← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قال: (ويستحب الإسراع بها. ويكون المشاة أمامها، والركبان خلفها. ولا يجلس من تبعها حتى توضع. وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها). أما كون الإسراع بالجنازة يستحب فلقوله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة، [فإن تك صالحة] (١) فخيرٌ تُقدمونها إليه. وإن يكن غير ذلك، فشرٌ تَضعونَه عن رِقابكم» (٢) متفق عليه. وأما كون المشاة أمامها فلما روى ابن عمر ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» (٣) رواه الإمام أحمد [وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة] (٤). وأما كون الركبان خلفها فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: «الراكب خلف الجنازة ... مختصر» (٥) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ولأن سير الراكب أمامها يؤذي مُتّبعي الجنازة لأنه موضع المشاة. فإن قيل: قوله ﵇: «والماشي حيث شاء منها» (٦) مشكل لأنه إن حُمل على الجواز لزم أن يكون الراكب لا يجوز له ذلك لأنه ﵇ فرق بينهما حيث قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها»، وإن حُمل على الفضيلة لزم المساواة بين أمَام الجنازة وخلفها للماشي.

стр. 632

قيل: يندفع ذلك بأن يحمل على الجواز الخالي عن الكراهة. وذلك لأن الماشي يجوز له المشي كيف شاء من غير كراهة. وأما الراكب فيتجه أن يقال يجوز له ذلك لكنه يكره له أن يكون أمامها لما فيه من إيذاء المشاة بدابته. وأما كون من تبعها لا يجلس حتى توضع فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع» (١) رواه البخاري. وأما كون الجالس إذا جاءت لا يقوم لها فلقول علي ﵁: «قام رسول الله ﷺ ثم قعد» (٢) رواه مسلم. وهذا ناسخ لما روى مسلم: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه» (٣). قال: (ويُدخل قبره من عند رجل القبر إن كان أسهل عليهم. ولا يسجى القبر إلا أن يكون لامرأة). أما كون الميت يدخل قبره من عند رجل القبر إن كان يَسهل على من يدخله فـ «لأن النبي ﷺ سُل من قبل رأسه» (٤). وإنما يسل من قبل رأسه إذا كان قد أدخل من رجل القبر. فإن قيل: لم اشترط المصنف ﵀ السهولة؟ قيل: لأن في ضدها مشقة وضرراً وذلك منفي شرعاً. وأما كون القبر لا يسجى إلا أن يكون لامرأة فلما روي عن علي ﵁: «أنه مر بقوم دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب فجذبه. وقال: إنما يصنع هذا بالنساء» (٥).

стр. 633

قال: (ويلحد له لحداً. وينصب عليه اللبن نصباً. ولا يدخله خشباً، ولا شيئاً مسته النار). أما كون اللاحد للميت يلحد له لحداً وينصب عليه اللبن نصباً فلقول سعد بن أبي وقاص: «الحدوا لي لحداً وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ » (١) رواه مسلم. ولقوله ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا» (٢) رواه أبو داود. ومعنى اللحد: أنه إذا بلغ الحافر أرض القبر [حفر فيه مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت. ومعنى الشق: أن يحفر في أرض القبر] (٣) شيئاً يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء. وأما كونه لا يُدخل القبر خشباً ولا شيئاً مسته النار فلأن إبراهيم قال: «كانوا يستحبون اللَّبِن ويكرهون الخشب والآجر» (٤). قال: (ويقول الذي يدخله (٥): بسم الله وعلى ملة رسول الله. ويضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة). أما كون من يُدخل الميت قبره يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله فلما روى ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله» (٦).

стр. 634

ويروى: «على سنة رسول الله» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأما كونه يضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فلأن النبي ﷺ هكذا دُفن. وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: «إذا جعلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض». قال: (ويحثو التراب في القبر ثلاث حثيات. ويهال عليه التراب. ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً). أما كون من حضر الدفن يحثو التراب في القبر ثلاثاً فلما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ «أنه حثى ثلاث حثيات بيديه جميعاً على الميت» (٢) رواه الشافعي في مسنده. و«لأن علياً ﵁ حثى على زيد بن المكفف ثلاثاً، وابن عباس حثى على زيد بن ثابت ثلاثاً» (٣). وينبغي أن يقول عند الأولى: ﴿منها خلقناكم﴾. وعند الثانية: ﴿وفيها نعيدكم﴾. وعند الثالثة: ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥]. وأما كون الميت يهال عليه التراب فلأن النبي ﷺ فُعل به كذلك قالت عائشة ﵂: «ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي» (٤) رواه الإمام أحمد.

стр. 635

وقالت فاطمة ﵂: «كيف طابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب» (١) رواه البخاري. وأما كون القبر يرفع عن الأرض قدر شبر فلما روى الساجي «أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض [قدر شبر] (٢») (٣). ولأن بذلك يعلم أنه قبر فيتوقى ويُترحم عليه. وأما كونه مسنماً فلما روى سفيان التمار «أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً» (٤) رواه البخاري. ولأن المسطح يشبه أبنية أهل الدنيا. قال: (ويرش عليه الماء. ولا بأس بتطيينه. ويكره تجصيصه، والبناء، والكتابة عليه، والجلوس والوطء عليه، والاتكاء إليه). أما كون القبر يرش عليه الماء فلما روى أبو رافع «أن رسول الله ﷺ سَلَّ سعداً ورش على قبره ماء» (٥) رواه ابن ماجة. ولأن الماء يُلبدُه. وأما كونه لا بأس بتطيينه فلما روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض قدر شبر، وطين بطين أحمر من العرصة» (٦).

стр. 636

ولأن في تطيينه صيانة له عن الدوس. والحديث الذي فيه النهي عن التطيين محمول على التطيين للتحسين جمعاً بين نهيه وبين تطيين قبره. وأما كونه يكره تجصيصه والبناء والكتابة عليه والجلوس والوطء عليه والاتكاء إليه فلقول جابر: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد إليه» (١) رواه مسلم. و[زاد] (٢) الترمذي: «وأن يكتب عليها وأن توطأ» (٣). و«رأى ﵇ عمرو بن حزم متكئاً على قبر. فقال: لا تؤذ صاحب هذا القبر» (٤) رواه الإمام أحمد. قال: (ولا يدفن فيه اثنان إلا لضرورة. ويقدم الأفضل إلى القبلة. ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب). أما كون القبر لا يدفن فيه اثنان إذا لم تكن ضرورة فلأن النبي ﷺ كان يَدفن كل ميت في قبر. ثم فعل ذلك بعده السلف والخلف من الصحابة وغيرهم.

стр. 637

وأما كونه يدفن فيه ذلك إذا كان ضرورة مثل كثرة الموتى وقلة من يدفنهم وخوف الفساد عليهم فـ «لأن النبي ﷺ لما كثر القتلى يوم أحد كان يجمع بين الرجلين في القبر الواحد» (١). وأما كون الأفضل يقدم إلى القبلة «فلأن النبي ﷺ كان يقول في قتلى أحد: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد» (٢). وأما كون حاجز من تراب يجعل بين كل اثنين فليصير كل واحد منفرداً كأنه في قبر منفرد. قال: (وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخذ. وإن كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره غرم ذلك من تركته. وقيل ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج). أما كون القبر ينبش ويؤخذ ما وقع فيه مثل أن ينسى الحفار مسحاته أو من يدفنه خاتمه ونحوه؛ فلما روي عن المغيرة بن شعبة «أنه وضع خاتمه في قبر رسول الله ﷺ . ثم قال: خاتمي. ففتح منه موضع فدخل وأخذه». ولأنه لا ضرر في أخذه ولا هتك لحرمة الميت فجاز إيصاله إلى مستحقه. ولأن في تركه إضاعة للمال المنهي عنها. وأما كون من كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره يغرم ذلك من تركته على المذهب فلأن استحقاق العين يسقط عند تعذر الرجوع وينتقل إلى القيمة. والرجوع في العين هنا متعذر شرعاً لأن نبش الميت وشق جوفه مُثلةٌ منهي عنها. وإذا انتقل حق المال إلى القيمة استحق أخذها من التركة كما لو أتلف الميت شيئاً قبل موته. وأما كون الميت ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج ما فيه على قولٍ فلأن حق صاحبه متعلق بعينه ولم يرض بتركه فكان له ما ذكر كما لو دفن في أرض الغير بغير إذنه.

стр. 638

قال: (وإن ماتت حامل لم يشق بطنها وتسطو عليه القوابل فيخرجنه. ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيى). أما كون الحامل إذا ماتت لا يشق بطنها على المذهب فلأن الشق مُثْلةٌ متيقنة، وحياة الولد مظنونة موهومة. ثم إنه لو خرج حياً فالغالب المعتاد أنه لا يعيش. وقد احتج الإمام أحمد ﵀ عليه بقوله ﷺ : «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» (١) رواه أبو داود. وأما كون القوابل يسطو على الحمل. ومعناه: أنهن يدخلن أيديهن في رحم الميتة فيخرجنه فلأن في ذلك إبقاء للولد من غير مُثلةٌ بأمه. فإن قيل: قد تقدم أنه لا يعيش غالباً فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى أن يسطو عليه القوابل؟ قيل: إنما يفعل ذلك إذا قويت الحركة وظهر انفتاح المخارج وأمارات الولادة وماتت في الطلق. وإلا فلا يتعرض لها. وأما كونه يحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيى فلأنه تعارض حق الحي وحق الميت فكان حق الحي أولى. قال: (فإن ماتت ذمية حامل من مسلم دفنت وحدها. ويجعل ظهرها إلى القبلة). أما كون الذمية الحامل من مسلم تدفن وحدها فلأنها إن دفنت في مقابر المسلمين تأذوا بعذابها، وإن دفنت في مقابر أهل الذمة تأذى ولدها المحكوم بإسلامه بعذابهم. وأما كون ظهرها يجعل إلى القبلة فلأن وجه الولد المحكوم بإسلامه إلى ظهرها فإذا جعل ظهرها إلى القبلة كان الولد مستقبلاً للقبلة.

стр. 639

قال: (ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين). أما كون ما ذُكر لا يكره في الصحيح فلما روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «من دخل المقابر فقرأ فيها سورة يس خُفف عنهم يومئذ وكان له بعددهم حسنات» (١). وروت عائشة ﵂ عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عندهما أو عنده سورة يس غفر لهما» (٢) رواهما أبو بكر صاحب الخلال. وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلما روي عن النبي ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر لا يقرأ فيها شيئاً من القرآن. فإن الشيطان يفر من بيت يقرأ فيه سورة البقرة» (٣). فلو كانت المقبرة يقرأ فيها القرآن لم يكن بينهما فرق. قال: (وأي قربة فعلها وجعلها للميت المسلم: نفعه ذلك). أما كون كل قربة فعلها الإنسان؛ من دعاء واستغفار وأداء واجب وصدقة وصلاة وصوم وحج وقراءة ونحو ذلك وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك: أما الدعاء والاستغفار وأداء الواجب؛ فبالإجماع وقد قال الله تعالى: ﴿والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]. ودعاء النبي ﷺ لأبي سلمة (٤).

стр. 640

وأما الصدقة؛ فلأن سعد بن عبادة قال للنبي ﷺ : «أينفع أمي إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» (١) رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أنه سأل النبي ﷺ أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة. وأن هشام بن العاص نحر حصته من ذلك خمسين. أفتجزئ عنه؟ فقال: إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصُمت عنه أو تصدقت بلغه ذلك» (٢). وعن أنس بن مالك «سأل رسول الله ﷺ إنا نتصدق عن موتانا ونحج فهل يصل إليهم ذلك؟ فقال: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه». وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «كان لي أبوان. كنت أبرهما في حياتهما. فكيف لي (٣) أن أبرهما بعد موتهما؟ فقال لي النبي ﷺ : إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك. وأن تصوم لهما مع صومك. وأن تتصدق لهما مع صدقتك» (٤). وأما الصلاة فلأنها مذكورة (٥) في حديث الرجل.

стр. 641

وأما الصوم فلأنه مذكور في حديث عمرو وأنس والرجل. وأما الحج فلأنه مذكور في حديث أنس. ولأن امرأة سألت رسول الله ﷺ فقالت (١): «إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت إن كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى» (٢). وأما قراءة القرآن؛ فلما تقدم من أنها لا تكره على القبر. ولأنها قربة أشبهت سائر القرب. وأما نحو ذلك؛ فبالقياس على ما تقدم. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] تنفي ما ذُكر لأنه ليس من سعيه. وقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] كذلك لأنه ليس من كسبه. وقوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالح يدعو له» (٣) كذلك؛ لأنه ليس أحد الأمور الثلاثة؟ قيل: أما الأول فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن ذلك في صحف إبراهيم وموسى. ولذلك قال عكرمة: هذا في حقهم خاصة بخلاف شرعنا. واستدل على ذلك بحديث الخثعمية (٤).

стр. 642

وثانيها: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ [الطور: ٢١]. روى ذلك ابن عباس. وثالثها: أنه مختص بالكافر أي ليس له من الجزاء إلا جزاء سعيه يُوفّاه في الدنيا وماله في الآخرة من نصيب. ذكره الثعلبي في تفسيره. ورابعها: أن معنى ﴿ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] عدلاً. وله ما سعى وسعى غيره وصلاً. وخامسها: أن اللام بمعنى على. ونحوه قوله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ [الرعد: ٢٥] أي عليهم. وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] أي على من لم يكن أهل. وأما الثاني وهو قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] فإنما تدل على نفي ما تقدم بالمفهوم. وما تقدم من الأدلة منطوق. والمنطوق راجح على المفهوم. على أن فعل القربة من الغير لا يخلو من نوع كسب ولو مودة الإسلام. وأما الثالث: وهو قوله: «انقطع عمله» فالكلام في عمل غيره لا في عمله. وأما قول المصنف ﵀: وجعل ثوابها للميت المسلم؛ فمشعر بأمرين: أحدهما: أنه إذا جعلها للحي لا ينفعه ذلك. ووجهه: أن العجز في الحج ونحوه مصحح للنيابة فليكن ما ذكر كذلك. وقال صاحب النهاية فيها: المنقول عن أحمد أنه لا فرق بين الحي والميت؛ لأن المعنى فيهما واحد. ولعل المصنف ﵀ إنما ذكر الميت؛ لأن أكثر الأدلة المتقدمة فيه. ولأن حاجته إلى الثواب أكثر من الحي لا أن ذلك شرطٌ فيه.

стр. 643

وثانيهما: أنه إذا جعلها لغير المسلم لا تنفعه. وهو صحيح. وقد تقدم ذلك في حديث عمرو من قوله ﷺ : «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد بلغه ذلك» (١). قال: (ويستحب أن يُصلَحَ لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، ولا يُصلحون هم طعاماً للناس). أما كون أن يُصْلَحَ لأهل الميت طعام يُبعث إليهم فلقوله ﵇: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد جاءهم (٢) أمر شغلهم» (٣) رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود. وأما كون أهل الميت لا يُصلحون طعاماً للناس فلأنهم في شغل بمصابهم. ولأنه زيادة عليهم في مصيبتهم. ولما قَدِم جرير على عمر قال: «هل يناح على ميتكم؟ قال: لا. قال: فهل يجتمعون الناس عند الميت ويجعلون الطعام؟ قال: تلك النياحة» (٤).

стр. 644

فصل [في زيارة القبور] قال المصنف ﵀: (ويستحب للرجال زيارة القبور. وهل تكره للنساء؟ على روايتين). أما كون زيارة القبور تستحب للرجال فلقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. فإنها تذكركم الموت» (١) رواه مسلم. وأما كونها تكره للنساء على روايةٍ فلأن النبي ﷺ قال: «لعن الله زوّارات القبور» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث صحيح. ولأن المرأة قليلة الصبر فلا يؤمن تهيج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله بخلاف الرجل. وأما كونها لا تكره على روايةٍ فلعموم ما تقدم. و«لأن عائشة رضي الله زارت قبر أخيها عبدالرحمن» (٣) رواه الترمذي. قال: (ويقول إذا زارها أو مر بها: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون. ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم! لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم). أما كون من زار القبور أو مر بها يقول: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ونسأل الله لنا ولكم العافية فـ «لأن رسول الله ﷺ كان

стр. 645

يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر. فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» (١) رواه مسلم. وأما كونه يقول: ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين فلأن عائشة روت أن النبي ﷺ قال ذلك (٢). وأما كونه يقول: اللهم! لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم؛ فلأن النبي ﷺ قال ذلك (٣). رواه أحمد. وأما كونه يطلب المغفرة؛ فلأن في حديث آخر: «يغفر الله لنا ولكم» (٤). قال: (ويستحب تعزية أهل الميت. ويكره الجلوس لها. ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك. وفي تعزيته عن كافر: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك. وفي تعزية الكافر بالمسلم: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وفي تعزيته عن كافر: أخلف الله عليك ولا نقص عددك). أما كون تعزية أهل الميت تستحب فلما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «من عزى (٥) مصاباً فله مثل أجره» (٦) رواه الترمذي وهو غريب. وروى عمرو بن حزم عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مؤمن يُعزِّي أخاه إلا كساهُ الله من حُلَلِ الكرامةِ يومَ القيامة» (٧) رواه ابن ماجة.

стр. 646

وأما كون الجلوس لها يكره فلأنه محدَث. مع ما فيه من تهيج الحزن. وأما كون المعزي يقول: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك في تعزية المسلم بالمسلم. وأعظم الله أجرك وأحسن عزاءك في تعزية المسلم بالكافر. وأحسن الله عزاءك وغفر لميتك في تعزية الكافر بالمسلم. وأخلف الله عليك ولا نقص عددك في تعزية الكافر بالكافر فلأنه لائق بحال الميت والمصاب. وقد ورد شيء في ذلك لم يذكره المصنف ﵀ هنا وذكره في المغني وهو «أن رسول الله ﷺ لما توفي سُمع صوتٌ من ناحية البيت: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته. إن في الله عَزاءً من كل مصيبة. وخلفاً من كل هالك. ودركاً من كل فائت. فبالله فثقوا وإياه فارجُوا. فإن المصَاب من حُرم الثواب» (١) رواه الشافعي. فقيل: إنه الخضر ﵇ جاء يعزي زوجات النبي ﷺ . وفي كلام المصنف ﵀ إشعار بأنه يجوز للمسلم تعزية الكافر. وسئل الإمام أحمد (٢) رحمة الله عليه عن ذلك فتوقف. وفي ذلك وجه حمله الأصحاب ﵏ على جواز عيادته. وفيها روايتان. أما كون التعزية تحمل على العيادة فلأنها في معناها. ولأنه إذا جاز أن يقصده في بيته لعيادته فلا يجوز أن (٣) يُعزى بطريق الأولى. وأما كون العيادة تجوز في روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ عاد يهودياً كان يحضر في حوائجه وقال: كيف تجدك» وفي لفظ: «كيف أنت يا يهودي» (٤).

стр. 647

و «عاد نصرانياً فقال: كيف أنت يا (١) نصراني» (٢). ولأن في ذلك تأليفاً للإسلام. وأما كونها لا تجوز في روايةٍ فلأن النبي ﷺ قال: «لا تبدؤهم بالسلام وألجؤهم إلى أضيق الطرق» (٣). فلأن لا يعاد بطريق الأولى. قال: (ويجوز البكاء على الميت. وأن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به). أما كون البكاء على الميت يجوز فلما روى أنس قال: «شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر. فرأيت عينيه تدمعان» (٤). و«قَبّل عثمانَ بن مظعون وهو ميت ورفع رأسه وعيناه تهراقان» (٥). وقال ﷺ : «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم» (٦) متفق عليه. و«دخل ﵇ على ابنه إبراهيم وهو يجُودُ بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله! فقال: يا ابن عوف إنها رحمة. ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع (٧) والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٨) رواه البخاري.

стр. 648

وأما كون المصاب يجوز أن يجعل على رأسه ثوباً يعرف به فلأن التعزية سنة وذلك وسيلة إليها. فإذا لم يكن سنة فلا أقل من أن يكون جائزاً. بيان أنه وسيلة إلى التعزية أنه إذا وضع عليه ما يعرف الناس به أنه هو المصاب عرفه الناس فعزَّوه. قال: (ولا يجوز الندب. ولا النياحة. ولا شق الثياب، ولطم الخدود، وما أشبه ذلك). أما كون الندب والنياحة. ومعناهما: أن يقول المصاب: وا رَجُلاه وا سيداه وما أشبه ذلك من تعديد محاسن الميت لا يجوزان فـ «لأن النبي ﷺ برئ من الصالقة» (١) متفق عليه. وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة. وعنه ﵇: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشق جيوب ... مختصر» (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وعن عمر: «ما على نساء بني المغيرة أن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نَقْعٌ، ولا لَقْلَقَة» (٣). قال أبو عبيد: اللقلقة رفع الصوت، والنَّقْع التراب يوضع على الرأس. وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ [الممتحنه: ١٢] أنه النوح. وقالت أم عطية ﵂: «أَخذ علينا النبي ﷺ في البيعة أن لا ننوح» (٤) متفق عليه.

стр. 649

وأما كون شق الثياب ولطم الخدود وما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلقوله ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية» (١) متفق عليه.

стр. 650

كتاب الزكاة الزكاة في اللغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نمى وزاد. وفي الشرع: عبارة عن حق يجب في المال. وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]. وأما السنة فقول النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدّ في فقرائهم» (١) متفق عليه. وأما الإجماع؛ فلأن المسلمين أجمعوا في جميع الأعصار على وجوب الصلاة والزكاة، وأجمعت الصحابة على قتال مانعي الزكاة. قال المصنف ﵀: (تجب الزكاة في أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة). أما كون الزكاة تجب في السائمة، وهي: التي تُرعى لا التي تُعلف من بهيمة الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم فلأن ابن عمر روى عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما صاحب إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها إلا بُطح -وفي لفظ: إلا طُرح- يوم القيامة بقاعٍ قَرقرٍ تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها وأخفافها، كلما نَفِدَتْ أخراها عادت عليه أولاها» (٢). وأما كونها تجب في الخارج من الأرض، وهو: الزرع والثمر والمعدن والركاز: أما في الزرع والثمر فلقوله تعالى: ﴿والنخلَ والزرعَ مختلفاً أُكُلُهُ والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧].

стр. 651

وقوله ﵇: «فيما سقت السماء والعيون أو كان (١) عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (٢) رواه البخاري. وأما في المعدن والركاز فلقوله ﵇: «وفي المعدن الصدقة». وقوله: «وفي الركاز الخمس» (٣). و«لأن النبي ﷺ أخذ زكاة المعادن القَبَلِيّة من بلال بن الحارث» (٤) رواه الجوزجاني. وأما كونها تجب في الأثمان، وهي: الذهب والفضة فلقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (٥)﴾ [التوبة: ٣٤]. وقوله ﵇: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم ... مختصر» (٦) رواه مسلم. وفي حديث أنس: «وفي الرقة ربع العشر» (٧) رواه البخاري. وأما كونها تجب في عروض التجارة فلقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، ولما روى سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع» (٨) رواه أبو داود.

стр. 652

قال: (ولا تجب في غير ذلك. وقال أصحابنا: تجب في المتولد بين الوحشي والأهلي، وفي بقر الوحش روايتان). أما قول المصنف ﵀: ولا تجب في غير ذلك؛ فمعناه غير ما تقدم ذكره من بهيمة الأنعام والخارج من الأرض والأثمان وعروض التجارة. وأما كون الزكاة لا تجب في ذلك؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه. وأما مواضعه فأشياء: أحدها: المتولد بين الوحشي والأهلي، ولا تجب الزكاة في ذلك عند المصنف لأن الإيجاب من الشرع ولم يرد بما يدل على الوجوب، ولا يصح قياسه على شيء مما تقدم. وقال أصحابنا: تجب في ذلك؛ لأنه اجتمع فيه سببان: أحدهما: يوجب والآخر لا يوجب فوجبت الزكاة تغليباً. وثانيها: بقر الوحش، وفي وجوب الزكاة فيها روايتان: إحداهما: لا تجب؛ لما ذكر في المتولد. والثانية: تجب؛ لعموم قوله ﷺ لمعاذ: «خذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة» (١). ودليل عمومه وتناوله لبقر الوحش جواز استثناء ذلك منه. قال صاحب النهاية فيها: هي المعتمدة في المذهب والمنصورة في الخلاف. ويؤيد الأولى: أن بقر الوحش يفارق البقر الأهلية في الصورة والمقاصد لأنها لا تعد للحرث والسقي ولا تدخل في مطلق الوكالة ولا تجزئ في الهدي والأضحية ويحرم إتلافها والتعرض لها في الحرم. وثالثها: العبيد والخيل والحمير، ولا زكاة في شيء من ذلك لقوله ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (٢) متفق عليه.

стр. 653

وفي لفظ: «إلا زكاة الفطر في الرقيق» (١). وروى أبو عبيد عن النبي ﷺ : «ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكُسعة صدقة» (٢). والجبْهة: الخيل، والنخة: الرقيق (٣)، والكُسْعَةُ: بضم الكاف الحمير (٤). ورابعها: المعلوفة من بهيمة الأنعام، ولا زكاة فيها لما يأتي في أول باب زكاة بهيمة الأنعام (٥). وخامسها: ما عدا ذلك من عقار وثياب وما أشبه ذلك ولا زكاة في شيء من ذلك لما تقدم في المتولد. قال: (ولا تجب إلا بشروط خمسة: الإسلام، والحرية فلا تجب على كافر ولا عبد ولا مكاتب فإن ملّك السيد عبده مالاً وقلنا أنه يملكه فلا زكاة فيه، وإن قلنا لا يملكه فزكاته على سيده). أما كون الزكاة لا تجب إلا بالشروط المذكورة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها. وأما كون الإسلام من شروط وجوب الزكاة؛ فلأن الزكاة تتصف بصفات يمتنع أن يتصف بها الكافر منها: أن الأداء قربة وطاعة والكفر يضاد ذلك. ومنها: أنه طهرة والكافر لا يطهره إلا الإسلام. ومنها: أنه يفتقر إلى النية ولا يصح من الكافر كالصوم. وأما كون الحرية من شروطه فلأن العبد: إما مكاتب، وذلك لا زكاة عليه لما روي عن النبي ﷺ : «لا زكاة في مال المكاتب» (٦). وقال ابن عمر: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وليس في ماله زكاة» (٧)، ورواه أيضاً مرفوعاً (٨).

стр. 654

وقال جابر: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (١). ولا يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً. ولأن ملكه متزلزل لأنه بفرضية أن يعجز وهو محجور عليه لا (٢) يرث ولا يورث. وهو مشغول بوفاء نجومه. وإما عبد قن لا مال له وذلك لا زكاة عليه؛ لأنه لا مال له فلا وجه لوجوب الزكاة عليه لأن الزكاة متعلقة بالمال وهو مفقود. وإما عبد قن ملّكه سيده مالاً فإن قلنا أنه يملكه فلا زكاة عليه ولا على السيد: أما عليه فلأن ملكه ضعيف متزلزل متعرض للزوال بأخذ سيده له، وأما على السيد فلأنه إذا لم تجب على العبد الزكاة في ملكه لكونه متزلزلاً فلأن لا تجب على السيد بطريق الأولى. وإن قلنا أنه لا يملكه فزكاته على السيد؛ لأنه ما انتقل عنه، وهو مالك له مستجمع فيه جميع الشرائط المعتبرة أشبه المال الذي لم يملكه العبد أصلاً. قال: (والثالث: ملك نصاب فإن نقص عنه فلا زكاة فيه إلا أن يكون نقصاً يسيراً كالحبة والحبتين). أما كون ملك النصاب من شروط وجوب الزكاة: أما في الإبل فلقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» (٣).

стр. 655

وأما في البقر فـ «لأن النبي ﷺ أمر معاذاً أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً» (١). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء» (٢). وأما في الغنم فلقوله ﷺ : «وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها إلا أن يشاء ربها» (٣) رواه البخاري. وأما في الزرع والثمر فلقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (٤») (٥). وأما في المعدن فلأنه خارج من الأرض تَلحق المؤونة في إخراجه أشبه الزرع والثمر. فإن قيل: الركاز خارج من الأرض ولا يشترط له نصاب؟ قيل: الركاز الواجب فيه ليس بزكاة على قول، ويجب فيه (٦) الخمس فشبهه بالغنيمة أكثر من الزكاة، والغنيمة لا نصاب لها فكذا ما يشبهها، والمعدن الواجب فيه زكاة ومقداره مقدار زكاة الذهب والفضة فاعتبر فيه النصاب كالذهب والفضة. وأما (٧) في الذهب فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب صدقة» (٨) رواه أبو عبيد. وأما في الفضة فلقوله ﵇: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٩) متفق عليه.

стр. 656

وقوله في حديث عمرو بن شعيب المتقدم: «وليس فيما دون مائتي درهم صدقة» (١). وأما في عروض التجارة فلأن الزكاة تجب في قيمتها وهي إما ذهب أو فضة وكل واحد منهما داخل فيما تقدم. وأما كون النصاب إذا نقص نقصاً غير يسير كالدرهم (٢) من نصاب الفضة، والدانق من نصاب الذهب لا زكاة فيه فلما تقدم من اشتراط ملك النصاب لوجوب الزكاة. وأما كونه إذا نقص نقصاً يسيراً كالدانق من نصاب الفضة، والحبة والحبتين من نصاب الذهب فلأن الزكاة وجبت مواساة ونقصان ذلك لا يخل بالمواساة. ولأن اليسير لا حكم له في أحكام كثيرة كالعمل اليسير في الصلاة، وانكشاف اليسير من العورة، والعفو عن اليسير من الدم في الصلاة، وفي نقض الوضوء فكذا يعفى عنه هنا. قال: (وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب إلا في السائمة). أما كون الزكاة تجب فيما زاد على النصاب بالحساب -في غير السائمة- من الخارج من الأرض والأثمان وعروض التجارة فلعموم قوله: «هاتوا ربع عشور أموالكم» (٣). وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» (٤). وفي لفظ: «فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وما زاد فبحساب ذلك» (٥) رواه أبو داود. ولأنه لا ضرر في التشقيص في جميع ذلك بخلاف السائمة.

стр. 657

وأما كونها لا تجب في السائمة فيما زاد بالحساب فلأن النبي ﷺ أوجب شيئاً في عدد ثم لم يوجب فيما زاد بحسابه ولو وجب في الزائد بحسابه لذكره. ولأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في الإبل شيء حتى تبلغ خمساً فإذا بلغت خمساً ففيها شاة ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشراً». وفي آخر: «وإذا زادت الغنم على ثلاثمائة فليس فيما دون المائة شيء حتى تبلغ مائة». وروى أبو عبيد في غريبه عن النبي ﷺ : «ليس في الأوقاص صدقة» (١). وقال: الوقص: ما بين النصابين. وفي حديث معاذ «أنه قيل له: أمرت في الأوقاص بشيء؟ فقال: لا وسأسل رسول الله ﷺ فسأله فقال: لا» (٢) رواه الدارقطني. قال: (الرابع: تمام الملك فلا زكاة في دين الكتابة ولا في السائمة الموقوفة ولا في حصة المضارب من الربح قبل القسمة على أحد الوجهين فيهما). أما كون تمام الملك من شروط وجوب الزكاة فلأن الملك الناقص ليس نعمة كاملة والزكاة إنما وجبت في مقابلة النعمة الكاملة. وأما كون دين الكتابة لا زكاة فيه فلأن النعمة فيه ليست كاملة لكون العبد يملك تعجيز نفسه والامتناع من الأداء. وأما كون السائمة الموقوفة لا زكاة فيها على وجه فلأن الملك لا يثبت فيها في وجهٍ ويثبت في آخر ثبوتاً ناقصاً لا يتمكن من التصرف فيه بأنواع التصرفات. وأما كون حصة المضارب قبل القسمة لا زكاة فيها على وجه؛ فلأنها لا تملك على وجه وتملك على آخر ملكاً ضعيفاً لأنها وقاية لرأس المال. وأما كون السائمة الموقوفة فيها زكاة على وجه؛ فلعموم قوله ﵇: «في أربعين شاة شاة» (٣).

стр. 658

وأما كون حصة المضارب فيها زكاة على وجه؛ فلأنها مال من الأموال حال من المانع لوجوب الزكاة فيدخل في عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في مثل ذلك. فإن قيل: لم ثنّى المصنف ﵀ الضمير في فيهما؟ قيل: للإشعار بأن الخلاف المذكور هنا إنما هو في السائمة الموقوفة وحصة المضارب قبل القسمة دون دين الكتابة. قال: (ومن كان له دين على مليء من صداق أو غيره زَكّاهُ إذا قبضه لما مضى، وفي الدين على غير المليء والمؤجل والمجحود والمغصوب والضائع روايتان: أحدهما: هو كالدين على المليء. والثاني: لا زكاة فيه. قال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعاً منها). أما كون من له مال على مليء من صداق وغيره يزكيه إذا قبضه لما مضى؛ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها. ولأنه مال تام الملك يمكن استيفاؤه فوجبت فيه الزكاة كسائر الأموال. ولا بد أن يلحظ أن المليء بالدين مقر غير مماطل به ولا غاصب له؛ لأنه إذا لم يكن كذلك يكون ما يأتي من الخلاف. وإنما أطلق المصنف ﵀ ذلك وأوجب في الدين على المليء؛ اكتفاء بما يأتي. وإنما لم يجب أداء الزكاة قبل قبض (١) الدين لأن الزكاة تجب مواساة وليس من المواساة إخراج زكاة مال لم يقبضه. وأما كون الدين على غير المليء، والدين المؤجل، والمجحود، والمغصوب، والضائع كالدين على المليء في وجوب الزكاة وعدم وجوب أدائها قبل قبضه على روايةٍ: أما في الوجوب فلعموم الأدلة الدالة على الوجوب في مثل ذلك كقوله ﷺ : «في أربعين شاة شاة» (٢) وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» (٣) وما أشبه ذلك.

стр. 659

ولأنه مال تام نظراً إلى الجنس والقدر والحول فوجبت فيه الزكاة كالدين على مليء. ولأنه لم يوجد في ذلك سوى الحيلولة من التصرف وذلك لا يمنع الزكاة كما لو أُسرَ صاحب المال أو كان المال مرهوناً. وأما في عدم وجوب أدائها قبل قبضه فلأنه إذا لم يجب في الدين الحالّ على مليء قبل قبضه فلأن لا يجب في ذلك قبل قبضه بطريق الأولى. وأما كونه لا زكاة فيه أصلاً على روايةٍ فلأنه يروى عن عثمان وابن عمر أنهما قالا: «لا زكاة في مال الضمان»، ولا يعرف لهما مخالف وباقي الصور في معنى ذلك. ولأن الزكاة وجبت في مقابلة الانتفاع بالنماء حقيقة أو مظنة بدليل أنها لا توجب في العقار وذلك مفقود هنا. فإن قيل: ما مال الضمان؟ قيل: هو المال الموجود الذي لا يعرف مالكه موضعه. وأما قول المصنف رحمه: قال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعاً منها؛ فتأكيد لوجوب الزكاة فيما تقدم، ولذلك قال قال (١) الخرقي: بغير واو. ولأن ذلك تصريح في اللقطة حال ضَياعها وتنبيه على الوجوب في بقية الصور. قال: (ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب إلا في المواشي والحبوب في إحدى الروايتين). أما كون مال من (٢) عليه دين ينقص النصاب إذا كان غير المواشي والحبوب كالأموال الباطنة من الذهب والفضة وعروض التجارة والمستخرج من المعدن لا زكاة

стр. 660

فيه فلما روى السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وليزك بقية ماله» (١) رواه سعيد. قال عثمان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فكان إجماعاً. وروى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه». و«لأنه ﷺ أمر بأخذ الصدقة من الأغنياء» (٢) ومن عليه دين فقير بدليل أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة لوفاء دينه. وأما كون مال من عليه دين ينقص النصاب إذا كان المواشي والحبوب والثمار -وتسمى الأموال الظاهرة- لا زكاة فيه في رواية فلما تقدم في الأموال الباطنة. وأما كونه فيه الزكاة في رواية فـ «لأن النبي ﷺ كان يبعث سعاته إلى أرباب الأموال الظاهرة فيأخذون زكاتها على الكره والرضى»، وكذلك الأئمة بعده ولم يسألوا أربابها عن الدين، ولم يكن هو والخلفاء بعده يفعلون ذلك في الأموال الباطنة فوجب حمل كلام عثمان على الأموال الباطنة جمعاً بينه وبين فعل سعاته ﷺ وفعل الخلفاء بعده. ولأن الأموال الظاهرة تعلق بها أطماع الفقراء، والحاجة إلى تحصينها وحفظها أوفر بخلاف الباطنة. وفي قول المصنف ﵀: دين ينقص النصاب؛ إشارة إلى أن الدين الذي يمنع وجوب الزكاة هو الذي ينقص النصاب؛ كمن عليه دين خمسة دراهم وله مائتا درهم، وتنبيه على أنه إذا كان له مثل ما عليه من الدين لا زكاة عليه؛ لأنه إذا منع ما ينقص النصاب به فلأن يمنع ما يقابله بجملته بطريق الأولى.

стр. 661

قال: (والكفارة كالدين في أحد الوجهين). أما كون الكفارة كالدين في منع وجوب الزكاة في وجهٍ فلأنها دين يجب قضاؤه أشبه دين الآدمي يؤيده قول النبي ﷺ : «دين الله أحق أن يقضى» (١). وأما كونها لا تمنع وجوب الزكاة في وجهٍ فلأن الزكاة آكد لتعلقها بالعين على اختلاف. ولأن دين الآدمي تتوجه المطالبة به بخلاف دين الله من الكفارة. ولأن الكفارة بالمال لها بدل وهو الصوم بخلاف الزكاة. قال: (الخامس: مضي الحول شرط إلا في الخارج من الأرض، فإذا استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول إلا نتاج السائمة وربح التجارة فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً وإن لم يكن نصاباً فحوله من حين كمل النصاب). أما كون مضي الحول من شروط وجوب الزكاة في غير الخارج من الأرض فلقول النبي ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٢) رواه الترمذي وابن ماجة. ولأن الزكاة إنما تجب في مال تام فوجب أن يعتبر له الحول ليكمل النماء فيه فيواسي من نمائه. وأما كونه غير شرط في الخارج من الأرض وهو الحبوب والثمار والركاز والمعدن: أما في الحبوب والثمار فلأن الله تعالى أمر بالإيتاء يوم الحصاد فقال: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] وذلك ينفي اعتبار الحول.

стр. 662

وأما في الركاز والمعدن فلأن الحول يراد لتكامل النماء وبوجودهما يحصل النماء فلم يشترط لهما الحول كالحبوب والثمار. وأما كون المستفاد غير النتاج وربح التجارة كالمستفاد بإرث أو عقد من هبة ونحوها لا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول فلأن عموم قوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١) يدل عليه. وروي عنه ﷺ : «ليس في المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» (٢) رواه الترمذي. وقال: روي موقوفاً على ابن عمر وهو أصح. ولأنه أصلٌ في نفسه تجب الزكاة في عينه فوجب أن لا يعتبر حوله بغيره قياساً على ما لو استفاده ولا مال له. وأما كون نتاج سائمته حوله حول أصله إن كان (٣) الأصل نصاباً فلقول عمر ﵁: «اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم» (٤) رواه مالك في الموطأ. وعن علي أنه قال: «عد عليهم الصغار والكبار». ولا يعرف لهما مخالف. ولأن الغنم تختلف أوقات ولادتها فإفراد كل سخلة يشق فيجعل تبعاً للأمهات. ولأنها تابعة لها حقيقة في الملك فتتبعها في الحول. وأما كون ربح تجارته في ذلك مثل نتاج سائمته فلأنه مثله في كونه تبعاً للأصل وفي عدم ضبط حوله فوجب أن يلحق به. وأما كون حول ذلك من حين كمل النصاب إذا لم يكن الأصل نصاباً فلأن الأصل لا تجب فيه الزكاة فيما تجب فيه الزكاة لنقصانه عن النصاب فانتفت التبعية قبل الكمال فإذا كمل النصاب اعتبر الحول حينئذ لأنه حينئذ يتحقق فيه التبعية لما وجبت فيه الزكاة.

стр. 663

قال: (وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد عليه الحول حين ملكه، وعنه: لا ينعقد حتى يبلغ سناً يجزئ مثله في الزكاة). أما كون الحول ينعقد حين ملكه ذلك على المذهب فلأن الصغار إذا حال عليها حول من حين ملكها تدخل في عموم قوله ﷺ : «في أربعين شاة شاة» (١) لأن الشاة تقع على الكبير والصغير. ولأن الصغير كالكبير في ذلك لقوله ﵇ لساعيه: «عد عليهم صغيرها وكبيرها». ولأن أبا بكر ﵁ قال: «لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم» (٢)، والعَناق: لا تجب في الكبار. وأما كونه لا ينعقد حتى يبلغ سناً يجزئ مثله في الزكاة على روايةٍ فلأن مصدق رسول الله ﷺ قال: «أمرني أن لا آخذ من راضع شيئاً، إنما حقنا في التبيعة والجذعة» (٣). قال: (ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه انقطع الحول إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط، وإن أبدله بنصاب من جنسه بنى على حوله، ويتخرج أن ينقطع). أما كون الحول ينقطع بنقصان النصاب في بعض الحول فلأنه يصدق عليه أنه مال لم يحل عليه الحول لأن الحول على شيء يجب أن يكون حائلاً عليه بكماله. والمراد بنقص النصاب في بعض الحول نقصان النصاب في زمن كبير من الحول فلو كان الزمن يسيراً كالساعة والساعتين لم يؤثر. وذكر المصنف ﵀ في المغني ذلك ونسبه إلى

стр. 664

أبي بكر وعلله بأن اليسير معفو عنه فلم يؤثر كسائر ما تقدم ذكره في نقصان النصاب من الحبة والحبتين. ولم يفرق أبو بكر بين كون النقص في وسط الحول أو طرفه. وظاهر كلام القاضي أن اليسير في وسط الحول مؤثر. وأما كونه ينقطع إذا باعه أو أبدله بغير جنسه كما لو باع أربعين من الغنم بعشرين ديناراً أو مائتي درهم بثلاثين من البقر ولم يقصد الفرار من الزكاة فلأن كل واحد من المالين لم يحل عليه حول فيدخل في قوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١). وأما كونه لا ينقطع الحول إذا قصد بالبيع أو الإبدال الفرار فلأن الله تعالى ذم من تعرض لإسقاط الزكاة فوجب أن لا تسقط. ولأنه قصد الفرار من زكاة فعورض بنقيض قصده كالقاتل. وأما قول المصنف ﵀: عند قرب وجوبها؛ فإشارة إلى أن ذلك مظنة قصد الفرار. بخلاف ما إذا باعها في أول الحول أو نصفه فإن المظنة هناك منتفية أو بعيدة. وأما كون من أبدل النصاب بنصاب من جنسه يبني على حوله على المذهب؛ فلأنه نصاب يُضم إليه نماؤه في الحول فبني حول بدله من جنسه على حوله كالعروض. وأما كونه يتخرج أن ينقطع فلأن كل واحد منهما لم يحل عليه الحول. قال: (وإذا تم الحول وجبت الزكاة في عين المال، وعنه: تجب في الذمة). أما كون الزكاة إذا تم الحول تجب في عين المال على المذهب فلقوله ﵇: «في كل أربعين شاة شاة» (٢)، و «فيما سقت السماء العشر» (٣) وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف "في" المقتضي للظرفية. وأما كونها تجب في الذمة على روايةٍ فلأنه يجوز إخراجها من غير النصاب أشبه صدقة الفطر.

стр. 665

ولأنها لو وجبت فيه لامتنع تصرف المالك فيه بدون إذن الفقير، وَلَتَمكن الفقير من إلزامه أداء الزكاة من عين المال، ولسقطت بتلف المال من غير تفريط. قال: (ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، ولا تسقط بتلف المال، وعنه: أنها تسقط إذا لم يفرط). أما كون وجوب الزكاة لا يعتبر فيه (١) إمكان الأداء فلأن الزكاة حق للفقير فلم يعتبر فيه إمكان الأداء كالدين للآدمي فإنه تجب له على من هو عليه أمكنه الأداء أو لا. ولأن قوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٢) يدل بمفهومه على الوجوب بعد الحول أمكن الأداء أو لا. وأما كونها لا تسقط بتلف المال إذا فرط مثل أن يتمكن من الإخراج ولم يفعل فلأنه مفرط متعد بفعله فوجب أن لا يسقط ما وجب عليه كما لو أتلف هذا المال، والجامع بينهما الاشتراك في التعدي. وأما كونها لا تسقط إذا لم يفرط مثل أن لا يجد من يدفع ذلك إليه على المذهب فلأن الزكاة حق آدمي أو مشتملة عليه فلا تسقط بعد وجوبها وإن لم يفرط كدين الآدمي. وأما كونها تسقط على روايةٍ فلأنه معذور حيث لم يجد من يدفع إليه. ولأنه إذا لم يتمكن من الأداء تكون الزكاة في يده أمانة فلم يضمنها كالوديعة وسائر الأمانات.

стр. 666

قال: (وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فعليه زكاة واحدة إن قلنا تجب في العين، وزكاتان إن قلنا تجب في الذمة. إلا ما كان زكاته الغنم من الإبل فإن عليه لكل حول زكاة. وإن كان أكثر من نصاب فعليه زكاة جميعه لكل حول إن قلنا تجب في الذمة وإن قلنا تجب في العين نقص من زكاته كل حول بقدر نقصه بها). أما كون من مضى على نصاب له حولان لم يؤد زكاتهما عليه زكاة واحدة إذا قيل تجب في العين ولم تكن زكاته الغنم من الإبل فلأن المال حينئذ يعتبر ناقصاً عن النصاب لتعلق حق الفقراء بشاة منه فلا يجب فيه للحول الثاني زكاة لنقصانه فلم يبق إلا زكاة الحول الأول. وأما كونه عليه زكاتان إذا قيل الزكاة تجب في الذمة فلأن المال نصاب كامل في الحولين فتجب لكل حول زكاة. وأما كونه عليه لكل حول زكاة فيما إذا كانت زكاته الغنم من الإبل سواء قيل تجب في العين أو في الذمة فلأن الزكاة متى كانت من غير جنس المال لا تجب في العين البتة فإذاً لا ينقص النصاب في الحولين وإذا لم ينقص واحد منهما وجب لكل واحد زكاته لوجود المقتضي للوجوب السالم عن معارضة النقص (١). وقال صاحب المستوعب فيه: الحكم في ذلك كالحكم في الأول لأن النقص (٢) حكمي فلم تعتبر المماثلة فيه. وأما كونه عليه زكاة جميع المال لكل حول إذا كان أكثر من نصاب، وقيل: الزكاة تجب في الذمة فلأن الزكاة إذا وجبت في الذمة لم تتعلق بشيء من المال فإذا حال عليه حولان وجبت زكاة جميعه لكل حول. وأما كونه ينقص من زكاته كل حول بقدر نقصه بها إذا قيل تجب في العين فلأن الزكاة إذا وجبت في العين نقص من المال مقدار الزكاة لتعلقها بالعين فوجب أن لا

стр. 667

تجب فيه زكاة لكونه مستحقاً للفقراء وإذا لم تجب الزكاة في مقدار ذلك وجب أن ينقص من الجميع مقدار زكاة النقص الذي تعلقت به الزكاة. فإن قيل: ما مثال ذلك؟ قيل: مثاله أن يكون له أربعمائة درهم. فإن قيل: الزكاة تجب في الذمة فالواجب في الحولين عشرون، وإن قيل: تجب في العين فالواجب تسعة عشر درهماً ونصف درهم وربع درهم؛ لأنه تعلق قدر الواجب في الحول الأول بالمال في الحول الثاني فينقص عشرة ويبقى ثلاثمائة وتسعون درهماً زكاتها ما تقدم. فإن قيل: قول المصنف ﵀ يدل على أن النقص يعم الحولين لأنه قال: كل حول؟ [قيل: مراده] (١) بعد الأول لأن الأول لما حال لم يكن قبل ذلك وجب شيء حتى ينقص بقدره على القول بالوجوب في العين. قال: (وإذا مات من عليه الزكاة أخذت من تركته، فإن كان عليه دين اقتسموا بالحصص). أما كون من مات وعليه الزكاة يؤخذ من تركته فلقوله ﷺ : «فدين الله أحق بالقضاء» (٢). ولأنه حق واجب تصح الوصية به فلم يسقط بالموت كدين الآدمي. وأما كون مستحق الزكاة والدين يقتسمون بالحصص فلأن كل واحد من الزكاة والدين واجب فوجب أن تقسم التركة بين مستحقيها كدين الآدميين (٣). فعلى هذا لو كانت الزكاة خمسة دراهم والدين عشرين قسمت التركة بينهما أخماساً. فإن قيل: القول المذكور عام فيما إذا قيل الزكاة تجب في الذمة أو في العين؟

стр. 668

قيل: في المسألة غير الذي ذكره المصنف ﵀ هنا وجهان: أحدهما: تقدم الزكاة على الدين ومستندها تعلقها بالعين لأنها إذا تعلقت بالعين صارت بمنزلة صاحب الدين الذي له به رهن وصاحب الدين الذي لا رهن له، ومتى اجتمع شخصان أحدهما له رهن والآخر لا رهن له ولم تف التركة بدينهما فإنه يقدم دين من له رهن. والوجه الثاني: يقدم دين الآدمي لأن حقه مبني على الشح بخلاف حق الله تعالى. ويمكن الجواب عن هذا أيضاً بأن الزكاة حق آدمي أو مشتملة على حق آدمي.

стр. 669

باب زكاة بهيمة الأنعام قال المصنف ﵀: (ولا تجب إلا في السائمة منها، وهي: التي ترعى في أكثر الحول). أما كون الزكاة لا تجب في غير السائمة من الإبل والغنم فلأن مفهوم قوله ﷺ : «في الإبل السائمة في كل أربعين بنت لبون، وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة» (١) يدل عليه لأنه ﵇ ذكر السوم فيهما وذكره يدل على نفي الوجوب في غير السائمة منهما وإلا وقع لغواً وكلام الشرع منزه عن ذلك. ولأن المعلوفة لا تقتنى للنماء فلم يجب فيها شيء كثياب البذلة. وأما كونها لا تجب في غير السائمة من البقر فلأن ورود ذلك في الإبل والغنم [يدل على اعتباره في البقر لأنها في معناها] (٢). ولأن منطوق الحديثين المتقدم ذكرهما يدل عليه. وأما كونها تجب في السائمة من البقر فلما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى (٣). وأما قول المصنف ﵀: وهي التي ترعى في أكثر الحول؛ فبيان للسائمة من غيرها. وإنما اعتبر رعيُ أكثر الحول لأن أكثر الشيء يقوم مقام كله في كثير من الأحكام الشرعية وكذلك هاهنا. ولأن اعتبار السوم في جميع الحول يمنع وجوب الزكاة بالكلية. قال: (وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الإبل؛ فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فتجب فيها شاة، فإن أخرج بعيراً لم يجزئه، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة (٤) ثلاث

стр. 670

شياه، وفي العشرين أربع شياه، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة، فإن عدمها أجزأه ابن لبون، وهو: الذي له سنتان، فإن عدمه أيضاً لزمه بنت مخاض. وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وهي: التي لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جذعة، وهي: التي لها أربع سنين، وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة. فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون. ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة). أما كون بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع فلأنها إبل وبقر وغنم. وأما كون الإبل منها لا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فلما تقدم في اشتراط النصاب لوجوب الزكاة من قوله ﵇: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» (١). ومن قوله: «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة» (٢) أخرجه البخاري. وأما كون الخمس تجب فيها شاة فلأن تكملة الحديث المذكور قبل: «فإذا بلغت خمساً ففيها شاة» (٣). والشاة الواجبة في الإبل ما لها ستة أشهر إن كانت من الضأن فإن كانت من المعز فما لها سنة لأنها هي الشاة التي يُعلق بها حكم الشرع وتعتبر في سائر موارده المطلقة. ويعتبر كونها في صفة الإبل ففي السمان الكرام شاة سمينة كريمة وفي اللئام الهزال لئيمة هزيلة لأن الإبل سببها فاعتبر أن تكون على صفتها، فإن كانت الإبل مراضاً لم يجز إخراج المريضة لأن المخرج من غير جنسها وليس كله مراضاً فينزل منزلة اجتماع الصحاح والمراض وذلك لا يجزئ فيه إلا الصحيحة، ولا يجزئ الذكر كالمخرجة عن الغنم، ويحتمل أن يجزئ لأنها شاة مطلقة فيدخل فيها الذكر كالأضحية، فإن عَدِمَ الشاة في ماله لزمه شراؤها.
следующие страницы →