كونه يلزمه وازنة سالمة من الغش على وجه؛ فلأن إطلاق الدنانير والدراهم في الشرع ينصرف إلى الوازنة الخالصة.
قال: (وإن قال: له عليّ ألفٌ إلى شهرٍ فأنكر المقر له الأجل لزمه مؤجلاً. ويحتمل أن يلزمه حالاًّ).
أما كون قائل ما ذكر يلزمه الألف مؤجلاً على المذهب؛ فلأنه هكذا أقر.
وأما كونه يحتمل أن يلزمه حالاًّ؛ فلأن الأصل عدم الأجل.
والأول أصح؛ لما ذكر. والأصل إنما يؤثر فيما إذا ثبت الألف وشك في تأجيله وليس كذلك؛ لأنه إنما ثبت مؤجلاً.
стр. 3065
قال: (وإن قال: له عليّ ألف زُيوفٌ وفسّره بما لا فضة فيه لم يُقبل، فإن فسّره بمغشوشة قُبل. وإن قال: له عليّ دراهم ناقصة لزمته ناقصة).
أما كون من قال: له عليّ ألف زيوفٌ وفسره بما لا فضة فيه لا يُقبل؛ فلأن المفسر به ليس درهماً لا حقيقة ولا عُرفاً. فيكون رجوعاً عما أقرّ به. فلم يقبل؛ كاستثناء الكل.
وأما كونه إذا فسره بمغشوشة يُقبل؛ فلأن المغشوشة دراهم في عُرف بعض البلاد. فإذا فسر كلامه بذلك فقد فسره بما يحتمله.
فإن قيل: مأخذ عدم القبول في التفسير بما لا فضة فيه عدم القبول في التفسير بالمغشوشة إنما نشأ من قوله: ألف درهم زُيوفٌ. ولم يذكر المصنف ﵀ درهماً.
قيل: لا بد أن يلحظ ذلك نقلاً وتعليلاً. وإلا مقتضى قوله: ألف زُيوف أنه يقبل تفسيره بما فيه فضة وما لا فضة فيه؛ لأن الفلوس مثلاً توصف بالألف ولا منافاة بين المُقَرِّ به والتفسير.
فعلى هذا يجب أن يحمل قول المصنف على إرادة ألف درهم، وأنه حذف الدرهم اختصاراً.
وأما كون من قال: له عليّ دراهم ناقصة يلزمه ناقصة؛ فلأن البلد إن كانت دراهمهم ناقصة كان إقراره مقيداً لفظاً وعرفاً، وإن كانت وازنة كان ذلك بمنزلة الاستثناء، والاستثناء جائز فكذلك ما هو بمنزلته.
قال: (وإن قال: له عندي رهنٌ وقال المالك: وديعة فالقول قول المالك مع يمينه. وإن قال: له عليّ ألفٌ من ثمن مبيعٍ لم أقبضه وقال المقر له: بل هو دَين في ذمتك فعلى وجهين).
أما كون القول قول المالك إذا اختلف هو ومن العين في يده؛ فلأن من الرهن في يده يدعي على صاحب العين ديناً متعلقاً بما في يده، والمالك ينكره، والقول قول المنكر مع يمينه.
وأما إذا قال: له عليّ ألفٌ من ثمن مبيعٍ لم أقبضه وقال المقر له: بل هو دَين في ذمتك على وجهٍ؛ فلأنه أقر بحق في مقابلة حق لا ينفك أحدهما عن الآخر. فإذا
стр. 3066
لم يسلم له ما له لم يسلم له ما عليه؛ كما لو قال لرجل: بعتك هذا العبد بألف درهم قال: بل ملكتنيه بغير شيء.
وأما كون القول قول المقرّ له؛ فلأنه اعترف له بالألف وادعى على المقر له مبيعاً. أشبه ما لو قال: هذا رهنٌ فقال المالك: وديعة.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والفرق بين المسألة هنا وبين قول المقر: رهن وبين قول المالك: وديعة من حيث إن الدين ينفك عن الرهن. بخلاف الثمن فإنه لا ينفك عن المبيع.
فعلى هذا لا بد أن يكون قول المقر من ثمن المبيع: لم أقبضه متصلاً بقوله: له عليّ ألفٌ؛ لأنه لو قال: عليّ ألفٌ وسكت ثم قال: ثمن مبيع لم أقبضه لكان ذلك إسقاطاً لما أقر به بعد وجوبه. بخلاف ما لو اتصل فإن الكلام لم يتم؛ لأنه لا يتم إلا بآخره. ولو قال: له عليّ ألفٌ من ثمن مبيعٍ وسكت ثم قال: لم أقبضه قُبل منه؛ لأن إقراره تعلق بالمبيع والأصل عدم القبض. فقبل قوله فيه؛ كما لو كان متصلاً.
قال: (وإن قال: له عندي ألفٌ وفسره بدَين أو وديعة قُبل منه. وإن قال: له عليّ ألفٌ وفسره بوديعة لم يُقبل).
أما كون من قال ما ذكر في المسألة الأولى يُقبل منه؛ فلأنه فسر لفظها بأحد مدلولَيْه: أما في تفسيره بدَين؛ فظاهر.
وأما في تفسيره بوديعة؛ فلأن الوديعة تكون عنده كما أن الدين يكون عنده.
ولا فرق في التفسير المذكور بين أن يقع متصلاً؛ لأن تفسيره لا يناقض ظاهر إقراره.
وأما كون من قال ما ذكر في المسألة الثانية لا يُقبل؛ فلأن عليّ للإيجاب، وذلك يقتضي أن الألف في ذمته، ولذلك لو قال: ما على فلان عليّ كان ضامناً. فإذا فسره بالوديعة لم يصح؛ لأن تفسيره يناقض ظاهر إقراره.
ولا بد أن يلحظ في التفسير المذكور الفرق بين المتصل والمنفصل فيكون التفسير المنفصل هو الذي لا يُقبل. وعليه يحمل كلام المصنف ﵀؛ لأن التفسير حصل بعد تمام الإقرار. بخلاف المتصل فإنه مقبول؛ لأن الكلام بآخره.
стр. 3067
فإن قيل: ينبغي أن يقبل مطلقاً؛ لأن الوديعة على المودع حفظها وردها فإذا فسر قوله: عليّ بالوديعة قُبِل كما لو قال: عليّ ألفٌ وديعة.
ولأن الحروف يصح أن يقوم بعضها مقام بعض فيجوز أن يستعمل المقِرّ عليّ بمعنى عندي؛ كما قال الله تعالى إخباراً عن موسى: ﴿ولهم عليّ ذنب﴾ [الشعراء: ١٤]. أي عندي.
قيل: أما القياس على التفسير المتصل فلا يصح؛ لما تقدم من الفرق.
وأما صحة قيام بعض الحروف مقام بعض فذلك مجاز، والظاهر خلافه. والأقارير يؤخذ فيها بظاهر اللفظ. ألا ترى أنه لو قال: له عليّ دراهم لزمته ثلاثة وإن جاز التعبير بلفظ الجمع عن الاثنين وعن الواحد، ولو قال: له عليّ ثم قال: أردت لي عليه واستعملت عليّ مكان اللام واللام مكان عليّ؛ كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] أي فعليها لم يُقبل.
قال: (ولو قال: له في هذا المال ألفٌ لزمه تسليمه. وإن قال: له من مالي، أو في مالي، أو في ميراثي من أبي ألفٌ، أو نصف داري هذه وفسره بالهبة وقال: بدا لي من تقبيضه قُبل).
أما كون من قال: له في هذا المال ألفٌ يلزمه تسليمه؛ فلأنه اعترف أن الألف مستحق في المال المشار إليه.
وأما كون من قال: له من مالي ... إلى آخره يُقبل تفسيره بالهبة وقول: بدا لي من تقبيضه؛ فلأن التفسير المذكور يصلح أن يعود إلى جميع الصور المذكورة من غير تنافٍ بينه وبين شيء منها، وإذا كان كذلك وجب قبوله؛ كما لو قال: له عليّ ألف ثم فسره بدين.
стр. 3068
قال: (وإن قال: له في ميراث أبي ألفٌ فهو دَين على التركة. وإن قال: له نصف هذه الدار فهو مقر بنصفها. وإن قال: له هذه الدار عارية ثبت لها حُكم العارية).
أما كون من قال: له في ميراث أبي ألفٌ تكون الألف دَيناً على التركة؛ فلأن ذلك في قوة قوله على أبي دين، ولو قال ذلك لكان دينًا على التركة فكذلك ما هو في قوته.
وأما كون من قال: له نصف هذه الدار مقراً بنصفها؛ فلأنه أقر بذلك.
وأما كون من قال: له هذه الدار عاريةً يثبت لها حُكم العارية؛ فلأن إقراره يوجب جعل الدار عاريةً. وذلك يقتضي ثبوت أحكام العارية لها.
قال: (وإن أقرّ أنه وهب أو رهن وأقبض أو أقرّ بقبض ثمنٍ أو غيره ثم أنكر وقال: ما قبضتُ ولا أَقبضت وسأل إحلاف خصمه فهل تلزمه اليمين؟ على وجهين).
أما كون من أقر بما ذكر ثم أنكر وسأل إحلاف خصمه يلزمه اليمين على وجهٍ؛ فلأن العادة جارية بالإشهاد بمثل ذلك من غير قبض ولا إقباض استيثاقاً بالمعقود معه. فشرعت اليمين معه وسيلة إلى إظهار الحق بتقدير النكول.
وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأن الإقرار أبلغ من البينة، والبينة لو كانت بمعاينة ما ذُكر وطلب الخصم إحلاف خصمه لم يكن له ذلك. فكذلك فيما هو أبلغ.
قال: (وإن باع شيئاً ثم أقرّ أن المبيع لغيره لم يُقبل قوله على المشتري، ولم ينفسخ البيع، ولزمه غرامته للمقر له، وكذلك إن وهبه أو أعتقه ثم أقرّ به. وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد لم يُقبل قوله إلا ببينة. وإن كان قد أقرّ أنه ملكه أو قال: قبضتُ ثمن ملكي ونحوه لم تُسمع بينته أيضاً).
أما كون قول البائع على المشتري لا يُقبل؛ فلأنه متهم فيه؛ لأن قوله ثانياً لو صح لدفع بيعه أولاً.
стр. 3069
وأما كون البيع لا ينفسخ؛ فلأن الإقرار الذي صدر بعده مردود، والمردود وجوده كعدمه.
ولأن حق المشتري قد تعلق بالبيع. فلم ينفسخ بغير رضاه ما لم يوجد ما يوجب ذلك.
وأما كون المقرّ يلزمه غرامة المقرّ به للمقر له؛ فلأن بإقراره تبين أنه أحال بين المالك والملك بقوله. فنُزِّل ذلك منزلة إقراره.
وأما كونه إذا وهبه أو أعتقه ثم أقرّ به كما لو أباعه ثم أقر به؛ فلأن المتهب والعبد تعلق حقهما بالمقر به كتعلق حق المشتري بالمبيع، وذلك يقتضي التساوي معنى، والتساوي معنى يوجب التساوي حكماً.
وأما كونه إذا قال: لم يكن ملكي ثم ملكته لا يُقبل قوله بغير بينة؛ فلأن التهمة هنا أكثر من الإقرار المذكور قبل؛ لأن بتقدير انفساخ العقد تعود العين إليه. بخلاف ما تقدم.
وأما كونه يُقبل قوله إذا قامت له بينة بدعواه إذا لم يكن أقرّ بما ذكره المصنف ﵀؛ فلأن البينة تُظهر الحق. فتبين فوات شرط صحة العقد الواقع بين المدعي وخصمه؛ لأن بالبينة ظهر أنه ليس مملوكاً للمدعي، وكونه ملكاً له شرط في صحة المبيع والهبة والعتق: أما في البيع؛ فلقوله ﵇: «لا تَبِعْ ما ليسَ في مُلكِك» (١).
وأما في الهبة؛ فلأنها نقل ملك. أشبهت البيع.
وأما في العتق؛ فلأنه إزالة ملك. أشبه الهبة.
وأما كونه لا تسمع بينته إذا كان قد أقرّ بما ذكر المصنف ﵀؛ فلأنه مكذب لبينته.
стр. 3070
فصل [في الإقرار المتعدد]
قال المصنف ﵀: (وإن قال: غصبتُ هذا العبد من زيدٍ لا بل من عمرو، أو ملكته لعمرو وغصبته من زيدٍ لزمه دفعه إلى زيد، ويغرم قيمته لعمرو. وإن قال: غصبته من أحدهما أخذ بالتعيين فيدفعه إلى من عيّنه ويحلف للآخر. وإن قال: لا أعرف عينه وصدقاه انتزع من يده، وكانا خصمين فيه. وإن كذباه فالقول قوله مع يمينه).
أما كون من قال: غصبت هذا العبد من زيدٍ لا بل من عمرو يلزمه دفعه إلى زيد؛ فلأنه أقرّ أن اليد لزيدٍ، وذلك يقتضي وجوب رد العبد إليه.
وأما كونه يغرم قيمته لعمرو؛ فلأنه اعترف بالملك في العبد له وقد أحال بينه وبين ملكه بإقراره. أشبه ما لو أتلفه. بيان اعترافه لعمرو بالملك أن قوله: لا بل من عمرو إضراب عن الأول وإثبات للثاني فلا يُقبل الإضراب بالنسبة إلى الأول؛ لأنه إنكار بعد إقرار، ويقبل بالنسبة إلى الثاني؛ لأنه لا دافع له. فإذا تعذر تسليمه إليه من أجل تعلق حق الأول به تعين ثبوت الملك لعمرو بالنسبة إلى إقرار المقر.
وأما كون من قال: ملكه لعمرو وغصبه من زيد يلزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو؛ فلأنه يساوي ما ذكر معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون من قال: غصبته من أحدهما يؤخذ بالتعيين؛ فلأنه أقرّ بإقرار مجمل، ومن أقرّ بمجمل لزمه البيان. ضرورة أن الحكم لا يقع إلا على معلوم.
وأما كون العبد يدفع إلى من عيّنه؛ فلأنه بإقراره لشخصٍ بعينه ظهر أنه المستحق. أشبه ما لو أقر به أولاً.
وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه محتمل أنه هو المستحق. فشرعت اليمين؛ ليكون النكول سبباً لثبوت رد العبد أو بدله.
стр. 3071
وأما كون من قال: لا أعرفه وصدقه الخصمان ينتزع من يده؛ فلأنه ظهر بإقراره أنه لا حق له فيه. ولم يتعين مستحقه؛ لأنه ادعى عدم معرفته وصدق عليه.
وأما كونهما يكونان خصمين فيه؛ فلأن كلاًّ منهما يدّعيه.
وأما كون القول قوله مع يمينه إذا كذباه؛ فلأنه ينكر معرفة عين المستحق. أشبه ما لو أنكر أنه مستحق بالكلية.
قال: (وإن أقرّ بألفٍ في وقتين لزمه ألفٌ واحدٌ. وإن أقرّ بألفٍ من ثمن عبدٍ ثم أقرّ بألفٍ من ثمن فرسٍ أو قرضٍ لزمه ألفان. وإذا ادعى رجلان داراً في يد غيرهما شركةً بينهما بالسوية فأقرّ لأحدهما بنصفها فالمقر به بينهما).
أما كون من أقرّ بألفٍ في وقتين يلزمه ألفٌ واحد إذا لم يذكر السبب؛ فلأنه يجوز أن يكون المقر به ثانياً هو المقر به أولاً. ومع ذلك يتعين الحمل عليه لوجهين:
أحدهما: أن الأصل براءة الذمة من الزائد على ذلك.
وثانيهما: أن العرف يشهد بذلك، ولذلك لو قال شخص: رأيت زيداً ثم قال: رأيت زيداً كان زيد الثاني هو الأول، والرؤية ثانياً هي الرؤية أولاً. ونظير ذلك أن الله لما أخبر عن إرساله نوحاً وهوداً وصالحاً وشعيباً وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله على نبينا وعليهم وكرر ذلك في مواضع لم تكن القصة الثانية غير المذكورة في الأول.
وأما كون من أقرّ بألفٍ من ثمن عبد ثم أقرّ بألف من ثمن فرس أو قرض يلزمه ألفان؛ فلأن الألف ثانياً لا يجوز أن يكون الألف أولاً؛ لاختلافهما باختلاف سببهما. ولو قال شخص: رأيت زيداً الطويل ثم قال: رأيت القصير لم يكن الثاني الأول البتة.
وأما كون نصف الدار التي ادعاها شخصان في يد غيرهما شركة بينهما بالسوية فأقرّ لأحدهما بنصفها بين الرجلين؛ فلأنهما اتفقا على أنها شركة بينهما والنصف المقر به منها فتكون شركة بينهما، وذلك يقتضي التنصيف؛ كما لو قال: هذا المال بينهما فإنه يكون بينهما نصفين.
стр. 3072
قال: (وإن قال في مرض موته: هذا الألف لقطة فتصدقوا به ولا مال له غيره لزم الورثة الصدقة بثلثه، وحكي عن القاضي أنه يلزمهم الصدقة بجميعه).
أما كون الورثة تلزمهم الصدقة بثلث الألف على المذهب؛ فلأن حكم اللقطة بعد التعريف حكم سائر مال الملتقط، ولو كان للميت ألف لا يملك غيره فقال في مرضه: تصدقوا بثلثه لزم الورثة الصدقة بالثلث. فكذلك فيما حكمه حكمه.
وأما كونهم يلزمهم الصدقة بجميع الألف على قول القاضي؛ فلأن الإقرار في المرض كالإقرار في الصحة. ولو قال في الصحة لوكيله: هذا الألف لقطة فتصدق به لزمه ذلك. فكذلك إذا قال في مرضه ذلك.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما الإقرار في المرض فهو يفارق الإقرار في الصحة في أشياء فليكن هذا منها.
وأما إلحاق الورثة بالوكيل فيقتضي ثبوت الحكم في الوكيل. وفيه نظر. وعلى تقدير ثبوته فالفرق بينهما أن الوكيل إذا تصدق لا يلزمه الضمان لمالك الألف بتقدير مجيئه؛ لأنه مأمور. بخلاف الورثة فإن تصدقهم بذلك يستلزم لزوم ضمانه عليهم إما لأنهم بعد الموت صار ملك العين في أيديهم فالتصدق إنما يجوز بشرط الضمان، وإما لأنهم ورثة الآمر؛ لأن بتقدير أن يخلف مالاً غير المقر يلزمهم ذلك من التركة.
فإن قيل: التقدير أنه لا مال له غير الألف.
قيل: يجوز أن يظهر له مال ثم يجيء صاحب اللقطة فيتعين الغرم. والحاصل أن الوارث عليه ضرر. بخلاف الوكيل.
стр. 3073
فصل [في الإقرار لأكثر من مدع]
قال المصنف ﵀: (إذا مات رجل وخلّف مائة فادّعاها رجلٌ فأقر ابنه له بها، ثم ادّعاها آخر فأقرّ له فهي للأول ويغرمها للثاني. وإن أقرّ لهما معاً فهي بينهما. وإن أقر لأحدهما وحده فهي له، ويحلف للآخر).
أما كون المائة المذكورة للأول؛ فلأن من المائة في يده قد أقرّ له بها ولا معارض له. فوجب كونها له عملاً بالإقرار السالم عن المعارض.
وأما كون المقرّ يغرمها للثاني؛ فلأن بإقراره ظهر أن المائة للثاني، وقد حال بينه وبينها. فلزمه غرامتها؛ كما لو شهد بمال ثم رجع بعد الحكم بشهادته.
وأما كونها بينهما إذا أقرّ لهما بها؛ فلأن المقرّ أضاف ذلك إليهما إضافة على السواء، وذلك يقتضي التسوية بينهما.
وأما كونها لأحدهما وحده إذا أقر بها له وحده؛ فلأن المقتضي لكون المائة للمقر له الإقرار، وهو موجود لشخص بعينه فيختص المقر له به.
وأما كون المقرّ يحلف للآخر؛ فلأنه يحتمل أنه المستحق، واليمين طريق لثبوت الحق أو بدله.
قال: (وإن ادَّعى رجلٌ على الميت مائة ديناً فأقرّ له، ثم ادعى آخر مثل ذلك فأقرّ له، فإن كان في مجلسٍ واحدٍ فهي بينهما. وإن كان في مجلسين فهي للأول ولا شيء للثاني).
أما كون المائة المقر بها لهما بينهما إذا كان الإقرار في مجلسٍ واحدٍ؛ فلأن المجلس الواحد بمنزلة الوقت الواحد.
وأما كونها للأول ولا شيء للثاني إذا كان الإقرار في مجلسين؛ فلأن بإقراره الأول ظهر أنها للمقر له الأول. فإقراره بها للآخر رجوع عن الإقرار وذلك لا يصح؛ لما فيه من إبطال حق الأول.
стр. 3074
قال: (وإن خلَّف ابنين ومائتين وادّعى رجل مائة دَيناً على الميت فصدّقه أحد الابنين وأنكر الآخر لزم المقر نصفها؛ إلا أن يكون عدلاً فيحلف الغريم مع شهادته ويأخذ مائة، وتكون المائة الباقية بين الابنين).
أما كون المقر يلزمه نصف المائة إذا لم يكن عدلاً؛ فلأن في يده نصف التركة وقد أقرّ أن في التركة مائة مستحقة.
وأما كون الغريم يحلف مع شهادة المقرّ إذا كان عدلاً؛ فلأن له شاهداً واحداً، والحق لا يثبت بالشاهد الواحد إلا إذا اعتضد بيمين المشهود له.
وأما كونه يأخذ مائة؛ فلأنه حلف مع شاهده، والمائة مال ثبت بالشاهد واليمين؛ لما تقدم في موضعه.
وأما كون المائة الباقية بين الابنين؛ فلأنها ميراث لا تعلق لأحد بها سواهما. فوجب كونها بينهما؛ كسائر المواريث.
قال: (وإن خلَّف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا يملك غيرهما فقال أحد الابنين: أبي أعتق هذا في مرضه، وقال الآخر: بل أعتق هذا الآخر، عَتق من كلٍّ ثلثه، وصار لكل ابن سدس الذي أقرّ بعتقه ونصف العبد الآخر).
أما كون كل واحدٍ من العبدين يَعتق ثلثه؛ فلأن كل واحدٍ من الابنين يملك كل واحدٍ من العبدين وقد أقرّ أحدهما بعتق أحدهما وأقر الآخر بعتق الآخر فعتق من كل عبدٍ ثلثه نظراً إلى أن المقرّ بعتقه يملك منه ذلك.
وأما كون كل ابنٍ يصير له سدس العبد الذي أقرّ بعتقه ونصف الآخر؛ فلأن كل ابن يملك نصف كل عبد وقد عتق ثلث الذي أقرّ بعتقه يبقى سدسه ونصف الآخر على ما كان عليه قبل الإقرار.
стр. 3075
قال: (وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا، وقال الآخر: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أُقرع بينهما، فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن بعتقه عَتق منه ثلثه إن لم يجيزا عتقه كاملاً. وإن وقعت على الآخر كان حكمه حكم ما لو عين العتق في العبد الثاني سواء).
أما كون العبدين المذكورين يُقرع بينهما؛ فلأن المستحق للعتق أحدهما لا بعينه. فوجب أن يُقرع بينهما؛ للتميز، وفي الحديث: «أن رجلاً أعتقَ ستة مملوكين عن دَين. فأقرعَ رسولُ الله ﷺ بينهم فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعة» (١).
وأما كون العبد الذي اعترف الابن بعتقه يَعتق منه ثلثاه إذا لم يجز عتقه كاملاً؛ فلأن الواجب أن يعتق بقدر الثلث، وثلثا العبد ثلث التركة وتعين بعتق في الذي اعترف الابن بعتقه؛ لأنه استحق ذلك بالاعتراف بالنسبة إلى المعترف وبالقرعة بالنسبة إلى مدعي عدم المعرفة.
وتقييد المصنف ﵀ الحكم المذكور بأن الابنين لم يجيزا عتقه كاملاً مشعر بأن العبد يَعتق كله إذا أجازا ذلك. وهو صحيح؛ لأنه مُعتق. وإنما يرجع إلى الثلث إذا لم يجيزا ذلك فإذا أجازا ذلك وجب العتق عملاً بالإعتاق السالم عن المعارض.
وأما كون العبد الآخر إذا وقعت القرعة عليه حكم ما لو عين العتق في العبد الثاني سواء؛ فلأن القرعة جعلته مستحقاً للعتق بالنسبة إلى الابن المدعي عدم المعرفة. فصار بمنزلة ما لو عيّنه.
فعلى هذا يَعتق ثلث كل واحدٍ ويبقى سدس الخارج بالقرعة للابن الذي قال: لا أدري، ونصفه للابن الآخر ويبقى نصف العبد الآخر للابن الذي قال: لا أدري وسدسه للآخر.
стр. 3076
باب الإقرار بالمجمل
قال المصنف ﵀: (إذا قال: له عليّ شيء أو كذا قيل له: فسّره، فإن أبى حبُس حتى يفسّر. فإن مات أخذ وارثه بمثل ذلك إن خلّف الميت شيئاً يقضى منه وإلا فلا. فإن فسّره بحق شفعة أو مال قُبل وإن قل. وإن فسّره بما ليس بمال؛ كقشر جوزةٍ أو ميتةٍ أو خمرٍ لم يُقبل. وإن فسّره بكلبٍ أو حد قذفٍ فعلى وجهين).
أما كون من قال لمن ادعى عليه: له عليّ شيء أو كذا وما أشبه ذلك من المجهول يقال له فسّره؛ فلأن الحكم بالمجهول لا يصح ولا يمكن.
وفي قول ما ذكر له إشعار بصحة الإقرار بالمجهول. وهو صحيح صرح به المصنف وغيره. والأصل فيه الإجماع والمعنى: أما الإجماع؛ فظاهر.
وأما المعنى فهو أن الإقرار على المقرّ المذكور لو لم يصح؛ لأدى إلى ضياع الحق المقر به. بخلاف الدعوى فإنها للمدعي فعدم صحتها بالمجهول لا يدعو إلى ضياع الحق؛ لأنه يحرص على تحصيل حقه بأن يحرر دعواه.
وأما كون من قال ما تقدم إذا أبى أن يفسر يُحبس حتى يفسر؛ فلأن التفسير حق عليه. فإذا امتنع من أدائه حبس عليه؛ كالمال.
وأما كونه إذا مات يؤخذ وارثه بالتفسير إن خلّف الميت شيئاً يقضى منه؛ فلأن التفسير حقٌ ثبت على موروثه. فوجب أن يقوم وارثه مقامه؛ كما لو حلف عليه ديناً وله مال.
وأما كونه لا يؤخذ بالتفسير إذا لم يخلّف الميت شيئاً يقضى منه؛ فلأن فائدة التفسير المطالبة بالمفسر، وهنا لا يملك المدعي مطالبة الوارث لكون موروثه لم يخلّف شيئاً.
стр. 3077
وأما كون القائل أو الوارث إذا فسر بحق الشفعة أو مال يُقبل؛ فلأن كل واحدٍ منهما يصح إطلاق ما ذكر عليه حقيقة وعُرفاً.
وأما كونه إذا فسر بما ليس بمال؛ كقشر جوزةٍ أو بيضةٍ ونحوهما لا يُقبل؛ فلأنه اعترف بحقٍّ عليه، وما ذكر لا يكون عليه؛ لأنه لا يثبت في الذمة.
وأما كونه إذا فسر بميتةٍ أو خمرٍ لا يُقبل؛ فلأن ذلك ليس بحقٍّ عليه شرعاً.
وأما كونه إذا فسر بكلبٍ أو حد قذفٍ يُقبل على وجه؛ فلأن الكلب يجب رده وتسليمه إلى مالكه. فيصدق أن ذلك شيء عليه.
وأما كونه لا يُقبل على وجه؛ فلأن الإقرار إخبار عما يجب ضمانه، وما ذكر لا يجب ضمانه.
قال: (وإن قال: غصبتُ منه شيئاً ثم فسره بنفسه أو ولده لم يُقبل).
أما كون من قال لمن ادعى عليه: غصبت منه شيئاً ثم فسره بنفسه لم يُقبل؛ فلأن الغصب الاستيلاء على المال غالباً، وما ذكر ليس بمال.
وأما كونه إذا فسر ذلك بولده لا يُقبل؛ لما ذكر قبل.
قال: (وإن قال: له عليَّ مال عظيمٌ أو خطيرٌ أو كثيرٌ أو جليلٌ قُبل تفسيره بالكثير والقليل. وإن قال: له عليّ دراهم كثيرة قُبل تفسيرها بثلاثة فصاعداً).
أما كون من قال: له علي مال عظيم أو خطير أو كثير أو جليل يُقبل تفسيره بالقليل والكثير؛ فلأن المال قد يكون عظيماً وخطيراً وكثيراً بالنسبة إلى القائل لفقر نفسه وضعفه دون غيره، وليس لشيء مما ذكر حدٌّ يرجع إليه في الشرع. فوجب الرجوع إلى تفسير القائل؛ كما لو قال: له عليّ مالٌ. وإذا وجب الرجوع في التفسير إليه قُبل تفسيره بالقليل والكثير؛ لأن هذا شأن من يرجع إلى تفسيره.
وأما كون من قال: له عليّ دراهم كثيرة يُقبل تفسيرها بثلاثة فصاعداً؛ فلأن ذلك يصدق عليه أنه دراهم كثيرة.
وفي تقييد القول: بثلاثة إشعار بأنه لو فُسر بأقل من ذلك لم يُقبل. وهو صحيح؛ لأن دراهم جمع وأقل الجمع ثلاثة.
стр. 3078
قال: (وإن قال: له عليّ كذا درهم، أو كذا وكذا، أو كذا كذا درهم بالرفع، لزمه درهم. وإن قال بالخفض لزمه بعض درهم يرجع في تفسيره إليه. وإن قال: كذا درهماً بالنصب لزمه درهم. وإن قال: كذا وكذا درهماً بالنصب فقال ابن حامد: يلزمه درهم، وقال أبو الحسن التميمي: يلزمه درهمان).
أما كون من قال: له عليّ كذا درهم بالرفع يلزمه درهم؛ فلأن كذا كناية عن شيء مبهم. فيكون معنى ذلك له على شيء وهو درهم.
وأما قوله: له عليّ كذا وكذا أو كذا كذا درهم بالرفع يلزمه درهم؛ فلما ذكر لأنه يصح أن يرد بذلك: له على شيء وشيء هما درهم، أو شيء شيء هو درهم.
وأما كون من قال ذلك بالخفض يلزمه بعض درهم؛ فلأن الدرهم مخفوض بالإضافة فيكون المعنى له علي بعض درهم.
وأما كونه يرجع في تفسير البعض إليه؛ فلأنه مُقَرٌّ به مجهول. فرجع في تفسيره إليه؛ كما لو قال: له عليّ شيء.
وأما كون من قال: كذا درهماً بالنصب يلزمه درهم؛ فلأن الدرهم يقع مميزاً لما قبله، والمميز مفسر.
وأما كون من قال: كذا وكذا درهماً بالنصب يلزمه درهم على قول ابن حامد؛ فلأن كذا يحتمل أقل من درهم. فإذا ذكر كذا مرتين ثم فسرهما بدرهم واحدٍ جاز وكان كلاماً صحيحاً.
وأما كونه يلزمه درهمان على قول أبي الحسن التميمي؛ فلأنه ذكر جملتين. فإذا فسر ذلك بدرهم عاد التفسير إلى كل واحدة منهما؛ كقوله: عشرون درهماً يعود التفسير إلى العشرين كذلك هاهنا.
وحكى المصنف ﵀ في المغني وجهاً ثالثاً: أنه يلزمه أكثر من درهم؛ لأن الدرهم تفسير لكذا الذي يليه، ويبقى كذا الأول على إبهامه فرجع في تفسيره إليه.
стр. 3079
قال: (وإن قال: له عليّ ألفٌ رجع في تفسيره إليه. فإن فسّره بأجناسٍ قُبل منه).
أما كون من قال ما ذكر يرجع في تفسير الألف إليه؛ فلأنه يحتمل أن يكون دراهم، وأن يكون دنانير، وأن يكون غير ذلك ففي الألف إبهام كالشيء. فوجب الرجوع في التفسير إليه؛ كالشيء.
وأما كونه يُقبل إذا فسّره بأجناسٍ؛ فلأنه لما رجع إليه في التفسير وجب أن يرجع إليه في الأجناس؛ كالجنس الواحد.
قال: (فإن قال: له عليّ ألفٌ ودرهم، أو ألفٌ ودينار، أو ألفٌ وثوب أو فرسٌ أو درهم وألفٌ أو دينار وألف فقال ابن حامد والقاضي: الألف من جنس ما عطف عليه، وقال التميمي وأبو الخطاب: يرجع في تفسيره الألف إليه).
أما كون الألف فيما ذكر من جنس المفسر على قول ابن حامد والقاضي؛ فلأن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا﴾ [الكهف: ٢٥].
وأما كونه يرجع في تفسيره إلى قائل ما ذكر على قول التميمي وأبي الخطاب؛ فلأن العطف لا يقتضي كون المعطوف عليه من جنسه؛ لأنه يجوز أن يقول: رأيت رجلاً وحماراً، وله عليّ دينار ودرهم.
قال: (وإن قال: له عليّ ألفٌ وخمسون درهماً، أو خمسون وألف درهم فالجميع دراهم. ويحتمل على قول التميمي أن يرجع في تفسير الألف إليه. وإن قال: له ألفٌ إلا درهماً فالجميع دراهم).
أما كون الجميع فيما إذا قال: له عليّ ألفٌ وخمسون درهماً دراهم على المذهب؛ فلأن المفسر إذا تعقب أشياء رجع إليها في لسان العرب، ولهذا لما قال الله تعالى حكاية عن أحد الخصمين: ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة﴾ [ص: ٢٣] كانت النعجة تفسيراً للتسع والتسعين.
стр. 3080
ولما جاء في الحديث: «أن رسول الله ﷺ تُوفي وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنة، وأبو بكر وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنة، وعمر وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنة» (١). كانت السنة مفسرة للثلاث والستين.
ومنه قول عنترة:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سوداً كخافية الغراب الأسحم
وأما كون الألف يحتمل أن يرجع في تفسيره إلى القائل على قول التميمي؛ فلأن الإبهام فيه واقع. أشبه قوله: له عليّ ألفٌ ودرهم.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والفرق بين المسألة المذكورة وبين قوله: ألف ودرهم من حيث إن الدرهم في هذا ... (٢) دراهم على المذهب.
وكون الخمسين يحتمل على قول التميمي أن يرجع في تفسيرها إلى القائل؛ فلأنه كما تقدم معنى؛ لاشتراكهما في إبهام أحدهما وتفسير الآخر.
وأما كون الجميع دراهم فيما إذا قال: له عليّ ألفٌ إلا درهماً؛ فلأن الاستثناء الصحيح ما كان من الجنس. فيجب أن يكون الألف دراهم؛ ليكون الاستثناء من ذلك.
قال: (وإن قال: له في العبد شرك، أو هو شريكي فيه، أو هو شركة بيننا، رُجع في تفسير نصيب الشريك إليه).
أما كون من قال: له في هذا العبد شرك يرجع في تفسير نصيب الشريك إليه؛ فلأن الشركة تقع على النصف تارة وعلى غيره أخرى ومتى تردد لفظ القائل في شيئين فصاعداً رجع في التفسير إليه.
ولأن الشرك في معنى الشيء ولو قال: له في هذا العبد شيء رجع في تفسيره إليه فكذا إذا قال: له فيه شرك.
стр. 3081
وأما كون من قال: هو شريكي فيه أو هو شركة بيننا يرجع في تفسير نصيب الشريك إليه؛ فلأن ذلك في معنى الشرك. فوجب إلحاقه به.
قال: (وإن قال: له عليّ أكثر مما لفلان قيل له: فسر فإن فسره بأكثر منه قدراً قُبل وإن قل. وإن قال: أردت أكثر بقاء ونفعاً لأن الحلال أنفع من الحرام قُبل مع يمينه سواء علم ما لفلان أو جهله، أو ذكر قدره أو لم يذكره. ويحتمل أن يلزمه أكثر منه قدراً بكل حال).
أما كون قائل ما ذكر يقال له: فسر؛ فلأن المقر به مجهول.
وأما كونه إذا فسره بأكثر منه قدراً يُقبل وإن قل؛ فلأن من رجع إلى تفسير قُبل منه ما فسره به.
وأما كونه إذا قال: أردت أكثر بقاء ونفعاً يُقبل على المذهب؛ فلأنه يحتمل صدقه.
وأما كون القبول مع يمينه؛ فلأنه يحتمل كذبه.
وأما كون ذلك كذلك علم ما لفلان أو جهله أو ذكر قدره أو لم يذكره؛ فلأن احتمال الصدق قائم في جميع ما ذكر.
قال: (وإن ادّعى عليه ديناً فقال: لفلان عليّ أكثر مما (١) لك وقال: أردت التهزؤ لزمه حق لهما يرجع في تفسيره إليه في أحد الوجهين، وفي الآخر: لا يلزمه شيء).
أما كون قائل ما ذكر يلزمه حق لفلان والمخاطب في وجه؛ فلأن قوله المذكور اقتضى ذلك: أما لفلان؛ فلأن عليَّ صريح في ذلك.
وأما المخاطب؛ فلأن الأكثر يقتضي شيئاً هو أقل منه.
وأما كونه يرجع في تفسيره إليه؛ فلأن الحق مبهم فيرجع في تفسيره إليه؛ كالشيء.
وأما كونه لا يلزمه شيء في وجه؛ فلأن قوله: أردت التهزؤ يحتمل صدقه.
والأول أولى؛ لما تقدم.
стр. 3082
وإرادة التهزؤ دعوى تتضمن الرجوع عن الإقرار فلا يُقبل.
стр. 3083
فصل [في الإقرار المشكوك فيه]
قال المصنف ﵀: (إذا قال: له عليّ ما بين درهم وعشرة لزمه ثمانية. وإن قال: من درهم إلى عشرة لزمه تسعة. ويحتمل أن يلزمه عشرة).
أما كون من قال: له عليّ ما بين درهم وعشرة يلزمه ثمانية؛ فلأن ما بينهما هو الثمانية.
وأما كون من قال: له عليّ من درهم إلى عشرة يلزمه تسعة على المذهب؛ فلأن الواحد أولُ العدد وإذا قال: من واحد كان ذلك إقراراً بالواحد وما بعده؛ إلا العاشر؛ فلأنه حد فلا يدخل في المقر به.
وأما كونه يحتمل أن يلزمه عشرة؛ فلأن ما بعد إلى يدخل في بعض المواضع. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. فليكن هاهنا كذلك.
قال: (وإن قال: له عليّ درهم فوق درهم أو تحت درهم، أو فوقه أو تحته، أو قبله أو بعده أو معه درهم، أو درهم ودرهم أو درهم بل درهمان، أو درهمان بل درهم: لزمه درهمان).
أما كون من قال: له عليّ درهم فوق درهم أو درهم تحت درهم يلزمه درهمان؛ فلأن فوق وتحت تجري مجرى العطف من حيث إنها تضمنت ضم شيء إلى شيء.
وأما كون من قال: له عليّ درهم فوقه أو تحته أو قبله أو بعده أو معه درهم يلزمه درهمان؛ فلأنه كالمذكور قبل معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون من قال: له عليّ درهم ودرهم يلزمه درهمان؛ فلأن الواو للجمع، ولو جمع بينهما فقال: له عليّ درهمان لزماه فكذا فيما هو مقتضٍ للجمع.
стр. 3084
وأما كون من قال: له عليّ درهم بل درهمان يلزمه درهمان؛ فلأنه أقر بهما بعد الدرهم. وإنما لم يلزمه ثلاثة؛ لأن الدرهم المقر به أولاً صالح لأن يدخل في الدرهمين.
وأما كون من قال: له عليّ درهمان بل درهم يلزمه درهمان؛ فلأن الدرهمين مقرٌ بهما، وإضرابه عنهما لا يصح؛ لما فيه من الإنكار بعد الإقرار. وإنما لم يلزمه الثلاثة؛ لأن الثالث يصلح أن يدخل فيما قبله.
قال: (وإن قال: درهم بل درهم، أو درهم لكن درهم فهل يلزمه درهم أو درهمان؟ على وجهين، ذكرهما أبو بكر).
أما كون قائل ما ذكر يلزمه درهم على وجهٍ؛ فلأن المقر أقرّ بدرهم مرتين. فلم يلزمه أكثر من درهم؛ كما لو قال: عليّ درهم ثم أنكر أن يكون عليه شيء ثم قال: عليّ درهم.
ولأنه يحتمل أن يكون الأول يستدرك زيادة. فذكر أنه لا زيادة عليه. فلم يستدرك.
وأما كونه يلزمه درهمان على وجه؛ فلأنه أقرّ بالدرهم الأول ثم أضرب عنه ولا يصح ثم أقرّ بالثاني فيصير ب
منزلة ما لو أقرّ بدرهمين.
قال: (وإن قال: له عليّ هذا الدرهم بل هذان الدرهمان لزمه الثلاثة. وإن قال: قفيز حنطةٍ بل قفيز شعير أو درهم بل دينار لزماه معاً).
أما كون قائل ما ذكر تلزمه الدراهم الثلاثة في الصورة الأولى؛ فلأن عين الأول صار مستحقاً بالإقرار الثاني، ولا يحتمل أن الأول كان داخلاً في الآخرين.
وأما كونه يلزمه قفيز الحنطة والشعير معاً والدرهم والدينار معاً في صورتيهما؛ فلأن الثاني غير الأول، وكلاهما مقرٌ به، والإضراب بينهما لا يصح؛ لأن الإضراب بعد الإقرار لا يصح.
стр. 3085
قال: (وإن قال: درهم في دينار لزمه درهم. وإن قال: درهم في عشرة لزمه درهم؛ إلا أن يريد الحساب فيلزمه عشرة).
أما كون من قال: له عليّ درهم في دينار يلزمه درهم؛ فلأن الدرهم مقرٌ به. وقوله: في دينار لا يحتمل الحساب، والدينار غير مقر به.
وأما كون من قال: درهم في عشرة ولا يريد الحساب يلزمه درهم؛ فكما لو قال: درهم في دينار.
وأما كونه إذا أراد الحساب يلزمه عشرة؛ فلأن ذلك هو المعروف في اصطلاح الحساب.
قال: (وإن قال: له عندي تمرٌ في جرابٍ، أو سكينٌ في قرابٍ، أو ثوبٌ في منديلٍ، أو عبدٌ عليه عمامةٌ، أو دابةٌ عليها سرجٌ فهل يكون مقراً بالظرف والعمامة والسرج؟ يحتمل وجهين).
أما كون من قال ما ذكر يحتمل أن لا يكون مقراً بالظرف والعمامة والسرج؛ فلأن الإقرار لم يتناول ذلك.
وأما كونه يحتمل أن يكون مقراً بذلك؛ فلأن المقر ذكر ذلك في سياق الإقرار، ويصلح لأن يكون مقراً به. فصار كما لو قال: عندي تمر بجراب وسكين بقراب وعبد بعمامة ودابة بسرج.
قال: (وإن قال: له عندي خاتمٌ فيه فَصٌ كان مُقراً بهما. وإن قال: فَصٌ في خاتمٍ احتمل وجهين).
أما كون من قال: عندي خاتم فيه فصٌ يكون مُقراً بهما؛ فلأنه لو أطلق الخاتم لزمه الخاتم بفصه فإذا قال: الخاتم فيه فصٌ كان بطريق الأولى.
وأما كون من قال: فصٌ في خاتم يحتمل وجهين؛ فلأن ما ذكر فيما إذا قال: له عليّ ثوبٌ في منديلٍ قائم فيه.
قال: (وإن قال: له عليّ درهمٌ أوْ دينارٌ لزمه أحدهما يرجع إليه في تعيينه).
أما كون قائل ما ذكر يلزمه أحدهما؛ فلأن " أَوْ " لأحد الأمرين.