← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ونقل المصنف ﵀ في المغني الجديد: أن الرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم. فعلى هذا يكون النصاب ثلثمائة رطل واثنين وأربعين رطلاً وستة أسباع رطل. قال: (وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر. وقال القاضي: لا يضم. ولا يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب. وعنه: أن الحبوب يضم بعضها إلى بعض. وعنه: تضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض). أما كون ثمرة العام الواحد يضم بعض أنواعها إلى بعض مثل: أن يكون في ملكه ثمر مختلف الأنواع كالبرني والمعقلي وما أشبه ذلك فلأن ذلك جنس واحد فضم إلى نوعه كالبخاتي والعراب والمعز والضأن. فإن قيل: كلام المصنف عام في ثمرة العام فلم حمل على النوع؟ قيل: لأن فيه جمعاً بينه وبين قوله بعدُ: ولا يضم جنس إلى آخر. وأما كون النخل الذي يحمل في السنة حملين يضم أحدهما إلى الآخر على غير قول القاضي ولأنهما ثمرة عام واحد أشبهتا ثمرة الشجرتين. وأما كونه لا يضم على قوله فلأنهما حملان أشبها حمل العامين. وأما الجنس الواحد فإن كان من الثمر لم يضم جنس إلى غيره كما لا يضم الإبل إلى البقر، فإن كان من الحبوب ففيه ثلاث روايات: إحداهن: لا يضم جنس إلى غيره لما تقدم في الثمر. والثانية: يضم لأن ذلك يتفق في قدر النصاب والمخرج والمنبت والحصاد أشبه أنواع الجنس. والرواية الثالثة: تضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض لأن ذلك تتقارب منفعته. أشبه نوعي الجنس. والأول أصح عند المصنف لأن دليل الروايتين الأخيرتين ينتقض بالتمر والزبيب فإنه لا يضم أحدهما إلى الآخر مع أن فيهما جميع ما ذكر. وقال القاضي: الصحيح أن الحنطة تضم إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض. وهي التي ذكرها الخرقي.

стр. 702

قال: (الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة، ولا تجب فيما يكتسبه اللقاط أو يأخذه بحصاده، ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزعبل وبزر قطونا ونحوه. وقال القاضي: فيه الزكاة إذا ثبت في أرضه). أما كون الشرط الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً لمن تجب عليه الزكاة وقت الوجوب فلأن ذلك شرط في كل مال تجب الزكاة فيه. وأما كون الزكاة لا تجب فيما ذكر من الصور على قول غير القاضي فلأن ذلك إنما يملك بحيازته وأخذه، والزكاة إنما تجب في الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها وفي تلك الحال لم يكن ملكاً له فلم تجب فيه زكاة كما لو اتهبه. وأما كونها تجب على قول القاضي فلاجتماع الأوصاف من كونه حباً مكيلاً مدخراً. وأما قوله: "إذا ثبت في أرضه" فشرط لوجوب الزكاة فيما ذكر على قول القاضي لأن ذلك حينئذ يساوي الحبوب التي تجب فيها الزكاة بخلاف ما لم يثبت في أرضه.

стр. 703

فصل [في الخارج من الأرض] قال المصنف ﵀: (ويجب العشر فيما سقي بغير [مؤونة] (١) كالغيث والسيوح وما يشرب بعروقه، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح. فإن سقي نصف السنة بهذا ونصفها بهذا ففيه ثلاثة أرباع العشر، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما. نص عليه. وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط فإن جهل المقدار وجب العشر). أما كون العشر يجب فيما سقي بغير مؤونة، ونصفه فيما سقي بكلفة فلما تقدم من قوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (٢) رواه البخاري. وروي عن معاذ قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي بعلاً العشر، وما سقي بدالية نصف العشر» (٣). وأما قول المصنف ﵀: أولاً بغير مؤونة وآخراً بكلفة؛ فتنبيه على علة اختلاف الواجب. وأما قوله: كالغيث والسيوح فتمثيل لمياه يسقى بها لا مؤونة فيها، وتصريح بأن ذلك كله مما يجب العشر فيما سقي به. والمراد بالغيث الماء النازل من السماء، وبالسيوح: الذي يجري على الأرض والعيون، وبما يشرب بعروقه ما على الجداول والماذينات وما أشبه ذلك. وذلك كله داخل فيما تقدم من الحديث لأن قوله ﵇: «فيما سقت السماء» (٤) يشمل الغيث، وقوله: «والعيون» يشمل السيوح،

стр. 704

وقوله: «عثرياً» يشمل السيوح أيضاً على قول ابن قتيبة لأنه قال: العثري هو الذي يأتي بماء السماء إليه وسمي عثرياً لأنهم يجعلون في مجرى الماء عاثوراً فإذا صدمه الماء تراد فدخل تلك المجاري فتسقيه. والغيث على قول أبي عبيد لأنه قال: هو ما سقته السماء، وقوله: أو سقي بعلاً ما يشرب بعروقه لأن أبا عبيد قال: البعل ما يشرب بعروقه من غير سقي. وأما الكلفة فالمراد بها المؤونة التي يحتاج إليها من دالية أو دولاب أو ناعورة أو سانية وهي الإبل أو نحو ذلك. وأما كون ما سقي نصف السنة بغير مؤونة ونصفها بكلفة فيه ثلاثة أرباع العشر فلأنه لو سقي كل السنة سيحاً وجب العشر، ولو سقي كلها بمؤونة وجب نصف العشر فيجب إذا سقي النصف والنصف نصف العشر ونصف نصفه وذلك ثلاثة أرباع. وأما كون ما سقي بأحدهما أكثر من الآخر يعتبر على المنصوص فلأن العبرة بالأكثر في كثير من الأحكام فكذلك هنا. ولأن اعتبار عدد مرات السقي وقدر ما يشرب في كل سقية يشق فاعتبر الأكثر دفعاً للمشقة. وأما كونه يؤخذ بالقسط على قول ابن حامد فلأنه قد اعتبر ذلك فيما إذا كان نصفين فليكن هاهنا كذلك. وأما كون ما جهل المقدار فيه يجب فيه العشر فلأنه يحتمل أنه سقي أكثر السنة بغير كلفة فيجب العشر، ويحتمل أنه سقي أقل فيجب نصفه فوجب العشر لأنه خروج من عهدة الواجب بيقين. قال: (وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة وجبت الزكاة، فإن قطعها قبله فلا زكاة فيها إلا أن يقطعها فراراً من الزكاة فتجب فتلزمه. ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في الجرين فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت الزكاة سواء كانت قد خرصت أو لم تخرص. وإذا ادعى تلفها قُبِل قوله بغير يمين). أما كون الزكاة تجب إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة فلأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات به أشبه اليابس.

стр. 705

وأما كون الثمرة إذا قطعت قبل صلاحها لا على وجه الفرار لا زكاة فيها فلأنه تصرف فيها قبل تعلق الوجوب بها أشبه ما لو تلفت الماشية قبل تمام الحول. وأما كونها إذا قطعت فراراً من الزكاة تلزم قاطعها فلما فيه من معارضته بنقيض قصده أشبه القاتل والمطلق ثلاثاً في مرض موته. وأما كون وجوب الزكاة لا يستقر إلا بجعل الثمرة في الجرين فلأنها قبل ذلك في حكم ما لم تثبت اليد عليه، بدليل ما لو كانت مبيعة فتلفت بجائحة فإن للمشتري أن يرجع على البائع. وأما كون الزكاة تسقط بالتلف قبل جعل الثمرة في الجرين فلأن الزكاة لم تستقر أشبه ما لو لم تتعلق به الزكاة البتة. وأما كون قول المصنف ﵀: بغير تعد؛ فمشعر بأنه لو تعدى فيها ضمن نصيب الفقراء. وصرح به في الكافي لأن المتعدي يعد مفرطاً فوجب عليه الضمان كالمتعدي في الوديعة. وأما كون ما ذكر كذلك سواء أخرصت الثمرة أو لم تخرص فلأن الخرص لا يوجب وإنما فعل للتمكين من التصرف فوجب سقوط الزكاة مع وجوده كعدمه. وأما كون من ادعى تلفها يقبل قوله بغير يمين فلأن الزكاة خالص حق لله تعالى فلا يستحلف فيه كالحد. قال: (ويجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابساً، فإن احتيج إلى قطعه قبل كماله لضعف الأصل ونحوه أو كان رطباً لا يجيء منه تمر، أو عنباً لا يجيء منه زبيب أخرج منه عنباً ورطباً. وقال القاضي: يخير الساعي بين قسمه مع رب المال قبل الجذاذ وبعده وبين بيعه منه أو من غيره. والمنصوص أنه لا يخرج إلا يابساً وأنه لا يجوز له شراء زكاته). أما كون إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابساً إذا لم يحتج إلى قطعه وكان يجيء من رطبه تمر ومن عنبه زبيب يجب فلما روى عتاب قال: «أمر رسول الله ﷺ أن يخرص

стр. 706

العنب فتؤخذ زكاته زبيباً كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته تمراً» (١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ولا يسمى زبيباً وتمراً حقيقة إلا اليابس وإذا ثبت هذا في التمر والزبيب ثبت في غيرهما لاشتراك الكل في المعنى. ولأن حالة اليباس حالة الكمال. وأما كون ما يحتاج إلى قطع ثمره قبل كماله لكون الأصل ضعيفاً أو لكونه لا يصلح للتجفيف كالتمر الجاستوي والبرنتا والعنب الحمري يخرج منه رطباً وعنباً فلأن العشر وجب مواساة ولا مواساة في إلزامه شراء ما ليس في ملكه. وفي جواز إخراج ذلك رطباً وعنباً إشعار بجواز قطعه لذلك لأنه لا يتمكن من الإخراج إلا به. ولأن عليه ضرراً في إبقائه فلا يكلف ما يهلك أصل المال. ولأن حفظ الأصل أحظ للفقراء من حفظ الثمرة لتكرر حقهم فيها. وأما كون الساعي يخير بين قسمه مع رب المال قبل الجذاذ وبعده على قول القاضي فلأن الثمرة عين حقهم فجاز لمن يليه قسمه كولي اليتيم فإنه يجوز له قسمه ثمار موليه مع شريكه. وأما كونه يخير بين بيعه من رب المال أو من غيره: أما من رب المال فلأنه يبذل فيها عوض مثلها أشبه الأجنبي. وأما من غيره فلا إشكال فيه لأن التقدير أنها لا تجفف فلو لم يجز بيعها لأدى إلى تلفها إذا لم يجد من يدفعها إليه في الحال. وأما كون من عليه ذلك لا يخرج إلا يابساً على المنصوص فلما تقدم في الذي يمكن تجفيفه. وأما كونه لا يجوز له شراء زكاته على ذلك فلأن النبي ﷺ قال لعمر: «لا تَعُدْ في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم» (٢).

стр. 707

قال: (وينبغي أن يبعث الإمام ساعياً إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه عليهم ليتصرفوا فيه. فإن كان أنواعاً خرص كل نوع وحده وإن كان نوعاً واحداً فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة). أما كون الإمام (١) ينبغي أن يبعث ساعياً إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه؛ فلما روت عائشة «أن النبي ﷺ كان يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه» (٢). ولما تقدم من حديث عتاب «أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل ... الحديث» (٣) رواهما أبو داود. ويجزئ خارص واحد لحديث عائشة. ولأنه يفعل ما يؤدي اجتهاده إليه فجاز أن يكون واحداً كالحاكم. ويشترط أن يكون مسلماً لأن الكافر لا يؤمن على أمر ديني، أميناً لأنه يقبل قوله فيما يخبر فاعتبرت أمانته كالشهادة، ذا خبرة لئلا يجور على المالك والفقراء. وهذا الخرص مختص بالعنب والرطب لدلالة حديثي عائشة وعتاب على خرصهما ودعوى لحاجة إلى أكلهما رطبين مع أن خرصهما ممكن لظهور ثمرتهما واجتماعها في أفنانهما وعناقيدهما بخلاف غيرهما فإنه لم يسمع بالخرص فيه ولا هو في معناه لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره مستور بورقه. وأما كونه يخرص كل نوع وحده إن كان أنواعاً فلأنه أقرب إلى العدل وعدم الجور لأن الأنواع تختلف في الكثرة والقلة. وأما كونه يخير في النوع الواحد بين خرصه دفعة أو دفعات فلأن النوع الواحد لا يختلف غالباً، ولما يلحقه من المشقة لو تعين عليه خرص كل شجرة وحدها.

стр. 708

قال: (ويجب أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع، فإن لم يفعل فلرب المال الأكل بقدر ذلك ولا يحسب عليه). أما كون الخارص يجب عليه أن يترك لرب المال الثلث أو الربع فلما روى سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» (١) رواه أبو داود. وعن مكحول قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال: خففوا عن الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة» (٢) رواه أبو عبيد. فإن قيل: ما معنى العرية إلى آخره؟ قيل: العرية النخلات يهب رب المال ثمرتها لإنسان، والواطئة السائلة، والأكلة أرباب الأموال ومن يعلق بهم. وأما كون رب المال له الأكل من الثمر بقدر ذلك وكونه لا يحسب به عليه فـ «لأن النبي ﷺ أمر بترك ذلك له» (٣) ولو لم يجز له أكله لما أذن في تركه وإذا جاز أكله لم يحسب عليه كما لو أذن له في أكل طعام فأكله. قال: (ويؤخذ العشر من كل نوع على حدته، فإن شق ذلك أخذ من الوسط). أما كون العشر يؤخذ من كل نوع على حدته إذا كان ما يؤخذ منه العشر جيداً ورديئاً فلأن أخذ الرديء عن الجيد لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وأخذ الجيد عن الرديء لا يجب لما فيه من الإضرار بالمال وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (٤) رواه أبو داود. وإذا لم يجز أخذ الرديء ولم يجب أخذ الجيد كان الواجب من كل نوع بعضه.

стр. 709

وأما كونه يؤخذ من الوسط إذا شق ذلك فلأن المشقة منتفية شرعاً، وأخذ الرديء إضرار بالفقراء، وأخذ الجيد إضرار بالمال فتعين الوسط لما فيه من التسوية وعدم الجور. قال: (ويجب العشر على المستأجر دون المالك. ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة). أما كون العشر يجب على المستأجر دون المالك فلأن الزرع والثمر له، والعشر يجب على من له ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] فأوجب العشر على من الخارج له وعلى من أبيح له أكله وليس شيء من ذلك للمالك. ولأنه يجب في المال فيجب على مالكه كسائر الأموال. وأما كون العشر والخراج يجتمعان في كل أرض فتحت عنوة فلأن الخراج مؤونة فهو كالأجرة في الإجارة، والمستأجر يجتمع عليه الأجرة والعشر، وكذا الخراج والعشر، وإذا اجتمع ذلك على المستأجر وجب أن يجتمع على المالك لاجتماع النفع بالأرض والثمرة له. ولأنهما حقان يجبان لمستحقين فيجتمعان كالكفارة والقيمة في الصيد المملوك. وأما قول المصنف ﵀: في كل أرض فتحت عنوة؛ فيحترز به عما إذا فتحت صلحاً فإن الأرض المفتوحة صلحاً لا خراج فيها فلا يحصل اجتماع الخراج والعشر. قال: (ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية ولا عشر عليهم. وعنه: عليهم عشران يسقط أحدهما بالإسلام). أما كون أهل الذمة يجوز لهم شراء الأرض العشرية وإن أدى إلى إسقاط الزكاة فبالقياس على شرائهم نصاباً من السائمة. وعن الإمام أحمد: لا يجوز لهم ذلك لما فيه من إسقاط العشر. والفرق بين الأرض والسائمة ظاهر لأن الأرض تراد للدوام غالباً بخلاف السائمة فإنها لا تراد لذلك فلا يلزم من الجواز المؤدي إلى الإسقاط في بعض الزمان الجواز المؤدي إلى الإسقاط في غالب الزمان. فعلى الأول لا عشر عليهم إذا اشتروا لأنهم لم يشتروا ما منعوا منه وهم

стр. 710

ليسوا من أهل العشر فلم يجب عليهم العشر عملاً بالنافي له السالم عن المعارض، وعلى الثاني يؤخذ منهم عشران لأنهم تعرضوا لإسقاط العشر فضوعف عليهم كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير بلدهم فإنه يضاعف عليهم الزكاة ويؤخذ منهم نصف العشر. فإن قيل: ما الأرض العشرية؟ قيل: هي التي للمسلم ولا خراج عليها. قاله صاحب المغني فيه. وقال غيره: هي الأرض التي يجب فيها العشر خراجية كانت أو غير خراجية وهو أظهر.

стр. 711

فصل [في زكاة العسل] قال المصنف ﵀: (وفي العسل العُشر سواء أخذه من موات أو من ملكه. ونصابه عشرة أفراق كل فرق ستون رطلاً). أما كون العسل فيه العشر فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «خذ من العسل العشر» (١). أمر والأمر للوجوب. وفي لفظ: «أن رسول الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها» (٢) رواه أبو عبيد. وروى ابن ماجة عن أبي سيارة المتعي قال: «قلت: يا رسول الله! إن لي نحلاً. قال: أد العشر. قال: قلت: فاحم إذاً جبلها. فحماه له» (٣). وروي: «أن عمر أمر في العسل بالعُشر» (٤) رواه الأثرم. وأما كون نصابه عشرة أفراق فـ «لأن عمر ﵁ قدره بذلك» (٥) رواه الجوزجاني.

стр. 712

فتعين المصير إليه لأنه قول صحابي لا يعرف له مخالف. وأما كون الفرق ستين رطلاً وهو قول ابن حامد فلأن ذلك يروى عن الخليل. وقال القاضي: هو ستة وثلاثون رطلاً لأن ذلك عادة جارية بينهم يتبايعون به كالرطل والأوقية. ونص الإمام أحمد رحمة الله عليه على أنه ستة عشر رطلاً لأن أبا عبيد قال: لا خلاف بين الناس أعلمه أن الفرق ثلاثة آصع. وقد ثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث. وقال المصنف ﵀ في المغني: يحتمل أن يكون نصابه ألف رطل لحديث عمرو بن شعيب «أنه كان يؤخذ في زمان رسول الله ﷺ من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها» (١) والقربة عند الإطلاق مائة رطل بدليل أن القلتين خمس قرب وهما خمسمائة رطل. فإن قيل: الفرق راؤه محركة أو ساكنة؟ قيل: الذي هو ستة عشر رطلاً راؤه محركة. ولذلك قال ثعلب: قل فرق بتحريك الراء ولا تقل فرق بإسكانها، والذي هو ستون رطلاً وهو مكيال ضخم من مكاييل العراق راؤه ساكنة قاله الخليل. وقيل: هما لغتان. فإن قيل: ما الظاهر من الأقوال المتقدم ذكرها؟ قيل: ما نص عليه الإمام من أنه ستة عشر رطلاً لأنه المشهور فينصرف الإطلاق إليه. والمكيال الضخم لا يصح حمله لوجوه: أحدها: أنه غير مشهور في كلامهم. وثانيها: أن نصاب العسل عشرة أفراق وهي جمع فَرَق بالتحريك، وجمع الفرْق بالتسكين فروق. وثالثها: أن حمل قول عمر على الفَرَق بتحريك الراء أولى من حمله على المكيال الذي راؤه ساكنة لأن الظاهر من حاله أنه إنما يريد مكاييل الحجاز لا مكاييل العراق.

стр. 713

فصل [في زكاة المعدن] قال المصنف ﵀: (ومن استخرج من معدن نصاباً من الأثمان أو ما قيمته نصاب من الجواهر والصفر والزئبق والقار والنفط والكحل والزرنيخ وسائر ما يسمى معدناً ففيه الزكاة في الحال ربع العشر من قيمته سواء استخرجه في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينها ترك إهمال). أما كون المستخرج من المعدن فيه الزكاة فلما روى أبو عبيد بإسناده عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن غير واحد من علمائهم «أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيّة قال: فتلك لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» (١). وروى الجوزجاني بإسناده «أن النبي ﷺ أخذ من المعادن القبلية الصدقة» (٢). ولأنه حق يَحْرم على أغنياء ذوي القربى فكانت فيه الزكاة لا الخمس كسائر الزكوات. وأما كونه يشترط أن يكون نصاباً فلأنه مال تجب فيه الزكاة فاشترط فيه النصاب كسائر ما يجب فيه. وأما كون النصاب عشرين مثقالاً من الذهب أو مائتي درهم من الفضة أو قيمة أحدهما من غيرهما فلقوله ﷺ : «ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً» (٣). وقوله ﵇: «ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» (٤) وغيرهما تبع لهما.

стр. 714

وإنما اعتبر النصاب في الأثمان بأعيانهما وفي غيرهما بقيمة أحدهما لأنهما في الناضّ والعروض كذلك فكذلك هاهنا. ولأنهما قيم الأشياء فوجب أن يعتبرا في أنفسهما بهما وفي غيرهما بأحدهما. وأما كون الزكاة في الحال، والمراد به في حال ما يُتناول المستخرج من غير اعتبار حول فلأنه مال يستفاد من الأرض فلم يعتبر له حول كالزروع والثمار. وأما كون المستخرج في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينهما ترك إهمال سواء فلأنه لو اعتبر دفعة واحدة لأدى إلى عدم الوجوب في المعدن لأنه يبعد استخراج نصاب دفعة. وحدّ الإهمال ثلاثة أيام إن لم يكن عذر، وإلا فمقدر بالعذر. فإن قيل: ما المراد بالمعدن؟ قيل: كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة. وقد مثله المصنف ﵀ بما ذكره. وأما كون قدرها ربع العشر فلأن الواجب فيه زكاة لما تقدم، والواجب في الزكاة ربع العشر. وكان الواجب أن يقول المصنف ﵀: ربع العشر من عينه إن كان ذهباً أو فضة أو ربع العشر من قيمته إن كان من غيرهما؛ لأن الواجب في الأثمان من جنسها بخلاف غيرها فإنه لا يجب من جنسها بل يجب في قيمتها كالمملوك من ذلك للتجارة. وإنما اقتصر المصنف ﵀ على قوله: ربع العشر من قيمته إما لأن كون الواجب في الأثمان من جنسه ظاهر، وإما على سبيل التغليب لأنه ذكر الأثمان وأجناساً كثيرة من غيرها فغلب الأكثر. وقد زاد بعض من أجاز المصنف ﵀ له الإصلاح معنى ما تقدم ذكره. قال: (ولا يجوز إخراجها إذا كانت أثماناً إلا بعد السبك والتصفية. ولا زكاة فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه. وعنه: فيه الزكاة). أما كون إخراج زكاة الأثمان قبل السبك والتصفية لا يجوز فلأنه قبل ذلك لا يتحقق أنه أخرج قدر الزكاة فلم يجز إخراجه كعَشْر الحب قبل التصفية.

стр. 715

وأما كون ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه لا زكاة فيه على المذهب فلأنه يروى عن ابن عباس: «ليس في العنبر شيء إنما هو شيء دسره البحر» (١)، وعن (٢) جابر مثله (٣) رواهما أبو عبيد. وروى أبو عبيد أيضاً «أنه كان يخرج في عهد رسول الله ﷺ » فلم تأتنا سنة علمناها عنه ولا عن أحد من الخلفاء بعده من وجه يصح، ونراه مما عفي عنه كما عفي عن صدقة الخيل وإذا ثبت هذا في العنبر فليكن جميع ما يستخرج من البحر مثله لأنه في معناه. وأما كونه فيه الزكاة على روايةٍ فلأنه مستخرج فوجب ذلك كالمستخرج من البَرّ. والأول أصح لما تقدم. والقياس لا يصح لأنه في مقابلة النص.

стр. 716

فصل [في زكاة الركاز] قال المصنف ﵀: (وفي الركاز الخمس، أيّ نوع كان من المال قل أو كثر لأهل الفيء. وعنه: أنه زكاة وباقيه لواجده إن وجده في موات أو أرض لا يعلم مالكها). أما كون الركاز فيه الخمس فلقوله ﵇: «وفي الركاز الخمس» (١). فإن قيل: ما الركاز؟ قيل: هو في اللغة المال المدفون في الأرض فاشتقاقه من ركَز يركُز مثل: غرز يغرز إذا خفي. ومنه: ركزت الرمح إذا أخفيت أسفله. وفي الشرع: هو المال الجاهلي المدفون. وأما كون ذلك في أي نوع كان من الركاز قل أو كثر فلعموم الحديث المذكور. ولأنه مال مخموس فلا يعتبر فيه نصاب كالغنيمة والزرع. والفرق بينه وبين المعدن أن المعدن يحتاج إلى عمل ونوائب فاعتبر فيه النصاب تخفيفاً. وأما كون الخمس لأهل الفيء على المذهب فـ «لأن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة. فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁ فأخذ منها الخمس ودفع إلى الرجل بقيتها. وجعل عمر ﵁ (٢) يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة فقال عمر: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه فقال: خذ هذه فهي لك» (٣) رواه أبو عبيد. ولو كانت زكاة (٤) لخص بها أهلها ولما جاز ردها على الواحد المذكور.

стр. 717

ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكفار أشبه الغنيمة. وأما كونه لأهل الزكاة على روايةٍ فـ «لأن علياً أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين». ولأنه مال مستفاد من الأرض أشبه الزرع والمعدن. وأما كون باقيه لواجده فلما تقدم من فعل عمر (١). وأما قول المصنف ﵀: إن وجده في مَوات أو أرض لا يعلم مالكها؛ فتنبيه على اشتراط أحد الأمرين في ملك الواجد بقية الركاز؛ لأن الأرض إذا لم تكن كذلك تكون مملوكة لمالك معروف فيكون الركاز له إن وجده قولاً واحداً؛ لأن سبب استحقاقه إما الملك وإما الظهور وكلاهما موجود فيه. وإن وجده غيره كان فيه خلاف يذكر بعد إن شاء الله تعالى. وفي اشتراط كونه في ذلك دليل على أنه إن وجده في ذلك كان ملكاً له وهو الصحيح: أما في الأرض الموات فلأنه مباح لا حق لغيره فيه سبق إليه فملكه كما لو صاد منها صيداً أو نحو ذلك، وأما في الأرض التي لا يعلم مالكها فلأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «وما لم يكن في طريق مَأْتِيّ ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس» (٢) رواه النسائي. وفي لفظ: «فإن وجده في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس» (٣). قال: (وإن علم مالكها أو كانت منتقلة إليه فهو له أيضاً. وعنه: أنه لمالكها أو لمن انتقلت عنه إن اعترف به وإلا فهو لأول مالك). أما كون ما وجد في أرض يعلم مالكها لمن وجده على الرواية الأولى فلأن ذلك لا يملك بملك الأرض إذ ليس هو من أجزائها وإنما هو مودع فيها بل بالظهور لأنه يجري مجرى الصيد والكلأ يملكه من ظفر به كالمباحات كلها.

стр. 718

وأما كونه لمالك الأرض على الرواية الثانية فلأن يده عليها فكان ما فيها له كالقماش الذي فيها. والأولى أصح قاله القاضي. وأما كون ما وجده في ملك انتقل إليه كذلك فلما تقدم من العلة. فعلى الأولى لا إشكال، وعلى الثانية يكون لمن انتقلت عنه إن اعترف به لأن الظاهر أنه له وإلا فهو لأول مالك لأنه في ملكه فكان له كحيطانه. قال: (وإن وجده في أرض حربي ملكه، إلا أن لا يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فيكون غنيمة). أما كون من وجد الركاز فيما ذكر يملكه إذا قدر عليه بنفسه فلأن المالك لا حرمة له فكان لواجده كما لو وجده في الموات. وأما كون ما لم يقدر عليه إلا بجماعة غنيمة فلأن قوتهم أوصلته فكان غنيمة كالمأخوذ بالحرب. قال: (والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، عليه علامتهم فإن كان عليه علامة المسلمين أو لم تكن عليه علامة فهو لقطة). أما قول المصنف ﵀: والركاز ما وجد من دفن الجاهلية؛ فبيان لمعنى الركاز شرعاً، وقد تقدم ذكره. وإنما اختص بدفن الجاهلية لأن دفنهم تَقَادم عهده وخفي مكانه فهو أشبه بالركاز اللغوي. والمراد بعلامتهم: أن يكون عليه أسماء ملوكهم وصورهم وصلبانهم ونحو ذلك. وأما كون ما عليه علامة المسلمين لقطة فلأن ذلك ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وأما كون ما لم يكن عليه علامة لقطة فلأن الظاهر أنه دفن مسلم. ولأن الدار دار إسلام فوجب الحكم بكونه لقطة تغليباً لحكم الإسلام.

стр. 719

باب زكاة الأثمان قال المصنف ﵀: (وهي الذهب والفضة. ولا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً فيجب فيه نصف مثقال، ولا في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم). أما قول المصنف ﵀: وهي الذهب والفضة؛ فبيان للمراد بالأثمان من قوله: باب زكاة الأثمان. وأما كون الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ عشرين مثقالاً فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة وليس فيما دون مائتي درهم صدقة» (١) رواه أبو عبيد. وأما كون الفضة لا زكاة فيها حتى تبلغ مائتي درهم فلما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٢). والأوقية أربعون درهماً. وأما كون الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً يجب فيه نصف مثقال فلما روى ابن عمر وعائشة «أن رسول الله ﷺ كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال» (٣) رواه ابن ماجة. وعن علي: «على كل أربعين ديناراً دينار وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار» (٤) رواه الأثرم. ورواه غيره مرفوعاً إلى النبي ﷺ (٥).

стр. 720

أما كون الفضة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها خمسة دراهم فلما روى أنس أن النبي ﷺ قال: «وفي الرقة ربع العشر» (١) متفق عليه. وروى علي عن النبي ﷺ أنه قال: «فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم» (٢). قال: (ولا زكاة في مغشوشهما حتى يبلغ قدر ما فيه نصاباً، فإن شك فيه خير بين سبكه وبين الإخراج). أما كون مغشوش الذهب وهو: ما خلط فيه فضة، ومغشوش الفضة وهو: ما خلط فيه نحاس لا زكاة فيهما حتى يبلغ الذهب الذي في مغشوشه عشرين مثقالاً، والفضة التي في مغشوشها مائتي درهم فلما تقدم من النصوص الدالة على اعتبار النصاب. وأما كون من شك في ذلك يخير بين السبك والإخراج فلأن كل واحد منهما محصل للغرض لخروجه به عن العهدة. فعلى هذا إن سبكه فظهر نصاباً فما زاد أخرج ربع عشره لأن ذلك هو الواجب لما تقدم، وإن ظهر أقل من نصاب لم يجب عليه شيء لأن شرط الوجوب ملك نصاب ولم يوجد. وإن لم يسبكه نظرت فإن شك في بلوغه نصاباً أخرج الزكاة لأن فيه خروجاً عن العهدة بيقين، وإن تيقن عدم بلوغه ذلك فلا شيء عليه لأن الأصل براءة الذمة وهي مستمرة بيقين. وإن تيقن بلوغه النصاب وشك في الزيادة استظهر في الإخراج فإذا احتمل كون الخالص فيه خمسة وعشرين ديناراً [أو عشرين ديناراً كانت خمسة وعشرون ديناراً] (٣) لما في ذلك من حصول البراءة بيقين.

стр. 721

قال: (ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه، فإن أخرج مكسراً أو بهرجاً زاد قدر ما بينهما من الفضل. نص عليه). أما كون الجيد الصحيح يخرج عنه الجيد الصحيح فلأن إخراج ما دون ذلك خبيث فلم يجز لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ولأن الزكاة سبب وجوبها هنا جيد صحيح فوجب أن يكون الواجب هنا (١) كذلك كسائر ما تجب فيه الزكاة. وأما كون من أخرج مكسراً أو بهرجاً وهو المختلط بغيره يزيد قدر الفضل بين المكسر وبين الصحيح وبين البهرج وبين الخالص فلئلا يؤدي إلى إخراج الرديء عن الجيد، وفي إخراج الفضل تنبيه على جواز إخراج الرديء مع وجوب الفضل وهو صحيح صرح به المصنف في المغني وقال: لأنه أخرج من جنس الأصل وإن خالف في الصفة. وقال أبو الخطاب في الانتصار: قياس المذهب أنه لا يجزئه ذلك. وقول أحمد محمول على روايةِ جواز إخراج القيمة. ووجه ما ذهب إليه أبو الخطاب أنه حق الفقراء فلم يجز فيه ذلك كالمراض من السائمة لا يجزئ عن الصحاح منها. قال: (وهل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب أو يخرج أحدهما عن الآخر؟ على روايتين). أما كون الذهب يضم إلى الفضة على روايةٍ فلأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد ومنفعتهما واحدة فإنهما قيم المتلفات وأروش الجنايات، فهما كأنواع الفضة. وقد خص الحديث الآتي في عروض التجارة فكذا محل النزاع. وأما كونه لا يضم على روايةٍ فلقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٢) متفق عليه. ولأنهما مالان يختلف نصابهما فلم يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية.

стр. 722

وهذه أصح لأنها أقوى دليلاً وأصح تعليلاً لما فيها من موافقة الخبر الصحيح. وقياس الجنسين على النوعين لا يصح لافتراقهما في قدر النصاب، والتخصيص على خلاف الأصل. وأما كون أحدهما يخرج عن الآخر على روايةٍ فلما ذكر في الضم. وأما كونه لا يخرج على روايةٍ فلأن جنسهما مختلف فلم يخرج أحدهما عن الآخر كالحب عن التمر والإبل عن البقر. وهذه أصح لأن إخراج أحدهما عن الآخر من باب إخراج القيمة. وقال المصنف ﵀ في المغني: وهو -يعني الإخراج- أصح إن شاء الله تعالى لأن المقصود من أحدهما يحصل، وكما لو أخرج المكسر عن الصحاح. وقيل: اختلاف الروايتين مبني على الضم. فإن قلنا: يضم أجزأ إخراج أحدهما عن الآخر، وإلا فلا. قال: (ويكون الضم بالأجزاء. وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين، وتضم قيمة العروض إلى كل واحد منهما). أما كون ضم الذهب إلى الفضة بالأجزاء على المنصوص عن الإمام أحمد فلأنه لو انفرد لاعتبر بنفسه لا بقيمته فكذلك إذا ضم إلى غيره كالمواشي. ولأن الضم بالأجزاء متيقن بخلاف الضم بالقيمة فإنه ظنّ وتخمين والمتيقن أولى. وأما كونه بالأحظ من الأجزاء والقيمة على قول فلأن كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة ضم بالقيمة كنصاب السرقة. ولأن الأصل الضم لأجل الحظ فكذلك صفته. فإن قيل: من القائل بذلك؟ قيل: أبو الخطاب، وجعله ظاهر كلام الإمام أحمد. فإن قيل: ما مثال الضم بالأجزاء والضم بالقيمة؟ قيل: مثال الضم بالأجزاء أن يكون له عشرة دنانير ومائة درهم فكل واحد نصف نصاب فمجموعهما نصاب، وكذلك لو كان الربع من أحدهما والباقي من الآخر، ونحو ذلك.

стр. 723

ومثال الضم بالقيمة التي فيها حظ للمساكين: أن يكون له تسعة دنانير قيمتها مائة درهم وله مائة أخرى فإذا اعتبرت القيمة بلغ ذلك نصاباً وإن اعتبرت الأجزاء لم يبلغ نصاباً. فعلى نص الإمام أحمد: لا زكاة، وعلى قول أبي الخطاب فيه الزكاة. فإن قيل: لو كان له عشرة دنانير قيمتها تسعون درهماً ومائة درهم فهل يخرج في المسألة خلاف نظراً إلى القيمة تارة وإلى الجزء أخرى؟ قيل: لا. بل تجب الزكاة هنا على القول بالضم وجهاً واحداً لأن الخلاف المذكور ليس مبنياً على القيمة مطلقاً بل على القيمة بشرط كونها أحظ. ولهذا قال المصنف ﵀: وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين. والأجود أنه كان قال: ويكون الضم بالأجزاء، وقيل بالأحظ منها أو من القيمة لأن في ذلك شمولاً لهما. وإذا ثبت أن العبرة إما بالجزء أو بالأحظ ظهر أن الزكاة واجبة في هذه الصورة قولاً واحداً لأن من اعتبر الجزء أوجبها هنا لوجوده، ومن اعتبر الأحظ أوجبها هنا أيضاً ليكون الضم بالجزء أحظ. وأما كون قيمة العروض تضم إلى كل واحد من الذهب والفضة كمن له عشرة دنانير ومتاع قيمته عشرة أخرى، أو له مائة درهم ومتاع قيمته مائة أخرى فلأن الواجب في العروض القيمة، والذهب والفضة قيم الأشياء فكانا مع [القيمة] (١) جنساً واحداً، فإذا اجتمع منهما نصاب زكاة قال الخطابي: لا أعلم عامتهم اختلفوا في ذلك.

стр. 724

فصل [في زكاة الحلي] قال المصنف ﵀: (ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال في ظاهر المذهب. فأما الحلي المحرم والآنية وما أعد للكراء أو النفقة ففيه الزكاة إذا بلغ نصاباً). أما كون الحلي المباح المعد للاستعمال لا زكاة فيه في ظاهر المذهب فلما روى جابر عن النبي ﷺ : «ليس في الحلي زكاة» (١). ولأنه مرصد للاستعمال المباح فلم تجب فيه زكاة كالعوامل وثياب القنية. وأما كونه فيه زكاة في رواية فلعموم قوله: «وفي الرقة ربع العشر» (٢). ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله ﷺ ومعها ابن لها وفي يديها مسكتان من ذهب. فقال لها: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار» (٣) رواه النسائي والترمذي وأبو داود. ولأنه من جنس الأثمان أشبه التبر. وأما كون الأولى ظاهر المذهب فلما تقدم. وحديث عمرو بن شعيب الدال على الوجوب لا يصح. قال أبو عبيد: لا نعلمه يروى إلا من وجه قد تكلم الناس فيه قديماً وحديثاً.

стр. 725

وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء. ويحتمل أنه أراد بالزكاة العارية كما فسره بعض العلماء الحسن وقتادة وغيرهما (١). وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» (٢) قد قيل الرقة: هي الدراهم المضروبة. وقال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المنقوشة ذات السكة. وعلى تقدير التناول يكون مخصوصاً لما ذكرنا من الدليل لأنه خاص. وأما كون الحلي المحرم فيه الزكاة؛ فلأن اتخاذ الذهب والفضة حلياً محرماً فعل محرم فلم يخرج به عن أصله، وأصله فيه الزكاة فكذلك هذا. وأما كون المعد للكراء فيه الزكاة؛ فلأن الكراء إنما حصل في مقابلة الانتفاع فكان فيه الزكاة كمال التجارة بخلاف الإعارة واللبس فإنه لا يحصل منه نماء البتة. وأما كون المعد للنفقة فيه الزكاة؛ فلأن الأصل وجوب الزكاة وهو متمكن من صرفه إلى جهة النماء على وجه مشروع فوجبت فيه الزكاة كمال التجارة. قال: (والاعتبار بوزنه إلا ما كان مباح الصناعة فإن الاعتبار في النصاب بوزنه وفي الإخراج بقيمته). أما كون الاعتبار في المحرم بوزنه نصاباً وإخراجاً فلعموم قوله ﵇: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٣). فإن قيل: القيمة زائدة على الوزن؟ قيل: القيمة عن صنعه محرمة يجب إتلافها فلم يلتفت إليها. وأما كون الاعتبار في نصاب مباح الصناعة بوزنه؛ فلما تقدم. وقال ابن عقيل: يعتبر بالقيمة لأن الصناعة صفة للمال ولها قيمة مقصودة فوجب اعتبارها كالجودة، ولذلك لو أتلفها متلف وجبت القيمة.

стр. 726

وأما كون الاعتبار في إخراجه بقيمته فلأنه لو أخرج قدر ربع عشره لوقعت القيمة المتقومة شرعاً لا حظ فيها للفقراء وهو ممتنع. فعلى هذا هو مخير بين أن يخرج ربع عشره مشاعاً ثم يبيعه الفقير بمفرده أو مع المالك بغير جنسه، وبين أن يخرج قيمة ربع عشره من جنسه. فإن قيل: هذا فيه زيادة عن الذات. قيل: لا يضر ذلك كما تقدم في إخراج المكسر عن الصحيح. ولأنه لا ربا بين الرب وعبده. قال: (ويباح للرجال من الفضة الخاتم وقبيعة السيف، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل، ومن الذهب قبيعة السيف وما دعت إليه الضرورة كالأنف وما ربط به أسنانه. وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب). أما كون الرجال يباح لهم من الفضة الخاتم فـ «لأن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق» (١) متفق عليه. وأما كونهم يباح لهم منها قبيعة السيف فلأن أنساً قال: «كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة» (٢). وقال هشام بن عروة: «كان سيف الزبير محلى بالفضة» (٣) رواه الأثرم. ولأن ذلك حلية معتادة للرجل أشبهت الخاتم. وأما كونهم يباح لهم منها حلية المنطقة في رواية فـ «لأن الصحابة رضوان الله عليهم اتخذوا المناطق محلاة بالفضة».

стр. 727

وأما كونهم لا يباح لهم في رواية فلما فيه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء. ولأن لبس المنطقة يشعر بالتخنث والانحلال أشبه الطوق والدملج. وأما كون الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل على قياس المنطقة في الإباحة وعدمها فلأن ذلك كله يساوي المنطقة معنى فوجب أن يساويها حكماً. وأما كونهم يباح لهم من الذهب قبيعة السيف فـ «لأن عمر ﵁ كان له سيف فيه سبائك من ذهب» (١). وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: «كان في سيف عثمان بن حُنيف مسمار من ذهب» (٢) قال (٣) فذلك الآن في السيف. وأما كونهم يباح لهم منه ما دعت إليه الضرورة كالأنف وما يربط به أسنانه فلأنه روي «أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من وَرِق فأنتن عليه. فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفاً من ذهب» (٤) رواه أبو داود. وروى الأثرم عن موسى بن طلحة وأبي جَمْرة الضُّبَعي وأبي رافع وثابت البناني وإسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبدالله «أنهم شدوا أسنانهم بالذهب» (٥).

стр. 728

وأما كونهم يباح لهم اليسير من الذهب على قول أبي بكر؛ فلما روي عن النبي ﷺ «أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً» (١). والصحيح أنه لا يباح يسير الذهب كما لايباح كثيره لعموم الأدلة المقتضية للتحريم. ولأنه يروى أيضاً «أن النبي ﷺ نهى عن التحلي بقدر الخُرَيْصيصة». وهي القطعة من الحلي بقدر عين الجرادة. ولأن في الذهب سرفاً ومباهاة وإن قل. قال: (ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. وقال ابن حامد: إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة). أما كون النساء يباح لهن ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة كالخلخال في الرجل، والسوارين في اليدين، والدملج في العضد، والطوق في الحلق، والقُرط -بضم القاف- في الأذن فلأن المرأة محتاجة إلى التجمل لزوجها والتزين له ولذلك قال رسول الله ﷺ : «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» (٢). ومفهوم كلام المصنف ﵀ أن ما لم تجر عادتهن بلبسه كالثياب المثقلة المنسوجة بالذهب ونعال الذهب لا يباح لهن لبسه وهو صحيح نقلاً لانتفاء التجمل بلبسه عادة. والحديث المتقدم ذكره يرده.

стр. 729

وأما كون ما يباح لهن لا فرق فيه بين القليل والكثير على المذهب فلأن المبيح للتحلي في حقهن بتجملهن لأزواجهن وتزينهن لهم وذلك موجود في القليل والكثير. وأما كونه إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة على قول ابن حامد. أما كونه يحرم فلأن ذلك يخرج عن الحد المعتاد في التزين إلى الإسراف المنهي عنه. وأما كونه فيه الزكاة فلأنه محرم وقد روى جابر أنه قال: «لا زكاة في الحليّ. قيل له: فإن كان قيمته ألف مثقال قال: كثير» (١). فإن قيل: الألف معتبر في مجموعه أو مفرداته. قيل: في مجموعه لظاهر الحديث. وقال ابن عقيل في مفرداته: لأن الخلخال أو شبهه إذا كان ألف مثقال تحقق السرف المذكور فيه ولم يبح من أجله.

стр. 730

باب زكاة العروض قال المصنف ﵀: (تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً، ويؤخذ منها لا من العروض). أما كون الزكاة تجب في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وأموال التجارة أعم الأموال فكانت أولى بالدخول في ذلك. وأما السنة فما روى سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع» (١) رواه أبو داود. فإن قيل: ما العروض؟ قيل: جمع عرض بسكون الراء، وهو: كل ما كان من المال غير الذهب والفضة على اختلاف أنواعه من الثياب والحيوان وسائر المال. وأما كونها تؤخذ من القيمة لا من العروض فلأن النصاب معتبر بالقيمة وما اعتبر النصاب فيه وجب إخراج الزكاة منه كسائر الأموال.

стр. 731

قال: (ولا تصير للتجارة إلا أن يملكها بفعله بنية التجارة بها، فإن ملكها بإرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة، وإن كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة. وعنه: أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية). أما كون العروض لا تصير للتجارة إلا أن يملكها صاحبها بفعله كالشراء ونحوه بنية التجارة بها على المذهب فلأن ما لا يتعلق الزكاة به من أصله لا يصير محلاً لها بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى فيها السوم. ولا فرق فيما ملكه بفعله بين أن يقابل ذلك بعوض كالبيع أو لا كالهبة لأن الكل حاصل بفعله. وقال القاضي: يشترط أن يملكه بعوض كالبيع والخلع والنكاح فلو ملكه بهبة أو احتشاش أو غنيمة لم يصر للتجارة لأنه ملكه بغير عوض أشبه الموروث. وأما كونها تصير بمجرد النية على روايةٍ فلأن التربص بالسلع لارتفاع الأسواق من صور التجارة ولا فعل فيه. وإنما اشترطت النية لما تقدم من حديث سمرة، وإنما اعتبرت حين الملك على الأول لأن في بعض ألفاظ الحديث: «مما يعد للبيع حال الشراء». ولأن الأعمال بالنية والتجارة عمل فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال. وأما كون من ملك العروض بإرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة على الأول (١) فلأن الأول لم يملكها بفعله وفي الثاني لم تقترن النية بالفعل والتقدير اشتراطهما. وأما كون من كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة على ذلك فلأنه بنيته القنية صار للقنية فإذا نواه للتجارة لم يصر للتجارة لعدم الفعل المشترط. فإن قيل: لم يصير للقنية بمجرد النية (٢) ولا يصير للتجارة يمجرد نيتها؟ قيل: لأن القنية هي الأصل فيكفي في الرد إليه مجرد النية كالمسافر ينوي الإقامة.

стр. 732

ولأن نية التجارة شرط في وجوب الزكاة في العروض وإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب. فإن قيل: على القول باشتراط النية دون الفعل ما الحكم؟ قيل: إذا ملك العروض بإرث ونوى التجارة صارت للتجارة لوجود الشرط، وإذا كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة صار للتجارة. قال المصنف ﵀ في المغني: والأول المشهور في المذهب. قال: (وتقوم العروض عند الحول بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق. ولا يعتبر ما اشتريت به). أما كون العروض تقوم بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق فليحصل للمساكين ما هو الأحظ. ولأن تقويمه لحظ المساكين فيعتبر ما لهم الأحظ فيه كما لو اشتراه بعروض وللبلد نقدان مستعملان تبلغ قيمة العروض بأحدهما نصاباً دون الآخر. وأما كون ما (١) اشتريت به لا يعتبر فلأن ذلك يروى عن عمر. ولأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالاً للتقويم بالأحظ. وقد تقدم دليل اعتباره فعلى هذا لو كانت العروض تساوي عند رأس الحول نصاباً بالذهب دون الفضة قومت بالذهب وإن اشتريت بالفضة للأحظ ولو كان بالعكس قومت بالفضة. قال: (وإن اشترى عرضاً بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله. وإن اشتراه بنصاب من السائمة لم يبن على حوله). أما كون من اشترى عرضاً بنصاب من الأثمان يبني على حول نصاب الأثمان فلأن مال التجارة إنما تتعلق الزكاة بقيمته وقيمته هي الأثمان نفسها. وأما كون من اشترى ذلك بعروض يبني على حول العروض فلأن الزكاة تتعلق في الموضعين بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يُبنى حول بعضها على بعض.

стр. 733

وأما كون من اشترى ذلك بنصاب من السائمة لا يبني على حول السائمة فلأن العرض تجب الزكاة في قيمته والسائمة إذا لم تكن للتجارة تجب في عينها فهما جنسان مختلفان، وإذا كان كذلك لم يُبْن حول أحدهما على الآخر. قال: (وإن ملك نصاباً من السائمة للتجارة فعليه زكاة التجارة دون السوم، فإن لم تبلغ قيمتها نصاب التجارة فعليه زكاة السوم). أما كون من ملك ما ذكر عليه زكاة التجارة إذا بلغت قيمة السائمة نصاب التجارة فلأنها أحظ لأنها تجب فيما زاد بالحساب، والتجارة يلحظ فيها الأحظ للفقراء بدليل التقويم بالأحظ. وأما كونه عليه زكاة السوم إذا لم تبلغ القيمة نصاب التجارة فلأن السوم سبب يوجب الزكاة ولا معارض له فعمل عمله. قال: (وإن اشترى أرضاً أو نخلاً للتجارة فأثمرت النخل وزرعت الأرض فعليه فيهما العشر ويزكى الأصل للتجارة. وقال القاضي: يزكي الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إلا أن يسبق وجوب العشر حول التجارة فيخرجه). أما كون من اشترى ما ذكر عليه العشر في الزرع والثمر، وزكاة التجارة في الأصل فلأنهما عينان تجب في إحداهما زكاة العين وفي الأخرى زكاة القيمة حال الانفراد فكذلك حال الاجتماع. وأما كونه يزكي الجميع زكاة القيمة فلما ذكرنا من أنها أحظ للفقراء. ولأنها إذا اجتمعت مع السوم كان الحكم لها فكذلك هنا. ولأن الزرع والثمر كالولد لكون كل واحد منهما جزء الخارج منه فوجب أن يقوم مع الأصل كالسخال، والأرباح المتجددة إذا كانت الأصول للتجارة. وأما كونه لا عشر عليه إذاً فلأنه لو وجب للزم الجمع بين زكاتين في مال واحد وفيه ضرر بالمالك. واعلم أن في كلام المصنف ﵀ نظراً من وجهين:

стр. 734

أحدهما: أن النقل في هذه المسألة أنه يزكي الجميع زكاة القيمة على المذهب، والأصل زكاة القيمة، والزرع والثمار زكاة العشر على قول القاضي لأن المصنف في المغني الأول وأبا الخطاب ذكرا هذه المسألة فقالا: زكا الجميع زكاة القيمة. وقيل: يزكي الأصل زكاة القيمة، والثمرة والزرع زكاة العشر. ثم إن شارح الهداية صاحب الخلاصة عزا القول في شرحه إلى القاضي وابن عقيل. وثانيهما: أن قوله: إلا أن يسبق إلى آخره ظاهره أنه استثناء من قوله: ولا عشر عليه ولا يصح ذلك نقلاً ولا معنى (١). أما عدم صحته من حيث النقل فلأن المصنف نسب زكاة الجميع زكاة القيمة إلى القاضي. وقال في المغني: قال القاضي: ولا فرق بين أن يتفقا في الحول أو يختلفا مثل أن يثمر نخل التجارة وتنبت أرضها ويبدو الصلاح قبل مضي حول التجارة. وأما عدم الصحة من حيث المعنى فلأن معنى قوله: ولا عشر عليه أن من وجبت عليه زكاة القيمة في الأصل والثمار لا يجب عليه عشر. ومن هذا شأنه لا يجب عليه عشر بحال بل ينبغي أن يعود الاستثناء إلى الخلاف المذكور في المسألة أي الخلاف في اعتبار القيمة في الكل أو في الأصل دون الثمار إذا اتفق وقت وجوب العشر وزكاة التجارة فلو سبق نصاب العشر وجب العشر وجهاً واحداً. وكان الجيد في ذلك أن يقال: إلا أن يسبق وجوب أحدهما الآخر ليعم ما ذكر وما إذا سبق وجوب التجارة وجوب العشر وأن الحكم فيهما واحد. وقد صرح المصنف ﵀ في المغني وصاحب النهاية فيها بأن قالا في المسألتين واتفق حولاهما. ولو قدم المصنف رحمه الله تعالى زكاة القيمة في هذه المسألة فقال: زكى الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إلا أن يسبق حول أحدهما الآخر، وقال القاضي: يزكى الأصل زكاة القيمة والثمرة والزرع زكاة العشر لكان صحيحاً جيداً سالماً من أمور: أحدها: مخالفة نقله في المغني الأول ومخالفة نقل الأصحاب.

стр. 735

وثانيها: أن يكون قد قدم ما أومأ إليه الإمام أحمد فإنه في المغني ذكر زكاة القيمة للجميع ثم قال: أومأ إليه الإمام أحمد. وثالثها: أن الاستثناء يعود إلى قوله: ولا عشر لأن كل من اعتبر القيمة شرط الاتفاق في كمال الحول، وقال: متى سبق أحدهما الآخر كان الحكم له لأنه لو لم يكن الحكم له للزم تأخير أداء الزكاة عن كمال الحول. ورابعها: أنه يكون قول القاضي في المغني ولا فرق بين أن يتفقا في الحول أو يختلفا لأن الاستثناء المذكور بناء على قول من يعتبر القيمة وليس ذلك قول القاضي على ما تقدم. وقوله: فيخرجه مرفوع وليس معطوفاً على قوله: يسبق لأنه لو كان كذلك لكان السبق والإخراج شرطين لتعين العشر وليس الشرط كذلك بل الشرط سبق أحدهما الآخر في الوجوب. قال: (وإذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته فأخرجاها معاً ضمن كل واحد نصيب صاحبه، ، وإن أخرجها أحدهما قبل الآخر ضمن الثاني نصيب الأول عَلِم أو لم يعلم، ويتخرج أنه لا ضمان عليه إذا لم يعلم). أما كون كل واحد من المخرجين يضمن نصيب صاحبه في المسألة الأولى فلأنه انعزل حكماً بإخراج المالك. وأما كون الثاني يضمن نصيب الأول فلما ذكر قبل. وأما كونه يضمن مع العلم وعدمه فلأن العزل الحكمي لا يختلف بذلك بدليل ما لو مات المالك، وما لو وكله في بيع عبده ثم أعتقه. وأما كونه يتخرج أنه لا ضمان عليه إذا لم يعلم في المسألة الثانية فلأنه وكيل في الدفع فلم يضمن إذا لم يعلم كما لو وكله في قضاء دينه فقضاه المالك ثم الوكيل. وقد قيل: الفرق بينهما أنه في قضاء الدين يتمكن من الرجوع على رب الدين بخلاف مسألة الزكاة فإنه لا يتمكن من الرجوع على الفقير لأنها تنقلب تطوعاً.

стр. 736

باب زكاة الفطر قال المصنف ﵀: (وهي واجبة على كل مسلم تلزمه مؤونة نفسه إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع، وإن كان مكاتباً، وإن فضل بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين). أما كون زكاة الفطر واجبة في الجملة فالأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] وعموم قوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]. وأما السنة فما روى ابن عمر ﵁ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك من المسلمين صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (١) متفق عليه. وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض. وأما كونها واجبة على كل مسلم إلى آخره فلأنه داخل فيما تقدم، وتقييد كونها واجبة بما ذكر مشعر بأنه يشترط لوجوبها شروط: أحدها: الإسلام لأن من شرطها النية ولا تصح من كافر. ولأنها زكاة فكان من شرطها ذلك كزكاة المال. الثاني: أن يكون ممن تلزمه مؤونة نفسه لأن قوله ﵇: «أدوا الفطرة عمن تمونون» (٢) يدل على عدم وجوب الفطرة على من لا يمون نفسه لأنه خاطب بالوجوب غيره، ولو وجبت عليه لخاطبه به كسائر من تجب عليه.

стр. 737

فإن قيل: الكلام في لزوم الفطرة لا في نفسها؟ قيل: المراد بالحديث لزوم المؤونة لما يأتي إن شاء الله تعالى. الثالث: أن يفضل عنده عن قوته [وقوت] (١) عياله يوم العيد وليلته صاع لأن قوته وقوت عياله أهم فيجب تقديمه لقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك» (٢) رواه مسلم. وفي لفظ: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» (٣). وأما قول المصنف ﵀: على كل مسلم؛ فيعم الغني والفقير القادر على الصاع بعد ما ذكر، وهو صحيح؛ لعموم حديث ابن عمر: «على كل صغير وكبير حر وعبد» (٤). ولما روي أن رسول الله ﷺ قال: «أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر» (٥) رواه أبو داود. وأما قوله ﵀: وإن كان مكاتباً فمعناه أن المكاتب تجب عليه زكاة الفطر إذا اجتمع فيه ما ذكر لدخوله في الخبر. ولأنه مسلم تلزمه نفقته فلزمته فطرته كالحر. وأما كون من فضل عنده بعض صاع يلزمه إخراجه على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فوجب منها ما قدر عليه كالطهارة بالماء.

стр. 738

ولأن البعض من الصاع يخرج عن العبد المشترك فجاز أن يخرج عن الحر كالصاع. وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فلا تجب على من لا يملك جميعها كالكفارة. قال ابن عقيل: هذا هو الصحيح. قال: (ويلزمه فطرة من يمونه من المسلمين فإن لم يجد ما يؤدي عن جميعهم بدأ بنفسه ثم بامرأته ثم برقيقه ثم بولده ثم بأمه ثم بأبيه ثم بالأقرب فالأقرب في الميراث). أما كون من يمون (١) أحداً من المسلمين يلزمه فطرته فلأن في بعض روايات ابن عمر «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن (٢) تمونون» (٣). وفي تقييد المصنف ﵀ لزوم الفطرة بكون المخرج عنه من المسلمين مشعر بأنه لا يلزمه فطرة من يمونه من الكفار وهو صحيح لأن الفطرة طهرة للمفعول عنه والكافر لا يقبل الطهرة لأنه لا يطهره إلا الإسلام. وأما كونه يبدأ بنفسه إذا لم يجد ما يؤدي عن جميع من يلزمه مؤنته فلما تقدم من قوله ﷺ : «ابدأ بنفسك» (٤). ولأن الفطرة تبنى على النفقة، ونفقة نفسه مقدمة على كل أحد فكذلك فطرته. وأما كونه يبدأ بعد نفسه بفطرة امرأته فلأن نفقتها آكد لأنها تجب مع اليسار والإعسار وتجب على سبيل المعاوضة. وأما كونه يبدأ بعد امرأته بفطرة رقيقه فلأن نفقته تجب أيضاً مع اليسار والإعسار بخلاف الأقارب. فإن قيل: فلم قدمت فطرة المرأة عليه؟ قيل: لأن نفقتها آكد لأنها معاوضة.

стр. 739

وأما كونه (١) يبدأ بعد رقيقه بفطرة ولده فلأن نفقة الولد الصغير متفق عليها بخلاف الوالد. وأما كونه يبدأ بأمه بعده فـ «لأن النبي ﷺ قدمها في البر حين سأله الأعرابي من أبر؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. وقال في الثالثة أو الرابعة ثم أباك» (٢). ولأنها ضعيفة عن الكسب والعمل. وأما كونه يبدأ بأبيه بعد ذلك فلما ذكر من الحديث. وأما كونه يبدأ بالأقرب فالأقرب في الميراث فلأن الأقرب أولى من غيره كالميراث. قال: (ويستحب أن يخرج عن الجنين ولا يجب). أما كون الجنين يستحب أن يخرج عنه فـ «لأن عثمان بن عفان ﵁ كان يخرج عن الجنين» (٣). ولأنه يشبه من تجب عليه الفطرة في الآدمية والميراث والوصية له وبه. وأما كون ذلك لا يجب فلأن الفطرة لو تعلقت بالجنين قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة البهائم قبل ظهورها وليس كذلك. وذكر أبو الخطاب رواية أنها واجبة لما ذكرنا من الشبه في الميراث والوصية. قال المصنف في المغني: والأول أصح. قال: (ومن تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان لم تلزمه فطرته عند أبي الخطاب. والمنصوص أنها تلزمه). أما كون من تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان، ومعناه: أنه مانه على وجه التبرع شهر رمضان كله لا تلزمه فطرته عند أبي الخطاب؛ فلأن الفطرة تتبع النفقة ونفقة من ذكر غير واجبة فكذلك فطرته.

стр. 740

وأما كونها تلزمه على منصوص الإمام أحمد ﵀ عليه؛ فلعموم قوله: «ممن تمونون» (١). ولأنه شخص منفق عليه فتجب عليه فطرته كالعبد. والمعتبر مؤونة جميع الشهر. وقال ابن عقيل: قياس المذهب أنها على من مانه قبل غروب الشمس بليلة. فإن مانه جماعة فقال المصنف ﵀ في المغني: لا أعلم فيها قولاً للأصحاب، ويحتمل أن لا يجب شيء؛ لأن السبب مؤونة الشهر ولم يوجد، واحتمل أن يجب بالحصص كالعبد المشترك. وقول أبي الخطاب أصح عند المصنف ﵀. ذكره في المغني لأن الحديث المذكور محمول على من تلزمه مؤونته لا على حقيقة المؤونة بدليل وجوبها على الآبق والمملوك عند الغروب ولم يمنهما وسقوطها عمن مات أو عتق قبل الغروب وقد مانهما (٢). قال: (وإذا كان العبد بين شركاء فعليهم صاع. وعنه: على كل واحد صاع، وكذلك الحكم فيمن بعضه حر). أما كون العبد إذا كان بين شركاء عليهم صاع واحد على المذهب؛ فـ «لأن النبي ﷺ أوجب على العبد صاعاً واحداً» (٣) وهذا عام في المشترك وغيره. ولأن نفقته تقسم عليهم فكذلك فطرته. ولأنه شخص واحد فلا يجب بسببه أكثر من صاع واحد كما لو كان لواحد. وأما كون كل واحد عليه صاع على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فتعددت على من هي عليه بحسب عدده ككفارة القتل، أو فلا تتبعض ككفارة القتل. والأولى أصح لما تقدم. وقياس الفطرة على كفارة القتل لا يصح لأن الكفارة آكد، ودعوى عدم التبعيض غير مسلمة فإنها متبعضة حقيقة.
следующие страницы →