← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وأما الإشارة إليه فلما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر» (١). وظاهر كلام المصنف ﵀ أن الأقوال (٢) الثلاثة متساوية لأن الخيرة هنا ليست خيرة في واجب. وليس كذلك بل المستحب تقبيله فإن لم يمكنه فالمستحب استلامه وتقبيل يد نفسه فإن لم يمكنه فالمستحب الإشارة إليه لأن النبي ﷺ قبله حين أمكنه في حديث عمر، واستلمه وقبل يد نفسه حيث لم يمكنه تقبيله ولا استلامه ولذلك قال النبي ﷺ لعمر: «أنت رجل قوي فلا تزاحم الناس فتؤذي الضعيف ولكن إن وجدت مسلكاً فاستلمه وإلا فاستقبل وهلل وكبر» (٣). وأما استحباب قول: بسم الله إلى آخره كلما استلم الحجر فلأن عبدالله بن السائب روى أن النبي ﷺ قال ذلك عند استلام الحجر (٤). قال: (ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فإذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده). أما الأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فلأن النبي ﷺ فعل ذلك (٥) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٦).

стр. 947

وأما استحباب استلام الركن اليماني فلما روى ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني» (١). وعن ابن عمر: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة ولا رخاء» (٢) رواهما مسلم. ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم ﵇ قاله ابن عمر فسن استلامه كالذي فيه الحجر. وأما استحباب تقبيل يده بعد استلام الحجر فكما يفعل ذلك في الحجر الأسود. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقبل كالحجر الأسود؟ قيل: إنه لم ينقل ذلك من طريق صحيح. قال: (ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأُوَل منها. وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يَثِب وثباً، ويمشي أربعاً). أما كون الطواف سبعاً يرمل في ثلاثة ويمشي أربعاً فـ «لأن النبي ﷺ طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً» (٣) متفق عليه. وأما قول المصنف ﵀: وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى فبيان لماهية الرمل. وأما كونه لا يَثِب وثباً فلأن ذلك ليس بمشي فإذا فعله لم يكن إتياناً بالرمل المشروع.

стр. 948

قال: (وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر: الله أكبر ولا إله إلا الله، وبين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وفي سائر الطواف: اللهم! اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً. رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأعز الأكرم. ويدعو بما أحب). أما استحباب استلام الحجر والركن اليماني أو الإشارة إليهما كلما حاذاهما: أما الاستلام فلأن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة» (١) رواه أبو داود. وعن نافع: كان ابن عمر يفعله (٢). وأما الإشارة فلأنها بدل عن الاستلام. وأما استصحاب التكبير والتهليل كلما حاذى الحجر فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ كلما أتى الحجر أشار إليه وكبر» (٣). وفي حديث عمر المتقدم: «وإلا فاستقبلْ وهلل وكبر» (٤). وأما استحباب قول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: ٢٠١] بين الركنين فلما روى عبدالله بن السائب ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يقول ذلك بين ركن بني جُمَح والركن الأسود» (٥) رواه الإمام أحمد. وروى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ﷺ قال: «وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك. فمن قال: اللهم! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: ٢٠١] قالوا: آمين» (٦).

стр. 949

وأما استحباب قول: اللهم! اجعله حجاً مبروراً ... إلى الأكرم في بقية طوافه فلأن ذلك قولٌ لائقٌ بالمحل فاستحب ذكره كسائر الأدعية اللائقة بمحالها المنصوص على مشروعيتها فيها. وأما دعاؤه بما أحب بعد ذلك فلأن ذلك موضع يستجاب فيه الدعاء غالباً والشخص قد تكون له حاجة أخروية أو دنيوية فإذا دعا بما أحب كان ذلك وسيلة إلى قضاء حاجته وبلوغ أمله. قال: (وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع، وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع). أما عدم استحباب الرمل والاضطباع في حق النساء فلأن ذلك شرع لإظهار الجلَد وليس مطلوباً من النساء. ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي الرمل تعرض للانكشاف وفي الاضطباع تعرض للانكشاف. وأما عدم استحباب ذلك في حق أهل مكة فلأن ذلك شرع لما ذكر، وليس مطلوباً من أهل مكة لأنهم مقيمون. و«لأن ابن عمر ﵄ كان إذا أحرم من مكة لم يرمل». والمراد بأهل مكة: المقيم بها ومن أحرم بها حتى لو كان متمتعاً فأحرم بالحج منها ثم عاد وقلنا يُشرع له طواف القدوم لم يرمل كما ذكر في المغني. وأما عدم استحبابهما في غير الطواف الأول فلأن النبي ﷺ وأصحابه لم يرملوا ولم يضطبعوا إلا في الطواف الأول فلم يسن الإتيان بغير ما فعلوه. ولأن الطواف الأول إنما سن فيه ذلك لفعل النبي ﷺ وأصحابه وهو منتف هنا فينتفي الاستحباب لانتفاء المقتضي.

стр. 950

قال: (ومن طاف راكباً أو محمولاً أجزأه. وعنه: لا يجزئه إلا لعذر، ولا يجزئ عن الحامل). أما إجزاء طواف الراكب لعذر فلا خلاف فيه، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» (١). وعن أم سلمة ﵂ قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي. فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» (٢) متفق عليهما. ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً والراكب طائف. وأما إجزاء طواف المحمول لعذر فلأنه كالراكب معنى فكذا حكماً. وأما طواف من ذكر لغير عذر ففيه روايتان: أحدهما: يجزئ؛ لما تقدم من فعل النبي ﷺ ، وكون الأمر بالطواف مطلقاً. والثانية: لا يجزئ؛ لأن النبي ﷺ قال: «الطواف بالبيت صلاة» (٣) والصلاة حاملا ومحمولاً لا تصح. ولأن الطواف بالبيت عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكباً ولا محمولاً لغير [عذر] (٤) كالصلاة. وأما فعل النبي ﷺ فلا دليل فيه لأنه كان لعذر «لأنه روي أنه كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت. وكان ﷺ لا يُضْرَبُ الناسُ بين يَديه فلما كَثُروا عليه ركب» (٥) رواه مسلم.

стр. 951

وأما عدم إجزاء ذلك عن الحامل فلأن الطواف عبادة أُدِّيَ بها فرض الله فلم [تكن] (١) فرضاً عن آخر كالصلاة. ولأن الحامل له كالمحمول فلم يقع الطواف عن غيره كالراكب. قال: (وإن طاف منكساً أو على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة أو ترك شيئاً من الطواف وإن قلّ أو لم ينوه لم يجزئه، وإن طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً لم يجزئه. وعنه: يجزئه ويجبره بدم). أما عدم إجزاء الطواف المنكس وهو جعل الطائف البيت عن يمينه عكس ما تقدم من قوله: ويجعل البيت على يساره فـ «لأن جعل النبي ﷺ البيت عن يساره» (٢) على ما تقدم بيان لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]، وفعله ﷺ إذا خرج مخرج البيان تعين فلا يجوز خلافه. ولأن النبي ﷺ قال: «خذوا عني مناسككم» (٣). ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكان الترتيب فيها واجباً كالصلاة. وأما عدم إجزائه على جدار الحِجْر وهو حائطه أو شاذروان الكعبة وهو: ما فضل من حائطه فلأن ذلك من البيت فإذا لم يطف بكل البيت لم يجزءه؛ لأن الطواف بجميعه واجب بدليل «أن النبي ﷺ طاف بجميعه» (٤) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٥). وأما عدم إجزائه إذا ترك شيئاً منه وإن قلّ مثل إن طاف خمساً أو ستاً أو نحو ذلك فلأن النبي ﷺ طاف سبعاً والقول فيه كما تقدم في جعل البيت عن يمينه.

стр. 952

وأما عدم إجزائه إذا لم ينو فلقوله: «إنما الأعمال بالنيات» (١) ولقوله: «لا عمل إلا بنية» (٢). ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة. وأما من طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً ففيه روايتان: أحدهما: لا يجزئه؛ لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» (٣) رواه الترمذي ورواه الأثرم بمعناه. وروى أبو هريرة «أن أبا بكر الصديق ﵄ بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» (٤) متفق عليه. ولأنه عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً كالصلاة. والرواية الثانية: يجزئه ويجبره بدم؛ أما الإجزاء فلأن الطواف عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف. وأما جبر ذلك بدم فلأن ذلك إذا لم يكن شرطاً فلا أقل من أن يكون واجباً، وترك الواجب يجبر بدم. وظاهر كلام المصنف ﵀ أن الإجزاء مع جبر الدم عامّ سواء أمكنه الطواف بعد طوافه على الصفة المتقدمة أو لا. وقال في المغني: وعن أحمد رواية أن الطهارة ليست شرطاً فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان يمكنه وإن رجع جبره بدم.

стр. 953

وظاهره أن الطواف غير متطهر لا يجبره الدم مع إمكان إعادته. قال: (وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصل طويل ابتدأه، وإن كان يسيراً أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى. ويتخرج أن الموالاة سنة). أما ابتداء الطواف إذا أحدث الطائف في أثنائه فلأنه عبادة شرطها الطهارة على الصحيح فأبطلها الحدث كالصلاة. وحكم تعمد الحدث وسبقه في ذلك حكم الصلاة من بطلان وبناء. وأما ابتداؤه إذا قطعه بفصل طويل فلأن الموالاة بين أجزائه شرط للصحة على المذهب «لأن النبي ﷺ والى بين طوافه» (١) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢). ولأنه صلاة فيشترط لها الموالاة كسائر الصلوات، أو نقول عبادة متعلقة بالبيت فاشترط لها الموالاة كالصلاة. وأما بناؤه إذا قطعه بفعل يسير فلأن اليسير يسامح به في غير هذا الموضع فكذلك هاهنا. ولأن في الاتصال مع ذلك مشقة عظيمة وضرراً عظيماً فوجب أن لا يشترط نفياً لذلك. فإن قيل: بم يعرف الطويل من اليسير؟ قيل: يرجع في ذلك إلى العرف من غير تحديد بمدة كما رجع إلى العرف في الحِرْز والقبض. وأما قطع الطواف وصلاة الصلاة التي أقيمت فلقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣).

стр. 954

وفي لفظ: «فلا صلاة إلا التي أقيمت» (١) والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر. ولأنه قول ابن عمر وسالم ابنه وعطاء ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. وأما قطعه وصلاته على الجنازة فلأن الجنازة صلاة تفوت بالتشاغل بالطواف وإذا قطع الطواف من أجل الصلاة التي أقيمت وهي لا تفوت بالتشاغل بالطواف فلأن يقطع بصلاة الجنازة وهي تفوت بالتشاغل بطريق الأولى. وأما بناؤه في الموضعين على ما طاف فلأنه فعل فعلاً مشروعاً في أثناء الطواف فلم يقطعه كاليسير. وأما تخريج مسنونية الموالاة فـ «لأن الحسن ﵁ غشي عليه فلما أفاق أتمه». ونقل المصنف ﵀ في المغني والكافي عن أحمد رواية: أن الموالاة ليست بشرط مع العذر واستدل عليه بما ذكر عن الحسن. قال: (ثم يصلي ركعتين. والأفضل أن يكون خلف المقام يقرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] بعد الفاتحة). أما استحباب صلاة ركعتين بعد فراغه من الطواف فلأن النبي ﷺ صلاهما (٢). وأما أفضلية كونهما خلف المقام، والقراءة فيهما بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد الفاتحة فلما روى جابر ﵁ «أن النبي ﷺ طاف بالبيت سبعاً

стр. 955

وصلى خلف المقام ركعتين قرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾» (١) رواه مسلم. وفي الأفضلية المذكورة تنبيه على جواز فعلهما في غير ذلك الموضع وبغير تلك القراءة وهو صحيح: أما الأول فـ «لأن عمر ﵁ ركعهما بذي طوى» (٢) رواه البخاري. وأما الثاني؛ فلأن تعيين الفاتحة في الفريضة لا تجب. فلأن لا تجب في ركعتي الطواف بطريق الأولى. قال: (ثم يعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا من بابه. ويسعى سبعاً يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويكبر ثلاثاً ويقول: الحمد لله على ما هدانا. لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يلبي ويدعو بما أحب). أما عود من فرغ من الطواف إلى الركن والمراد به الحَجَر الأسود -قاله المصنف في المغني- واستلامه وخروجه إلى الصفا من بابه وسعيه سبعاً وبداؤه بالصفا ورقيه عليه واستقباله القبلة وتكبيره وقول: الحمد لله ... إلى وهزم الأحزاب وحده فلأن جابراً ﵁ قال في صفة حج النبي ﷺ بعد ركعتي الطواف: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» (٣).

стр. 956

وأما قوله: لا إله إلا الله ... إلى ولو كره الكافرون فلما روي عن ابن عمر ﵁ «أنه كان يدعو ويزيد: لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ويدعو دعاء كثيراً حتى أنه ليملنا وإنا لشباب». وأما تلبيته بعد ذلك ... (١). قال: (ثم ينزل من الصفا ويمشي حتى يأتي العلم فيسعى سعياً شديداً إلى العلم، ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل عليها مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه يفعل ذلك سبعاً يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية يفتتح بالصفا ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط). أما نزوله إلى الصفا ومشيه إلى العلم وسعيه سعياً شديداً منه إلى العلم الآخر ومشيه من الثاني إلى المروة وفعله عليها مثل فعله على الصفا فلأن جابراً ﵁ قال: «ثم نزل -يعني النبي ﷺ إلى المروة حتى إذا انصَبَّتْ قَدماه رملَ في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا» (٢). فإن قيل: ما العلمان؟ قيل: هما ميلان أخضران أحدهما: معلق في ركن المسجد، والآخر: بفناء المسجد وحذاء دار العباس. وأما نزوله من المروة ومشيه في موضع مشيه وسعيه في موضع سعيه وفعله ذلك سبع مرات فلأن النبي ﷺ فعل ذلك كذلك. وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وأما احتسابه بالذهاب سعية وبالرجوع سعية فلأنه لو كان الذهاب والرجوع سعية لتعين أن يكون آخر الطواف عند الصفا وقد جاء في الحديث: «فلما كان آخر طوافه على المروة» (٤).

стр. 957

ولأنه كل مرة طائف بهما فينبغي أن يحسب ذلك مرة كما إذا طاف بجميع البيت فإنه يحتسب به مرة. وأما افتتاحه بالصفا؛ فلما تقدم من «أن النبي ﷺ لما دنى من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] بدأ بالصفا وقال: ابدأوا بما بدأ الله به» (١). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: «قال الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] فبدأ بالصفا وقال: اتبعوا القرآن فما بدأ به القرآن فابدأوا به». وأما اختتامه بالمروة فلما تقدم من قوله: «فلما كان آخر طوافه على المروة» (٢). ولأنه يلزمه بالبداءة بالصفا والاعتداد بالذهاب مرة والرجوع مرة الاختتام بالمروة. وأما عدم الاحتساب بالشوط إذا بدأ من المروة فلأن الشوط مخالف لفعل النبي ﷺ وأمره فلم يحتسب به كالصلاة في الدار المغصوبة. قال: (ويستحب أن يسعى طاهراً مستتراً متوالياً. وعنه: أن ذلك من شرائطه). أما استحباب سعيه مستتراً متوالياً فلأن ذلك مختلف في وجوبه فاستحب فعله لما فيه من الخروج من العهدة. ولأن النبي ﷺ سعى كذلك وأدنى أحواله حمله على الاستحباب. وأما اشتراط ذلك ففيه روايتان: أحدهما: يشترط؛ لأنه أحد الطوافين فاشترط فيه ذلك كالطواف بالبيت. والرواية الثانية: لا يشترط شيء من ذلك وهي المذهب؛ لأن النبي ﷺ قال لعائشة حين حاضت: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٣). ولأن السعي عبادة لا تتعلق بالبيت فلم يشترط فيها شيء من ذلك كالوقوف بعرفة.

стр. 958

قال: (والمرأة لا ترقى ولا ترمل). أما عدم استحباب الرقي للمرأة فلئلا تزاحم الرجال. ولأن ترك ذلك أستر لها. وأما عدم استحباب الرمل في السعي فلما تقدم من عدم استحبابه لها في الطواف. قال: (وإذا فرغ من السعي فإن كان معتمراً قصّر من شعره وتحلل، إلا أن يكون المتمتع قد ساق هدياً فلا يُحل حتى يحج. ومن كان متمتعاً قطع التلبية إذا وصل البيت). أما جواز تقصير المعتمر غير سائق الهدي من شعره وتحلله بعد سعيه فلأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر (١) سوى عمرته التي مع حجه وكان يحل إذا سعى. وأما المتمتع فإن كان معه هدي لم يحل وإلا حل لما روى ابن عمر ﵄ قال: «تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليحلل» (٢) متفق عليه. فإن قيل: لم قال المصنف ﵀ قصر ولم يقل حلق؟ قيل: للتنبيه على أن المسنون التقصير لا الحلق؛ لأن النبي ﷺ أمر في حديث جابر فقال: «وليقصر» (٣) والحكمة في ذلك توفير الحلق على الحج. فإن قيل: لم قال: والمعتمر ثم استثنى المتمتع؟ قيل: لأن المعتمر أعم من المتمتع لأن المعتمر من أحرم بعمرة من الميقات ثم إن وجد فيه الشروط المتقدمة ذكرها في صفة التمتع فهو متمتع.

стр. 959

وأما قطع المتمتع التلبية إذا وصل البيت والمراد به إذا استلم الحجر الأسود فلأن ابن عباس ﵄ روى «أن النبي ﷺ كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر» (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم» (٢). ولأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار للإقامة عليها والأخذ بالتحلل ينافيها والتحلل يحصل بالطواف والسعي فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فيجب أن يقطع التلبية كما يقطع الحاج التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة؛ لأن التحلل يحصل بها. وفي كلام المصنف ﵀ نظر من وجهين: أحدهما: أنه قال: ومن كان متمتعاً وكان الجيد أن يقول: ومن كان معتمراً لأن الحكم المذكور يستوي فيه المتمتع وغيره. والثاني: أنه قال: قطَعَ التلبية إذا وصل البيت وكان الجيد أن يقول: قطع التلبية إذا استلم الركن كما قال الإمام أحمد ﵀. وكأنه لما كان الوصول إلى البيت يتعقبه الطواف لأنه تحيته وكان استلام الركن أول ما يبدأ به في الطواف عبر بذلك عنه إلا أن فيه لبساً مع عدم الحاجة لا سيما على المتعلم.

стр. 960

باب صفة الحج قال المصنف ﵀: (يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة. ومن حيث أحرم من الحرم جاز). أما استحباب الإحرام لمن ذكر في يوم التروية فلأن جابراً ﵁ قال: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج» (١). وأما استحبابه من نفس مكة فلأن النبي ﷺ قال: «حتى أَهْل مكة يهلون منها» (٢). و«كان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق منه مهلاً بالحج». وأما جوازه من أي موضع كان من الحرم فلأن في حديث جابر ﵁: «فأهللنا من الأبطح» (٣). وهو موضع خارج نفس البلد داخل في الحرم. قال: (ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة فأقام بنمرة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها الوقوف

стр. 961

ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة، ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين). أما خروجه إلى منى إلى آخره فلأن في حديث جابر ﵁: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ومكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شَعر تُضرب له بنمرة. فسار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة. فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِّلَتْ له. فأتى بطن الوادي فخطب الناس. ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم لم يصل بينهما شيئاً» (١). وأما تعليم الناس في الخطبة الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة فليذكر العالم ويتعلم الجاهل. وأما الجمع فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أنه يجوز لكل من حضر عرفة من مكة وغيرها وصرح به في المغني، وعلله بأن النبي ﷺ جَمَع وجَمَع الناس معه ولم يأمر المكيين بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا فإنا سفر» (٢). ولو حرم الجمع لبينه لهم؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وبـ «أن عثمان كان يتم الصلاة» لأنه اتخذ بمكة أهلاً ولم يبلغنا أنه ترك الجمع ولو تركه لنقل كما نقل الإتمام. وقال أصاحبنا القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل: يختص بمن بينه وبين وطنه مسافة القصر؛ لأن سبب الجمع السفر الطويل فلا يجوز إلا حيث وجد سببه. ولأن الجمع كالقصر والقصر يختص بمن ذكر فكذا الجمع. قال: (ثم يروح إلى الموقف. وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة. وهي من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر). أما رواحه إلى عرفة إذا رحل من نمرة فلأن النبي ﷺ هكذا فعل (٣).

стр. 962

وأما كون عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة فلقول رسول الله ﷺ : «كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة» (١) رواه ابن ماجة. ولأن عرنة ليست من عرفة فلم يجزؤه الوقوف فيها كما لو وقف بمزدلفة. فإن قيل: لم سميت عرفة بذلك؟ قيل: لأن الله تعالى يعرف الخلائق بالمغفرة أي يطيبهم ومنه قوله تعالى: ﴿عرفها لهم﴾ [محمد: ٦] أي طيبها لهم. وقيل: لأنه يوم اصطناع المعروف إلى أهل مكة. وقيل: لأن إبراهيم ﵇ عرّفه جبريل المناسك فقال له: عرفت. وقيل: لأن آدم اجتمع مع حواء فتعارفا. وأما قول المصنف ﵀: "وهي من الجبل ... إلى آخره"؛ فبيان لحد عرفة وتمييز لها مما ليس منها. قال: (ويستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة راكباً، وقيل: الراجل أفضل، ويكثر من الدعاء ومن قوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. اللهم! اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ويسر لي أمري). أما استحباب الوقوف بالصخرات وجبل الرحمة فلأن في حديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه» (٢). وأما أفضلية الوقوف راكباً على المذهب فلأنه فِعْل النبي ﷺ . ولأن الوقوف راكباً أعون له على الدعاء. وأما أفضلية الراجل على قولٍ فلأنه أكثر مشقة. والأول أولى لما ذكر.

стр. 963

وأما إكثار الدعاء فلأنه يوم ترجى فيه الإجابة ولذلك استحب له الفطر يومئذ ليتقوى على الدعاء. وأما استحباب قول: لا إله إلا الله ... إلى آخره فلما روي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. اللهم! اجعل في قلبي نوراً ... إلى آخره» (١). قال: (ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن حصل بعرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل تم حجه، ومن فاته ذلك فاته الحج). أما كون وقت الوقوف كما ذكره المصنف ﵀ فلأن رسول الله ﷺ قال: «من شَهد صلاتَنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حَجُّهُ وقَضَى تَفَثَه» (٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحكي عن أبي حفص العكبري أنه لا يجزئ الوقوف إلا بعد الزوال، وحمل كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لم يقف إلا بعد

стр. 964

الزوال وكذلك أهل الأعصار من لدنه إلى الآن فلو كان قبل الزوال وقتاً ما اتفقوا على تركه. والأول أولى لما ذكر. ولأن ما بعد الزوال يجزئ الوقوف فيه فكذا قبله. وأما فعل النبي ﷺ فمحمول على الأولى. وأما تمام حج من وقف في شيء من الوقت المذكور وهو عاقل فلما تقدم من قوله ﷺ : «فقد تم حجه وقضى تفثه» (١). وأما فوات الحج لمن فاته ذلك؛ فلما يأتي في باب الفوات (٢). قال: (ومن وقف بها نهاراً أو دفع قبل غروب الشمس فعليه دم، وإن وافاها ليلاً فوقف بها فلا دم عليه). أما وجوب الدم علىمن يقف بعرفة نهاراً ودفع منها قبل الغروب فلأن الوقوف إلى بعد الغروب على من ذكر واجب؛ لأن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس كذا في حديث جابر (٣). وقال: «خذوا عني مناسككم» (٤)، وإذا تركه فقد ترك واجباً في الحج وذلك موجب للدم لما يأتي فيمن ترك واجباً. وأما عدم وجوب الدم على من وافاها ليلاً فوقف بها فلأنه لم يدرك جزءاً من النهار فلم يلزمه شيء كما لو أدرك من منزله دون الميقات من موضعه.

стр. 965

قال: (ثم يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة وعليه السكينة، فإذا وجد فجوة أسرع، فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال، فإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه، ومن فاتته الصلاة مع الإمام بمزدلفة أو بعرفة جمع وحده). أما دفعه من عرفة بعد غروب الشمس إلى مزدلفة على الصفة المذكورة فلأن في حديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ دفع من عرفة وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة السكينة» (١). وقد روي «أنه ﷺ كان يَسير العَنَقَ فإذا وجد فَجْوَةً نَصَّ. قال هشام بن عروة: النَّصُّ فَوق العَنَق» (٢) متفق عليه. وأما صلاته المغرب والعشاء إذا وصل إلى مزدلفة قبل حط الرحال فلأن في حديث أسامة بن زيد: «فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما» (٣) متفق عليه. وأما ترك السنة إذا صلى المغرب في طريقه فلأنه خلاف فعل رسول الله ﷺ . وأما إجزاء ذلك فلأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز فعل كل واحدة في وقتها كالظهر والعصر بعرفة وحكم الجمع بعرفة من أنه هل هو مختص بمن بينه وبين وطنه مسافة القصر أو لا؟ وأما جمع من فاتته الصلاة مع الإمام بمزدلفة أو بعرفة وحده فلأن ابن عمر ﵄ «كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام جمع منفرداً». ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفرداً كالجمع في السفر.

стр. 966

قال: (ثم يبيت بها فإن دفع قبل نصف الليل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شيء عليه، وإن وافاها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن جاء بعد الفجر فعليه دم). أما بيتوتته بمزدلفة فلأن المبيت بها واجب «لأن النبي ﷺ بات بها» (١) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢). ولأنه ﷺ سماها موقفاً بقوله في حديث جابر: «المزدلفة كلها موقف» (٣). وأما وجوب الدم على من دفع قبل نصف الليل فلأن مبيت كل الليل أو أكثر واجب، وكلاهما مفقود فيمن ذكر فيكون تاركاً للمبيت بها فيجب عليه دم لتركه الواجب في الحج. وأما عدم وجوب شيء على من دفع بعد نصف الليل فلأنه بات معظم الليل وحكم المعظم حكم الكل فلم يكن تاركاً للواجب. وفي حديث عائشة ﵂ قالت: «أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت» (٤) رواه أبو داود. وعن أسماء ﵂ «أنها نزلت ليلة جمع عند دار المزدلفة فقامت تصلي فصلت. ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضت حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هَنْتَاهُ! ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنَا. قالت: كلا إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعن» (٥) متفق عليه. وإذا لم يكن واجباً لم يجب عليه الدم؛ لأنه فعل فعلاً جائزاً وذلك لا يوجب دماً كسائر الأفعال الجائزة.

стр. 967

وأما عدم وجوب شيء على من وافاها بعد نصف الليل فلأنه لم يدرك جزءاً من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار. وأما وجوب الدم على من جاء بعد الفجر فلأنه لم يبت بمزدلفة. ولأنه إذا وافى مزدلفة ودفع قبل نصف الليل يجب عليه دم فلأن يجب إذا لم يوافها ليلاً أصلاً بطريق الأولى. قال: (وحد المزدلفة ما بين المأزمين ووادي محسر، فإذا أصبح بها صلى الصبح، ثم يأتي المشعر الحرام فيرقى عليه ويقف عنده ويحمد الله ويكبره فيدعو فيقول: اللهم! كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق ﴿فإذا أفضتم من عرفات -إلى- غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] إلى أن يسفر). أما قول المصنف ﵀: وحد المزدلفة ما بين المأزمين ووادي محسر فبيان لمواضع مزدلفة ليعلم ذلك لينزل بها الطائف عند وصوله وفي أي موضع منها نزل أجزأه لأن النبي ﷺ قال: «كل مزدلفة موقف» (١) رواه أبو داود. وأما صلاته بها الصبح إذا أصبح وفعله ما ذكره المصنف ﵀ إلى قوله: إلى أن يسفر فلأن في حديث جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بها حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبر وهلله ووحده ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً» (٢). قال: (ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية حجر). أما دفعه من مزدلفة قبل طلوع الشمس فلأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، قال عمر ﵁: «إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أَشْرِق

стр. 968

ثَبِير كيما نُغِير. وإن رسول الله ﷺ خالفهم وأفاض قبل أن تطلع الشمس» (١) رواه البخاري. وأما الإسراع قدر رمية حجر بوادي محسر وهو ما بين جمع ومنى فلأن جابراً ﵁ قال في صفة حج النبي ﷺ «أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلاً» (٢). وروي عن عمر ﵁ «أنه لما أتى محسراً أسرع وقال: إليك تعدو قلقاً وضينها ... معترضاً في بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها» (٣). قال: (ويأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة، ومن حيث أخذه جاز، ويكون أكبر من الحمص ودون البندق وعدده سبعون حصاة). أما استحباب أخذ حصى الجمار من طريقه أو مزدلفة فلئلا يشتغل عند قدومه إلى منى فإن الرمي تحية كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدأ بشيء قبله. ولأنه إذا أخذه من غير منى كان أبعد من أن يكون قد رمي به. و«كان ابن عمر ﵄ يأخذ الحصى من جمع» (٤). وأما جوازه أخذه من أي موضع شاء فلا خلاف فيه، وفي الحديث أن ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: القط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات من حصى الخَذْف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ... مختصر» (٥) رواه ابن ماجة.

стр. 969

وابن عباس إنما لقط من منى؛ لأنه كان فيمن قدم النبي (١) ﷺ من جمع في ضعفة الناس. وأما كونه أكبر من الحمص ودون البندق فلما تقدم في حديث ابن عباس «أنه التقط من حصى الخَذْف فقال النبي ﷺ : أمثال هذا فارموا» (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أيها الناس! إذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخَذْف» (٣) رواه أبو داود وابن ماجة. وأما كون عدده سبعين فلأنه يرمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق كل جمرة بسبع حصيات فيكون مجموع ذلك سبعين حصاة. قال: (فإذا وصل منى وحدها من وادي محسر إلى العقبة بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة. ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه ولا يقف عندها). أما كون حد منى من وادي محسر إلى العقبة فلأن عطاء قال ذلك. فعلى هذا ليس محسر والعقبة من منى؛ لأن الحد غير المحدود. فإن قيل: لم سميت منى بذلك؟ قيل: لأنها قدر فيها موت الضحايا والهدايا يقال منى بمنى أي قدر. قال الشاعر: ولا تقولن لشيء سوف أفعله ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني أي يقدر لك المقدر. وأما بُدائته بجمرة العقبة فلأن النبي ﷺ هكذا فعل (٤).

стр. 970

وجمرة العقبة هي آخر الجمرات مما يلي منى وأولها مما يلي مكة وهي عند العقبة ولذلك سميت جمرة العقبة. وأما رميها بسبع حصيات يكبر مع كل واحدة فلما روى الفضل بن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة» (١). رواه حنبل. وأما قول المصنف ﵀: واحدة بعد واحدة ففيه تنبيه على أنه لو رماها مرة واحدة لم تجزئه وهو صحيح؛ «لأن النبي ﷺ رمى سبع رميات» (٢) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). فعلى هذا يجزئه ولكن عن واحدة ويلزمه رمي تكملة سبع. وأما رفع يده حتى يرى بياض إبطه فلأنه أعون على الرمي وأمكن. وأما عدم وقوفه عند جمرة العقبة فلما روى ابن عمر وابن عباس ﵃ «أن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف» (٤) رواه ابن ماجة. قال: (ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي. فإن رمى بذهب أو فضة أو غير الحصى أو حجر رُمي به مرة لم يجزئه). أما قطع التلبية مع ابتداء الرمي فلما روى الفضل بن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (٥). وفي لفظة: «قطع عند أول حصاة» رواه حنبل في المناسك. وأما عدم إجزائه رمي الذهب والفضة فـ «لأن النبي ﷺ رمى بالحصى» (٦) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٧).

стр. 971

ولأن قياس الذهب والفضة على الحصى يقتضي علة جامعة والرمي بالحصى تعبدي. وأما قوله أو غير الحصى فيحتمل أنه أراد به الكحل والبرام والرخام وما أشبه ذلك. فإن أبا الخطاب قال: فإن رمى بغير الحصى مثل الكحل والرخام والبرام. ثم صرح بأنه لا يجزئ وعليه ما ذكر في الذهب والفضة، ويحتمل أنه أراد الحجر الكبير، وفي ذلك روايتان: أحدهما: لا يجزئ؛ «لأن النبي ﷺ لما أتاه ابن عباس ﵄ بحصى الخَذْف قال: أمثال هذا فارموا» (١). والثانية: يجزئ؛ لأن الغرض الرمي وهو حاصل بالكبير، وفعل النبي ﷺ وأمره محمول على الأَوْلى. وأما عدم إجزاء الرمي بحجر رُمي به مرة فلأنه استُعمل في عبادة فلم يجزئ استعماله في غيرها كماء الوضوء. قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس فإن رمى بعد نصف الليل أجزأه). أما استحباب رميه بعد طلوع الشمس فلما روى جابر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ... مختصر» (٢) رواه مسلم. وعن النبي ﷺ «أنه قال لأغيلمة بني عبدالمطلب: أَبَنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (٣) رواه ابن ماجة.

стр. 972

وأما إجزاؤه الرمي بعد نصف الليل فلما روت عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل النحر ثم مضت فأفاضت» (١) رواه أبو داود. وفي لفظ قال لأم سلمة: «وافي الفجر بمكة» (٢) رواه حنبل. قال: (ثم ينحر هدياً إن كان معه. ويحلق أو يقصر من جميع شعره. وعنه: يجزؤه بعضه كالمسح. والمرأة تقصر من شعرها قدر الأنملة. ثم قد حل له كل شيء إلا النساء. وعنه: إلا الوطء في الفرج). أما نحره الهدي إن كان معه بعد رميه فلما روى جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ «أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً فنحر ما غَبَرَ» (٣). وأما تخييره بين الحلق والتقصير؛ فلأن النبي ﷺ دعى لهما. ولأن بعض الصحابة ﵃ قصر ولم ينكر عليه. ولكن الحلق أفضل ولذلك قدمه المصنف ﵀. و«لأن النبي ﷺ دعى للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة» (٤). وأما مقدار ما يقصر ففيه روايتان: أحدهما: يجب التقصير من جميعه لقوله سبحانه: ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧]. و«لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه» (٥)، والتقصير بدل منه وقد أمرنا بالتَّأَسِّي. والثانية: يجزئ بعضه قياساً على المسح. وأما تقصير المرأة من شعرها قدر الأنملة فمشعر بأمرين:

стр. 973

أحدهما: أنه لا يشرع في حقها حلق بل تقصير وهو صحيح لما روى ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير» (١) رواه أبو داود. وعن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها» (٢) رواه الترمذي. وثانيهما: تقدير التقصير بالأنملة لأنه يروى عن ابن عمر. وأما حل كل شيء له إلا النساء إذا فعل ما تقدم ذكره من رمي ونحر وحلق فلما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا رمى جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء» (٣) رواه الأثرم. وعن عائشة ﵂ قالت: «طيبت رسول الله ﷺ لحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت ... مختصر» (٤) متفق عليه. وأما حل النساء ففيه روايتان: أحدهما: لا يحل؛ لأن النبي ﷺ استثناهن في الحديث المتقدم. فعلى هذا لا يباح له وطء ولا تزويج ولا تقبيل لأن ذلك كان حراماً، وقوله ﷺ : «إلا النساء» (٥) يحتمل شموله له فلم يصلح ما قبله للإباحة فوجب بقاؤه على ما كان. والثانية: يحل له كل ذلك إلا الوطء في الفرج؛ لأن تحريم المرأة ظاهر في وطئها فيكون معنى الحديث: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلا وطء النساء. والأول أولى لما تقدم.

стр. 974

والجواب عن ظهور التحريم في الوطء أن تحريم المرأة في الحج ليس مختصاً وفاقاً فوجب أن يحمل على المعهود فيه وذلك ما ذكر. قال: (والحلق والتقصير نسك إن أخره عن أيام منى فهل يلزمه دم؟ على روايتين. وعنه: أنه إطلاق من محظور لا شيء في تركه. ويحصل التحلل بالرمي وحده). أما كون الحلق والتقصير نسكاً على الصحيح في المذهب فلقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧]. ولأن النبي ﷺ أمر به بقوله: «وليقصر وليحلل» (١). وقوله ﷺ : «إنما على النساء التقصير» (٢). وأما كونه إطلاقاً من محظور على روايةٍ «فلأن النبي ﷺ قال لأبي موسى ﵁ لما قال: أهللتُ بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ : طف بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم حل» (٣) متفق عليه. وقال في حديث جابر: «من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» (٤) رواه مسلم. وقال في حديث سراقة: «إذا قدمتم فمن تَطَوّف بالبيت فقد حل إلا من كان معه هدي» (٥) رواه مسلم. أمر بالحل من غير حلق ولا تقصير ولو كان ذلك نسكاً لما أمر به إلا بعده. ولأن كل واحد من الحلق والتقصير محرّم في الإحرام فلم يكن نسكاً كالطيب.

стр. 975

فعلى قولنا هو نسك هل يجب عليه دم إذا أخره عن أيام منى؟ فيه روايتان: أحدهما: لا دم عليه لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] فبين أول وقته ولم يخصه فيما بعد ذلك بوقت. ولأنه نسك فلم يكن عليه دم بتأخيره كالسعي. والثانية: عليه دم؛ لأنه ترك النسك في وقته أشبه تأخير الرمي. والأول أولى لما ذكر. وعلى قولنا هو إطلاق من محظور هو مخير بين فعله في أيام منى وبين تأخيره وبين تركه والأخذ من بعضه دون بعض؛ لأنه ليس بواجب أشبه سائر ما ليس بواجب. وأما قول المصنف ﵀: ويحصل التحلل بالرمي وحده فيحتمل أنه معطوف على قوله: لا شيء في تركه فيكون من تكملة قوله: وعنه أنه إطلاق من محظور. فعلى هذا يكون حصول التحلل بالرمي وحده على قولنا: الحلق إطلاق من محظور لا على قولنا: هو نسك، ويعضده قوله فيما تقدم: ثم قد حل له كل شيء إلا النساء؛ لأن ظاهره أن التحلل إنما يحصل بالرمي والحلق معاً؛ لأنه ذكر التحلل بلفظ ثم بعد ذكر الرمي والحلق، ويحتمل أنه مستقل وأن التحلل يحصل بالرمي وحده وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀. وفي الجملة فيما يحصل به التحلل روايتان: أحدهما: لا يحصل إلا بهما؛ لأن النبي ﷺ قال في حديث عائشة ﵂: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء» (١) رواه الأثرم. رتب الحِل عليهما فلا يحصل إلا بهما. ولأنهما نسكان يعقبهما الحل فكان حاصلاً بهما كالطواف والسعي في العمرة. والرواية الثانية: أنه يحصل بالرمي وحده. قال المصنف ﵀ في المغني: هذا هو الصحيح. ولأن في حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن هذا يوم رخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة أن تحلوا من كل شيء حرم فيه إلا النساء» (٢).

стр. 976

وحديث عائشة ﵂ رواه أبو داود، ولم يذكر: وحلق رأسه. وفيه نظر؛ لأنه إذا لم يذكر ذلك فيما ذكر فقد ذكره في غيره. وتحقيق الكلام في التحلل هل الأنساك ثلاثة أم اثنتان؟ فيه روايتان: أحدهما: ثلاثة: رمي وحلق وطواف. والثانية: هما نسكان رمي وطواف. فعلى الأول يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من الثلاثة ويحصل التحلل الثاني بفعل الثالث. وعلى الثانية: يحصل الأول بفعل واحد من اثنين والثاني بالثاني. وإنما نص المصنف ﵀ على الرمي وغيره على الرمي والحلق؛ لأنهما يفعلان قبل الطواف إما استحباباً وإما وجوباً وعلى كل تقدير لو قدم المؤخر حصل التحلل على ما ذكر قبل. قال: (وإن قدم الحلق على الرمي أو النحر ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فهل عليه دم؟ على روايتين). أما عدم وجوب شيء على من قدم الحلق على الرمي أو النحر جاهلاً فلما روى ابن عمر ﵄ قال: «قال رجل: يا رسول الله! حلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج ... مختصر» (١). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ «أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى: في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: لا حرج» (٢) متفق عليهما. وأما عدم وجوب شيء على من قدم ذلك ناسياً فلأن الناسي كالجاهل.

стр. 977

وأما من قدم ذلك عالماً ففيه روايتان: أحدهما: لا دم عليه لما ذكر قبل. والرواية الثانية: عليه دم لأن ما تقدم المراد به الجاهل والناسي؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أن رجلاً سأله فقال: لم أشعر» (١). وفي رواية مسلم من حديث عبدالله بن عمرو قال: «فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ... وذكر الحديث قال: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال: افعلوا ذلك ولا حرج» (٢). ولأن النبي ﷺ رتب وأمر باتباعه استثني منه حالة الجهل والنسيان فيبقى ما عداه على الأصل. ويمكن الجواب عن كون السائل جاهلاً بأن إباحة ذلك للجاهل لا تنفي جوازه للعالم، وعن فعل النبي ﷺ بأنه فعله لكونه أولى لا لوجوبه. قال: (ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي). أما استحباب الخطبة بمنى فلما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر» (٣) رواه البخاري. وأما استحباب تعليمهم ما ذكر فلدعوى الحاجة إليه قال عبدالرحمن بن معاذ: «خطبنا رسول الله ﷺ ونحن في منى فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار» (٤) رواه أبو داود.

стр. 978

قال: (ثم يفيض إلى مكة ويطوف للزيارة، ويُعَيِّنه بالنية، وهو: الطواف الواجب الذي به تمام الحج، وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والأفضل فعله يوم النحر، فإن أخره عنه وعن أيام منى جاز). أما إفاضته إلى مكة بعد خطبته بمنى وطوافه للزيارة فلأن النبي ﷺ هكذا فعل. قالت عائشة ﵂: «حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر» (١) متفق عليه. وأما تعيينه بالنية فلأن الطواف بالبيت صلاة والصلاة لا تصح إلا بنية معينة. وأما كون الطواف المذكور هو الواجب فلأن الله قال: ﴿وَلْيَطّوَفُوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. وعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أراد من صفية ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول الله! إنها حائض. قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر. قال: اخرجوا» (٢) رواه البخاري. وأما كونه هو الذي به تمام الحج فلأنه لم يبق من أركان الحج سواه فإذا أتى به حصل تمام الحج. فإن قيل: في لفظ الحديث المتقدم: «من صلى صلاتنا وإلى قوله: وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه» (٣) ولم يذكر الطواف. قيل: المراد بذلك أن من وقف بعرفة لم يبق حجه متعرضاً للفوات؛ لأن الطواف وإن كان ركناً لكنه ليس له وقت معين يفوت بفواته لا أنه لم يبق له شيء من أركانه. وأما كون أول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر فـ «لأن أم سلمة ﵂ رمت ثم طافت ثم رجعت فوافت النبي ﷺ عند جمرة العقبة وبينها وبين مكة فرسخان».

стр. 979

وأما كون الأفضل فعله يوم النحر فلأن النبي ﷺ فعله. كذلك ذكرته عائشة ﵂ (١). وأما جواز تأخيره عن يوم النحر وعن أيام التشريق فلأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً. ولأنه لم يدل دليل على عدم جوازه فيما بعد أيام التشريق فوجب أن يجزئ في غيرها بالقياس عليها. ويمكن أن يقال في قوله: ﴿وليطوفوا﴾ [الحج: ٢٩] دليل على إرادة أيام التشريق وذلك أن الله تعالى عطفه على قوله: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٤] وذلك عطف للطواف على النحر فوجب أن يتوقت بوقته وهذا متجه وبه قال أبو جنيفة. وأجاب صاحب النهاية عن ذلك بأن الطواف ينجبر بالقضاء فوجب أن يجزئ من غير دم كالصلاة. وفي قوله: ينجبر بالقضاء نظر من حيث إنه إذا قال: ليس لآخره وقت يكون فعله بعد أيام التشريق أداء لا قضاء. قال: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو لم يكن سعى مع طواف القدوم، وإن كان قد سعى لم يسع، ثم قد حل له كل شيء). أما سعي المتمتع بعد إفاضته من مكة وطوافه بالبيت وإن كان قد سعى فلأن السعي المتقدم لعمرته وحينئذ لحجه بخلاف المفرد والقارن. وأما غيره من مفرد وقارن فينظر فيهما فإن كانا قد سعيا لم يسعيا بعد طوافهما للزيارة؛ لأن جابراً قال: «لم يطف النبي ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول» (٢) رواه مسلم. وإن لم يكونا سعيا عقيب طواف القدوم أو لم يطوفا طواف القدوم سَعَيا حينئذ لأنه إما ركن أو سنة على ما يبين بعد إن شاء الله تعالى والكل مطلوب الوجود.

стр. 980

وأما حل كل شيء لمن فعل جميع ما تقدم ذكره من طواف الزيارة والرمي والنحر والحلق فلقول ابن عمر ﵄: «لم يحل النبي ﷺ من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه» (١). وعن عائشة ﵂ مثله (٢) متفق عليهما. وقول المصنف ﵀: ثم حل بعد قوله سعى يدل على توقف الحل على السعي وهو كذلك إن قلنا هو ركن أو واجب، وإن قلنا هو سنة فقال المصنف ﵀ في المغني: احتمل أن يحل عقيب الطواف قبل السعي لأنه لم يبق عليه واجب من الحج، واحتمل أن لا يحل حتى يسعى لأنه من أفعال الحج فيأتي به في إحرام الحج. قال: (ثم يأتي زمزم فيشرب منها لما أحب ويتضلع منه ويقول: بسم الله، اللهم! اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك) (٣). أما إتيانه زمزم بعد سعيه وشربه منه فلما روى جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: «ثم أتى بني عبدالمطلب وهم يسقون فناولوه فشرب منه» (٤). وأما قصده بشربه ما أحب فلما روي أن النبي ﷺ قال: «ماء زمزم لما شرب له» (٥) رواه ابن ماجة. وأما تضلعه منه فـ «لأن ابن عباس ﵄ قال لرجل تضلع منها: فإن رسول الله ﷺ قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من زمزم» (٦) رواه ابن ماجة.

стр. 981

وأما الدعاء عند الشرب بما ذكر فلأنه لائق به وهو متضمن لمصلحتي الدنيا والآخرة. ولأنه قد تقدم أن «ماء زمزم لما شرب له» (١) فإذا دعى رجي حصوله.

стр. 982

فصل [في بقية أعمال الحج] قال المصنف ﵀: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى، ويرمي الجمرات بها (١) بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات، فيبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلاً يدعو الله تعالى ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها فيدعو، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها، ويستقبل القبلة في الجمرات كلها). أما رجوعه إلى منى وعدم مبيته بمكة ليالي منى ورميه الجمرات الثلاث بها في أيام التشريق بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات ووقوفه عند الأولى ودعاؤه وإطالته ذلك عند الجمرة الأولى والثانية وعدم وقوفه عند الثالثة فلما روت عائشة ﵂ قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويطيل المقام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» (٢) رواه أبو داود.

стр. 983

وأما بداءته بالجمرة الأولى وجعلها عن يساره وجعل الثانية عن يمينه واستبطانه الوادي بالثالثة واستقباله القبلة في الجمرات كلها فلما روى البخاري ﵁ عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة. ثم يتقدم فيقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه. ثم يرمي الوسطى. ثم يأخذ بذات الشمال فيهل ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً. ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها. ثم ينصرف ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل» (١). وأما قوله: وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فبيان للجمرة الأولى وتمييز لها. قال: (والترتيب شرط في الرمي، وفي عدد الحصى روايتان: أحدهما: سبع. والأخرى: يجزؤه خمس، فإن أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية، فإن لم يعلم من أيّ الجمار تركها بنى على اليقين). أما كون الترتيب في الرمي شرطاً ومعناه: أن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف ثم بالتي تليها ثم بالتي تليها كما ذكر المصنف ﵀ قبل فلأن النبي ﷺ هكذا فعل (٢)، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). ولأن الرمي نسك متكرر فكان الترتيب فيه شرطاً كالسعي. وأما عدد الحصى ففيه روايتان:

стр. 984

أحدهما: يجب أن يرمي بسع «لأن النبي ﷺ رمى بسبع» (١)، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢). والرواية الثانية: يجزؤه خمس وست لما روى سعد قال: «رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: رميت بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض» (٣) رواه الأثرم في سننه وأبو إسحاق الجوزجاني. وكان ابن عمر ﵄ يقول: «ما أبالي رميت بست أو بسبع» (٤). وأما عدم صحة رمي الثانية إذا أخل بحصاة واجبة من الأولى فلأن الترتيب شرط لما تقدم وفي ترك حصاة واجبة إخلال به. ولأنه إذا أخل بواحدة من الأولى فكأنه ابتدأ الثانية فيفوت الترتيب المشترط. وأما بناؤه على اليقين إذا لم يعلم من أي الجمار تركها فلأنه تررد في ذلك فيبني على اليقين كما لو شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً. قال: (وإن أخّر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه، ويرتبه بنيّته، وإن أخره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعرة). أما إجزاء الرمي في آخر أيام التشريق لمن أخره فرماه فيه فلأن أيام التشريق وقت الرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.

стр. 985

وأما ترتيبه بنيته، ومعناه: أن ينوي رمي اليوم الأول والثاني مع الثالث فلأن الرمي في أيام التشريق عبادة يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها فوجب مع فعلها مجموعة كالصلاتين المجموعتين والفوائت. وأما وجوب الدم على من أخر الرمي عن أيام التشريق فلأن الرمي نسك واجب، أخّره عن وقته المعين فوجب عليه دم كما لو أخر الإحرام عن الميقات. وأما وجوبه على من ترك المبيت بمنى فلأن المبيت بها واجب لأن ابن عباس ﵄ قال: «لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته» (١) رواه ابن ماجة. وروى ابن عمر ﵄ أن عمر قال: «لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى. وكان يبعث رجالاً لا يَدَعُون أحداً يبيت وراء العقبة» (٢). ولأن النبي ﷺ فعله نسكاً، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وإذا كان واجباً وجب بتركه دم لتركه الواجب في الحج. وأما كون الواحدة من الحصاة والليلة في تركها ما في حلق شعرة. والمراد به مد من طعام أو قبضة أو درهم على الخلاف المتقدم فيه فلأنه بعض ما يجب فيه دم فوجب فيه ما يجب في الشعرة كالشعرة. قال: (وليس على أهل [سقاية الحاج] (٤) والرعاء مبيت بمنى، فإن غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاء المبيت دون أهل السقاية). أما عدم وجوب المبيت بمنى على أهل السقاية فلما روى ابن عمر ﵄ «أن العباس ﵁ استأذن النبي ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته فأذن له» (٥).
следующие страницы →