← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وأما قول المصنف ﵀: "ثم حل" فإشارة إلى أنه لا يجوز له التحلل إلا إذا فعل الواجب عليه من دم أو صيام. وسيذكر في بابه. قال: (النوع الثالث: فدية الوطء يجب به بدنة، فإن لم يجدها صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع كدم المتعة لقضاء الصحابة به. وقال القاضي: إن لم يجد البدنة أخرج بقرة فإن لم يجد فسبعاً من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمتها طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما. وظاهر كلام الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة فبأيّها كفّر أجزأه). أما وجوب البدنة بالوطء فلأن ابن عباس ﵄ قال للواطئ: «اهد ناقة ولتهد ناقة» (١). وأما الانتقال إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على المذهب إذا لم يجد الهدي فـ «لأن العبادلة أفتوا بذلك لمن لم يجد الهدي» رواه الأثرم. وأما الانتقال إلى البقرة على قولٍ فلأنها أقرب شبهاً بها. وأما وجوب سَبْع من الغنم إذا لم يجد البقرة فلأن ذلك يجزئ عن سبعة أشبه البدنة. وأما إخراجه بالقيمة طعاماً. ومعناه: أنه يشتري بها ذلك ويتصدق، وصومه عن كل مد يوماً إذا لم يجد الإطعام فلأنها بدنة وجبت عليه لم يمكن أداء الواجب فوجب أن ينتقل إلى التقويم والشراء والتصدق ثم إلى الصوم المذكور كالبدنة الواجبة في فدية النعامة. وأما الخيرة على ظاهر كلام الخرقي بين إخراج البدنة والبقرة وسَبْع من الغنم والإطعام والصوم فلأن بعضها قريب من بعض، ولذلك قال ابن عباس ﵄ لما سئل عن البقرة: «وهل هي إلا من البدن» (٢).

стр. 912

وقال صاحب النهاية فيها: منشأ الخلاف -يعني بين القاضي والخرقي- أن الوطء هل هو من قبيل الاستمتاعات أم من قبيل الاستهلاكات؟ فعلى هذا إن قيل أنه من قبيل الاستمتاع وجب أن يكون كفارته على التخيير لأن اللبس والطيب استمتاع، وهما على التخيير على الصحيح. وإن قيل: أنه من قبيل الاستهلاكات وجب أن يكون على الترتيب على الصحيح. فإن قيل: هي على الترتيب لم يجز أن يخرج واحد مما ذكر مع وجود الذي قبله. وإن قيل: هي على التخيير فله التكفير بما شاء من الخمسة؛ لأن هذا شأن الواجب المخيرة. إذا تم شرح كلام المصنف ﵀ فاعلم أن الانتقال من البدنة إلى الصيام لم أجد به قولاً لأحمد ولا لأحد من الأصحاب وكأنه والله أعلم قد اختاره لما فيه من موافقة العبادلة إلا أن فيه نظراً نقلاً وأثراً. أما النقل فهو أن المصنف ﵀ قال في المغني في مسألة: وإن وطئ المحرم في الفرج فأنزل أو لم ينزل فسد حجهما وعليه بدنة ويجب على المجامع بدنة. روي ذلك عن ابن عباس، فإن لم يجد فشاة. وأيضاً فإنه هنا شبّه فدية الوطء بفدية المتعة، والشبه إنما يكون في ذات الواجب أو في نفس الانتقال. ويرد على الأول أنه لا يجب فيها بدنة بل شاة وعلى الثاني أنه لا يجوز الانتقال في المتعة مع القدرة على الشاة. وأما الأثر فإن المروي عن العبادلة أن من أفسد حجه أفتوه إذا لم يجد الهدي انتقل إلى صيام عشرة أيام ولا يلزم في حق من لم يجد بدنة أن يقال عنه لم يجد الهدي لأنه قد لا يجد بدنة ويجد بقرة أو شاة. قال: (ويجب بالوطء في الفرج بدنة إن كان في الحج وشاة إن كان في العمرة. ويجب على المرأة مثل ذلك إن كانت مطاوعة، وإن كانت مكرهة فلا فدية عليها. وقيل: يلزمها كفارة يتحملها الزوج عنها). أما وجوب البدنة بالوطء في الحج؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس (١).

стр. 913

وأما وجوب شاة بالوطء في العمرة فلأن العمرة أحد النسكين فوجب أن يجب بالوطء فيه شيء كالآخر وإنما لم تجب البدنة لأن حكم العمرة أخف. وأما وجوب مثل ذلك على المرأة إذا كانت مطاوعة فلأن الأصل مساواة الرجل المرأة ما لم يقم دليل على التخصيص. ولأنه جاء في حديث ابن عباس: «اهد ناقة ولتهد ناقة» (١). وأما عدم وجوب الفدية عليها إذا كانت مكرهة على المذهب فلقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢). وأما لزوم ذلك للمرأة على قولٍ فلحصول الوطء. وأما كون الزوج يتحملها فلأنه سبب لأن لزمها ذلك فوجب أن يتحملها عنها.

стр. 914

فصل [في الدماء الواجبة للفوات] قال المصنف ﵀: (الضرب الثالث: الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو للمباشرة في غير الفرج، فما وجب منه بدنة فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج، وما عداه فقال القاضي: ما وجب لترك واجب ملحق بدم المتعة، وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى). أما كون حكم البدنة الواجبة بشيء مما ذكر حكم البدنة الواجبة في الوطء فلأنها بدنة وجبت بسببٍ في إحرامه أشبهت البدنة الواجبة في الوطء. ومعنى قوله: حكمها حكم البدنة الواجبة في الوطء أنه يجب عليه بدنة فإن لم يجد انتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على المذهب، وعلى قول القاضي إن لم يجد البدنة ذبح بقرة، فإن لم يجد فسَبْعاً من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً. وعلى ظاهر قول الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة كما خير فيها إذا كان سبب ذلك الوطء. وأما كون حكم ما وجب لترك واجب كترك الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت بمنى لياليها، وطواف الوداع حكم دم المتعة فلأن دم المتعة وجب لترفهه بأحد السفرين فيقاس عليه كل دم واجب. وأما كون حكم ما وجب للمباشرة كالقبلة واللمس والوطء في العمرة والوطء في الحج بعد الجمرة حكم فدية الأذى كالحلق وتقليم الأظافر فلأنه في معناه فيقاس عليه.

стр. 915

قال: (ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليد بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة. وعنه: بدنة). أما وجوب البدنة بالإنزال عن المباشرة دون الفرج فلأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة كما لو كان في الفرج. وأما إذا لم ينزل ففيه روايتان: أحدهما: عليه شاة لأنه هتك إحرامه بذلك الفعل فوجب عليه شاة كما لو تطيب. والثانية: عليه بدنة لأنه استمتاع فأوجب بدنة كما لو أنزل. قال: (وإن كرر النظر فأنزل أو استمنى فعليه دم، هل هو بدنة أو شاة؟ على روايتين. وإن مذى بذلك فعليه شاة، وإن فكر فأنزل فلا فدية عليه). أما وجوب الدم على من كرر نظره فأنزل أو استمنى فلأنه هتك إحرامه بذلك أشبه ما لو أنزل بالمباشرة. وأما ما هو فيه؟ روايتان: أحدهما: أنه بدنة؛ لأنه يروى ذلك عن ابن عباس ﵄ (١). والثانية: أنه شاة؛ لأنه إنزال بفعل محظور فوجبت به شاة كالإنزال باللمس. ولأنه يروى عن ابن عباس أيضاً (٢). وأما وجوب الشاة على من مذى بما تقدم ذكره فلأن للمذي جزء من المني أشبه ما لو أمنى. فإن قيل: هل يشمل ذلك المباشرة؟ قيل: لا؛ لأن المباشرة بدون إنزال مني أو مذي موجبة لبدنة أو شاة على ما ذكر من الاختلاف فلا حاجة إلى ذكر المذي في إيجاب الشاة لأنها أقل ما تجب بدونه.

стр. 916

وأما عدم وجوب الفدية على من فكر فأنزل فلأن الفكرة تعرض للمرء من غير إرادة ولا اختيار فلا يتعلق بها حكم كما لو فكر فأنزل وهو صائم.

стр. 917

فصل [فيمن كرر محظورا] قال المصنف ﵀: (ومن كرر محظوراً من جنسٍ مثل: إن حلق ثم حلق، أو وطئ ثم وطئ قبل التكفير عن الأول فكفارة واحدة، وإن كفر عن الأول لزمته للثاني كفارة). أما عدم لزوم التكفير بالثاني إذا لم يكفر عن الأول فلأنهما كفارتان فتداخلتا كالمهر والحد. وأما لزوم كفارة ثانية إذا كفر عن الأول فلأنه حلقٌ أو وطءٌ صادف إحراماً فوجبت به كفارة ثانية كالأول. قال ﵀: (وإن قتل صيداً بعد صيد فعليه جزاؤهما. وعنه: عليه جزاء واحد). أما تعدد الجزاء بتعدد قتل الصيد على الرواية الأولى فلأن جزاء الصيد كفارة عن قتل فاستوى فيها المبتدئ والعائد كقتل الآدمي. وأما وجوب جزاء واحد وإن تعدد القتل على الرواية الثانية فلأن الله سبحانه قال: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥] ولم يوجب جزاء ثانياً. ولأن جزاء الصيد كفارة فتتداخل كالحلق. والرواية الأولى أصح لما تقدم. وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب كما قال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى الله. ولا يصح قياس جزاء الصيد على غيره لأن جزاءه مقدر به ويختلف بصغره وكبره. ولو أتلف صيدين معاً وجب جزاؤهما معاً بخلاف غيره من المحظورات.

стр. 918

قال: (وإن فعل محظوراً من أجناس فعليه لكل واحد فداء. وعنه: عليه فدية واحدة). أما تعدد الفداء بتعدد جنس المحظورات كمن حلق وقلّم ولبس فلأن الصادر منه فعل محظورات من أجناس فلم تتداخل كالحدود المختلفة. وأما وجوب فدية واحدة على الرواية الثانية فلأن ذلك فعل محظور فلم يتعدد كالجنس الواحد. قال: (وإن حلق أو قلم أو وطئ أو قتل صيداً عامداً أو مخطئاً فعليه الكفارة. وعنه: في الصيد لا كفارة إلا في العمد، ويخرج في الحلق مثله. وإن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً فلا كفارة فيه، وعنه: عليه الكفارة). أما عدم الفرق بين العمد والخطأ في وجوب الكفارة على الصحيح من المذهب فيما إذا حلق أو قلم أو قتل فلأن الحلق والتقليم والقتل إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي. وأما عدم الفرق بينهما إذا وطئ فلأنه معنى يتعلق به قضاء فاستوى عمده وسهوه كالفوات. وأما عدم وجوب الكفارة فيما إذا قتل صيداً مخطئاً على روايةٍ فلأن الله قال: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ [المائدة: ٩٥] شرط التعمد فدل على أنه لا جزاء في الخطأ. وأما تخريج مثل ذلك في الحلق فلأنه محرم بسبب في إحرامه أشبه الصيد. ولم يذكر المصنف ﵀ التخريج في التقليم والوطء وهما مثله لأن التقليم تبع له والوطء في معناه. وأما وجوب الكفارة على من لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً ففيه روايتان: أحدهما: لا تجب لما روى يعلى بن أمية ﵁ «أن رجلاً أتى النبي ﷺ وعليه جبة وعليه أثر خلوق. فقال: يا رسول الله! كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟

стр. 919

فقال: اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق» (١). أمره بالخلع والغسل ولم يأمره بفدية لجهله فيجب أن يكون الناسي كذلك لأنه في معناه. والثانية: تجب عليه؛ لأنه فعلٌ حرمه الإحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق. والأول المذهب للحديث المتقدم ذكره. والفرق بين الحلق والتقليم والوطء والقتل وبين اللبس والطيب والتغطية أن الحالق والمقلم والواطئ والقاتل لا يمكنه تلافي ما فعل بخلاف اللابس والمتطيب والمغطي فإنه يمكنه ذلك بخلعه وإزالة الطيب. قال: (ومن رفض إحرامه ثم فعل محظوراً فعليه فداؤه). أما وجوب الفداء على من فعل محظوراً بعد رفضه إحرامه فلأنه فعل محظوراً في إحرامه؛ لأن الإحرام لا يفسد بالرفض؛ لأن الحج عبادة لا يخرج منها بالفساد فلا يخرج منها بالرفض بخلاف سائر العبادات. وأما المعنيّ برفض الإحرام فقطع بقية النسك. قال: (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه، وليس له لبس ثوب مطيب، وإن أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه، فإن استدام لبسه فعليه الفدية). أما إباحة استدامة الطيب في الإحرام إذا تطيب في بدنه قبل إحرامه فلما تقدم من قول عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يحل» (٢). و «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ » (٣). وفي قول المصنف ﵁: ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه إشعار بأنه لو تطيب قبل إحرامه في ثوبه لا يباح له ذلك وسيذكر حكمه بعدُ إن شاء الله تعالى.

стр. 920

وأما كون المحرم ليس له لبس ثوب مطيب فلأن النبي ﷺ قال: «لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس» (١) متفق عليه. وأما خلعه القميص من غير شق إذا أحرم وعليه ذلك فلما روى يعلى بن أمية «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تَضَمَّخ بطيب؟ فنظر إليه رسول الله ﷺ ساعةً ثم سكت فجاءه الوحي فقال له النبي ﷺ : أما الطيب الذي بك فاغسله وأما الجبة التي عليك فانزعها ... مختصر» (٢) رواه مسلم. ولأن في شق الثوب إضاعة ماليته و «قد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال» (٣). وأما وجوب الفدية على من استدام لبس ذلك فلأن استدامة اللبس تسمى لبساً بدليل قولهم: لبست شهراً. ولذلك أمر النبي ﷺ صاحب الجبة المُضَمّخَة بالطيب بنزعها. وبوجوب الفدية يظهر أنه يحرم على من أحرم في ثوب مطيب استدامة ذلك لأن الفدية لا تجب في فعل مباح. قال: (وإن لبس ثوباً كان مطيباً وانقطع ريح الطيب منه وكان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه فعليه الفدية). أما وجوب الفدية على من لبس ثوباً شأنه ما ذكره المصنف ﵀؛ فلأنه لبس ثوباً مطيباً فوجب عليه الفدية كالذي يظهر ريحه من غير رش. وأما عدم وجوبها إذا انقطع ريح الطيب بحيث إذا رش فيه ماء لا يفوح له رائحة؛ فلأنه يَصدق عليه أنه غير مطيب الآن. فوجب أن لا يلزمه فدية كالذي ما تطيب بالأصالة.

стр. 921

فصل [في موضع إخراج الفدية] قال المصنف ﵀: (وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم (١) إلا فدية الأذى واللبس والطيب ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها. ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأما الصيام فيجزئه بكل مكان). أما كون الهدي والإطعام غير ما استثني لمساكين الحرم فلقوله سبحانه: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. والمراد بمساكين الحرم أهله ومن كان وارداً إليه كالحاج: فأما أهله فلا إشكال فيهم، وأما الوارد فلأنه قد حل فيه أشبه أهله. ويشترط فيه أن يكون المدفوع إليه ممن يجوز دفع الزكاة إليه؛ لأن ذلك حق واجب فلم يجز دفعه إلى غير من يجوز دفع الزكاة إليه كالزكاة. وأما كون فدية الأذى واللبس ونحوها كالتقليم والطيب تخرج حيث وجد سببها حلاً كان أو حرماً فلأن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية (٢) ولم يأمره ببعثها إلى الحرم. و«لأن الحسين بن علي ﵄ حلق رأسه على الوجع ونحر عنه جزوراً بالسُّقْيَا» (٣) رواه الأثرم. ولم يعرف لهم مخالف فكان كالإجماع.

стр. 922

وأما كون دم الإحصار حيث أحصر فـ «لأن النبي ﷺ وأصحابه لما أحصروا بالحديبية ذبحوا بها البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (١). ولأنه موضع تحلله فكان موضع ذبحه كالحرم. وأما إجزاء الصيام بكل مكان فلأن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان، وقد روي عن ابن عباس ﵄: «الدم والطعام بمكة والصوم حيث شاء» (٢). قال: (وكل دم ذكرناه يجزئ فيه شاة أو سُبُع بدنة، ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة). أما إجزاء الشاة فلأنه إذا أجزأ سبع البدنة وهو بعض دم فلأن تجزئ الشاة وهي دم كامل بطريق الأولى. وأما إجزاء سبع البدنة فلأن جابراً ﵁ قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة» (٣). وأما إجزاء البقرة عمن وجبت عليه بدنة فلأن تكملة حديث جابر ﵁: «أنه قيل له: والبقرة فقال: وهل البقرة إلا من البدن» (٤). ولأنها تقوم مقامها في الإجزاء عن سبعة في الأضحية فكذلك هاهنا.

стр. 923

باب جزاء الصيد جزاء الصيد واجب لقوله : ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. قال المصنف ﵀: (وهو ضربان: أحدهما: له مِثْل من النَّعم فيجب فيه مثله. وهو نوعان: أحدهما: قضت فيه الصحابة ففيه ما قضت). أما كون جزاء الصيد ضربين فلأن منه ما هو مثلي ومن ما لا مثل له. أما وجوب المثل فيما له مثل؛ فلقوله تعالى: ﴿فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما تنويع ما لَه مِثْل نوعين فلأنه منه ما قضت الصحابة فيه بالمثل ومنه ما لم تقض فيه بذلك. وأما وجوب ما قضت به الصحابة فيما قضت به فلأنهم أعرف بمواقع الخطاب وأقرب إلى الصواب. وقال النبي ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١). وقال: «اقتدوا باللّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر» (٢).

стр. 924

قال: (ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقرته والأيل والثيتل والوعل بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الغزال والثعلب عنز، وفي الوبر والضب جدي، وفي اليربوع جفرة لها أربعة أشهر، وفي الأرنب عناق، وفي الحمام وهو كلما عب وهدر شاة. وقال الكسائي: كل مطوق حمام). أما وجوب البدنة في النعامة فـ «لأن عثمان وعلياً وزيداً وابن عباس ومعاوية ﵃ قضوا فيها ببدنة» (١). وأما وجوب البقرة في حمار الوحش فـ «لأن عمر ﵁ قضى فيه ببقرة» (٢). ولأنه شبيهٌ بها. وأما وجوبها في بقرة الوحش فـ «لأن ابن مسعود ﵁ قضى فيها ببقرة» (٣). وأما وجوبها في الإبل فـ «لأن ابن عباس ﵄ قال: فيه بقرة» (٤). وأما وجوبها في الثيتل والوعل فبالقياس على الأيل. وأما وجوب الكبش في الضبع فـ «لأن عمر وابن عباس ﵃ قضيا فيه بذلك» (٥). وقد روي عن النبي ﷺ أنه قضى بذلك (٦) رواه أبو داود.

стр. 925

وأما وجوب العنز في الغزال فـ «لأن ابن عباس ﵄ قضى فيه بعنز» (١). ولأن فيه شبهاً به لأن العنز أجرد الشعر متقلص الذنب وذلك صفة الغزال. وأما وجوبها في الثعلب فلأنه كالغزال. وعن الإمام أحمد ﵀: فيه شاة لأنه أعظم من الغزال. وعنه لا جزاء فيما لا يؤكل فيُخَرّج منه أنه لا جزاء فيه لأنه لا يؤكل على المشهور في المذهب. وأما وجوب الجدي في الوبر (٢). وأما وجوبه في الضب فـ «لأن عمر ﵁ قضى في الضب بجدي» (٣) رواه الشافعي. وأما وجوب الجفرة في اليربوع فـ «لأن عمر وابن مسعود قضيا فيه بذلك» (٤). وأما قول المصنف ﵀: لها أربعة أشهر فبيان لمقدار عمر الجفرة. وأما وجوب العناق في الأرنب فـ «لأن عمر ﵁ قضى فيه بذلك» (٥).

стр. 926

وأما وجوب الشاة في الحمام فـ «لأن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ﵃ قضوا في حمام الحرم بشاة» (١) وحمام غير الحرم مثل حمام الحرم. وأما المراد بالحمام فروي عن الإمام ﵀: كل طير عب الماء. فيدخل في هذا الفواخت والوارشين والقمري والقطاة لأن كل واحد من هذه يعب الماء. ويعضده تسمية العرب ذلك حماماً. وروي عن الكسائي: كل مطوق حمام. فعلى هذا يكون الحجل من الحمام لأنه مطوق. قال: (النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما). أما الرجوع فيما لم تقض الصحابة فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة فلقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥]، والمراد منهما أن يحكما فيه بأشبه الأشياء به من النَّعَم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قضوا بالمثل لا بالقيمة. ويشترط أن يكونا من أهل الخبرة لأنهما لا يتمكنان من الحكم بالمثل إلا بالخبرة. وأما جواز كون القاتل أحدهما فلأن الله تعالى قال: ﴿ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥] والقاتل من عُدولنا. وروى الشافعي بإسناده عن طارق بن شهاب قال: «خرجنا حجاجاً فأوطأ رجل منا يقال [له] أربد ضباً ففرز ظهره، فقدمنا على عمر فسأله أربد. فقال له: احكم يا أربد فيه، قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين! وأعلم. فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم

стр. 927

ولم آمرك أن تزكيني. فقال أربد: أرى فيه جَدْياً. قد جمع الماء والشجر. قال عمر: ذلك فيه» (١) فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل. و«أمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم» (٢). ولأنه مال يخرج في حق الله تعالى فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً كالزكاة. قال: (ويجب في كل واحد من الصغير والكبير والصحيح والمعيب مثله، إلا الماخض تفدى بقيمة مثلها. وقال أبو الخطاب: يجب فيها مثلها). أما وجوب الكبير في الكبير والصغير في الصغير والصحيح في الصحيح والمعيب في المعيب فلأن الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥] ومَثَل الكبير كبير، والصغير صغير، والصحيح صحيح، والمعيب معيب. ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر والصحة والعيب دليله البهيمة. وأما الماخض ففيها وجهان: أحدهما: تفدى بقيمة مثلها قاله القاضي لأن قيمة المثل أكثر من قيمة لحمه. والثاني: يجب مثلها قاله أبو الخطاب لقوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. ولأن إيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه وذلك خلاف المنصوص. قال: (ويجوز فداء أعور من عين بأعور من أخرى، وفداء الذكر بالأنثى، وفي فدائها به وجهان). أما جواز فداء أعور من عين بأعور من أخرى فلأن ذلك اختلاف يسير.

стр. 928

وأما جواز فداء الذكر بالأنثى فلأنها أطيب لحماً منه فهي راجحة أو مساوية. وأما فداء الأنثى بالذكر ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن لحمه أوفر ولحمها أطيب فيتساويان. والثاني: لا يجوز قياساً على الزكاة.

стр. 929

فصل [في جزاء ملا مثل له] قال المصنف ﵀: (الضرب الثاني: ما لا مثل له وهو سائر الطير، إلا ما كان أكبر من الحمام فهل يجب فيه قيمته أو شاة؟ على وجهين). أما وجوب القيمة فيما لا مِثل له وليس أكبر من الحمام فلأن الأصل وجوب القيمة بدليل سائر المضمونات. تُرك ذلك فيما له مثل لقضاء الصحابة فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. وتعتبر القيمة موضع إتلافه كما لو أتلف مال آدمي. وأما ما كان أكبر من الحمام ففيه وجهان: أحدهما: تجب قيمته لما ذكرنا من مقتضى الدليل. والثاني: (١) شاة على الوجه (٢) فلأنها تجب في الحمام فلأن تجب فيما هو أكبر منه بطريق الأولى. والمعنى بما هو أكبر من الحمام الحباري والكركي والحجل والإوز والكبير من طير الماء وما أشبه ذلك. وقد روي عن ابن عباس وجابر وعطاء ﵃: «أنهم قالوا في

стр. 930

الحجلة والقطاة والحباري: شاة شاة. وزاد عطاء: في الكركي والكروان وابن الماء ودجاجة الحبش والحرب: شاة شاة» (١). قال: (ومن أتلف جزءاً من صيد فعليه ما نقص من قيمته أو قيمة مثله إن كان مثلياً، وإن نَفّر صيداً فتلف بشيء ضمنه). أما كون الجزء من الصيد إذا أُتْلف فيه ما نقص من قيمته إن لم يكن مثلياً فلأن الكل لو أُتْلف ولم يكن مثلياً وجبت فيه قيمته فكذلك الجزء. وأما كونه فيه ما نقص من قيمة مثله إن كان مثلياً فلأن مقتضى الدليل إيجاب جزء من المثل كإيجاب جزء من القيمة بإتلاف جزء مما ليس بمثلي تُرك العمل به لأنه يؤدي إلى التشقيص فيجب أن يعدل إلى قيمة الجزء من المثل لأنها بدله. فإن قيل: ما مثال نقصان القيمة ونقصان قيمة المثل؟ قيل: أما الأول فمثاله: أن يقوّم الصيد سليماً ثم يقوم مجنياً عليه فيجب ما بينهما. فلو كانت قيمته سليماً عشرة ومجنيّا عليه ثمانية فالواجب درهمان. وأما الثاني فمثاله: أن يقوّم المثل سليماً ثم يقوّم وبه تلك الجناية فيجب مثل ما بين ذلك. فلو كانت قيمة مثله سليماً عشرة ومجنياً عليه ستة فالواجب عليه أربعة. فإن قيل: أي فرق بين ما نقص من قيمته وبين ما نقص من قيمة مثله؟ قيل: الفرق بينهما أن المثل قد ينقص شيئاً لا ينقص الصيد بقدره وذلك أنه لو جنى على نعامة قيمتها صحيحة عشرون ومقطوعة يدها خمسة عشر فالنقصان هنا خمسة فإذا نظرت إلى مثلها كانت بدنة قيمتها سليمة مثلاً مائة ومقطوعة يدها خمسون فالنقصان

стр. 931

هنا خمسون فلو اعتبر نفس الصيد كان الواجب عليه خمسة وإن اعتبر المثل كان الواجب عليه خمسين. وأما ضمان ما نفّره فتلف بشيء فـ «لأن عمر ﵁ دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه حمام فخاف أن يبول عليه فأطاره فانتهزته حية. فقال: أنا أطرته فسأل من معه فحكم عليه عثمان ونافع بن عبدالحارث بشاة» (١). قال: (وإن جرحه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه. وكذلك إن وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته. وإن اندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه). أما وجوب ما نقصه الجرح إذا جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلأنه نقص حصل بفعله فوجب أن يضمنه كسائر مواضع الضمان. وفي اقتصار المصنف ﵀ على وجوب ما نقصه الجرح إشعار بأنه لا يجب ضمان جميعه وهو صحيح لأنه لا يعلم حصول التلف بفعله فلم يضمنه كما لو رمى سهماً إلى الصيد ولم يعلم هل وقع فيه أم لا. وأما كون ما وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته كما لو جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلما ذكر من التعليل قبل. وأما وجوب ضمان جميعه إذا اندمل غير ممتنع فلأنه عطله فصار بمنزلة المتلَف. قال: (وإن نتف ريشه فعاد فلا شيء عليه. وقيل: عليه قيمة الريش). أما عدم وجوب شيء بنتف الريش العائد على المذهب فلأن النقص زال أشبه ما لو اندمل الجرح. وأما وجوب قيمة الريش على وجه فلأن الثاني غير الأول.

стр. 932

قال: (وكلَّ ما قتل صيداً حكم عليه. وإن اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد. وعنه: على كل واحد جزاء. وعنه: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة). أما الحكم على قاتل الصيد بالجزاء كلما قتل فلما تقدم في قوله: وإن قتل صيداً بعد صيد في فصل "من كرر محظوراً" (١) لأنه قد ذكر ثَمّ فلا حاجة إلى إعادته. وأما إذا اشترك جماعة في قتل صيد ففيه ثلاث روايات: إحداها: يجب عليهم كلهم جزاء واحد لأن الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥] فلو تعدد الجزاء لِتَعَدُّدِ القاتل لكان ذلك زائداً على المثل وهو خلاف النص. ويلزم من كون الجزاء في المثل واحداً كون القيمة والصوم كذلك لأنهما معطوفان عليه. والثانية: يجب على كل واحد جزاء لأن ذلك كفارة يدخلها الصوم فوجب تعدده ككفارة قتل الآدمي. والثالثة: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة لأن الصوم كفارة فوجب أن يكمل في حق الفاعل ككفارة قتل الآدمي بخلاف المال فإنه ليس بكفارة وإنما هو بدل متلف فوجب أن لا يكمل كالدية. والأولى أصح؛ لما ذكر. ولأنه يروى عن عمر وابن عباس وابن عمر ﵃ (٢). ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه فكان واحداً كالدية، أو كما لو كان القاتل واحداً. وفارق هذا الكفارة في قتل الآدمي لأنها تختلف باختلاف المقتول فلا تتبعض بخلاف مسألتنا.

стр. 933

باب صيد الحرم ونباته قال المصنف ﵀: (وهو حرام على الحلال والمحرم، فمن أتلف من صيده شيئاً فعليه ما على المحرم في مثله). أما حرمة صيد الحرم ونباته على الحلال والمحرم فلما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها ... مختصر» (١) متفق عليه. وأما كون المتلِف لشيء من صيده عليه ما على المحرم في مثله فلأنهما لما استويا في التحريم وجب أن يستويا في الجزاء. فعلى هذا إن كان الصيد مثلياً ضمنه بمثله وإلا بقيمته. وقد تقدم ذلك مفصلاً في إتلاف المحرم (٢). قال: (وإن رمى الحلال من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائراً في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين). أما الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن المتلِف لذلك أتلف صيداً حرمياً فوجب أن يجب ضمانه عليه كما لو كان في الحرم. ولأن صيد الحرم معصوم بمحله كحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم.

стр. 934

وأما عدم الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأن الأصل براءة الذمة وقد وقع التردد في وجوب الكفارة بذلك لأنه إذا نظر إلى ما تقدم اقتضى وجوب الكفارة، وإذا نظر إلى الفاعل اقتضى عدم الوجوب فوجب أن لا تجب الكفارة؛ لأن الأصل لا يزول بمتردد. قال: (وإن قتل من الحرم صيداً في الحل بسهمه أو كلبه أو صيداً على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين). أما عدم الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن مفهوم قوله ﷺ : «لا ينفر صيدها» (١) يدل على إباحة الصيد في غيرها وإذا كان مباحاً فلا يجب ضمانه كسائر المباحات. ولأن جميع ما ذكر غير حَرَمِيٍّ فلم يضمنه كصيد السمام (٢). ولأنه صيد غير معصوم بالحرم والصائد له غير محرم فلم يحرم ولم يجب جزاء كما لو كانا في الحل. ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم أو في الصيد في الإحرام وما ذُكر ليس بواحد منهما. وأما وجوب الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأنه قريب من الحرم والغصن تابع للأصل فوجب الجزاء احتياطاً. والأول أصح لما ذكر. قال: (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيداً في الحرم فعلى وجهين، وإن فعل ذلك بسهمه ضمنه). أما الضمان إذا أرسل كلبه ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه؛ لأنه أرسل كلبه على صيد يباح إرساله عليه، ودخوله الحرم لم يكن عن اختياره؛ لأن الكلب له قصد واختيار ولهذا يسترسل بنفسه.

стр. 935

والثاني: عليه الجزاء وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه قتل صيداً حَرَمياً فوجب جزاؤه كالمجمع على وجوب الجزاء فيه. وذكر المصنف ﵀ في المغني أن عدم الضمان منصوص الإمام أحمد. وأما الضمان إذا فعل ذلك بسهمه فلأنه قتل صيداً حرمياً فلزمه ضمانه كما لو رمى حجراً فقتل صيداً. يحققه أن الخطأ والعمد واحد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أن يكون واحداً منهما بخلاف مسألة الكلب على الصحيح لأن للكلب قصداً واختياراً بخلاف السهم فإنه لا قصد له ولا اختيار فانتسب الفعل إلى فاعله.

стр. 936

فصل [في شجر الحرم] قال المصنف ﵀: (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه، إلا اليابس والإذخر وما زرعه الآدمي، وفي جواز الرعي وجهان). أما تحريم قلع شجر الحرم وحشيشه فلما تقدم من قوله ﷺ : «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها» (١). وأما عدم تحريم قلع الإذخر فلأن العباس ﵁ قال: «يا رسول الله! إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم. فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر» (٢) متفق عليه. وأما عدم تحريم قلع اليابس فلأنه بمنزلة الميت. وأما ما زرعه الآدمي فيحتمل أن المصنف ﵀ أراد به مثل البقول والزروع والرياحين وما أشبه ذلك وهو ظاهر كلامه لأن المفهوم من إطلاق الزرع ذلك دون ما غرس من الشجر وهذا مما لا خلاف في إباحته؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك فلو حرم لأدى إلى ضرر عظيم. ويحتمل أنه أراد جميع ما ينبته الآدمي مما ذكر ومن الأشجار المغروسة بفعله وفي تحريم ذلك وجهان: أحدهما: يحرم وفيه الجزاء. قاله القاضي؛ لعموم قوله ﷺ : «لا يعضد شجرها» (٣). والثاني: لا يحرم. اختاره أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأن الزرع خص من عموم الحديث لمعنى موجود في الشجر المغروس بفعل الآدمي فيلحق به ويقاس عليه. ويعضد

стр. 937

هذا تخصيص التحريم بالوحشي من الحيوان دون الإنسي فكذلك يختص التحريم بغير ما ينبته الآدمي من الشجر. وأما جواز الرعي ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد. والثاني: يجوز؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم ولم ينقل أنه كان تسد أفواهها. ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر. قال: (ومن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، فإن استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين). أما ضمان الشجرة الكبيرة والصغيرة بما ذكر فلما روى ابن عباس ﵄ أنه قال: «في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة» (١). ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه لحرمة الحرم فكان منه ما يضمن بمقدّر كالصيد. وأما ضمان الحشيش بقيمته فلأن الأصل وجوب القيمة لما تقدم في الصيد تُرك ذلك في الشجرة الكبيرة والصغيرة لقضاء الصحابة رضوان الله عليهم فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل. وأما ضمان الغصن بما نقص فلأنه نقص بفعله فكان الواجب فيه ما نقصه كما لو جنى على مال آدمي فنقص. وأما سقوط الضمان بالاستخلاف ففيه وجهان: أحدهما: يسقط كما إذا جرح صيداً فاندمل وبرئ. والثاني: لا يسقط؛ لأن الثاني غير الأول.

стр. 938

قال: (ومن قطع غصناً في الحل أصله في الحرم ضمنه وإن قطعه في الحرم أصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين). أما ضمان ما أصله في الحرم وغصنه في الحل فلأن الغصن تابع للأصل والأصل يجب ضمانه لو قطعه فكذلك ما يتبعه. وأما ضمان ما أصله في الحل وغصنه في الحرم ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمن لما ذكر قبل. والثاني: يضمن؛ لأنه غصن في الحرم أشبه ما أصله فيه.

стр. 939

فصل [في صيد المدينة] قال المصنف ﵀: (ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة والقائمة ونحوها ومن حشيشها للعلف). أما تحريم صيد المدينة وشجرها وحشيشها غير ما استثني فلما روى أنس ﵁ «أن النبي ﷺ أشرفَ على المدينة. فقال: اللهم! إني أحرمُ ما بَينَ جَبَلَيْهَا مثلَ ما حرَّم إبراهيمُ مكة» (١). وفي لفظ: «لا يقطع شجرها» (٢) متفق عليه. وروى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» (٣) متفق عليه. وأما عدم تحريم الرحل والعارضة والقائمة فلما روى جابر بن عبدالله ﵄: «أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله! إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد ﵀. وأما عدم تحريم الحشيش للعلف؛ فلأن في حديث علي ﵁ عن

стр. 940

النبي ﷺ قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره» (١). ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع فلو منع من الاحتشاش مع الحاجة أفضى إلى الضرر بخلاف مكة. قال: (ومن أدخل إليها صيداً فله إمساكه وذبحه، ولا جزاء في صيد المدينة، وعنه: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه). أما كون من أدخل إلى المدينة صيداً له إمساكه فلما روي أن النبي ﷺ كان يقول: «يا أبا عمير! ما فعل النغير» (٢). وهو طائر صغير حديث صحيح. ولم ينكر عليه إمساكه فدل على جوازه. وأما كونه له ذبحه فلأن كل موضع جاز فيه إمساك الصيد جاز ذبحه دليله الحل. وأما صيد المدينة ففيه روايتان: أحدهما: لا جزاء فيه؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وُجّ. والثانية: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه لأن النبي ﷺ حرم المدينة كتحريم مكة فوجب الجزاء في صيدها على الجملة كمكة. ولما روى عامر بن سعد «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع الشجر أو يخبطه فسلبه. فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم [ما أخذ من غلامهم] فقال: معاذ الله أن أرد عليهم شيئاً نفّلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم» (٣) رواه مسلم.

стр. 941

وفي لفظ لأبي داود: «أن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: من وجد أحداً يصيد فيه فله سلبه» (١). قال: (وحد حرمها ما بين ثور إلى عير وجعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى). أما كون حد حرم المدينة ما بين ثور إلى عير؛ فلما تقدم من حديث علي ﵁ المتفق عليه (٢). وأما جعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى فلما روى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ جعل حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى» (٣) رواه مسلم.

стр. 942

باب ذكر دخول مكة قال المصنف ﵀: (يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء، ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة). أما استحباب دخول مكة من أعلاها من ثنية كداء فلما روى ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى» (١). وروت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها» (٢) متفق عليهما. وأما استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة فلأن النبي ﷺ هكذ فعل (٣) رواه مسلم. قال: (فإذا رأى البيت رفع وكبر وقال: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حَيِّنا ربنا بالسلام. اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً. الحمد لله رب

стр. 943

العالمين كثيراً كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال. اللهم! إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك. اللهم! تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت. يرفع بذلك صوته). أما استحباب رفع اليدين عند رؤية البيت فلما روى أبو بكر ابن المنذر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين» (١). ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أُمر برفع اليدين عند الدعاء (٢). وأما استحباب التكبير عند رؤية البيت (٣). وأما استحباب قول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام فلما روى سعيد بن المسيب قال: «سمعت من عمر كلمة يقولها لما رأى البيت لم يسمعها غيري وهي: اللهم! أنت السلام ... » (٤). وعن سعيد بن المسيب «أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام» (٥). وأما استحباب قول: اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً إلى آخره فلما روى الشافعي في مسنده عن ابن جريج «أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه

стр. 944

وقال: اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً ومهابة وبراً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وبراً» (١). وذكر الأثرم ذلك وزاد فيه: «الحمد لله رب العالمين -إلى قوله-: لا إله إلا أنت». وأما استحباب رفع الصوت بذلك فلأنه ذكر مشروع في الحج فاستحب رفع الصوت به كالتلبية. قال: (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً أو طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً، ويضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر). أما استحباب الابتداء بالطواف فـ «لأن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» (٢) متفق عليه. ولأن الطواف تحية المسجد فاستحب البداءة به كالركعتين في غيره من المساجد. وأما كون المعتمر يطوف لعمرته فلأن الذين أمرهم النبي ﷺ بفسخ نسكهم إلى العمرة أمرهم أن يطوفوا للعمرة بدليل أنه أمرهم بالحل (٣). وأما كون غيره يطوف للقدوم فلأن الصحابة الذين كانوا مفردين وقارنين فعلوا ذلك. ولأن وقت غير طواف العمرة لم يدخل بعدُ بخلاف طواف العمرة. وأما استحباب الاضطباع بالرداء وجعل وسطه تحت العاتق الأيمن وطرفيه على العاتق الأيسر فلما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من

стр. 945

الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» (١) رواه أبو داود. وروى أسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ «أنه اضطبع ورمل وقال: ففيم الرمل ولِمَ نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ بل لن ندع شيئاً فعلناه على عهد رسول الله ﷺ » (٢). قال: (ثم يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله، وإن شاء استلمه وقبل يده، وإن شاء أشار إليه ويقول: بسم الله والله أكبر إيماناً وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ كلما استلمه). أما استحباب الابتداء في الطواف من الحجر الأسود فلأن النبي ﷺ بدأ به (٣). وأما محاذاته بجميع بدنه فليستوعب جميع البيت بالطواف. وأما الخيرة بين استلامه وتقبيله وبين استلامه وتقبيل يده وبين الإشارة إليه فلأن الكل مروي عن النبي ﷺ . أما الاستلام والتقبيل فلأن النبي ﷺ كان يستلمه ويقبله لما روى ابن عمر قال: «استقبل رسول الله ﷺ الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً فإذا هو بعمر بن الخطاب فقال: يا عمر! هاهنا تُسكب العبرات» (٤) رواه ابن ماجة. وفي رواية: «بدأ بالحجر فاستلمه وقبله ثم التفت فإذا هو بعمر». وأما استلامه وتقبيل يده فـ «لأن النبي ﷺ استلمه وقبل يده» (٥) رواه مسلم.

стр. 946

وأما الإشارة إليه فلما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر» (١). وظاهر كلام المصنف ﵀ أن الأقوال (٢) الثلاثة متساوية لأن الخيرة هنا ليست خيرة في واجب. وليس كذلك بل المستحب تقبيله فإن لم يمكنه فالمستحب استلامه وتقبيل يد نفسه فإن لم يمكنه فالمستحب الإشارة إليه لأن النبي ﷺ قبله حين أمكنه في حديث عمر، واستلمه وقبل يد نفسه حيث لم يمكنه تقبيله ولا استلامه ولذلك قال النبي ﷺ لعمر: «أنت رجل قوي فلا تزاحم الناس فتؤذي الضعيف ولكن إن وجدت مسلكاً فاستلمه وإلا فاستقبل وهلل وكبر» (٣). وأما استحباب قول: بسم الله إلى آخره كلما استلم الحجر فلأن عبدالله بن السائب روى أن النبي ﷺ قال ذلك عند استلام الحجر (٤). قال: (ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فإذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده). أما الأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فلأن النبي ﷺ فعل ذلك (٥) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٦).

стр. 947

وأما استحباب استلام الركن اليماني فلما روى ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني» (١). وعن ابن عمر: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة ولا رخاء» (٢) رواهما مسلم. ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم ﵇ قاله ابن عمر فسن استلامه كالذي فيه الحجر. وأما استحباب تقبيل يده بعد استلام الحجر فكما يفعل ذلك في الحجر الأسود. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقبل كالحجر الأسود؟ قيل: إنه لم ينقل ذلك من طريق صحيح. قال: (ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأُوَل منها. وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يَثِب وثباً، ويمشي أربعاً). أما كون الطواف سبعاً يرمل في ثلاثة ويمشي أربعاً فـ «لأن النبي ﷺ طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً» (٣) متفق عليه. وأما قول المصنف ﵀: وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى فبيان لماهية الرمل. وأما كونه لا يَثِب وثباً فلأن ذلك ليس بمشي فإذا فعله لم يكن إتياناً بالرمل المشروع.

стр. 948

قال: (وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر: الله أكبر ولا إله إلا الله، وبين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وفي سائر الطواف: اللهم! اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً. رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأعز الأكرم. ويدعو بما أحب). أما استحباب استلام الحجر والركن اليماني أو الإشارة إليهما كلما حاذاهما: أما الاستلام فلأن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة» (١) رواه أبو داود. وعن نافع: كان ابن عمر يفعله (٢). وأما الإشارة فلأنها بدل عن الاستلام. وأما استصحاب التكبير والتهليل كلما حاذى الحجر فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ كلما أتى الحجر أشار إليه وكبر» (٣). وفي حديث عمر المتقدم: «وإلا فاستقبلْ وهلل وكبر» (٤). وأما استحباب قول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: ٢٠١] بين الركنين فلما روى عبدالله بن السائب ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يقول ذلك بين ركن بني جُمَح والركن الأسود» (٥) رواه الإمام أحمد. وروى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ﷺ قال: «وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك. فمن قال: اللهم! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: ٢٠١] قالوا: آمين» (٦).

стр. 949

وأما استحباب قول: اللهم! اجعله حجاً مبروراً ... إلى الأكرم في بقية طوافه فلأن ذلك قولٌ لائقٌ بالمحل فاستحب ذكره كسائر الأدعية اللائقة بمحالها المنصوص على مشروعيتها فيها. وأما دعاؤه بما أحب بعد ذلك فلأن ذلك موضع يستجاب فيه الدعاء غالباً والشخص قد تكون له حاجة أخروية أو دنيوية فإذا دعا بما أحب كان ذلك وسيلة إلى قضاء حاجته وبلوغ أمله. قال: (وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع، وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع). أما عدم استحباب الرمل والاضطباع في حق النساء فلأن ذلك شرع لإظهار الجلَد وليس مطلوباً من النساء. ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي الرمل تعرض للانكشاف وفي الاضطباع تعرض للانكشاف. وأما عدم استحباب ذلك في حق أهل مكة فلأن ذلك شرع لما ذكر، وليس مطلوباً من أهل مكة لأنهم مقيمون. و«لأن ابن عمر ﵄ كان إذا أحرم من مكة لم يرمل». والمراد بأهل مكة: المقيم بها ومن أحرم بها حتى لو كان متمتعاً فأحرم بالحج منها ثم عاد وقلنا يُشرع له طواف القدوم لم يرمل كما ذكر في المغني. وأما عدم استحبابهما في غير الطواف الأول فلأن النبي ﷺ وأصحابه لم يرملوا ولم يضطبعوا إلا في الطواف الأول فلم يسن الإتيان بغير ما فعلوه. ولأن الطواف الأول إنما سن فيه ذلك لفعل النبي ﷺ وأصحابه وهو منتف هنا فينتفي الاستحباب لانتفاء المقتضي.

стр. 950

قال: (ومن طاف راكباً أو محمولاً أجزأه. وعنه: لا يجزئه إلا لعذر، ولا يجزئ عن الحامل). أما إجزاء طواف الراكب لعذر فلا خلاف فيه، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» (١). وعن أم سلمة ﵂ قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي. فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» (٢) متفق عليهما. ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً والراكب طائف. وأما إجزاء طواف المحمول لعذر فلأنه كالراكب معنى فكذا حكماً. وأما طواف من ذكر لغير عذر ففيه روايتان: أحدهما: يجزئ؛ لما تقدم من فعل النبي ﷺ ، وكون الأمر بالطواف مطلقاً. والثانية: لا يجزئ؛ لأن النبي ﷺ قال: «الطواف بالبيت صلاة» (٣) والصلاة حاملا ومحمولاً لا تصح. ولأن الطواف بالبيت عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكباً ولا محمولاً لغير [عذر] (٤) كالصلاة. وأما فعل النبي ﷺ فلا دليل فيه لأنه كان لعذر «لأنه روي أنه كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت. وكان ﷺ لا يُضْرَبُ الناسُ بين يَديه فلما كَثُروا عليه ركب» (٥) رواه مسلم.
следующие страницы →