← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فصل [فيمن جامع نهار رمضان] قال المصنف ﵀: (وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه القضاء والكفارة عامداً كان أو ساهياً. وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان. ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر، وهل يلزمها مع عدمه؟ على روايتين. وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان). أما كون من جامع في نهار رمضان في الفرج عليه القضاء فلأن في حديث المجامع في نهار رمضان الآتي ذكره بعد في بعض ألفاظه: «وصم يوماً مكانه» (١) رواه الأثرم. وفي بعض ألفاظه: «ويصوم يوماً مكانه» (٢) رواه ابن ماجة. وأما كونه عليه الكفارة فلما روى أبو هريرة قال: «بينما نجن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ . فبينما نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق من تمر. والعَرَق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. [قال] (٣): فخذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر

стр. 807

مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك» (١). متفق عليه. وأما كون الدبر كالقبل في ذلك فلأن الدبر أحد الفرجين أشبه الآخر. وأما كون الساهي كالعامد والمكره كالمختار على المذهب فلأن النبي ﷺ لم يستفصل الأعرابي ولو افترق الحال لوجب الاستفصال. ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ الحديث وهو المجامعة في حال الصوم وهي موجودة في السهو والإكراه. وأما كونه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان في رواية فلقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢). وأما كون المرأة لا يلزمها الكفارة مع العذر كالمكرهة والناسية لصومها فلأنها معذورة. ولأنها تدخل فيما تقدم من قوله ﵇: «عفي لأمتي ... الحديث». وأما كونها يلزمها مع عدمه كالمطاوعة الذاكرة لصومها على روايةٍ فلأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل. وأما كونها لا يلزمها على روايةٍ فلأن النبي ﷺ لم يذكر حكم المرأة لمّا أمر الأعرابي، ولا أوجب عليها شيئاً. وأما كون الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره في كل أمر غُلب عليه على روايةٍ فلعموم ما تقدم من قوله ﵇: «عفي لأمتي ... الحديث». ولذلك قال المصنف ﵀ عقيب ذلك فهذا يدل على إساقط القضاء ... إلى آخره.

стр. 808

قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر. وفي الكفارة وجهان). أما كون من جامع دون الفرج فأنزل كمن وطئ امرأته في فخذها أو يدها أو نحو ذلك فأنزل يفطر فلأنه إذا فطر اللمس مع الإنزال فلأن تفطر المجامعة معه بطريق الأولى. وأما كون من وطئ بهيمة يفطر فلأنه وطء في فرج أشبه وطء الآدمية في فرجها. وأما كون الكفارة تجب في المسألتين على وجهٍ فلأنه وطء أفسد الصوم وأوجب الكفارة كوطء الآدمية في فرجها. وأما كونه لا تجب فيهما على وجهٍ فلأنه فطر بغير جماع تام فلم تجب الكفارة به كالقُبلة. قال: (وإن جامع في يومٍ رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة). أما كون من ذُكر عليه القضاء فلأنه أفطر من رمضان يوماً يلزمه صومه فوجب أن يلزمه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيام أُخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما كونه عليه الكفارة فلأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته. ولأن رد شهادته لم ينف كون ذلك اليوم من رمضان في حقه فلم ينف وجوب الكفارة عليه كاليوم الثاني والثالث. قال: (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ على وجهين). أما كون من ذُكر يلزمه كفارة واحدة على وجهٍ فلأن الكفارة عقوبة فوجب أن تتداخل كالحدود، أو كفارةٌ عن غير إتلاف تكرر سببها قبل فعلها فاجتزئ بكفارة واحدة ككفارة اليمين والظهار. وأما كونه يلزمه كفارتان على وجهٍ فلأن كل يوم عبادة منفردة فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين وكالحجتين. قال: (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة. نص عليه، وكذلك كل من لزمه الإمساك إذا جامع. ولو جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط عنه). أما كون من جامع ثم كفر ثم جامع في يومه عليه كفارة ثانية فلأن الصوم عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطئ بعد التكفير كالحج.

стр. 809

ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كالأول. ومفهوم هذا الكلام أنه لو وطئ ولم يكفر ثم وطئ أن عليه كفارة واحدة وصرح به المصنف ﵀ في المغني لأن الكفارات زواجر فتداخلت كالحدود. وأما كون كل من لزمه الإمساك إذا جامع كذلك فلأنه هَتَك حرمة الزمن أشبه هتك حرمة الصوم. ولأن الكفارة تجب على المستديم للوطء ولا صوم هناك فكذلك هاهنا. ومراد المصنف ﵀ بقوله: كذلك وجوب الكفارة على من لزمه الإمساك إذا وطئ لمساواته مع [من] (١) جامع بعد ما جامع لاستوائهما معنى. لا تكرار الكفارة لأنه لا تكرار هاهنا لعدم تكرار الوطء. وأما كون من جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لا تسقط عنه الكفارة فلأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام فوجبت الكفارة وجوباً مستمراً كما لو لم يفطر لعذر. قال: (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه. وعنه عليه الكفارة). أما كون من ذكر لا كفارة عليه رواية واحدة فلأن كل صوم أبيح فطره بالأكل أبيح فطره بالجماع كالتطوع. ولأن هذه محظورات [الصوم] (٢) فإذا لم يجب الصوم لم يحرم شيء منها، وإذا أبيح الفطر بذلك لم تجب الكفارة لأن الوجوب يستدعي حرمة الفطر وذلك غير موجود. وأما كونه عليه الكفارة على روايةٍ فلأنه صائم في رمضان أفطر بالجماع فوجبت عليه الكفارة كالمقيم الصحيح. قال: (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان). أما كون الكفارة لا تجب بغير الجماع فلأن غير الجماع لم يرد فيه نص، وقياسه على الجماع لا يصح لما بينهما من الفرق فوجب أن لا تجب الكفارة عملاً بالنافي لها السالم عن المعارض.

стр. 810

وأما كونها لا تجب بالجماع في صوم غير رمضان كقضائه، والصوم المنذور، وعن الكفارة فلأن الوجوب من الشرع ولم يرد في غير رمضان، ولا يصح قياسه على رمضان لأن رمضان له حرمة بخلاف غيره. فإن قيل: هل في لفظ المصنف ﵀ ما يدل على عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير رمضان حتى يعلل؟ . قيل: فيه إشعار بذلك، وذلك أن قوله: ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان يقتضي أمرين: أحدهما: عدم وجوب الكفارة بغير الجماع كالوطء دون الفرج، والقبلة المقترنة بالإنزال، وكالإفطار بالأكل والشرب، وغير ذلك لأن ذلك كله غير جماع. وثانيهما: عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير صوم رمضان كما تقدم ذكره لأنه وإن كان جماعاً فهو غير جماع في صيام رمضان. قال: (والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه. وعنه لا تسقط. وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه). أما كون الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً فلما روى أبو هريرة «أن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فسكت النبي ﷺ . فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق من تمر. فقال: أين السائل؟ خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! ؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال له: أطعمه أهلك» (١) متفق عليه. وأما كونها مرتبة على المذهب فلأن النبي ﷺ رتب الثانية والثالثة على عدم وجود ما قبلها، وذلك شأن المرتب.

стр. 811

وأما كونها على التخيير على روايةٍ فلما روى أبو هريرة: «أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً» (١) رواه مالك في الموطأ. وأو للتخيير. فعلى هذا بأيها كفر أجزأه لأن هذا شأن التخيير. والأول أصح لأن الحديث الأول أصح وهو متضمن للزيادة. وأما كونه إذا لم يجد ذلك يسقط عنه على المذهب فلأن النبي ﷺ أمر الذي أخبره بحاجته إليها بأكلها ولا يجوز أن يأكل ما يجب عليه. وأما كونه لا يسقط عنه على روايةٍ فلأن النبي ﷺ أمره بالتكفير لما دفع إليه المكيل بعد إخباره بحاجته وعجزه. والأول أولى لأن الإسقاط منه آخر الأمرين فيجب تقديمه.

стр. 812

باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء قال المصنف ﵀: (يكره للصائم أن يجمع ريقه فيبلعه، وأن يبتلع النخامة، وهل يفطر بهما؟ على وجهين). أما كون الصائم يكره له أن يجمع ريقه فيبلعه، وأن يبلع النخامة فلأنه قد اختلف في كون ذلك مفطراً فأدنى أحواله أن يكون مكروهاً. وأما كونه يفطر بهما على وجهٍ فلأنه ابتلع ذلك على وجهٍ يمكنه التحرز منه أشبه غبار الدقيق إذا قصد ابتلاعه. وأما كونه لا يفطر بهما على وجهٍ فلأنه غير واصل من خارج أشبق الريق. قال: (ويكره مضع العلك الذي لا يتحلل منه أجزاء. ولا يجوز مضغ ما يتحلل منه أجزاء إلا أن يبلع ريقه. ومتى وجد طعمه في حلقه أفطر). أما كون مضغ ما لا يتحلل منه أجزاء يكره فلأنه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش. وأما كون مضغ ما يتحلل منه أجزاء لا يجوز إذا ابتلع ريقه فلأنه إذا مضغ مثل ذلك وابتلع ريقه يكون قد قصد إيصال شيء من خارج إلى جوفه وهو صائم وذلك غير جائز. وأما كون ذلك يجوز إذا لم يبلع ريقه فلأن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه ولا يوجد ذلك مع عدم البلع. وأما كون من وجد طعم ما مضغه في حلقه يفطر فلأنه أوصل إلى جوفه أجزاء شيء لو تعمد أكله أفطر. قال: (وتكره القبلة إلا أن يكون ممن لا تحرك شهوته على إحدى الروايتين). أما كون القبلة تكره ممن تحرك شهوته فلأنه لا يأمن أن ينزل فيفسد صومه.

стр. 813

وأما كونها تكره ممن لا تحرك شهوته على روايةٍ فلأنه لا يأمن حدوث الشهوة وقد روي عن عمر قال: «رأيت رسول الله ﷺ في المنام فأعرض عني. فقلت: ما لي؟ فقال: إنك تقبل وأنت صائم» (١). وأما كونها لا تكره على روايةٍ فلما روت عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإرْبِه» (٢) رواه البخاري. وروي: «لإرَبِه» ومعناهما واحد. قاله الخطابي. قال: (ويجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فإن شُتم استحب أن يقول: إني امرؤ صائم). أما كون الصائم يجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فلأن ذلك واجب في غير الصوم فلأن يجب في الصوم بطريق الأولى. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٣) متفق عليه. وروي أنه قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ» (٤). وأما كونه إذا شتم يستحب له أن يقول: إني امرئ صائم فلأن في الحديث: «فإن سابه أحد فليقل: إني امرؤ صائم» (٥).

стр. 814

فصل [في مستحبات الإفطار] قال المصنف ﵀: (ويستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وأن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء. وأن يقول عند فطره: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم). أما كون الصائم يستحب له الفطور وتأخير السحور فلما روى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال أمتي بخير ما أَخَّروا السحور وعجلوا الفطر» (١) رواه أحمد في المسند. وفي لفظ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٢) متفق عليه. وفي استحباب تأخير السحور إشعار بأن السحور مستحب، وهو صحيح صرح به المصنف ﵀ وغيره لما روى أنس أن النبي ﷺ قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» (٣) متفق عليه. وأما كونه يستحب له أن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء فلأن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور» (٤) رواه ابن ماجة.

стр. 815

وهذا الاستحباب في حق من لم يجد الرطب فإن وجده فالمستحب أن يبدأ به؛ «لأن النبي ﷺ كان يفطر على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه الأثرم وزاد فيه: «قبل أن يصلي» (٢). ولم يذكر المصنف ﵀ الرطب لأنه لا يوجد في الشام غالباً. وأما كونه يستحب له أن يقول عند فطره ما تقدم ذكره فلما روى أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم صائماً فليقل: اللهم! لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك. اللهم! تقبل مني إنك أنت السميع العليم» (٣). وفي حديث آخر: «أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد» (٤). قال: (ويستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب). أما كون التتابع في قضاء رمضان يستحب فلأنه يحكي الأداء. ولأن فيه خروجاً من الخلاف. وأما كونه لا يجب فلقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا مطلق يتناول المتفرق. ولما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق وإن شاء تابع» (٥) رواه الأثرم.

стр. 816

وفي لفظ: «لو كان على أحدكم دين فقضاه من الدرهم والدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضياً عنه؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم» (١).

стр. 817

فصل قال المصنف ﵀: (ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر، [فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم). أما عدم جواز تأخير رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر] (١) فلأن مقتضى الدليل وجوب القضاء على الفور كالصلاة خولف ذلك في جواز تأخيره للمعذور إلى زوال عذره للعذر ولغيره إلى أن يضيق شعبان عنه لأن عائشة قالت: «كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أقضيه حتى يجيء شعبان» (٢) متفق عليه. فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. وأما كون من فعل ذلك عليه القضاء فلأن القضاء كان واجباً عليه ولم يوجد ما يسقطه فوجب أن يبقى على ما كان عليه. وأما كونه عليه إطعام مسكين لكل يوم فلأنه يروى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة أنهم قالوا: «يطعم عن كل يوم مسكيناً» (٣) ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافه فكان إجماعاً. وقد أسنده أبو هريرة إلى النبي ﷺ من طريق فيه ضعف (٤). ولأن تأخير قضاء رمضان عن وقته إذا لم يوجب قضاء آخر أوجب الفدية كالشيخ الهرم.

стр. 818

قال: (وإن أخره لعذر فلا شيء عليه وإن مات. وإن أخره لغير عذر فمات قبل رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فهل يطعم كل يوم مسكين أو اثنان؟ على وجهين). أما كون من أخر قضاء رمضان عن وقته لعذر من مرض أو سفر أو عجز: لا شيء عليه فلأن صوم رمضان لا يجب بتأخيره للعذر شيء وهو أصل فلأن لا يجب بتأخير القضاء شيء وهو فرع بطريق الأولى. وأما قول المصنف ﵀: وإن مات فتصريح بأن من أخر القضاء لعذر ثم مات كمن أخر القضاء لعذر وهو حي في عدم وجوب الشيء لاشتراكهما في جواز تأخير ذلك. فإن قيل: المراد بقوله: لا شيء عليه نفي القضاء والكفارة أو نفي الكفارة فقط؟ قيل: بالنسبة إلى الميت نفيهما وبالنسبة إلى الحي نفي الكفارة دون القضاء لأن الحي يمكنه القضاء بخلاف الميت وبه يظهر الفرق بينهما. وأما كون من أخر القضاء لغير عذر فمات قبل رمضان آخر يطعم عنه لكل يوم مسكين فلما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين» (١) قال الترمذي: الصحيح [أنه] (٢) عن ابن عمر موقوف. وأما كون من مات بعد أن أدركه رمضان آخر يطعم عنه لكل يوم مسكين على وجهٍ فلأنه بإخراج ذلك زال تفريطه بالتأخير فلم يجب عليه شيء آخر كما لو مات من غير تفريط. وأما كونه يطعم عنه لكل يوم اثنان على وجهٍ فلأن كل واحد منهما يقتضي كفارة على انفراده فإذا اجتمعا وجبت كفارتان كما لو فرط في يومين.

стр. 819

قال: (وإن مات وعليه صوم منذور أو حج أو اعتكاف فعله عنه وليه، وإن كانت عليه صلاة منذورة فعلى روايتين). أما كون من مات وعليه صوم منذور يفعله عنه وليه؛ فلما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١) متفق عليه. ورواه أبو داود وقال: هذا في النذر (٢). وفي رواية: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: فصومي عن أمك» (٣) متفق عليه. ولأن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والمنذور أخف حكماً؛ لأنه لم يجب بأصل الشرع بل بإيجاب نفسه. وأما كون من مات وعليه حج يفعله عنه وليه واجباً كان أو منذوراً: أما الواجب فـ «لأن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة قال: من شبرمة؟ [قال: قريب لي. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (٤) رواه أبو داود. و«لأن امرأة] (٥) قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم» (٦) رواه البخاري. وأما المنذور فلما روي أن امرأة قالت: «يا رسول الله! إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال: حجي عنها» (٧) رواه البخاري. ولأنه منذور فكان للولي فعله كالصوم.

стр. 820

وأما كون من مات وعليه اعتكاف منذور يفعله عنه وليه فلأنه في معنى الصوم المنذور. وكان في نسخة المصنف ﵀ الأصلية: وإن مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف منذور فغيره بعض أصحابه المأذون له في التغيير منه على ما ذكرت لأن تأخير المنذور إن رجع إلى الاعتكاف وحده بقي الصوم مطلقاً والولي لا يفعل الواجب بالشرع، وإن عاد إلى الجميع بقي الحج مشروطاً بكونه منذوراً ولا يشترط ذلك لأن الولي يفعل الواجب بالشرع أيضاً لما تقدم. ولا يقال في تقديم المنذور يبقى الاعتكاف مطلقاً لأن الاعتكاف لا يكون واجباً إلا بالنذر. فقوله وعليه مع ذلك يُعلم أنه منذور فلا حاجة إلى اشتراطه فيه. وفعل الولي لجميع ما ذكر مستحب لا واجب لأن قضاء دين الميت لا يجب على الولي من ماله فكذا الصوم عنه، وفعل غير الولي لذلك كالولي لأن ذلك دخلته النيابة بخفته وغير الولي في ذلك كالولي فجاز له فعله كالولي. وأما كون الولي يفعل الصلاة المنذورة على روايةٍ فلأنها منذورة أشبهت الصوم. وأما كونه لا يفعلها على روايةٍ فلأن الصلاة عبادة بدنية محضة بخلاف الصوم. وهذا أصح؛ لما ذكر، وبه يظهر الفرق بين الصلاة والصوم.

стр. 821

باب صوم التطوع قال المصنف ﵀: (وأفضله صيام داود [﵇] (١) كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ويستحب صيام أيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس). أما كون أفضل صيام التطوع صيام داود وكونه ﷺ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فلما روى عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً» (٢) متفق عليه. وفي تفضيل صوم داود على صوم التطوع إشعار بفضيلة صوم التطوع وهو صحيح. والأصل فيه ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، الصوم جنة. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر وإذا لقي ربه» (٣) متفق عليه. وعموم قوله ﵇ عن الله : «لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أصير سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» (٤).

стр. 822

وأما كون صيام أيام البيض من كل شهر يستحب فلما روى أبو ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة [وخمس عشرة] (١») (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وأما كون صيام الاثنين والخميس يستحب فلما روى أسامة «أن رسول الله ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس. فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (٣) رواه أبو داود. قال: (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر. وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين. ولا يستحب لمن كان بعرفة). أما كون من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر فلما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» (٤) رواه مسلم. وأما كون صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتي فلما روى أبو قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: «يوم عرفة فإني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (٥).

стр. 823

وقال في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله (١») (٢) [رواه مسلم] (٣). وأما كون صيام يوم عرفة لا يستحب لمن كان بعرفة فلما روى ابن عمر قال: «حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه» (٤). ولأنه يوم يستحب فيه إكثار الدعاء فاستحب الفطر فيه إعانة لفاعله على ذلك. قال: (ويستحب صوم عشر ذي الحجة. وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم). أما كون صوم عشر ذي الحجة يستحب فلما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيام العملُ الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام. قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله. قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٥) أخرجه البخاري. وأما كون أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» (٦) رواه مسلم.

стр. 824

قال: (ويكره إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان إلا أن يوافق عادة). أما كون إفراد رجب بالصوم يكره إذا لم يوافق عادة فلما روي عن خرشة قال: «رأيت عمر يضرب أكف الناس حتى يضعوها في الطعام -يعني في رجب- ويقول: إنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه. ثم يقول: صوموا منه وأفطروا» (١). ولأن في صومه كله تشبيهاً برمضان. وأما كون إفراد يوم الجمعة بالصوم يكره كما تقدم فلما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده» (٢) متفق عليه. وأما كون إفراد يوم السبت بالصوم يكره كما تقدم فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» (٣) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. فإن قيل: هذا لا يختص بالإفراد؟ . قيل: قد تقدم في حديث أبي هريرة ما يدل عدم كراهية صومه مع غيره فتعين حمل هذا الحديث على صومه مفرداً. وأما كون صوم يوم الشك وهو الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو من شعبان يكره كما تقدم فلما روى عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٤). وقد قيل: أنه حرام كذلك.

стр. 825

وأما كون صوم يوم النيروز والمهرجان يكره كما تقدم فلأنهما من أعياد الكفار ففي صومهما تعظيم لهما وتشبيه بأهلهما في التعظيم. وأما قول المصنف ﵀: إلا أن يوافق عادة له فعائد إلى صوم يوم الجمعة وإلى المهرجان. وإنما لم يكره إذا كان له عادة بصوم ذلك الزمن لأن العادة لها أثر في مثل ذلك وقد دل عليه قوله ﵇: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصمه» (١). قال: (ولا يجوز صوم يومي العيدين عن فرض ولا تطوع، وإن قصد صيامهما كان عاصياً ولم يجزئه عن فرض). أما كون صوم يومي العيدين لا يجوز فلما روي أن عمر قال في يوم عيد: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» (٢) متفق عليه. والنهي ظاهر في التحريم. وأما كون ذلك لا يجوز عن فرض ولا تطوع فلعموم الحديث المذكور. وأما كون من قصد صيامهما يكون عاصياً فلأنه تعمد فعل الحرام. وفي كلام المصنف ﵀ إشعار بعدم عصيان من لم يقصد صيامهما وهو صحيح لأنه لم يقصد المخالفة فلم يوصف بالعصيان. وأما كون من صامهما لا يجزئه عن فرض فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد والفساد لا يجامع الإجزاء، أو شرطه الصحة.

стр. 826

قال: (ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعاً، وفي صومها عن الفرض روايتان). أما كون صيام أيام التشريق تطوعاً لا يجوز فلقوله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكرٍ لله » (١) رواه مسلم. وأما كون صومها عن الفرض لا يجوز في رواية فلعموم الحديث المذكور. وأما كونه يجوز (٢) في رواية؛ فلما روى ابن عمر وعائشة قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (٣) رواه البخاري. جوز صومها عن المتعة وباقي الفروض في معناها فيلحق بها. قال: (ومن دخل في صوم أو صلاة تطوعاً استحب له إتمامه ولم يجب فإن أفسده فلا قضاء عليه). أما كون من (٤) دخل فيما ذكر يستحب له إتمامه؛ فلأن به تكمل العبادة وذلك مطلوب. ولأن في الإتمام خروجاً من الخلاف. وأما كون الإتمام لا يجب؛ فلما روت عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! أُهدي لنا حَيْس. قال: هاتيه فجئت به فأكل. وقال: قد كنت صائماً» (٥) رواه مسلم. والصلاة وسائر التطوعات تلحق به لاشتراكهما في المعنى. ولأن (٦) ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة. وأما كون من أفسد ذلك لا قضاء عليه فلأن ما لم يجب إتمامه لم يجب قضاؤه. ولأن القضاء تبع المقضي عنه فإذا لم يكن واجباً لم يكن القضاء واجباً.

стр. 827

قال: (وتُطلب ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، وليالي الوتر آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، ويدعو فيها بما روت عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: إن وافقتها فبم أدعو: قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (١». أما كون ليلة القدر تطلب في العشر الأخير من رمضان فلقوله ﷺ : «فالتمسوها في العشر الأواخر ... مختصر» (٢) متفق عليه. وقال: «اطلبوها في العشر الأواخر» (٣). وقد جاء «أنه كان يوقظ أهله في العشر» (٤). و «أنه كان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره» (٥). وأما كون ليالي الوتر آكد فلقوله ﷺ : «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٦) متفق عليه. وفي لفظ: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٧) رواه البخاري.

стр. 828

وأما كون أرجاها ليلة سبع وعشرين فـ «لأن أبي بن كعب كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. فقيل له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ . إنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» (١) رواه مسلم. وأما كون من وافقها يدعو فيها بدعاء عائشة المتقدم ذكره فلأن النبي ﷺ أمرها بذلك فقال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وحكه ﷺ على الواحد حكمه على الكل.

стр. 829

كتاب الاعتكاف الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه براً كان أو غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢]. قال الخليل: يقال عكف يعكُف ويعكِف. وهو في الشرع: الإقامة في المسجد للطاعة وإياه أراد المصنف ﵀ بقوله: (وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى). قال: (وهو سنة إلا أن ينذره فيجب). أما كون الاعتكاف سنة إذا لم يُنْذر فلأن النبي ﷺ فعله وداوم عليه (١). فإن قيل: لم لا يكون واجباً لأن فعله للوجوب لا سيما مع المداومة؟ . قيل: لأن النبي ﷺ قال: «من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر» (٢) علقه بالإرادة ولو كان واجباً لما علقه بها. وأما كونه يجب إذا نُذر فلقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٣) أخرجه البخاري.

стр. 830

قال: (ويصح بغير صوم. وعنه لا يصح فعلى هذا لا يصح في ليلة مفردة ولا بعض يوم). أما كون الاعتكاف بغير صوم يصح على المذهب فلما روي عن عمر أنه قال: «يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال: أوف بنذرك» (١) رواه البخاري. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» (٢). ولأنه يصح ابتداؤه بغير صوم فصح جميعه بغير صيام كسائر العبادات. وأما كونه لا يصح بغيره على روايةٍ فلما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا بصيام» (٣). ولأنه لبث في مكان مخصوص فلا يكون قربة بمجرده كالوقوف بعرفة. وأما قول المصنف ﵀: فعلى هذا إلى آخره فتفريع على رواية كون الاعتكاف بغير صوم لا يصح لأن الليلة المفردة وبعض اليوم غير قابل للصوم المشترط. والأول أصح لما تقدم. والخبر عن عائشة لا نعلم صحته وإن صح فهو محمول على نفي الكمال، والقياس نقول بموجبه وأنه يفتقر إلى النية. قال: (ولا يجوز الاعتكاف من المرأة بغير إذن زوجها، ولا العبد بغير إذن سيده. وإن شرعا فيه بغير إذنٍ فلهما تحليلهما، وإن كان بإذن فلهما تحليلهما إن كان تطوعاً، وإلا فلا). أما كون الاعتكاف من المرأة بغير إذن زوجها، ومن العبد بغير إذن سيده لا يجوز فلأن منافعهما مملوكة لغيرهما، وفي اعتكافهما تفويت لمنافعهما فلم يجز ذلك بغير إذن مستحق المنفعة.

стр. 831

ولأن الاعتكاف ليس بواجب عليهما فكان لمالك المنفعة منعهما قياساً على بقية الأشياء المملوك منعها. وأما كون الزوج والسيد لهما تحليل المرأة والعبد إذا شرعا في ذلك بغير إذنهما فلأنه شروع غير جائز متضمن لفوات حقهما فملكا تحليلهما منه ليعود حقهما إلى ما كان. وأما كون ذلك لهما إذا شرعا بإذن إن كان الاعتكاف تطوعاً فلأن الاعتكاف المذكور لا يلزم بالشروع. ولأن لهما منعهما ابتداء فكذلك دواماً كالمعير إذا رجع فيما أذن فيه. وأما كونهما ليس لهما ذلك إن لم يكن الاعتكاف تطوعاً كالمنذور فلأنه يتعين بالشروع فيه ويجب إتمامه فيصير كالحج إذا (١) أذنا فيه. وفي كلام المصنف ﵀ إشعار بأنهما لو شرعا في اعتكاف غير تطوع بغير إذن الزوج والسيد كان لهما تحليلهما لأنه شرط في المسألة الإذن في الشروع وهو صحيح لأنهما ليس لهما الدخول في الاعتكاف البتة لتضمنه فوات حق غيرهما وقد تقدم ذكره. قال: (وللمكاتب أن يعتكف ويحج بغير إذن. ومن بعضه حر إن كان بينهما مهايأة فله أن يعتكف ويحج في نوبته، وإلا فلا). أما كون المكاتب له أن يعتكف ويحج بغير إذن سيده فلأن السيد لا يستحق منافعه وليس له إجباره على الكسب وإنما له دين في ذمته فهو بمنزلة الغريم. وأما كون من بعضه حر له أن يفعل ذلك في نوبته إن كان بينهما مهايأة. وهو: أن يتفق هو ومالك بعضه أن يكون يوم له ويوم لمالك بعضه أو شهر وشهر أو سنة وسنة فلأن منافعه في تلك المدة لا يستحقها غيره بل هو بمنزلة الحر فيها فصح ذلك منه ككامل الحرية. وأما كونه ليس له أن يفعل ذلك إذا لم يكن بينهما مهايأة فلما يتضمن من بطلان حق غيره وهو غير جائز.

стр. 832

قال: (ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يُجَمّع فيه، إلا المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد إلا مسجد بيتها (١). والأفضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله). أما كون الاعتكاف لا يصح في غير مسجد فلقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] خصه بذلك ولو صح في غيرها لم يخص تحريم الاعتكاف بالمباشرة في المساجد. وفي حديث عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يُدْخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً» (٢) متفق عليه. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة «لأن زوجات رسول الله ﷺ كن يعتكفن في المسجد» (٣) ولو صح في غيره لفعلنه ولو مرة تبييناً للصحة. وأما كونه لا يصح من غير المرأة إلا في مسجد يُجَمَّع فيه -أي تقام فيه الجماعة- فلما روي عن عائشة أنها قالت: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (٤). وعن حذيفة عن النبي ﷺ : «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصح» (٥) فالتخصيص بهذا يدل على عدم الصحة عند عدمه. ولأن الجماعة واجبة على الرجال والاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجماعة مفض إلى الخروج إلى الصلوات الخمس وذلك ينافي الاعتكاف لأنه عبارة عن لزوم المسجد والخروج في النهار خمس مرات ينافي اللزوم.

стр. 833

وأما كون المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد غير مسجد بيتها فلأن اشتراط مسجد الجماعة في حق الرجل لأجل وجوب الجماعة عليه وذلك مفقود في المرأة. وأما كونها ليس لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو الموضع الذي جعلته للصلاة من بيتها فلأنه لو جاز ذلك لاعتكف أزواج رسول الله ﷺ في بيوتهن ولو مرة واحدة تبييناً للجواز. وأما كون الأفضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله فلأنه لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة. وتقييد المصنف ﵀ الأفضلية بتخلل الجمعة الاعتكاف مشعر بأنه إذا لم يتخلله لم يكن الجامع أفضل من غيره لأن مدة الاعتكاف إذا كانت لا يتخللها الجمعة لا يحتاج إلى الخروج فاستوى الجامع وغيره إذن، وكونه أفضل يتضمن جواز الاعتكاف في غيره من المساجد لأنه مسجد تقام فيه الجمعة فيصح الاعتكاف فيه كمسجد الجامع. فعلى هذا إذا فعل وجب عليه الخروج إلى الجمعة لأنها فرض عين فتقدم على الاعتكاف، ولو كان الاعتكاف منذوراً لم يبطل لأنه خروج لواجب فلم يبطل بذلك كالمعتدة تخرج لقضاء العدة. ولأنه لو ندر أياماً فيها جمعة خرج إليها وصار كأنه استثنى الجمعة أشبه ما لو استثنى بلفظ. قال: (ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعله في غيره، إلا المساجد الثلاثة). أما كون من نذر ما ذكر في مسجدٍ له فعله في غيره إلا المساجد الثلاثة فلأن الله تعالى لم يعين لأداء الفرض موضعاً فلم يتعين بالنذر. وأما كون ما ذكر في أحد المساجد الثلاثة ليس له فعله في غيرها فلقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١) متفق عليه.

стр. 834

قال: (وأفضلها المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم الأقصى، فإذا نذره في الأفضل لم يجز (١) في غيره، وإن نذره في غيره فله فعله فيه). أما كون أفضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام فلقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) رواه مسلم. وأما كون مسجد المدينة أفضل من المسجد الأقصى فلدخوله فيما سوى مسجد المدينة. وأما كون من نذر الاعتكاف أو الصلاة في الأفضل لا يجزئه في غيره فلأنه مفضول. فعلى هذا إذا نذره في المسجد الحرام لم يجزئه في مسجد المدينة ولا الأقصى ولو نذره في مسجد المدينة لم يجزئه في الأقصى لما ذكر. وأما من نذر ذلك في المفضول له فعله في الأفضل فلأنه أفضل. فعلى هذا لو نذره في الأقصى جاز في مسجد المدينة والحرام لأنهما أفضل منه، ولو نذره في المدينة جاز في الحرام لأنه أفضل منه. وقد روي عن النبي ﷺ أن رجلاً قال: «يا نبي الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة لأصلين في بيت المقدس. قال:

стр. 835

هاهنا فصل (١). فكرر الرجلُ والنبيُّ قولهما ثلاثاً. ثم قال: فوالذي بعث محمداً بالحق لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس» (٢) رواه أحمد. قال: (ومن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه). أما كون من نذر ما ذكر يلزمه الشروع في الاعتكاف قبل دخول ليلة الشهر فلأن الشهر يدخل بغروب الشمس ولا يتمكن من استيفاء الليل إلا أن يدخل قبل غروب الشمس بلحظة وما لا يمكن استيفاء الواجب إلا به واجب كغسل جزء من الرأس مع الوجه وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم. وأما كون الاعتكاف إلى انقضاء الشهر فلأن ذلك داخل في مسمى نذره وفيه تنبيه على أنه لا يلزم (٣) ثلاثون يوماً بل يجزئه ذلك الشهر وإن كان ناقصاً لأن ذلك مقتضى نذره. قال: (وإن نذر شهراً مطلقاً لزمه شهر متتابع، وإن نذر أياماً معدودة فله تفريقها إلا عند القاضي، وإن نذر أياماً وليالي متتابعة لزمه ما يتخللها من ليل ونهار) (٤). أما كون من نذر شهراً مطلقاً يلزمه شهر متتابع فلأن الشهر عبارة عن الليل والنهار فإذا أطلق اقتضى التتابع كما لو حلف لا كلمت زيداً شهراً. وأما كون من نذر أياماً معدودة له تفريقها عند غير القاضي فلأن الأيام المطلقة توجد بدون التتابع والنذر يقتضي ما يتناوله لفظه. وأما كونه ليس له ذلك عند القاضي فلما ذكر في الشهر: فعلى عدم اشتراط التتابع لا يدخل في نذره الليل إلا أن ينويه أو يشترطه، وعلى اشتراط التتابع يدخل الليل لما يأتي فيمن نذر أياماً متتابعة. وأما كون من نذر أياماً أو ليالي متتابعة يلزمه ما يتخلل ذلك من ليل أو نهار فلأنه يلزمه التتابع وفاء بنذره، ومن ضرورة التتابع دخول ما يتخلل ذلك.

стр. 836

فصل [في حكم خروج المعتكف] قال المصنف ﵀: (ولا يجوز للمعتكف الخروج إلا إلى ما لا بد (١) منه كحاجة الإنسان والطهارة والجمعة والنفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من فتنة أو مرض والحيض والنفاس وعدة الوفاة ونحوه). أما كون المعتكف لا يجوز له الخروج إلا لما لا بد (٢) منه فلما روي عن عائشة أنها قالت: «السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا (٣) بد منه» (٤) رواه أبو داود. وذلك ينصرف إلى سنة النبي ﷺ . وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» (٥) متفق عليه. وأما قول المصنف ﵀: كحاجة الإنسان ... إلى آخره فتمثيل لصور لا بد من الخروج إليها. والمراد بحاجة الإنسان: البول والغائط والأكل والشرب ونحو ذلك. وقد دل حديث عائشة على جواز الخروج لذلك. وبالطهارة الغسل من الجنابة والوضوء، وقدما على الاعتكاف وإن كان منذوراً لأن الحاجة تدعو لهما. ضرورة أن الجنب لا يحل له اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته بغير وضوء لأنهما واجبان بإيجاب الله تعالى بخلاف النذر فإنه وجب بإيجاب الناذر، والجمعة معلومة وقد تقدم ما يدل على جواز الخروج لها. وفي معنى ذلك كل واجب كالنفير المتعين والشهادة الواجبة والحيض والنفاس لأن اللبث في

стр. 837

المسجد معهما حرام، وكذلك عدة الوفاة لأنها تجب في المنزل الذي مات الزوج وهي فيه، والخوف من فتنة أو مرض لأن ذلك مما يباح به ترك الجمعة التي يباح الخروج من الاعتكاف [لها، فلأن يباح الخروج من الاعتكاف] (١) لأجله أولى. قال: (ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه فيجوز، وعنه له ذلك من غير شرط). أما كون المعتكف لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إذا لم يشترط ذلك على المذهب فلما روت عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يمر بالمريض فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه» (٢). وروي عن عائشة أنها قالت: «السنة في المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة» (٣) رواهما أبو داود. ولأن عيادة المريض سنة والاعتكاف المنذور (٤) واجب فلا يترك الواجب. لسنة وصلاة الجنازة إن صلى غيره عليها فليست واجبة عليه، وإن تعينت عليه يمكن فعلها في المسجد ولا وجه للخروج. وأما كونه يجوز له ذلك على روايةٍ فلأنه يروى عن علي: «المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة» (٥). والأولى أصح. وما روي عن علي ليس بثابت وبتقدير ثبوته يحمل على الاعتكاف التطوع جمعاً بين قوله وبين قول عائشة: «السنة في المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة» (٦).

стр. 838

وأما كونه يجوز له ذلك إذا اشترط فلأن الاشتراط يجعل الأشياء المذكورة كالمستثناة. أشبه ما لو نذر شهراً إلا يوماً معيناً فإنه له أن يفعل ذلك كله فيه. قال: (وله السؤال عن المريض في طريقه ما لم يعرج، والدخول إلى مسجد يُتِم اعتكافه فيه). أما كون المعتكف له السؤال عن المريض في طريقه ما لم يعرج فلما روت عائشة قالت: «كنت أدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة» (١) متفق عليه. ولأنه بالوقوف يترك اعتكافه، وبالسؤال لا يتركه. وأما كونه له الدخول إلى مسجد يُتِم اعتكافه فيه فلأن المسجد لا يتعين بالاعتكاف فإذا صار إلى غيره كان له إتمام الاعتكاف فيه. قال: (فإن خرج لما لا بد منه خروجاً معتاداً كحاجة الإنسان والطهارة فلا شيء فيه، وإن خرج لغير المعتاد في المتتابع وتطاول خُيّر بين استئنافه وإتمامه مع كفارة يمين، وإن فعله في متعين قضى. وفي الكفارة وجهان). أما كون المعتكف إذا خرج لما لا بد منه خروجاً معتاداً كحاجة الإنسان ونحوها لا شيء فيه فلأنه خروج جائز معتاد فلم يجب فيه شيء كما لو لم يخرج. ولأن الاعتكاف لا يخلو من ذلك فلو وجب فيه شيء لأدى إلى امتناع معظم الناس من الاعتكاف. وأما كونه يخير بين استئناف الاعتكاف وبين إتمامه وكفارة يمين إذا خرج لغير المعتاد كالنفير والخوف والمرض ونحو ذلك وتطاول وكان الاعتكاف منذوراً متتابعاً غير معين فلأن كل واحد من الاستئناف والاتمام مع الكفارة محصل لنذره: أما الاستئناف فظاهر، وأما الاتمام مع الكفارة فلأن الكفارة تجبر ما حصل من فوات التتابع.

стр. 839

وفي تقييد المصنف ﵀ ذلك بالتطاول إشعار بأنه لو كان الزمن يسيراً لا يؤثر وهو صحيح لأن اليسير معفو عنه لقلته. وأما كونه يقضي إذا فعل ذلك في متعين فلاستدراك ما فاته. وأما كونه عليه الكفارة في وجه فلتركه المنذور في وقته. وأما كونه لا كفارة عليه في وجه فلأنه خروج لا يبطل الاعتكاف أشبه الخروج لحاجة الإنسان. قال: (وإن خرج لما له منه بد في المتتابع لزمه استئنافه، وإن فعله في معين فعليه كفارة، وفي الاستئناف وجهان). أما كون المعتكف يلزمه الاستئناف إذا خرج لما له منه بد وكان الاعتكاف منذوراً متتابعاً فلأن الاعتكاف يبطل بالخروج لما تقدم، وإذا بطل لزم استئنافه لأنه لا يمكن فعل المنذور على وجهٍ إلا به. وأما كونه إذا فعل ذلك في معين عليه الكفارة فلتركه المنذور في وقته. وأما كونه عليه الاستئناف في وجه فليستدرك التتابع. وأما كونه ليس عليه ذلك في وجه فلأنه لا يمكن استئنافه على الوجه الذي أوجبه. ضرورة أنه أوجبه في زمان معين وذلك يتعذر عوده بعد مضيه فعلى هذا يتمم ذلك الزمان ثم يقضي ما فاته. قال: (وإن وطئ المعتكف في الفرج فسد اعتكافه، ولا كفارة عليه إلا لترك نذره. وقال أبو بكر: عليه كفارة يمين. وقال القاضي: عليه كفارة ظهار. وإن باشر دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه وإلا فلا). أما كون المعتكف إذا وطئ في الفرج يفسد اعتكافه فلأن الوطء في الاعتكاف حرام لقول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧] وإذا كان حراماً أفسده كالوطء في الحج والصوم. وأما عدم وجوب الكفارة على المذهب بالوطء فلأن الاعتكاف عبادة لا تجب بأصل الشرع فلم يجب بإفساده بالوطء كفارةكالنوافل. ولأنها عبادة لا يدخل المال في جبرانها فلم تجب الكفارة بإفسادها كالصلاة.

стр. 840

[وأما وجوب كفارة يمين على قول أبي بكر فلأنها كفارة نذر فكانت كفارة يمين كسائر الكفارات] (١). وأما وجوب كفارة الظهار على قول القاضي فلأنها كفارة وطء. أشبه وطء المظاهر. وأما قول المصنف ﵀: "إلا لترك نذره" فتنبيه على أن نفي الكفارة هنا على المذهب إنما هو في نفيها بالوطء أما بغيره فلا لما تقدم من أنها تجب إذا ترك المنذور. وأما كون من باشر دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه وإذا لم ينزل لم يفسد فقياس على الصوم. قال: (ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القرب واجتناب ما لا يعنيه، ولا يستحب له إقراء القرآن والعلم والمناظرة فيه إلا عند أبي الخطاب إذا قصد به الطاعة). أما كون المعتكف يستحب له التشاغل بفعل القرب؛ فلأن ذلك يستحب لغير المعتكف فالمعتكف أولى. وأما كونه يستحب له اجتناب ما لا يعنيه؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٢) رواه الترمذي. وأما كونه لا يستحب له إقراء القرآن والعلم والمناظرة فيه على قول أكثر أصحابنا؛ فلأنها عبادة شرط لها المسجد فلا يستحب فيها ذلك كالصلاة والطواف. وأما كونه يستحب له ذلك إذا قصد به الطاعة على قول أبي الخطاب؛ فلأن نفعه يتعدى. ولأنه قربة في نفسه أشبه الذكر. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 841

كتاب المناسك قال المصنف ﵀: (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط: الإسلام، والعقل. فلا يجب على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما. والبلوغ والحرية. فلا يجب على صبي ولا عبد. ويصح منهما. ولا يجزئهما إن بلغ الصبي أو عتق العبد (١) إلا أن يبلغ أو يعتق في الحج قبل الخروج من عرفة، وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما). أما وجوب الحج. وهو في اللغة: القصد. ويحكى عن الخليل أنه قال: الحج كثرة القصد إلى من يعظمه. قال الشاعر: وأشهد من عوف حؤولا كثيرة ... يحجون سِبّ الزِّبرقان المزعفرا أي يقصدون. والسِّب: العمامة. والحج والحجة تفتح حاؤهما وتكسر. وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة. وهو أحد أركان الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما السنة فقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس» (٢) متفق عليه. ذكر منها حج البيت.

стр. 842

وأما الإجماع فأجمعت الأمة على وجوب الحج في الجملة. وأما وجوب العمرة. وهي في اللغة: الزيارة. وفي الشرع: عبارة عن أفعال مخصوصة فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] ومقتضى الأمر الوجوب. ثم عطفها على الحج. والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه. قال ابن عباس ﵄: «إنها لقرينة الحج في كتاب الله تعالى» (١). وأما السنة فما روى الصُّبَيُّ بن معبد قال: «أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين! إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأهللت بهما. فقال عمر ﵁: هُديتَ لسنة نبيك ﷺ » (٢). رواه النسائي وأبو داود. ورويا أيضاً: «أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر» (٣) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وروي «أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني. قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر». وروي «أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن. وكان في الكتاب: وأن العمرةَ الحجُّ الأصغر» (٤). ولأنها تشتمل على إحرام وطواف وسعي فكانت واجبة كالحج. وأما كون الواجب من ذلك في العمر مرة واحدة فلما روى أبو هريرة ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج

стр. 843

فحجوا. فقال رجل: أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ... » (١) مختصر. رواه مسلم. وأما ما يشترط لوجوبها فخمسة شروط: شرطان للوجوب والصحة وهما: الإسلام والعقل. فلا يجب واحد منهما على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما. أما عدم الوجوب فلأن الكافر والمجنون غير مخاطبين بفروع الإسلام ولذلك قال ﷺ : «رفع القلم عن المعتوه حتى يعقل ... » (٢) مختصر. رواه أبو داود. وأما عدم الصحة فلأن كل واحد من الحج والعمرة عبادة من شرطها النية وهي لا تصح منهما. وشرطان للوجوب والإجزاء وهما: البلوغ والحرية. فلا يجب واحد منهما على صبي ولا عبد ويصح منهما ولا يجزئهما إلا أن يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره. أما عدم الوجوب على الصبي فلأنه غير مكلف لقوله ﷺ : «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ ... » (٣) مختصر. رواه أبو داود. وأما على العبد فلأن مدتهما تطول فلم يجبا على العبد لما فيهما من إبطال حق سيده أشبه الجهاد. وأما الصحة فلما روى ابن عباس ﵄ قال: «رفعت امرأة صبياً فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر» (٤) رواه مسلم. وأما في العبد فلأنه من أهل العبادات فصح حجه وعمرته كالحر. والشرط الخامس: الاستطاعة. وسيأتي ذكره. وأما عدم الإجزاء إذا لم يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره فلما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى» (٥) رواه الشافعي في مسنده.

стр. 844

ولأنهما فَعَلا العبادة وهما من غير أهل الوجوب فلم يجزئهما إذا صارا من أهل الوجوب كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت. وأما الإجزاء إذا بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف في الحج والطواف في العمرة فلأنهما أتيا بالنسك حال الكمال فأجزأهما كما لو وجد ذلك قبل الإحرام. قال ﵀: (ويحرم الصبي المميز بإذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله، ونفقة الحج وكفاراته في مال وليه، وعنه: في مال الصبي). أما إحرام الصبي المميز بإذن وليه. ومعناه: أن إحرامه لا يصح بغير إذنه فلأنه قد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد منه بنفسه كالبيع. وأما إحرام الولي عن غير المميز فلأنه فعل لا يمكنه فعله بنفسه فناب عنه وليه كسائر ما ينوب عنه فيه. ومعنى إحرامه عنه عقده الإحرام له فيصير الصبي بذلك محرماً دون الولي كما يعقد له النكاح. والولي هنا: من يلي ماله، وأمُّه في ظاهر كلامه وظاهر الحديث المتقدم. وقال القاضي: لا يصح لعدم ولايتها على ماله. وفي سائر العصبات وجهان بناء على الأم. وأما فعل الولي عن الصبي ما يعجز عن فعله فلما روى جابر ﵁ قال: «كنا إذا حججنا مع رسول الله ﷺ لبَّيْنا عن الصبيان ورمينا عنهم» (١) رواه ابن ماجة. وروي «أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة» (٢) رواه الأثرم. فعلى هذا ما يمكن الصبي فعله من وقوف وغيره لزمه فعله لأن النيابة إنما تجوز مع العجز وذلك منتف. وأما نفقة الحج ففيها روايتان: إحداهما: أنها في مال الولي لأنه أدخله وغرر بماله. والثانية: أنها في مال الصبي لأن ذلك من مصلحته ليألف الحج ويتمرن عليه أشبه أجرة المعلم والطبيب وأجرة من يحمله ليشاهد الجمعة والجماعات. والأول أصح لما ذكر.

стр. 845

والمراد بنفقة الحج ما يزيد على نفقة الحضر لأن نفقة الحضر في مال الصبي بغير خلاف. وصرح المصنف ﵀ في المغني بأن الروايتين في الزائد على نفقة الحضر. ولم يذكر في القدْر الذي يجب له في الحضر خلافا بل أوجبها في مال الصبي. وأما الكفارة فما اختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب فلا فدية فيه على الصبي؛ لأن عمده خطأ، وما لا يختلف عمده وسهوه فالفدية فيه بفعل الصبي وفي محلها الروايتان المتقدمتان. قال ﵀: (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيده، ولا للمرأة الإحرام نفلاً إلا بإذن زوجها. فإن فعلا فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر. وإن أحرما بإذنٍ لم يجز تحليلهما. وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به). أما كون العبد ليس له الإحرام بغير إذن سيده وكون المرأة ليس لها الإحرام نفلاً بغير إذن زوجها فلأن إحرامهما يتضمن إسقاط حق السيد والزوج فلم يجز لهما ذلك لئلا يؤدي إلى إسقاط حق المستحق. وأما إطلاق المصنف ﵀ منع العبد من الإحرام وتقييده في المرأة بكونه نفلاً فلأن العبد لا يجب عليه بحال فصح الإطلاق والمرأة يكون الحج تارة واجباً عليها وتارة تحج متطوعة فاحتاج إلى التقييد بكونه نفلاً لأنه ليس له منعها إذا كان فرضاً وسيأتي ذكره. وأما كون السيد والزوج لهما تحليلهما إذا فعلا ذلك بغير إذنهما فلأن حقهما ثابت لازم فكان لهما إخراجهما من الإحرام المفوت له كما لو اعتكفا. وفي تحليلهما إشعار بانعقاد إحرامهما وإن وقع بغير إذن وهو صحيح لأن الإحرام عبادة بدنية فصحت بغير إذن كالصلاة. وأما حكمهما بعد تحليلهما فكالمحصر. وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى (١). وأما كونهما ليس لهما تحليلهما إذا أحرما بإذن فلأن الحج عبادة تلزم بالشروع فلم يملكا تحليلهما من الإحرام إذا شرعا بإذن كقضاء رمضان.
следующие страницы →