← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وقد بدأت تظهر في هذه الفترة فكرة نفع اليهود. وقد عبَّر الكاتب الإنجليزي أديسون، محرر مجلة الإسبكتاتور، عن هذا الجانب من المفهوم بشكل دقيق للغاية في مقال بتاريخ ٢٧ ديسمبر ١٧١٢ قال فيه: «إن اليهود منتشرون في جميع المناطق التجارية في العالم حتى أنهم أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بلا قيمة في حد ذاتهم، فإن أهميتهم مطلقة لأنهم يحفظون للهيكل كله تماسكه» . وما يهمه من اليهود كشعب عضوي، إذن، هو كونهم أداة مهمة وحسب. ولذلك فهو لا يَشُنُّ عليهم هجوماً ولا يُشهِّر بهم، فما يهمه هو توظيف هذه الكتلة البشرية. وستتكفل عملية التوظيف هذه بتخليص أوربا منهم بالطرق السلمية، أي أن نموذج الشعب العضوي المنبوذ تَحوُّل تدريجياً ليصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ النافع (وهذا هو جوهر الصهيونية) . وقد طُرحت في عصر الاستنارة إشكالية مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم حتى يتسنى الاستفادة منهم.

стр. 1157

وهكذا أصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ نموذجاً تفسيرياً أساسياً في الوجدان العقلي والعاطفي في الغرب بما يؤدي إليه من حلول صهيونية واضحة أو كامنة. وقد أصبح هذا النموذج، مع بداية القرن التاسع عشر، بُعداً أساسياً في الفكر السياسي الغربي تجاه اليهود والشرق. كما تمت مزاوجة المسألة اليهودية (الشعب المنبوذ) بالمسألة الشرقية (الدولة العثمانية وتقسيمها) بحيث يمكن حل المسألة الأولى، أي التخلص من اليهود، عن طريق استخدامهم كمادة بشرية في المسألة الثانية. وكان نابليون من أوائل السياسيين الذين توصلوا إلى هذه الصيغة. فهو أول سياسي يدعو اليهود، من حيث هم يهود، إلى الاستيطان في فلسطين، محاولاً الاستفادة منهم كمادة استيطانية في مشروعه الاستعماري. أما على مستوى فرنسا ذاتها، فقد كان الأمر جدُّ مختلف. فقد أصدر نابليون من التشريعات ما قضى عليهم كشعب عضوي، ووضع الخطط التي أدَّت في نهاية الأمر إلى دمجهم في الأمة الفرنسية.

стр. 1158

ونموذج الشعب العضوي المنبوذ هو ذاته النموذج الرئيسي وراء فكر بول باستيل زعيم حركة الديسمبريين في روسيا، فقد كان يرى أن اليهود «يحافظون دوماً على روابط وثيقة بدرجة لا تُصدَّق، بسبب الدين والسيطرة الحاخامية على أوجه الحياة جميعاً» ، أي أنهم شعب عضوي. والحل هو «إما تخليص اليهود من خصوصيتهم، واستيعابهم استيعاباً تاماً، أو مساعدتهم على تأسيس دولتهم الخاصة المستقلة في منطقة ما من آسيا الصغرى. ولهذا يجب تعيين نقطة تَجمُّع الشعب اليهودي بمساعدة بعض الجنود. وإذا تَجمَّع في مكان واحد جميع اليهود الروس والبولنديين، فإن عددهم سيبلغ أكثر من مليونين، وبعد أن يجتازوا أوربا التركية فإنهم يستطيعون أن يعبروا إلى تركيا الآسيوية حيث يمكنهم بعد الاستيلاء على أرض كافية لتأسيس دولة يهودية مستقلة» . وبهذا، فإن باستيل ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة استيطانية يمكنه استخدامها كوسيلة في الصراع الناشب بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية. وقد أصبح النموذج أيضاً بُعداً أساسياً في الفكر الاستعماري الإنجليزي، فنجد أن لورد شافتسبري يتحدث عن اليهود باعتبارهم عنصراً مستقلاً له سماته القومية المستقلة، ولكنه عنصر طفيلي فاسد. وانطلاقاً من هذا، فقد عارض مَنْحَهم الحقوق الدينية، ولكنه بذل جهوداً كبيرة في سبيل اتخاذ الخطوات اللازمة لتوطينهم في فلسطين. وقد تبنَّت وزارة المستعمرات رأيه منذ عام ١٨٤٠.

стр. 1159

ويستمر هذا الخط ليصل إلى بلفور الذي كان يؤمن إيماناً جازماً بأن اليهود كيان تختلط فيه القومية بالدين. وأنهم كيان غريب على الحضارة الغربية التي لم تستطع استيعابهم. وكان بلفور يرى أن اليهود، بطفيليتهم وعدم انتمائهم، يشكلون عبئاً على الحضارة الغربية، فاستصدر عام ١٩٠٥ من القوانين ما يُوقف مد الهجرة اليهودية إلى إنجلترا. ولكن وزارته وافقت في العام نفسه على مشروع شرق أفريقيا. ثم ساهم بلفور، بعد ذلك، في استصدار الوعد الذي سُمي باسمه. والواقع أن كلا المشروعين يهدف إلى تخليص أوربا من اليهود، وذلك عن طريق الاستفادة منهم في مكان آخر. وفي الفكر الاشتراكي الغربي، ظهر نموذج الشعب العضوي المنبوذ في فكر فورييه وتلاميذه، خصوصاً توسينيل وأدولف إلايزا الذي شبَّه اليهود بالبكتريا القذرة التي تحمل العفن إلى أي مكان تحل فيه. ويُلاحَظ أن الصورة المجازية هنا عضوية، تماماً مثل الشعب العضوي، وهي صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو والزعيم النازي هتلر. وقد تَبنَّى هؤلاء حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية وطلبوا من اليهود أن يرحلوا إلى "بلادهم"!

стр. 1160

وحينما ظهرت الصهيونية بين اليهود، كان هناك تَلازُم أيضاً بين نموذج الشعب العضوي المنبوذ وبين الاستيطان الصهيوني. وقد تَقبَّل كثير من الصهاينة هذا النموذج التفسيري وأسسوا عليها نظريتهم الصهيونية، فرددوا أن اليهود طفيليون، كريهون لا أخلاقيون، ويجب تطبيعهم عن طريق تطويعهم من أجل خدمة المشروع الاستعماري الغربي وتوطينهم في فلسطين. وفي أوائل القرن الحالي، كانت الزعامة الصهيونية في ألمانيا تؤكد تَدنِّي اليهود ووضاعتهم وعدم انتمائهم لإسباغ الشرعية والمعقولية على المشروع الصهيوني. ولهذا فقد قَبلت المقولات الأساسية لمعاداة اليهود واستوعبتها في بناء النسق الفكري الصهيوني ذاته. وقد ظهر الفكر النازي في هذه التربة، وهو فكر ينطلق من فكرة أن الشعب العضوي الألماني والشعب العضوي اليهودي المنبوذ يجب ألا يختلطا حتى يحتفظ كلٌّ بهويته العضوية. وقد بيَّن ألفريد روزنبرج، أهم مُنظِّري العقيدة النازية، إبان محاكمته في نورمبرج، أنه تَبنَّى رؤية بوبر حيث أعلن أن اليهود يجب يعودوا إلى أرض آسيا حتى يمكنهم (هناك فقط) العثور على جذور الدم اليهودي.

стр. 1161

وقد وردت في قوانين نورمبرج الفقرة التالية عن الصهيونية ومبرراتها: "لو كان لليهود [أي الشعب العضوي المنبوذ] دولة خاصة بهم تضمهم جميعاً في وطن واحد، لأمكن اعتبار المشكلة اليهودية محلولة حتى بالنسبة إلى اليهود أنفسهم". ومن ثم، فإن النازيين لم يكونوا ضد المشاريع الاستيطانية الصهيونية التي تهدف إلى التخلص من اليهود. ولكن، لسوء حظ ألمانيا واليهود، لم يكن لدى ألمانيا مستعمرات في آسيا وأفريقيا (بعد إجهاض مشروعها الاستعماري على أيدي الدول الاستعمارية الأخرى) . وربما، لو وُجدت مثل هذه المستعمرات الألمانية، لقام هتلر بكفاءته المعهودة بنقل فائض أوربا المنبوذ وانتفع منه ومن إمكانياته، بدلاً من إبادته وحرقه. ولكن مجال ألمانيا الحيوي في أوربا كان آهلاً بالسكان، ولذا، لم يكن بوسع هتلر سوى إبادة اليهود بدلاً من نقلهم (حسب منطق أوربا العملي المادي) . وقد لاحَظ كثير من المثقفين الألمان اللوثريين أعداء النازية ذلك التَطابُق بين الفكرة الغربية الخاصة بالشعب العضوي ونموذج الشعب العضوي كما عبَّر عنها الصهاينة، وقال ريتشارد كودينهوف كاليرجي، وهو من أكبر مناهضي العنصرية، إن القوميتين اليهودية والنازية حركتان حولتا الدنيا والمادة إلى مقولات ميتافيزيقية، أي إلى دين، وكلتاهما تُضفي صفة نسبية على كل القيم باستثناء القيم العرْقية وعلاقات الدم والتربة، بحيث تختفي جميع المعايير إلا معيارالعرْق. ثم أشار كاليرجي إلى أن كلتا الحركتين قبلتا القول بأن ألمانيا لا يمكنها استيعاب اليهود.

стр. 1162

وقد اختفى نموذج الشعب العضوي المنبوذ إلى حدٍّ كبير من كتابات الصهاينة والمفكرين الغربيين بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه لا يزال النموذج الفعال الكامن في كل الكتابات والمشاريع الصهيونية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الشعب المقدَّس بين أعضاء جماعة جوش إيمونيم. وعندهم، كذلك، أن هذا الشعب يعيش وحده ولا يُحسَب بين الأمم، فهو شعب مقدَّس عضوي منبوذ. وتَنبُع أهمية فكرة الشعب العضوي المنبوذ من أنها تُبيِّن العلاقة العضوية الكامنة بين الصهاينة وأعداء اليهود. الباب الخامس: منفى وعودة أم هجرات وانتشار ؟ إحساس اليهودي الدائم بالنفي الأزلي ورغبته الثابتة في العودة The Jewish Sense of Eternal Exile and Permanent Desire for Return » إحساس اليهودي الدائم بالنفي ورغبته في العودة» هي عبارة تُبلوِّر النموذج الكامن وراء كثير من الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية في العالم، إذ يتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية وتحركاتهم وكأن عندهم إحساساً بالنفي الأزلي ورغبة دائمة في العودة، وكأن هذا الإحساس وهذه الرغبة هما جزء من جوهر يهودي ثابت ومن المكونات الأساسية لطبيعة اليهود البشرية. واليهودي حسب هذا النموذج التفسيري هو غريب ينتقل من مكان لآخر (ومن هنا صورة اليهودي المتجول) ، الذي يحس بأنه في المَنْفَى، ومن ثم فعنده رغبة عارمة دائمة في إنهاء حالة النفي هذه والعودة إلى «وطنه الأصلي» فلسطين. ولذا أصبحت عبارات مثل «المَنْفَى» و «الشتات» و «الدياسبورا» و «العودة» كلمات متواترة مألوفة في الأدبيات الخاصة باليهود واليهودية (الصهيونية والمعادية لليهود وغيرها) ، وتم تطبيعها تماماً، وكأنها مجرد وصف موضوعي ومحايد لأعضاء الجماعات اليهودية ولسلوكهم.

стр. 1163

وفي مداخل هذا الجزء والذي يليه سنقوم بتفكيك هذه المفاهيم وإعادة تركيبها في ضوء دراستنا للتواريخ المتعينة لأعضاء الجماعات اليهودية حتى نبيِّن ضعف المقدرة التفسيرية لمثل هذه المفاهيم. وسنقترح اصطلاح «الانتشار» بديلاً عن «النفي والعودة» باعتباره أكثر تفسيرية. المنفى وااعودة Exile and Return تشير كلمة «جالوت» ، أو «جولا» إلى المَنْفَى، والمَنْفَى القهري بالذات خارج إرتس يسرائيل أي فلسطين (مقابل المَنْفَى الطوعي أي «تيفوتسوت» ) ، ولذا فهي تُترجَم عادةً إلى العربية بكلمة «المَنْفَى» . كما تُستخدَم كلمة «دياسبورا» أي «الشتات» للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي تعيش مشتتة بين الشعوب الأخرى. وأحياناً تُستخدَم كلمة «دياسبورا» بشكل محايد بحيث تعني «الانتشار» بوصفه ظاهرة إنسانية عادية طبيعية. ويستخدم اليهود الإصلاحيون والاندماجيون المصطلح بهذا المعنى. وفي اللغة العربية، تُستخدَم كلمتا «الشتات» و «المَهْجَر» للإشارة إلى المكان الذي هاجر إليه اليهود أو هُجِّروا إليه. وتعني الكلمات السابقة ( «المَنْفَى» و «الدياسبورا» و «الشتات» و «المَهْجَر» ) وجود أعضاء الجماعات اليهودية المؤقت خارج إرتس يسرائيل (أي فلسطين) حتى تتحقق لهم الحالة الأصلية العادية والطبيعية بعودتهم إليها. أما العودة فيُشار إليها في المصطلح الديني بكلمة «تشوفاه» (بمعنى التوبة أيضاً، على عكس «حزره» وهي عودة بالمعنى الدنيوي) ، كما تُوجَد عبارة «كيبوتس جاليوت» أي «تجميع المنفيين» (بالإنجليزية: إنجاذرينج أوف ذي إكزايلز (ingathering of the exiles

стр. 1164

وتشكل عقيدة المَنْفَى والعودة إحدى النقاط المحورية في الرؤية اليهودية إلى التاريخ والكون، وهي ترتبط، مثل كل العقائد الدينية اليهودية، بعقائد أخرى مثل عقيدة الماشيَّح والشعب المختار. وحسب هذه العقيدة، فإن إله اليهود حَكَم على شعبه المختار بالنفي والتشتت في بقاع الأرض لسبب يختلف الحاخامات اليهود في تحديده. وستستمر حالة المَنْفَى هذه إلى أن يعود الماشيَّح المخلِّص. وكالمعتاد، أحاط بهذه العقيدة ضرب من القداسة والخصوصية، فنجد أن الشعور بالنفي ليس نتيجة حتمية للنفي ذاته وإنما هو إحساس مقصور على اليهود حينما يبتعدون عن أرض الميعاد، وذلك بسبب ارتباطهم الحلولي أو العضوي بها، أي أنهم يجعلون المَنْفَى سمة أساسية وخاصية مقصورة على ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ويصبح الإحساس بالغربة أمراً ينفرد به اليهود وحدهم. أما الفلسطينيون، فليس من حقهم ممارسة هذه الأحساسيس السامية إن نُفوا من أرض فلسطين أو ابتعدوا عنها، وذلك لانتفاء الصلة الحلولية أو العضوية بالأرض المقدَّسة. ونجد أيضاً أن «الشخيناه» (التجسيد الأنثوي للإله) قد نُفيَت مع الشعب خارج الأرض المقدَّسة، ولم يبق منها إلا جزء في حائط المبكى يذرف الدموع كل عام في ذكرى خراب أو هدم الهيكل.

стр. 1165

وقد قامت القبَّالاه اللوريانية، بمنحاها الحلولي المتطرف، بتحويل النفي إلى صورة مجازية كونية شاملة. فبعد تَهشُّم الأوعية (شيفرات هكليم) أصبحت كل المخلوقات في حالة تَبعثر وشتات دائم وسقطت من حالة التماسك العضوي الناجم عن الحلول الإلهي في الإنسان والطبيعة. ومن ثم، فإن النفي حالة تنسحب على الكون بأسره، وضمن ذلك الإله ذاته الذي تَبعثَّر وتَشتَّت بعد هذه الواقعة الكونية. ويمكن أن تتم عملية الخلاص ـ خلاص الإله والكون والإنسان ـ بالتدريج. وهي عملية يشارك فيها الإنسان، ولكنها تعتمد بالدرجة الأولى على اليهود. فهم باتباعهم الوصايا الإلهية، وتنفيذهم الأوامر والنواهي، يمكنهم أن يساعدوا الرب والكون وسائر المخلوقات على العودة إلى حالة التكامل والتماسك الأصلية. وتحوُّل النفي إلى حادثة كونية (في القبَّالاه اللوريانية) هو صدى لحادثة الصلب في المسيحية. وقد حار المفسرون اليهود في تفسير عقيدة وظاهرة النفي هذه والتي لا تتفق مع كونهم الشعب المختار. ولذلك فُسِّر النفي بأنه إحدى علامات التميُّز والاختيار. فاليهود الذين تقطن الشخيناه في وسطهم، والذين يقطنون بدورهم وسط الأغيار، لا يحملون أوزارهم وحدهم وإنما يحملون أيضاً أوزار الأمم كافة. ولذلك، فإنهم بمثابة المشحاء (جمع «ماشيَّح» ) المصلوبين من أجل البشر، وهم بمثابة الروح التي تُوجَد في المادة. وبالتالي، فإن نفيهم تمهيد لخلاص البشر. وهكذا يصبح النفي عقوبةً على الذنوب وعلامةً من علامات التميز في آن واحد. وحينما يَحلُّ اليوم الموعود، سيأتي الماشيَّح ويقود شعبه ويعود به إلى الأرض المقدَّسة. ولكن بعض الحاخامات ذهبوا إلى أن المَنْفَى والشتات عقاب حَلَّ على اليهود بسبب تَركْهم طُرُق الرب وبسبب تأغرقهم. ويذهب المسيحيون إلى أن الشتات عقاب لليهود على إنكارهم المسيح عيسى بن مريم.

стр. 1166

وقد تركت عقيدة النفي أثرها العميق على الوجدان اليهودي، فقد أضعفت إحساس اليهود بالزمان والمكان، وأضفت طابعاً مؤقتاً على كل شيء. وربما ساعد اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية واشتغالهم المستمر بالتجارة والأعمال المالية والربا، وانتقالهم من مكان إلى مكان دون الانتماء الكامل لأي مكان (فالجماعة الوظيفية تُوجَد في المجتمع لكنها لا تصبح منه) ربما ساعد كل هذا على استمرار عقيدة المَنْفَى والعودة، وعلى اكتسابها هذه المركزية. ولكن الموقف الديني التقليدي من المَنْفَى والعودة ليس واضحاً ولا قاطعاً. فعلى سبيل المثال، أكد الحاخامات أن محاولة العودة الفردية والفعلية، دون انتظار مقدم الماشيَّح، هو من قبيل التجديف والهرطقة، ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية» ، أو من قبيل تَحدِّي الإرادة الإلهية. وقد عارض بعض اليهود الأرثوذكس الحركة الصهيونية بالفعل لأنها عودة مشيحانية دون ماشيَّح. بل إن هناك أوامر قاطعة في التلمود بألا يترك اليهودي بلده أو منفاه ليعود إلى بابل، لأن من يعيش في بابل كأنه يعيش في أرض يسرائيل. وجاء في موضع آخر: «صلوا لسلامة الدولة، فلولا خوف الناس منها لابتلع بعضهم بعضاً» . وقد أكد أحد الحاخامات أن مبدأ أو عقيدة العودة إلى فلسطين لا تُوجَد أية إشارة إلىها في كافة المحاولات التي تمت في العصور الوسطى لصياغة عقيدة يهودية. وقد نادى دعاة حركة التنوير اليهودية بأن المَنْفَى واقع مؤلم ومؤقت يجب أن يزول عن طريق الاندماج. أما العودة إلى صهيون، فهي مجرد فكرة روحية وليست رغبة حرفية. وقد حذفت اليهودية الإصلاحية الصلوات التي تُذكِّر اليهود بصهيون.

стр. 1167

ولكن تُوجَد في اليهودية الحاخامية، وفي التلمود، نصوص ومواقف يُفهم منها أن هناك ضرباً من التَقبُّل أو التأييد لفكرة إنهاء المَنْفَى والعودة. وقد ذكر بعض الحاخامات أن كل يهودي يتعيَّن علىه أن يوّد (في قلبه) العودة إلى الأرض، فإن لم يتمكن من العودة فعلىه أن يساعد على الأقل في إرسال يهودي آخر، أي أن كلاًّ من الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كامنتان في النسق الديني اليهودي ذي الطبيعة الجيولوجية التراكمية.

стр. 1168

وعلى وجه العموم، يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية قد قبلوا وجودهم في الأوطان التي كانوا يعيشون فيها، وأن الحديث عن المَنْفَى أصبح جزءاً من الخطاب الديني، وأصبحت العودة تَطلُّعاً دينياً وتعبيراً عن حب صهيون، أي تعبيراً عن التَعلُّق الديني بالأرض المقدَّسة وهو تَعلُّق ذو طبيعة مجازية، لا يترجم نفسه إلى عودة حرفية إلى فلسطين، حتى وإن خلق استعداداً كامناً لذلك. ولكن، مع بدايات العصر الحديث والحركة الإمبريالية، وظهور الفكر الوضعي والتجريبي والنماذج المادية العلمانية المعرفية وتفسيرات العهد القديم الحلولية والحرفية، بدأ يظهر في صفوف المسيحيين البروتستانت فكر استرجاعي قوي تَرَك أثراً عميقاً في الجماعات اليهودية في أوربا، وبدأت تظهر حركات مشيحانية تهدف إلى تحويل فكرة العودة من تَطلُّع ديني مجازي إلى عودة فعلية، أي إلى استيطان. وقد تدعمت الفكرة مع ظهور الفكر القومي الغربي والتعريفات العرْقية للإنسان. ومع تَصاعُد الحركة الإمبريالية، بدأت الأفكار الصهيونية تتغلغل بين اليهود، خصوصاً وأن هذا قد تَزامَن مع ضعف اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية التي تَقبَّلت المَنْفَى كحالة نهائية. وأخيراً، ظهرت الصهيونية بين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر وأخذت من التراث الديني اليهودي ما يتفق مع أهوائها السياسية، واستولت على الخطاب الديني، وحوَّلت كل المفاهيم الدينية المجازية إلى مفاهيم قومية حرفية. وطرحت الصهيونية رؤية للتاريخ تَصدُر عن تَصوُّر أن اليهود في حالة نفي قسرية فعلية منذ هَدْم الهيكل، وأنهم لو تُركوا وشأنهم لعادوا إلى فلسطين بدون تَردُّد. بل إن التواريخ الصهيونية ترى أن ثمة نمطاً متكرراً فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» : نفي من فلسطين ثم عودة إليها، ونفي إلى مصر ثم عودة إلى فلسطين، ونفي إلى بابل ثم عودة إلى فلسطين، وأخيراً نفي إلى أرجاء العالم بأسره ثم عودة نهائية إلى إسرائيل، أي فلسطين.

стр. 1169

إن إحدى مقولات الصهيونية الأساسية هي أن وجود اليهود على هيئة جماعات في أنحاء العالم هو حالة مؤقتة، وأن هذا الوجود إن هو إلا جسر يَعبُر عليه الشعب اليهودي إلى فلسطين. ومن دعاة هذا الرأي بن جوريون وممثلو الصهيونية الاستيطانية. ولكن ليس كل الصهاينة على هذا الرأي. فالصهيونية الإثنية، على سبيل المثال، ترى أن وجود الجماعات اليهودية خارج فلسطين ليس أمراً مؤقتاً وإنما حقيقة ثابتة، وأن هذه الجماعات لا تحتاج إلى إسرائيل موطناً، وإنما تحتاج إليها كمركز روحي لا كبلد يهاجر إليه جميع اليهود، فالنفي هنا حالة ثقافية ومن ثم يتم علاجه بطرق ثقافية أيضاً!

стр. 1170

وبعد إنشاء إسرائيل، لم يهرْع اليهود إلى أرض الميعاد، ولم يتم تجميع المَنْفَيين كما كان يتوقع الصهاينة، وهو ما اضطر بن جوريون إلى ابتداع مصطلح «منفيُّو الروح» ليصف اليهود الذين يحيون حياة جسدية مريحة في المَنْفَى، ولكنهم بلا شك معذبو الروح. وهو بهذا يتبنَّى الصيغة الصهيونية الثقافية. ولكن المُلاحَظ أن منفيِّي الروح هم الأغلبية العظمى بين يهود العالم، أي أن اليهودية حتى بعد إنشاء الدولة الصهيونية لا تزال يهودية الدياسبورا. ولذلك فالجالوت، أو «المَنْفَى القسري» أصبح يُسمَّى «تيفوتسوت» ، أو «المَنْفَى الاختياري» ، وهذا تَناقُض عميق في المصطلح. ويبدو أن الولايات المتحدة تشكل تحدياً عميقاً لفكرة المَنْفَى، إذ أنها تشكل نقطة جذب هائلة للغالبية الساحقة من يهود العالم. وقد اتجهت لها الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا (يهود اليديشية) وغيرها من أنحاء العالم. ولم تتجه سوى أقلية صغيرة إلى فلسطين، لأن أبواب الولايات المتحدة كانت مُوصَدة دونها. وقد بدأ يهود الولايات المتحدة ينظرون إلى إسرائيل لا باعتبارها وطناً قومياً، وإنما باعتبارها «الوطن الأصلي» أو «مسقط الرأس» ، تماماً كما ينظر الأمريكيون من أصل أيرلندي إلى أيرلندا. ولكن هذه النظرة تفترض أن الولايات المتحدة ليست بمَنْفَى وإنما البلد التي يهاجر إليها أعضاء الجماعات اليهودية بمحض إرادتهم، بحثاً عن فرص جديدة. وإن كانت الولايات المتحدة ليست هي أرض الميعاد التي تُحقِّق أحلامهم الدينية ـ وهي أحلام أصابها الضمور على أية حال ـ فهي على الأقل «جولدن مدينا» أي البلد الذهبي التي حققت لهم معظم أحلامهم الدنيوية. وهذه الرؤية تعني أن يهود الولايات المتحدة لا يعتبرون بلدهم الجديد مَنْفَى. وبالفعل، نجد أن كتاب هوارد ساخار الأخير الذي صدر بعنوان الدياسبورا لا يضم فصولاً عن الولايات المتحدة، وذلك باعتبار أنها وطن قومي جديد. كما تعني هذه الرؤية أن يهود

стр. 1171

الولايات المتحدة لا يفكرون أيضاً في العودة لأن العودة لا تكون إلا إلى الوطن الأصلي. بل إن من الطريف أن الحاخام مناحم شنيرسون وحاخامات جماعة الناطوري كارتا (المعادية للصهيونية) يعتبرون دولة إسرائيل جزءاً من المَنْفَى. أما في إسرائيل، فقد ظهر جيل جديد من الصابرا لا يفهم سيكولوجيا يهود المَنْفَى، وإن فهمها فهو لا يُكِّن لها احتراماً كبيراً. وهذا الانقسام بين يهود العالم ويهود إسرائيل من الصابرا وغيرهم يمثل مشكلة ضخمة تواجه الفكر الصهيوني. بل يبدو أن الولايات المتحدة بجاذبيتها تُهدِّد المستوطن الصهيوني ذاته، إذ أن أعداداً كبيرة من المستوطنين، وضمن ذلك الصابرا يهاجرون إلى الولايات المتحدة فيتركون الوطن إلى المَنْفَى! ويُطلَق على المهاجرين الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة الدياسبورا الإسرائيلية. وينطلق الصهاينة من افتراض وحدة الشعب اليهودي وضرورة تجميع المنفيين وصَهْرهم ومَزْجهم في شخصية نمطية واحدة (برغم تَعدُّد خلفياتهم الثقافية والحضارية) حتى يُشْفَوا من كل أمراض المنفى. ولكن، كلما تم مَزْج أو صَهْر مجموعة من المهاجرين، تأتي مجموعة جديدة من المَنْفَى فيستعيد من انصهر كثيراً من السمات الحضارية التي كان قد فقدها إما من خلال الالتحام بالمهاجرين الجدد، إن كانوا من بني جلدتهم، أو من خلال مجابهتهم إن كانوا من تَجمُّع قومي آخر، أي أن تجميع المنفيين يتعارض بشكل حادّ مع مَزْجهم وصَهْرهم. وتظهر هذه المشكلة في موقف جماعات السفارد واليهود الشرقيين من المهاجرين الأشكناز واليهود الغربيين وخصوصاً السوفييت. ونحن لا نستخدم كلمات ذات طابع عاطفي عقائدي مُتحيِّز، مثل «المَنْفَى» أو «الشتات» ، إلا إذا تَطلَّب السياق ذلك، ونستخدم بدلاً من ذلك مصطلحات محايدة فنقول: الجماعات اليهودية في العالم وانتشارها فيه. العودة Return

стр. 1172

تشير كلمة «العودة» في الأدبيات اليهودية والصهيونية إلى عودة اليهود إلى فلسطين، أي «إرتس يسرائيل» أو «صهيون» أو «أرض الميعاد» بعد نفيهم منها. وقد تكون العودة تحت قيادة الماشيَّح، وقد يقوم بها اليهودي بإرادته، دون انتظار مشيئة الإله. انظر: «المَنْفَى والعودة» . الشتات Dispersion; Diaspora; Exile «الشتات» مصطلح يُستخدَم أحياناً للإشارة إلى «المَنْفَى» أو «الدياسبورا» . الدياسبورا Diaspora «دياسبورا» كلمة يونانية تعني «الشتات» أو «الانتشار» . وقد كانت الدياسبورا نمطاً شائعاً في العالم الهيليني الروماني، فلم يكن مقصوراً على اليهود بل كانت هناك جماعات من التجار اليونانيين الذين يؤسسون جماعاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة في المدن التي يستقرون فيها، فكانوا يبنون فيها معابدهم ويعبدون آلهتهم، ويمارسون جميع مؤسسات حياتهم الهيلينية الأخرى مثل الجيمنازيوم. كما أن المدن اليونانية المختلفة خارج بلاد اليونان، بسكانها من المستوطنين اليونانيين، كانت تشكل دياسبورا. وبرغم أن الكلمة محايدة إلى حدٍّ كبير، لأن الانتشار تم بإرادة المنتشرين، إلا أنها في نهاية الأمر تعني تَشتُّتاً من مركز ما، والمركز في العقل الإنساني أفضل من الأطراف. أما في الكتابات اليهودية والصهيونية، فهي تحمل معنى سلبياً أكيداً، باعتبار أن اليهودي الموجود خارج فلسطين أو «إرتس يسرائيل» أو «صهيون» (في المصطلح الديني) أو «الوطن القومي» (في المصطلح السياسي) موجود خارج وطنه رغم أنفه، وبالتالي فهو في المَنْفَى. وتُميِّز هذه الكتابات بين المَنْفَى الاختياري والمَنْفَى القسري. ويتجلى ذلك في العبرية على وجه الخصوص إذ توجد كلمة «جولا» بمعنى المَنْفَى القسري، كما حدث ليهود المملكة الجنوبية حينما هُجِّروا إلى بابل. وتوجد كلمة «تيفوتسوت» بمعنى «المَنْفَى الاختياري أو الطوعي» ، وهي تشير إلى اليهودي الذي يترك فلسطين بمحض إرادته ليستوطن بلداً آخر، وإلى

стр. 1173

الجماعات اليهودية التي ترفض العودة إلى فلسطين رغم وجود سلطة سياسية يهودية مستقلة أو سلطة شبه مستقلة، كما حدث ليهود بابل أيضاً بعد عودة نحميا وعزرا، وكما هو حادث ليهود العالم الغربي بل ويهود العالم بأسره الآن. وقد ظهر استخدام جديد لكلمة «دياسبورا» . فكثير من يهود الولايات المتحدة يرفضون استخدام الكلمة بمعنى «المَنْفَى المؤقت» ، فالولايات المتحدة أو كندا هي وطنهم النهائي وليس المؤقت. ولذا، ففي كتاب هوارد ساخار الأخير الدياسبورا (عام ١٩٨٥) لا توجد أية إشارة إلى الجماعات اليهودية في إسرائيل أو أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة أو كندا) باعتبار أنهما لا يشكلان «مَنْفَى» ، وبالتالي لا يمكن الحديث عنهما باعتبارهما دياسبورا. فكأن كلمة «دياسبورا» تستبعد كلاًّ من فلسطين والولايات المتحدة وكندا! ونحن نُفضِّل في هذه الموسوعة أن نشير إلى «الجماعات اليهودية في العالم وانتشارها فيه» باعتبار أن استخدام كلمة «مَنْفَى» ، أو حتى كلمة «دياسبورا» ، يفترض علاقة قومية ما بين أعضاء هذه الجماعات وفلسطين، وهو ما تدحضه قراءة سلوكهم وأحداث التاريخ قراءة متأنية. والواقع أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم قد يرتبطون عاطفياً أو دينياً بإسرائيل (فلسطين) ، ولكن حياتهم ككل تكون في العادة أكثر تركيباً، ومحاولة تفسير جميع تجاربهم التاريخية (المتنوعة وغير المتجانسة) في ضوء عنصر واحد، هو أمر تعسفي يَسقُط في الأحادية ويتجاهل منحنى الظواهر الخاص ويختزلها كلها داخل نمط واحد. وقد نحت آرثر كوستلر مصطلح «الدياسبورا الخزرية» ، كما ظهر مؤخراً مصطلح «الدياسبورا الإسرائيلية» . وقد استُخدم من قبل مصطلح «الدياسبورا السامرية» . انظر: «المَنْفَى والعودة» - «العودة» - «الشتات» . المنفى القسري (الجالوت أو الجولا) Galut

стр. 1174

«المَنْفَى القسري» ترجمة للكلمة العبرية «الجالوت» أو «الجولا» ، وهي ممقابل كلمة «تيفوتسوت» أو «المَنْفَى الطوعي» . وكلمة «جالوت» ترجمة عبرية غير دقيقة لكلمة «دياسبورا» ذات المعنى المحايد إلى حدٍّ ما، فهي تعني كلاًّ من التشتت والانتشار. والانتشار يمكن أن يكون تلقائياً ويمكن كذلك أن يكون إرادياً، أما «الجالوت» فليس كذلك بل حالة يخضع لها الإنسان وتُفرَض عليه فرضاً. المنفى الطوعي (تيفوتسوت) Tefuzot «المَنْفَى الطوعي» ترجمة للكلمة العبرية «تيفوتسوت» المُشتَقة من فعل «هفّيتس» ، بمعنى «نثر» أو «بَعثَر» أو «فرَّق» ، وهي مقابل كلمة «جالوت» ، أي «المَنْفَى القسري» ، وهما المقابل العبري غير الدقيق لكلمة «دياسبورا» اليونانية. فكلمة «دياسبورا» محايدة نوعاً، وتصف واقعاً قائماً، أي انتشار بعض الجماعات اليونانية خارج اليونان في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو انتشار لم يتم قسراً. أما «تيفوتسوت» و «الجالوت» فهما يُدخلان في الاعتبار عنصر الإرادة والحالة العقلية. وعلى أية حال، فإن كلمة «تيفوتسوت» أقرب في المعنى إلى كلمة «دياسبورا» . شريعة الدولة هي الشريعة Dina de Malkuta dina

стр. 1175

«شريعة الدولة هي الشريعة» هي الترجمة العربية للعبارة الأرامية الآتية: «دينا دي ملكوتا دينا» . وهي من أهم المبادئ في تاريخ الشريعة اليهودية. وقد ظهر المفهوم، أول ما ظهر، خارج فلسطين في صفوف الجماعة اليهودية في بابل أثناء حكم الأسرة الساسانية الفارسية، إذ أن وضع الجماعة اليهودية تَطلَّب توضيح قضية نطاق الشريعة اليهودية مقابل نطاق قانون أو شريعة الدولة، والعبارة في نهاية الأمر هي محاولة لحل قضية الولاء وازدواجه. وقد قَلَّصت عبارة «شريعة الدولة هي الشريعة» نطاق تطبيق شريعة التوراة، إذ أنها تتضمن اعترافاً بالقانون المدني غير اليهودي، كما تعترف بأنه يَحلُّ محل الشريعة الدينية في الأمور الدنيوية، وهو ما يعني وجوب اتباع شريعة الدولة حتى لو تناقضت مع الشريعة اليهودية. ولم يكن هذا المبدأ ينطبق بطبيعة الحال على الطقوس والشعائر الدينية. وينم تَبنِّي هذا المبدأ عن مقدرة أعضاء الجماعات اليهودية على التكيف مع محيطهم الحضاري والاندماج فيه، وهو الأمر الذي هيأ البقاء لليهود والاستمرار لليهودية. وقد استُخدمت هذه المقولة أحياناً لتقويض دعائم الشريعة اليهودية، كما حدث مع دعاة التنوير الذين آمنوا بالنظرية السياسية الغربية التي حوَّلت الدولة إلى مُطلَق، فاستخدموا هذه المقولة لهدم سلطة الدين. ومعنى هذا أنهم ولَّدوا الفكر العلماني الإلحادي من داخل النسق الديني ذاته. تجميع المنفيين Ingathering of the Exiles

стр. 1176

«تجميع المنفيين» ترجمة للعبارة العبرية «كيبوتس جاليوت» . وهو مصطلح ديني تبنته الصهيونية يشير إلى فكرة عودة كل أعضاء الجماعات اليهودية المنفيين أو المنتشرين في أنحاء العالم إلى فلسطين وتجميعهم هناك. لكن تجميع المنفيين (حسب التصور اليهودي الأرثوذكسي التقليدي) هو مَثَل أعلى ديني لا يتحقق إلا بعد عودة الماشيَّح كما لا يتحقق إلا بإرادة الإله، وعلى المؤمن أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يأذن الإله بذلك. ولكن الصهيونية، كعادتها، فهمت الفكرة فهماً حرفياً وجعلتها أساس عقيدتها السياسية، وجعلت من واجب اليهودي ألا ينتظر الإرادة الإلهية بل يعمل من أجل هذا الهدف بنفسه، وهو ما يُسمَّى «التعجيل بالنهاية» . وأصبحت العبارة تعني استيطان اليهود في فلسطين (إسرائيل) . ورغم كل المحاولات الصهيوينة الدائبة، لم يتحقق هذا الهدف حتى الآن، إذ تظل غالبية من يُقال لهم المنفيين من أعضاء الشعب اليهودي لا تَشعُر بحالة النفي الافتراضية. ومن ثم، فإنهم يؤثرون البقاء في أوطانهم على العودة إلى أرض الميعاد. التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) (Forcing the End) Dahikat ha-Ketz «التعجيل بالنهاية» ترجمة للعبارة العبرية «دحيكات هاكتس» ، ومعناها «الضغط على الإله لإجبار الماشيَّح على المجيء» ، ويُشار إلى المُعجِّلين بالنهاية على أنهم «دوحاكي هاكتس» . فاليهودية الحاخامية، في أحد جوانبها، تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الإله وبالطريقة التي يقررها، وأن العودة ليست فعلاً يحدث بمشيئة البشر. وقد جاء في التلمود (سفر الكتبوت) : "لا تعودوا ولا تحاولوا أن تُرغموا الإله". وقد اتهم الحاخامات الصهيونية بأنها تسعى إلى التعجيل بالنهاية وتَحدِّي مشيئة الإله. والصهيونية ذاتها واعية بأن موقفها من العودة مختلف عن الموقف الديني التقليدي الذي انتقده بن جوريون ووصفه بالسلبية والاتكالية. بداية الخلاص Beginning of Redemption

стр. 1177

«بداية الخلاص» ترجمة للعبارة العبرية «هتحالات جئولاه» . وهي محاولة تستهدف تَجاوُز المفهوم التلمودي الذي يُحرِّم على اليهود العودة إلى أرض الميعاد، ويفرض عليهم انتظار وصول الماشيَّح بمشيئة الإله. وقد وُصف من يحاول أن يأخذ الأمور في يديه بأنه يستعجل النهاية (دوحاكي هاكتس) . وقد كانت متتالية الخلاص كما يلي: نفي ـ انتظار ـ عودة الماشيَّح ـ عودة اليهود معه أو تحت قيادته. ولكن، بعد صهينة اليهودية، بدأت قطاعات داخل اليهودية الأرثوذكسية ذاتها تحاول أن تصل إلى تَفاهُم مع الصهيونية، فَعدَّلت المتتالية إلى ما يلي: نفي ـ عودة بعض اليهود للإعداد للخلاص ـ عودة الماشيَّح ـ عودة اليهود. وبالتالي، فإن الاستيطان الصهيوني يصبح من قبيل العودة للإعداد لعودة الماشيَّح، وتصبح الدولة الصهيونية بداية الخلاص، أي أن عودة الماشيَّح تصبح نتيجة عودة اليهود لا سبباً لها. وهذا تكرار للنمط الحلولي الذي نلاحظه في اليهودية: تَوازي الإله والإنسان ثم تفوُّق الإنسان على الإله في الأهمية. الشتات السامري أو انتشار السامريين Samaritan Diaspora يُشار إلى «الشتات السامري» أحياناً بمصطلح «الدياسبورا السامرية» . ويتمثل الشتات السامري في واقعة هجرة بعض السامريين من فلسطين وانتشارهم في مدن وبلاد مختلفة واستيطانهم فيها بشكل نهائي ودائم، ثم تأسيس جماعات سامرية مختلفة، وقد تأسست جماعات سامرية في كلٍّ من: سالونيكا وروما وحلب ودمشق وغزة وعسقلان ومصر. وقد بدأ انتشار السامريين من فلسطين مع الفتح اليوناني للمنطقة في عام ٣٢٣ ق. م. الشتات الخزري أو انتشار يهود الخزر Khazar Diaspora

стр. 1178

«الشتات الخزري» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى شتات أو هجرة سكان إمبراطورية الخزر اليهودية منها بعد سقوطها إلى أماكن متفرقة من أهمها المجر ثم بولندا. وثمة نظرية تذهب إلى أن تَزايُد عدد يهود بولندا ابتداءً من القرن الثاني عشر لا يعود إلى هجرة يهود أوربا إليها أثناء حروب الفرنجة، كما تقول معظم الدراسات التاريخية، وإنما يعود إلى الشتات الخزري واستيطان بقايا يهود الخزر فيها. ولو صَدَقت هذه المقولة، فإن أصل معظم يهود العالم خزري تركي وليس سامياً. وعلى كلٍّ، لم تَعُد هذه نقطة مهمة في الأدبيات الصهيونية، باعتبار أن الصهاينة يؤسسون نظريتهم في الحقوق لا على أساس عرْقي وإنما على أساس إثني وعلى أساس الأمر الواقع، الإرهاب والقوة. البلد الذهبي (جولدن مدينا) Golden Medina «جولدن مدينا» عبارة يديشية تعني «البلد الذهبي» ، وكان يستخدمها المهاجرون اليهود من شرق أوربا (يهود اليديشية) للإشارة إلى الولايات المتحدة. وبمعنى من المعاني، لا تزال الولايات المتحدة هي «الجولدن مدينا» أو البلد الذهبي التي يتجه إليها يهود العالم، ومنهم الإسرائيليون، بدلاً من أرض الميعاد، وهذا ما حدا بالبعض للإشارة إلىها بأنها الـ «جولدن كاف golden calf» » أي «العجل الذهبي» . والجولدن مدينا هي أرض الميعاد العلمانية، التي لا تَعد أحداً بالخلاص الروحي، ولكنها تَعد الجميع بخلاص الجسد من خلال السلع والترف والراحة. ولعل تَصاعُد معدلات العلمنة بين يهود العالم هو الذي يجعلهم يتجهون بهذه الصورة إلى الولايات المتحدة. وقد أثبت المهاجرون السوفييت أن ولاءهم الحقيقي يتجه نحو صهيون العلمانية هذه، وأن دولة إسرائيل إن هي إلا مبيت مؤقت ينتظرون فيه وصول الإشارة على هيئة تأشيرة هجرة إلى الولايات المتحدة. الدياسبورا الثانية Second Diaspora

стр. 1179

«الدياسبورا الثانية» مصطلح يتواتر في الخطاب الصهيوني للإشارة إلى هجرة اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل، باعتبار أنهم ينتقلون من دياسبورا أولى (الاتحاد السوفيتي) إلى دياسبورا ثانية (الولايات المتحدة) . وقد قال أحد المتحدثين الصهاينة إن اليهود السوفييت حوَّلوا الوكالة اليهودية والدولة الصهيونية إلى ما يشبه شركة رحلات سياحية متخصصة في نقل المسافرين اليهود السوفييت من مَنْفَى إلى آخر. الخروج الثاني (أو خروج صهيون ( (Second Exodus) or Exodus of Zion «الخروج الثاني» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى عدة مدلولات متناقضة. والخروج الأول هو، في العادة، الخروج من مصر إلى أرض كنعان، أي فلسطين. أما مصطلح «الخروج الثاني» ، فيُستخدَم للإشارة إلى هجرة الصهاينة من بلادهم واستيطانهم فلسطين، فهو خروج للتحرر من العبودية عن طريق الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، وهو يشبه خروج جماعة يسرائيل من مصر تحت قيادة موسى واستيلاءهم على أرض كنعان، بل إن هذا الخروج الثاني يعد أهم من الأول إذ أنه خروج نهائي وأخير. ويُستخدَم المصطلح مؤخراً للإشارة إلى نزوح كثير من المستوطنين الصهاينة من إسرائيل، فكأن خروجهم الأول كان من أوطانهم الأصلية أما خروجهم الثاني فهو من المُستوطَن الصهيوني. كما تتحدث الصحف الإسرائيلية عن «خروج صهيون» ، أي خروج اليهود من وطنهم القومي. الدياسبورا الإسرائيلية Israeli Diaspora

стр. 1180

«الدياسبورا الإسرائيلية» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة الذين ينزحون عن إسرائيل ويستوطنون خارجها، في الولايات المتحدة عادةً. وهذا المصطلح ينطوي على تَناقُض عميق. فكلمة «دياسبورا» تشير عادةً إلى اليهود الموجودين خارج فلسطين برغم إرادتهم، ولذا فهم «منفيون» . ولكن أن تكون الدياسبورا إسرائيلية، أي مجموعة بشرية يهودية كانت تقطن في أرض الميعاد ذاتها، في ظل الكومنولث اليهودي الثالث أي الدولة الصهيونية، وتقرر بكامل إرادتها أن تهاجر (بحثاً عن الرزق والحراك الاجتماعي غالباً) ، فهذا أمر صعب، إذ كيف يمكن الحديث عن «دياسبورا» أو عن «مَنْفَى» إذا لم يكن هناك قسر؟ ويمكن أن نقول (لذلك) إن كلمة «دياسبورا» مُستخدَمة هنا بمعناها المحايد أي مجرد الانتشار. والواقع أن الدياسبورا الإسرائيلية تتحدى نظامنا التصنيفي، فالمهاجرون الإسرائيليون ليسوا صهاينة استيطانيين بطبيعة الحال، إذ أنهم تخلَّوا عن المشروع الصهيوني. كما أنهم ليسوا بصهاينة توطينيين، إذ ليس من المُحتَمل أن يقوموا بتشجيع الآخرين على الاستيطان. ومجرد وجودهم في البلد الذهبي (جولدن مدينا) ، أي الولايات المتحدة، يقف دليلاً على عدم جاذبية الدولة الصهيونية. وهم يسببون كثيراً من الحرج ليهود الولايات المتحدة وللصهاينة التوطينيين حين يُطرَح هذا السؤال: هل من الواجب إغاثة هؤلاء اللاجئين باعتبارهم «يهوداً» أم يجب مقاطعتهم باعتبارهم مرتدين أو هابطين تركوا أرض الميعاد ونكصوا على أعقابهم؟

стр. 1181

ويبلغ عدد أعضاء الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة حوالي ٥٠٠ ألف حسب التقديرات الرسمية. وحسب التقديرات غير الرسمية، يبلغ العدد ٧٥٠ ألفاً، ولكنه يبلغ مليوناً إن حسبنا أبناء المهاجرين. وقد أشارت إحدى الصحف الإسرائيلية إلى هذه الظاهرة باعتبارها «خروج صهيون» . كما ذكرت صحيفة أخرى للإسرائيليين أن عدد سكان الدولة الصهيونية (عند إنشائها في عام ١٩٤٨) كان لا يتجاوز ٧٠٠ ألف، أي أقل من عدد المهاجرين منها، وهو ما يُفقدها كثيراً من الشرعية. انتشار الجماعات اليهودية Diffusion of the Jewish Communities نحاول في هذه الموسوعة أن نستخدم الكلمة المحايدة «انتشار» (وأحياناً «هجرة» أو «تهجير» ) بدلاً من العبارات الشائعة مثل «المَنْفَى» و «الدياسبورا» و «الشتات» و «المَهْجَر» ، فهي جميعاً مصطلحات وعبارات إما مُشتقَّة مباشرةً من المُعجم الديني اليهودي أو متأثرة به، فمقدرتها التفسيرية والتصنيفية والوصفية ضعيفة. الباب السادس: هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية هجرات أعضاء الجماعات اليهودية: مقدمة Migrations of Memebers of Jewish Communities: Introduction يُلاحَظ أننا في هذه الموسوعة لا نستخدم مصطلح «الهجرة اليهودية» قدر استطاعتنا وإنما نستخدم بدلاً من ذلك مصطلح «هجرة أعضاء الجماعات اليهودية» ، فالمصطلح الأول يعني أن ثمة حركيات مستقلة ذات طابع يهودي هي التي تحكم عملية الهجرة وتدفعها. ونحن نذهب إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة خاضعون لحركيات جذب وطرد لا تختلف كثيراً عما يخضع له سائر أعضاء المجتمع الذي ينتمون إليه. كما أننا نستخدم مصطلح «انتشار» لنصف ظاهرة هجرة أعضاء الجماعات واستقرارهم في أرجاء المعمورة. ويُلاحَظ أننا نُميِّز بين الاستقرار والاستيطان، فالأول لا ينطوي على أي عنف أو اغتصاب أرض، أما الثاني فهو على عكس ذلك.

стр. 1182

وتذهب التواريخ الصهيونية والمعادية لليهود إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يستقرون في وطن واحد، فهم دائمو التنقل والترحال والهجرة (وهذا تعبير عن إحساسهم الأزلي بالنفي ورغبتهم الثابتة في العودة إلى أرض الميعاد!) . وتُجرِّد التواريخ الصهيونية هذه السمة وتعتبرها، مثلها مثل سمات أخرى كالهامشية والطفيلية، سمةً مُطلَقة تتصف بها «الهوية اليهودية» وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ولكننا نرى أنه لا توجد «هوية يهودية» واحدة أو «تاريخ يهودي» وإنما هناك هويات يهودية وتواريخ يهودية (أو تجارب تاريخية) للجماعات اليهودية تختلف باختلاف الزمان والمكان. وإذا درسنا هذه التجارب في سياقها المتعيِّن، فسوف نكتشف أن الهجرة ليست سمة مُطلَقة ولا تنطبق على اليهود أينما وُجدوا. فالجماعة اليهودية في إثيوبيا والمسماة بالفلاشاه مكثت مئات السنين في موطنها لا تتحرك منه ولا تغادره، ولم تهاجر إلا في الثمانينيات حينما قامت الدولة الصهيونية بتهجير أعضائها في ظروف المجاعة في أفريقيا لتحرز انتصاراً مذهبياً أمام يهود العالم، ولتظهر مرة أخرى بمظهر الدولة التي "تنقذ" اليهود. كما أن يهود بابل ظلوا في موطنهم منذ الألف الأول قبل الميلاد حتى عام ١٩٥١، حينما قام العملاء الصهاينة المتخفون بإلقاء المتفجرات عليهم ليبثوا الرعب في قلوبهم ولإيهامهم بأن حياتهم تحفها المخاطر. أما اليهود الذين هُجِّرو إلى آشور (أسباط يسرائيل العشرة المفقودة) ، فيبدو أنهم انصهروا تماماً واختفوا. وفي الوقت الحاضر، فإن خروج يهود الاتحاد السوفيتي هو نتيجة حركيات داخلية خاصة بالمجتمع السوفيتي ولانهيار المنظومات الاشتراكية. ومع هذا، توجد جماعات إنسانية تتنقل بشكل دائم وتنتقل من مكان لآخر، ويعود هذا التنقل إلى ظاهرة إنسانية لها آلياتها وحركياتها التاريخية والإنسانية المفهومة.

стр. 1183

وقد قضت القبائل التركية مئات السنين في التجوال، وكان من بينها قبيلة الخزر التي تهوَّد أعضاؤها فيما بعد. ويمكن الإشارة كذلك إلى المغول وحروب الفرنجة، وإلى هجرة قبائل الهون الذين تُمثِّل غزواتهم جزءاً من عمليات التنقل التي تعود إلى أسباب اقتصادية وسكانية وحضارية مختلفة. وفي العصر الحديث، يمكن الإشارة إلى هجرة الأرمن والأيرلنديين ومجموعات بشرية أخرى هاجرت من أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان لعدة أسباب مركبة. ويُلاحَظ أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يتنقلون ويهاجرون لأنهم أعضاء في جماعات وظيفية، قتالية أو استيطانية أو تجارية. ولهذا السبب، انتقل بعض الجنود العبرانيين إلى مصر ليعملوا كمرتزقة، كما وطَّن السلوقيون والرومان اليهود كعنصر استيطاني في بعض أرجاء إمبراطورياتهما. ومع حلول العصور الوسطى في الغرب، خضع أعضاء الجماعات اليهودية لعمليات من الطرد والتهجير والتوطين كجماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بحرفتي التجارة والربا. فالجماعة الوسيطة لا جذور لها في المجتمع، تعيش في مسامه، وهي دائماً على استعداد للرحيل لأن المجتمع يبقيها بمقدار نفعها وبمقدار اضطلاعها بوظيفتها. ولذا، فإن أعضاء الجماعة الوسيطة دائمو التنقل، لا يشتغلون بالأعمال الزراعية ولا بالأعمال الإنتاجية التي تتطلب الاستقرار. ومع ظهور طبقات محلية، واضطلاع الدولة القومية الحديثة بدور اليهود، زادت عمليات الطرد وبالتالي التنقل. وصورة «اليهودي التائه» ، برغم إيحاءاتها الدينية والعنصرية المختلفة، تضرب بجذورها في عملية التنقل هذه.

стр. 1184

وإذا نظرنا إلى أهم فترتين تَنقَّل فيهما أعضاء الجماعات اليهودية (المرحلة العبرانية ثم المرحلة الحديثة في أوربا من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين) ، فسنكتشف أن العبرانيين وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشكلون جزءاً من كلٍّ أكبر. لقد كان العبرانيون جزءاً من جماعات سامية ضخمة تتحرك في الشرق الأدنى القديم، ابتداءً من الألف الثاني قَبْل الميلاد، وتضم الخابيرو والأخلامو والآراميين والهكسوس وغيرهم. ونحن نسمِّي هذه المرحلة المرحلة السامية السديمية لأن معالم الأشياء لم تكن واضحة ولأن القبائل والأقوام المهاجرة المتنقلة كانت متداخلة. كما شهدت مرحلة الإمبراطوريات الكبرى، البابلية والآشورية ثم الفارسية واليونانية والرومانية، بدايات الهجرة التي تعاظمت بالتدريج حتى وصلت ذروتها مع نهاية الألف الأول قبل الميلاد وأصبح عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من ضعف عددهم داخلها. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية تتعاظم داخل إطار الإمبراطوريات التي تُيسِّر لهم حرية الحركة.

стр. 1185

وهجرة يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) إلى الولايات المتحدة وكندا وفلسطين وغيرها من الدول الاستيطانية بأعداد هائلة، حتى انتقلت الكتلة البشرية اليهودية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، هي بالمثل هجرة تمت داخل إطار إمبراطوري. فقد تمت داخل التشكيل الاستعماري الغربي وتجربته الاستيطانية في أنحاء العالم، تلك التجربة التي بدأت في القرن السابع عشر وزادت حدتها في أوائل القرن التاسع عشر ووصلت ذروتها في أواخره، واستمرت بعد ذلك ثم بدأت تخبو بعد الحرب العالمية الثانية مع تَوقُّف الانفجار السكاني في الغرب. لقد هاجر من سكان أوربا نحو ٦٥ مليوناً خلال قرن ونصف القرن (١٨٠٠ ـ ١٩٥٠) ، وكان من بينهم الإيطاليون والأيرلنديون والألمان وكثير من سكان شرق أوربا، وكان من بين هؤلاء أعضاء الجماعات اليهودية. وقد هاجر إبان هذه الفترة أربعة ملايين يهودي، أي ٦% من جملة المهاجرين، كانوا لا يشكلون سوى ١.٥ـ ٢% من سكان أوربا، أي أن معدل الهجرة بين اليهود كان أربعة أضعاف معدلها العام. ولكن، في الفترة من عام ١٨٠١ إلى عام ١٩٢١، هاجر نحو ثمانية ملايين أيرلندي، ولاتزال عملية الهجرة مستمرة من بلد لا يزيد عدد سكانه على ثلاثة ملايين ونصف المليون. وكانت هجرة الأيرلنديين أكثر من هجرة اليهود كما أنها كانت محمومة. وبلغت نسبة اليهود الذين يرجعون إلى بلادهم الأصلية ٨%، أما نسبة الأيرلنديين العائدين فكانت لا تزيد على ٧%. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة كانت تضم في الأساس عناصر إشكنازية.

стр. 1186

وقد كانت الهجرة اليهودية تأخذ في الماضي شكل التقهقر من المناطق المتقدمة إلى المناطق الأقل تقدماً؛ من الشرق القديم إلى أوربا التي كانت من أكثر مناطق العالم تخلفاً. وفي أوربا نفسها، أخذت الهجرة في العصور الوسطى شكل التحرك من إنجلترا وفرنسا إلى ألمانيا ومنها إلى شرق أوربا أكثر المناطق تخلفاً. وابتداءً من القرن السابع عشر، أخذت الهجرة شكلاً مغايراً وهو الهجرة من الأماكن الأقل تقدماً إلى الأماكن الأكثر تقدماً؛ من شرق أوربا إلى وسطها وإلى إنجلترا والولايات المتحدة. وإذا كان هذا هو نمط الهجرة، فإن الولايات المتحدة تصبح منطقياً نقطة الجذب المُطلَقة، وهذا هو الوضع القائم حتى الوقت الحالي. ويُلاحَظ أن العنصر المشترك في كلتا الهجرتين (من البلاد المتقدمة إلى المتخلفة والعكس) هو أن اليهود كانوا عنصراً استيطانياً ريادياً يبحث عن الفرص الجديدة للاستثمار والحراك. وحينما كانت الفرصة موجودة في المناطق المتخلفة، كانت الهجرة تتجه نحوها. ولكن، مع الثورة التجارية، تغيَّر الوضع تماماً وأصبح البحث عن الفرص الاقتصادية يدور في الدول الاستيطانية المتقدمة. ويُلاحَظ أن هجرة اليهود قلما كانت تتجه إلى فلسطين.

стр. 1187

وهنا لابد من التفرقة بين الهجرة والاستعمار الاستيطاني. فالهجرة من بلد إلى آخر تعني قبول أهل البلد الجديد للقادمين نظراً للحاجة إليهم، وهي تنتهي باستقرار المهاجر في بلده الجديد. ولكن إذا فَرَض القادمون الجدد أنفسهم عن طريق العنف، فإن من الصعب أن نسمي ذلك «هجرة» . والواقع أننا يمكن أن نتحدث عن هجرة الأيرلنديين إلى الولايات المتحدة واستقرارهم فيها بعد أن استوطنها الإنسان الأبيض وأباد سكانها الأصليين، حيث لم تَعُد هناك حاجة إلى العنف من جانب المهاجرين الجدد بعد أن تولى المستوطنون الأوئل هذه المهمة نيابة عنهم. أما في جنوب أفريقيا (حتى وقت قريب) وفي فلسطين، فإن الوضع جدُّ مختلف، ذلك أن السكان الأصليين لا يزالون مستمرين في المقاومة، وهو ما يجعل العنف ضدهم ضرورياً. وعلى هذا، فيمكن الحديث عن استيطان الهولنديين في جنوب أفريقيا والصهاينة في فلسطين، أو عن هجرتهم للاستيطان أو هجرتهم الاستيطانية. ويُلاحَظ أن كثيراً من المهاجرين اليهود تم توطينهم في أمريكا اللاتينية، بل وفي روسيا السوفيتية، بمعرفة مؤسسات يهودية توطينية كوَّنها يهود العالم الغربي لتحويل تيار الهجرة عن بلادهم للحفاظ على وضعهم الطبقي ومكانتهم الاجتماعية. ولذا، فنحن نفرِّق بين «الاستيطان» و «التوطين» . ويستطيع القارئ أن يعود إلى مداخل الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» والباب المعنون «المؤسسات التوطينية» . الاستقرار Settlement

стр. 1188

«الاستقرار» هو أن يهاجر شخص من بلده نتيجة ظروف موضوعية (عوامل طَرْد في الوطن الأصلي) أو ذاتية (رغبة في الحراك الاجتماعي) فيحمل متاعه ويذهب إلى بلد آخر يوافق على هجرته أو يرحب به. ويتم ذلك عادةً في إطار قانوني. ومن ثم، فإن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا إلى الولايات المتحدة هي عملية استقرار في الوطن الجديد. و «الاستقرار» ، بطبيعة الحال، غير «الاستيطان» . وفي اللغة الإنجليزية لا يُوجَد سوى كلمة واحدة هي «ستلمنت settlement» للتعبير عن المعنيين المختلفين. هجرات أعضاء الجماعات اليهودية حتى بداية العصر الحديث Migrations of Memebers of Jewish Communities up to the Beginning of Modern Times ينتقل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من وطن إلى آخر بحثاً عن الرزق ولتحسين المستوى المعيشي بصفة عامة، أو لأسباب أخرى مثل التهجير والطرد أو الاضطهاد أحياناً. وإن قبلنا الرأي القائل بأن الخابيرو الذين ورد اسمهم في لوحات تل العمارنة هم العبرانيون، فإن أول إشارة إليهم كانت باعتبارهم شعباً متجولاً. وقد اتسمت حياة العبرانيين في عصر الآباء (منذ عام ٢٠٠٠ ق. م) بالتنقل البدوي من بلد إلى آخر وبالبقاء على حواف المدن أو على طُرُق التجارة. وفي هذه المرحلة، استوطنت بعض العناصر العبرانية أرض كنعان وفي مصر دون أن تضرب جذوراً في أي منهما. وقد خرج العبرانيون من مصر أو هاجروا منها (عام ١٦٤٥ ق. م) ليبدأوا فترة أخرى من التجوال في سيناء انتهت بالتغلغل العبراني في كنعان (عام ١١٨٩ ق. م) الذي أعقبته فترة من الاستقرار النسبي بعد قيام اتحاد القبائل العبرانية في شكل المملكة العبرانية المتحدة ثم المملكتين العبرانيتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وقد انتهت هذه المرحلة بالتهجير الآشوري ثم التهجير البابلي.

стр. 1189

وبعد هذه المرحلة، ينتهي التهجير ليبدأ اليهود في الانتشار في بقاع الأرض بوصفهم جماعات يهودية لا يربطها رابط سوى الانتماء إلى العقيدة الدينية الإثنية نفسها. وتبدأ هذه المرحلة حين فضلت أعداد كبيرة من اليهود الاستمرار في بابل مُكوِّنةً بذلك نواة أول جماعة يهودية تستقر خارج فلسطين بعد مرحلة التهجير البابلي. ومن الممكن أيضاً الإشارة إلي الجماعة الصغيرة في جزيرة إلفنتاين التي كانت تشكل حامية عسكرية تحمي حدود مصر الجنوبية. ثم قامت الإمبراطورية اليونانية بفرض هيمنتها على أجزاء كبيرة من البحر الأبيض والشرق الأدنى القديم (٣٣٢ ق. م) ، وهو ما يسَّر عملية انتقال اليهود وانتشارهم، فاستقرت أعداد كبيرة منهم (كجماعات وظيفية استيطانية وقتالية ومالية) في مصر، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص. كما استقروا في برقة وقبرص وآسيا الصغرى. وقد بدأ الانتشار في أوربا الغربية في تلك المرحلة أيضاً. وحين قضى الرومان على فلسطين كإحدى نقاط تَجمُّع الجماعات اليهودية وأحد مراكزها، وحتى حين هدم تيتوس الهيكل (عام ٧٠م) ، لم يؤثر ذلك كثيراً في حركة تَدفُّق اليهود أو على شكلها، إذ أنها بدأت على أية حال قبل ذلك التاريخ، حيث استمر تَدفُّق اليهود خارج فلسطين وإلى مختلف البلدان، خصوصاً إلى أوربا وحوض البحر الأبيض المتوسط. ويُقال إن هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية تعود إلى هذه الفترة أو بعدها، وقد تم طَرْد اليهود منها مع ظهور الإسلام، ولكن يبدو أن أعداداً كبيرة لم تغادرها. كما أن الجماعة اليهودية في اليمن لم تتأثر بقرار الطرد، فقد بقيت أعداد منها واستمر وجودها حتى العصر الحديث. وفي أوائل القرن العشرين، قام المستوطنون الصهاينة بتوطين عدد من يهود اليمن في فلسطين لسد حاجتهم إلى العمالة، ثم هاجرت أغلبيتهم في عام ١٩٤٨ إلى فلسطين، ولا تزال توجد بقايا من هذه الأقلية في صعدا وغيرها من المناطق.

стр. 1190

وقد شهدت بداية العصور الوسطى في الغرب (القرن الرابع الميلادي) شيئاً من الاستقرار النسبي بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في الغرب المسيحي ثم في الشرق الإسلامي بسبب استقرار الأحوال السياسية والاقتصادية فيها. وبدأ نمط الهجرة في هذه الفترة يتضح، أي الهجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة؛ وقد كانت أوربا من أكثر المناطق تخلفاً في العالم آنذاك. وكانت توجد ثلاثة خطوط أساسية للهجرة إلى أوربا: من فلسطين إلى جنوب إيطاليا ومنها عَبْر جبال الألب إلى فرنسا وألمانيا، ومن الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) عَبْر وادي الدانوب إلى وسط أوربا، ومن العراق ومصر عَبْر المغرب إلى إسبانيا. وهكذا انتقلت الكثافة السكانية اليهودية (بين عامي ٥٠٠ ق. م ١٠٠٠م) من الشرق الأوسط إلى أوربا. ورغم أن نمط الهجرة إلى البلاد الأكثر تخلفاً هو النمط السائد، إلا أنه ليس النمط الوحيد، فمع تدهور الخلافة العباسية في القرن العاشر، هاجرت كذلك أعداد من اليهود المقيمين في العراق إلى الهند والصين. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نقول إن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تتجه حيث توجد فرص أكبر لممارسة نشاطهم الاقتصادي، وأحياناً ما تتيح البلاد المتخلفة هذه الفرصة لهم أكثر من البلاد المتقدمة، خصوصاً حين تبدأ هذه البلاد في التآكل والانهيار ويصبح عدم الاستقرار سمة أساسية فيها.

стр. 1191

ومع إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي في المجتمع الغربي في القرن الحادي عشر، ومع ظهور طبقات من التجار والمموِّلين المسيحيين، تم طَرْد اليهود من إنجلترا في عام ١٢٩٠ (ويُقال إن عددهم كان لا يتجاوز أربعة آلاف) ، كما طُردوا من فرنسا عامي ١٣٠٦ و١٣٩٤، فاستقروا في بادئ الأمر في ألمانيا وإيطاليا وشبه جزيرة أيبريا، ولكنهم طُردوا أيضاً من إسبانيا في عام ١٤٩٢ ثم من البرتغال، فهاجروا أساساً إلى شمال أفريقيا وإلى إيطاليا وصقلية. كما هاجرت أعداد كبيرة (نصفهم كما يُقال) إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشجع اليهود على الهجرة إليها لتنشيط التجارة. ولقد تدخلت الدول الغربية لمنع هجرة اليهود منها خشية أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام المصرفي والمالي والتجاري، الذي كان اليهود يلعبون فيه دوراً أساسياً. وقد شهدت هذه الفترة سقوط مملكة الخزر اليهودية في القرن العاشر حيث هاجر سكانها إلى المجر ثم إلى بولندا. ومع أواخر العصور الوسطى، بدأت الإمارات الألمانية في طرد أعضاء الجماعات اليهودية. وقد ساهمت حملات الفرنجة، وهي تعبير عن إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي، في اجتثاث جذور أعضاء الجماعات في وادي الراين وغيره من المناطق، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى بولندا. ومعنى هذا، أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع نهايات العصور الوسطى (ابتداءً من القرن الرابع عشر) تأخذ مرة أخرى شكل هجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة نسبياً؛ من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا ومنها إلى بولندا، أي أنها هجرة إلى الماضي. وكان شرق أوربا هو الجهة الأخيرة تقريباً بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يُطردون من البلاد المتقدمة نتيجة ظهور طبقات تجار محليين مسيحيين، إذ لم تَعُد هناك جيوب متخلفة أخرى يستطيع اليهود التقهقر إليها في الغرب.

стр. 1192

وتجب الإشارة إلى أن الهجرة كانت تتم في هذه المرحلة بالتدريج وببطء شديد نتيجة عدم وجود وسائل مواصلات سريعة وطرق ميسرة كما هو الحال في العصر الحديث. وكثيراً ما كان اليهود المحليون يتصدون لليهود الوافدين لأنهم يشكلون خطورة اقتصادية عليهم، فكانوا يمارسون حق حظر الاستيطان، كما كان يهود البلاط يمنعون هجرة أي يهودي إلى المنطقة التي يتولون قيادتها. هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث Migrations of Memebers of Jewish Communities in Modern Times تغيَّر اتجاه هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع بداية عصر النهضة في أوربا لثلاثة أسباب أساسية: ١ ـ شهد عصر النهضة بدايات الانقلاب التجاري الرأسمالي الحقيقية بما تبعه من اكتشافات جغرافية ومشاريع استعمارية غربية: إسبانية وبرتغالية ثم هولندية وإنجليزية. وكانت إسبانيا والبرتغال قد طردتا اليهود من أراضيهما، أما هولندا وإنجلترا فقد فتحتا أبوابهما لهجرة اليهود نظراً لحاجتهما إلى أيد عاملة ورؤوس أموال وخبرات تجارية، ثم تبعتهما فرنسا. وأدَّى هذا الوضع إلى تَدفُّق المهاجرين اليهود إلى هذه البلاد وإلى مستعمراتها فيما بعد. ٢ ـ كانت الدولة العثمانية قد بدأت تدخل مرحلة الجمود التي أدَّت إلى سقوطها في نهاية الأمر، ولم تَعُد قادرة على استيعاب المزيد من اليهود. ٣ ـ وفي تلك المرحلة، كان معظم يهود أوربا مُركَّزين في بولندا التي شهدت ثورة الزعيم الشعبي الأوكراني بوجدان شميلنكي عام ١٦٤٨ والذي قاد ثورة الفلاحين الأوكرانيين ضد الاحتلال البولندي، وضد النبلاء البولنديين (شلاختا) المستفيدين من هذا الاحتلال، وضد عمال النبلاء وممثليهم من يهود الأرندا الذين كانوا يقومون بجمع الضرائب وتوقيع العقوبات على الفلاحين. وقد هزت هذه الثورة جذور الدولة البولندية على وجه الخصوص، ثم تبع ذلك غزو السويد وروسيا لها.

стр. 1193

وقد أدَّى تَزامُن هذه الأحداث (طرد اليهود السفارد من شبه جزيرة أيبريا، ثم اهتزاز الأساس الاقتصادي والسياسي لليهود الإشكناز في بولندا مع فَتْح أبواب الهجرة إلى أوربا الغربية، ودخول الدولة العثمانية في طور الجمود) ، إلى تغيير مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا وظهور النمط الحديث، أي هجرة اليهود من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في وسطها وغربها وإلى العالم الجديد. والهجرة اليهودية في العصر الحديث هي أساساً جزء من حركة الاستعمار الاستيطاني التي بدأت في القرن السادس عشر، خصوصاً التشكيل الأنجلو ساكسوني (بعد بداية قصيرة مع الاستعمار الإسباني ثم الهولندي) . وما الهجرة الصهيونية إلا تعبير عن هذا النمط العام. ومع هذا، ظلت الولايات المتحدة هي نقطة الجاذبية الأساسية للهجرة اليهودية من البداية حتى الوقت الراهن، للأسباب التالية: ١ ـ تشكل الولايات المتحدة أهم وأنجح تجربة استيطانية غربية. وقد اجتذبت ثم استوعبت أعداداً كبيرة من المهاجرين من أوربا بلغت أكثر من ٨٠% ٢ ـ الولايات المتحدة دولة علمانية لم تعرف أية تقاليد أو حتى أية رموز دينية إلا لفترة وجيزة للغاية من تاريخها، كما أنها نجحت في إقامة مؤسسات علمانية لاستيعاب وصَهْر المهاجرين و «أمركتهم» وأتاحت لهم فرصة الانتماء الثقافي الكامل لوطنهم الجديد الأمر الذي زاد من جاذبيتها، وذلك على عكس أمريكا اللاتينية التي احتفظت بكاثوليكيتها وبالتالي استبعدت البروتستانت واليهود. ٣ ـ كان اليهود يشكلون جماعة وظيفية مالية تعمل بالتجارة والمال، وبالتالي لم تكن بينهم أعداد كبيرة من العمال أو الفلاحين. والمجتمع الأمريكي هو مجتمع الاقتصاد الحر الذي يشكل القطاع التجاري والمالي أكبر قطاعاته، والذي سادت فيه القيم التجارية الموضوعية. ومن ثم فهو مجتمع ذو جاذبية خاصة بالنسبة إلى المهاجر اليهودي.

стр. 1194

وقد تنبأ المؤرخ الروسي اليهودي دبنوف بأن مسار الهجرة اليهودية سيكون إلى الولايات المتحدة، وطالب بأن يتم تقنين العملية وتنظيمها. ويمكن القول بقدر من التبسيط غير المخل بأن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تدور حول قطبين أساسيين هما: شرق أوربا (روسيا/بولندا) كقوة طاردة ومصدر للمادة البشرية، والولايات المتحدة كقوة جاذبة. وقد كان النمط الأساسي القديم للهجرة اليهودية هو تَحرُّك أعضاء الجماعات داخل أُطر الإمبراطوريات الكبرى (الفارسية أو الرومانية أو الإسلامية) ، أما في القرن العشرين فقد كانت هناك إمبراطوريتان أو قوتان عظميان تحددان من خلال سياستهما حركة هجرة أعضاء الجماعة اليهودية، وقد تَطوَّر الأمر بعض الشيء بعد ذلك في منتصف القرن العشرين. ولكن هناك مصادر أخرى ثانوية طاردة للمادة البشرية مثل أوربا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا أو بقايا يهود الشرق والعالم الإسلامي. كما أن هناك مناطق جذب ثانوية أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض بلاد أوربا. إلا أن النمط الأساسي الذي أشرنا إليه ظل سائداً. وتمثل إسرائيل نقطة مُبهَمة، فهي مصدر طَرْد حيث يبلغ عدد النازحين منها بين ٧٠٠ ألف ومليون، كما أنها مصدر جذب ليهود البلاد العربية والشرق حيث إنها تحقق حراكاً اجتماعياً. كما تمثل محطة انتقال لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الوصول إلى الولايات المتحدة مباشرةً أو أولئك الذين لا توجد عندهم الكفاءات المطلوبة للعمل فيها. ويمكن تقسيم هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث إلى المراحل التالية: أ) المرحلة الأولى: ابتداءً من القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر.

стр. 1195

وهي مرحلة البدايات الأولى للثورة التجارية الرأسمالية الصناعية في أوربا. وهي الفترة التي شهدت توطين السفارد من يهود المارانو في هولندا وفرنسا وإنجلترا، كما شهدت بدايات الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى العالم الجديد. وكانت الهجرة تتبع النمط التالي: تهاجر مجموعة صغيرة من السفارد (عادةً من كبار المموِّلين وعائلاتهم) يلحق بهم أعداد ضخمة من الإشكناز، كما حدث في أمستردام بعد استقلالها عن إسبانيا، وكما حدث في إنجلترا وفرنسا وبعض مدن ألمانيا. وقد زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أمستردام من ٢٠٠ سفاردي عام ١٦٩٠ إلى ٢٤٠٠ سفاردي و٢١ ألف إشكنازي عام ١٧٩٥. أما لندن، فقد كان يوجد فيها عام ١٦٩٥ نحو ٤٥٨ سفاردياً و٢٠٣ من الإشكناز. ومع حلول عام ١٧٢٠، زاد عدد الإشكناز عن عدد السفارد. وفي عام ١٨٠٠، كان يوجد ألفا سفاردي وحسب بين العشرين ألف يهودي. ولم يستوطن فلسطين أي عدد يذكر من اليهود في تلك المرحلة. ب) المرحلة الثانية: من القرن التاسع عشر حتى عام ١٨٨٠.
следующие страницы →