← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعن عائشة ﵂ قالت: «نظر رسول الله ﷺ امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض. فقال: يا هذه! ضعي أنفك بالأرض. فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة» (١) رواه الدارقطني. وأما كونه غير واجب على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ أمر بالسجود على سبعة أعظم ليس فيها الأنف» (٢). رواه تمام في فوائده. والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم. قال: (ولا يجب عليه مباشرة المصلى بشيء منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين). أما كون المصلي لا يجب عليه مباشرة المصلى بالقدمين؛ فللإجماع على صحة صلاة لابس الخفين. وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالركبتين؛ فلأنهما متصلتان (٣) بالعورة. وعورةٌ عند قوم فلا يليق كشفهما فضلاً عن وجوبه. وأما كونه لا يجب عليه مباشرته باليدين؛ فلما روى ابن ماجة عن ثابت بن صامت «أن رسول الله ﷺ صلى في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه من برد الحصى» (٤). وفي لفظ: «فلم يخرج يديه من ثوبيه» (٥). وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالجبهة على روايةٍ؛ فبالقياس على سائر الأعضاء. فعلى هذا لو سجد على كور عمامته أو كمه أو ذيله صحت صلاته لما تقدم. وروى أنس قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» (٦) رواه البخاري.

стр. 352

وقال الحسن: «كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمه» (١). وروي عن النبي ﷺ «أنه سجد على كَوْر العمامة» (٢). رواه ابن أبي حاتم من طرق كلها ضعيفة. وأما كونه يجب عليه مباشرته بها على روايةٍ؛ فلما روي عن حباب قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأَكُفِّنا فلم يُشْكِنا» (٣). رواه مسلم. ولأنه (٤) سجد على ما هو حامل له أشبه إذا سجد على يديه. والأولى أصح. والجواب عن الحديث أنه قيل: إنهم طلبوا تسقيف المسجد فلم يجبهم، أو أنهم طلبوا منه الرخصة لهم في ترك السجود عليها ولذلك لم يعمل به في الأكف. قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً). أما كون المصلي يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ويأمر به».

стр. 353

قال أحمد في رسالته: جاء عن النبي ﷺ «أنه كان إذا سجد لو مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفدت» (١). وذلك لشدة مبالغته في رفع عضديه. ورواه أبو داود أيضاً. وفي حديث أبي حميد «أن النبي ﷺ لما سجد جافى عضديه عن جنبيه» (٢). وفي لفظ للبخاري: «فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما» (٣). وأما كونه يضع يديه حذو منكبيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «أن النبي ﷺ وضع يديه حذاء منكبيه» (٤) رواه أبو داود. فإن قيل: ما صفة وضعهما؟ قيل: أن يضع راحتيه على الأرض معتمداً عليهما منشورة مضمومة الأصابع. بخلاف وضع ذلك على الركبتين لوجهين: الأول: أنه في الركوع بالتفريق يتمكن فيأمن السقوط، وفي السجود لا يحتاج إلى ذلك. الثاني: أنه إذا ضمها في السجود استقبل بها القبلة بخلاف ما لو فرقها، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة فرقها أو ضمها. وأما كونه يفرق بين ركبتيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «كان ﷺ إذا سجد فرج بين فخذيه» (٥) رواه أبو داود. وأما كونه يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً؛ فلما روى عقبة بن عامر قال: «لما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] قال -يعني رسول الله ﷺ : اجعلوها في سجودكم» (٦) رواه أبو داود.

стр. 354

وروى حذيفة بن اليمان «أنه سمع النبي ﷺ يقول إذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» (١) رواه الأثرم وأبو داود. ولم يقل: ثلاث مرات. قال: (ثم يرفع رأسه مكبراً. ويجلس مفترشاً: يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى. ثم يقول: رب اغفر لي ثلاثاً). أما كون المصلي يرفع رأسه من السجود إلى الجلوس؛ فلأن الجلوس واجب لما يأتي ولا يمكن ذلك إلا بالرفع. وأما كونه يكبر في حال رفعه؛ فلما تقدم من «أن النبي ﷺ كان يكبر في كل رفع وخفض» (٢). وأما كونه يجلس بعد رفع رأسه؛ فلقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثم اجلس حتى تطمئن جالساً» (٣) رواه البخاري. وأما كون جلوسه مفترشاً. ومعناه: أن يثني رجله اليسرى ويبسطها ويجلس عليها وينصب اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون أصابعها على الأرض؛ فلأن في حديث أبي حميد: «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها» (٤). وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ : «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» (٥) رواه مسلم. وأما كونه يقول: رب اغفر لي ثلاثاً فقياساً على سائر الأذكار. وقال الخرقي: يقولها مرتين لما روى حذيفة «أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي» (٦) رواه النسائي.

стр. 355

قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى. ثم يرفع رأسه مكبراً ويقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد بالأرض. وعنه: أنه يجلس جلسة الاستراحة على قدميه وإليتيه ثم ينهض). أما كون المصلي يسجد الثانية كالأولى؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل كذلك (١). وأما كونه يرفع رأسه من السجود إلى القيام؛ فلأن القيام إلى الثانية متعين ولا يمكن إلا بالرفع. وأما كونه يكبر في حال الرفع؛ فلما تقدم من «أن النبي ﷺ كان يكبر في كل رفع وخفض» (٢). وأما كونه يقوم إلى الثانية من غير جلوس على المذهب؛ فلأن وائل بن حجر قال: «كان يعني النبي ﷺ إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً» (٣). ولأنه قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف. وأما كونه يجلس جلسة الاستراحة على روايةٍ؛ فلما روى مالك بن الحويرث «أن النبي ﷺ كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض» (٤). قال البخاري: وذكره أبو حميد في صفة صلاة النبي ﷺ . وهو حديث حسن. وأما كون جلوسه على هذه الرواية على قدميه وإليتيه مفضياً بهما إلى الأرض؛ فلأنه لو جلس مفترشاً لم يأمن السهو. والأول أصح. قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا. وقال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم (٥). وقيل: اختلاف الروايتين يرجع إلى اختلاف حالتين فحيث قال: يجلس إذا كان المصلي ضعيفاً. وحيث قال: لا يجلس أراد إذا كان قوياً.

стр. 356

وأما كونه إذا قام من غير جلوس وكان ممن لا يشق عليه الاعتماد على ركبتيه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه ولا يعتمد بالأرض؛ فلأن الاعتماد على الأرض يلزم منه رفع الركبتين قبل اليدين وذلك خلاف فعل النبي ﷺ لأن وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (١) رواه أبو داود. وأما كونه إذا قام من غير جلوس وكان ممن يشق عليه الاعتماد على ركبتيه يعتمد بالأرض؛ فلقول علي ﵁: «إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع» (٢) رواه الأثرم. قال: (ثم يصلي الثانية كذلك إلا في تكبيرة الإحرام والاستفتاح. وفي الاستعاذة روايتان). أما كون المصلي يصلي الثانية كالأولى فيما عدا المستثنى؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال للأعرابي: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٣). وأما كونه لا يكبر تكبيرة الإحرام ولا يستفتح؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت» (٤) رواه مسلم. ولأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح يرادان لافتتاح الصلاة وذلك مفقود في الثانية. وأما كونه لا يستعيذ على روايةٍ؛ فلما تقدم.

стр. 357

وأما كونه يستعيذ على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. والأولى أصح (١)؛ لما ذكر من الحديث. ولأن الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة. ولهذا اعتبر الترتيب في الركعتين، وكره التنكيس فيهما. قال: (ثم يجلس مفترشاً. ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً. ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى). أما كون المصلي يجلس مفترشاً؛ فلأن في حديث أبي حميد: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على (٢) مقعدته» (٣) رواه البخاري. وأما كونه يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي ﷺ وضع مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن. ثم عقد من أصابعه الخنصر والتي تليها. وحلق حلقة بأصبعه الوسطى على الإبهام. ورفع السبابة يشير بها. ووضع مرفقه الأيسر على فخذه الأيسر» (٤). قال: (ثم يتشهد فيقول: التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. هذا التشهد الأول). أما كون المصلي يتشهد كما قال المصنف ﵀؛ فلما روى ابن مسعود قال: «علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله

стр. 358

وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» (١) متفق عليه. قال الترمذي: هذا أصح حديث روي عن النبي ﷺ في التشهد. فلذلك اختاره الإمام أحمد. فإن قيل: ما يجب من ذلك؟ قيل: قال ابن حامد: رأيت جماعة من أصحابنا يقولون: لو ترك واواً أو حرفاً أعاد الصلاة. وقد روي عن الإمام أحمد: أنه إذا قال: وأن محمداً عبده ورسوله ولم يذكر وأشهد قال: أرجو أن يجزئه. فعلى هذا لو ترك لفظاً لا يَسقط المعنى بتركه تصح صلاته. وقد قال أحمد: إن تشهد بغير تشهد ابن مسعود مما صح عن النبي ﷺ كتشهد ابن عباس وغيره جاز. قال القاضي: ومقتضى هذا أنه متى أخل بلفظة ساقطة في بعض التشهدات صح تشهده. فعلى هذا يجوز أن يقال: أقل ما يجزئ في التشهد: التحيات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والشهادتان بالله ورسوله. لأن ذلك لم يسقط شيء منه في جميع ألفاظ الحديث. وما زاد سقط في بعض دون بعض. وأما قول المصنف ﵀: هذا التشهد الأول؛ فمعناه أنه لا يزيد على هذا في التشهد الأول؛ لما روى ابن مسعود «أن النبي ﷺ كان يجلس في الركعتين كأنما يجلس على الرَّضْف (٢») (٣) رواه أبو داود.

стр. 359

ولو شرع فيه أكثر من ذلك ما كان الأمر كذلك. قال: (ثم يقول: اللهم! صل على محمد (١) وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد [وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد] (٢). وإن شاء قال: كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم). أما كون المصلي يصلي على النبي ﷺ ؛ فلأنه مأمور به وسيأتي بعدُ صفته. وأما كونه يصلي عليه بما شاء من القول الأول والثاني؛ فلأن كلاً مروي عن النبي ﷺ . أما الأول؛ فلما روى كعب بن عجرة قال: «إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال قولوا: اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٣) متفق عليه. وأما الثاني؛ فلأن الترمذي روى في حديث كعب بن عجرة وصححه وقال فيه: «اللهم! صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٤).

стр. 360

قال: (ويستحب أن يتعوذ فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. وإن دعا بما ورد في الأخبار فلا بأس). أما كون المصلي يستحب له أن يتعوذ فيقول ما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: عذابِ النار، وعذابِ القبر، وفتنةِ المحيا والممات، وفتنةِ المسيح الدجال» (١) متفق عليه (٢). وأما كونه لا بأس أن يتعوذ بما ورد في الأخبار؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» (٣). خرج من ذلك غيرُ [ما في] (٤) الأخبار لما يأتي فيبقى ما (٥) في الأخبار على مقتضاه. والمراد بما ورد في الأخبار ما ورد عن النبي ﷺ أو عن الصحابة أو عن التابعين لا ما ورد عن النبي ﷺ فقط؛ لأن عموم قوله: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» (٦) وعموم قوله: «ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه» (٧) يوجب دخول ما ورد عن الصحابة والتابعين. ولذلك ذهب الإمام أحمد إلى حديث ابن مسعود في الدعاء بعد التشهد وهو موقوف عليه. وهو ما روى عمير بن سعد قال: سمعت عبدالله يقول: «إذا جلس أحدكم في صلاته ذكر التشهد. ثم ليقل: اللهم! إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم! إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبادك

стр. 361

الصالحون ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيآتنا -إلى قوله-: إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]» (١). وكلام المصنف ﵀: مشعر بأنه لا يدعو بغير ما ورد من الأخبار المذكورة وهو صحيح. فعلى هذا لا يدعو بملاذّ الدنيا. مثل أن يقول: اللهم! ارزقني زوجة حسناء وطعاماً طيباً؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٢) رواه مسلم. قال: (ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله. وعن يساره كذلك. فإن لم يقل ورحمة الله لم يجزئه. وقال القاضي: يجزئه. ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة). أما كون المصلي يسلم عن يمينه على الصفة المذكورة وعن يساره كذلك؛ فلما روى ابن مسعود وابن عمر «أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله» (٣) رواه مسلم. وأما كونه إذا لم يقل ورحمة الله لا يجزئه على المذهب؛ فلأن النبي ﷺ قال ذلك. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤). ولأنه سلام شرع فيه ذكر الرحمة فلم يجزئه بدونها كالسلام على النبي ﷺ في التشهد.

стр. 362

وأما كونه يجزئه على قول القاضي؛ فلأن النبي ﷺ قال: «تحليلها التسليم» (١). وهو حاصل بدون ذكر الرحمة. وعن علي ﵁ أنه كان يقول: «السلام عليكم». وأما قول المصنف ﵀: ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة؛ فتأنيس لقول القاضي من حيث إنها صلاة مفروضة ونص الإمام فيها على الاقتصار على السلام من غير ذكر الرحمة. قال: (وينوي بسلامه الخروج من الصلاة. فإن لم ينو جاز. وقال ابن حامد: تبطل صلاته). أما كون المصلي ينوي بسلامه الخروج من الصلاة؛ فلتكون النية شاملة لطرفي الصلاة. وأما كونه إذا لم ينو ذلك يجوز على المذهب؛ فلأن نية الصلاة قد شملت جميعها والسلام من جملتها. ولأنها عبادة فلم تجب النية للخروج منها كسائر العبادات. وأما كون صلاته تبطل على قول ابن حامد؛ فلأن السلام أحد طرفي الصلاة فلم تصح مع عدم النية فيه كالآخر. قال: (وإن كان في مغرب أو رباعية نهض مكبراً إذا فرغ من التشهد الأول. وصلى الثالثة والرابعة مثل الثانية إلا أنه لا يجهر ولا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة). أما كون المصلي ينهض مكبراً إذا فرغ فيما ذكر؛ فلما تقدم في القيام إلى الثانية. وأما كونه يصلي الثالثة والرابعة مثل الثانية في غير المستثنى؛ فلقوله ﷺ للمسيء: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٢).

стр. 363

وأما كونه لا يجهر في ذلك؛ فلأنه لم ينقل أنه ﵇ كان يجهر في الأخيرتين. وأما كونه لا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة فيها؛ فلما روى أبو قتادة «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين. وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» (١) متفق عليه. قال: (ثم يجلس في التشهد الثاني متوركاً يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجها عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض). أما كون المصلي يجلس متوركاً في التشهد الثاني؛ فلأن في حديث أبي حميد في صفة صلاة النبي ﵇: «حتى إذا كانت الركعة التي يقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً» (٢). وفي رواية البخاري: «أخر رجله اليسرى وجلس متوركاً على شقه الأيسر» (٣). وأما كونه يفرش رجله إلى آخره؛ فلأن ذلك صفة التورك. وفي حديث أبي حميد في بعض رواياته: «فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة» (٤) رواه أبو داود. وفي لفظ: «جلس على إليتيه ونصب قدمه اليمنى».

стр. 364

قال: (والمرأة كالرجل في ذلك كله إلا أنها تجمع نفسها في الركوع والسجود وتجلس متربعة أو تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها. وهل يسن لها رفع اليدين؟ على روايتين). أما كون المرأة كالرجل فيما عدا المستثنى؛ فلأنها تدخل تحت الخطاب. وأما كونها تجمع نفسها في حالتي الركوع والسجود؛ فلأن ذلك (١) أستر لها. وهو المطلوب في المرأة لأنها عورة. وأما كونها تجلس متربعة أو سادلة رجليها في جانب يمينها؛ فلما تقدم من أن المرأة مطلوب سترها. وفي الحديث «أن ابن عمر ﵁ كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة» (٢). وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: «إذا صلت المرأة فَلْتَحْفِز ولتضم فخذيها» (٣). وأما كونها يسن لها رفع اليدين على روايةٍ؛ فـ «لأن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين كانتا ترفعان أيديهما» (٤) رواه الخلال. ولأن من شرع له التكبير شرع له الرفع لأنه هيئة له. ولأن الأصل مساواة المرأة الرجل. وذلك مشروع له فلتكن مثله. وأما كونها لا يسن لها ذلك على روايةٍ؛ فلما في تركه من المبالغة في الستر المطلوب. ولأن المرأة يستحب لها أن تجمع نفسها وتترك التجافي. فكذا لا ترفع.

стр. 365

فصل [في مكروهات الصلاة] قال المصنف ﵀: (ويكره الالتفات في الصلاة، ورفع بصره إلى السماء، وافتراش الذراعين في السجود، والإقعاء في الجلوس. وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. وعنه أنه سنة). أما كون المصلي يكره له الالتفات في الصلاة؛ فلما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل» (١) متفق عليه. وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا يزالُ الله مقبلاً على العبدِ وهو في صلاته ما لم يلتفت. فإذا التفت انصرفَ عنه» (٢) رواه أبو داود. ولا بد أن يلحظ في هذا الالتفات المكروه أن يكون لغير حاجة. فإن كان لحاجة وكان بطرفه دون لَيّ عنقه لم يكره؛ لأن النبي ﷺ روي عنه «أنه كان يصلي وهو يلتفت إلى الشعب يحرس» (٣) رواه أبو داود. وروى ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يلتفت يميناً وشمالاً ولا يَلْوِي عنقه» (٤) رواه النسائي.

стр. 366

وأما كونه يكره له رفع بصره إلى السماء؛ فلقوله ﵇: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم. فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن أو لتخطفن أبصارهم» (١) رواه البخاري. ولأنه يمنع الخشوع. وأما كونه يكره له افتراش الذراعين في السجود؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع» (٢) متفق عليه. وأما كونه يكره له الإقعاء في الجلوس في الصلاة على المذهب؛ فلما روي عن النبي ﷺ «أنه قال لعلي: يا علي! أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنفسي، وأكرهُ لك ما أكره لنفسي. لا تُقْعِ بين السجدتين» (٣) رواه الترمذي. وعن أنس قال: «قال لي النبي ﷺ : إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقْعِ كما يُقْعِي الكلب» (٤) رواه أحمد. و«لأن النبي ﷺ كان يَنهى عن عُقْبَةِ الشيطان» (٥) متفق عليه. وأما كونه سنة على روايةٍ؛ فلأن العبادلة كانوا يفعلونه ابن عمر وابن عباس وابن الزبير.

стр. 367

وعن طاووس قال: «قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال: هي سنة نبيك» (١) رواه مسلم. والأول أصح؛ لما تقدم من الأحاديث. وهي أولى بالتقديم؛ لأنها أصح وأكثر رواة. ولأنها مستندة إلى فعل النبي ﷺ . وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه؛ فبيان لمعنى الإقعاء. قال أبو عبيد: هذا عند الفقهاء وأهل الحديث. وعند العرب أن ينصب قدميه معاً على الأرض ويجلس على إليتيه. مثل إقعاء السبع والكلب ولا يعلم أحداً استحب هذه الصفة. قال: (ويكره أن يصلي وهو حاقن، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه). أما كون المصلي يكره له أن يصلي وهو حاقن؛ فلقوله ﵇: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٢) رواه مسلم. و«لأن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل وهو زناء» (٣) أي حاقن. قاله أبو عبيد. وروي عن النبي ﷺ «أنه نهى أن يصلي الرجل وبه طوف» (٤). قال قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول. وأما كونه يكره له أن يصلي بحضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ فلما تقدم من قوله ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام» (٥).

стр. 368

وفي آخر: «إذا حضر العَشاء والمغرب فابدأوا بالعَشاء قبل أن تصلوا المغرب» (١) رواه مسلم. فإن قيل: ليس في الحديث توقان نفس المصلي إلى الطعام فلم اشترطه المصنف ﵀؟ قيل: لأن النهي عن ذلك لُحِظَ فيه منع الطعام الخشوع واقتضاؤه السرعة من أجله وذلك يستدعي توقان النفس إليه. قال: (ويكره العبث، والتخصر، والتروح، وفرقعة الأصابع، وتشبيكها). أما كون المصلي يكره له العبث؛ فـ «لأن النبي ﷺ رأى رجلاً يعبث في صلاته. فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (٢). وأما كونه يكره له التخصر؛ فـ «لأن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصراً» (٣) رواه مسلم. ولأنه يمنع الخضوع والخشوع. ويمنع من وضع اليمين على الشمال. وأما كونه يكره له التروح؛ فلأنه من العبث. وأما كونه يكره له فرقعة الأصابع؛ فلأن النبي ﷺ قال لعلي: «لا تُفَقِّعْ أصابعكَ وأنت في الصلاة» (٤) رواه ابن ماجة. وأما كونه يكره له تشبيك الأصابع؛ فـ «لأن النبي ﷺ رأى رجلاً قد شَبَّكَ أصابعه في الصلاة فَفَرَّجَ بين أصابعه» (٥) رواه ابن ماجة.

стр. 369

قال: (وله رد المار بين يديه. وعد الآي. والتسبيح. وقتل الحية والعقرب والقملة. ولبس الثوب والعمامة. ما لم يُطل. فإن طال الفعل في الصلاة أبطلها عمداً كان أو سهواً إلا أن يفعله متفرقاً). أما كون المصلي له رد المار بين يديه؛ فلما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه. فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (١) متفق عليه. وظاهر كلام المصنف ﵀: أن له رد المار سواء كان بين يديه سترة فمر دونها أو لم يكن بين يديه سترة فمر قريباً منه بحيث لو مشى إليه ودفعه لم تفسد صلاته. وصرح به في الكافي لأنه موضع سجوده أشبه من نَصَبَ سترة. ولأن المراد بنصب السترة الإعلام بأنه في الصلاة وفي الدفع إعلام صريح. وقيل: رد المار مختص بمن بين (٢) يديه سترة؛ لأن من لم ينصب سترة مقصر. وظاهر الحديث يدل على ذلك لأنه شرط في الرد السترة. وهذا الرد إنما يكون إذا كان للمار سبيل غير ذلك فإن لم (٣) يجد سبيلاً لازدحام الناس ونحوه لم يشرع الرد ولا يكره المرور. وأما كونه له عد الآي والتسبيح في الصلاة؛ فلما روى أنس قال: «رأيت النبي ﷺ يعقد الآي بأصابعه عد الأعراب في الصلاة» (٤). ولأنه عدد مشروع في الصلاة فجاز كعدد الركعات في حق من ينسى ويسهو. وأما كونه له قتل الحية والعقرب؛ فـ «لأن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» (٥) رواه أبو داود.

стр. 370

وأما كونه له قتل القملة في الصلاة؛ فـ «لأن عمر وأنساً وابن مسعود كانوا يقتلون القمل في الصلاة». قال القاضي: التغافل عنه أولى. وأما كونه له (١) لبس الثوب والعمامة؛ فـ «لأن النبي ﷺ التحف إزاره وهو في الصلاة» (٢). ولأنه عمل يسير أشبه حمل أُمامة (٣)، وفتح الباب لعائشة (٤). وأما كون الفعل إذا طال ولم يكن متفرقاً يُبطل الصلاة؛ فلأنه يقطع الموالاة ويمنع متابعة الأذكار ويذهب الخشوع في الصلاة. وإذا رآه الناظر من بعيد يغلب على ظنه أن فاعله ليس في صلاة وكل ذلك ينافي الصلاة فأبطلها كما لو قطعها. وأما كونه إذا طال وكان متفرقاً لا يبطلها؛ فلأنه بالنظر إلى كل مرة فعل غير طويل أشبه ما لو اقتصر عليه. وأما كون السهو كالعمد في ذلك كله؛ فلأن المبطل قطع الموالاة وإذهاب الخشوع وغلبة ظن من رآه أنه ليس في صلاة وذلك كله موجود في السهو كالعمد. فإن قيل: لو تكلم ساهياً ففي بطلان الصلاة روايتان ولو فعل ساهياً بطل قولاً واحداً. قيل: الأقوال أخف من الأفعال ولهذا بطلت الصلاة بتكرار السجود قولاً واحداً دون تكرار الفاتحة.

стр. 371

قال: (ويكره تكرار الفاتحة. والجمع بين سور في الفرض. ولا يكره في النفل). أما كون تكرار الفاتحة يكره؛ فلأنه اختلف في كون ذلك مبطلاً فأدنى أحواله أن يكون مكروهاً. وأما كون الجمع بين سورٍ في الفرض يكره؛ فلأنه خلاف فعل النبي ﷺ وفعل الصحابة. وعن أحمد لا يكره جمع ذلك في الفرض. وهي الصحيحة؛ لما روى الخلال بإسناده عن عبدالله بن سفيان قال: «قلت لعائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يجمع السور في ركعة. قالت: المفصل» (١). وبإسناده عن ابن عمر «أنه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في ركعة» (٢). وروي «أن رجلاً من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فقال له النبي ﷺ : ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها. قال: حبك إياها أدخلك الجنة» (٣) رواه البخاري. وأما كون الجمع بين سور في النفل لا يكره؛ فلما تقدم من الأحاديث. ولأن عثمان ﵁ «كان يختم القرآن في ركعة» (٤). و«فعل الجمع ابن عمر» (٥).

стр. 372

قال: (ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها. وعنه يكره). أما كون ما ذكر لا يكره على روايةٍ؛ فلأن أبا سعيد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (١) رواه أبو داود. وعن عبدالله بن مسعود «أنه كان يقرأ في الآخرة من صلاة الصبح آخر آل عمران وآخر الفرقان» رواه الخلال. قال الحسن: «غزوت مع ثلاثمائة من الصحابة فكان أحدهم يقرأ إذا أم أصحابه بخاتم البقرة وبخاتم الفرقان وبخاتم الحشر وكان لا ينكر بعضهم عن بعض». وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فلأن المنقول عن النبي ﷺ «أنه كان يقرأ السورة كاملةً» (٢) والعدول عن فعله مكروه. قال ﵇: «أعط لكل سورة حظها» (٣) ومن حظها تمامها. والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم. قال: (وله أن يَفتح على الإمام إذا أُرْتج عليه. وإذا نابه شيء مثل سهو إمامه أو استئذان إنسان عليه سبح إن كان رجلاً. وإن كانت امرأة صفحت ببطن كفها على ظهر الأخرى). أما كون المصلي له أن يفتح على إمامه إذا أرتج عليه. ومعناه: أن يرد عليه إذا غلط؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ صلى صلاة. فقرأ فيها. فلُبس عليه. فلما انصرف قال لأبي: صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فما منعك» (٤) رواه أبو داود. قال الخطابي: إسناد جيد. و«ترك رسول الله ﷺ آية. فقيل له: يا رسول الله! آية كذا وكذا تركتها. قال: فهلا أَذْكَرْتَنيِها» (٥) رواه أبو داود. وقال ابن عقيل: إن كان الغلط في غير الفاتحة لا يرد؛ لأن ما زاد على الفاتحة قرائته غير واجبة. والأول أولى؛ لعموم ما تقدم من الآثار.

стр. 373

وأما كون الرجل يسبح والمرأة تصفح إذا ناب المصلي شيء مما (١) تقدم ذكره؛ فلقوله ﵇: «من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء» (٢) متفق عليه. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (٣) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال: (وإن بدره البصاق بصق في ثوبه. وإن كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه). أما كون من بدره البصاق يبصق في ثوبه؛ فلما فيه من صيانة المسجد عن البصاق فيه. وقد روى أبو هريرة «أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد. فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم فيستقبل ربه فَيَتَنَخَّعُ أمامه؟ أيحب أن يُستقبلَ فَيُتّنَخَّعَ في وجهه» (٤). وفي حديث آخر: «إذا تنخع أحدكم فليتنخعْ عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا. ووصف القاسم: فتفل في ثوبه ومسح بعضه على بعض» (٥) رواه مسلم. وأما كونه يبصق عن يساره أو تحت قدمه إذا كان في غير المسجد؛ فلما تقدم من قوله ﷺ : «فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه».

стр. 374

قال: (ويستحب أن يصلي إلى سترة مثل أَخِرَة الرحل. فإن لم يجد خَطَّ خطاً. فإذا مر من ورائها شيء لم يكره. وإن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم بطلت صلاته. وفي المرأة والحمار روايتان). أما كون المصلي يستحب له أن يصلي إلى سترة مع القدرة عليها؛ فلقوله ﵇: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» (١) رواه الأثرم. قال سهل: «كان بين النبي ﷺ وبين القبلة ممر الشاة» (٢) متفق عليه. وأما كون السترة مثل أَخِرَة الرحل؛ فلقوله ﵇: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل أَخِرَة الرحل فليصل ولا يبالي ما مر وراء ذلك» (٣) رواه مسلم. فإن قيل: ما قدر أَخِرَة الرحل؟ قيل: ذراع. وقيل: عظم الذراع. فإن قيل: لو كان المصلي بمكة؟ قيل: لا يكره الصلاة فيها إلى غير سترة ولا يضر ما مر بين يديه؛ لأن المطلب قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه» (٤). و«كان ابن الزبير يصلي والطواف بينه وبين القبلة. تمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تمر. ثم يضع جبهته في موضع قدمها» (٥). وأما كون من لم يجد سترة يخط خطاً؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً. فإن لم يجد فلينصب

стр. 375

عصاً. فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً. ثم لا يضره ما مر أمامه» (١) رواه أبو داود. فإن قيل: ما صفة الخط؟ قيل: عند الإمام أحمد مثل الهلال. ولو جعله طولاً جاز؛ لأن الغرض إشعار المار بأنه مصل وذلك حاصل في الطول. وأما كونه لا يضر ما مر وراء السترة والخط؛ فلما تقدم من الحديثين قبل. وأما كون صلاته تبطل إذا لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يقطع صلاة المرء الكلب والمرأة والحمار» (٢) رواه مسلم. والكلب البهيم (٣): الذي لا يخالط لونه آخر. وإنما خص بذلك؛ لأنه شيطان. وقد قال ﵇: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها. فاقتلوا منها كل أسود بهيم. وإنه شيطان» (٤). وأما كونها تبطل إذا مر بين يديه المرأة والحمار في روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث. وأما كونها لا تبطل في روايةٍ؛ فلأن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة» (٥).

стр. 376

ولأن ابن عباس ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يصلي. فنزلت عن الحمار وتركته أمام الصف فما بالى» (١) متفق عليهما. وقد قيل: ليس في حديث عائشة حجة لأن المار غير اللابث. وكذلك حديث ابن عباس لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. قال: (ويجوز له النظر في المصحف. وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها وآية عذاب أن يستعيذ منها. وعنه يكره ذلك في الفرض). أما كون المصلي يجوز له النظر في المصحف؛ فلأنه ليس بعمل كثير. وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف. فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف. قال ابن حامد: الفرض والنفل في ذلك سواء. وقال القاضي: يكره في الفرض وفي النفل إذا كان حافظاً لأنه يَذْهب بالخشوع وإنما سومح به في النفل مع عدم الحفظ لأنه موضع حاجة. وأما كونه إذا مرت به آية رحمة يجوز أن يسألها وإذا مرت به آية عذاب يجوز أن يستعيذ منها من غير كراهة نفلاً كانت الصلاة أو فرضاً على المذهب؛ فلما روى حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. ثم افتتح آل عمران. ثم النساء. يقرأ مترسلاً. إذا مر بآية فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ ... مختصر» (٢) رواه مسلم. وأما كونه يكره ذلك في الفرض على روايةٍ؛ فلأن ذلك دعاء ليس بمشروع أشبه الأفعال التي لم تشرع. وفارق ذلك النافلة من حيث إنها سومح فيها بأشياء بخلاف الفريضة.

стр. 377

وظاهر قول المصنف ﵀: وعنه يكره ذلك في الفرض؛ شمول هذه الرواية النظر في المصحف. ولم أجد بذلك رواية عن الإمام أحمد. ولكن ذلك قول القاضي. إلا أنه ضم إليه أنه يكره أيضاً في النفل مع الحفظ. وقد تقدم أيضاً بيانه.

стр. 378

فصل [في أركان الصلاة] قال المصنف ﵀: (أركان الصلاة اثنا عشر: القيام، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسمية الأولى، والترتيب. من ترك شيئاً منها عمداً بطلت صلاته). أما كون القيام من أركان الصلاة؛ فلقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. و«قول النبي ﷺ لعمران بن حصين: صل قائماً» (١). والقيام المعتبر أن يستوي قائماً على حَدٍّ. أو لا ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه. فإن انحنى بحيث يمكنه مس ركبتيه بيده أو اعتمد على شيء لم يجزئه. وأما كون تكبيرة الإحرام من أركانها؛ فلقوله ﷺ : «تحريمها التكبير» (٢). رواه أبو داود. ولما تقدم من قول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه. ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» (٣). ولقوله ﵇ للمسيء: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٤) متفق عليه.

стр. 379

ويجب أن يأتي بجميع تكبيرة الإحرام وهو قائم لقوله ﵇ للمسيء: «إذا قمت فكبر» (١). أمر بالتكبير حال القيام. وأما كون قراءة الفاتحة من أركانها؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢) متفق عليه. وفي لفظٍ للدارقطني: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٣). وقال: إسناده صحيح. وعن أحمد أنها تجب في الأوليين دون الأخيرتين؛ لما روي عن علي أنه قال: «اقرأ في الأوليين وسبح في الأخيرتين» (٤). ولأنها لو وجبت في الأخيرتين لسن الجهر بها في بعض الصلوات كالأوليين. وعنه: لا تتعين بل الواجب قراءة شيء (٥) من القرآن. وقد تقدم ذلك. والصحيح أن الفاتحة ركن في كل ركعة؛ لما روى عبادة قبل (٦). وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٧). وعنه وعن عبادة قالا: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة» (٨).

стр. 380

ويجب أن يقرأها وهو قائم فلو أتى بحرف منها وهو في حد الراكع لم يجزئه لأنه لم يأت به وهو قائم. وأما كون الركوع من أركانها؛ فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا﴾ [الحج: ٧٧]. و«لقوله ﷺ للمسيء: ثم اركع حتى تطمئن راكعاً» (١). ولأن النبي ﷺ كان يركع (٢). وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). وأما كون الاعتدال من أركانها؛ فلما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود» (٤) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح. و«لقوله ﷺ للمسيء: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً» (٥). وأما كون الجلوس بين السجدتين من أركانها؛ فلما روت عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعداً» (٦) رواه مسلم. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧). و«لقوله ﵇ للمسيء: ثم ارفع حتى تطمئن جالساً» (٨).

стр. 381

وأما كون الطمأنينة في هذه الأفعال من أركانها؛ فلأن النبي ﷺ أمر بها المسيء في جميع الأفعال المذكورة. وأما كون التشهد الأخير والجلوس له من أركانها؛ فلأن النبي ﷺ فعل ذلك ودام على فعله في الصلاة. ولم يُنقل تركه. وأمر بالتشهد وكان يعلمه كما يعلم السورة من القرآن. وقال ابن مسعود: «كنا قبل أن يفرض علينا التشهد نقول: السلام على الله قبل عباده. السلام على جبريل. السلام على ميكائيل. السلام على فلان. فسمعنا رسول الله ﷺ . فقال: إن الله هو السلام. فلا تقولوا: السلام على الله. ولكن قولوا: التحيات ... » (١) وذكر التشهد الذي لابن مسعود. وفي بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» (٢) رواه أبو داود. وأما كون التسليمة الأولى من أركانها؛ فلقوله ﷺ : «تحليلها التسليم» (٣). ولأنه أحد طرفي الصلاة فكان فيه نطق واجب كالأولى. وأما كون الترتيب من أركانها؛ فلقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ثم اركع ثم ارفع ... الحديث» (٤). ذكره بحرف ثم وهي الترتيب فيكون الترتيب مأموراً به. ولأن النبي ﷺ صلى مرتباً. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). وأما كون صلاة من ترك من الأركان شيئاً تبطل؛ فلأن المسيء في صلاته لما ترك الطمأنينة قال له النبي ﷺ : «ارجع فصل فإنك لم تصل» (٦). أمره بالإعادة

стр. 382

ولو كانت صحيحة لما وجبت عليه الإعادة، ونفى كونه مصلياً وسأله أن يعلمه فعلمه هذه الأفعال. فدل على أنه لا يكون مصلياً بدونها. فإن قيل: لم قيد المصنف ﵀ ترك الركن بالعمد؟ قيل: لأن تركه سهواً له موضع يأتي ذكره فيه مبيناً إن شاء الله تعالى (١). قال: (وواجباتها تسعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع، والتسبيح في الركوع، والسجود مرة مرة، وسؤال المغفرة بين السجدتين مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ في موضعها، والتسليمة الثانية في روايةٍ. من ترك منها شيئاً عمداً بطلت صلاته. ومن تركه سهواً سجد للسهو. وعنه أن هذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها). أما كون التكبير غير تكبيرة الإحرام من واجبات الصلاة على المذهب؛ فلقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا» (٢) حديث حسن. أمر بالتكبير وأمره للوجوب. وروى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع. ثم يكبر حين يسجد. ثم يكبر حين حين يرفع رأسه. ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها. ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٣).

стр. 383

وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) متفق عليه. وأما كون التسميع من واجباتها فـ «لأن النبي ﷺ كان يقول: سمع الله لمن حمده» (٢). وقال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٣). وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤). وهذا الوجوب مختص بالإمام والمنفرد؛ لأن قوله ﵇: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا» (٥) يدل على أنه لا يجب التسميع على المأموم لأنه لو وجب لذكره ولما خص التحميد بالذكر. وأما كون التحميد من واجباتها؛ فـ «لأن النبي ﷺ قاله» (٦) وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧). وقال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٨) متفق عليه. وعن الإمام أحمد أن المنفرد لا يحمد؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بالتحميد للمأموم.

стр. 384

والصحيح الأول؛ لأن النبي ﷺ فعله وأمر بالاقتداء به. ولا يلزم من أمره للمأموم أن لا يكون المنفرد مأموراً من جهة أخرى. وأما كون التسبيح في الركوع والسجود مرة مرة من واجباتها؛ فلما تقدم من حديث عقبة بن عامر (١). وأما كون سؤال المغفرة بين السجدتين مرة من واجباتها؛ فلما تقدم من حديث حذيفة (٢). وأما كون التشهد الأول والجلوس له من واجباتها؛ فلأن النبي ﷺ فعله وداوم على فعله وأمر به في حديث ابن عباس فقال قولوا: «التحيات لله» (٣) و «سجد السهو حين نسيه» (٤). وإنما سقط بالسهو إلى بدل كواجبات الحج تجبر بالدم بخلاف السنن. وأما كون الصلاة على النبي ﷺ من واجباتها؛ فلأن الله تعالى أمر بالصلاة عليه بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ [الأحزاب: ٥٦] والأمر للوجوب ولا موضع تجب فيه الصلاة عليه أولى من الصلاة المفروضة. ولأنا أجمعنا على أنه لا تجب خارج الصلاة فيتعين أن تجب في الصلاة. وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة عليّ» (٥). ولأن النبي ﷺ قال «قولوا: اللهم! صل على محمد ... الحديث» (٦). أمر والأمر للوجوب. فإن قيل: ما الواجب من ذلك؟

стр. 385

قيل: أقل ما وردت به الأخبار كما قلنا في التحيات؛ لأنها وردت مفسرة للأمر. وقال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد أن الصلاة الواجبة على النبي ﷺ (١) فحسبُ تمسكاً بظاهر الآية. وقال المصنف ﵀ في المغني: إن في الصلاة على الآل وجهان: المذهب أنها لا تجب. ونص صاحب النهاية فيها أن الأولى وجوب ذلك؛ لأن النبي ﷺ بيّن كيفية الصلاة المأمور بها وفيها الصلاة على آله. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه» (٢) رواه الدارقطني. وآل النبي ﷺ أهل دينه ومن اتبعه؛ «لأن النبي ﷺ سئل عن آل محمد. فقال: كل تقي» (٣) أخرجه تمام في فوائده. وقيل: آله أهل بيته. وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وأنها منقلبة عن همزة. ولو أبدل آل محمد بأهل محمد. فقال ابن حامد: لا يجزئ؛ لما فيه من مخالفة الأثر وتغير المعنى. وقال القاضي: معناهما واحد ويجزئ. وكذلك لو صغر آل فقال: أهيل. وقول المصنف ﵀: في موضعها؛ معناه في التشهد الأخير بعد الشهادتين؛ لأن ذلك هو موضع التشهد عادة. وأما كون التسليمة الثانية في روايةٍ من واجباتها؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله» (٤). وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥).

стр. 386

ولأنها عبادة شرع لها تحلّلان فكانا واجبين كالحج. ولأنها إحدى التسليمتين فكانت واجبة كالأخرى. وأما كون ما ذكر من التكبير إلى التسليمة الثانية سنناً على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ لم يُعلم شيئاً من ذلك للمسيء في صلاته. ولأنه لو كان واجباً لما سقط بالسهو كالركن. وأما كون من ترك شيئاً مما تقدم ذكره عمداً بطلت صلاته على الأول؛ فلأن الواجب متوسط بين الركن والسنة فيجب أن يعطى كل واحد منهما شبهاً. وقد أعطي من السنة شبهاً في أن الصلاة لا تبطل بتركه سهواً فوجب أن يعطى من الركن شبهاً في أن الصلاة تبطل بتركه عمداً. وأما كون من تركه سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن النبي ﷺ سجد للسهو لما ترك التشهد الأول (١). وقد تقدم ما يدل على وجوبه وسائر الواجبات في معناه. ولأنه لا يمتنع أن تكون للعبادة واجباتٌ تنجبر إذا تركها وأركانٌ لا تصح العبادة بدونها كالحج في واجباته وأركانه. وكلام المصنف ﵀ مشعر بعدم بطلان الصلاة بترك الواجب سهواً. وهو صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما ترك الجلوس للتشهد الأول سهواً بنى على صلاته. ولأن السجود وقع جبراناً لما وقع من الخلل فوجب أن تصير الصلاة كما لو لم يترك فيها واجباً (٢). وأما كون من ترك شيئاً من ذلك عمداً لم تبطل صلاته على الرواية الثانية؛ فلأن ترك السنة لا تبطل عبادة من حج عنده (٣) فكذا الصلاة. والصحيح في المذهب أن جميع ما تقدم غير التسليمة الثانية واجب؛ لأن النبي ﷺ أمر به. وأمره للوجوب. وفَعَلَه. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤).

стр. 387

وقد روي عن النبي ﷺ : «لا تتم صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ -وذكر الحديث إلى قوله-: ثم يكبر ثم يركع حتى تطمئن مفاصله. ثم يقول: الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً. ثم يقول: الله أكبر. ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله. ثم يرفع رأسه فيكبر. فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» (١) رواه أبو داود. وأما حديث المسيء فإن النبي ﷺ لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام فيحتمل أنه اقتصر في تعليمه على ما رآه أساء فيه. وأما التسليمة الثانية فقال القاضي: هي أصح. أي الرواية بوجوبها لحديث جابر بن سمرة، ولفعل النبي ﷺ ومداومته عليها. وقال المصنف ﵀ في المغني: الصحيح أنها سنة؛ «لأن النبي ﷺ روي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة» (٢) وكذلك المهاجرون. وذلك دليل عدم الوجوب. وما روي أنه كان يسلم تسليمتين يحمل على المسنون ليحصل الجمع بين فعليه. قال: (وسنن الأقوال اثنا عشر: الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة، والجهر، والإخفات، وقول ملء السماء بعد التحميد، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، والقنوت في الوتر. فهذه لا تبطل الصلاة بتركها ولا يجب السجود لها. وهل يشرع؟ على روايتين. وما سوى هذا من سنن الأفعال لا تبطل الصلاة بتركه، ولا يشرع السجود له). أما كون سنن الأفعال الأشياء المذكورة؛ فلما تقدم في مواضعها.

стр. 388

وأما كون الصلاة لا تبطل بتركها؛ فلأنها غير واجبة فلا تبطل الصلاة بتركها كمسنونات الإحرام والصيام. وأما كون السجود لها لا يجب؛ فلأن ذلك غير واجب فجبره أولى أن لا يكون واجباً. وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلأن السجود جبران فيشرع ليجبر ما فات. وأما كونه لا يشرع على روايةٍ؛ فلأن المتروك غير واجب فلم يشرع له سجود كسنن الأفعال. وأما كون الصلاة لا تبطل بترك ما سوى هذا من سوى هذا من سنن الأفعال فلما ذكر في سنن الأقوال. وأما كونه لا يشرع السجود له فلكونه غير واجب مع كثرته. فإن قيل: لِمَ لمْ يجر الخلاف هنا في المشروعية كما تقدم في سنن الأقوال؟ قيل: لأن سنن الأفعال كثيرة فلو شرع السجود لها لما خلت صلاة من سجود سهو. وقيل: الخلاف جار في سن الأفعال كالأقوال. فعلى هذا لا فرق. فإن قيل: ما سنن الأفعال؟ قيل: رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، ووضع اليمنى على اليسرى، وجعلها تحت السرة أو الصدر، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر، والتسوية بين رأسه وظهره، والتجافي فيه، والبداءة بوضع اليدين قبل الركبتين في النهوض، والتجافي فيه، وفتح أصابع رجليه في السجود وفي الجلوس، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومة مستقبلاً بها القبلة، والتورك في التشهد الأخير، والافتراش في الأول وفي سائر الجلوس، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة بحلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والالتفات عن يمينه وشماله في التسليم، والسجود على أنفه، وجلسة الاستراحة في روايةٍ.

стр. 389

باب سجود السهو قال المصنف ﵀: (ولا يشرع في العمد. ويشرع للسهو في زيادة ونقص وشك. للنافلة والفرض). أما كون السجود لا يشرع في العمد؛ فلأن النبي ﷺ علق السجود على السهو حيث قال: «إذا سها أحدكم فليسجد» (١). وقول الراوي: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٢). [وأما مواضع مشروعية ذلك ففي الزيادة، والنقص، والشك لما يأتي ذكره بعد في مواضعه إن شاء الله تعالى] (٣). وأما كون ذلك للنافلة والفرض فلعموم الأخبار الواردة في سجود السهو. ولأنهما في معنى واحد في الاحتياج إلى سد الخلل الحاصل بالسهو. قال: (فأما الزيادة فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت الصلاة. وإن كان سهواً سجد له). أما كون من زاد فعلاً من جنس الصلاة كما مثّل المصنف ﵀ عمداً تبطل صلاته؛ فلأن الزيادة على المنصوص كالنقص. ولو تعمد النقص بطلت صلاته فكذلك إذا تعمد الزيادة. ولأن زيادة ركن يخل بنظم الصلاة ويغير هيئتها فلم تكن صلاة ولا فاعلها مصلياً. ولأنه متى فعل ذلك أخر السلام عن موضعه فيكون قد ترك الواجب عمداً وذلك مبطل لما تقدم. وأما كون من زاد ذلك سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» (٤) رواه مسلم.

стр. 390

ولأن الزيادة سهو فيدخل في قوله ﵇: «إذا سها أحدكم فليسجد» (١). وقول الصحابي: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٢). ولأن الزيادة نقص في المعنى فشرع السجود له لينجبر النقص. قال: (وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها. وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم). أما كون من أدرك ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها يسجد لها؛ فلما روى ابن مسعود قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً. فلما انفتل من الصلاة توشْوش القوم بينهم. فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله! زيد في الصلاة شيء؟ فقال: لا. قالوا: إنك صليت خمساً. فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم. [ثم] (٣) قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون. فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» (٤) رواه مسلم. وأما كون من علم بالزيادة في الركعة يجلس في حال علمه؛ فلأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمداً وذلك مبطل لما تقدم. وأما كونه يتشهد إن لم يكن (٥) تشهد؛ فلأنه ركن لم يأت به. وأما كونه يسجد؛ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» (٦) رواه مسلم. وأما كونه يسلم فلتكمل صلاته.
следующие страницы →