← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فظاهر هذا أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مستفيضاً فيما بينهم. ومثل هذا لم يكن ليخفى على النبي ﷺ بل الظاهر أنه كان يأمر به لأنهم كانوا ينتهون إلى أمره في الشرعيات. وأما سعد فإنه قال: «الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ » (١). قال: (ويُستر الميت عن العيون ولا يحضره إلا من يعين في غسله). أما كون الميت يُستر عن العيون فلأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، وربما بدت عورته. قالت عائشة: «غسلنا بعض بنات النبي ﷺ فأُمِرنا أن نجعل بينها وبين السقف ثوباً». ولأن الآدمي إذا مات صار جميعه بمنزلة العورة في الإكرام والاحترام ولهذا وجب ستره بالكفن. وأما كونه لا يحضره إلا من يعين في غسله فلأنه لا حاجة إلى حضوره بخلاف من يعين الغاسل بصب [الماء] (٢) ونحوه. قال: (ثم يرفع رأسه برفق إلى قريب من الجلوس، ويعصر بطنه عصراً رفيقاً، ويُكثر صب الماء حينئذ). أما كون الغاسل يرفع رأس الميت إلى قريبٍ من الجلوس ويعصر بطنه حينئذ فليخرج ما في جوفه من فضلة مخافة أن يخرج ذلك بعد الغسل والتكفين فيفسده. وأما كون ذلك برفق فلأن الميت في محل الشفقة والرحمة. وأما كونه يكثر صب الماء حين يعصر بطنه فليذهب بما يخرج ولا تظهر رائحته.

стр. 597

قال: (ثم يلف على يده خرقة فينجيه. ولا يحل مس عورته. ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة). أما كون الغاسل يلف على يده خرقة فينجي الميت بها فلأن في ذلك إزالة للنجاسة وطهارة للميت من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل. فإن قيل: ما صفة التنجية؟ قيل: أن يلف على يده خرقة ويغسل أحد الفرجين ثم ينحي الخرقة، ويأخذ أخرى ويغسل الفرج الآخر. وذكر القاضي في المجرد أنه يكفي خرقة واحدة للفرجين، والأخرى لبقية بدنه. وهو محمول على أن الخرقة كلما خرج عليها نجاسة غسلها المعاون وأعادها. وإلا فقد ذكر أصحابنا أن كل خرقة يخرج عليها شيء لا يعتد بها. وأما كونه لا يحل مس عورة الميت فلأن رؤيتها حرام فلمسها بطريق الأولى. وأما كونه يستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة فلأنه يأمن معه مس العورة المحرم مسها. قال: (وينوي غسله ويسمي، ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفهما). أما كون الغاسل ينوي غسل الميت ويسمي في غسله فلأن غسله طهارة يعتد بها فاشترط فيها النية والتسمية كغسل الجنابة. وأما كونه يدخل أصبعيه مبلولتين بالماء كما ذكر المصنف ﵀ فلأن في ذلك تحصيلاً لإزالة ما على تلك الأعضاء من الأذى. والأصبعان هاهنا السبابة والإبهام. قال: (ويوضئه. ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه). أما كون الغاسل يوضئ الميت فلما روت أم عطية أنها قالت: «لما غسّلنا ابنة رسول الله ﷺ قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (١) متفق عليه.

стр. 598

وأما كونه لا يُدخل الماء في فيه ولا أنفه إذا وضأه وإن كان ذلك من الوضوء في حق الحي على الصحيح من المذهب فلأنه إذا أدخل الماء فيهما لا يمكنه إخراجه فربما دخل بطنه ثم خرج فأفسد وضوءه. قال: (ويضرب السدر. فيغسل برغوته رأسه ولحيته وسائر بدنه. ثم يغسل شقه الأيمن. ثم الأيسر. ثم يفيض الماء على جميع بدنه. يفعل ذلك ثلاثاً يمر في كل مرة يده. فإن لم ينق بالثلاث أو خرج منه شيء غسله إلى خمس. فإن زاد فإلى سبع. ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً). أما كون الغاسل يضرب السدر فلتحصل له رغوة لأن الرغوة تزيل الدرن، ولا تتعلق بالشعر، وتزول بمجرد مرور الماء. وأما كونه يغسل رأس الميت ولحيته وسائر بدنه «فلأن النبي ﷺ قال في المحرم: اغسلوه بماء وسدر» (١). و«قال للنساء اللواتي غسّلن ابنته: اغسلنها بماء وسدر» (٢). وقال الخرقي: ويكون في كل المياه شيء من السدر.

стр. 599

وقال ابن حامد: الذي وَجدتُ عليه أصحابنا أنه يكون في الغسلة وزن درهم ونحوه من السدر فإذا كان كثيراً سلبه التطهير. واختار القاضي وأبو الخطاب أن يغسله أول مرة بثَفَل السدر ثم يغسله بعد ذلك بالماء القراح؛ لأن الإمام أحمد ﵁ شبه غسله بغسل الحياة. ولأن السدر إن كان كثيراً سلبه الطهورية. واليسير لا يؤثر. وينبغي أن يتخذ الغاسل ثلاثة آنية: كبير يجمع فيه الماء الذي يَغسل به الميت يكون بالبُعد منه، وإناءان صغيران يكون أحدهما بيد الغاسل يقلب به والآخر بيد المعاون يغترف به من الكبير ويقلب ما فيه في الذي بيد الغاسل. وإنما كان كذلك والله أعلم ليكون الكبير مصوناً فإذا فسد ما في الصغير من رشاش وغيره كان ما بقي في الكبير كافياً. وأما كونه يبدأ بغسل شقه الأيمن ثم الأيسر فلقوله ﵇: «وابدأن بميامنها» (١) متفق عليه. ولأن التيامن مسنون في غسل الحي فكذلك في غسل الميت. وأما كونه يفيض الماء على جميع بدن الميت فليعم البدن بالغسل. وأما كونه يفعل ذلك ثلاثاً فلأن في حديث النسوة اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً» (٢). وأما كونه يمر يده في كل مرة. والمراد على بطنه فلأن فيه إخراجاً لما في بطنه وأمناً من فساد الغسل بما يخرج بعده (٣). وأما كونه يغسله إل خمس ثم إلى سبع إذا لم يَنْقَ بالثلاث «فلأن النبي ﷺ قال للنسوة اللاتي غسلن ابنته: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» (٤).

стр. 600

وأما كونه يفعل ذلك إذا خرج منه نجاسة فلأن الخارج ينقض طُهر الحي. ولا طهر للميت سوى الغسل فوجب أن يبطله. ولأن الغسل في حق الميت وجب لزوال العقل وفقد الحواس فجاز أن يبطل بما تبطل به الطهارة الصغرى بخلاف غسل الجنابة. ولأنه وجب غسله بما لا يوجب الغسل فجاز أن يتأكد بوجوبه من الحدث لأنه ليس بممتنع أن يبطل الغسل بما لا يوجب الغسل كخلع الخف لا يوجب غسل الرجل وينقض الطهارة فيها. وقال أبو الخطاب: لا يعاد غسله بل يَغسل موضع النجاسة ويُوضأ لأن حكم الحي كذلك فكذلك الميت. والأول المذهب؛ لما ذكر. وقد تقدم التنبيه على الفرق بين غسل الميت وغسل الحي. ويؤيد إعادة الغسل عموم قوله ﵇: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» (١). فإن الظاهر أنما قال ذلك من أجل توقع النجاسة. وأما كونه يجعل الكافور في الغسلة الأخيرة فلأن في الحديث المذكور: «واجعلن في الأخيرة كافوراً». وفائدة الكافور أنه يصلب الجسم ويطرد عنه الهوام بريحه. قال: (والماء الحار والخلال والأشنان يستعمل إن احتيج إليه). أما كون ما ذكر يستعمل إن احتيج إليه مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد أو لإزالة وسخ لا يزول إلا به. أو إلى الأشنان لكثرة الوسخ. أو إلى الخلال لكون الوسخ لا يخرج إلا به فلأن إزالة الوسخ مطلوبة شرعاً وذلك وسيلة إليه. وأما كونه لا يستعمل إن لم يحتج إليه مثل أن يكون الماء البارد ليس شديد البرد ويكون الحار يرخي بدن الميت ويكون الوسخ يمكن إزالته بغير الخلال كالدلك ونحوه فلأن ذلك لم ترد به السنة مع أنه لا حاجة إليه.

стр. 601

والمستحب أن يكون الخلال حيث يحتاج إليه من شجرة لينة كالصفصاف ونحوه مما ينقي ولا يجرح. قال: (ويُقص شاربه، ويقلم أظفاره، ولا يسرح شعره ولا لحيته. ويظفر شعر المرأة ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها). أما كون الميت يُقص شاربه ويُقلم أظفاره فلأن ذلك تنظيف يسن في الحياة فيسن بعد الموت قياساً على حال الحياة. وينبغي أن يترك ذلك معه في القبر لأنه بعض أجزائه. وأما كونه لا يسرح شعره ولا لحيته فلما روي عن عائشة ﵂ «أنها رأت ميتاً يسرح شعره. فقالت: لم تنصون ميتكم؟ » (١) ذكره أبو عبيد في الغريب. وهو مشتق من تسريح الناصية. وروى الأسود عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لا يسرح شعر الميت». ولأنه لا يخلو من تمعيط وتقطيع. واختار ابن حامد وأبو الخطاب في بعض تصانيفه التسريح لقوله ﵇: «افعلوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» (٢). وأما كون المرأة يظفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها؛ فلما روت أم عطية قالت: «ظفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها -تعني ابنة النبي ﷺ » (٣) متفق عليه.

стр. 602

قال: (ثم ينشفه بثوب. فإن خرج منه شيء بعد السبع حشاه بالقطن. فإن لم يستمسك فبالطين الحر. ثم يغسل المحل ويوضأ. وإن خرج منه شيء بعد وضعه في أكفانه لم يعد إلى الغسل). أما كون الغاسل ينشف الميت بثوب؛ فـ «لأن النبي ﷺ لما غسل وُشِّح (١) بثوب». ولأنه إذا لم ينشف تنشتر الرطوبة إلى أكفانه فيفسد بالبلل. وربما عفنت وأدى ذلك إلى فساد الميت. وأما كونه يحشو مخرجه بقطن إذا خرج منه شيء بعد السبع؛ فلأن في ذلك منعاً لخروج النجاسة. ولأن من تكرر خروج النجاسة منه يصير في معنى المستحاضة. وحشو القطن مشروع في حقها فكذلك يشرع فيما هو في معناها. ولم يتعرض المصنف ﵀ إلى أنه يلجم المحل بالقطن فإن لم يمتنع حشاه. وصرح به أبو الخطاب وصاحب النهاية فيها. وعلله بأن الحشو فيه توسيع المخرج ومباشرة له فلا يفعل إلا إذا اضطر إليه. وفي كلام المصنف ﵀ إشعار بأنه لا يعاد الغسل بعد السبع؛ لأنه قال: فإن خرج شيء بعد السبع حشاه بالقطن. وصرح بعدم الإعادة بعد السبع في المغني وصاحب النهاية فيها. وإنما لم يعد ذلك لما فيه من الحرج والمشقة. ولأنه آخر العدد المذكور صريحاً في حديث أم عطية. وأما كون ذلك يحشى بالطين الحر إذا لم يستمسك بالقطن؛ فلأنه أبلغ من القطن؛ لأنه صلب يمسك، ويمنع ما يصل إليه ويتصل به من نفوذ إلى خارج. ومعنى الطين الحر الخالص. وأما كون المحل يغسل فلإزالة النجاسة.

стр. 603

وأما كون الميت يوضأ فلأنه انتقضت طهارته بالخارج فيجب أن يعاد ليكون على وضوء. وأما كونه لا يعاد إلى الغسل إذا خرج منه شيء بعد وضعه في أكفانه فلأنه لو أعيد لاحتيج إلى غسل الأكفان وتجفيفها ويتأخر دفنه وذلك عسر ومخالفة للسنة. ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان الخروج بعد السبع أو بعد الثلاث لأن العلة المذكورة موجودة فيهما. قال: (ويُغسل المحرم بماء وسدر، ولا يُلبس المخيط، ولا يُخمر رأسه، ولا يُقرب طيباً). أما كون المحرم يغسل بماء وسدر فلما روى ابن عباس «أن محرماً وقصت به ناقته. فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه بماء وسدر» (١). وأما كونه لا يُلبس [المخيط] (٢) فلأنه محرم بدليل قوله في تكملة الحديث: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». ولذلك قال النبي ﷺ في الحديث المذكور: «وكفنوه في ثوبيه». وأما كونه لا يخمر رأسه ولا يقرب طيباً فلأن تكملة الحديث: «ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً» متفق عليه. ولأنه أثر عبادة ورد الشرع باستطابتها فوجب أن يدفن صاحبها على حاله كالشهيد.

стр. 604

قال: (والشهيد لا يُغسل إلا أن يكون جنباً بل ينزع عنه السلاح والجلود. ويزمل في ثيابه. وإن أحب كفنه بغيرها. ولا يصلى عليه في أصح الروايتين). أما كون الشهيد لا يغسل إذا لم يكن جنباً فلأن ابن عباس ﵄ روى «أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الجلود والحديد ويدفنوا في ثيابهم [بدمائهم] (١») (٢) رواه أبو داود وابن ماجة. وفي حديث جابر: «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد. ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد. وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في ثيابهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم» (٣) رواه البخاري. وأما كونه يغسل إذا كان جنباً «فلأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد. فقال النبي ﷺ : ما بال حنظلة بن الراهب! إني رأيت الملائكة تغسله. قالوا: إنه جامع أهله ثم سمع الهيعة فخرج فقُتل» (٤). وذلك منهم على سبيل التعليم. ولأنه غسل واجب فلا يسقط بالموت كغسل الجنابة. وأما كونه ينزع عنه السلاح والجلود فلما تقدم في حديث ابن عباس من أمر النبي ﷺ في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود. وأما كونه يزمل في ثيابه فلأن في حديث ابن عباس: «ويدفنوا في ثيابهم» (٥). وأما كونه يكفن بغيرها إن أحب من يكفنه ذلك فلما روي «أن صفية

стр. 605

أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما. وكفن في الآخر رجلاً آخر» (١). وأما كونه لا يصلى عليه في روايةٍ فلما تقدم في حديث جابر من «أن النبي ﷺ لم يغسل قتلى أحد ولم يصل عليهم» (٢). وأما كونه يصلى عليه في روايةٍ فـ «لأن ابن عباس روى أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد» (٣). والأولى أصح لأن حديث ابن عباس لا أصل له عند أصحاب الحديث. وعلى تقدير صحته فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث جابر فيحمل حديث ابن عباس على من مات في غير المعترك، أو على أن الصلاة كانت بمعنى الدعاء بخلاف حديث جابر فإنه لا يمكن حمله على ذلك. الثاني: أن حديث جابر راجح من ثلاثة أوجه: أحدها: أن حديث جابر رواه جابر وأنس، وكانا شاهدين أحداً بخلاف ابن عباس. الثاني: أن حديث جابر متفق على بعضه وهو ترك الغسل مختلف في استعمال بعضه فكان أولى مما هو مختلف في استعمال جميعه. الثالث: أن حديث جابر ناقل لحكم الأصل مثبت لحكم متجدد، وخبر ابن عباس مبق لحكم الأصل فكان خبر جابر أولى.

стр. 606

قال: (وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به، أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غُسل وصلي عليه). أما كون من سقط من دابته فمات يغسل ويصلى عليه فلأن موته بسبب السقوط أشبه ما لو مات بذلك في غير المعركة. ولأنه مات بغير قتل المشركين أشبه من مات على فراشه. وأما كون من وجد ميتاً ولا أثر به يغسل ويصلى عليه فلأن غسل الميت والصلاة عليه واجبان وإنما تسقطهما الشهادة. وقد شككنا في حصولها. بل الظاهر أنه ليس بقتيل فلا يسقطان بمشكوك. وأما كون من حمل فأكل أو طال بقاؤه يغسل ويصلى عليه فـ «لأن سعد بن معاذ أصابه سهم. فمات بعد ذلك. فغسله النبي ﷺ وصلى عليه». وكذلك «عتبة بن ربيعة أصاب ساق ربيعة بن الحارث فحمل إلى رسول الله ﷺ والمخ يسيل من ساقه. فكلمه رسول الله ﷺ . ثم مات فغسله وصلى عليه». قال: (ومن قُتل مظلوماً فهل يلحق بالشهيد؟ على روايتين). أما كون من ذُكر لا يلحق بالشهيد فيما تقدم ذكره على روايةٍ فـ «لأن عمر وعثمان وعلياً والحسين قتلوا ظلماً وغسلوا وصلي عليهم» (١). ولأنه ليس بشهيد المعركة أشبه المبطون. وأما كونه يلحق به على روايةٍ فلقوله ﵇: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (٢).

стр. 607

ولأنه مقتول ظلماً أشبه الشهيد. ولأنه يساوي شهيد المعركة في الشهادة فوجب أن يساويه فيما ذكر بالقياس عليه. قال: (وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه). أما كون السقط إذا ولد لأكثر من أربعة الشهر يغسل فلأنه نسمة خرجت منه روح بعد ما كانت فيه أشبه من مات بعد ولادته. ولأنه يصلى عليه لما يأتي فيغسل بالقياس عليه. وأما كونه يصلى عليه فلما روى المغيرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الطفل يصلى عليه» (١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن المغيرة عن النبي ﷺ أنه قال: «السقط يصلى عليه» (٢) رواه أبو داود. وإنما قُيد ذلك بأكثر من أربعة أشهر لأنه في آخر الأربعة ينفخ فيه الروح. بدليل ما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «يمكث أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة. ثم أربعين يوماً علقة. ثم أربعين يوماً مضغة. ثم ينفخ فيه الروح ويأتيه ملكان فيكتبان رزقه وأجله وشقي هو أو سعيد» (٣). فإن قيل: الحديثان لا دلالة لهما على ذلك؟

стр. 608

قيل: يجب حملهما عليه لأن الغسل والصلاة إنما شرعا على ميت، ومن لم ينفخ فيه الروح لا يوصف بالموت لأنه عبارة عن خروج الروح من الجسد وذلك مفقود فيمن لم ينفخ الروح فيه بعد. قال: (ومن تعذر غسله يمم). أما كون من تعذر غسله (١) ييمم؛ فلأن غسل الميت طهارة على البدن فقام التيمم عند العجز عنه مقامه كالجنابة. وأما التعذر فكما إذا خيف تقطع الميت إذا غسل كالمجدور والمحترق ونحوهما. قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً). أما كون الغاسل عليه ستر ما ذكر؛ فلأن ذكر ذلك شَيْنٌ له وذلك لا يجوز في الحي ففي الميت أولى. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من غسل ميتاً وحنطه وكفنه وحمله وصلى عليه ولم يفش عليه ما رآه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٢) رواه الإمام أحمد بمعناه. ولا بد أن يلحظ في هذا الستر اختصاصه بأهل السنة. وأما أهل البدع كالرافضي فالمستحب إظهاره لتجتنب طريقته وبدعته. ذكره ابن عقيل. وأما كون الستر مقيداً بكونه ليس بحسن فلأنه لو كان حسناً لاستحب إظهاره لأن فيه ترغيبًا في طريقته والاقتداء بها.

стр. 609

فصل في الكفن قال المصنف ﵀: (يجب كفن الميت في ماله مقدماً على الدَين وغيره. فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته. إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته). أما كون كفن الميت يجب في ماله؛ فلقوله ﷺ في المحرم: «كفنوه في ثوبيه» (١). وقوله في قتلى أحد: «ادفنوهم في ثيابهم بدمائهم» (٢). ولأن حاجة الميت مقدمة في ماله على ورثته بدليل قضاء دَينه. وأما كونه مقدماً على الدَين فلأن المفلس تقدم كسوته على قضاء الدَين. فكذلك الميت. وأما كونه مقدماً على غير الدَين فلأنه إذا قدم على الدَين فعلى غيره بطريق الأولى. وأما كونه على من تلزمه نفقته غير الزوج إذا لم يكن للميت مال فلأنه تلزمه نفقته حياً لعجزه فلأن يجب عليه كفنه ميتاً بطريق الأولى لأن الميت أشد عجزاً. وأما كون الزوج لا يلزمه كفن امرأته فلأن كسوة الحياة تجب بالزوجية والتمكن من الانتفاع. وقد انقطع ذلك بالموت وتعذر الانتفاع فيمتنع ما يجب بسببه. ودليل الانقطاع إباحة أختها وأربع سواها.

стр. 610

قال: (ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض يبسط بعضها فوق بعض بعد تجميرها). أما كون تكفين الرجل يستحب في ثلاث لفائف بيض من غير زيادة عليها ولا نقصان فلما روت عائشة ﵂ قالت: «كُفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. ليس فيها قميص ولا عمامة» (١) متفق عليه. وأما كونها يبسط بعضها فوق بعض فلأن الحي هكذا يلبس الثياب. وأما كونها تجمر فلأن ذلك مما يصنع بالعرائس وقد قال النبي ﷺ : «اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» (٢). وروي أن النبي ﷺ قال: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً» (٣) رواه أحمد. ولأن هذا عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه فكذلك الميت. قال: (ثم يوضع عليها مستلقياً، ويجعل الحنوط فيما بينها، ويجعل منه في قطن يجعل منه بين إليتيه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع إليتيه ومثانته، ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده. وإن طيب جميع بدنه كان حسناً). أما كون الميت يوضع على أكفانه مستلقياً فلأنه أمكنُ لإدراجه فيها. وأما كون الحنوط يجعل فيما بينها فلأنه مشروع، ولا يجعل فوق الفوقاني «لأن عمر وابن عمر وأبا هريرة كرهوا ذلك». وعن الصديق أنه قال: «لا تجعلوا على أكفاني حنوطاً». فيتعين أن يكون بينها.

стр. 611

وأما كون الحنوط يجعل بعضه في قطن فلأن القطن يحتاج إليه في مواضع يأتي ذكرها. وأما كون بعض القطن يجعل بين إليتي الميت فلأن في ذلك منعاً لما يخرج إذا حُمِل وحُرِّك. وأما كون ذلك يشد فوقه خرقة فلئلا يقع القطن. وأما كون الخرقة مشقوقة الطرف فليجمع بين ما ذكر. وصفة ذلك: أن يشق الغاسل طرفيها فيدخلها بين رجليه ويشد أطراف الخرقة بعضها إلى بعض فوق الوركين. والتبان هو السراويل (١) بلا أكمام. وأما كون الباقي من القطن يجعل على منافذ وجهه. وهي: عيناه ومنخراه وأذناه وفمه ومواضع سجوده وهي ركبتاه وجبهته ويداه وأطراف قدميه فلأن في جعل ذلك على المنافذ منعاً من دخول الهوام على مواضع السجود تشريفاً لها. وأما كونه إذا طيب جميع بدنه يكون حسناً فـ «لأنه يروى عن أنس أنه لما مات طلي بالمسك من قرنه إلى قدمه» (٢). و«طلى ابن عمر ميتاً بالمسك» (٣). قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر فوقه. ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك). أما كون طرف اللفافة العليا ترد على شق الميت الأيمن، وطرفها الآخر يرد فوقه فلأن ذلك عادة في الأحياء في لبس الأقبية والفَرَجِيّات والأردية.

стр. 612

وأما كون الثانية والثالثة يفعل بهما كالأولى فلأنهما في معناها. قال: (ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه. ثم يعقدها. وتحل العقد في القبر. ولا يخرق الكفن). أما كون ما عند رأس الميت يجعل أكثر مما عند رجليه فلأن كسوة الحي كذلك فكذا الميت. وأما كون الأكفان تعقد فلئلا تنحل. وأما كون العُقد تحل في القبر فلأن المخوف المذكور يزول فيه. وأما كون الكفن لا يخرّق فلما فيه من تقبيح الكفن المأمور بتحسينه. ولأن الحي يقبح أن يَتخذ قميصاً مخرقاً فكذلك الميت. قال: (وإن كُفّن في قميص ومئزر ولفافة جاز. وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين. والواجب من ذلك ثوب يستر جميعه). أما كون الرجل إذا كفن في قميص ومئزر ولفافة يجوز فـ «لأن النبي ﷺ أَلبس عبدالله بن أبي قميصه لما مات» (١) رواه البخاري. وعن عمرو بن العاص «أن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثالثة». وعن ابن عمر ﵄ «أنه كفن في ثلاثة أثواب، ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه» (٢). ولأن هذا عادة الحي: القميص والسراويل والطيلسان. وأما كون المرأة تكفن في خمسة أثواب فلما روت الثقفية قالت: «[كنت] (٣) فيمن غسل أمَّ كُلثوم بنت رسول الله ﷺ . فأول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحِقاء. ثم

стр. 613

الدرع. ثم الخمار. ثم الملحفة. ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر ... مختصر» (١) رواه أبو داود. والحِقاء: الإزار. وكذا فسره الإمام أحمد رحمة الله عليه. وأما كون الواجب من ذلك في حق الميت رجلاً كان أو امرأة ثوباً يستر جميعه فلأن ذلك يكفي الحي البارز بين الناس فلأن يكفي الميت المستتر بالأرض بطريق الأولى. ولأن الغرض ستره وذلك يحصل بالثوب الواحد. وقال القاضي: لا يجزئ أقل من ثلاثة لأنه لو جاز واحد لم يجبر الورثة على أكثر منه.

стр. 614

فصل في الصلاة على الميت قال المصنف ﵀: (السنة أن يقوم الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة. ويقدم إلى الإمام أفضلهم. ويجعل وسط المرأة حذاء رأس الرجل. وقال القاضي: يسوي بين رؤوسهم). أما كون السنة أن يقوم الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة فلما روى سمرة بن جندب قال: «صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها» (١) متفق عليه. وروي «أن أنساً صلى على عبدالله بن عمير (٢) فقام عند رأسه» (٣). و«صلى على امرأة فقام عند عجيزتها. فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي كصلاتك يكبر أربعاً ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم» (٤). رواه أبو داود وابن ماجة بمعناه. ولأن الرجل يخالف المرأة في موقفها مع الإمام فجاز أن يخالفها هنا.

стр. 615

وأما كون أفضلهم يقدم إلى الإمام فلأن الفضيلة يستحق بها التقديم في الإمامة فكذلك هنا. ولأن النبي ﷺ نبه على ذلك بكونه كان يقدم في القبر أكثرهم قرآناً (١). وأما كون وسط المرأة يجعل حذاء رأس الرجل على المذهب فلما ذكر من أن السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة. وأما كونهم يسوي بين رؤوسهم على قول القاضي فـ «لأن أمَّ كُلثوم وابنها صلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما» رواه سعيد في سننه. ولأن المرأة تابع لا حكم لها. وروي عن ابن عمر «أنه كان يسوي بين رؤوس الرجال والنساء» (٢) رواه أبو حفص.

стр. 616

قال: (ويكبر أربع تكبيرات: يقرأ في الأولى الفاتحة، ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، ويدعو في الثالثة. فيقول: اللهم! اغفر لِحَيِّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير. اللهم! من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه عليهما. اللهم! اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وأفسح له في قبره ونور له فيه. وإن كان صبياً قال: اللهم! اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً. اللهم! ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم. ويقف بعد الرابعة قليلاً. ويسلم تسليمة (١) واحدة عن يمينه. ويرفع يديه مع كل تكبيرة). أما كون المصلي على الميت يكبر عليه أربعاً فـ «لأن النبي ﷺ كبّر على النجاشي أربعاً» (٢) متفق عليه. و«صلى على قبر امرأة دفنت ليلاً فكبر أربعاً» (٣). و«كبر على ابنه إبراهيم أربعاً، وكبر على البراء بن معرور أربعاً، وعلى ابن بيضاء أربعاً». فإن قيل: فقد روى زيد بن أرقم «أن النبي ﷺ كبر خمساً» (٤).

стр. 617

وروى عبدالله بن مسعود «كبر رسول الله ﷺ أربعاً وخمساً وسبعاً فكبروا ما كبر الإمام» (١). قيل: إنما اختار إمامنا أحمد الأربع لوجوه ثلاثة: أحدها: أن رواة ذلك أكثر. الثاني: أنه آخر الأمرين فكان ناسخاً لما تقدم. الثالث: أن عمل الصحابة وإجماعهم عليه: أما العمل فـ «لأن أبا بكر كبر على رسول الله ﷺ أربعاً، وكبر عمر ﵁ على أبي بكر أربعاً، وكبر صهيب على عمر أربعاً، وكبر الحسن على علي أربعاً» (٢). وأما الإجماع فروى النخعي قال: اختلف أصحاب رسول الله ﷺ بعد موته في التكبير على الجنائز: فقال قوم: ثلاثاً، وقوم أربعاً، وقوم خمساً، وقوم سبعاً. فجمع عمر الصحابة رضوان الله عليهم فأجمعوا على أنه يكبر عليه أربعاً. وأما كونه يقرأ في الأولى ويصلي على النبي ﷺ في الثانية ويدعو للميت في الثالثة فلما روي عن مجاهد قال: «سألت ثمانية عشر من أصحاب النبي ﷺ عن الصلاة على الجنازة فكلهم يقول: كبر ثم اقرأ ثم كبر ثم صل على النبي ﷺ ثم كبر ثم ادع للميت ثم كبر».

стр. 618

وأما كونه يقرأ بالفاتحة فلما روى جابر «أن النبي ﷺ كبر على الجنازة وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن» (١). فإن قيل: ما صفة الصلاة على النبي ﷺ ؟ قيل: كصفتها في التشهد لأن النبي ﷺ علمهم تلك الصفة حين سألوه عن صفة الصلاة عليه (٢). وإن أتى بالصلاة على غير تلك الصفة أجزأ لأن القصد مطلق الصلاة. وأما كونه يقول في الدعاء للميت كما ذكره المصنف ﵀: أما في حق غير الصبي فلأن ذلك مروي عن النبي ﷺ . أما قوله: اللهم! اغفر لِحَيِّنا إلى ... وأنثانا فرواه أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: اللهم! اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا» (٣) حديث صحيح. وأما قوله: اللهم! من أحييته منا ... إلى فتوفه عليهما فروى أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه وزاد فيه: «اللهم! من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام» (٤) رواه الترمذي وأبو داود.

стр. 619

وأما قوله: اللهم! اغفر له ... إلى عذاب النار فرواه عوف بن مالك قال: «صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم! اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه. وأكرم نُزلَه وأوسع مُدخلَه واغسله بالماء والثلج والبرد. ونقِّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس. وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه. وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار. حتى تمنيت أن يكون أنا ذلك الميت» (١) رواه مسلم. وأما في حق الصبي فلأن النبي ﷺ قال: «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (٢) رواه أبو داود. ولأنه لا ذنب له فلم يحتج إلى الاستغفار. والقول المذكور من: اللهم! اجعله ذخراً لوالديه إلى وقه عذاب الجحيم لائق بحاله مناسب لما هو فيه فشرع ذكره مكان الاستغفار كالاستغفار في حق البالغ. والجامع بينهما مناسبة كل واحد منهما حال الميت والدعاء له بما يليق بحاله. وأما كونه يقف بعد الرابعة قليلاً فلأن زيد بن أرقم روى «أن النبي ﷺ كان يكبر أربعاً. ثم يقف ما شاء الله فكنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف» رواه الجوزجاني. وكلام المصنف ﵀ مشعر بأنه لا يشرع بعد الرابعة ذكر. وصرح به في المغني عن الإمام أحمد. وظاهر الحديث المذكور يدل عليه. وحكى المصنف ﵀ في المغني أيضاً عن الإمام أحمد ﵀ رواية أخرى أنه يدعو لأنه يُروى عن عبدالله بن أبي أوفى «أنه صلى على ابنةٍ له فكبر أربعاً. ووقف بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو. ثم قال: هكذا صنع رسول الله ﷺ » (٣) رواه الإمام أحمد.

стр. 620

ولأنه قيام في صلاة فكان فيه ذكر مشروع كالذي قبله. وصفته: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قاله أبو الخطاب؛ لأنه لائق بالمحل. وأما كونه يسلم تسليمة واحدة فلما روى عطاء بن السائب «أن النبي ﷺ سلم على الجنازة تسليمة واحدة (١») (٢). رواه الجوزجاني. وروى أبو هريرة «أنه ﷺ صلى على جنازة فكبر أربعاً وسلم تسليمة واحدة» (٣) رواه الدارقطني. ولأنه تسليم من غير تشهد فلم يسن فيه التكرار كالتسليم على المسلم في غير الصلاة. وقال القاضي: الواحدة جائزة. والأفضل اثنتان لما فيه من الخروج من الخلاف. والأول أصح وأحسن لأن الأخبار في ذلك صحيحة فاتباعها والاقتداء بالسلف الصالح أولى. وأما التسليمة الواحدة عن يمينه فلما روى ابن مسعود «أن النبي ﷺ صلى على جنازة فسلم عن يمينه» رواه الإمام أحمد. وأما كونه يرفع يديه مع كل تكبيرة فـ «لأن عمر ﵁ كان يرفع يديه في تكبير الجنازة والعيد» (٤). ولأن تكبير الجنازة تكبير لا يتصل طرفه بسجود ولا بقعود فسن فيه الرفع كتكبيرة الإحرام.

стр. 621

قال: (والواجب من ذلك القيام والتكبيرات والفاتحة والصلاة على النبي ﷺ وأدنى دعاء للميت والسلام). أما كون الواجب مما تقدم ذكره ما ذكره المصنف ﵀ هنا: أما التكبيرات فلما تقدم من قول النبي ﷺ وفعله وإجماع الصحابة على ما ذكر في موضعه مبيناً. وأما الفاتحة فلما روت أم شريك قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بأم الكتاب» (١) رواه ابن ماجة. و«لأن النبي ﷺ قرأها في الأولى» (٢) وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). ولأن صلاة الجنازة صلاة فلم يكن بد من قراءة الفاتحة فيها كالصلاة. وأما الصلاة على النبي ﷺ فلقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه» (٤). وأما الدعاء فلأن النبي ﷺ قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» (٥) رواه أبو داود. و«لأنه دعا له حين صلى عليه» (٦). وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧). [ولأن الدعاء هو المقصود. فلا يجوز الإخلال به. وأما وجوب السلام؛ فلقوله ﷺ : «تحليلها التسليم» (٨)] (٩).

стр. 622

ولم يذكر المصنف ﵀ النية ولا القيام وهما واجبان وفاقاً: أما النية فلقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» (١). ولقوله ﵇: «لا عمل إلا بالنية» (٢). وأما القيام؛ فلأنها فرض كفاية فيجب فيها القيام كالفريضة. ولقوله ﵇: «صل قائماً» (٣). ولأنه ﷺ «كان يصلي على الجنازة قائماً» (٤). وإنما لم يذكرهما المصنف ﵀ هنا لظهورهما وقصد الاختصار. ولذلك صرح بهما في المغني. وقد ألحق القيامَ بعضُ من أذن له المصنف ﵀ في الإصلاح.

стр. 623

قال: (وإن كبر الإمام خمساً كبر بتكبيره. وعنه لا يتابع في زيادة على أربع. وعنه يتابع إلى سبع. ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته. وقال الخرقي: يقضيه متتابعاً فإن سلم ولم يقضه فعلى روايتين). أما كون المأموم يكبر بتكبير إمامه إذا كبر خمساً على روايةٍ فلأن زيد بن أرقم روى «أن النبي ﷺ كان يكبرها» (١). ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم ما فارقوه. وأما كونه لا يتابع في زيادة على أربع على روايةٍ فلما تقدم من إجماع الصحابة على الأربع (٢). ولأن آخر أمري رسول الله ﷺ الأربع. والعمل بالآخر متعين. وأما كونه يتابع إلى سبع على روايةٍ فـ «لأنه روي عن النبي ﷺ أنه كبر سبعاً» (٣). ولا يختلف المذهب أنه لا يتابعه فيما زاد على سبع لأن السنة لم ترد بالزيادة عليها. ولا أنه يُسلم قبل إمامه إذا قلنا لا يتابع إمَامه فيما زاد على الواجب بل يقف حتى يسلم معه لأنها زيادة قول مختلف فيه فلم يجز له مفارقة إمامه إذا اشتغل به كالقنوت في الصبح. فإن قيل: ما الصحيح من الروايات المذكورة؟ قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ أنه يتابع إلى خمس لما تقدم من تكبير زيد بن أرقم على الجنازة خمساً، وقوله: «كان رسول الله ﷺ يكبرها» (٤) لأنه لا تعارض

стр. 624

بينه وبين ما ورد في تكبير الأربع لأن الجمع ممكن وهو أن فعل الأربع على وجهٍ المداومة يدل على الفضيلة وفعل الخمس يدل على الجواز وإذا ثبت جوازه وجب متابعة الإمام فيه. وإنما لم يتابعه إلى سبع لأن فعل النبي ﷺ ذلك لم يثبت ثبوته في الأربع (١). وقال ابن عقيل: المختار أنه لا يتابع فيما زاد على الأربع لأن إجماع الصحابة ناسخ لما تقدم. فلم يكن فعل الزائد على الأربع مشروعاً. وإذا لم يكن مشروعاً لم يتابعه فيه كما لو قنت الإمام في الركعة الأولى. ولذلك قال مالك ﵁: «قف حيث وقفت السنة». وأما كون من فاته شيء من التكبير يقضي ما فاته على صفته على المذهب فلقوله ﵇: «وما فاتكم فاقضوا» (٢). ولأن القضاء يحكي الأداء. والمراد بالقضاء على الصفة القضاء بالتكبير والذكر المشروع في محله. وأما كونه يقضي ذلك متتابعاً على قول الخرقي فلأنه ربما رُفِع الميت فتكون صلاة في حالة لا تكون فيها جنازة. وأما كونه إذا سلم ولم يقض ما فاته تصح صلاته على روايةٍ فلما روت عائشة ﵂ قالت: «يا رسول الله! إني أصلي على الجنازة ويخفى عليّ بعض التكبير. فقال النبي ﷺ : ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاء عليك». ولأنها تكبيرات متوالية حال القيام فلم يجب قضاء ما فات منها كتكبيرات العيد. وأما كونها لا تصح على روايةٍ فقياساً على سائر الصلوات.

стр. 625

قال: (ومن فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إلى شهر. ويصلى على الغائب بالنية. فإن كان في أحد جانبي البلد لم يصل عليه بالنية في أصح الوجهين). أما كون من فاتته الصلاة على الجنازة يصلي على القبر فلما روي «أن النبي ﷺ مر على قبر منبوذ فأمَّهم وصلوا خلفه. قال الشعبي: قلت لمن أخبرني: من حدثك بهذا؟ قال: ابن عباس» (١) رواه البخاري. وروى سهل بن حنيف «أن النبي ﷺ صلى على قبرِ مسكينة دفنت ليلاً» (٢). وأما كونه يصلي على القبر إلى شهر فلأن أكثر ما نقل عن النبي ﷺ «أنه صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد ما دفنت بشهر» (٣) رواه الترمذي. قال ابن عقيل: ليس في هذا الحديث دليل على أنه لا يصلي بعد شهر لأن ذلك وقع اتفاقاً. ولعله لو قدم بعد شهر كان يصلي. ويمكن أن يجاب عنه بأن الجواز يعتمد دليلاً وُجد في الشهر فما دون فيبقى فيما عداه على الأصل. وأما كون الغائب يصلى عليه بالنية فـ «لأن النبي ﷺ صلى على النجاشي» (٤) رواه مسلم. وأما كونه لا يصلي عليه إذا كان في أحد جانبي البلد في وجهٍ فلأنه بُعْدٌ لا يمنع الحضور أشبه ما لو صلى في بيته على جنازة في المسجد. وهذا الوجه لأبي حفص البرمكي. وأما كونه يصلي عليه في وجهٍ فلأن أحد جانبي البلد فيه بُعْدٌ تلحق به المشقة أشبه البلد الآخر. وهذا الوجه لابن حامد.

стр. 626

قال: (ولا يصلي الإمام على الغالّ ولا من قتل نفسه). أما كون الإمام لا يصلي على الغالّ فـ «لأن رجلاً توفي يوم خيبر. فذكر ذلك للنبي ﷺ . فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه القوم. فقال: إن صاحبكم غل من الغنيمة» (١) رواه الإمام أحمد. واحتج به. فإن قيل: ما الغال؟ قيل: هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها. وأما كونه لا يصلي على من قتل نفسه فلما روى جابر بن سمرة قال: «أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» (٢) رواه مسلم. وفي لفظ: «أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فلا أصلي عليه» (٣) رواه النسائي. فإن قيل: ما المشاقص؟ قيل: جمع مشقص. وهو سهم له نصل عريض وليس بالطويل. قاله أبو عبيد. وقال الجوهري: هو من النصال ما طال وعرض. قال: (فإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه. وعنه لا يصلى على الجوارح). أما كون ما وجد من الميت يغسل ويصلى عليه على المذهب فـ «لأن رجلاً من المشركين كان لا يميل على جانب من المسلمين إلا كسره فتحامل المسلمون عليه

стр. 627

فظفروا به فوجدوا معه خُرجاً فيه رؤوس المسلمين فأمرهم أبو عبيدة بن الجراح ﵁ بتغسيلها وتكفينها والصلاة عليها» (١). و«صلى عمر ﵁ على عظامٍ بالشام» (٢). وأما كون الجوارح لا يصلى عليها على روايةٍ فلأن يد الحي لو قطعت في حياته لم يصل عليها فكذلك جوارح الميت. قال: (فإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلى على الجميع ينوي من يصلى عليه). أما كون المصلي يصلي على الجميع فلأن الصلاة على المسلم واجبة ولا يمكنه الخروج من العهدة إلا بذلك. وأما كونه ينوي من يُصلى عليه. ومعناه: أن ينوي الصلاة على المسلمين من ذلك الجميع فلأن الصلاة على الكافر لا تجوز فلم يكن بد من نية من يصلى عليه. قال: (ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد. وإن لم يحضره غير النساء صلين عليه). أما كون الصلاة على الميت في المسجد لا بأس بها فلقول عائشة ﵂: «ما صلى رسول الله ﷺ على ابن بيضاء إلا في المسجد» (٣) رواه مسلم. وروي «[أن] (٤) أبا بكر وعمر ﵄ صلي عليهما في المسجد» (٥) رواه سعيد.

стр. 628

وكان ذلك بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً. ولأنها صلاة فلم تكره في المسجد كسائر الصلوات. وأما كون من لم يحضره غير النساء صلين عليه فلأن الصلاة على الميت فرض كفاية. وذلك لا يسقط بغير فعل أحد. ولا أحد موجود غير النساء فتعين فعله ضرورة الخروج عن عهدة الفرض.

стр. 629

فصل في حمل الميت ودفنه قال المصنف ﵀: (يستحب التربيع في حمله. وهو: أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى. ثم ينتقل إلى المؤخرة. ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى. ثم ينتقل إلى المؤخرة. وإن حمل بين العمودين فحسن). أما كون التربيع في حمل الميت يستحب؛ فلقول ابن مسعود ﵁: «إذا تبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع ثم ليتطوع بعد أو ليذر فإنه من السنة» (١) رواه ابن ماجة وسعيد بن منصور في سننه. وروى ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: «من تبع جنازة فأخذ بجوانبها الأربع غفر الله له أربعين ذنباً كل ذنب منها كبيرة» (٢). وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يضع ... إلى قوله: المؤخرة الآخرة؛ فبيان لصفة التربيع. وفيها روايتان: إحداهما: أنه كما ذكره هنا. وعلله في المغني بأنه أحد الجانبين فبدئ فيه بالمقدمة كالآخر. وثانيهما: أنه ينتقل من الرجل إلى الرجل ثم يختم بالرأس لأن ابن عمر كذا كان يفعل. فروى النجاد بإسناده «كان ابن عمر يحمل الجنازة من قبل ميامنها: يبدأ باليد. ثم بالرجل. ثم بالرجل الأخرى. ثم باليد» (٣).

стр. 630

وأما كون حمله بين العمودين حسناً؛ فـ «لأن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين». [و «حمل سعد بن أبي وقاص عبدالرحمن بن عوف بين العمودين» (١). و«حمل عثمان سرير أمه بين العمودين] (٢) فلم يفارقه حتى وضع». و«حمل أبو هريرة سرير ابن أبي وقاص بين العمودين». و«حمل ابن عمر عبدالرحمن بن أبي بكر بين العمودين» (٣). فإن قيل: أيهما أفضل؟ قيل: التربيع لأن دليله قول معتضد بقول ابن مسعود وفعل ابن عمر فكان أولى من غيره. ولأن الفعل المذكور يمكن حمله على الجواز والتربيع على الفضيلة لأنه مصرح فيه بالثواب الجزيل وذلك دليل الرجحان.

стр. 631

قال: (ويستحب الإسراع بها. ويكون المشاة أمامها، والركبان خلفها. ولا يجلس من تبعها حتى توضع. وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها). أما كون الإسراع بالجنازة يستحب فلقوله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة، [فإن تك صالحة] (١) فخيرٌ تُقدمونها إليه. وإن يكن غير ذلك، فشرٌ تَضعونَه عن رِقابكم» (٢) متفق عليه. وأما كون المشاة أمامها فلما روى ابن عمر ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» (٣) رواه الإمام أحمد [وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة] (٤). وأما كون الركبان خلفها فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: «الراكب خلف الجنازة ... مختصر» (٥) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ولأن سير الراكب أمامها يؤذي مُتّبعي الجنازة لأنه موضع المشاة. فإن قيل: قوله ﵇: «والماشي حيث شاء منها» (٦) مشكل لأنه إن حُمل على الجواز لزم أن يكون الراكب لا يجوز له ذلك لأنه ﵇ فرق بينهما حيث قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها»، وإن حُمل على الفضيلة لزم المساواة بين أمَام الجنازة وخلفها للماشي.

стр. 632

قيل: يندفع ذلك بأن يحمل على الجواز الخالي عن الكراهة. وذلك لأن الماشي يجوز له المشي كيف شاء من غير كراهة. وأما الراكب فيتجه أن يقال يجوز له ذلك لكنه يكره له أن يكون أمامها لما فيه من إيذاء المشاة بدابته. وأما كون من تبعها لا يجلس حتى توضع فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع» (١) رواه البخاري. وأما كون الجالس إذا جاءت لا يقوم لها فلقول علي ﵁: «قام رسول الله ﷺ ثم قعد» (٢) رواه مسلم. وهذا ناسخ لما روى مسلم: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه» (٣). قال: (ويُدخل قبره من عند رجل القبر إن كان أسهل عليهم. ولا يسجى القبر إلا أن يكون لامرأة). أما كون الميت يدخل قبره من عند رجل القبر إن كان يَسهل على من يدخله فـ «لأن النبي ﷺ سُل من قبل رأسه» (٤). وإنما يسل من قبل رأسه إذا كان قد أدخل من رجل القبر. فإن قيل: لم اشترط المصنف ﵀ السهولة؟ قيل: لأن في ضدها مشقة وضرراً وذلك منفي شرعاً. وأما كون القبر لا يسجى إلا أن يكون لامرأة فلما روي عن علي ﵁: «أنه مر بقوم دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب فجذبه. وقال: إنما يصنع هذا بالنساء» (٥).

стр. 633

قال: (ويلحد له لحداً. وينصب عليه اللبن نصباً. ولا يدخله خشباً، ولا شيئاً مسته النار). أما كون اللاحد للميت يلحد له لحداً وينصب عليه اللبن نصباً فلقول سعد بن أبي وقاص: «الحدوا لي لحداً وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ » (١) رواه مسلم. ولقوله ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا» (٢) رواه أبو داود. ومعنى اللحد: أنه إذا بلغ الحافر أرض القبر [حفر فيه مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت. ومعنى الشق: أن يحفر في أرض القبر] (٣) شيئاً يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء. وأما كونه لا يُدخل القبر خشباً ولا شيئاً مسته النار فلأن إبراهيم قال: «كانوا يستحبون اللَّبِن ويكرهون الخشب والآجر» (٤). قال: (ويقول الذي يدخله (٥): بسم الله وعلى ملة رسول الله. ويضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة). أما كون من يُدخل الميت قبره يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله فلما روى ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله» (٦).

стр. 634

ويروى: «على سنة رسول الله» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأما كونه يضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فلأن النبي ﷺ هكذا دُفن. وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: «إذا جعلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض». قال: (ويحثو التراب في القبر ثلاث حثيات. ويهال عليه التراب. ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً). أما كون من حضر الدفن يحثو التراب في القبر ثلاثاً فلما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ «أنه حثى ثلاث حثيات بيديه جميعاً على الميت» (٢) رواه الشافعي في مسنده. و«لأن علياً ﵁ حثى على زيد بن المكفف ثلاثاً، وابن عباس حثى على زيد بن ثابت ثلاثاً» (٣). وينبغي أن يقول عند الأولى: ﴿منها خلقناكم﴾. وعند الثانية: ﴿وفيها نعيدكم﴾. وعند الثالثة: ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥]. وأما كون الميت يهال عليه التراب فلأن النبي ﷺ فُعل به كذلك قالت عائشة ﵂: «ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي» (٤) رواه الإمام أحمد.

стр. 635

وقالت فاطمة ﵂: «كيف طابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب» (١) رواه البخاري. وأما كون القبر يرفع عن الأرض قدر شبر فلما روى الساجي «أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض [قدر شبر] (٢») (٣). ولأن بذلك يعلم أنه قبر فيتوقى ويُترحم عليه. وأما كونه مسنماً فلما روى سفيان التمار «أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً» (٤) رواه البخاري. ولأن المسطح يشبه أبنية أهل الدنيا. قال: (ويرش عليه الماء. ولا بأس بتطيينه. ويكره تجصيصه، والبناء، والكتابة عليه، والجلوس والوطء عليه، والاتكاء إليه). أما كون القبر يرش عليه الماء فلما روى أبو رافع «أن رسول الله ﷺ سَلَّ سعداً ورش على قبره ماء» (٥) رواه ابن ماجة. ولأن الماء يُلبدُه. وأما كونه لا بأس بتطيينه فلما روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض قدر شبر، وطين بطين أحمر من العرصة» (٦).
следующие страницы →