← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قال: (وإن ادعى أن (١) له عيالاً قلد وأعطي، ويحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة). أما كون من ذكر يقلد ويعطى على المذهب فلأنه يقلد ويعطى في حاجة نفسه فكذلك في وجود عياله. وأما كونه يحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة فلأن الأصل عدم العيال ولا يتعذر عليه إقامة البينة عليهم. قال: (ومن غَرِم أو سافر في معصية لم يدفع إليه فإن تاب فعلى وجهين). أما كون من غَرِم في معصية ولم يتب كمن استدان شيئاً فصرفه في شراء خمر أو زنا ونحو ذلك، وكون من سافر في معصية كالمسافر إلى بلده قاصداً قطع الطريق أو لشرب الخمر أو للزنا ونحو ذلك لا يدفع إليه شيء من الزكاة فلأن الدفع إليهما إعانة لهما على المعصية وذلك غير جائز. وأما كونهما يدفع إليهما مع التوبة على وجه قاله القاضي فلأن إيفاء الدين واجب وليس بمعصية والإعانة على الواجب قربة لا معصية. أشبه من صرف ماله في المعاصي حتى افتقر ثم تاب فإنه يصرف إليه لفقره، والغارم في معصية وابن السبيل المسافر في المعصية مثله فيلحق له. وأما كونهما لا يدفع إليهما على وجه؛ فلأنهما متهمان في إظهار التوبة. ولأنه لا يؤمن أن يعودا إلى ما كانا عليه. بخلاف من أتلف ماله فيها فإنه يعطى للحاجة في الحال. قال: (ويستحب صرفها في الأصناف كلها، فإن اقتصر على إنسان واحد أجزأه. وعنه: لا يجزئه إلا ثلاثة من كل صنف إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحداً). وأما كون صرف الزكاة في الأصناف كلها يستحب؛ فلأن في ذلك خروجاً من الخلاف وتعداداً للأشخاص المختلفين من الجنس وتعميماً للأصناف اللاتي ذكرها الله تعالى. وأما كون الاقتصار على إنسان واحد من الأصناف الثمانية يجزئ فاعله فهو متضمن أمرين:

стр. 772

أحدهما: أن الصنف الواحد يجزئه، وفيه روايتان: أحدهما: أنه يجزئه؛ لأن النبي ﷺ اقتصر على ذلك فروي أنه قال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (١). والثانية: لا يجزئه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... الآية﴾ [التوبة: ٦٠] أضاف من يملك إلى من يملك بلام التمليك وعطف بواو العطف فوجب استيعاب الأصناف الثمانية كما لو وصى لهم. ولأن الإضافة بالتعيين يقتضي التمليك كقولك: هذه الدار لزيد وعمرو فكذلك بالصفة كالوصية للفقراء وابن السبيل. وثانيهما: أن الواحد من الصنف يجزئه: أما في العامل فلا خلاف فيه؛ لأن الحاجة تندفع به. وأما في بقية الأصناف؛ ففيه روايتان: إحداهما: يجزئ واحد قياساً على العامل «لأن النبي ﷺ أمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر» (٢) وهو واحد. والثانية: لا بد من الصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] وذلك جمع وأقل الجمع ثلاثة. والصحيح في المذهب أنه لا يجب تعميم الأصناف لما تقدم. ولأنه لا يجب تعميم كل صنف بالاتفاق. وقد ذكر الله صرفها إلى صنف واحد في آية أخرى فقال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]. و«قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (٣) فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً. ولأن إيجاب تعميم الأصناف يعسر وذلك منتف شرعاً قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 773

قال: (ويستحب صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم، ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم). أما كون صرف الزكاة إلى أقاربه الذين لا يلزمه مؤونتهم يستحب فلأن الصدقة على القريب صدقة وصلة لما يأتي بعد. وأما كون تفريقها فيهم على قدر حاجتهم يستحب فلأن اعتبار الحاجة أبلغ وأحسن في غير القرابة ففي القرابة أولى. قال: (ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه وإلى غريمه). أما كون دفع السيد زكاته إلى مكاتبه يجوز فلقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]. ولأنه قد صار كالأجنبي في باب المعاملة بدليل أنه يجزئ بينهما حكم الربا. ولأن الدفع تمليك وهو أهل لذلك. وأما كون دفع زكاته إلى غريمه يجوز فلأنه شخص يجوز للغير دفع الزكاة إليه فجاز لمن ذكر دفعها إليه بالقياس على الغير. فإن قيل: الفرق بينه وبين الغير ظاهر؟ قيل: لا فرق بينهما إلا أنه يحتمل أن يعيدها إليه من دينه فينتفع بزكاته وذلك لا أثر له؛ لأن ذلك المعنى موجود في المكاتب ولم يؤثر في منع الدفع.

стр. 774

فصل [فيمن لا تدفع الزكاة إليه] قال المصنف ﵀: (ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا عبد ولا فقيرة لها زوج غني ولا الوالدين وإن علوا ولا الولد وإن سفل ولا إلى الزوجة ولا لبني هاشم ولا مواليهم). أما كون الكافر لا يجوز دفع الزكاة إليه «فلقول النبي ﷺ لمعاذ: أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (١). ولأنها مواساة تجب على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة. وأما كون العبد لا يجوز دفع الزكاة إليه فلأنه لا يملك بالدفع إليه، وما يعطاه فهو لسيده فكأنه دفعه إلى سيده. ولأن العبد تجب نفقته على سيده فهو غني بغناه. وأما كون الفقيرة التي لها زوج غني لا يجوز دفع الزكاة إليها فلأنها غنية بغناء زوجها ووجوب نفقتها عليه فهي كالولد يكون غنياً بغناء والده لوجوب نفقته عليه، والجامع بينهما حصول الغنى بوجوب نفقتهما على غني. وأما كون الوالدين وإن علوا والولد وإن سفل والزوجة لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلأنهم من عياله تجب نفقتهم عليه ففي دفعها إليهم غنى لهم عن نفقته وترفيه لماله لأنه يعود نفعها (٢) إليه وبقاء ماله بزكاته فلم يجز كما لو أخذها لنفسه. وأما كون بني هاشم لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلقول النبي ﷺ : «لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» (٣) أخرجه مسلم.

стр. 775

وعن أبي هريرة قال: «أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي ﷺ : كخ كخ ليطرحها وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة» (١) متفق عليه. وأما كون مواليهم وهم من أعتقه هاشمي لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلما روى أبو رافع «أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كَيْمَا تُصيب منها فقال: لا. حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فسأله فقال: لا. إنا لا تحل لنا، وإن موالي القوم منهم» (٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ولأنهم ممن يرثه بنو هاشم بالتعصيب فلم يجز دفع الزكاة إليهم كبني هاشم. قال: (ويجوز لبني هاشم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر. وفي الكفارة وجهان). أما كون بني هاشم يجوز لهم الأخذ من صدقة التطوع فـ «لأن محمد بن علي ﵄ كان يشرب من سقاياتٍ بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة». ولأنه يجوز اصطناع المعروف إليهم وهو صدقة بدليل قوله ﷺ : «كل معروف صدقة» (٣) حديث صحيح. وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من وصايا الفقراء والنذر فلأنهما لا يقع عليهما اسم الزكاة والطهرة، ووجوبهما بإيجاب الآدمي أشبها الهبات.

стр. 776

وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من الكفارة في وجهٍ فلأنها لا تسمى صدقة وسببها حنث الآدمي أشبهت صدقة التطوع. وأما كونهم لا يجوز لهم أخذها في وجهٍ؛ فلأنها طهرة لها مصارف أشبهت الزكاة. قال: (وهل يجوز دفعها إلى سائرمن تلزمه مؤونته من أقاربه أو إلى الزوج أو بني المطلب؟ على روايتين). أما كون غير الوالد وإن علا والولد وإن سفل من سائر أقاربه الذين تلزمه مؤونتهم كأخيه وأخته ونحوهما يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلأنه تقبل شهادتهم له فجاز الدفع إليهم كالأجانب. وأما كونهم لا يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلما ذكر في الوالد والولد. وأما كون الزوج يجوز أن تدفع زوجته زكاتها إليه على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لزينب امرأة ابن مسعود: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» (١). ولأنه لا يلزمها نفقته فلم يحرم عليه زكاتها كالأجنبي. وأما كونها لا يجوز لها ذلك على روايةٍ؛ فلأنه أحد الزوجين فلم يجز الدفع إليه كالآخر. وهذه هي الصحيحة لما ذكر. ولأن الظاهر أن ما يأخذه يعود نفعه عليها فتكون قد قصدت التوسعة عليها بزكاتها وعود النفع إليها وذلك غير جائز. والحديث المراد به صدقة التطوع بدليل أنه ذكر الولد فيه ولا يجوز دفع الزكاة إليه قولاً واحداً. وأما كون بني المطلب يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... الآية﴾ [التوبة: ٦٠] خرج من ذلك بنو هاشم لمعنى يختص بهم فوجب أن يبقى فيمن عداهم على مقتضاه.

стр. 777

وأما كونهم لا يجوز دفعها إليهم على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد» (١)، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ فكذا من ساواهم. ولأن حرمان الصدقة حكم يتعلق بقرابة الرسول ﷺ فاستوى فيه بنو هاشم وبنو المطلب الذين هم وهم شيء واحد قياساً على سهم ذوي القربى من الخمس. ثم هو بدل الصدقة لقوله ﷺ : «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس» وبنو المطلب يأخذون من خمس الخمس فلا يجمع لهم بين البدل والمبدل. وهذه هي الصحيحة؛ لأن دليلها يخص بمثله العموم ويوجب إلحاق بني المطلب ببني هاشم، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ من الزكاة فكذا بنو المطلب. قال: (وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم يجزئه، إلا الغني إن ظنه فقيراً في إحدى الروايتين). أما كون من دفع الزكاة إلى من لا يستحقها غير الغني وهو لا يعلم ذلك مثل أن يدفعها إلى كافر لا يعلم كفره أو إلى ذوي القربى ولا يعلم أنهم كذلك أو نحو ذلك لا يجزئه فلأنه دفعها إلى من لا يستحقها مما لا يخفى حاله غالباً فلم يعذر بخطئه كديون الآدميين. وأما كون من دفع الزكاة إلى غني ظنه فقيراً لا يجزئه على روايةٍ فلأن الفقر يعسر الوقوف عليه فاكتفي فيه بالظهور، كما اكتفي في جواز الدفع إليه، وكذلك لما سأل رجل النبي ﷺ من الصدقة قال: «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» (٢) فاكتفى بإخباره عن نفسه فدل على أنه يجزئ وإن كان غنياً في الباطن.

стр. 778

فصل [في صدقة التطوع] قال المصنف ﵀: (وصدقة التطوع مستحبة، وهي أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات. والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة). أما كون صدقة التطوع مستحبة فلأن الله تعالى مدح فاعلها وحثه على إخراجها فقال : ﴿إن المصدقين والمصدقات ... الآية﴾ [الحديد: ١٨]. وقال ﵇: «ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره، وليتصدق من صاع تمره» (١). وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «من أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة» (٢). وأما كونها أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات فلأن الحسنات تضاعف فيهما، وقد قال النبي ﷺ : «من فطر صائماً فله مثل أجره» (٣) رواه الترمذي وصححه. وفي الحديث: «أن النبي ﷺ كان في الجود كالريح المرسلة، وأجود ما يكون في شهر رمضان» (٤).

стр. 779

وأما كون الصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة فلما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط عن النبي ﷺ أنه قال: «صدقة الرجل على المسلم صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» (١). قال: (وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه. وإن تصدق بما ينقص مؤونة من تلزمه مؤونته أثم). أما كون الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه تستحب فلأن الفاضل تطيب النفس بإخراجه من غير كلفة ومشقة قال الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٥]. قال أهل التفسير: هو الفاضل عن حاجته وحاجة عياله. وأما كون من تصدق بما ينقص مؤونة من تلزمه مؤونته يأثم فلأن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (٢) رواه أبو داود. ولأن نفقة من تلزمه مؤونته واجبة فإذا تركها أو بعضها أثم كسائر الواجبات. قال: (ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك، وإن لم يثق من نفسه لم يجز له. ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة). أما كون من علم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة له الصدقة بماله كله فـ «لأن أبا بكر ﵁ تصدق بجميع ماله، وقال له رسول الله ﷺ : ما أبقيت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله» (٣).

стр. 780

وحقيقة التوكل عدم الطمع في شيء يأتيه ويكون واثقاً بضمان الله في رزقه. وأما كون من لم يثق من نفسه لا يجوز له ذلك فلما روى جابر بن عبدالله قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله! أصبت هذه من معدن فخذها لا أملك غيرها. فأعرض عنه. ثم جاءه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه. ثم جاءه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك فأعرض عنه. فجاءه من خلفه فأخذها منه فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو عقرته. ثم قال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس. خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول» (١) رواه أبو داود. وأما كون من لا صبر له على الضيق يكره له أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة فلأن التقتير والتضييق مع القدرة شح وبخل نهى الله عنه وتعوذ النبي ﷺ منه (٢). وفيه سوء الظن بالله تعالى.

стр. 781

الممتع في شرح المقنع تصنيف زين الدين المنجى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى التنوخي الحنبلي ٦٣١ - ٦٩٥ هـ الجزء الثاني دراسة وتحقيق د. عبدالملك بن عبدالله بن دهيش

стр. 782

كتاب الصيام الصيام في اللغة: الإمساك. قال الله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: ٢٦] أي صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام. قال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجاج وأخرى تعلك اللجمان وفي الشرع: إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى. قال المصنف ﵀: (يجب صوم شهر رمضان يرؤية الهلال. فإن لم يُر مع الصحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا. وإن حال دون منظره غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب. وعنه لا يجب. وعنه الناس تبع للإمام فإن صام صاموا). أما كون شهر رمضان يجب فالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم -إلى قوله تعالى-: فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. وأما السنة فما روي أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» (١) متفق عليه. وروي «أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان ... مختصر» (٢) رواه البخاري.

стр. 783

وأما كون الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان. وأما كونه يجب برؤية الهلال فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولقوله ﵇: «صوموا لرؤيته ... مختصر» (١) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأما كون الناس يُكْمِلون عدة شعبان إذا لم يُر الهلال مع الفجر فـ «لأن النبي ﷺ أمر بالصيام عند رؤيته» ولم يوجد. ولأن الأصل بقاء شعبان ولم يوجد ما يعارض فيه ولا ما يحتمل معه خروجه فوجب تكميله كسائر الأشهر. وقول المصنف ﵀: فإن لم ير مع الصحو يحترز به عما إذا لم ير مع الغيم فإنه لا يجب إكمال شعبان لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى. وقوله: ثلاثين يوماً بيان للعدة التي تكمل. وأما كونهم يصومون إذا كملوا عدة شعبان فلأن عدة شعبان إذا تكملت تحقق دخول شهر رمضان. وأما كونهم إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان يجب عليهم صيامه في ظاهر المذهب؛ فلما يأتي. وأما كونهم لا يجب عليهم صيامه في روايةٍ؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً» (٢) رواه البخاري.

стр. 784

و «لأن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الشك» (١)، وهذا يوم شك. ولأن الأصل بقاء شعبان. وأما كون الناس تبعاً للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا في روايةٍ فلقوله ﵇: «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون» (٢). قال الترمذي: هو حديث حسن غريب. والأول هو الصحيح في المذهب. واختاره أكثر شيوخنا لما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشهر تسعة وعشرون يوماً فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فاقدروا له» (٣) متفق عليه. قال نافع: «كان عبدالله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال فإن رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قتر أصبح مفطراً. وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً» (٤) رواه أبو داود. ومعنى: اقدروا له ضيقوا له العدد. ومنه قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] أي ضيق عليه، ﴿وقَدِّرْ في السَّرْد﴾ [سبأ: ١١] أي ضيق. والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً وقد فسره ابن عمر بفعله وهو أعلم بمعاني كلام رسول الله ﷺ فيجب الرجوع إليه كما رُجع إليه في تفسير خيار المتبايعين.

стр. 785

وعن عائشة وأبي هريرة: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان» (١). وحديث أبي هريرة الأول رواه عنه سعيد بن المسيب: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» (٢) وروايته أولى بالتقديم جمعاً بينه وبين حديث ابن عمر، وليس هذا بيوم شك وفاقاً لأن الشك ما استوى طرفاه وليس هذا اليوم كذلك لأنه عندنا راجح الرمضانية وعند الغير راجح الشعبانية. فعلى هذا يجب عليهم صيامه بنيةٍ من رمضان لأنه منه لما تقدم. أشبه ما لو ثبت بالرؤية. قال: (وإذا رؤي الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة). أما كون الهلال المرئي نهاراً لليلة المقبلة فلما روى أبو وائل شقيق بن سلمة قال: «جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا، حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس عشية» (٣). رواه الدارقطني. وأما كون الرؤية المذكورة قبل الزوال وبعده لليلة المقبلة فلشمول قول عمر ذلك. وفي تصريح المصنف ﵀: بقبل الزوال وبعده إشارة إلى الرد على القاضي فإنه يقول: إن كان قبل الزوال في أول الشهر فهو لليلة الماضية لقربة منها ووجود الاحتياط للصوم وإن كان في آخره ففيه روايتان: إحداهما: هو للماضية نظراً إلى القرب. والثانية: هو للمستقبلة نظراً إلى الاحتياط في الصوم.

стр. 786

قال: (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان). أما كون الناس كلهم يلزمهم صوم رمضان برؤية أهل بلد من البلاد فلأنه بذلك ثبت كونه من رمضان فيجب صومه لما تقدم من النصوص الدالة على وجوب ذلك. ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين وهذا اليوم بين الهلالين. ولأنه من الشهر في سائر الأحكام من حلول الديون ووجوب النذور ووقوع الطلاق والعتق وغير ذلك من الأحكام وكذلك في الصوم. وأما كون قول العدل الواحد في هلال شهر رمضان يقبل فلما روى ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام» (١) رواه بمعناه أبو داود. وروى ابن عباس «أن أعرابياً من الحرة قال للنبي ﷺ : إني رأيت الهلال. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال! أذن في الناس فليصوموا غداً» (٢) رواه بمعناه أبو داود والنسائي. ولأنه خبر فيما طريقه المشاهدة يدخل به في الفريضة فقبل من واحد كوقت الصلاة. وأما كونه لا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان فلأن ابن عمر وابن عباس قالا: «إن رسول الله ﷺ كان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين» (٣). ولأن ذلك ليس بمال ولا يقصد به المال ولا احتياط فيه فلم يقبل فيه إلا شهادة رجلين كالحدود والقصاص، وكان القياس يقتضي أنه لا يقبل في رمضان إلا ذلك لكن ترك للاحتياط كالغيم.

стр. 787

قال: (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً فلم يروا الهلال أفطروا، وإن صاموا بشهادة واحد فعلى وجهين. وإن صاموا لأجل الغيم لم يفطروا). أما كون الناس إذا صاموا ثلاثين يوماً بشهادة عدلين ولم يروا الهلال يفطرون فلأن النبي ﷺ قال: «وإن شهد شاهدان [فصوموا وأفطروا» (١) رواه النسائي. وأما الفطر إذا صاموا بشهادة واحد لا يجوز] (٢) على وجهٍ فلأن مفهوم قوله ﷺ : «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» يدل على أنه لا يفطر بشهادة الواحد لأنه صوم يستند إلى شهادة واحد فلم يجز كما لو شهد برؤية هلال شوال. وأما كونهم يفطرون على وجهٍ فلأن الصوم إذا ثبت وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة، كالولادة تثبت بشهادة النساء ويترتب عليها النسب، وإن لم يثبت بشهادتهن. وأما كونهم إذا صاموا لأجل الغيم لا يفطرون فلأن صومهم كان لأجل الاحتياط فلا يجوز الخروج منه بمثل ذلك. قال: (ومن رأى هلال رمضان وحده ورُدّت شهادته لزمه الصوم، وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر). أما كون من رأى هلال رمضان وحده ورُدّت شهادته يلزمه الصوم فلأنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه كما لو حكم به الحاكم. وأما كون من رأى هلال شوال وحده لا يفطر فلما روى أبو رجاء مولى أبي قلابة «أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر فذكرا ذلك له. فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: لا بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال للآخر قال: أنا صائم. قال: ما حملك

стр. 788

على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك. ثم نودي في الناس أن اخرجوا» (١). وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ورفع الضرب عنه لأجل كمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز الفطر لما أنكر عليه ولا توعده. قال: (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزئه). أما كون الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر يتحرى. وهو: أن يجتهد في معرفة شهر رمضان فلأنه أمكنه تأدية فرضه بالاجتهاد فلم يجز بدونه كاستقبال القبلة. وأما كونه إذا اجتهد فوافق الشهر يجزئه فكما إذا اجتهد في القبلة وصلى فوافق القبلة. وأما كونه إذا اجتهد فوافق بعده يجزئه فكما إذا اجتهد في دخول الصلاة فوافق بعده. وأما كونه إذا اجتهد فوافق قبله لا يجزئه فلأنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم تجزئه كالصلاة. قال: (ولا يجب الصوم إلا على المسلمِ العاقلِ البالغِ القادرِ على الصوم، ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي ولكن يؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده). أما كون الصوم لا يجب على غير المسلم البالغ العاقل القادر فلأن الإسلام والبلوغ والعقل والقدرة شروط لوجوب الصوم ولم يوجد. أما كون الإسلام من شروطه فلأن الصوم عبادة محضة، يفتقر إلى النية فكان من شروطها الإسلام كالصلاة. وأما كون البلوغ والعقل من شروطه فلقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ... الحديث» (٢).

стр. 789

وأما كون القدرة من شروطه فلأن العاجز عن الشيء لا يكلف به. قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأما كون الصبي يؤمر به إذا أطاقه فلأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان» (١). فإن قيل: أمر الصبي أمر إيجاب أو لا؟ قيل: ظاهر المذهب أنه أمر استحباب لما تقدم من اشتراط البلوغ في وجوب الصوم، والحديث من باب إطلاق الواجب على المندوب كقوله ﵇: «الوتر حق» (٢) لأن فيه جمعاً بينه وبين قوله: «رفع القلم ... الحديث» (٣). وقال بعض أصحابنا: هو واجب لظاهر الحديث، وقياساً على الصلاة. والأول أصح لما فيه من الجمع بين الأدلة. وأما كونه يضرب على الصوم ليعتاده فلما علل المصنف ﵀ من الاعتياد. وقد تقدم ذكره في الصلاة. وأما كون الصوم يجب على من اجتمع فيه الإسلام والبلوغ والعقل والقدرة فللأدلة الدالة على وجوبه السالمة عن معارضة ما ذكر في غير مَن هذا شأنه.

стр. 790

قال: (وإذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الإمساك والقضاء. وإن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي فكذلك. وعنه لا يلزمهم شيء). أما كون الإمساك يلزم الناس إذا قامت البينة في أثناء النهار فلأن الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك عن المفطرات بنية من الليل فإذا لم يمكن أن يأتوا بجميع ذلك وجب أن يأتوا بما يقدرون عليه من إمساك بقية اليوم لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). ولأنه من رمضان فلزمهم إمساك بقيته كما لو تعمدوا الأكل في يوم آخر منه. وأما كون القضاء يلزمهم فلأنه ثبت كون هذا من رمضان ولم يأتوا فيه بصوم صحيح فلزمهم قضاؤه لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما كون الإمساك والقضاء إذا أسلم كافر في أثناء النهار أو أفاق مجنون أو بلغ صبي كما إذا قامت البينة بالرؤية على المذهب؛ فلأنه وجد سبب إيجاب الصوم في أثناء اليوم أشبه المسلم قبلها. وأما كونهم لا يلزمهم شيء على روايةٍ فلأنه نهار أبيح لهم فطر أوله ظاهراً وباطناً فلم يلزمهم إمساكه ولا قضاؤه كما لو استمر العذر. وظاهر المذهب الأول: أما الإمساك فلحرمة رمضان، وأما القضاء فلأنهم أدركوا جزءاً من وقت العبادة فلزمهم قضاؤه كما لو أدركوا جزءاً من وقت الصلاة. قال: (وإن بلغ الصبي صائماً أتم ولا قضاء عليه عند القاضي، وعند أبي الخطاب عليه القضاء). أما كون الصبي المذكور يتم فلأنه نوى الصوم وقد صار من أهله. ولأنه لو كان مفطراً لزمه إمساك بقية يومه فلأن يلزمه إتمامه وهو صائم بطريق الأولى. وأما كونه لا قضاء عليه على الخلاف فمبني على إجزاء ذلك اليوم وفيه وجهان:

стр. 791

أحدهما: يجزئه. قاله القاضي لأنه حصلت له نية رمضان من الليل فيجزئه كالبالغ. وثانيهما: لا يجزئه. قاله أبو الخطاب لأنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه والماضي قبل بلوغه نفل فلا يجزئ عن الفرض كما لو بلغ في أثناء الصلاة. قال: (وإن طهرت حائض أو نفساء أو قدم المسافر مفطراً فعليهم القضاء. وفي الإمسساك روايتان). أما كون من ذكر عليهم القضاء فلأنه يجب على الحائض والنفساء والمسافر مع استمرار العذر لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقول عائشة: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١) فمع انقطاعه بطريق الأولى. وأما كونهم عليهم الإمساك في روايةٍ فلأنه وجد ما يوجب الصوم في أثناء النهار أشبه ما لو ثبتت الرؤية في أثناء النهار. وأما كونهم لا إمساك عليهم في روايةٍ فلأنه روي عن ابن مسعود: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» (٢). ولأن من ذكر يباح له الأكل أول النهار ظاهراً وباطناً بخلاف ما إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار. قال: (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً). أما كون من عجر عن الصوم لكبر يفطر فلما تقدم من أنه لا يجب عليه. ولأن الفطر إذا جاز للمريض فلأن يجوز للعاجز بطريق الأولى.

стр. 792

وأما كون من عجز عنه لمرض لا يرجى برؤه يفطر فلأنه إذا جاز للمريض الذي يرجى برء مرضه فلأن يجوز للمريض الذي لا يرجى برء مرضه بطريق الأولى. وأما كون الكبير يطعم عن كل يوم مسكيناً فلأن الله تعالى قال: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. قال ابن عباس: «نسخت إلا في حق الشيخ الكبير والعجوز» (١). ولأنه صوم واجب في الأصل فجاز أن ينوب عنه المال كصوم الكفارة. وأما كون المريض يطعم كذلك فلأنه في معنى العاجز لكبر. قال: (والمريض إذا خاف الضرر والمسافر استحب لهما الفطر وإن صاما أجزأهما. ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره). أما كون المريض والمسافر يستحب لهما الفطر فيقتضي أمرين: أحدهما: جوازه. والآخر: رجحانه. أما الجواز فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٥]. وعن النبي ﷺ : «إن الله وضع عن المسافر الصوم» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وللجواز المذكور في المريض شرط وهو أن يخاف الضرر مثل أن يخاف زيادة مرضه أو تباطؤ برؤه. فإن لم يخف ذلك لم يبح له الفطر لأن المبيح له العذر وهو مفقود هنا.

стр. 793

فإن قيل: الآية عامة. قيل: تخصص بما ذكر. وأما رجحان الفطر فلأنه أخف عليهما وفيه قبول رخصة الله تعالى ولذلك قال النبي ﷺ : «ما خيرت بين أمرين إلا اخترت أيسرهما» (١). وفي الحديث: «ليس من البر الصوم في السفر» (٢) متفق عليه. وقال ﵇: «خيركم الذي يفطر في السفر» (٣). وأما كون المريض والمسافر إذا صاما أجزأهما فلأن الصوم عزيمة فإذا تحملاها أجزأتهما كالذي تسقط عنه الجمعة لمرضه فتكلف وحضر، وكالذي يعجز عن القيام في الصلاة فيتكلف ويقوم. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لحمزة بن عمرو الأسلمي وقد سأله عن الصوم في السفر: «ومن أحب أن يصوم في السفر فلا جناح عليه» (٤) رواه مسلم. وعن أنس: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يَعِب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» (٥). وعن عائشة قالت: «يا رسول الله! أفطرتَ وصمتُ قال: أحسنتِ» (٦). وأما كونهما لا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره فلأن الفطر أبيح تخفيفاً فإذا لم يريدا التخفيف لزمهما الإتيان بالأصل.

стр. 794

قال: (ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر. وإن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر. وعنه لا يجوز). أما كون من نوى الصوم في سفره له الفطر فلما روى جابر «أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه. فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام. فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناساً صاموا فقال: أولئك العصاة» (١) رواه مسلم. وأما كون من نوى الصوم في الحضر ثم سافر في أثنائه له الفطر على المذهب فلما روي عن أبي بصرة الغفاري «أنه ركب في سفينة من الفُسْطاط في شهر رمضان فَرُفِع ثم قُرّب غداءه. ثم قال: اقترب. قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فأكل» (٢) رواه أبو داود. ولأن السفر مبيح للفطر فأباحه في أثناء النهار كالمرض. وأما كونه لا يجوز ذلك على روايةٍ فلأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة. قال: (والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا. وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً). أما كون الحال والمرضع إذا خافتا على أنفسهما تفطران فلأن ذلك بمنزلة المرض ولذلك لا كفارة عليهما؛ لأن الفطر لمرض لا كفارة فيه. وأما كونهما يقضيان فلعموم قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقياساً على المرض.

стр. 795

وأما كونهما إذا خافتا على ولديهما يفطران فلأن خوفهما خوف على آدمي أشبه خوفهما على أنفسهما. وأما كونهما يقضيان فلما تقدم من الآية والقياس. وأما كونهما يطعمان لكل يوم مسكينا فلأنهما يطيقان الصوم فيدخلان في عموم قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يُطِيقُونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقد رروي عن ابن عباس أنه قال: «نزلت رخصة للشيخ الكبير والحامل والمرضع» (١). قال: (ومن نوى قبل الفجر ثم جُنّ أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه، وإن أفاق جزءاً منه صح صومه، وإن نام جميع النهار صح صومه، ويلزم المغمى عليه القضاء دون المجنون). أما كون من نوى قبل الفجر ثم جُنّ أو أغمي عليه جميع النهار لا يصح صومه فلأنه لم يوجد منه الإمساك المضاف إليه، والواجب إمساك مضاف إليه لقوله ﷺ : «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» (٢) متفق عليه. أضاف ترك الطعام والشراب إلى الصيام. ولأن النية أحد الركنين فإذا انفردت عن الإمساك لم يجز كما لو انفرد الإمساك عن النية. وأما كون من ذكر يصح صومه إذا أفاق جزءاً منه فلأنه وجد الإمساك المضاف إليه. وأما كون من نام جميع النهار يصح صومه فلأن النوم جِبِلّة وعادة ولا يزيل العقل بالكلية وهو في حكم المنتبه لكونه ينتبه إذا نُبِّه، ويجد الألم في حال نومه. وبه يظهر الفرق بينه وبين من زال عقله بجنون أو إغماء.

стр. 796

وأما كون المغمى عليه يلزمه القضاء فلأن الإغماء لا يزيل التكليف، ويجوز على الأنبياء ﵈، ولا تثبت الولاية على صاحبه أشبه المريض. وأما كون المجنون لا يلزمه القضاء فلقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق ... الحديث» (١).

стр. 797

فصل [النية في الصوم] قال المصنف ﵀: (ولا يصح صوم واجب إلا أن ينويه من الليل معيناً. وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان). أما كون الصوم الواجب لا يصح إلا أن ينويه فاعله فلقوله تعالى: ﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]، ولقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» (١) وقوله ﵇: «لا عمل إلا بنية» (٢). وأما كونه لا يصح إلا بنية من الليل فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» (٣) أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي. وأما كونه في غير صوم رمضان كالقضاء عنه والكفارة والنذر لا يصح إلا معيناً رواية واحدة فلأنه لا يتميز عن غيره إلا بالتعيين. وأما كونه في صوم رمضان لا يصح إلا معيناً على المذهب فلأنه صوم واجب أشبه القضاء والنذر. ولأن صوم رمضان عبادة يجب فيها أصل النية فوجب تعيينها كالصلاة. وأما كون صوم رمضان لا يجب تعيين النية له على روايةٍ فلأن الزمان يتعين بخلاف القضاء والنذر.

стр. 798

قال: (ولا يحتاج إلى نية الفرضية. وقال ابن حامد: يجب ذلك). أما كون صوم الواجب لا يحتاج إلى نية الفرضية على قول غير ابن حامد فلأن الواجب لا يكون إلا فرضاً. وأما كون ذلك يجب على قوله فقياس له على الصلاة. قال: (ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل لم يجزئه. وعنه يجزئه. ومن نوى الإفطار أفطر). أما كون من نوى ما تقدم ذكره لا يجزئه على روايةٍ ويجزئه على أخرى؛ فمبني على وجوب تعيين النية: فمن أوجبه لم تجزئ عنده هذه النية لأنه لم يجزم بها، والنية عزم جازم، ومن لم يوجبه جعلها مجزئة لأنه نوى الصوم ونيته كافية. وأما كون من نوى الإفطار أفطر؛ فلأن النية شرط في جميع النهار فإذا قطعها في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية ففسد الكل لفوات الشرط. قال: (ويصح صوم النفل بنيةٍ من النهار قبل الزوال وبعده. وقال القاضي: لا يجزئه بعد الزوال). أما كون النفل يصح بنيةٍ من النهار قبل الزوال فلما روت عائشة قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ قلنا: لا. قال: إني إذاً صائم» (١) رواه مسلم. ولأن في ذلك تكثيراً للصيام لأنه قد تعرض له النية من النهار فجاز؛ كما سومح بترك القيام والاستقبال في النافلة. وأما كونه يصح بنية منه بعد الزوال على المذهب فلأنه نوى في النهار أشبه قبل الزوال.

стр. 799

ولما ذكر من المعنى المؤدي إلى كثرة العبادة وأما كونه لا يصح على قول القاضي فلأن النية لم تصحب العبادة في معظمها أشبه ما لو نوى مع الغروب.

стр. 800

باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة قال المصنف ﵀: (من أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان، أو داوى المأمومة، أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه، أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى [أو مذى] (١)، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد صومه، وإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد). أما كون من أكل أو شرب يفسد صومه فلأن الله تعالى قال: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] وحكم ما (٢) بعد الغاية يخالف ما قبلها. وقال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: عمل ابن آدم له كله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي» (٣) متفق عليه. ولأن الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب ونحوهما فإذا لم يوجد ذلك لم يكن صائماً شرعاً. وأما كون من استعط. وهو: أن يدخل الماء في أنفه يفسد صومه فلقوله ﵇ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (٤) ولو لم يفسد الصوم بدخول الماء من الخياشيم لما نهى عنه

стр. 801

وأما كون من احتقن يفسد صومه فلأن ذلك يصل إلى الجوف أشبه الأكل. ولأنه إذا بطل بالسعوط فبذلك أولى. وأما كون من داوى الجائف بما يصل إلى جوفه يفسد صومه فلأن أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره أشبه ما لو أكل. وأما كون من اكتحل بما يصل إلى حلقه كالكحل الأسود والحاد يفسد صومه فلأن الحلق كالجوف. ولأنه وصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه أشبه ما لو دخل من فيه. وأما كون من أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان؛ مثل أن يطعن نفسه ونحو ذلك يفسد صومه فلأنه أوصل إلى جوفه ما هو ممنوع عن إيصاله فوجب أن يفسد صومه كما لو أكل أو شرب. وأما كون من داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه يفسد صومه فلأن الدماغ أحد الجوفين فأفسد الصوم ما يصل إليه كالآخر. وأما كون من استقاء. وهو: أن يستدعي القيء يفسد صومه؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» (١) رواه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وأما كون من استمنى. وهو: أن يستخرج المني بكفه يفسد صومه فلأنه إذا فسد بالقبلة المقترنة بالإنزال فلأن يفسد بالاستمناء بطريق الأولى. وأما كون من قبل فأمنى يفسد صومه فلما روي عن عمر أنه قال: «قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمراً عظيماً فقبلت وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : أرأيتَ لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به. قال: فمه» (٢) رواه أبو داود. شبّه القبلة بالمضمضة، والمضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر، وإن كان معها نزول أفطر. وأما كون من لمس فأمنى يفسد صومه فلأن اللمس كالقبلة لاشتراكهما في المباشرة المؤدية إلى المني.

стр. 802

وأما كون من قبل أو لمس فمذى يفسد صومه كما لو أمنى فلأنهما مشتركان في كونهما خارجين تخللهما الشهوة. وأما كون من كرر النظر فأنزل. والمراد به أنزل المني يفسد صومه فلأنه إنزال يتلذذ به أشبه الإنزال باللمس. فعلى هذا لا يفسد مع إنزال المذي لأن الإنزال هنا ليس عن مباشرة فلم يلتحق المذي بالمني لضعفه عنه ولذلك قال المصنف ﵀ في الكافي: (١) وسواء في هذا كله المني والمذي ... إلا في تكرار النظر فلا يفطر إلا بإنزال المني في ظاهر كلامه لأنه ليس بمباشرة. وقال في المغني: ظاهر كلام الخرقي فساد صوم من كرر نظره فمذى لإطلاقه القول فيمن كرر فأنزل وهذا إنزال أشبه المني. ومقتضى هذا التعليل أن يحمل كلام المصنف ﵀ على فساد صوم من كرر نظره فمذى لأنه قال: فأنزل وأطلق ذلك بإطلاق الخرقي. وأما كون من حجم أو احتجم يفسد صومه فلأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢). رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وفي لفظ: «احتجم رسول الله ﷺ فوجد ضعفاً شديداً فنهى أن يحتجم الصائم» (٣) رواه الجوزجاني. وأما قول المصنف ﵀: عامداً ذاكراً لصومه فراجع إلى جميع ما ذكر. ومعناه: أن شرط الفطر في كل واحد مما تقدم أن يتعمد الصائم فعله بأن يفعله اختياراً وأن يكون ذاكراً أنه صائم. أما كون التعمد شرطاً فلقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).

стр. 803

ولأن النبي ﷺ قال (١): «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» (٢). نفى القضاء في ذلك لكونه يخرج بغير اختيار الصائم فيثبت الحكم فيه، ويقاس عليه ما عداه. وأما كون الذكر لصومه شرطاً فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أكل أحدكم أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (٣) متفق عليه. وفي لفظ: «فلا يفطر فإنما هو رزقٌ رزقه الله» (٤). نص على الأكل والشرب فثبت فيهما، ويقاس عليهما ما عداهما. وأما كون من فعل ذلك ناسياً أو مكرهاً لا يفسد صومه فلأن شرط الفساد الذكر والاختيار وهما مفقودان في النسيان والإكراه. قال: (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو قطر في إحليله أو فكّر فأنزل أو احتلم أو ذرعه القيء أو أصبح وفي فيه طعام فلَفَظَه أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه. وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين). أما كون من طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو فكّر فأنزل أو احتلم لا يفسد صومه فلأن ذلك كله يوجد بغير اختياره، ولا يمكن التحرز منه، ولا يدخل تحت وسعه فلم يفسد الصوم به لأنه غير داخل في التكليف لأن الله تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأما كون من قطر في إحليله لا يفسد صومه فلأنه لا منفذ فيه إلى الجوف وإنما يخرج البول رشحاً فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئاً.

стр. 804

وأما كون من ذرعه القيء لا يفسد صومه فلما تقدم من قوله ﵇: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» (١). ولأنه يخرج بغير اختياره أشبه المكره. وأما كون من أصبح وفي فيه طعام فلَفَظَه لا يفسد صومه فلأنه لم يدخل الطعام في حلقه وابتلاع الريق الذي جرى عليه قبل علمه به لا يفطر لأن مثل هذا لا يمكن التحرز منه ولا يخلو منه صائم. وأما كون من اغتسل لا يفسد صومه فـ «لأن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» (٢) متفق عليه. وأما كون من تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لا يفسد صومه إذا لم يزد على الثلاث ولم يبالغ فيهما فلأنه واصل بغير اختياره أشبه الذباب. وأما كون من زاد على الثلاث أو بالغ فيهما لا يفسد صومه على وجهٍ [فلأنه بغير اختياره أشبه التي قبلها. والثاني يفسد بذلك] (٣): أما فيما إذا زاد على الثلاث؛ فلأن نزول الماء فيه متولد بسبب منهي عنه أشبه نزوله بالمبالغة في الاستنشاق. وأما إذا بالغ في الاستنشاق؛ [فلأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق] (٤) إلا أن تكون صائماً» (٥). استثنى المبالغة حفظاً للصوم فدل على أنه يفطر بسببها.

стр. 805

وأما إذا بالغ في المضمضة؛ فلأنه يساوي الاستنشاق معنى فوجب أن يساويه حكماً. قال: (ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر فلا قضاء عليه. وإن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء. وإن أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً فعليه القضاء). أما [عدم وجوب القضاء إذا أكل شاكاً في طلوع الفجر؛ فلأن الأصل بقاء الليل. وأما] (١) كون من أكل شاكاً في غروب الشمس عليه القضاء؛ فلأن الأصل بقاء النهار. وأما كون من أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً عليه القضاء فلما روى حنظلة قال: «كنا في المدينة في رمضان وفي السماء سحاب فظننا أن الشمس إذاً قد غابت فأفطر بعض الناس. فقال عمر: من أفطر فليقض يوماً مكانه» (٢). ولأنه أكل ذاكراً مختاراً فأفطر، كما لو أكل يظن أن اليوم من شعبان فبان من رمضان.

стр. 806

فصل [فيمن جامع نهار رمضان] قال المصنف ﵀: (وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه القضاء والكفارة عامداً كان أو ساهياً. وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان. ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر، وهل يلزمها مع عدمه؟ على روايتين. وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان). أما كون من جامع في نهار رمضان في الفرج عليه القضاء فلأن في حديث المجامع في نهار رمضان الآتي ذكره بعد في بعض ألفاظه: «وصم يوماً مكانه» (١) رواه الأثرم. وفي بعض ألفاظه: «ويصوم يوماً مكانه» (٢) رواه ابن ماجة. وأما كونه عليه الكفارة فلما روى أبو هريرة قال: «بينما نجن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ . فبينما نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق من تمر. والعَرَق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. [قال] (٣): فخذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر

стр. 807

مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك» (١). متفق عليه. وأما كون الدبر كالقبل في ذلك فلأن الدبر أحد الفرجين أشبه الآخر. وأما كون الساهي كالعامد والمكره كالمختار على المذهب فلأن النبي ﷺ لم يستفصل الأعرابي ولو افترق الحال لوجب الاستفصال. ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ الحديث وهو المجامعة في حال الصوم وهي موجودة في السهو والإكراه. وأما كونه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان في رواية فلقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢). وأما كون المرأة لا يلزمها الكفارة مع العذر كالمكرهة والناسية لصومها فلأنها معذورة. ولأنها تدخل فيما تقدم من قوله ﵇: «عفي لأمتي ... الحديث». وأما كونها يلزمها مع عدمه كالمطاوعة الذاكرة لصومها على روايةٍ فلأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل. وأما كونها لا يلزمها على روايةٍ فلأن النبي ﷺ لم يذكر حكم المرأة لمّا أمر الأعرابي، ولا أوجب عليها شيئاً. وأما كون الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره في كل أمر غُلب عليه على روايةٍ فلعموم ما تقدم من قوله ﵇: «عفي لأمتي ... الحديث». ولذلك قال المصنف ﵀ عقيب ذلك فهذا يدل على إساقط القضاء ... إلى آخره.

стр. 808

قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر. وفي الكفارة وجهان). أما كون من جامع دون الفرج فأنزل كمن وطئ امرأته في فخذها أو يدها أو نحو ذلك فأنزل يفطر فلأنه إذا فطر اللمس مع الإنزال فلأن تفطر المجامعة معه بطريق الأولى. وأما كون من وطئ بهيمة يفطر فلأنه وطء في فرج أشبه وطء الآدمية في فرجها. وأما كون الكفارة تجب في المسألتين على وجهٍ فلأنه وطء أفسد الصوم وأوجب الكفارة كوطء الآدمية في فرجها. وأما كونه لا تجب فيهما على وجهٍ فلأنه فطر بغير جماع تام فلم تجب الكفارة به كالقُبلة. قال: (وإن جامع في يومٍ رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة). أما كون من ذُكر عليه القضاء فلأنه أفطر من رمضان يوماً يلزمه صومه فوجب أن يلزمه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيام أُخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما كونه عليه الكفارة فلأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته. ولأن رد شهادته لم ينف كون ذلك اليوم من رمضان في حقه فلم ينف وجوب الكفارة عليه كاليوم الثاني والثالث. قال: (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ على وجهين). أما كون من ذُكر يلزمه كفارة واحدة على وجهٍ فلأن الكفارة عقوبة فوجب أن تتداخل كالحدود، أو كفارةٌ عن غير إتلاف تكرر سببها قبل فعلها فاجتزئ بكفارة واحدة ككفارة اليمين والظهار. وأما كونه يلزمه كفارتان على وجهٍ فلأن كل يوم عبادة منفردة فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين وكالحجتين. قال: (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة. نص عليه، وكذلك كل من لزمه الإمساك إذا جامع. ولو جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط عنه). أما كون من جامع ثم كفر ثم جامع في يومه عليه كفارة ثانية فلأن الصوم عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطئ بعد التكفير كالحج.

стр. 809

ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كالأول. ومفهوم هذا الكلام أنه لو وطئ ولم يكفر ثم وطئ أن عليه كفارة واحدة وصرح به المصنف ﵀ في المغني لأن الكفارات زواجر فتداخلت كالحدود. وأما كون كل من لزمه الإمساك إذا جامع كذلك فلأنه هَتَك حرمة الزمن أشبه هتك حرمة الصوم. ولأن الكفارة تجب على المستديم للوطء ولا صوم هناك فكذلك هاهنا. ومراد المصنف ﵀ بقوله: كذلك وجوب الكفارة على من لزمه الإمساك إذا وطئ لمساواته مع [من] (١) جامع بعد ما جامع لاستوائهما معنى. لا تكرار الكفارة لأنه لا تكرار هاهنا لعدم تكرار الوطء. وأما كون من جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لا تسقط عنه الكفارة فلأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام فوجبت الكفارة وجوباً مستمراً كما لو لم يفطر لعذر. قال: (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه. وعنه عليه الكفارة). أما كون من ذكر لا كفارة عليه رواية واحدة فلأن كل صوم أبيح فطره بالأكل أبيح فطره بالجماع كالتطوع. ولأن هذه محظورات [الصوم] (٢) فإذا لم يجب الصوم لم يحرم شيء منها، وإذا أبيح الفطر بذلك لم تجب الكفارة لأن الوجوب يستدعي حرمة الفطر وذلك غير موجود. وأما كونه عليه الكفارة على روايةٍ فلأنه صائم في رمضان أفطر بالجماع فوجبت عليه الكفارة كالمقيم الصحيح. قال: (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان). أما كون الكفارة لا تجب بغير الجماع فلأن غير الجماع لم يرد فيه نص، وقياسه على الجماع لا يصح لما بينهما من الفرق فوجب أن لا تجب الكفارة عملاً بالنافي لها السالم عن المعارض.

стр. 810

وأما كونها لا تجب بالجماع في صوم غير رمضان كقضائه، والصوم المنذور، وعن الكفارة فلأن الوجوب من الشرع ولم يرد في غير رمضان، ولا يصح قياسه على رمضان لأن رمضان له حرمة بخلاف غيره. فإن قيل: هل في لفظ المصنف ﵀ ما يدل على عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير رمضان حتى يعلل؟ . قيل: فيه إشعار بذلك، وذلك أن قوله: ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان يقتضي أمرين: أحدهما: عدم وجوب الكفارة بغير الجماع كالوطء دون الفرج، والقبلة المقترنة بالإنزال، وكالإفطار بالأكل والشرب، وغير ذلك لأن ذلك كله غير جماع. وثانيهما: عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير صوم رمضان كما تقدم ذكره لأنه وإن كان جماعاً فهو غير جماع في صيام رمضان. قال: (والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه. وعنه لا تسقط. وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه). أما كون الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً فلما روى أبو هريرة «أن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فسكت النبي ﷺ . فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق من تمر. فقال: أين السائل؟ خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! ؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال له: أطعمه أهلك» (١) متفق عليه. وأما كونها مرتبة على المذهب فلأن النبي ﷺ رتب الثانية والثالثة على عدم وجود ما قبلها، وذلك شأن المرتب.
следующие страницы →