← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولأن الإجماع منعقد على صحة صلاة المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما. وظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أنه لا فرق فيمن بَعُد بين من كان قريباً من مسجد النبي ﷺ وبين من لم يكن. ووجهه عموم ما تقدم. وقال أبو الخطاب: حكم من قرب من مسجد النبي ﷺ حكم من قرب من الكعبة. وصرح به المصنف ﵀ في المغني. ووجهه أن قبلة مسجد النبي ﷺ صحيحة قطعاً لأنه لا يقر على الخطأ. ويمكن أن يجاب عنه بأن الفرض إذا كان الجهة لم يكن نصب القبلة إلى غير العين خطأ. وفي قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] دليل على أن الفرض الجهة؛ لأن الشطر قد فسر بالنحو. والنحو الجهة لا العين. ويعضده قوله ﵇: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (١). قال: (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به. وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لم يلتفت إليها). أما كون من أمكنه معرفة القبلة بخبر ثقة عن يقين يلزمه العمل به؛ فلأن الخبر كالنص فلزم قبوله. ولم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد معه كالحاكم إذا وجد النص. وأما كون من أمكنه ذلك باستدلالٍ بمحاريب المسلمين يلزمه ذلك؛ فلأن أهل الخبرة والمعرفة بنوها على الصحة. فجرى ذلك مجرى الخبر عن يقين. وفي تقييد المصنف ﵀ خبر الثقة بكونه عن يقين إشعار بأنه إذا أخبره عن اجتهاد لا يجوز له العمل بقوله. وهو صحيح. صرح به صاحب الهداية فيها. ووجهه أن العالم لا يجوز له العمل باجتهاد غيره فكذا هذا. وأما كون من وَجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لا يلتفت إليها فلاحتمال كونها لغير المسلمين.

стр. 317

قال: (وإن اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل، وأثبتُها القطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلاً للقبلة). أما كون من اشتبهت عليه القبلة في السفر ولم يمكنه معرفتها بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين يجتهد في طلبها بالدلائل إذا كان عالماً بها؛ فلأن له طريقاً إلى معرفتها بالاجتهاد فلزمه ذلك كالعالم بالحادثة. والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها سواء كان عالماً بأحكام الشرع أو لم يكن. فإن كل من علم أدلة شيء كان من أهل الاجتهاد فيه وإن جهل غيره. فإن قيل: من دخل وقت الصلاة عليه وهو غير عارف بالقبلة ولا بدلائلها ما يصنع؟ قيل: إن أمكنه تعلم ذلك لزمه. فإن ضاق الوقت قبل التعلم جاز أن يقلد كتعلم الفاتحة يجب مع السعة، ويجزئ غيرها مع الضيق. وهل يجب على من يريد السفر تعلم ذلك؟ قال قوم: يجب. وهو متجه. ويحتمل أن لا يجب لأن جهة القبلة مما يندر التباسه، والمكلف يجب عليه تعلم ما يعم لا ما يندر. فإن قيل: ما دلائل القبلة؟ قيل: أمور: أحدها النجوم. قال الله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٩٧]. وباقيها يأتي ذكره. وأما كون أثبت أدلة القبلة القطب؛ فلأنه لا يزول عن مكانه ويمكن كل واحد معرفته غالباً. فإن قيل: ما صفته؟ قيل: هو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى أحد طرفيها الفرقدان وفي الآخر الجدي وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل. تدور هذه الفراشة حول القطب دور الرحى حول قطبها في كل يوم وليلة دورة. وحول الفراشة بنات نعش وهي سبعة أنجم متفرقة مضيئة. وأما كونه إذا جعله المصلي وراء ظهره يكون مستقبلاً للقبلة؛ فلأنه قد أخبر بذلك ثقات عن يقين.

стр. 318

ولا بد أن يلحظ في ذلك كون المصلي في الشام لأن ذلك إنما يكون كذلك في البلاد الشامية. وقيل: أنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى الشرق قليلاً. فإن قيل: لو استدبر الفرقدين أو الجدي. قيل: يكون مستقبلاً للجهة. قال: (والشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها كلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب عن يمين المصلي. والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلى اليسرى مارة إلى يمينه، والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب. والدبور تهب مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن. والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها). أما كون الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها من دلائل القبلة؛ فلأنها تطلع في الجملة من المشرق وتغرب في المغرب لكن الشمس تطلع من المشرق عن يسار المصلي وتغرب في المغرب عن يمينه. وأما القمر فيبدو أول ليلة الشهر هلالاً في المغرب عن يمين المصلي. ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلاً حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في القبلة مائلاً عنها قليلاً إلى المغرب. ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدراً تاماً. وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريباً منها وقت الفجر. وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق. وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله. وأما المنازل فثمانية وعشرون منزلاً وهي: السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والدباغ، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، الصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلح، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت. وصورة ذلك مذكورة في الكتب المطولة. وأما كون الرياح من دلائل القبلة؛ فلأن العرب يعرفونها ويستدلون بها على القبلة.

стр. 319

والرياح التي ذكرها المصنف ﵀ دلائل قبلة العراق. وأما قبلة الشام فهي مشرقة عن قبلة العراق. فيكون مهب الجنوب لأهل الشام قبلة. وهو من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الشتاء. والشمال: مقابلتها تهب من ظهر المصلي لأن مهبها من القطب إلى مغرب الشمس في الصيف. قال الأصمعي: وليس في الرياح ما له دري غيرها وهو ما تسقيه إلى حائط أو شجرة. والصبا تهب من يسرة المصلي المتوجه إلى قبلة الشام لأن مهبها من مطلع الشمس في الصيف إلى مطلع العتوق. قاله الفراء. والدبور: مقابلتها. وربما تدور هذه الرياح بين الحيطان والجبال فلا تعتبر إذاً. قال: (وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه. ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه). أما كون من اختلف اجتهادهما لا يتبع أحدهما صاحبه؛ فلأن فرض كل واحد منهما (١) ما يؤديه إليه اجتهاده فلا يجوز له أن يقلد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالمين المختلفين في الحادثة. ولا فرق بين من اجتهد فأداه اجتهاده إلى جهة، وبين من لم يجتهد مع كونه أهلاً للاجتهاد؛ لأن الأهل أمكنه الاجتهاد فلزمه كالحاكم. ولا بين أن يكون الوقت متسعاً أو ضيقاً لما ذكر. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يقلد مع الضيق. وأشار إلى قول أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى وصلى إلى غير القبلة يعيد لأن عليه أن يسأل. فجعل فرضه السؤال. وهذا لا دلالة فيه على ما ذكر. بل فيه دلالة على أن المجتهد في المصر لا يجتهد؛ لأنه يمكنه التوصل إلى القبلة بطريق الخبر عن يقين أو بطريق الاستدلال بالمحاريب. وأما كون كل واحدٍ من الجاهل والأعمى يتبع أوثقهما في نفسه؛ فلأن الصواب إليه أقرب.

стр. 320

والمراد بأوثقهما في نفسه أعلمهما عنده وأصدقهما قولاً وأشدهما تحرياً لدينه. فعلى هذا لو قلد المفضول لم يصح. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه. فلم يتسع له ذلك كالمجتهد إذا ترك اجتهاده. قال: (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الأعمى بلا دليل أعادا. فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى. وفي الإعادة وجهان. وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد. وإن أصاب فعلى وجهين). أما كون البصير إذا صلى في الحضر فأخطأ يعيد؛ فلأنه إنما عذر في الخطأ في السفر لأنه مظنة الاشتباه وعدم الأدلة الموصلة إلى الإصابة يقيناً. بخلاف الحضر فإنه يمكنه التوصل إلى ذلك بالخبر عن يقين وبالاستدلال بالمحاريب. وتقييد الإعادة بالخطأ مشعر بأنه إذا أصاب لم يعد. وهو صحيح؛ لأنه مأمور بالصلاة إلى القبلة وقد وجدت. وقيل: يعيد مع الإصابة؛ لأنه ترك فرضه وهو السؤال. والغالب عليه عدم الإصابة فوجب عليه الإعادة ولو أصاب لأنه ترك فرضه مع أنه يغلب على الظن عدم إصابته. ولوجوب الإعادة عليه أخطأ أو أصاب أطلق المصنف ﵀ الحكم المذكور. وأما كون الأعمى الذي لا يجد من يقلده يصلي؛ فلأن فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول. ولأنه لو لم يصل لأدى ذلك إلى خلو الوقت عن صلاة في الجملة. وذلك لا يجوز. دليله من عدم الماء والتراب. وأما كونه يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه مع عدم الدليل صلى شاكاً في تأدية فرضه فوجب عليه الإعادة وإن أصاب أشبه واجد الدليل إذا صلى بلا سؤاله. وأما كونه لا يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه قد أتى بما في وسعه وما كلف به فلم تجب الإعادة عليه كالمجتهد. وأما كونه إن أخطأ أعاد وجهاً واحداً في قول ابن حامد؛ فلأنه اجتمع فيه أمران الصلاة بغير دليل وعدم الإصابة، وإن أصاب على وجهين؛ فلأن النظر إلى أن المقصود إصابة القبلة وقد وجد يقتضي أن لا يعيد. فإن قيل: فرضه السؤال ولم يوجد.

стр. 321

قيل: فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول. وبه يظهر الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا صلى مع وجود الدليل ولم يسأله. والنظر إلى أن العبادة جعلت في الوقت على نوع من الخلل يقتضي أن يعيد لما في ذلك من الاستدراك لما حصل من الخلل. ويعضد ذلك وجوب الإعادة على من صلى عادماً للماء والتراب على إحدى الروايتين. قال: (ومن صلى بالاجتهاد ثم علم أنه قد أخطأ القبلة فلا إعادة عليه. وإن أراد صلاة أخرى اجتهد لها. فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول). أما كون من صلى بالاجتهاد ثم علم أنه أخطأ القبلة لا إعادة عليه؛ فلما روى عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة. فلم ندر أين القبلة. فصلى كل رجل منا على حياله. فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿فأينما تولوا ... الآية﴾ [البقرة: ١١٥]» (١) رواه ابن ماجة والترمذي من حديث أشعث السمان. وفيه ضعف. ولأن عدم العلم عذر في ترك الاستقبال بدليل «أن أهل قباء لما أُخبروا بتحول القبلة لم يبتدئوا الصلاة» (٢). وأما كونه إذا أراد صلاة أخرى يجتهد لها مرة أخرى؛ فلأنها واقعة جديدة فيستدعي اجتهاداً جديداً كطالب الماء في التيمم. وأما كونه يعمل بالثاني إذا تغير اجتهاده؛ فلأنه ترجح في ظنه. والعمل بالراجح متعين. وأما كونه لا يعيد ما صلى بالأول؛ فلأنه لو وجبت الإعادة لكان نقضاً للاجتهاد بالاجتهاد. وذلك غير جائز لعدم تناهيه. ولأنه لا يعيد مع يقين الخطأ فمع عدم اليقين بطريق الأولى.

стр. 322

باب النية النية: العزم والقصد. يقال: نوى فلان كذا إذا قصده وعزم عليه. ومحل النية القلب. والتلفظ ليس بشرط؛ لأن الغرض جعل العبادة لله وذلك حاصل بالنية. لكن يستحب أن يَتلفظ بما نواه؛ لأن فيه تأكيد النية. فلو نوى صلاة وسبق لسانه إلى غيرها لم يضر؛ لأن الشرط النية وهي حاصلة. قال المصنف ﵀: (وهي الشرط السادس للصلاة على كل حال). أما كون النية الشرط السادس؛ فلأنه يلي الخامس. وأما كونها شرطاً لصحة الصلاة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]. ولأن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» (١). ولأن الصلاة قربة محضة فاشترطت لها النية كالصوم. وأما قول المصنف ﵀: على كل حال؛ فمعناه والله أعلم أنها شرط مع العلم والجهل والذكر والنسيان وغير ذلك. ووجهه عموم ما تقدم. ولأن مسلوب القصد في أي حالٍ كان شبيه بالمجنون فلم تصح عبادته بالقياس عليه. قال: (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة وإلا أجزأته نية الصلاة). أما كون المصلي يجب عليه أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة كالظهر والعصر والوتر والضحى وما أشبه ذلك؛ فلأنها لا تُمَيَّز عن غيرها إلا بذلك. وأما كونه يجزئه نية الصلاة في غير المعينة كالنافلة المطلقة؛ فلأنه إذا نوى الصلاة دخل في نيته مطلق الصلاة. ضرورة أن المطلق لا بد من وجوده في مسمى الصلاة.

стр. 323

قال: (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين). أما كون نية القضاء في الفائتة تشترط على وجهٍ فلتتميز. وأما كونها لا تشترط على وجهٍ؛ فلأنه لو تحرى في الوقت فصلى فبان بعد الوقت أجزأته صلاته وفاقاً. وهو قضاء لم ينوه. وأما كون نية الفرضية في الفرض يشترط على وجهٍ وهو قول ابن حامد؛ فلأن الظهر مثلاً قد لا يكون فرضاً كظهر الصبي ومن أعاد الجماعة. وأما كونها لا تشترط على وجهٍ؛ فلأن ظُهْر هذا لا يكون إلا فرضاً. قال: (ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام. فإن تقدمت قبل ذلك بالزمن اليسير جاز). أما كون المصلي يأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام؛ فلأنها أول الصلاة. ومحل النية من كل عبادة أولها فكذا الصلاة. وأما كون تقديمها قبل ذلك بالزمن اليسير يجوز؛ فلأنها عبادة يشترط لها النية فجاز تقديمها عليها كالصوم. ولأن اشتراط المقارنة يشق وذلك منفي شرعاً. قال: (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة. فإن قطعها في أثنائها بطلت الصلاة. وإن تردد في قطعها فعلى وجهين). أما كون المصلي يجب عليه أن يستصحب حكم النية إلى آخر الصلاة؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب النية في كلها. لكن لما شق ذلك وجب الاستصحاب. ضرورة أنه لو لم يستصحب النية لم تكن بقية الصلاة صحيحة لأنها غير منوية قصداً ولا حكماً. ولأن كل عبادة يشترط لها النية يشترط استصحابها. دليله الصوم. والمراد بالاستصحاب أنه إذا نوى العبادة لا ينوي قطعها بعد ذلك. وأما كونه إذا قطع نية الصلاة في أثنائها تبطل؛ فلأن الاستصحاب شرط لما تقدم وقد فات فيلزم بطلان الصلاة. ضرورة فوات الشيء لفوات شرطه. ولأنه قطع نية الصلاة قبل إتمامها أشبه ما لو سلم ونوى به الخروج منها.

стр. 324

وأما كونه إذا تردد في قطعها تبطل صلاته على وجهٍ؛ فلأن التردد ينافي الجزم المشترط. دليله المسلم إذا شك في الإسلام. وأما كونها لا تبطل على وجهٍ؛ فلأنه لم يوجد قطع ولا تغيير. قال: (وإن أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلاً. وإن أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً جاز. ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر مثل أن يحرم منفرداً فيريد الصلاة في جماعة). أما كون من أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلاً؛ فلأنه تعجيلٌ لعبادةٍ بدنية قبل وجوبها ووجود سببها وتحقق شرطها فلغت نية الفرضية. وصار كما لو صام شعبان معتقداً أنه رمضان بنية الفرض. وأما كون من أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً يجوز على المذهب؛ فلأن نية النفل تضمنتها نية الفرضية. وأما كونه يحتمل أن لا يجوز مع عدم العذر؛ فلأنه ما نوى ذلك عند الإحرام، ولا تضمن انتقاله مصلحة فيكون فعله عبثاً وذلك منهي عنه. وأما كونه يجوز مع العذر المذكور؛ فلأنه ينتقل إلى أفضل من حاله وذلك مطلوب في نظر الشرع. قال: (وإن انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان). أما كون الأولى تبطل؛ فلأنه قطع نيتها وأعرض عنها، واستدامة النية شرط لما تقدم. وأما كون الثانية لا تصح؛ فلأن ابتداء النية وتعيينها لا بد منها ولم يوجد ذلك عند الإحرام. وفي قول المصنف ﵀: بطلت الصلاتان؛ نظر، فإن الثانية لا توصف بالبطلان لكن توصف بعدم الصحة.

стр. 325

قال: (ومن شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما. فإن أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام لم يصح في أصح الروايتين. وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي). أما كون الجماعة من شرطها أن ينوي الإمام والمأموم حالهما؛ فلأن الجماعة إنما انعقدت بالنية فيعتبر وجودها منهما. فلو نوى كل واحد الإمامة أو المأمومية لم يصح لعدم المأموم في الأولى والإمام في الثانية. وأما كون من أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة وذلك شرط. وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأنه يجوز أن يجعل نفسه إماماً لما يأتي فجاز أن يجعلها مأموماً بالقياس عليه. وأما كونه إذا نوى الإمامة في النفل يصح؛ فـ «لأن النبي ﷺ قام يصلي في التهجد فجاء ابن عباس فأحرم معه وصلى به النبي ﷺ » (١) متفق عليه. وأما كونه إذا نواها في الفرض لا يصح على المذهب؛ فلأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة. أشبه ما لو أحرم في يوم الجمعة بعد الخطبة وكمال العدد ثم انفضوا فأحرم بالظهر ثم تكامل العدد وهو في الصلاة فنوى الجمعة. وأما كونه يحتمل أن يصح؛ فلأن الفرض في معنى النفل. وأما كون ذلك أصح عند المصنف ﵀؛ فلأنه قد ثبت بفعل النبي ﷺ أن ابتداء النية للإمامة ليست شرطاً في النفل وذلك مقتضٍ لعدم اشتراطها في الفرض؛ لأن الأصل أن ما ثبت في النفل يثبت في الفرض ما لم يقم دليل على تخصيصه، ولم يقم. قال: (فإن أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد لعذر جاز. وإن كان لغير عذر لم يجز في إحدى الروايتين). أما كون من أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد في أثناء صلاته لعذر يجوز فـ «لأن معاذاً ﵁ كان يصلي مع رسول الله ﷺ . ثم يأتي قومه فيصلي بهم. فأخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة فصلى معه. ثم انصرف إلى قومه فصلى بهم. فافتتح سورة البقرة. ففارقه رجل فأتم صلاته. فقالوا له: نافقت! فقال: ما

стр. 326

نافقت. ولكن لآتِيَنَّ رسول الله ﷺ فأُخْبِره. فأتى النبي ﷺ فأخبره وذكر ذلك له. فقال ﷺ : أفتان أنت يا معاذ مرتين ... مختصر» (١) متفق عليه. ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة. وفي بعض ألفاظه: «يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا» (٢). إشارة إلى التعب والنصب. والعذر المجوز هنا ما يجوز به ترك الجماعة. وكعذر من يلحقه مشقة من كبر أو ضعف أو تعب أو [فوات رفقة و] (٣) نحو ذلك. وأما كونه إذا نوى ذلك لغير عذر لا يجوز في روايةٍ؛ فلقوله ﵇: «لا تختلفوا على أئمتكم» (٤). ولأنه ترك متابعة إمامه وانتقل من الأعلى إلى الأدنى لغير عذر. أشبه ما لو نقلها إلى النفل أو ترك المتابعة من غير نية الانفراد. وأما كونه يجوز في روايةٍ؛ فبالقياس على المنفرد. قال: (وإن نوى الإمامة لاستخلاف الإمام له إذا سبقه الحدث صح في ظاهر المذهب). أما كون ما ذكر يصح في ظاهر المذهب؛ فـ «لأن عمر ﵁ لما طُعِن أخذ بيد عبدالرحمن بن عوف فقدمه واستخلفه فما عاب ذلك عائب» (٥). وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم فيكون ذلك إجماعاً.

стр. 327

وأما كونه لا يصح على روايةٍ - وقول المصنف ﵀: في ظاهر المذهب مشعر به؛ لأنه مشعر بالخلاف وخرج به في المغني ونقله عن الإمام أحمد رحمة الله عليه -؛ فلأن شرط صحة الصلاة فُقد في أثنائها فوجب بطلانها كما لو تعمد الحدث. والأول هو المذهب؛ لما تقدم. قال: (وإن سبق اثنان ببعض الصلاة فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما فعلى وجهين. وإن كان لغير عذر لم يصح). أما كون فعل ما ذكر لعذر يصح على وجهٍ؛ فلأن المأموم منتقل إلى مثل حاله، والإمام منتقل من كونه مأموماً لتكميل الصلاة في جماعة وذلك أفضل من الانفراد في حقهما. وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن كل واحد منهما يثبت له حكم الانفراد بسلام إمامه فصار كالمنفرد ابتداء. وأما كونه لغير عذر لا يصح؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لإحداثه في أثناء صلاته ما لم يكن في أولها. تُرك العمل به في موضع العذر على وجهٍ لمكان العذر فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. قال: (وإن أحرم إماماً لغيبة إمام الحي. ثم حضر في أثناء الصلاة. فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته وصار الإمام مأموماً، فهل يصح؟ على وجهين). أما كون ما ذكر يصح على وجهٍ؛ فلما روى سهل بن سعد قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. فحانت الصلاة. فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة. فخلص حتى وقف في الصف وتقدم [النبي ﷺ ] (١) فصلى ثم انصرف» (٢) متفق عليه. وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه لا حاجة إلى ذلك. وفعل النبي ﷺ يحتمل أن يكون خاصاً به؛ لأن أحداً لا يساويه.

стр. 328

باب صفة الصلاة قال المصنف ﵀: (السنة أن يقوم إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. ثم يسوي الإمام الصفوف). أما كون السنة أن يقوم المصلي إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، لما روى ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ «أنه كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض» (١). ولأن في ذلك تصديقاً للمؤذن. وأما كون السنة أن يسوي الإمام الصفوف بعد ذلك؛ فلما روى أنس قال: «أقيمت الصلاة. فأقبل رسول الله ﷺ بوجهه. فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا. فإني أراكم وراء ظهري» (٢) رواه البخاري. وقال ﵇: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» (٣) متفق عليه. قال: (ثم يقول: الله أكبر لا يجزئه غيرها. فإن لم يحسنها لزمه تعلمها. فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته). أما كون المصلي يقول: الله أكبر؛ فلما روي عن النبي ﷺ «أنه كان إذا قام

стр. 329

إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. ثم قال: الله أكبر» (١) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح. وأما كونه لا يجزئه غيرها؛ فلما روى رفاعة أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء (٢) مواضعه. ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» (٣). و«قال ﷺ للمسيء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٤) متفق عليه. ولأن النبي ﷺ كان يكبر بذلك. ولم ينقل عنه العدول إلى غيره حتى فارق الدنيا. وقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). وأما كونه يلزمه تعلمها إذا لم يحسنها؛ فلأنها ركن من أركان الصلاة قادر عليه فلزمه تعلمه كالفاتحة. وأما كونه يكبر بلغته إذا خشي فوات الوقت؛ فلأنه عجز عن اللفظ فلزمه الإتيان بمعناه كلفظة النكاح. وقال بعض أصحابنا: لا يكبر بغير العربية كالقراءة. فعلى هذا يكون حكمه حكم الأخرس.

стр. 330

قال: (ويجهر الإمام بالتكبير كله. ويسر غيره به وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه). أما كون الإمام يجهر بالتكبير كله؛ فلأن فيه إسماعاً لمن خلفه. وذلك مطلوب لما فيه من متابعة المأمومين لإمامهم. ولأنه ذكر مشروع في الصلاة فسن للإمام الجهر به كالقراءة. وأما كون غيره وهو المأموم والمنفرد يسر به؛ فلأن الجهر في حق (١) الإمام شرع لما فيه من إبلاغ المأموم. وهذا المعنى مفقود هنا. ولأن جهر المأموم يشوش على الجماعة ويؤدي إلى اختلاط أصوات بعضهم ببعض وإحداث وسوسة لبعضهم. وعدم ذلك كله مطلوب، فكذلك عدم ما يؤدي إليه. ولا بد أن يلحظ في الحكم المذكور أنه مختص بعدم الحاجة مثل أن يكون صوت الإمام يسمعه كل المأمومين فإن كان بحيث يسمع بعضهم دون بعض فالمستحب لبعضهم أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع من خلفه؛ لما روى جابر قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه. فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر لِيُسْمِعنا» (٢) متفق عليه. وأما كون غير الإمام يسر بالقراءة؛ فلأن جهر الإمام بذلك لإسماع المأموم وذلك مفقود في حق غيره. ولأن جهر المأموم يؤدي إلى المحذور المتقدم ذكره في الجهر بالتكبير ولذلك قال النبي ﷺ : «ما لي أُنَازَعُ القُرآن» (٣).

стр. 331

ولا بد أن يلحظ في مسنونية إسرار المأموم بالقراءة أن لا يكون ذلك في حال جهر الإمام؛ لأن حال جهره لا يسن للمأموم الإسرار لأنه يسن له الإنصات. والجمع بين مسنونية الإسرار والإنصات متناقض. وأما قول المصنف ﵀: بقدر ما يُسْمع نفسه؛ فليس بقيد في مسنونية ذلك؛ لأنه لو رفع صوته بحيث يسمع من يليه فقط لكان ذلك مسراً آتياً بالمقصود. بل مراده أنه لا يجزئه أقل من ذلك في موضع يجب عليه القراءة. صرح به في المغني وعلله بأنه لا يكون كلاماً بدون الصوت. والصوت ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه. فإن قيل: هلا حمل قوله ويسر غيره به على أن ذلك هو الواجب لا المسنون. ويكون قوله بقدر ما يسمع نفسه على ظاهره. قيل: منع منه وجهان: أحدهما: أنه عطفه على ويجهر الإمام وذلك مسنون فليكن هذا مثله. والثاني: أن الإسرار إلى هذه الغاية ليس واجباً؛ لأنه لو أتى بما فوق ذلك جاز حتى لو جهر به لكان آتياً بالواجب. قال: (ويرفع يديه مع ابتداء التكبير. ممدودة الأصابع. مضموماً بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه). أما كون المصلي يرفع يديه مع ابتداء التكبير؛ [فلما روى أبو داود بإسناده عن عبدالجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني بعض أهل بيتي عن أبي أنه حدثهم «أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير» (١) رواه أحمد] (٢). ولأن (٣) ابتداء التكبير أول الشروع في العبادة والرفع أول هيئاتها. ولأن الرفع هيئة للتكبير فينبغي أن يكون ابتداؤها مع ابتدائه وانتهاؤها مع انتهائه. وأما كون يديه ممدودة الأصابع؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي ﷺ كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مَداً» (٤) رواه الترمذي.

стр. 332

وأما كون الأصابع مضموماً بعضها إلى بعض؛ فلأن ذلك أصل خلقتها. وأما كونُ رافعِ يديه مخيراً في رفعهما إلى حذو منكبيه؛ فلما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه» (١) متفق عليه. وأما رفعهما إلى فروع أذنيه؛ فلأن وائل بن حجر ومالك بن الحويرث روياه (٢). رواه مسلم. فإن قيل: أيها أولى؟ قيل: الرفع إلى حذو المنكبين؛ لأن رواته أكثر وأقرب إلى النبي ﷺ . قال: (ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى. ويجعلهما تحت سرته). أما كون المصلي يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى؛ فلما روى وائل بن حجر في صفة صلاة النبي ﷺ قال: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد» (٣). وأما كونه يجعلهما تحت سرته؛ فلأن علياً قال: «من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة» (٤) رواه الإمام أحمد وأبو داود. وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ . وعن أحمد أنه يجعلهما تحت صدره؛ [لأن وائل بن حجر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي فوضع يديه على صدره] (٥) إحداهما (٦) على الأخرى» (٧).

стр. 333

وعن أحمد يخير في ذلك؛ لأن كلاً فيه حديث. قال: (وينظر إلى موضع سجوده. ثم يقول: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). أما كون المصلي ينظر إلى موضع سجوده؛ فلما روى ابن عباس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده». ولأنه أبلغ في الخشوع فكان أولى. وأما كونه يقول: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك؛ فلما روى عمر بن الخطاب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر. وقال: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» (١) رواه الدارقطني. وروت عائشة نحوه (٢). رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي. وروى أبو سعيد الخدري نحوه (٣). أخرجه النسائي والترمذي. وأما كونه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فلقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. [وعن ابن المنذر ﵁ قال: جاء عن النبي ﷺ «أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»] (٤).

стр. 334

وقال المصنف ﵀ في المغني يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم لما روى أبو سعيد عن رسول الله ﷺ «أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (١) رواه الترمذي. ثم قال: هذا -يعني حديث أبي سعيد- أشهر حديث في الباب. وقال: هو متضمن للزيادة والأخذ بالزيادة أولى. قال: (ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وليست من الفاتحة. وعنه: أنها منها. ولا يجهر بشيء من ذلك). أما كون المصلي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما روى نُعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم الكتاب. وقال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » (٢) رواه النسائي. وروى ابن المنذر: «أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم» (٣). وأما كونها ليست من الفاتحة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي. ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي ... الحديث» (٤) رواه مسلم. ولو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة لَعَدّها ولبدأ بها. ولما تحقق التنصيف لأن آيات الثناء تكون أربعاً ونصفاً وآيات الدعاء اثنتين ونصفاً. وعلى أنها ليست آية يتحقق ذلك. وأما كونها منها على روايةٍ؛ فلما روي عن أم سلمة «أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم. وعدها آية» (٥).

стр. 335

وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم الحمد فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم الكتاب. وإنها السبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها» (١). ولأن الصحابة ﵃ أجمعين أثبتوها في أول كل سورة في المصاحف إلا براءة. ولم يُثبت بين الدفتين سوى القرآن. وأما كونه لا يجهر بشيء من ذلك أي من الاستفتاح والتعوذ وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم: أما الاستفتاح والتعوذ؛ فلأن النبي ﷺ لم يجهر بشيء من ذلك وإنما «جهر عمر بالاستفتاح ليعلم الناس» (٢). وأما بسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما روى أنس قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءةٍ ولا آخرها» (٣) رواه مسلم. وفي المتفق عليه لأنس: «فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (٤). وفي المسند: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» (٥). وفي لفظ لابن شاهين: «فكلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم». وفي لفظ آخر «أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر». قال: (ثم يقرأ الفاتحة. وفيها إحدى عشْرة تشديدة. فإن ترك ترتيبها أو تشديدة منها أو قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل لزمه استئنافها). أما كون المصلي يقرأ الفاتحة فـ «لأن النبي ﷺ كان يقرؤها». وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٦).

стр. 336

وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١) متفق عليه. وفي لفظ: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢). رواه الدارقطني. وقال: إسناده صحيح. وأما كون الفاتحة فيها إحدى عشرة تشديدة فبالنقل عن أئمة القراءة. وهذا على الرواية الصحيحة. وعلى أن البسملة منها فيها أربع عشْرة تشديدة. وأما كون من ترك ترتيبها يلزمه استئنافها؛ فلأن القرآن معجز والإعجاز متعلق بالنظم والترتيب. ولأنه ﵇ قال: «صلوا كما عُلِّمْتم» (٣). ولأنها ركن فلم يجز تنكيسها كتكبيرة الإحرام. وأما كون من ترك تشديدة منها يلزمه استئنافها؛ فلأن الحرف المشدد بحرفين. ومن ترك حرفاً من الفاتحة لم يقرأ الفاتحة لأن المركب ينعدم بعدم جزء من أجزائه. وقال القاضي في الجامع: إن الصلاة لا تبطل بترك تشديدة لأنها غير ثابتة في المصحف وإنما هي صفة للحرف ويسمى تاركها قارئاً بخلاف الحرف. ولا يختلف المذهب في أنه إذا لينها ولم يحققها على الكمال لم يُعد الصلاة؛ لأن ذلك لا يحيل المعنى. وأما كون من قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل يلزمه استئنافها؛ فلأنه يعد معرضاً عن الفاتحة بذلك. واعلم أن تحقيق الكلام في قطع الفاتحة على أضرب:

стр. 337

أحدها: قطعٌ بذكر مشروع. كالمأموم يشرع في القراءة لبعده عن إمامه فيفرغ الإمام من الفاتحة فيسمع المأموم في أثناء قراءته آمين فيؤمن. وكمن سمع آية رحمة فسأل. أو انتهى الإمام إلى سجدة فسجد المأموم في أثناء قراءته. أو كمن غلط فخرج منها إلى غيرها أو فتح على إمامه فهذا كله لا يبطل الفاتحة؛ لأنه لا يعد معرضاً عنها. الثاني: قطعٌ بذكرٍ غير مشروع كالتهليل والتسبيح وقراءةٍ في أثناء الفاتحة. فقال القاضي: قليل ذلك وكثيره مبطل. والصحيح أن الكثير مبطل لما ذكره المصنف ﵀ لأنه بذلك يعد معرضاً. دون القليل. والثالث: قطعٌ بسكوت طويل غير مشروع. فهذا مبطل لما ذكر. وسواء كان باختيارٍ أو مانع من غفلة أو أرتج عليه: فإن كان يسيراً جرت به العادة لم يقطع قراءتها سواء نوى قطعها أو لم ينو؛ لأنه يسير فعفي عنه. وقال القاضي: يكون قطعاً مع النية لتحقق الإعراض. ولو نوى قطع القراءة حال قراءته لم تنقطع لأن فعله مخالف لنيته. الرابعة: قطعٌ بسكوت طويل مشروع كالمأموم يَشرع في القراءة. ثم يسمع قراءة الإمام فينصت. ثم يتمها بعد فراغ إمامه. فهذا لا يقطع الفاتحة لأنه مشروع فلم يقطع كالذكر. ويتخرج على هذا من سكت لمانع من غفلة أو أرتج عليه لمكان العذر. قال: (فإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾. قال: آمين. يجهر بها الإمام والمأموم في صلاة الجهر). أما كون المصلي يقول: آمين عقيب ﴿ولا الضالين﴾؛ فلأن ذلك مشروع في حق الإمام والمأموم والمنفرد. أما في حق الإمام؛ فلما روى وائل بن حجر قال: «سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. مد بها صوته» (١) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وأما في حق المأموم؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام فأمنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له» (٢) متفق عليه.

стр. 338

وأما في حق المنفرد؛ فلأنه لا بد من إعطائه حكم أحدهما. وأما كونه يجهر بذلك في صلاة الجهر؛ فلأنه مشروع لكل من يُشرع له الجهر فيها «لأن النبي ﷺ كان إذا فرغ من قراءة أم الكتاب رفع صوته وقال: آمين» (١) رواه الدارقطني. وقال: إسناد حسن. و«كان ﵇ إذا أمَّنَ أمَّنَ مَن خَلفه حتى كأن للمسجد ضَجَّة» (٢). وروي: «لجة» (٣). ولأن التأمين تابع للقراءة فيسن الجهر به كالقراءة. وآمين تمد وتقصر. ومعناه: اللهم! استجب لي. قاله الحسن. وقيل: هو اسم من أسماء الله . قال: (فإن لم يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن تعلمها قرأ قدرها في عدد الحروف. وقيل: في عدد الآيات من غيرها. فإن لم يحسن إلا آية واحدة كررها بقدرها). أما كون المصلي يقرأ قدر الفاتحة في عدد الحروف إذا لم يحسنها وضاق الوقت عن تعلمها على الأول؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات» (٤). ولأن ذلك بمثابة الآيات في منع المحدث من اللمس.

стр. 339

وأما كونه يقرأ قدرها في عدد الآيات على قولٍ فـ «لأن النبي ﷺ عد الفاتحة سبعاً» (١). وقال الله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧]. فعلى الأول لو قرأ أقل من سبع آيات عدد حروف ذلك عدد حروف الفاتحة أجزأ؛ لحصول ما وجب اعتباره. وعلى الثاني لو قرأ سبع آيات لا تبلغ حروفها حروف الفاتحة أجزأ أيضاً؛ لما تقدم. وقيل: يعتبر عدد الآي. وفي اعتبار الحروف مع ذلك وجهان توجيههما ما تقدم. وفي قول المصنف ﵀: قرأ؛ إشعار بأن المصلي إذا كان يحسن غير الفاتحة من القرآن لا يجزئه إلا قرآن. وهو صحيح؛ لما روى رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر. فإن كان معك قرآن فاقرأ به. وإلا فاحمد الله وكبره وهلله» (٢) رواه الترمذي. ولأن القرآن من جنس الفاتحة فكان أولى من الذِّكر. وأما كونه إذا لم يحسن إلا آية يكررها بقدرها؛ فلأنها أولى من غيرها. فإن قيل: ما مراد المصنف ﵀ من الآية؟ قيل: يحتمل أنه أراد من الفاتحة. وفيه وجهان: أحدهما: أنه يكررها. ولا يقرؤها مرة ثم يعدل إلى قراءة غيرها لأن الآية منها أقرب شبهاً إلى بقية الفاتحة من غيرها.

стр. 340

وثانيهما: أنه يقرؤها مرة، ويعدل إلى غيرها؛ لأنه إذا قرأها مرة فقد أسقط فرضها فيجب أن لا يعيدها. كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله فإنه يجب عليه استعماله، ويعدل إلى البدل في الباقي. ويحتمل أنه أراد من غير الفاتحة وفيه وجهان: أحدهما: أنه فيه الخلاف المتقدم. والثاني: لا؛ لأن العدول إلى الذِّكر وجعله بدلاً إنما يتحقق عند العجز عن الإتيان بشيء من القرآن؛ لقوله: «فإن كان معك قرآن فاقرأ به» (١). ولأن البدل في الصورة الأولى من جنس المبدل بخلاف الصورة الثانية. قال: (فإن لم يحسن شيئاً من القرآن لم يجز أن يترجم عنه بلغة أخرى. ولزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). أما كون من لم يحسن شيئاً من القرآن لا يجوز له أن يترجم عنه بلغة أخرى أي بلغة غير عربية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿بلسانٍ عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٥]. وقال: ﴿قرآناً عربياً﴾ [يوسف: ٢]. ولأن القرآن معجزة لفظه ومعناه. فإذا غُيِّر خرج عن نظمه ولم يكن قرآناً ولا مثله. وأما كونه يلزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ [فـ «لأن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني فقال قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله] (٢») (٣) رواه أبو داود. فإن قيل: لم اعتُبر فيمن لم يحسن الفاتحة المثلية في الآيات أو في الحروف ولم يعتبر ذلك هنا؟ قيل: لأن النبي ﷺ اقتصر على ذلك.

стр. 341

ولأن هذا بدل من غير الجنس فلم تشترط المثلية كالتيمم. بخلاف ما ذكر. قال: (فإن لم يحسن إلا بعض ذلك كرره بقدره. فإن لم يحسن شيئاً من الذكر وقف بقدر القراءة). أما كون من لم يحسن إلا بعض ما ذُكر يكرره بقدر كله؛ فلقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). وكما لو لم يحسن إلا آية واحدة. وأما كون من لم يحسن شيئاً من الذكر يقف بقدر القراءة؛ فلأن الوقوف بقدر قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة وهو قادر عليه فلزمه كسائر الأركان. قال: (ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة: تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه. ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء). أما كون المصلي يقرأ بعد الفاتحة سورة؛ فلأن النبي ﷺ هكذا كان يفعل لما روى أبو قتادة قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين. وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين. وفي الظهر في الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» (٢) متفق عليه. وأما كون السورة في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه؛ فـ «لأن عمر كتب إلى أبي موسى (٣) أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل ,

стр. 342

واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل» (١) رواه أبو حفص (٢). ولأن الصبح قصيرة ووقتها واسع فحسن تطويلها. والمغربُ وقتها ضيق فحسن تقصيرها، وبقية الصلوات سعة الوقت يقتضي التطويل، وكمال عددها يقتضي التقصير فاقتضت التسوية بينهما التوسط. وأما كون الإمام يجهر بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء؛ فلأن على ذلك درج السلف والخلف فهو إجماع. وقال ﵇: «صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين» (٣). قال: (وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته. وعنه تصح). أما كون صلاة من قرأ بما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأنه مأمور بقراءة القرآن في الصلاة. والقرآن ما ثبت بطريق مقطوع به وهو التواتر. وقراءةٌ ليست في مصحف عثمان -كقراءة ابن مسعود- ليست متواترة. بل أجمعت الصحابة على خلاف ذلك. وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأنها قراءة مأثورة. وقد صح أن النبي ﷺ قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» (٤) رواه البخاري (٥).

стр. 343

وكان سعيد بن جبير يصلي بقراءة عبدالله. قال: (ثم يرفع يديه. ويركع مكبراً: فيضع يديه على ركبتيه، ويمد ظهره مستوياً، ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه). أما كون المصلي يرفع يديه في الركوع؛ فلأن ابن عمر روى «أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا ركع» (١) متفق عليه. وروى مالك بن الحويرث قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع» (٢) متفق عليه. وأما كونه يركع؛ فلقوله تعالى: ﴿اركعوا﴾ [الحج: ٧٧]، و «قوله ﷺ للمسيء في صلاته: ثم اركع» (٣). وأما كونه يكبر حال ركوعه؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع ... الحديث» (٤) متفق عليه. وأما كونه يضع يديه على ركبيته؛ فلأن ابن المنذر قال: «ثبت أن رسول الله ﷺ وضع يديه على ركبتيه في الركوع وفعله عمر وعلي وابن عمر». وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص: «ركعت فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي. وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه. وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» (٥) متفق عليه.

стр. 344

وأما كونه يمد ظهره مستوياً؛ فلما روي «أن النبي ﷺ كان إذا ركع لو كان على ظهره قدح ماء ما تحرك لاستواء ظهره» (١). وأما كونه يجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه؛ فلأن أبا حميد الساعدي ذكر في صفة صلاته ﷺ «رأيته إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هَصَرَ ظهره» (٢) أي جذبه إلى بطنه. وفي لفظ: «ثم اعتدل فلم يصوب ولم يُقْنِع» (٣). وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك» (٤) رواه مسلم. وأما كونه يجافي مرفقيه عن جنبيه؛ فلما روى أبو حميد «أن النبي ﷺ وضع يديه على ركبتيه كأنه قابضهما ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه» (٥).

стр. 345

قال: (وقدر الإجزاء الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه). أما كون قدر الإجزاء الانحناء المذكور؛ فلأنه لا يسمى راكعاً بدون ذلك. والمراد بمس ركبتيه مس يديه ركبتيه. ويجب بحيث يمكنه مسهما براحتيه ولا يكتفي برؤوس أصابعه. قال صاحب النهاية فيها في: فصلٌ في الركوع: وله صنفان واجب ومستحب فالواجب الانحناء إلى أن يبلغ راحتاه إلى ركبتيه. فإذا فعل ذلك واطمأن أجزأ وإن لم يضعهما على ركبتيه. وفي حديث المسيء أن النبي ﷺ قال له: «فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك» (١). قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً. وهو أدنى الكمال). أما كون المصلي يقول سبحان ربي العظيم؛ فلما روى عقبة بن عامر: «لما نزلت: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤] قال النبي ﷺ : اجعلوها في ركوعكم» (٢) رواه الإمام أحمد. و«لأن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم» (٣) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وأما كون ذلك ثلاثاً وأنه أدنى الكمال؛ فلما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم. وذلك أدناه» (٤). أخرجه أبو داود.

стр. 346

والمراد أدنى الكمال لأنه لا يجوز أن يكون أدنى الواجب. ضرورة أن الواجب مرة. فلم يبقى إلا أدنى الكمال. قال: (ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده. ويرفع يديه. فإذا قام قال: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد). أما كون المصلي يرفع رأسه؛ فلقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً» (١) رواه البخاري. وأما كونه يقول: سمع الله لمن حمده حال رفعه؛ فلأن في حديث أبي هريرة «كان رسول الله ﷺ يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع. ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» (٢). وأما كونه يرفع يديه في الرفع من الركوع فإن في حديث أبي حميد «أن رسول الله ﷺ قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه» (٣). وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: «كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه. وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك» (٤).

стр. 347

وموضع الرفع للإمام إذا رفع رأسه. يجعل ابتداء رفع اليدين مع ابتداء رفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده لأنه حين الانتقال فشرع فيه الرفع كحال الركوع. قال أبو حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ : «ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه» (١). وعن أحمد أنه لا يرفع حتى يستتم قائماً؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه» (٢). ولأنه رفع فلا يشرع في غير حال القيام كتكبيرة الإحرام والركوع. والأول أولى؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر المتفق عليه يدل عليه لأن قوله: «وإذا رفع رأسه رفعهما» يقتضي المعية [كقوله: «وإذا كبر للركوع»] (٣). وأما المأموم فيبتدؤه عند رفع رأسه رواية واحدة. وكذلك المنفرد إن لم يشرع له قول: ربنا ولك الحمد؛ لأنه ليس في حقهما ذكر بعد الاعتدال. والرفع إنما جعل للذكر بخلاف الإمام فإن له ذكراً حال قيامه وذكراً وهو قائم. وأما كونه إذا قام يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعدُ؛ فلأن النبي ﷺ كان يقول ذلك ويأمر به فروى أبو هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» (٤). وعن أبي سعيد «أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» (٥) متفق عليهما.

стр. 348

قال: (فإن كان مأموماً لم يزد على ربنا ولك الحمد إلا عند أبي الخطاب). أما كون المأموم لا يزيد على قول: ربنا ولك الحمد على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ أمر المأموم بالتحميد» (١) واقتصر عليه فلو كانت الزيادة على ذلك مشروعة لأمره به. وأما كونه يزيد على ذلك عند أبي الخطاب والمراد قول: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد؛ فلعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). ولأنه ذكر مشروع للإمام فشرع للمأموم بالقياس عليه. وأما التسميع فقال المصنف ﵀ في المغني: لا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يشرع له لأن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم! ربنا ولك الحمد» (٣). ولو كان مشروعاً لأمره به. ولأن الفاء للتعقيب فيقتضي أن يلي قول الإمام: سمع الله لمن حمده قول المأموم: ربنا ولك الحمد. وذلك يمنعه من قول: سمع الله لمن حمده. قال: (ثم يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه، فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه. ويكون على أطراف أصابعه). أما كون المصلي يكبر للسجود؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يكبر في كل رفع وخفض» (٤). وأما كونه يخر ساجداً؛ فلقوله تعالى: ﴿واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧]. و«لأن النبي ﷺ كان يخر ساجداً» (٥)، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٦).

стр. 349

وأما كونه يرفع يديه حال سجوده؛ فلأن ابن عمر قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وكان لا يفعل ذلك في السجود» (١) متفق عليه. وأما كونه يضع ركبتيه قبل يديه إذا سجد؛ فلما روى وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه. وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٢) رواه أبو داود والترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن أحمد أنه يضع يديه قبل ركبتيه؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه. ولا ينزل كما ينزل البعير» (٣) رواه النسائي. والأول أصح. قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أصح من حديث أبي هريرة وبتقدير مساواته له في الصحة هو منسوخ؛ لما روي عن أبي سعيد: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين [فأمرنا بوضع الركبتين] (٤) قبل اليدين» (٥).

стр. 350

وأما كونه يضع جبهته وأنفه بعد ذلك؛ فلما روى أبو حميد الساعدي قال: «كان النبي ﷺ إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض» (١). رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح. وأما كونه يكون على أطراف أصابعه؛ فلقول النبي ﷺ : «أمرت بالسجود على سبعة أعظم. وذكر من ذلك: أطراف القدمين» (٢). قال: (والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف على إحدى الروايتين). أما كون السجود على هذه الأعضاء غير الأنف واجباً؛ فلما روى ابن عباس قال: «أُمِرَ النبي ﷺ أن يَسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين» (٣). وفي لفظ آخر: «أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم» (٤) متفق عليهما. والأمر للوجوب. وأما كون السجود على الأنف واجباً على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «أُمرت بالسجود على سبعة أعظم: الجبهة وأشار بيده إلى أنفه» (٥).

стр. 351

وعن عائشة ﵂ قالت: «نظر رسول الله ﷺ امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض. فقال: يا هذه! ضعي أنفك بالأرض. فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة» (١) رواه الدارقطني. وأما كونه غير واجب على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ أمر بالسجود على سبعة أعظم ليس فيها الأنف» (٢). رواه تمام في فوائده. والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم. قال: (ولا يجب عليه مباشرة المصلى بشيء منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين). أما كون المصلي لا يجب عليه مباشرة المصلى بالقدمين؛ فللإجماع على صحة صلاة لابس الخفين. وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالركبتين؛ فلأنهما متصلتان (٣) بالعورة. وعورةٌ عند قوم فلا يليق كشفهما فضلاً عن وجوبه. وأما كونه لا يجب عليه مباشرته باليدين؛ فلما روى ابن ماجة عن ثابت بن صامت «أن رسول الله ﷺ صلى في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه من برد الحصى» (٤). وفي لفظ: «فلم يخرج يديه من ثوبيه» (٥). وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالجبهة على روايةٍ؛ فبالقياس على سائر الأعضاء. فعلى هذا لو سجد على كور عمامته أو كمه أو ذيله صحت صلاته لما تقدم. وروى أنس قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» (٦) رواه البخاري.

стр. 352

وقال الحسن: «كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمه» (١). وروي عن النبي ﷺ «أنه سجد على كَوْر العمامة» (٢). رواه ابن أبي حاتم من طرق كلها ضعيفة. وأما كونه يجب عليه مباشرته بها على روايةٍ؛ فلما روي عن حباب قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأَكُفِّنا فلم يُشْكِنا» (٣). رواه مسلم. ولأنه (٤) سجد على ما هو حامل له أشبه إذا سجد على يديه. والأولى أصح. والجواب عن الحديث أنه قيل: إنهم طلبوا تسقيف المسجد فلم يجبهم، أو أنهم طلبوا منه الرخصة لهم في ترك السجود عليها ولذلك لم يعمل به في الأكف. قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً). أما كون المصلي يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ويأمر به».

стр. 353

قال أحمد في رسالته: جاء عن النبي ﷺ «أنه كان إذا سجد لو مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفدت» (١). وذلك لشدة مبالغته في رفع عضديه. ورواه أبو داود أيضاً. وفي حديث أبي حميد «أن النبي ﷺ لما سجد جافى عضديه عن جنبيه» (٢). وفي لفظ للبخاري: «فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما» (٣). وأما كونه يضع يديه حذو منكبيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «أن النبي ﷺ وضع يديه حذاء منكبيه» (٤) رواه أبو داود. فإن قيل: ما صفة وضعهما؟ قيل: أن يضع راحتيه على الأرض معتمداً عليهما منشورة مضمومة الأصابع. بخلاف وضع ذلك على الركبتين لوجهين: الأول: أنه في الركوع بالتفريق يتمكن فيأمن السقوط، وفي السجود لا يحتاج إلى ذلك. الثاني: أنه إذا ضمها في السجود استقبل بها القبلة بخلاف ما لو فرقها، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة فرقها أو ضمها. وأما كونه يفرق بين ركبتيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «كان ﷺ إذا سجد فرج بين فخذيه» (٥) رواه أبو داود. وأما كونه يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً؛ فلما روى عقبة بن عامر قال: «لما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] قال -يعني رسول الله ﷺ : اجعلوها في سجودكم» (٦) رواه أبو داود.

стр. 354

وروى حذيفة بن اليمان «أنه سمع النبي ﷺ يقول إذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» (١) رواه الأثرم وأبو داود. ولم يقل: ثلاث مرات. قال: (ثم يرفع رأسه مكبراً. ويجلس مفترشاً: يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى. ثم يقول: رب اغفر لي ثلاثاً). أما كون المصلي يرفع رأسه من السجود إلى الجلوس؛ فلأن الجلوس واجب لما يأتي ولا يمكن ذلك إلا بالرفع. وأما كونه يكبر في حال رفعه؛ فلما تقدم من «أن النبي ﷺ كان يكبر في كل رفع وخفض» (٢). وأما كونه يجلس بعد رفع رأسه؛ فلقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثم اجلس حتى تطمئن جالساً» (٣) رواه البخاري. وأما كون جلوسه مفترشاً. ومعناه: أن يثني رجله اليسرى ويبسطها ويجلس عليها وينصب اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون أصابعها على الأرض؛ فلأن في حديث أبي حميد: «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها» (٤). وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ : «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» (٥) رواه مسلم. وأما كونه يقول: رب اغفر لي ثلاثاً فقياساً على سائر الأذكار. وقال الخرقي: يقولها مرتين لما روى حذيفة «أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي» (٦) رواه النسائي.

стр. 355

قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى. ثم يرفع رأسه مكبراً ويقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد بالأرض. وعنه: أنه يجلس جلسة الاستراحة على قدميه وإليتيه ثم ينهض). أما كون المصلي يسجد الثانية كالأولى؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل كذلك (١). وأما كونه يرفع رأسه من السجود إلى القيام؛ فلأن القيام إلى الثانية متعين ولا يمكن إلا بالرفع. وأما كونه يكبر في حال الرفع؛ فلما تقدم من «أن النبي ﷺ كان يكبر في كل رفع وخفض» (٢). وأما كونه يقوم إلى الثانية من غير جلوس على المذهب؛ فلأن وائل بن حجر قال: «كان يعني النبي ﷺ إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً» (٣). ولأنه قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف. وأما كونه يجلس جلسة الاستراحة على روايةٍ؛ فلما روى مالك بن الحويرث «أن النبي ﷺ كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض» (٤). قال البخاري: وذكره أبو حميد في صفة صلاة النبي ﷺ . وهو حديث حسن. وأما كون جلوسه على هذه الرواية على قدميه وإليتيه مفضياً بهما إلى الأرض؛ فلأنه لو جلس مفترشاً لم يأمن السهو. والأول أصح. قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا. وقال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم (٥). وقيل: اختلاف الروايتين يرجع إلى اختلاف حالتين فحيث قال: يجلس إذا كان المصلي ضعيفاً. وحيث قال: لا يجلس أراد إذا كان قوياً.
следующие страницы →