← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

باب زكاة الفطر قال المصنف ﵀: (وهي واجبة على كل مسلم تلزمه مؤونة نفسه إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع، وإن كان مكاتباً، وإن فضل بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين). أما كون زكاة الفطر واجبة في الجملة فالأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] وعموم قوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]. وأما السنة فما روى ابن عمر ﵁ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك من المسلمين صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (١) متفق عليه. وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض. وأما كونها واجبة على كل مسلم إلى آخره فلأنه داخل فيما تقدم، وتقييد كونها واجبة بما ذكر مشعر بأنه يشترط لوجوبها شروط: أحدها: الإسلام لأن من شرطها النية ولا تصح من كافر. ولأنها زكاة فكان من شرطها ذلك كزكاة المال. الثاني: أن يكون ممن تلزمه مؤونة نفسه لأن قوله ﵇: «أدوا الفطرة عمن تمونون» (٢) يدل على عدم وجوب الفطرة على من لا يمون نفسه لأنه خاطب بالوجوب غيره، ولو وجبت عليه لخاطبه به كسائر من تجب عليه.

стр. 737

فإن قيل: الكلام في لزوم الفطرة لا في نفسها؟ قيل: المراد بالحديث لزوم المؤونة لما يأتي إن شاء الله تعالى. الثالث: أن يفضل عنده عن قوته [وقوت] (١) عياله يوم العيد وليلته صاع لأن قوته وقوت عياله أهم فيجب تقديمه لقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك» (٢) رواه مسلم. وفي لفظ: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» (٣). وأما قول المصنف ﵀: على كل مسلم؛ فيعم الغني والفقير القادر على الصاع بعد ما ذكر، وهو صحيح؛ لعموم حديث ابن عمر: «على كل صغير وكبير حر وعبد» (٤). ولما روي أن رسول الله ﷺ قال: «أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر» (٥) رواه أبو داود. وأما قوله ﵀: وإن كان مكاتباً فمعناه أن المكاتب تجب عليه زكاة الفطر إذا اجتمع فيه ما ذكر لدخوله في الخبر. ولأنه مسلم تلزمه نفقته فلزمته فطرته كالحر. وأما كون من فضل عنده بعض صاع يلزمه إخراجه على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فوجب منها ما قدر عليه كالطهارة بالماء.

стр. 738

ولأن البعض من الصاع يخرج عن العبد المشترك فجاز أن يخرج عن الحر كالصاع. وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فلا تجب على من لا يملك جميعها كالكفارة. قال ابن عقيل: هذا هو الصحيح. قال: (ويلزمه فطرة من يمونه من المسلمين فإن لم يجد ما يؤدي عن جميعهم بدأ بنفسه ثم بامرأته ثم برقيقه ثم بولده ثم بأمه ثم بأبيه ثم بالأقرب فالأقرب في الميراث). أما كون من يمون (١) أحداً من المسلمين يلزمه فطرته فلأن في بعض روايات ابن عمر «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن (٢) تمونون» (٣). وفي تقييد المصنف ﵀ لزوم الفطرة بكون المخرج عنه من المسلمين مشعر بأنه لا يلزمه فطرة من يمونه من الكفار وهو صحيح لأن الفطرة طهرة للمفعول عنه والكافر لا يقبل الطهرة لأنه لا يطهره إلا الإسلام. وأما كونه يبدأ بنفسه إذا لم يجد ما يؤدي عن جميع من يلزمه مؤنته فلما تقدم من قوله ﷺ : «ابدأ بنفسك» (٤). ولأن الفطرة تبنى على النفقة، ونفقة نفسه مقدمة على كل أحد فكذلك فطرته. وأما كونه يبدأ بعد نفسه بفطرة امرأته فلأن نفقتها آكد لأنها تجب مع اليسار والإعسار وتجب على سبيل المعاوضة. وأما كونه يبدأ بعد امرأته بفطرة رقيقه فلأن نفقته تجب أيضاً مع اليسار والإعسار بخلاف الأقارب. فإن قيل: فلم قدمت فطرة المرأة عليه؟ قيل: لأن نفقتها آكد لأنها معاوضة.

стр. 739

وأما كونه (١) يبدأ بعد رقيقه بفطرة ولده فلأن نفقة الولد الصغير متفق عليها بخلاف الوالد. وأما كونه يبدأ بأمه بعده فـ «لأن النبي ﷺ قدمها في البر حين سأله الأعرابي من أبر؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. وقال في الثالثة أو الرابعة ثم أباك» (٢). ولأنها ضعيفة عن الكسب والعمل. وأما كونه يبدأ بأبيه بعد ذلك فلما ذكر من الحديث. وأما كونه يبدأ بالأقرب فالأقرب في الميراث فلأن الأقرب أولى من غيره كالميراث. قال: (ويستحب أن يخرج عن الجنين ولا يجب). أما كون الجنين يستحب أن يخرج عنه فـ «لأن عثمان بن عفان ﵁ كان يخرج عن الجنين» (٣). ولأنه يشبه من تجب عليه الفطرة في الآدمية والميراث والوصية له وبه. وأما كون ذلك لا يجب فلأن الفطرة لو تعلقت بالجنين قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة البهائم قبل ظهورها وليس كذلك. وذكر أبو الخطاب رواية أنها واجبة لما ذكرنا من الشبه في الميراث والوصية. قال المصنف في المغني: والأول أصح. قال: (ومن تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان لم تلزمه فطرته عند أبي الخطاب. والمنصوص أنها تلزمه). أما كون من تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان، ومعناه: أنه مانه على وجه التبرع شهر رمضان كله لا تلزمه فطرته عند أبي الخطاب؛ فلأن الفطرة تتبع النفقة ونفقة من ذكر غير واجبة فكذلك فطرته.

стр. 740

وأما كونها تلزمه على منصوص الإمام أحمد ﵀ عليه؛ فلعموم قوله: «ممن تمونون» (١). ولأنه شخص منفق عليه فتجب عليه فطرته كالعبد. والمعتبر مؤونة جميع الشهر. وقال ابن عقيل: قياس المذهب أنها على من مانه قبل غروب الشمس بليلة. فإن مانه جماعة فقال المصنف ﵀ في المغني: لا أعلم فيها قولاً للأصحاب، ويحتمل أن لا يجب شيء؛ لأن السبب مؤونة الشهر ولم يوجد، واحتمل أن يجب بالحصص كالعبد المشترك. وقول أبي الخطاب أصح عند المصنف ﵀. ذكره في المغني لأن الحديث المذكور محمول على من تلزمه مؤونته لا على حقيقة المؤونة بدليل وجوبها على الآبق والمملوك عند الغروب ولم يمنهما وسقوطها عمن مات أو عتق قبل الغروب وقد مانهما (٢). قال: (وإذا كان العبد بين شركاء فعليهم صاع. وعنه: على كل واحد صاع، وكذلك الحكم فيمن بعضه حر). أما كون العبد إذا كان بين شركاء عليهم صاع واحد على المذهب؛ فـ «لأن النبي ﷺ أوجب على العبد صاعاً واحداً» (٣) وهذا عام في المشترك وغيره. ولأن نفقته تقسم عليهم فكذلك فطرته. ولأنه شخص واحد فلا يجب بسببه أكثر من صاع واحد كما لو كان لواحد. وأما كون كل واحد عليه صاع على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فتعددت على من هي عليه بحسب عدده ككفارة القتل، أو فلا تتبعض ككفارة القتل. والأولى أصح لما تقدم. وقياس الفطرة على كفارة القتل لا يصح لأن الكفارة آكد، ودعوى عدم التبعيض غير مسلمة فإنها متبعضة حقيقة.

стр. 741

وأما كون حكم من بعضه حر كحكم العبد المشترك فلأنه يساويه معنى فوجب أن يساويه حكماً. قال: (وإن عجز زوج المرأة عن فطرتها فعليها، أو على سيدها إن كانت أمة فطرتها، ويحتمل أن لا تجب). أما كون الفطرة على الزوجة الحرة أو على سيد الأمة المزوجة إذا كان الزوج عاجزاً عنها على المذهب فلأن العاجز كالمعدوم ولو لم يكن للزوجة المذكورة زوج كان على الحرة أو على سيد الأمة الفطرة فكذا هاهنا. وأما كونه يحتمل أن لا يجب فلأن من تجب عليه الفطرة عاجز فلم تجب كما لو كانت الزوجة والسيد عاجزين. قال: (ومن كان (١) له غائب أو آبق فعليه فطرته إلا أن يشك في حياته فتسقط، وإن علم حياته بعد ذلك أخرج لما مضى). أما كون من له غائب عليه فطرته إذا لم يشك في حياته فلأن فطرة الغائب المذكور لا تسقط بغيبته لأنها تبع لنفقته ونفقته لا تسقط بغيبته فكذا فطرته. وأما كون من له آبق عليه فطرته إذا لم يشك في حياته فلأن نفقته تجب عليه بدليل أن من أنفق عليه رجع بالنفقة على السيد. وأما كون فطرتهما تسقط إذا شك في حياتهما فلأن الذي لا يعلم بقاؤه لا ينزل منزلة الذي يعلم بقاؤه بدليل لو أعتق السيد العبد الذي لا يعلم خبره عن كفارته فإنه لا يجزئ. وأما كون من علم حياة الغائب والآبق بعد ذلك يخرج لما مضى فلأنه بان له سبب الوجوب في الزمن الماضي فوجب الإخراج كما لو سمع بهلاك ماله الغائب ثم بان سالماً.

стр. 742

قال: (ولا يلزم (١) الزوج فطرة الناشز. وقال أبو الخطاب: تلزمه. ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه فهل يجزئه؟ على وجهين). أما كون الزوج لا يلزمه فطرة زوجته الناشز. وهو قول القاضي فلأن نفقتها غير واجبة والفطرة تابعة لها. وأما كونه تلزمه وهو قول أبو الخطاب فلبقاء النكاح وسقوط النفقة لعارض لا يؤثر في سقوط الفطرة. ولأن الفطرة تجب على الآبق فكذلك الناشز. وأما كون من لزم غيره فطرته فأخرجها عن نفسه بغير إذنه هل يجزئه؟ ففيه وجهان أصلهما أن الفطرة التي تجب على غيره بسببه هل وجبت عليه ابتداء ثم تحملها عنه ذلك الغير أو وجبت على ذلك الغير ابتداء؟ ظاهر المذهب أنها تجب عليه ابتداء ثم تحملها الغير تحملاً شرعياً. أما كونها تجب عليه ابتداء فلأنها زكاة فوجب أن تجب على المخرج عنه كسائر الزكوات. أما كون الغير يتحملها فلأنها تابعة للنفقة والنفقة يتحملها من تقدم ذكره فكذلك ما يتبعها فعلى هذا إذا أخرج بغير إذن الغير يجزئه لأنه أدى ما وجب عليه ابتداء فسقط عن الغير كالنفقة. وقيل: تجب على الغير ابتداء لأن ظاهر قوله ﵇: «أدوا الفطرة عمن تمونون» يدل عليه. فعلى هذا إذا أخرج من وجبت بسببه الفطرة بغير إذن من وجبت عليه لا تجزئه لأنه أدى ما وجب على غيره بغير إذنه فلم يجزئه كما لو أدى عن شخص آخر بغير إذنه. قال: (ولا يمنع الدين وجوب الفطرة إلا أن يكون مطالباً به). أما كون الدين لا يمنع وجوب الفطرة إذا لم يكن مطالباً به كما يمنع زكاة المال؛ فلأنها آكد بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها.

стр. 743

ولأن زكاة المال تجب بالملك والدين يؤثر فيه فأثر فيها. بخلاف الفطرة فإنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه. وأما كونه يمنع إذا كان مطالباً به؛ فلوجوب أدائه عند المطالبة وتأكده من حيث أنه حق آدمي لا يسقط بالإعسار بخلاف حق الله. قال: (وتجب بغروب الشمس من ليلة الفطر فمن أسلم بعد ذلك أو ملك عبداً أو زوجة أو وُلِد له وَلَدٌ لم تلزمه فطرته، وإن وجد ذلك قبل الغروب وجبت). أما كون الفطرة تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر؛ فلما روى ابن عباس «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر أو قال: رمضان طُهْرَةً للصائم من الرفث وطُعْمَةً للمساكين» (١). أضاف الصدقة إلى الفطر فكانت واجبة لأن الإضافة دليل الاختصاص والسببية وأول فطر يقع من جميع رمضان مغيب الشمس من ليلة الفطر. وقوله: «طُهْرَةً للصائم» يدل على ذلك أيضاً؛ لأن من لم يدرك شيئاً من رمضان وأدرك طلوع فجر يوم الفطر لم يدرك شيئاً من زمن الصوم الذي الفطرة طهرة له. وأما كون من أسلم بعد ذلك أو ملك عبداً أو تزوج زوجة أو وُلد له وَلَد لا تلزمه فطرته؛ فلأنه لم يوجد سبب الوجوب. وأما كون من أسلم أو ملك عبداً أو تزوج زوجة أو وُلد له ولد قبل الغروب تجب عليه فطرته؛ فلوجود السبب المذكور.

стр. 744

قال: (ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة وتجوز في سائر اليوم فإن أخرها عنه أثم وعليه القضاء). أما كون إخراج الفطرة قبل العيد بيومين يجوز؛ فلما روى ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (١) رواه البخاري. وهذا إشارة إلى جميعهم فكان إجماعاً. وأما كون إخراجها يوم العيد قبل الصلاة أفضل؛ فـ «لأن النبي ﷺ أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢) فأدنى أحوال الأمر الاستحباب. وفي حديث ابن عباس: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٣). وأما كون إخراجها يجوز في سائر اليوم؛ فلقوله ﷺ : «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» (٤). وأما كون من أخر الفطرة عن يوم العيد يأثم؛ فلفوات المقصود من قوله: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم». ولأنه أخر الواجب عن وقته فأثم به كما لو أخر حق الآدمي مع طلبه والقدرة على أدائه. وأما كونه عليه القضاء؛ فلأن الفطرة عبادة فلم تسقط بخروج الوقت كالصلاة. ولأنها يجب إخراجها في زمن مخصوص. فإذا فات زمن الوجوب بقي نفس الفطرة فيجب فعلها، كما لو وجب على شخص شيئان فتعذر أحدهما وبقي الآخر.

стр. 745

فصل [في الواجب في الفطرة] قال المصنف ﵀: (والواجب في الفطرة صاع من البر والشعير ودقيقهما وسويقهما والتمر والزبيب ومن الأقط في إحدى الروايتين، ولا يجزئ غير ذلك إلا أن يعدمه فيخرج مما يقتات عند ابن حامد، وعند أبي بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص). أما كون الواجب في الفطرة صاعاً من بر أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط عند وجوده فلما روى أبو سعيد الخدري قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة فتكلم فكان فيما كلم الناس: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه» (١) متفق عليه. وأما كون دقيق البر والشعير وسويقهما كحبهما فيما ذكر فلأن في بعض حديث أبي سعيد: «صاعاً من دقيق» (٢) رواه النسائي. ولأن الدقيق أجزاء الحب متفرقاً وقد كفي الفقير مؤونة طحنه فهو كما لو نزع نوى التمر ثم أخرجه. وأما كون الأقط لا يجزئ في رواية فلأنه جنس لا تجب فيه الزكاة فلا يجزئ إخراجه كاللحم. والأول أصح للخبر.

стр. 746

وأما كون غير أحد الأشياء المتقدم ذكرها لا يجزئ مع وجوده فلأنه إخراج لغير الواجب مع القدرة عليه فلم يجز كإخراج البقر عن الإبل. وأما كون من عدم ذلك يخرج مما يقتات وإن لم يكن من جنس المنصوص عليه كلحوم الحيتان والأنعام عند ابن حامد فلأن المقصود من الأشياء المنصوص عليها الاقتيات وحصول الغنى عن الطلب وهو حاصل بذلك. وأما كونه يخرج ما يقوم مقام المنصوص عليه وهو ما كان مطعوماً مكيلاً عند أبي بكر وهو أقيس فلأن المنصوص عليه يشتمل على الكيل والطعم فإذا تعذر عينه وجب ما يكون أقرب شبهاً به. قال: (ولا يخرج حباً معيباً ولا خبزاً. ويجزئ إخراج صاع من أجناس). أما كون من وجبت عليه الفطرة لا يخرج حباً معيباً كالمسوس والمبلول فلأن السوس يأكل جوف الحب والبلل ينفخه والمخرج لصاع من ذلك ليس مخرجاً صاعاً حقيقة. وأما كونه لا يخرج خبزاً فلأنه لا يدخله الكيل مع نقصان المنفعة به عن الأصناف المنصوصة، واعتباره بالوزن لا يصح لما خالطه من الماء أشبه الحنطة المبلولة، وفيه شبه بإخراج القيمة وهو غير جائز. وأما كون إخراج صاع من أجناس تجزئ فلأنه مخير بين أي الجنسين شاء فكذلك في البعض. ولأنه لو كان عليه فطرة عامين فأخرجهما من جنسين جاز فكذلك العام الواحد.

стр. 747

قال: (وأفضل المخرج التمر ثم ما هو أنفع للفقراء بعده، ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة). أما كون أفضل المخرج التمر فلما روى مجاهد قال: «قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرّ أفضل. قال: إن أصحابي قد سلكوا طريقاً وإني أحب أن أسلكه» (١). وأما كون الأفضل بعد ذلك ما هو أنفع للفقراء والمراد به البر. صرح به المصنف في المغني والكافي فلأن الاعتماد في تفضيل التمر اتباع الصحابة والاقتداء بهم وهو غير موجود في غير البر وهذا هو اختيار المصنف. والأفضل عند الأصحاب بعد التمر الزبيب لمشاركته له في القوت والحلاوة. وأما كون الجماعة يجوز أن تعطى ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة فلأن الفطرة زكاة فجاز ذلك فيها كزكاة المال.

стр. 748

باب إخراج الزكاة قال المصنف ﵀: (لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه إلا لضرر مثل أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك). أما كون الزكاة لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكان إخراجها وعدم الضرر المتقدم ذكره فلأن النصوص الدالة على وجوب الزكاة مطلقة والأمر المطلق للفور. ولأن ما وجب أداؤه وأمكن إخراجه لم يجز تأخيره. دليله الوديعة. ولأن الزكاة عبادة متكررة فلم يجز تأخيرها إلى وقت دخول مثلها من غير عذر كالصلاة. وكلام المصنف مشعر بأنه يجوز تأخيرها عن غير وقت وجوبها مثل أن يكون الحول لم يحل أو ما أشبه ذلك وهو صحيح لأنه تأخير لا عن وقت الوجوب. وأما كونها يجوز تأخيرها مع عدم إمكان إخراجها مثل أن لا يوجد أحد من مستحقيها فلأنه لو لم يجز والحالة هذه لكان تكليفاً بما لا يطاق. وأما كونها يجوز تأخيرها مع الضرر كما مثل المصنف من أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك فلأن في إلزامه الإخراج مع الخشية المذكورة ضرراً وذلك منفي شرعاً. قال: (فإن جحد وجوبها جهلاً به عرف ذلك، فإن أصر كفر [وأخذت منه] (١) واستتيب فإن لم يتب قتل). أما كون من جحد وجوب الزكاة جهلاً به مثل أن يكون قريب عهد ببادية يُعَرّف وجوبها فليرجع عن الخطأ.

стр. 749

وأما كون من أصر على الجحد بعد التعريف يكفر فلأنه مكذب لله ولرسوله. وأما كونه يؤخذ منه مع الحكم بكفره فلأنها وجبت قبل كفره فلم تسقط به كالدين. وأما كونه يستتاب ثلاثاً فقياس على المرتد. وأما كونه يقتل إن لم يتب فلأن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (١). وعن أبي بكر ﵁: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» (٢) متفق عليهما. قال: (ومن منعها بخلاً بها أخذت منه وعزر، فإن غَيّب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت منه من غير زيادة. وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثاً فإن تاب وأخرج وإلا قتل وأخذت من تركته. وقال بعض أصحابنا: إن قاتل عليها كفر). أما كون من منع الزكاة بخلاً بها تؤخذ منه فلأنها حق واجب عليه فإذا امتنع من أدائه أُخذ منه قهراً كدين الآدمي. وأما كونه يعزر فلتركه الواجب عليه. وأما كون من غَيّب ماله أو كتمه أو قاتل دون الزكاة وأمكن أخذها تؤخذ من غير زيادة على المذهب فلأن أبا بكر لما منعته العرب الزكاة لم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليها.

стр. 750

وأما كونه يؤخذ منه وشطر ماله على قول أبي بكر فلما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» (١). رواه أبو داود. قال أحمد: وهو عندي صالح. وأما كونه يستتاب ثلاثاً إذا لم يمكن أخذها منه فلأن الزكاة أحد مباني الإسلام فاستتيب تاركها ثلاثاً كتارك الصلاة. وأما كونه يقتل إذا لم يتب ويُخْرِج فلعموم ما تقدم من الحديث وقول أبي بكر الصديق. وأما كون الزكاة تؤخذ من تركته بعد قتله فلأن القتل لا يسقط ما عليه من دين الآدمي فكذا الزكاة. وأما كون من قاتل عليها لا يكفر وهو ظاهر كلام المصنف هنا ورواية عن الإمام أحمد فلأن الصحابة ﵃ لما امتنعوا من قتال مانعي الزكاة لم يعتقدوا كفرهم واتفاقهم بعد على قتالهم لا يستلزم الكفر فبقي على ما كان عليه. وأما كونه يكفر على قول بعض أصحابنا وهو رواية عن الإمام أحمد فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١] جعلهم إخواننا في الدين إذا آتوا الزكاة فدل على أنهم إذا لم يؤتوها لا يكونون كذلك. ولأن أبا بكر الصديق قال لمانعي الزكاة: «لا حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» (٢). قال القاضي: الصحيح من المذهب أنه لا يكفر بشيء من العبادات سوى الصلاة لأن النيابة فيها متعذرة بخلاف غيرها. ولأن الزكاة المقصود الكلي منها دفع حاجة الفقير وهو حاصل بأدائها مع القتال.

стр. 751

قال: (وإن ادعى ما يمنع الزكاة من نقصان الحول أو النصاب أو انتقاله عنه في بعض الحول ونحوه قبل قوله من غير يمين. نص عليه). أما كون مدعي ذلك يقبل قوله فلأنه ادعى دعوى يعضدها الأصل لأن الأصل براءة ذمته من الزكاة. وأما كون ذلك من غير يمين فلأن الزكاة عبادة وحق لله فلم يستحلف عليها كالصلاة. قال: (والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما). أما كون ولي الصبي يخرج عنه الزكاة من ماله فلأن الزكاة تجب في ذلك لقول النبي ﷺ : «اتجروا في أموال اليتامى كيلا تأكلها الصدقة» (١) أخرجه الترمذي. وفي إسناده مقال. وروي موقوفاً على عمر (٢). ولأن الزكاة وجبت مواساة والصبي من أهل المواساة ولهذا تجب عليه نفقة قريبه، ويعتق عليه ذو رحمه ليخرج عنه زكاة الفطر والعشر، وإذا كانت الزكاة تجب في ماله تعين الإخراج على الولي لأن الصبي غير مكلف والولي ينوب عنه في قضاء دين الآدمي فكذلك في زكاته. وأما كون ولي المجنون يخرج عنه الزكاة من ماله فلأنه كالصبي معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. قال: (ويستحب للإنسان تفرقة زكاته بنفسه، وله دفعها إلى الساعي، وعنه: يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى هو تفريق الباقي، وعند أبي الخطاب دَفْعُها إلى الإمام العادل أفضل). أما كون الإنسان يستحب له تفرقة زكاته بنفسه على المذهب فلأنه إذا دفعها بنفسه كان على ثقة من دفعها إلى مستحقها.

стр. 752

وأما كونه له دفعها إلى الساعي فلما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: «أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد إخراج زكاته وهؤلاء اليوم على ما ترى فما تأمرني؟ فقال: ادفعها إليهم. فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد فقالوا مثل ذلك» (١) رواه سعيد. ولأنه نائب عن مستحقها فجاز الدفع إليه كولي اليتيم. وأما كونه يستحب أن يدفع العشر إلى الساعي ويفرق الباقي بنفسه على روايةٍ فلأن العلماء اختلفوا في العشر هل هو زكاة أو غيرها وغير الزكاة لا يتولاه الإمام أو نائبه ففي دفع العشر إلى الساعي خروج من الخلاف المذكور بخلاف غيره. وأما كون دفعها إلى الإمام العادل أفضل على قول أبي الخطاب فلأنه أعلم بالمصارف، والدفع إليه أبعد من التهمة، ويبرأ به ظاهراً وباطناً. قال: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام منه قهراً. وقال أبو الخطاب: لا تجزئه أيضاً من غير نية؛ وإن دفعها إلى وكيله اعتبرت النية من الموكِّل دون الوكيل). أما كون إخراج الزكاة من غير نية إذا لم يأخذها الإمام منه قهراً لا يجوز والمراد به لا يجزئ فلأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» (٢). وقال ﷺ : «ليس للمرء من عمله إلا ما نواه» (٣). ولأن الزكاة أحد مباني الإسلام فافتقر إلى النية كالصلاة. ولأنها عبادة محضة أشبهت الصوم.

стр. 753

والأولى أن تقارن الدفع فإن تقدمت بزمن يسير فلا بأس قياساً على الصلاة. وأما كونها تجزئ من غير نية إذا أخذها الإمام منه قهراً على المذهب فلأنها تؤخذ من الممتنع فلو لم تُجز عنه لما أخذت منه. وأما كونها لا تجزئه أيضاً من غير نية فلأن الساعي إن كان نائبه فلا بد من نية رب المال لأنه الموكل، وإن كان نائب الفقراء لم تبرأ ذمة رب المال لأنه (١) [لو أخذها الفقير منه بغير نية لم تبرأ، فكذلك إذا أخذها وكيله. وأما] (٢) كون النية تفتقر في الموكل دون الوكيل إذا دفع الزكاة إلى وكيله فلأن الموكل هو الذي وجبت عليه الزكاة فاعتبرت نيته دون غيره. وقال القاضي وابن عقيل: هذا مع قرب الزمن فإن بعد فلا بد من نية الوكيل أيضاً لأن الوكيل إذا لم ينو يحصل الأداء من غير نية قريبة ولا مقارنة. وهذا بخلاف الساعي فإنه لو نوى رب المال دون الساعي أجزأ بَعُدَ الزمان أو قَرُب والفرق بينهما أن الساعي وكيل الفقراء بخلاف الوكيل بدليل أن الساعي لا يلزم رب المال بدلها إذا تلفت في يده وأن الوكيل يلزم رب المال بدلها إذا تلفت في يده. قال: (ويستحب أن يقول عند دفعها: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً، ويقول الآخذ: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً). أما كون الدافع يستحب أن يقول عند دفع الزكاة: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» (٣) أخرجه ابن ماجة. ولأن ذلك دليل على الإخلاص وطيب النفس بأدائها. وأما كون الآخذ يستحب أن يقول: آجرك الله إلى آخره فلأنه دعاء للدافع وذلك مأمور به لأن الله تعالى قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم.

стр. 754

وعن عبدالله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى» (١) رواه النسائي وأبو داود. قال: (ولا يجوز نقلها إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فإن فعل فهل تجزئه؟ على روايتين. إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه). أما كون نقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة لا يجوز فلأن النبي ﷺ قال لمعاذ: «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (٢). وجه الحجة: أن الضمير في أغنيائهم عائد إلى أهل اليمن فكذلك الضمير في فقرائهم وذلك يقتضي أن لا ينقل إلى غيرهم. فإن قيل: الحديث لا يقتضي منع النقل إلى بعض بلاد اليمن فلا يتم المقصود؟ قيل: إذا ثبت أنه لا يجوز النقل إلى غير اليمن ثبت أنه لا يجوز النقل إلى بلد بعيد من موضع وجوب الزكاة من بلد اليمن لعدم القائل بالفرق. وأما كون من فعل ذلك وفي بلد الزكاة فقراء يجزئه على روايةٍ وهي اختيار أبي الخطاب فلقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] والمدفوع إليهم فقراء. وأما كونه لا يجزئه على روايةٍ فلأنه حق واجب لأصناف بلد فلم يجز إعطاؤه لغيرهم كالوصية لأصناف بلد. وأما كون من فعل ذلك ولا فقراء في بلد الزكاة يجزئه فلما روي «أن معاذاً بعث إلى عمر صدقة من اليمن فأنكر عمر ذلك وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية ولكن

стр. 755

بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني» (١) رواه أبو عبيد في الأموال. وأما كون الزكاة فيما ذكر يفرق في فقراء أقرب البلاد إليه فلأنهم أولى وأقرب. قال: (وإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في البلد الذي هو فيه). أما كون من ذكر يخرج زكاة المال [في بلد المال] (٢) فلئلا تنقل الصدقة عنه. ولأن المال سبب الزكاة فوجب إخراجها حيث وجد السبب. وأما كونه يخرج فطرته في البلد الذي هو فيه فلأن بدنه سببها فوجب إخراجها حيث وجد سببها. قال: (وإذا حصل عند الإمام ماشية استحب له وسم الإبل في أفخاذها والغنم في آذانها، فإن كانت زكاة كتب: "لله" أو "زكاة" وإن كانت جزية كتبت: "صغار" أو "جزية"). أما كون الإمام يستحب له وسم الإبل والغنم؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يسمها» (٣). ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لتميز عن الضوال، ولترد إلى مواضعها إذا شردت. وأما كون وسم الإبل في أفخاذها فلأنه موضع صلب يقل ألم الوسم فيه وهو قليل الشعر فتظهر السمة. وأما كون وسم الغنم في آذنها فلضعفها عن الوسم في الفخذ. وأما كون الزكاة يكتب فيها: "لله" أو "زكاة" والجزية "صغار" أو "جزية" فلتحصل التفرقة.

стр. 756

فصل [في تعجيل الزكاة] قال المصنف ﵀: (ويجوز تعجيل الزكاة عن الحول إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك. وفي تعجيلها لأكثر من حول روايتان). أما كون تعجيل الزكاة عن حول بعد كمال النصاب يجوز فلما روي «أن العباس سأل رسول الله ﷺ أن يرخص له في تعجيل الصدقة قبل أن تحل فرخص له» (١) رواه أبو داود. ولأنه حق مالي أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله كالدين. وأما كون تعجيلها قبل كمال النصاب لا يجوز فلأنه سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف. وأما كون تعجيلها لأكثر من حول فيه روايتان فلأن كون النص لم يرد بالتعجيل لأكثر من حول واحد يقتضي المنع لأنها عجلها قبل انعقاد حولها أشبه لو عجلها قبل نصابها، وكون ملك النصاب قد وجد يقتضي الجواز لأنه عجلها بعد سببها. وظاهر كلام المصنف أن الروايتين جاريتان في العام الثالث والرابع وهلم جرا. وليس كذلك لأن أبا الخطاب وصاحب المحرر صرحا بأن الروايتين في الحول الثاني وأنه لا يجوز لأكثر من ذلك لأن العام الثاني قريب الشبه بالأول فيصح إلحاقه به بخلاف ما عداه فيمتنع إلحاقه به. وكذلك أصلح بعض من أذن له المصنف في الإصلاح لأكثر من حول بعامين. قال: (وإن عجلها عن النصاب وما يستفيده أجزأه عن النصاب دون الزيادة، وإن عجل عشر الثمرة قبل طلوع الطلع والحصرم لم يجزئه). أما كون من عجل الزكاة عن النصاب يجزئه عنه فلما تقدم.

стр. 757

وأما كونه لا يجزئه عن الزيادة فلأنه عجل زكاة ما ليس في ملكه فلم يجزئه كما لو عجل قبل ملك النصاب. وأما كون من عجل عشر الثمرة قبل طلوع الطلع والحصرم لا يجزئه فلأن الثمرة إن كان لها سبب واحد فالتعجيل إنما يكون فيما له سببان وإن كان لها سببان فالتعجيل هنا يكون قبل السببين وذلك غير جائز. وفي تقييد المصنف ﵀ عدم الإجزاء قبل طلوع الطلع دليل على أنه يجزئ التعجيل بعده وهو صحيح نقله في الكافي عن أبي الخطاب لأن ظهور الثمرة كملك النصاب، وبدء الصلاح كتمام الحول فجاز تعجيل زكاة ذلك كالتعجيل بعد ملك النصاب وقبل الحول. وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل ذلك لأنه يجب بسبب واحد وهو بدء الصلاح فلم يجز تعجيل زكاته لأنه بمنزلة التعجيل على سببيه. قال: (فإن عجل زكاة النصاب فتم الحول وهو ناقص قدر ما عجله جاز، وإذا عجل زكاة المائتين فنتجت عند الحول سخلة لزمه شاة ثالثة). أما كون من عجل زكاة نصاب فتم حوله وهو ناقص قدر ما عجل يجوز فلأن ما عجله حكمه حكم الموجود حقيقة أو تقديراً. وأما كون من عجل زكاة المائتين فنتجت عند الحول يلزمه شاة ثالثة فلما ذكر من أن المعجل حكمه حكم الموجود فيكون ملكه مائتين وواحدة وفرض ذلك ثلاث شياه فإذا أدى اثنتين بقي عليه واحدة. قال: (فإن عجلها فدفعها إلى مستحقها فمات أو ارتد أو استغنى أجزأت عنه، وإن دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لم تجزئه). أما كون من عجل زكاته فدفعها إلى مستحقها ثم خرج عن الاستحقاق بموت أو ارتداد أو استغناء يجزئ عنه فلأن المعتبر حالة الأداء والمدفوع إليه حينئذ أهل للدفع إليه. ولأن الفقير لو اتجر بما أخذه فاستغنى لم يرجع عليه وفاقاً فكذلك إذا استغنى بغير الصدقة.

стр. 758

وأما كون من دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لا يجزئه فلأنه لم يدفعها لمستحقها (١) لما تقدم من أن المعتبر حالة الدفع. قال: (وإن عجلها ثم هلك المال قبل الحول لم يرجع على المسكين. وقال ابن حامد: إن كان الدافع الساعي أو أعلمه أنها زكاة معجلة رجع عليه). أما كون من ذكر لا يرجع على المسكين إذا هلك المال قبل الحول على المذهب فلأن المعجل صدقة وصلت إلى المسكين بإذن ربها فوجب أن ينقطع حقه عنها كغير المعجلة وكما لو ظن أن عليه زكاة واجبة فبان بخلافه. وأما كون من أعلم المسكين بذلك كمن أطلق على المذهب فلما ذكر من أن الموجب لانقطاع حقه وصول ذلك إلى المسكين بإذنه. وأما كونه يرجع بذلك عليه على قول ابن حامد فلأنه دفعها عما يستحقه القابض في الحال الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، وكما لو قال: أعتقت هذا العبد عن كفارة يميني التي لم أحنث فيها بعد فيئس من الحنث فيها، أو عن كفارة القتل بعد الجرح فاندمل الجرح ولم يمت المجروح. وأما كون الرجوع مختصاً بكون الدافع الساعي، أو بكون الدافع أعلم المسكين أنها زكاة معجلة فلأنه إذا انتفى كل واحد منهما يتهم رب المال في دعواه ذلك لمخالفته الظاهر، والمتهم لا يرجع بما يتهم فيه.

стр. 759

باب ذكر أهل الزكاة أهل الزكاة: هم الذين جعلهم الشرع محلاً لدفع الزكاة إليهم. قال المصنف ﵀: (وهم ثمانية أصناف: الفقراء وهم: الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم. الثاني: المساكين وهم: الذين يجدون معظم الكفاية). أما كون الأصناف وهم جمع صنف ثمانية لا غير فلقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠] ذكر ذلك بلفظ: ﴿إنما﴾ وهي للحصر. وفي الحديث: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أعطني هذه الصدقة فقال: إن الله لم يرض في قسمتها بنبي مرسل ولا ملك مقرب حتى قسمها بنفسه فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» (١) رواه أبو داود. وأجمع أهل العلم على أنه لا يجوز دفعها إلى غير الأصناف الثمانية التي نص الله تعالى عليها. وأما كون الفقراء منها فلأن الله تعالى ذكرهم في الآية وبدأ بهم. وأما كونهم هنا غير المساكين فلأن الله تعالى عطف أحدهما على الآخر، والعطف دليل على التغاير. وأما كونهم هم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم فلأنهم أسوأ حالاً من المساكين لأن النبي ﷺ استعاذ من الفقر وسأل المسكنة فقال: «اللهم أحْيِنِي مِسكيناً وأمِتْنِي مِسكيناً واحْشُرني في زُمْرةِ المساكين» (٢) رواه الترمذي.

стр. 760

ولولا أن الفقر أشد لما استعاذ منه. ولأن الله تعالى قال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين ولهم سفينة. فعلى هذا يجب أن يكون الفقير مَن لا شيء له أصلاً ولا صنعة له، أو أن صنعته لا تقع موقعاً من كفايته. ومثّله القاضي بأن يكون حاجته في كل يوم إلى عشرة دراهم وله درهمان، ومثّله الخرقي بالمكفوف والزَّمِن، ويجب أن يكون المسكين هو الذي يجد ما يقع موقعاً من كفايته لأنه أحسن حالاً منه. قال: (ومن ملك من غير الأثمان ما لا يقوم بكفايته فليس بغني وإن كثرت قيمته، وإن كان من الأثمان فكذلك في إحدى الروايتين، والأخرى إذا ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب فهو غني). أما كون من ملك من غير الأثمان ما لا يقوم بكفايته ليس بغني فلأنه لا كفاية له فيدخل في قوله ﷺ في حديث قبيصة: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو سداداً من عيش» (١) والسداد الكفاية. وأما كون من ملك من الأثمان ما لا يقوم بكفايته كذلك في رواية فلأن النبي ﷺ جعل الكفاية غاية لحل المسألة ولم توجد الكفاية فيما ذكر. وأما كون من ملك خمسين درهماً وقيمتها من الذهب عيناً في رواية فلقول النبي ﷺ : «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» (٢) رواه أبو داود.

стр. 761

وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ : «لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهماً» (١) رواه الدارقطني. فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟ قيل: الأولى عند المصنف وأبي الخطاب لما تقدم من الحديث الأول، والثانية هي المذهب لما تقدم من الحديث الثاني. قال: (الثالث: العاملون عليها وهم الجباة لها والحافظون لها. ويشترط أن يكون العامل مسلماً أميناً من غير ذوي القربى، ولا يشترط حريته ولا فقره. وقال القاضي: لا يشترط إسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى. وإن تلفت الزكاة في يده من غير تفريط أعطي أجرته من بيت المال). أما كون العاملين من الأصناف الثمانية فلأن الله تعالى ذكرهم منها. وأما قول المصنف ﵀: وهم الجباة لها؛ فبيان للمراد بهم، ويدخل فيهم الحفظة لها والحساب وما أشبه ذلك؛ لأنهم داخلون في مسمى العامل وقد «كان النبي ﷺ يعطي من الزكاة من هذا شأنه». وأما كون العامل يشترط أن يكون مسلماً على المذهب فلقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١]. ولأنه يفتقر إلى العلم بالنصب ومقادير الزكاة وقبول قولهم في المأخوذ منه، والكافر ليس من أهل ذلك، وقد روي «أن أبا موسى اتخذ عاملاً نصرانياً. فقال عمر: لا تؤمنوهم حيث خونهم الله، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله» (٢). ولأنه منصب شريف لأحد أركان الإسلام فلم يناله الكافر كالمناصب الشرعية. وأما كونه يشترط أن يكون أميناً؛ فلئلا يخون في مال المسلمين.

стр. 762

وأما كونه يشترط أن يكون من غير ذوي القربى على المذهب فـ «لأن الفضل بن عباس والمطلب بن ربيعة أتيا النبي ﷺ فسألاه العمالة على الصدقات، فقال: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» (١). وأما كونه لا يشترط حريته ولا فقره فلأن ما يأخذه أجرة والعبد والغني يجوز استئجارهما. و«لأن النبي ﷺ بعث عمر عاملاً» وكان غنياً. وأما كونه لا يشترط إسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى على قول القاضي فلما ذكر من أن ما يأخذه أجرة فجاز أن يتولاها الكافر وذوو القربى كجباية الخراج. والحديث في ذوي القربى محمول على التنزيه. وأما كونه يعطى أجرته من بيت المال إذا تلفت الزكاة في يده من غير تفريط فلأنه استحق بعمله ما شرط له فإذا تعذر دفعه من مال الزكاة وجب من بيت المال. قال: (الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه (٢)، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين، وعنه: أن حكمهم انقطع). أما كون المؤلفة قلوبهم من الأصناف الثمانية فلأن الله تعالى ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: ٦٠]. وأما كون حكم المسلمين منهم باقياً فلأن الآية تشملهم ولا معارض له فوجب كونه باقياً عملاً بمقتضيه السالم عن المعارض.

стр. 763

وأما كونه انقطع على روايةٍ فلما روي «أن مشركاً جاء يلتمس من عمر مالاً فلم يعطه وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم أعطوا شيئاً من ذلك. ولأن الله تعالى أظهر الإسلام وقمع الشرك فلا حاجة إلى التأليف. والأول هو المشهور في المذهب؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: ٦٠] وسورة براءة آخر ما نزل، وروى قتادة في تفسيره «أن النبي ﷺ كان يعطي المؤلفة من الكفار من الزكاة لأنه كان يرجو إسلامهم منهم العباس بن مرداس والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن» (١). وأما قول المصنف ﵀: وهم السادة ... إلى آخره؛ فبيان لأصناف المؤلفة قلوبهم وهم ضربان: كفار ومسلمون، والكفار ضربان: من يرجى إسلامه فيعطى لتقوى نيته في الإسلام وتميل نفسه إليه فيسلم «لأن النبي ﷺ يوم فتح مكة أعطى صفوان بن أمية الأمان واستنظره صفوان أربعة أشهر لينظر في أمره وخرج معه إلى حنين فلما أعطى العطايا قال صفوان: ما لي؟ فأومأ النبي ﷺ إلى واد فيه إبل محملة. فقال: هذا لك. فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر». الضرب الثاني: من يخشى شره ويرجى بعطيته كف شره فيعطى لما روي عن ابن عباس «أن قوماً كانوا يأتون النبي ﷺ فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وإن منعهم ذموا». والمسلمون أربعة أضرب: - قوم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد فيعطون كما فعل رسول الله ﷺ في عطاء سفيان والأقرع وعيينة (٢).

стр. 764

و «كان النبي ﷺ يقسم قسماً فيقول سعد بن أبي وقاص: أعط فلاناً فإنه مؤمن. فيقول النبي ﷺ : أوْ مُسلم ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ مَخافةَ أن يَكُبَّهُ الله في النار» (١). - الثاني: قوم سادات من المسلمين لهم نظراء من المشركين إذا أعطوا [رغب نظرائهم في الإسلام فهؤلاء يعطون «لأن النبي ﷺ أعطى] (٢) عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر» مع ثباتهما في الإسلام وحسن نيتهما فيه. - الثالث: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف. - الرابع: قوم في طريق بلاد الإسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين فيعطون لدخولهم في اسم المؤلفة. قال: (الخامس: الرقاب. وهم المكاتبون. ويجوز أن يفدى بها أسيراً مسلماً. نص عليه. وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ على روايتين). أما كون الرقاب من الأصناف الثمانية؛ فلأن الله تعالى ذكرهم في الآية المتقدمة فقال: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠]. وأما كون الرقاب هم المكاتبون؛ فلأن لفظ الرقاب يشملهم بدليل ما لو قال: أعتقت رقابي فإنه يعتق مكاتبوه، وقد قال الله تعالى: ﴿فكاتبوهم -إلى قوله تعالى-: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]. ولأنه ممن يملك المال على سيده ويصرف إليه أرش جنايته فكان له أخذ الزكاة كالغريم. ولأنه مدين أشبه الغارم. وأما كون المزكي يجوز أن يفدي بالزكاة أسيراً مسلماً على المنصوص؛ فلأنه فك رقبة من الأسر أشبه فك رقبة المكاتب نفسه.

стр. 765

ولأن الحاجة داعية إلى ذلك [فإنه] (١) لا يؤمن عليه القتل أو الردة وهو محبوس في أيديهم أشد من حبس القن في الرق. ولأن فيه إعزاز الدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم. وأما كونه يجوز أن يشتري من الزكاة رقبة يعتقها على روايةٍ فلدخوله في قوله : ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠] بل هو ظاهر فيه لأن الرقبة إذا أطلقت انصرفت إليه كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] وتقدير الآية وفي إعتاق الرقاب. ولأنه إعتاقٌ للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه كدفعه في الكتابة. وأما كونه لا يجوز على روايةٍ فلأن الآية تقتضي الدفع إلى الرقاب كقوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠] المراد به الدفع إلى المجاهدين والدفع إلى العبد لا يمكن لأنه لا يلزم منه فك الرقبة. قال: (السادس: الغارمون وهم المدينون، وهم ضربان: ضرب غَرِم لإصلاح ذات البين، وضرب غَرِم لإصلاح نفسه في مباح). أما كون الغارمين من الأصناف الثمانية؛ [فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدم ذكرها فقال: ﴿والغارمين﴾ [التوبة: ٦٠]. ولأن النبي ﷺ قال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (٢) رواه مسلم. وكان غارماً. وأما كون الغارمين هم المدينين فلأن الغارم في اللغة: المدين. ذكره الجوهري. وأما انقسام الغارم إلى ضربين فلأن ضرباً غَرِم لإصلاح ذات البين وهو من تحمّل دية قتيل لإطفاء الفتنة وتسكين ثائرة القتال بين طائفتين. وفي الحديث عن قبيصة: «قال: تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فيسأل حتى يؤديها ثم يمسك ... مختصر» (٣).

стр. 766

وضرباً غرم لإصلاح نفسه في مباح وهو من استدان في نفقة نفسه أو عياله أو كسوتهم أو نحو ذلك وكلاهما داخل في عموم قوله: ﴿والغارمين﴾ [التوبة: ٦٠]. وقول المصنف ﵀: في مباح؛ تنبيه على أن من استدان وصرفه في معصية؛ كشرب الخمر والزنا ونحوهما لا يدفع إليه. وسيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى (١). قال: (السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم. ولا يعطى منها في الحج. وعنه: يعطى الفقير ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه). أما كون سبيل الله من الأصناف الثمانية؛ فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدمة فقال: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠]. وأما كون السبيل هم الغزاة فلأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال الله تعالى: ﴿قاتلوا في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿يجاهدون في سبيل الله﴾ [المائدة: ٥٤] وذكر ذلك في غير موضع من كتابه. فعلى هذا يعطون ما يشترون به السلاح والدواب وما يحتاجون إليه من نفقة ونحو ذلك. وأما كون الغزاة من لا ديوان لهم؛ فلأن من له ديوان يستغني بديوانه عن أخذ الزكاة. وأما الإعطاء منها في الحج ففيه روايتان: أحدهما: لا يعطى منها فيه لأن السبيل عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد. ولأن كلما في القرآن ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد فوجب حمل هذه الآية على ذلك. والرواية الثانية: يعطى فيه لأنه من السبيل؛ لما روي «أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج. فقال لها النبي ﷺ : اركبيها فإن الحج من سبيل الله» (٢). وعن ابن عمر قال: «الحج من سبيل الله».

стр. 767

وهذه الرواية هي أصح الروايتين. قاله القاضي. وظاهر كلام المصنف ﵀: أن الصحيح أنه ليس من السبيل ولذلك قدم أنه لا يعطى فيه. وقال في المغني: الرواية الثانية أحسن يعني كونه ليس من السبيل لأن سبيل الله عند الإطلاق لا يتناول إلا الغزو. ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: إما محتاج كفقير ومسكين ومكاتب وغارم، وإما من يحتاج إليه المسلمون كعامل وغاز وغارم لإصلاح ذات البين، والحاج لا نفع للمسلمين فيه ولا يحتاج صاحبه إليه لأنه إنما يدفع إليه مع الفقر، والفقير لا فرض في ذمته فيسقط، وإن أراد التطوع به فتوفير ما يحج به على ذوي الحاجات من سائر الأصناف أولى. قال: (الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده، فيعطى قدر ما يصل به إلى بلده). أما كون ابن السبيل من الأصناف الثمانية] (١)؛ فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدم ذكرها فقال: ﴿وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠]. وأما كون ابن السبيل هو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده فلأن السبيل الطريق وإنما سمي ابن السبيل بذلك لملازمته الطريق، كما يقال للطائر: ابن الماء لملازمته له، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ابن السبيل مسافراً لا منشئاً لأن المنشئ للسفر يصير ابن سبيل في ثاني الحال بخلاف الأول فإنه ابن سبيل في الحال، فالاسم لا يتناول المنشئ حقيقة فلا يكون مراداً لأن الأصل إرادة الحقيقة. ولأنه لا يفهم من ابن السبيل إلا الغريم دون من هو في وطنه وإن انتهت به الحاجة غايتها فوجب أن يحمل الاسم عليه. وأما كون ما يعطى قدر ما يصل به إلى بلده فلأنه إنما جاز له الأخذ من الزكاة ليتوصل إلى بلده فلا يجوز أن يأخذ أكثر مما يدفع به ذلك، كما لا (٢) يجوز أن يأخذ الفقير أكثر مما يدفع به فقره.

стр. 768

قال: (ويعطى الفقير والمسكين ما يغنيه، والعامل قدر أجرته، والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما، والمؤلف ما يحصل به التأليف، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، ولا يزاد أحد منهم عن ذلك. ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم). أما كون الأصناف المذكورة يعطون ما ذكر فلأن من جاز دفع الزكاة إليه لمعنى جاز أن يعطى ما دام ذلك المعنى موجوداً فيه لأن السبب المجوز للأخذ باق فيترتب عليه ما يقتضيه. وأما كونهم لا يزاد أحد منهم عن ذلك فلأن الإعطاء هنا لمعنى فمتى زال ذلك المعنى لم يجز إعطاؤه بذلك السبب لأن الحكم ينتفي لانتفاء سببه. فعلى هذا الفقير والمسكين يعطيان قدر كفايتهما لأن عدم الكفاية هو المجوز فقدر بقدره. وقول المصنف ﵀: ما يغنيه؛ يحتمل أن مراده ما يكفيه، ويحتمل أن يكون نبه على جواز الدفع ولو صار به غنياً، كمن يدفع له خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب أو قدر الكفاية على اختلاف الروايتين فيما يحصل به الغنى؛ لأن المانع من أخذ الزكاة الغنى وحين الدفع لم يكن غنياً. وشرط الخرقي: أن يكون المدفوع لا يخرج المدفوع إليه إلى الغنى. فعلى هذا لا يجوز أن يدفع إليه خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب أو قدر الكفاية جملة واحدة لأن الغنى لو سبق الدفع لم يجز فكذلك إذا قارن كالجمع بين الأختين. والعامل أجرة عمله لأن السبب المجوز لأخذه عمله فوجب أن يتقدر بمقدار أجرته. والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما لأن السبب المجوز فيهما الدين فوجب أن يتقدر بالوفاء. والمؤلف: ما يحصل به التأليف لأن سببه التأليف فيقدر به. والغازي: ما تندفع به حاجته من مركوب وسلاح ونحو ذلك لأن سببه ذلك فيقدر به.

стр. 769

وصرح المصنف ﵀ بقوله: وإن كثر لئلا يتوهم أنه لا يجوز أن يكون قدر نصاب لأن سبب الدفع في ذلك الحاجة إلى ما ذكر فوجب أن يعطى ما بقي السبب عملاً بمقتضاه. وأما كون من له عيال يأخذ ما يكفيهم فلأن الحاجة داعية إلى إزالة حاجتهم كلهم فجاز الأخذ لهم كلهم كالأخذ لنفسه. قال: (ولا يعطى أحد منهم مع الغنى إلا أربعة: العامل، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي). أما كونه لا يعطى أحد ممن ذكر مع الغنى غير الأربعة المذكورة فلقول النبي ﷺ : «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (١)، وقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وأما كون العامل والغارم والغازي يجوز أن يعطوا مع الغنى فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله ولعامل عليها أو لغارم ... مختصر» (٣) رواه أبو داود. وأما كون المؤلفة قلوبهم يجوز أن يعطوا مع الغنى فلأن إعطائهم لمعنى يعم منفعة المسلمين أشبه الغازي. قال: (فإن فَضَل مع الغارم والمكاتب والغازي وابن السبيل شيء بعد حاجتهم لزمهم رده. والباقون يأخذون أخذاً مستقراً فلا يردون شيئاً. وظاهر كلام الخرقي في المكاتب: أنه يأخذ أيضاً أخذاً مستقراً). أما كون الغارم والغازي وابن السبيل يردون ما فضل عن حاجتهم فلأن السبب زال فيجب رد الفاضل لزوال السبب.

стр. 770

فعلى هذا لو أخذ الغارم شيئاً فوفى غرمه وبقي معه فضلة ردها، [ولو أخذ الغازي ففضلت فضلة بعد غزوه ردها، ولو أخذ ابن السبيل] (١) ففضلت فضلة بعد بلوغه بلده ردها؛ لأن ذلك كله فاضل عن حاجتهم. وأما كون المكاتب يلزمه رد ما فضل بعد كتابته على المذهب فلزوال السبب الذي أخذ من أجله. وأما كونه لا يرد على قول الخرقي فلأنه عند أخذه فقير أشبه الفقير. قال: (وإن ادعى الفقر من عرف بالغنى، أو ادعى إنسان أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لم يقبل إلا ببينة. وإن صدق المكاتب سيده والغارم (٢) غريمه فعلى وجهين). أما كون من عرف بالغنى إذا ادعى الفقر، وكون الإنسان إذا ادعى أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لا يقبل قوله مع عدم البينة فلأنه قول يخالف الظاهر. وأما كون المكاتب إذا صدقه سيده [والغارم إذا صدقه غريمه لا يقبل لأن السيد] (٣) والغريم متهمان في ذلك. وأما كونه يقبل على وجهٍ فلأن الحق في العبد للسيد فإذا أقر بالكتابة قبل والغريم في معنى السيد فيقاس عليه. قال: أما كون من لم يعرف بالغنى إذا ادعى الفقر يقبل قوله فلأن الظاهر صدقه. ولأن الأصل استصحاب حال الإنسان فإذا لم يكن معروفاً بالغنى اقتضى الاستصحاب عدم الحكم عليه بالغنى. وأما كون من رآه جلداً وذكر أنه لا كسب له يعطيه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فلما روى عبيدالله بن عدي بن الخيار «أن رجلين أتيا النبي ﷺ وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئاً فصَعّد فيهما البصر فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (٤) رواه أبو داود.

стр. 771

قال: (وإن ادعى أن (١) له عيالاً قلد وأعطي، ويحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة). أما كون من ذكر يقلد ويعطى على المذهب فلأنه يقلد ويعطى في حاجة نفسه فكذلك في وجود عياله. وأما كونه يحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة فلأن الأصل عدم العيال ولا يتعذر عليه إقامة البينة عليهم. قال: (ومن غَرِم أو سافر في معصية لم يدفع إليه فإن تاب فعلى وجهين). أما كون من غَرِم في معصية ولم يتب كمن استدان شيئاً فصرفه في شراء خمر أو زنا ونحو ذلك، وكون من سافر في معصية كالمسافر إلى بلده قاصداً قطع الطريق أو لشرب الخمر أو للزنا ونحو ذلك لا يدفع إليه شيء من الزكاة فلأن الدفع إليهما إعانة لهما على المعصية وذلك غير جائز. وأما كونهما يدفع إليهما مع التوبة على وجه قاله القاضي فلأن إيفاء الدين واجب وليس بمعصية والإعانة على الواجب قربة لا معصية. أشبه من صرف ماله في المعاصي حتى افتقر ثم تاب فإنه يصرف إليه لفقره، والغارم في معصية وابن السبيل المسافر في المعصية مثله فيلحق له. وأما كونهما لا يدفع إليهما على وجه؛ فلأنهما متهمان في إظهار التوبة. ولأنه لا يؤمن أن يعودا إلى ما كانا عليه. بخلاف من أتلف ماله فيها فإنه يعطى للحاجة في الحال. قال: (ويستحب صرفها في الأصناف كلها، فإن اقتصر على إنسان واحد أجزأه. وعنه: لا يجزئه إلا ثلاثة من كل صنف إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحداً). وأما كون صرف الزكاة في الأصناف كلها يستحب؛ فلأن في ذلك خروجاً من الخلاف وتعداداً للأشخاص المختلفين من الجنس وتعميماً للأصناف اللاتي ذكرها الله تعالى. وأما كون الاقتصار على إنسان واحد من الأصناف الثمانية يجزئ فاعله فهو متضمن أمرين:

стр. 772

أحدهما: أن الصنف الواحد يجزئه، وفيه روايتان: أحدهما: أنه يجزئه؛ لأن النبي ﷺ اقتصر على ذلك فروي أنه قال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (١). والثانية: لا يجزئه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... الآية﴾ [التوبة: ٦٠] أضاف من يملك إلى من يملك بلام التمليك وعطف بواو العطف فوجب استيعاب الأصناف الثمانية كما لو وصى لهم. ولأن الإضافة بالتعيين يقتضي التمليك كقولك: هذه الدار لزيد وعمرو فكذلك بالصفة كالوصية للفقراء وابن السبيل. وثانيهما: أن الواحد من الصنف يجزئه: أما في العامل فلا خلاف فيه؛ لأن الحاجة تندفع به. وأما في بقية الأصناف؛ ففيه روايتان: إحداهما: يجزئ واحد قياساً على العامل «لأن النبي ﷺ أمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر» (٢) وهو واحد. والثانية: لا بد من الصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] وذلك جمع وأقل الجمع ثلاثة. والصحيح في المذهب أنه لا يجب تعميم الأصناف لما تقدم. ولأنه لا يجب تعميم كل صنف بالاتفاق. وقد ذكر الله صرفها إلى صنف واحد في آية أخرى فقال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]. و«قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (٣) فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً. ولأن إيجاب تعميم الأصناف يعسر وذلك منتف شرعاً قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 773

قال: (ويستحب صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم، ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم). أما كون صرف الزكاة إلى أقاربه الذين لا يلزمه مؤونتهم يستحب فلأن الصدقة على القريب صدقة وصلة لما يأتي بعد. وأما كون تفريقها فيهم على قدر حاجتهم يستحب فلأن اعتبار الحاجة أبلغ وأحسن في غير القرابة ففي القرابة أولى. قال: (ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه وإلى غريمه). أما كون دفع السيد زكاته إلى مكاتبه يجوز فلقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]. ولأنه قد صار كالأجنبي في باب المعاملة بدليل أنه يجزئ بينهما حكم الربا. ولأن الدفع تمليك وهو أهل لذلك. وأما كون دفع زكاته إلى غريمه يجوز فلأنه شخص يجوز للغير دفع الزكاة إليه فجاز لمن ذكر دفعها إليه بالقياس على الغير. فإن قيل: الفرق بينه وبين الغير ظاهر؟ قيل: لا فرق بينهما إلا أنه يحتمل أن يعيدها إليه من دينه فينتفع بزكاته وذلك لا أثر له؛ لأن ذلك المعنى موجود في المكاتب ولم يؤثر في منع الدفع.

стр. 774

فصل [فيمن لا تدفع الزكاة إليه] قال المصنف ﵀: (ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا عبد ولا فقيرة لها زوج غني ولا الوالدين وإن علوا ولا الولد وإن سفل ولا إلى الزوجة ولا لبني هاشم ولا مواليهم). أما كون الكافر لا يجوز دفع الزكاة إليه «فلقول النبي ﷺ لمعاذ: أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (١). ولأنها مواساة تجب على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة. وأما كون العبد لا يجوز دفع الزكاة إليه فلأنه لا يملك بالدفع إليه، وما يعطاه فهو لسيده فكأنه دفعه إلى سيده. ولأن العبد تجب نفقته على سيده فهو غني بغناه. وأما كون الفقيرة التي لها زوج غني لا يجوز دفع الزكاة إليها فلأنها غنية بغناء زوجها ووجوب نفقتها عليه فهي كالولد يكون غنياً بغناء والده لوجوب نفقته عليه، والجامع بينهما حصول الغنى بوجوب نفقتهما على غني. وأما كون الوالدين وإن علوا والولد وإن سفل والزوجة لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلأنهم من عياله تجب نفقتهم عليه ففي دفعها إليهم غنى لهم عن نفقته وترفيه لماله لأنه يعود نفعها (٢) إليه وبقاء ماله بزكاته فلم يجز كما لو أخذها لنفسه. وأما كون بني هاشم لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلقول النبي ﷺ : «لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» (٣) أخرجه مسلم.

стр. 775

وعن أبي هريرة قال: «أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي ﷺ : كخ كخ ليطرحها وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة» (١) متفق عليه. وأما كون مواليهم وهم من أعتقه هاشمي لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلما روى أبو رافع «أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كَيْمَا تُصيب منها فقال: لا. حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فسأله فقال: لا. إنا لا تحل لنا، وإن موالي القوم منهم» (٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ولأنهم ممن يرثه بنو هاشم بالتعصيب فلم يجز دفع الزكاة إليهم كبني هاشم. قال: (ويجوز لبني هاشم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر. وفي الكفارة وجهان). أما كون بني هاشم يجوز لهم الأخذ من صدقة التطوع فـ «لأن محمد بن علي ﵄ كان يشرب من سقاياتٍ بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة». ولأنه يجوز اصطناع المعروف إليهم وهو صدقة بدليل قوله ﷺ : «كل معروف صدقة» (٣) حديث صحيح. وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من وصايا الفقراء والنذر فلأنهما لا يقع عليهما اسم الزكاة والطهرة، ووجوبهما بإيجاب الآدمي أشبها الهبات.
следующие страницы →