← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ومع إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي في المجتمع الغربي في القرن الحادي عشر، ومع ظهور طبقات من التجار والمموِّلين المسيحيين، تم طَرْد اليهود من إنجلترا في عام ١٢٩٠ (ويُقال إن عددهم كان لا يتجاوز أربعة آلاف) ، كما طُردوا من فرنسا عامي ١٣٠٦ و١٣٩٤، فاستقروا في بادئ الأمر في ألمانيا وإيطاليا وشبه جزيرة أيبريا، ولكنهم طُردوا أيضاً من إسبانيا في عام ١٤٩٢ ثم من البرتغال، فهاجروا أساساً إلى شمال أفريقيا وإلى إيطاليا وصقلية. كما هاجرت أعداد كبيرة (نصفهم كما يُقال) إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشجع اليهود على الهجرة إليها لتنشيط التجارة. ولقد تدخلت الدول الغربية لمنع هجرة اليهود منها خشية أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام المصرفي والمالي والتجاري، الذي كان اليهود يلعبون فيه دوراً أساسياً. وقد شهدت هذه الفترة سقوط مملكة الخزر اليهودية في القرن العاشر حيث هاجر سكانها إلى المجر ثم إلى بولندا. ومع أواخر العصور الوسطى، بدأت الإمارات الألمانية في طرد أعضاء الجماعات اليهودية. وقد ساهمت حملات الفرنجة، وهي تعبير عن إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي، في اجتثاث جذور أعضاء الجماعات في وادي الراين وغيره من المناطق، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى بولندا. ومعنى هذا، أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع نهايات العصور الوسطى (ابتداءً من القرن الرابع عشر) تأخذ مرة أخرى شكل هجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة نسبياً؛ من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا ومنها إلى بولندا، أي أنها هجرة إلى الماضي. وكان شرق أوربا هو الجهة الأخيرة تقريباً بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يُطردون من البلاد المتقدمة نتيجة ظهور طبقات تجار محليين مسيحيين، إذ لم تَعُد هناك جيوب متخلفة أخرى يستطيع اليهود التقهقر إليها في الغرب.

стр. 1192

وتجب الإشارة إلى أن الهجرة كانت تتم في هذه المرحلة بالتدريج وببطء شديد نتيجة عدم وجود وسائل مواصلات سريعة وطرق ميسرة كما هو الحال في العصر الحديث. وكثيراً ما كان اليهود المحليون يتصدون لليهود الوافدين لأنهم يشكلون خطورة اقتصادية عليهم، فكانوا يمارسون حق حظر الاستيطان، كما كان يهود البلاط يمنعون هجرة أي يهودي إلى المنطقة التي يتولون قيادتها. هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث Migrations of Memebers of Jewish Communities in Modern Times تغيَّر اتجاه هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع بداية عصر النهضة في أوربا لثلاثة أسباب أساسية: ١ ـ شهد عصر النهضة بدايات الانقلاب التجاري الرأسمالي الحقيقية بما تبعه من اكتشافات جغرافية ومشاريع استعمارية غربية: إسبانية وبرتغالية ثم هولندية وإنجليزية. وكانت إسبانيا والبرتغال قد طردتا اليهود من أراضيهما، أما هولندا وإنجلترا فقد فتحتا أبوابهما لهجرة اليهود نظراً لحاجتهما إلى أيد عاملة ورؤوس أموال وخبرات تجارية، ثم تبعتهما فرنسا. وأدَّى هذا الوضع إلى تَدفُّق المهاجرين اليهود إلى هذه البلاد وإلى مستعمراتها فيما بعد. ٢ ـ كانت الدولة العثمانية قد بدأت تدخل مرحلة الجمود التي أدَّت إلى سقوطها في نهاية الأمر، ولم تَعُد قادرة على استيعاب المزيد من اليهود. ٣ ـ وفي تلك المرحلة، كان معظم يهود أوربا مُركَّزين في بولندا التي شهدت ثورة الزعيم الشعبي الأوكراني بوجدان شميلنكي عام ١٦٤٨ والذي قاد ثورة الفلاحين الأوكرانيين ضد الاحتلال البولندي، وضد النبلاء البولنديين (شلاختا) المستفيدين من هذا الاحتلال، وضد عمال النبلاء وممثليهم من يهود الأرندا الذين كانوا يقومون بجمع الضرائب وتوقيع العقوبات على الفلاحين. وقد هزت هذه الثورة جذور الدولة البولندية على وجه الخصوص، ثم تبع ذلك غزو السويد وروسيا لها.

стр. 1193

وقد أدَّى تَزامُن هذه الأحداث (طرد اليهود السفارد من شبه جزيرة أيبريا، ثم اهتزاز الأساس الاقتصادي والسياسي لليهود الإشكناز في بولندا مع فَتْح أبواب الهجرة إلى أوربا الغربية، ودخول الدولة العثمانية في طور الجمود) ، إلى تغيير مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا وظهور النمط الحديث، أي هجرة اليهود من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في وسطها وغربها وإلى العالم الجديد. والهجرة اليهودية في العصر الحديث هي أساساً جزء من حركة الاستعمار الاستيطاني التي بدأت في القرن السادس عشر، خصوصاً التشكيل الأنجلو ساكسوني (بعد بداية قصيرة مع الاستعمار الإسباني ثم الهولندي) . وما الهجرة الصهيونية إلا تعبير عن هذا النمط العام. ومع هذا، ظلت الولايات المتحدة هي نقطة الجاذبية الأساسية للهجرة اليهودية من البداية حتى الوقت الراهن، للأسباب التالية: ١ ـ تشكل الولايات المتحدة أهم وأنجح تجربة استيطانية غربية. وقد اجتذبت ثم استوعبت أعداداً كبيرة من المهاجرين من أوربا بلغت أكثر من ٨٠% ٢ ـ الولايات المتحدة دولة علمانية لم تعرف أية تقاليد أو حتى أية رموز دينية إلا لفترة وجيزة للغاية من تاريخها، كما أنها نجحت في إقامة مؤسسات علمانية لاستيعاب وصَهْر المهاجرين و «أمركتهم» وأتاحت لهم فرصة الانتماء الثقافي الكامل لوطنهم الجديد الأمر الذي زاد من جاذبيتها، وذلك على عكس أمريكا اللاتينية التي احتفظت بكاثوليكيتها وبالتالي استبعدت البروتستانت واليهود. ٣ ـ كان اليهود يشكلون جماعة وظيفية مالية تعمل بالتجارة والمال، وبالتالي لم تكن بينهم أعداد كبيرة من العمال أو الفلاحين. والمجتمع الأمريكي هو مجتمع الاقتصاد الحر الذي يشكل القطاع التجاري والمالي أكبر قطاعاته، والذي سادت فيه القيم التجارية الموضوعية. ومن ثم فهو مجتمع ذو جاذبية خاصة بالنسبة إلى المهاجر اليهودي.

стр. 1194

وقد تنبأ المؤرخ الروسي اليهودي دبنوف بأن مسار الهجرة اليهودية سيكون إلى الولايات المتحدة، وطالب بأن يتم تقنين العملية وتنظيمها. ويمكن القول بقدر من التبسيط غير المخل بأن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تدور حول قطبين أساسيين هما: شرق أوربا (روسيا/بولندا) كقوة طاردة ومصدر للمادة البشرية، والولايات المتحدة كقوة جاذبة. وقد كان النمط الأساسي القديم للهجرة اليهودية هو تَحرُّك أعضاء الجماعات داخل أُطر الإمبراطوريات الكبرى (الفارسية أو الرومانية أو الإسلامية) ، أما في القرن العشرين فقد كانت هناك إمبراطوريتان أو قوتان عظميان تحددان من خلال سياستهما حركة هجرة أعضاء الجماعة اليهودية، وقد تَطوَّر الأمر بعض الشيء بعد ذلك في منتصف القرن العشرين. ولكن هناك مصادر أخرى ثانوية طاردة للمادة البشرية مثل أوربا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا أو بقايا يهود الشرق والعالم الإسلامي. كما أن هناك مناطق جذب ثانوية أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض بلاد أوربا. إلا أن النمط الأساسي الذي أشرنا إليه ظل سائداً. وتمثل إسرائيل نقطة مُبهَمة، فهي مصدر طَرْد حيث يبلغ عدد النازحين منها بين ٧٠٠ ألف ومليون، كما أنها مصدر جذب ليهود البلاد العربية والشرق حيث إنها تحقق حراكاً اجتماعياً. كما تمثل محطة انتقال لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الوصول إلى الولايات المتحدة مباشرةً أو أولئك الذين لا توجد عندهم الكفاءات المطلوبة للعمل فيها. ويمكن تقسيم هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث إلى المراحل التالية: أ) المرحلة الأولى: ابتداءً من القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر.

стр. 1195

وهي مرحلة البدايات الأولى للثورة التجارية الرأسمالية الصناعية في أوربا. وهي الفترة التي شهدت توطين السفارد من يهود المارانو في هولندا وفرنسا وإنجلترا، كما شهدت بدايات الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى العالم الجديد. وكانت الهجرة تتبع النمط التالي: تهاجر مجموعة صغيرة من السفارد (عادةً من كبار المموِّلين وعائلاتهم) يلحق بهم أعداد ضخمة من الإشكناز، كما حدث في أمستردام بعد استقلالها عن إسبانيا، وكما حدث في إنجلترا وفرنسا وبعض مدن ألمانيا. وقد زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أمستردام من ٢٠٠ سفاردي عام ١٦٩٠ إلى ٢٤٠٠ سفاردي و٢١ ألف إشكنازي عام ١٧٩٥. أما لندن، فقد كان يوجد فيها عام ١٦٩٥ نحو ٤٥٨ سفاردياً و٢٠٣ من الإشكناز. ومع حلول عام ١٧٢٠، زاد عدد الإشكناز عن عدد السفارد. وفي عام ١٨٠٠، كان يوجد ألفا سفاردي وحسب بين العشرين ألف يهودي. ولم يستوطن فلسطين أي عدد يذكر من اليهود في تلك المرحلة. ب) المرحلة الثانية: من القرن التاسع عشر حتى عام ١٨٨٠.

стр. 1196

وهي المرحلة التي وقعت فيها الحروب النابليونية والاضطرابات السياسية التي أعقبتها، الأمر الذي تَسبَّب في هجرة بعض الجماعات اليهودية من ألمانيا وبوهيميا والنمسا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها. ولم يزد عدد المهاجرين اليهود إلى خارج القارة الأوربية على ٢٠٠.٠٠٠. ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب، من بينها أن الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود اليديشية في شرق أوربا، والذي أدَّى إلى تَزايُد أعدادهم بين عامي ١٨٠٠ و١٩٣٣ بنحو ستة أضعاف، لم يكن قد ظهر أثره بعد، كما أنه وصل إلى ذروته بعد عام ١٨٨٠. وفضلاً عن ذلك، كان معظم يهود العالم مُركَّزين في شرق أوربا وروسيا وبولندا التي كان قد تم ضمها إلى روسيا. ولم تكن معدلات العلمنة والتحديث قد ازدادت بينهم بعد، الأمر الذي كان يعني أنهم لا يزالون جماعة متماسكة تَصعُب الحركة على أعضائها، كما كان كثير من اليهود لا يزالون يلعبون دورهم الاقتصادي التقليدي كجماعة وظيفية. وحتى عندما تزايدت عمليات التحديث والعلمنة في روسيا، وتركت تلك العملية أثرها على الجماعة اليهودية التي بدأت تفقد شيئاً من تماسكها وبدأ يختفي كثير من مؤسساتها التقليدية التي تربط بين الفرد والجماعة مثل الأسرة والدين، فإن هذا لم يتسبب في أية هجرة خارج أوربا إذ لم تكن محاولات التحديث في الإمبراطورية الروسية قد كابدت من التعثر بعد، وكان الاقتصاد الروسي قادراً على استيعاب اليهود الذين كانوا يتزايدون ويتركون قراهم وأماكن إقامتهم الأصلية. ولذا، فقد كانت هجرة اليهود داخلية؛ من المناطق الكثيفة سكانياً في منطقة الاستيطان إلى روسيا الجديدة على شواطئ البحر الأسود. كما هاجرت أعداد صغيرة إلى بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة.

стр. 1197

وشهدت هذه المرحلة هجرة يهود المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا (١٧٧٢ ـ ١٨١٥) . وفي بروسيا بالذات، كان يوجد عام ١٨٣٧ نحو ١٤٥.٣٦٤ يهودياً ٧٠% منهم (حوالي ١٠١.١٥٢) كانوا في المناطق البولندية، أي أن أغلبية يهود بروسيا كانوا مُركَّزين هناك. ولكن، مع عام ١٨٧١، تَناقُص عددهم عن طريق الهجرة إلى ألمانيا ذاتها، وأصبحت نسبة اليهود في المناطق البولندية ٣١.٨% ثم انخفضت عام ١٨٩٠ إلى ٢٤.٨% وإلى ١٧.٤% عام ١٩١٠. وقد اتجه هؤلاء اليهود إلى برلين التي ارتفع عدد اليهود فيها من ٤٧.٤٨٩عام ١٨٧١ إلى ١٨١.١٤١عام ١٩٢٥. وقد ساهم هذا الارتفاع في تغذية الدعاية العنصرية النازية بشأن تَكاثُر اليهود والخطر اليهودي ومحاولة سيطرة اليهود على كل شيء. جـ) المرحلة الثالثة: من عام ١٨٨١ حتى عام ١٩٣٩. وهي مرحلة الهجرة الكبرى اليهودية وغير اليهودية، والتي بدأت عام ١٨٨١ مع تَعثُّر التحديث في روسيا وتَزايُد العنصرية في كل أوربا، وانتهت عام ١٩٣٩ بصدور قوانين عام ١٩٢٤ التي حدَّت من هجرة يهود شرق أوربا، ثم بالكساد الاقتصادي وإغلاق أبواب الهجرة من روسيا تماماً.

стр. 1198

ووفقاً لإحصاءات الموسوعة اليهودية، بلغ عدد المهاجرين في هذه الفترة أربعة ملايين، في حين يذهب آرثر روبين إلى أن العدد أكبر من ذلك، فهو يرى أن الفترة من عام ١٨٨١ إلى عام ١٩٣٠ هاجر خلالها نحو ٣.٩٧٥.٠٠٠. فإذا أضفنا إلى ذلك، وفقاً لليستشنكي، الرقم ٥٠٧.٨٤٥ وهو عدد الذين هاجروا من عام ١٩٣١ إلى عام ١٩٣٩، فإن العدد الكلي يصبح ٤.٤٨٢.٨٤٥. ويجب أن نضيف إلى هذه الهجرة حركة اليهود داخل الإمبراطوريات العظمى في أوربا، الأمر الذي قد يصل بالعدد إلى خمسة ملايين. وقد أخذت الحركة داخل الإمبراطورية النمساوية اتجاهها من الشرق (جاليشيا وبكوفينا وبوزنان) إلى الغرب، وحدث الشيء نفسه في ألمانيا. أما في روسيا، فقد اتجهت الهجرة نحو الجنوب، إلى أوديسا ومناطق البحر الأسود. وكان عدد اليهود الذين انتقلوا في هذه الفترة من بلد أوربي إلى آخر هو ٣٥٠ ألفاً، ويرى روبين أنهم ٤٩٠ ألفاً. كما شارك اليهود في حركة الهجرة من القرية إلى المدينة، فزاد عدد يهود فيينا (بلدة تيودور هرتزل مؤسِّس الحركة الصهيونية) ، على سبيل المثال، من ستة آلاف في عام ١٨٥٧ إلى ٩٩ ألفاً في عام ١٨٩٠، وإلى ١٧٥ ألفاً عام ١٩١٠، وهي زيادة تمت أساساً عن طريق الهجرة حيث إن معدلات الزيادة الطبيعية كانت آخذة آنذاك في التناقص.

стр. 1199

وربما يكون الدافع الأكبر وراء الهجرة في هذه الفترة هو تَعثُّر محاولات التحديث في روسيا ثم تَوقُّفها تقريباً، وهو ما انعكس في شكل الاضطهاد الروسي القيصري ضد جميع الأقليات في الإمبراطورية. ولذلك هاجرت أعداد كبيرة من يهود الإمبراطورية الروسية إلى خارجها بحثاً عن مجالات جديدة للحراك الاجتماعي، وللحصول على الحقوق المدنية والسياسية. وكانت الأغلبية العظمى من المهاجرين اليهود من بين يهود اليديشية، ويهود روسيا على وجه الخصوص، حيث كانوا يشكلون ما بين ٧٠% و٨٠% من جملة يهود العالم، وقد كان عددهم نحو عشرة ملايين، وهو ما يعني أن نصفهم تقريباً، أي واحد من كل اثنين، كان في حالة حركة وهجرة وانتقال في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وهذه نسبة عالية للغاية ولا شك في أنها أسهمت في تفتيت كثير من المؤسسات والروابط والأواصر. ومع أن نسبة الهجرة بين يهود اليديشية كانت أعلى من نسبتها بين الإيطاليين، فإنها كانت أقل من نسبتها بين الأيرلنديين. وقد كان عدد الأيرلنديين عام ١٨٣٠ ثمانية ملايين يشكلون نصف سكان إنجلترا، وقد هاجر منهم أربعة ملايين بين عامي ١٨٣٠ و١٩٠٠.

стр. 1200

وهاجر معظم اليهود في الفترة من عام ١٨٨١ إلى عام ١٩١٤، خصوصاً الأربعة عشر عاماً الأخيرة منها. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد المهاجرين بلغ ٢.٧٥٠.٠٠٠. فإذا أنقصنا من هذا العدد حوالي ٢٥٠ ألفاً هاجروا داخل أوربا، وذلك على اعتبار أن عدد المهاجرين في الفترة من ١٨٨١ حتى ١٩٣٥ هو حوالي ٤٩٠ ألفاً، يكون عدد المهاجرين إلى خارج القارة هو ٢.٥٥٠.٠٠٠ بمعدل هجرة سنوية تصل إلى ١٣٥ ألفاً. وتُعَدُّ سنة الذروة هي ١٩٠٥ـ ١٩٠٦ حيث هاجر ما بين ٢٠٠ و٢٥٠ ألفاً في ذلك العام وحده. لكن الهجرة توقفت أثناء الحرب. وعند استئنافها عام ١٩٠٧، تَدفَّق السيل مرة أخرى إذ هاجر في ذلك العام وحده ١٤١ ألفاً. ثم صدر أول قانون لتحديد الهجرة في العام التالي، الأمر الذي أدَّى إلى تغيير الصورة. وإذا كانت روسيا نقطة الطرد الكبرى، فقد كانت الولايات المتحدة نقطة الجذب الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي أحرزت فيها الرأسمالية الأمريكية تَقدُّمها الضخم بعد أن هزمت الجنوب وفتحت أسواقه. وفي هذه الفترة، بدأت الرأسمالية الأمريكية تجربتها الإمبريالية في أمريكا اللاتينية والفلبين حيث كانت في حاجة ماسة إلى الأيدي العاملة التي لم يكن من الممكن تجنيدها من خلال الزيادة الطبيعية. وقد استوعبت الولايات المتحدة نحو ٨٥% من المهاجرين اليهود بل واستوعبت النسبة نفسها تقريباً من جملة المهاجرين في العالم. ولا توجد سجلات بأعداد المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة إلا ابتداءً من عام ١٨٩٩. وقد هاجر من روسيا في خلال ستة عشر عاماً (١٨٩٩ - ١٩٢٤) نحو مليون ونصف المليون يهودي. وفيما يلي جدول بأعداد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة من روسيا وغيرها في الفترة من عام ١٨٩٩ إلى عام ١٩١٤: ٣٧٤١٥ -١٨٩٩) مهاجر) (١٩٠٠ - ٦٠٧٦٤ مهاجر) (١٩٠١ - ٨٥٠٩٨ مهاجر (

стр. 1201

٥٧٦٨٨- ١٩٠٢) مهاجر) (١٩٠٣ - ٧٦٢٠٣ مهاجر) (١٩٠٤ - ١٠٦٢٣٦ مهاجر (١٢٩٩٠٠١٩٠٥) مهاجر) (١٩٠٦ - ١٥٣٧٤٨ مهاجر) (١٩٠٧ - ١٤٩١٨٢ مهاجر ( ١٠٣٣٨٧-١٩٠٨) مهاجر) (١٩٠٩ - ٥٧٥٥١ مهاجر) (١٩١٠ - ٨٤٢٦٠مهاجر ( ٩١٢٢٣-١٩١١) مهاجر) (١٩١٢ - ٨٠٥٩٥ مهاجر) (١٩١٣ - ١٠١٣٣٠ مهاجر ( ١٣٨٠٥١- ١٩١٤) مهاجر ( ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو ١.٥١٢.٦٣١. ويُعَدُّ عام ١٩٠٦ عام الذروة بالنسبة إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة. ويبلغ متوسط عدد المهاجرين سنوياً ٩٣ ألفاً، وقد استقر كل هؤلاء المهاجرين في الولايات المتحدة بشكل دائم، ولم يهاجر منهم سوى نسبة ضئيلة تبلغ ٨% مقابل ٣٠.٧٦% من بقية الجماعات المهاجرة، وكانت نسبة الأيرلنديين العائدين أقل إذ كانت لا تزيد على ٧%. وكان المهاجر اليهودي يصل إلى الولايات المتحدة ولديه النية في الاستقرار الدائم، وليس ادخار بعض الأموال ثم العودة إلى الوطن الأم، ومن ثم فقد كان يُحضر معه أسرته. وكانت نسبة النساء والأطفال بينهم عالية، فكان نحو ٤٤% من جملة المهاجرين اليهود من الإناث مقابل ٣١.٧% بالنسبة إلى الجماعات المهاجرة الأخرى. وكان ٢٤% من المهاجرين اليهود أطفالاً تحت سن الثالثة عشرة، أما في الجماعات الأخرى فكانت النسبة ١٢.٤%. وكان يوجد بين المهاجرين اليهود نسبة عالية من العمال الصناعيين تصل إلى ٦٦% من الأجراء، على عكس الإيطاليين والأيرلنديين الذين كانوا من أصول فلاحية. وبحسب إحصاءات الهجرة الأمريكية (١٨٩٩ - ١٩١٤) ، كان المهاجرون اليهود يشكلون ٣١% من جملة العمال الصناعيين، وكانوا يشكلون أحياناً الأغلبية المطلقة في بعض الفروع مثل صناعة الملابس. وكان عدد العمال الزراعيين بين اليهود هو ٢.٦% مقابل ٢٨.١% بالنسبة إلى جملة المهاجرين. وكان عدد العاملين في صناعة الملابس ٣٩.٦% وفي الصناعات الأخرى ٢٦% (أي ٦٥.٦% من الأجراء) مقابل ١٧.٨% بين غير اليهود. كما أن ٩.٢% من المهاجرين اليهود كانوا

стр. 1202

يعملون في التجارة والنقل مقابل ٦.٧% من جملة المهاجرين. وقد ساهم ذلك في سرعة اندماجهم في المجتمع وتحقيقهم حراكاً اجتماعياً أعلى مما حققته كثير من جماعات المهاجرين الأخرى. وهذا هو الذي ساهم في نهاية الأمر في «أمركتهم» الكاملة وفي تَركُّزهم في صناعات بعينها دون غيرها. وكان التركيب الإثني للمهاجرين اليهود خلال الفترة بين عامي ١٨٩٩ و١٩١٤ كما يلي حسب بلد الأصل: (روسيا - ٧١.٧%) (الامبراطورية النمساوية والمجرية - ١٦.٢%) (رومانيا ٤.٢%) (بريطانيا العظمى ٤%) (كندا ١.٢%) (المانيا ٠.٧%) (بلاد اخرى ٢.٠ (% ولكن معظم اليهود الذين جاءوا من خارج روسيا هم من يهود اليديشية أيضاً. وقد توقفت الهجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكن أبوابها فُتحت مرة أخرى عام ١٩١٤. وكان عدد المهاجرين في البداية ضئيلاً ثم أخذ في الازدياد إلى أن وصل إلى الذروة في عام ١٩٢١ ثم انخفض في أعوام ١٩٢٢ و١٩٢٣ و١٩٢٤ بسبب نظام النصاب. وفيما يلي بيان بأعداد المهاجرين: ١٩١٥ - ٢٦.٤٩٧) مهاجر) (١٩١٦ - ١٥١٠٨ مهاجر) (١٩١٧ - ١٧٣٤٢مهاجر ( ١٩١٨ – ٣٧٦٢) مهاجر) (١٩١٩ - ٣٠٥٥ مهاجر) (١٩٢٠ - ١٤٢٩٢ مهاجر ( ١٩٢١ – ١١٩٠٣٦) مهاجر) (١٩٢٢ - ٥٣٥٢٤ مهاجر) (١٩٢٣ - ٤٩٧١٩ مهاجر ( ١٩٢٤ – ٤٩٩٨٩) مهاجر ( ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو ٣٥٢.٣٢٤. ولنا أن نُلاحظ أن هذه الفترة الثانية هي فترة ظهور الصهيونية ونشاطها أيضاً. ولابد أن ندرك أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية الضخمة كانت مصدر قلق الدول الغربية، لخوفها على أمنها الداخلي، وليهود الغرب المندمجين الذين كان وصول يهود الشرق يهدد مكانتهم الاجتماعية.

стр. 1203

ويَنبُع تأييد الدول الغربية وأثرياء اليهود المندمجين للمشروع الصهيوني من مخاوفهم هذه. ومن هنا كان تَبنِّيهم لما نسميه «الصهيونية التوطنية» . ويمكن أن نضرب مثلاً على ذلك بإنجلترا التي اتجه إليها نحو ٢١٠ آلاف من المهاجرين اليهود في الفترة من عام ١٨٨١ إلى عام ١٩٣٥. وقد كان لوصولهم أثره في إثارة قلق السلطات البريطانية. وظهرت المحاولات الرامية إلى تحويل تيار الهجرة اليهودية بعيداً عن إنجلترا ابتداءً بمشروع شرق أفريقيا لإنشاء دولة صهيونية هناك، مروراً بقانون الأجانب عام ١٩٠٦ للحد من دخول اليهود إلى إنجلترا (وهو المشروع الذي كان بلفور من أكبر المدافعين عنه) ، وانتهاءً بوعد بلفور الذي حوَّل فلسطين إلى أرض يُلقَى فيها الفائض البشري اليهودي، كما كان يُطلَق على المهاجرين اليهود آنذاك. ولم يتجه إلى ألمانيا في الفترة نفسها سوى مائة ألف يهودي، ولكن هذا لا يتضمن اليهود الذين هاجروا من المقاطعات البولندية وهم من يهود اليديشية غير المندمجين. وبالتالي، قام النازيون بالدعاية ضد اليهود وببث السموم عن خطر التكاثر اليهودي والهيمنة اليهودية في وقت كانت فيه أعداد اليهود آخذة في التناقص الفعلي. وإذا كان بلفور قد حل المسألة اليهودية في إنجلترا بالتخلص من اليهود عن طريق إرسالهم إلى فلسطين، فإن هذا الحل لم يكن متاحاً لهتلر لعدم وجود مستعمرات لدى ألمانيا، ولهذا تَخلَّص منهم بإبادتهم.

стр. 1204

ونُلاحظ أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان في بداية الفترة ١.٨٠٦، وبلغ ٨.١٧٥ عام ١٩٢٣، أي بعد فتح أبواب الهجرة وإنشاء المؤسسات الصهيونية الاستيطانية، ثم قفز العدد إلى ١٣.٨٩٢عام ١٩٢٤. وشهدت الفترة من عام ١٩٢٥ إلى عام ١٩٣٣ احتدام الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية، وهو ما أدَّى إلى خوف كثير من الدول من الأيدي العاملة المهاجرة لأنها قد تؤدي إلى تفاقم ظروف البطالة فيها، فأخذت الدول تغلق أبواب الهجرة وتسمح بدخول المهاجرين بالقدر الذي تسمح به مقدرتها الاستيعابية، ومن هذه البلاد كندا والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا. وقد أدَّى تَصاعُد المقاومة العربية في فلسطين إلى الحد من الهجرة الاستيطانية، ولكن فلسطين ظلت مع هذا مفتوحة الأبواب أمام الهجرة. ولعل أكبر مَثَل على محاولة الدول الغربية الحد من الهجرة الأجنبية هو الولايات المتحدة التي أصدرت أولاً قانون النصاب في عام ١٩٢٣ وأعقبته بقانون جونسون في عام ١٩٢٤، حيث لم يكن يُسمَح ـ بحسب هذا القانون ـ إلا بهجرة ما يساوي نسبة ٢% من عدد أعضاء كل جماعة قومية تعيش في الولايات المتحدة وفق إحصاء عام ١٨٩٠. وقد عُرِّفت المجموعة القومية بنسبتها إلى البلد الأم وليس بنسبتها إلى الانتماء الديني أو الإثني. وكان العدد المسموح له بالهجرة من شرق أوربا وروسيا هو ١٠.٣٤١ مقابل نحو ٥٠ ألفاً عام ١٩٢٤ و١٥٣.٧٤٨عام ١٩٠٦. وكانت أعداد المهاجرين في تلك الفترة كما يلي: ١٩٢٥ - ١٠.٢٩٢) مهاجر) (١٩٢٦ - ١٠.٢٦٧مهاجر) (١٩٢٧ -١١.٤٨٣ مهاجر) ١٩٢٨ - ١١.٦٣٩) مهاجر) (١٩٢٩ - ١٢.٤٧٩مهاجر) (١٩٣٠ -١١.٥٢٦ مهاجر) ١٩٣١ - ١١٩.٦٩٢) مهاجر) (١٩٣٢ - ٢.٧٥٥مهاجر) (١٩٣٣ -٢.٣٧٢ مهاجر)

стр. 1205

أي أن الهجرة بلغت الحد الأقصى المسموح به حتى عام ١٩٣٠. وهكذا، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب ٨٥% من جملة المهاجرين اليهود في الفترة من عام ١٨٨١ إلى عام ١٩١٤، انخفضت النسبة إلى ٢٥% في الفترة من عام ١٩٢٦ إلى عام ١٩٣٠، وقد أغلق كثير من البلاد أبوابه. وكما يقول روبين، أصبحت معظم البلاد مُغلَقة أمام المهاجرين عام ١٩٣٣، ولم يبق أمامهم سوى فلسطين (المُستعمَرة) ، بمعنى أن الدول الغربية خلقت صهيونية بنيوية، أي بنية قانونية وظروفاً موضوعية تفرض على اليهود الهجرة إلى فلسطين شاءوا أم أبوا. وبالفعل، قفز عدد المهاجرين الاستيطانيين من ٤٠٠٠ عام ١٩٣١إلى ١٢.٥٥٣ عام ١٩٣٢ وإلى ٣٧.٣٣٧ عام ١٩٣٣. ولذا، يمكننا القول إن عنصر الطرد من الولايات المتحدة وليس الجذب إلى أرض الميعاد هو الذي حدد مسار الهجرة. ومع هذا، يُلاحَظ أن الفترة من عام ١٩٢٦ إلى عام ١٩٣٠، حيث كانت أبواب أمريكا اللاتينية أكثر انفتاحاً، هاجر إليها ٧٢.٣٨٧ من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم ١٧٢.٩٠٨ (أي ٤٢%) ولم يهاجر في الفترة نفسها سوى ١٠.١٧٩ إلى فلسطين.

стр. 1206

ورغم تَبَاكي الدول الغربية على مصير اليهود، فإن معظمها أوصدت أبوابها دونهم. كما أن المنظمات الصهيونية كانت تؤيد هذا الموقف انطلاقاً من العقيدة الصهيونية التي تدعو إلى توطين اليهود في فلسطين وفلسطين فقط. ومن هنا، كانت جهود الصهاينة المكثفة من أجل إفشال مؤتمر إفيان لحل مشكلة اللاجئين والمهاجرين ورَفْض أية عروض لتوطين اليهود خارج فلسطين لخَلْق ما سميناه «الصهيونية البنيوية» . وفي الفترة من عام ١٩٣٣ حتى عام ١٩٤٨،والتي يمكن أن تُسمَّى المرحلة النازية، بلغ عدد المهاجرين من ألمانيا النازية والبلاد التي يهيمن عليها النازيون، والمهاجرون من كل أوربا ٥٤٠ ألفاً، بخلاف عشرات الألوف من اليهود الذين هجَّرهم الاتحاد السوفيتي إبان الحرب لإنقاذهم، وعشرات الألوف الذين لجأوا إلى الاتحاد السوفيتي فراراً من النازي. وقد هاجر ٢٥٠ ألفاً (أي ٤٦%) منهم إلى فلسطين بسبب سياسة إغلاق الأبواب، وهاجر الباقون وهم ٢٩٠ ألفاً إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليها ١١٠ آلاف (أي ٢٠%) . وهاجر في الفترة من عام ١٩٤٠ إلى عام ١٩٤٨ نحو ٣٠٠ ألف يهودي، منهم ١٢٠ ألفاً (أي ٤٠%) إلى فلسطين. والباقون، وهم ١٨٠ ألفاً (أي ٦٠%) ، هاجروا إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليها ١٢٥ ألفاً (أي ٤٢%) . وهكذا أصبحت الولايات المتحدة، مرة أخرى، بلد الجذب الأكثر، حتى أثناء سنى الحرب والإبادة النازية. ويمكننا أن نقول إن المُستوطَن الصهيوني لم يشكل ملجأ ليهود أوربا، فمن مجموع ٧٥٠ ألف مهاجر (ويمكن أن نضيف إليهم مئات الألوف من المهاجرين إلى الاتحاد السوفيتي) لم يهاجر إلى فلسطين سوى ٣٧٠ ألفاً، أي أن مسار الهجرة لم يتجه إلى فلسطين رغم شراسة الصهيونية البنيوية ولا إنسانيتها. وفيما يلي جدول بعدد المهاجرين ونسبهم المئوية - حسب الموسوعة اليهودية - بين عامي ١٨٨١ و١٩٤٨.

стр. 1207

الولايات المتحدة من ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين ٢.٠٤٠.٠٠٠ بنسبة ٨٥% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين ٦٥٠٠٠٠بنسبة ٤١% كندا من ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين١٥٠٠٠٠بنسبة ٤% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين ٦٠٠٠٠بنسبة ٤% الارجنتين من ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين ١١٣٠٠٠ بنسبة ٥% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين١١٥٠٠٠بنسبة ٧% بقية امريكا الاتينية من ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين ١٤٠٠٠بنسبة ٠.٦% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين١٤٠٠٠٠بنسبة ٩% جنوب افريقيا من ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين ٤٣٠٠٠ بنسبة ٢% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين٢٥٠٠٠بنسبة ١.٦% فلسطين من ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين ٧٠٠٠٠ بنسبة ٣% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين٤٨٥٠٠٠بنسبة ٣٠% بلاد اخرىمن ١٨٨١ - ١٩١٤ عدد المهاجرين ١٥٠٠٠ بنسبة.٦% ومن ١٩١٥ - ١٩٤٨عدد المهاجرين١٢٥٠٠٠ بنسبة ٨% مجموع المهاجرين من ١٨٨١ -١٩١٤ (٢٤٠٠٠٠٠ مهاجر) مجموع المهاجرين من ١٩١٥ - ١٩٤٨ (١٦٠٠٠٠٠مهاجر)

стр. 1208

والجدول هنا يبيِّن أن الولايات المتحدة هي بلد الهجرة بلا منازع أو منافس. وتشغل الأرجنتين وكندا المرتبتين الثانية والثالثة، ولا تأتي فلسطين إلا في المرتبة الرابعة - وهي مرتبة رابعة تَجاوُزاً لأن مجموع عدد المهاجرين إليها يظل أقل كثيراً من مجموع عدد المهاجرين إلى بلاد الاستيطان الأخرى. أما في الفترة من ١٩١٥ إلى ١٩٤٨، فإن الولايات المتحدة كانت لا تزال تشغل المرتبة الأولى وكانت فلسطين تشغل مرتبة ثانية قريبة من المرتبة الأولى. ومن الطريف أن مجموع عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وكندا خلال الفترتين يساوي تقريباً عدد المهاجرين إلى فلسطين. ولكن أحد المصادر الأخرى يذهب إلى أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وحدها، من عام ١٨٨١ حتى عام ١٩٤٨، يعادل مجموع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وإذا استبعدنا الولايات المتحدة، وعقدنا مقارنة بين عدد المهاجرين إلى فلسطين من جهة وبقية بلاد العالم من جهة أخرى، لوجدنا أن عدد المهاجرين إلى فلسطين هو ٥٥٥ ألفاً مقابل ٦٨٢ ألفاً هاجروا إلى بقية بلاد العالم، أي أن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين أقل من عدد المهاجرين إلى بقية البلاد. وحتى في الفترة من عام ١٩١٥ إلى عام ١٩٤٨، وهي الفترة التي شهدت قمة النشاط الصهيوني، حيث فتحت حكومة الانتداب أبواب فلسطين أمام الهجرة الاستيطانية، وحيث أغلقت بلاد العالم الحر أبوابها دون المهاجرين اليهود وغير اليهود، كان عدد المهاجرين إلى فلسطين ٤٨٥ ألفاً مقابل ٤٦٥ ألفاً للبلاد الأخرى فيما عدا الولايات المتحدة. وكل هذه الإحصاءات تبيِّن أن فلسطين ليست نقطة الجذب لليهود كما تدَّعي الأدبيات الصهيونية وأن الحركة الصهيونية لم تُحرز نجاحاً فيما كانت تهدف إليه. ويُلاحَظ أن جميع البلاد التي يهاجر إليها اليهود هي بلاد شهدت تجارب استعمارية استيطانية أسسها الرجل الأبيض. ومن ثم، فإن الهجرة اليهودية ليست ظاهرة يهودية

стр. 1209

بمقدار ما هي جزء من الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية الغربية. د) المرحلة الرابعة: منذ عام ١٩٤٨ حتى الوقت الحاضر. وبانتهاء الأربعينيات، أصبحت الكتلة اليهودية الكبرى موجودة في الولايات المتحدة، مع وجود كتلة أخرى في أوربا آخذة في التناقص، ومع وجود أقليات متناثرة في أنحاء العالم. وقد ظهرت الكتلة اليهودية الاستيطانية في فلسطين، فأصبح هناك قطبان أساسيان يتنازعان هجرة اليهود هما الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، وكلاهما بلد استيطاني يستطيع المهاجر اليهودي أن يحقق فيه الحراك الاجتماعي الذي فشل في تحقيقه في بلده. ومع هذا، تشكل دول أخرى مثل أستراليا وفرنسا جاذبية خاصة بالنسبة إلى بعض المهاجرين اليهود. ويمكن أن نضيف بُعداً آخر يساعد على اتجاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، ألا وهو ميراث الجماعات اليهودية الاقتصادي كجماعة وظيفية تَركَّز أعضاؤها في قطاعات المال والتجارة. والواقع أن هذا يعني تأثرهم السلبي بالثورات القومية أو الاشتراكية التي تستولي على هذه القطاعات فتؤممها، أو تحاول صبغها بصبغة قومية، أو تتدخل فيها بما يُقلل من فرص الحراك أمام أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكننا في واقع الأمر أن نفسِّر حركة هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بكل تناقضاتها من منظور هذين العنصرين (الحراك الاجتماعي وميراث الجماعة الوظيفية الوسيطة) باعتبارها هجرة إلى بلاد الوفرة والاقتصاد الحر والاستقرار السياسي من بلاد الاقتصاد الاشتراكي والفقر والثورات القومية الاشتراكية:

стр. 1210

١ ـ فمثلاً يمكن تفسير الهجرة من الاتحاد السوفيتي على أنها تعبير عن ضيق يهود الاتحاد السوفيتي بالنظام الاشتراكي الذي يضيِّق الخناق على القطاع التجاري. وفي الإطار نفسه يمكن تفسير الظاهرة التي تُسمَّى في المصطلح الصهيوني «التَساقُط» ، أي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بزعم الهجرة إلى إسرائيل ثم تغيير الاتجاه والذهاب إلى بلد آخر هو الولايات المتحدة في العادة. فهم يفضلون الهجرة إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم تحقيق معدلات عالية من الحراك الاجتماعي، في حين لا تشكل إسرائيل أية جاذبية بالنسبة لهم. وقد هاجر يهود جورجيا بأعداد كبيرة إلى إسرائيل فحققت مثل هذه الهجرة لهم قسطاً من الحراك الاجتماعي، خصوصاً أن مؤهلاتهم لم تكن عالية، بينما نجد أن نسبة التَساقُط بين يهود أوكرانيا تصل إلى ٩٠% لأن مستواهم المعيشي مرتفع. وإذا نجح يلتسين في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح التجاري الذي يطمح إليه، فإننا نتصور أن أعداد المهاجرين ستتناقص لأن فرص الحراك الاجتماعي ستتزايد أمامهم. وبعد الانتفاضة الفلسطينية، التي خلقت جواً من عدم الاستقرار السياسي، وصلت نسبة التَساقُط بين اليهود السوفييت إلى ٩٠% من جملة المهاجرين. ومع هذا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية وإغلاق الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت إلى زيادة خروجهم من الاتحاد السوفيتي واستيطانهم في فلسطين. ولكنهم، على أية حال، يذهبون إلى إسرائيل بنيَّة التوجه إلى بلد آخر يحقق لهم طموحهم في الحراك الاجتماعي، وذلك عندما تسنح الفرصة.

стр. 1211

٢ ـ وقد ظل يهود إيران يمارسون نشاطهم تحت حكم الشاه، ثم خرجوا من إيران بأعداد هائلة بعد قيام الثورة الإيرانية لأنها حاولت أن تُوجِّه الاقتصاد وجهة لا تتفق مع معايير الاقتصاد الحر. وفي كوبا، كانت هناك جماعة يهودية، ولكن حينما حدثت الثورة الاشتراكية انخفض العدد إلى العُشْر، وذلك رغم أن الثورة الكوبية كانت تتبادل العلاقات الدبلوماسية مع إسرئيل ولم تقف في طريق النشاط الصهيوني ولم تُسئ معاملة اليهود على الإطلاق باعتراف المراجع الصهيونية. والشيء نفسه يُقال بالنسبة إلى يهود شيلي الذين تركوها حينما وصل أليندي بتَوجُّهه الاشتراكي إلى الحكم، وعادوا إليها مع بينوشيه ممثل الفاشية العسكرية. فارتباط أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من بلاد العالم بنمط إنتاجي معيَّن وعقلية تجارية محددة، وامتلاكهم خبرات إدارية ومهنية معيَّنة، جعل استمرارهم في المجتمع الجديد عسيراً، فهم «ضحايا التأميم» كما يقول أحد المراجع الإسرائيلية. ومع تزايد الثورات وعدم الاستقرار السياسي في أمريكا اللاتينية، يُلاحَظ زيادة هجرة أعضاء الجماعات. والوضع نفسه ينطبق على يهود جنوب أفريقيا، فمع تَزايُد ثورات السود يتجه أعضاء الجماعة إلى الولايات المتحدة.

стр. 1212

٣ ـ وربما تعود هجرة اليهود من البلاد العربية في الخمسينيات إلى مركب من الأسباب؛ منها قيام الدولة الصهيونية وما خلقته من مشاكل لليهود العرب، ومنها ارتباط عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية بالدول الاستعمارية. ومما لا شك فيه أن التحول البنيوي الذي خاضته بعض المجتمعات العربية، مثل المجتمعين المصري والسوري، وقيام تجارب تنموية تحت إشراف الدولة، قد ساهما بشكل عميق في عملية خروج اليهود، التي لا يمكن رؤيتها كظاهرة منفصلة عن خروج جماعات تجارية وسيطة أخرى مثل الإيطاليين واليونانيين من مصر ممن لم يستطيعوا التلاؤم مع إجراءات التمصير والتعريب والتأميم. وإلى جانب هذا، حققت إسرائيل ليهود البلاد العربية المهاجرين قسطاً من الحراك الاجتماعي باعتبار أن المستوى المعيشي في البلاد العربية أقل منه في إسرائيل. كما أن يهود البلاد العربية لم يكن لديهم الخبرات الكافية المطلوبة في الولايات المتحدة. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء نخبتهم الاقتصادية والثقافية هاجرت إلى فرنسا وغيرها من البلاد ذات المستوى المعيشي المرتفع الذي يفوق نظيره في إسرائيل والتي تتميَّز باقتصاد متقدم ومن ثم تحتاج إلى خبراتهم ورأسمالهم. ومن ناحية أخرى، هاجرت جماهير يهودية إلى فرنسا حينما سنحت لها الفرصة، فقد هاجر إليها معظم يهود الجزائر وأعداد كبيرة من يهود المغرب. ٤ ـ وفي هذا الإطار، يمكن تفسير ظاهرة هجرة يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، فالهجرة إلى إسرائيل لن تؤدي إلى أي تَحسُّن في مستوى معيشتهم. كما أن التجمع الصهيوني لن يمكنه استيعابهم بخبراتهم المهنية والإدارية المتقدمة.

стр. 1213

٥ ـ ويُلاحَظ أن يهود البلاد الغربية (أوربا والولايات المتحدة وكندا) لا يهاجرون إلى إسرائيل أو غيرها من البلاد الاستيطانية، فمثل هذه الهجرة ليس لها ما يبررها وفق نموذجنا التفسيري، وإن كان يُلاحَظ أن يهود إنجلترا يهاجرون بأعداد متزايدة إلى الولايات المتحدة، ربما لتفاقم الأزمة الاقتصادية في إنجلترا، فهي بلد ذات مستقبل اقتصادي مظلم على حد قول أحد المهاجرين البريطانيين اليهود إلى الولايات المتحدة. ٦ ـ بل يُلاحَظ أن هناك هجرة إسرائيلية متزايدة إلى الولايات المتحدة، شكلت ما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» يبلغ عددها في بعض الإحصاءات نصف مليون ومنهم عدد كبير من جيل الصابرا. ٧ ـ وفي الإطار نفسه أيضاً، يمكن تفسير هجرة أو تهجير يهود الفلاشاه تحت ظروف المجاعة، فهي هجرة سيحققون من خلالها حراكاً اجتماعياً كبيراً. ويمكن القول بأن مصادر المهاجرين إلى الدولة الصهيونية آخذة في النضوب، فأعضاء أكبر جماعة يهودية في العالم (في الولايات المتحدة) لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي إن هاجروا يتجهون إلى الولايات المتحدة. ويتبع يهود أمريكا اللاتينية وغيرهم النمط نفسه. وقد تمت تصفية يهود العالم الشرقي والإسلامي، فلم يبق سوى أفراد قلائل. وتُساهم معدلات الاندماج والزواج المختلط، وكذلك عزوف اليهود عن الإنجاب، في تَناقُص عدد اليهود الكلي وبالتالي تَناقُص عدد المهاجرين المحتمل، وهو ما يعني أن الوقود البشري للكيان الصهيوني لم يَعُد متوافراً بالكثافة نفسها. ولم يبق سوى الاحتياطي البشري الوحيد للكيان الصهيوني في الاتحاد السوفيتي. إلا أن خروج اليهود السوفييت وتَوجُّههم إلى إسرائيل يخضع للنمط نفسه الذي اقترحناه: شرق أوربا مصدر المادة البشرية، والولايات المتحدة مستورد لها. ولكن، كما أسلفنا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية، وإغلاق باب الهجرة إلى أمريكا، إلى تحويل هذه الأعداد إلى إسرائيل.

стр. 1214

ولابد من التفرقة بين الهجرة والتهجير؛ فالهجرة طوعية أما التهجير فهو قسري. ويمكن رؤية الحركة الصهيونية باعتبارها حركة تقف في وجه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة وتحاول تهجير اليهود من كل أنحاء العالم إلى إسرائيل. انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وعلاقتهم بفلسطين Diffusion of Memebers of Jewish Communities in the World and Their Relation to Palestine يدَّعي الصهاينة أن فلسطين التي يُطلقون علىها مصطلح «إرتس يسرائيل» أو «أرض الميعاد» ، أو ما شابه ذلك من مصطلحات دينية أخرى، هي مركز الوجدان اليهودي، وأنها النقطة التي يتجه إليها اليهود معنوياً حينما يعجزون عن الاستيطان فيها، وهي الأرض التي «يعودون» إلىها فعلىاً وبمحض إرادتهم من «المَنْفَى» أو «الشَتات» حينما تُفتَح أبوابها لهم. ويحاول الصهاينة أن يجدوا تبريراً دينياً أو عرْقياً أو إثنياً لرؤيتهم هذه. كما يقدِّمون رؤية للتاريخ تساند هذه الرؤية، ولذلك فإنهم يجتزئون من الوقائع والحقائق ما يدعم رؤيتهم ويستبعدون ما عدا ذلك. وإذا نظرنا إلى الرؤية الصهيونية من الناحية الدينية، لوجدنا أنها تتعارض مع واحد من أهم التيارات داخل اليهودية الحاخامية، التي تُحرِّم على اليهودي أن يعود إلى صهيون (فلسطين) ، إذ أن عليه الانتظار حتى يأذن الرب له بذلك، وأية محاولة للعودة هي بمنزلة الهرطقة والتعجيل بالنهاية. ولذلك، فلا يوجد في يهودية العصور الوسطى، أي في معظم التاريخ الديني لليهودية، أي حديث عن العودة إلا باعتبارها حدثاً دينياً يتم بمشيئة الرب. ومع هذا، يجب أن نشير إلى أن اليهودية، بوصفها تركيباً جيولوجياً، تحوي تياراً حلولياً قوياً يشجع على العودة الفعلىة. وإذا كانت هناك نزعة صهيونية في النسق الديني اليهودي، فهي نزعة كامنة مع مئات النزعات الأخرى.

стр. 1215

هذا من الناحية الدينية. أما من الناحية التاريخية، فالأمر أكثر تحدُّداً وتعيُّناً، إذ يدل تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية على أن المسرح الذي دارت فيه أحداث هذه التواريخ لم يكن فلسطين، باستثناء فترة قصيرة للغاية. وحتى حينما كان يوجد في فلسطين حكم يهودي مستقل، لم تكن فلسطين دائماً مركزهم وإطارهم المرجعي، إذ كان لكل جماعة حركياتها المستقلة وتوجهاتها التي يُحتِّمها عليها وضعها الاجتماعي والثقافي المرتبط بوضع البلد الذي توجد فيه. ولذا، يمكن أن نقول إن الحقيقة الأساسية في تواريخ الجماعات اليهودية هي انتشارها في كل أنحاء الأرض وليس تَمركُّزها في فلسطين. والقراءة الصهيونية لتواريخ الجماعات اليهودية، والتي ترى أن اليهود قد تم تشتيتهم قسراً من فلسطين، وأنهم لو تُركوا وشأنهم لعادوا تلقائياً وبشكل طوعي إليها، هي قراءة متحيزة ومغلوطة. فتاريخ العبرانيين في بداياته السديمية يبدأ بهجرة إبراهيم من أور إلى أرض كنعان ومنها إلى مصر. كما هاجر يعقوب ويوسف فيما بعد إلى مصر أيضاً. والهجرة من مكان إلى آخر نمط أساسي في حياة العبرانيين في فترة الآباء (٢٠٠٠ ق. م) التي تنتهي بالـ «خروج» ، أي هجرة موسى وقومه من مصر. وقد آثر بعضهم، بحسب الرواية التوراتية، الاستمرار في الحياة بمصر، فخرج مع موسى «اللفيف» ، أي مجموعات عرْقية أخرى غير عبرية وغير متجانسة. وبعد التسلل العبراني إلى أرض كنعان، وبعد اتحاد القبائل العبرانية فيما يعرف باسم «المملكة العبرانية المتحدة» والتي انقسمت إلى المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية، تم تهجير أعداد كبيرة من العبرانيين إلى آشور (٧٢٠ ق. م) ثم إلى بابل (٥٨٠ ق. م) . ولكن أغلبيتهم العظمى آثرت البقاء خارج فلسطين، حتى بعد أن أصدر قورش الأخميني مرسومه الذي سمح بعودة اليهود إلى فلسطين، ولكن يبدو أن الفقراء فقط هم الذين عادوا. كما كانت هناك فرقة المرتزقة اليهود في جزيرة إلفنتاين التي

стр. 1216

استمرت في وجودها على حدود مصر الجنوبية. ورغم إعادة بناء الهيكل وقيام السلطة الكهنوتية في فلسطين، تحت رعاية الفرس أول الأمر ثم اليونانيين بعد ذلك، حدثت هجرة يهودية طوعية كبيرة من فلسطين في عهد البطالمة، وقد استعان هؤلاء بالجنود اليهود المرتزقة الذين استقروا في مصر مع أُسَرهم. كما هاجرت إلى مصر أعداد أخرى من اليهود لأسباب اقتصادية، فكان منهم الفقراء والأغنياء والفلاحون والرعاة والجنود المرتزقة والقادة العسكريون. وقد أسس البطالمة مستعمرات في برقة كان يوجد فيها يهود. كما ظهرت جماعات من اليهود في مدن آسيا الصغرى بعد أن استولى السلوقيون على فلسطين بعد عام ٢٠٠ ق. م، فقام أنطيوخوس الثالث بنقل عدة آلاف جندي يهودي (هم وأُسَرهم) من بابل إلى آسيا الصغرى. وكانت توجد جماعات يهودية في اليونان ومقدونيا على شواطئ البحر الأسود والبلقان وبلغاريا وأرمينيا وقبرص وقرطاجة وبرقة. ويُلاحَظ أن قيام الأسرة الحشمونية اليهودية في فلسطين، التي تمتعت بقدر من الاستقلال السياسي في بعض مراحلها، لم يُغيِّر هذه الصورة العامة لانتشار أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين. وحينما ظهرت روما بوصفها قوة عظمى وفرضت إطاراً سياسياً مُوحَّداً على منطقة البحر الأبيض المتوسط، يسَّر ذلك انتشار اليهود فظهروا أولاً عبيداً في العاصمة، ثم هاجرت أعداد منهم وأصبحت مدن جنوب إيطاليا مراكز يهودية مهمة. وكانت توجد جماعات يهودية في الغال (فرنسا) ،وفي المدن الرومانية العسكرية على نهر الراين.

стр. 1217

وكانت الإسكندرية تضم جماعة يهودية كبيرة (في العصر الهيليني ثم الروماني) تتحدث أغلبية أعضائها اليونانية أو اللاتينية. كما كانت أسماؤهم والنقوش التي على قبورهم يونانية ولاتينية في الغالب، عبرية في النادر. أما وثائق الزواج والدفن الخاصة بهم، فلم تكن تختلف عن الوثائق الخاصة ببقية المواطنين. وكان ليهود مصر هيكلهم الخاص في لينتوبوليس، حيث كانت جماعتهم الدينية والفكرية مستقلة إلى حدٍّ كبير عن هيكل فلسطين، ولذا استمرت هذه الجماعات اليهودية في حياتها الدينية والثقافية المستقلة بعد هدم هذا الهيكل. وربما كان أكبر دليل على أن الإسكندرية كانت مركز جذب أقوى من فلسطين ذاتها أنه حينما وقعت فيها بعض الاشتباكات بين اليهود والمواطنين الهيلينيين، أصدر الإمبراطور الروماني قراراً يحذر فيه اليهود من تشجيع هجرة إخوانهم من فلسطين.

стр. 1218

وقد قدَّر الفيلسوف السكندري اليهودي فيلون أن عدد يهود مصر في القرن الأول الميلادي كان مليوناً، بينما كان يُقدَّر عدد اليهود في الأماكن الأخرى (ومنها فلسطين) بمليونين ونصف المليون. ويرى آرثر روبين أن عدد اليهود كان، في واقع الأمر، أربعة ملايين ونصف المليون، يوجد منهم مليون في فلسطين والباقون خارجها. وقد لا تتسم هذه الأرقام بالدقة، فهي في معظمها تستند إلى التقديرات التخمينية. وثمة إحصاءات أخرى ترى أن عدد اليهود في سوريا ومصر وآسيا الصغرى كان ثلاثة ملايين، وأن مليوناً رابعاً كان يوجد في مناطق متفرقة أخرى داخل الإمبراطورية الرومانية ومليوناً خامساً في بابل. أما فلسطين، فيُقال إنها كانت تضم مليونين فقط، وأن نصف مليون من سكان فلسطين كانوا مواطنين يونانيين وعناصر بشرية أخرى غير يهودية. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد يهود العالم في تلك الفترة كان ثمانية ملايين، لم يكن منه سوى مليونين ونصف المليون في فلسطين. ولكن، أياً كان الأمر، ثمة إجماع على أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين كان يفوق عدد اليهود داخلها قبل أن يقوم تيتوس بهدم الهيكل، وأن عدد يهود الإسكندرية كان يفوق عدد يهود القدس وربما فلسطين كلها. ولهذا، فإن محاولة ربط انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم بواقعة هدم الهيكل وسقوط القدس، واعتبار ذلك تشتيتاً قسرياً، هي من قبيل التفكير الأسطوري المتحيز لآراء مسبقة.

стр. 1219

وقد استمر انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم بعد ضمور واختفاء المركز الديني في فلسطين. وقد كان لهذا الانتشار أعمق الأثر في تمايز اليهود وظيفياً واقتصادياً وتَحوُّلهم إلى جماعة أو جماعات وظيفية تضطلع بوظائف التجارة والربا. ويمكننا أن نضيف أن علاقة الانتشار بعملية تَحوُّل اليهود إلى جماعات وظيفية هي علاقة سبب ونتيجة في آن واحد. فقد ساهم الانتشار ـ ولا شك ـ في تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات تجارية ومالية وسيطة، ذلك أن الوظائف التجارية والمالية هي وظائف يضطلع بها الوافدون الجدد دائماً. وقد كوَّنت الجماعات اليهودية الوظيفية شبكة تجارية عالمية ضخمة في العالمين الإسلامي والمسيحي، وكانت لهم مراكز في الغرب (في إسبانيا وغيرها من الدول) ،وفي معظم ربوع العالم الإسلامي. ولكن تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة زاد بدوره من عملية الانتشار ودعمها وكرَّسها ووسع نطاقها. ومثلما اتجهت الجماعات اليهودية إلى أنحاء العالم كافةً، اتجهت بعض جماعات من اليهود إلى الهند والصين واستقرت فيها. وظل هذا الوضع من الانتشار قائماً خلال العصور الوسطى في الغرب، فلا نسمع عن أية محاولات يهودية للعودة إلى فلسطين. ومع طَرْد اليهود من إسبانيا، وجد يهود المارانو ملجأً لهم في الإمبراطورية العثمانية، وفي بعض الدول الأوربية مثل هولندا. وكان اليهود من رعايا السلطان العثماني يتمتعون بحرية الهجرة إلى فلسطين أو منها، إلا أن اللاجئين الأوربيين والرعايا اليهود كانوا ينجذبون إلى إستنبول والقاهرة ودمشق وغير ذلك من حواضر الإمبراطورية التي كانت تتمتع بأوضاع أفضل اقتصادياً وسياسياً بالمقارنة مع فلسطين. أما بالنسبة ليهود الخزر، فقد اتجهوا نحو شرق أوربا (إلى المجر فبولندا) ، وذلك بعد تحطيم إمبراطوريتهم الصغيرة على يد الروس أولاً ثم على يد المغول في القرن الثاني عشر، ولا نعرف أية جماعة منهم اتجهت إلى فلسطين.

стр. 1220

ومع عصر النهضة والاكتشافات والاستعمار الغربي والإصلاح الديني، بدأت في أوربا المسيحية إرهاصات الفكر الاسترجاعي؛ أي إعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أن عودتهم هي التمهيد لعودة المسيح. ولكن هذا الفكر لم يؤثر في الجماعات اليهودية في بادئ الأمر، سواء في الشرق أو في الغرب، بل ظل تفكيراً مسيحياً بروتستانتياً بالدرجة الأولى. ولا نسمع عن دعوات يهودية للعودة إلى فلسطين والاستيطان فيها إلا مع الانفجارات المشيحانية مثل حركة الماشيَّح اليهودي الدجال شبتاي تسفي في القرن السابع عشر، وهي الانفجارات التي وقف ضدها حاخامات اليهود. ويظهر الفكر الصهيوني اليهودي لأول مرة، في منتصف القرن التاسع عشر، مع انتشار الفكر القومي والعنصري والإمبريالي. ولكن، حتى بعد أن ظهرت الحركة الصهيونية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، فقد عارضتها جميع المنظمات اليهودية المعروفة في ذلك الوقت، ولم تتمكن من عقد مؤتمرها في ميونيخ حيث وُجدت واحدة من أكبر الجماعات اليهودية وبسبب احتجاج حاخاماتها، اضطرت إلى نقله إلى بازل حيث كانت هناك جماعة صغيرة بلا أهمية تُذكَر.

стр. 1221

لكل ما تَقدَّم، يصبح من العسير الحديث عن «نفي» اليهود أو عن تَطلُّعهم الدائم للهجرة إلى فلسطين، فحركة انتشارهم في العالم لا يمكن تفسيرها في إطار مركز جذب صهيوني في فلسطين، مقابل أطراف هامشية في كل أنحاء العالم. ولمحاولة فهمها بعيداً عن التحيزات الصهيونية العميقة المسبقة، سنحاول أن نرصد بعض الآليات التي تشجع على الانتشار وتساهم فيه وتُيسِّره. ويمكننا أن نقول أولاً إن انتشار أعضاء الجماعات اليهودية مرتبط أساساً بالإمبراطوريات العظمى التي توفر شبكة المواصلات والإطار القانوني الموحَّد، وهما تعبير عن رغبة الإمبراطورية في تشجيع التجارة. وقد تأسست الجماعة اليهودية في بابل في إطار الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، واتسعت دائرة الانتشار مع الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية. وحدث الشيء نفسه مع الدولة الإسلامية ثم العثمانية. وقد كانت بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط الساحة الأساسية لانتشار الجماعات اليهودية، وظلت مراكز اليهود الأساسية فيه هي: روما وإسبانيا والمغرب والدولة العثمانية وسالونيكا وإيطاليا وفرنسا. أما الجماعات التي وجدت في الصين والهند وإثيوبيا والجزيرة العربية، فهي جماعات صغيرة ليست ذات أهمية كبيرة.

стр. 1222

وقد ظل هذا هو النمط الأساسي إلى أن استقر اليهود في شرق أوربا وحدث الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في القرن التاسع عشر، بحيث أصبحت أغلبية يهود العالم توجد داخل إطار الإمبراطورية الروسية التي كانت تعاني من تَعثُّر التحديث. ومن ثم فإنها لم تحقق لأعضاء الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات ما كانوا يطمحون إلىه من حراك اجتماعي، كما أنها لم تكن تشجع المواطنين على الحركة. وكان الاستثناء الوحيد هو تشجيع اليهود على الاستيطان في روسيا الجديدة على ساحل البحر الأسود. ومن هنا كانت أكبر حركات انتشار اليهود في التاريخ هي انتقال الكتلة البشرية اليهودية (بأكملها تقريباً) من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد. وقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية من حركة المواصلات ومن وجود بنية قانونية دولية. كما استفادوا من الحركة الإمبريالية الغربية، خصوصاً الجانب الاستيطاني منها (والتشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص) . ومما يجدر ذكره، أن الحضارة الغربية كانت تنظر إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية استيطانية، ولذا فإن الانتشار اليهودي الحديث يتبع حركة الاستيطان الغربي بمعنى أنها حركة داخل إطار الإمبراطورية الإمبريالية الجديدة، ولا تختلف كثيراً عن حركة الجماعات اليهودية داخل الإمبراطوريات القديمة. وقد بدأ الاستيطان اليهودي في دول أمريكا اللاتينية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا. ولكن الولايات المتحدة، أهم التجارب الاستيطانية الغربية على الإطلاق، كانت مركز الجاذبية الأكبر، وقد اتجهت الجماهير اليهودية إلىها أساساً حتى أصبحت تضم أكبر التجمعات اليهودية وأكثرها قوة. ويمكن القول بأن معظم الدول التي انتشر فيها اليهود هي دول ساد فيها الاقتصاد الحر والوفرة الاقتصادية وتُحقِّق نوعاً من الحراك الاجتماعي للوافدين إليها.

стр. 1223

وتُعَدُّ فلسطين آخر بلد للاستيطان اليهودي في العصر الحديث وأقلها جاذبية، ربما لأنها لا تقع في وسط العالم الغربي الذي يتجه إليه معظم يهود العالم في العصر الحديث وإنما تقع على أطرافه، أي أن نمط الهجرة من منظور المركز الفلسطيني لا يختلف في القرن الأول من الألف الأول الميلادي عنه في القرن الأخير من الألف الثاني، فهي هجرة لا تتجه إليه وإنما هي هجرة تتجه بعيداً عنه. حركة هجرة اليهود في العالم من ١٨٤٠ - ١٩٤٢ وجدول (١) يبيِّن حركة هجرة اليهود في العالم من ١٨٤٠ إلى ١٩٤٢، وهي أهم فترات الهجرة. يُلاحَظ من جدول (١) أنه من مجموع ٣.٩١٧.٣٨٨ من المهاجرين، لم يتجه سوى ٣٧٨.٩٥٦ إلى فلسطين في فترة مائة عام تمتد من ١٨٤٠ حتى عام ١٩٤٢، وذلك رغم كل النشاط الاستعماري والصهيوني المكثف. ومن الطريف أن هذا العدد مساو تقريباً لعدد اليهود الذين اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها، (٣٧٦.٢٢٧) بفارق ٢.٦٢٩ يهودياً. ولو استبعدنا الهجرة فيما بعد عام ١٩٣١ حيث أغلقت أمريكا اللاتينية أبوابها، فسنكتشف أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية كان ٢٧٠.٦٠١ مقابل ١٢٥,٩٤٤إلى فلسطين. بل إن بلداً واحداً مثل الأرجنتين هاجر إليه ١٩١.٥٥١، أي أكثر من كل الذين هاجروا إلى فلسطين في الفترة نفسها (وبحسب إحصاءات روبين، كان يوجد في الأرجنتين في عام ١٩٣٠ نحو ٢٢٠ ألفاً و٢٩١ ألفاً في أمريكا اللاتينية كلها) . كما أن بلداً مثل كندا كان يضم ١٥٠ ألف يهودي في عام ١٩٣٠، بينما كانت فلسطين لا تضم سوى ١٧٠ ألفاً. ولكن التحدي الأكبر لأرض الميعاد كان يأتي من البلد الذهبي أو «الجولدن مدينا» ، أي الولايات المتحدة. ففي الفترة التي نشير إلىها، هاجر إلى الولايات المتحدة ٢.٨٠١.٨٩٠ مقابل ٣٧٨.٩٥٦ هاجروا إلى فلسطين. عدد المهاجرين إلى كل من الولايات المتحدة وفلسطين فى الفترة ١٩١٥- مايو ١٩٤٨ (جدول ٢ (

стр. 1224

١٩١٥) الولايات المتحدة ٢٦٤٩٧ فلسطين ٠) (١٩١٦ الولايات المتحدة ١٥١٠٨ فلسطين ٠) (١٩١٧ الولايات المتحدة ١٧٣٤٢ فلسطين ٠ ١٩١٨) (الولايات المتحدة ٣٦٧٢ فلسطين ٠) (١٩١٩ الولايات المتحدة ٣٠٥٥فلسطين١٨٠٦ ١٩٢٠) الولايات المتحدة ١٤٢٩٢فلسطين٨٢٢٣) (١٩٢١الولايات المتحدة١١٩٠٣٦فلسطين٨٢٩٤) (١٩٢٢الولايات المتحدة٥٣٥٢٤فلسطين٨٦٨٥) (١٩٢٣الولايات المتحدة٤٩٧١٩فلسطين٨١٧٥) (١٩٢٤الولايات المتحدة ٤٩٩٨٩فلسطين١٣٨٩٢) (١٩٢٥ الولايات المتحدة ١٠٢٩٢فلسطين٣٤٣٨٦) (١٩٢٦ الولايات المتحدة ١٠٢٦٧فلسطين١٣٨٥٥) (١٩٢٧الولايات المتحدة ١١٤٨٣فلسطين٣٠٣٤) (١٩٢٨ الولايات المتحدة ١١٦٣٩ فلسطين٥٢٤٩) (١٩٢٩ الولايات المتحدة ١٢٤٧٩ فلسطين ٥٢٤٩) (١٩٣٠ الولايات المتحدة ١١٥٢٦ فلسطين ٤٩٤٤) (١٩٣١ الولايات المتحدة ٥٦٩٢ فلسطين ٤٠٧٥) (١٩٣٢ الولايات المتحدة ٢٧٥٥ فلسطين ١٢٥٥٣) (١٩٣٣ الولايات المتحدة ٢٣٧٢ فلسطين ٣٧٣٣٧) (١٩٣٤ الولايات المتحدة ٤١٣٤ فلسطين ٤٥٢٦٧) (١٩٣٥الولايات المتحدة ٤٨٣٧ فلسطين ٦٦٤٧٢) (١٩٣٦ الولايات المتحدة ٦٢٥٢ فلسطين ٢٩٥٩٥) (١٩٣٧ الولايات المتحدة ١١٣٥٢ فلسطين١٠٦٢٩) (١٩٣٨ الولايات المتحدة ١٩٧٣٦ فلسطين ١٤٦٧٥) (١٩٣٩ الولايات المتحدة ٤٣٤٥٠ فلسطين ٣١١٩٥) (١٩٤٠ الولايات المتحدة ٣٦٩٤٥ فلسطين ١٠٦٤٣) (١٩٤١ الولايات المتحدة ٢٣٧٣٧ فلسطين ٤٥٩٢) (١٩٤٢ الولايات المتحدة ١٠٦٠٨ فلسطين ٤٢٠٦) (١٩٤٣ الولايات المتحدة ٤٧٠٥ فلسطين ١٠٠٦٣) (١٩٤٤ الولايات المتحدة ١٥٥٥٢) (١٩٤٥ الولايات المتحدة ١٥٢٥٩) (١٩٤٦ الولايات المتحدة ١٨٧٦٠) (١٩٤٧ الولايات المتحدة ٢٢٠٩٨) (١٩٤٨ الولايات المتحدة ١٧١٦٥ (

стр. 1225

ويُلاحَظ من جدول (٢) أن الولايات المتحدة استوعبت نحو ٢.٠٠٠.٠٠٠ مهاجر يهودي من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم ٢.٦٥٠.٠٠٠ والذين أتوا أساساً من أوربا الشرقية ثم الوسطى، أي أنها استوعبت حوالي ٨٦% من مجموع المهاجرين اليهود. وقد استقر نحو ٣٥٠ ألف مهاجر يهودي في أوربا الغربية، ونحو ٣٠٠ ألف في باقي بلدان العالم، واستوعبت كندا نحو ٤% والأرجنتين ٥% وجنوب أفريقيا ٢%. ولم يستوطن فلسطين سوى ٥٠ ألفاً، أي حوالي ٢% من مجموع المهاجرين. وقد استمر الوضع على ذلك في الفترة ١٩١٥ - ١٩٣١، أي قبل ظهور هتلر، إذ استوعبت الولايات المتحدة ٥٥% من مجموع ٧٦٠ ألف مهاجر يهودي واستوعبت كندا ٦%، والأرجنتين ١٠%، واستوعبت بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى ٩%، وجنوب أفريقيا ٢%، والبلاد الأخرى ٣%. ولم يستوطن فلسطين سوى ١٥% على الرغم من أنه لم تكن توجد آنذاك قيود على الاستيطان فيها. ولم يحدث أي تغيير إلا بعد إغلاق أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة ثم إلى بلاد الاستيطان الأخرى في أوربا وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا.

стр. 1226

وقد بلغ الاستيطان اليهودي في فلسطين ذروته في الفترة بين عامي ١٩٣٢ و١٩٣٩، حيث استوطن فلسطين حوالي ٤٦% من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم ٥٤٠ ألفاً، ولم يستوطن الولايات المتحدة سوى ٢٠%. وقد بلغ عدد المستوطنين الصهاينة في الفترة ١٩٣١ ـ ١٩٣٥، أي خلال أربعة أعوام، حوالي ١٤٧.٥٠٢ (١٦٥.٧٠٤ بحسب تقديرات الموسوعة اليهودية) وهو عدد يساوي عدد كل المستوطنين الموجودين بالفعل والذين كانوا قد استوطنوا فلسطين خلال الفترة من عام ١٨٨٢ إلى عام ١٩٣٠. وفي الفترة من عام ١٩٣٦ إلى عام ١٩٣٩، هاجر ٧٥.٥١٠ تَذكُر الموسوعة اليهودية هذا الرقم على أنه ٨٦.٠٤٩) . وشهدت الفترة بين عامي ١٩٤٠ و ١٩٤٨ تَحوُّلاً طفيفاً في نمط الهجرة إذ اتجه ١٢٥ ألف مهاجر يهودي من مجموع ٣٠٠ ألف، أي ٤٢% من مجموع المهاجرين، إلى الولايات المتحدة، واتجه إلى فلسطين ١٢٠ ألفاً أي ٤٠% فقط. وقد أدَّى هذا إلى ظهور كثافة سكانية يهودية في فلسطين لم تكن موجودة قبل وصول هتلر إلى الحكم، فكأن الفوهرر نجح خلال ثمانية أعوام، عن طريق خَلْق الظروف الموضوعية لهجرة الىهود من أوربا، في إنجاز ما لم تنجح الحركة الصهيونية والاستعمار العالمي في إنجازه خلال نصف قرن (١٨٨٢ ـ ١٩٣١) ، أي أن الصهيونية الموضوعية البنيوية أكثر كفاءة وفعالية من الصهيونية العقائدية. فقد هاجر في تلك الفترة نحو ثلاثة ملايين يهودي من وطنهم الأصلي ولم تتجه سوى قلة منهم إلى فلسطين. ومع هذا، لا يمكن إنكار دور الصهيونية والاستعمار في خلق هذا الموقف الصهيوني البنيوي. والواقع أن الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة، أوصدت بابها دون اللاجئين اليهود وغير اليهود بسبب ظروف الكساد الاقتصادي. أما الصهاينة، فقد أبرموا مع النازيين معاهدة الهعفراه التي ساهمت في توجيه هجرة يهود ألمانيا إلى فلسطين بحيث يتحولون إلى مستوطنين. وقد سمحت لهم السلطات الألمانية بأخذ جزء كبير من ثرواتهم معهم.

стр. 1227

ويمكننا أن نَخلُص من ذلك إلى أن فلسطين لا تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم، وإلى أن اليهود هاجروا إلىها بسبب عوامل الطرد الحادة في أوربا وعدم وجود منافذ أخرى لا بسبب عوامل الجذب فيها. ولعل الاستثناء الأساسي الآخر من النمط العام لهجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث هو الفترة الممتدة من ١٩٤٨ حتى أواخر الخمسينيات، حيث قامت الحركة الصهيونية بحركة ضغط هائلة لنقل اللاجئين اليهود من ضحايا الحرب العالمية الثانية إلى فلسطين. وفي الفترة نفسها، أدَّى إعلان الدولة اليهودية، ونشاط العملاء الصهاينة، وجَهْل بعض الحكومات العربية، إلى خَلْق وضع متوتر بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي، فهاجرت أعداد كبيرة منهم واستوطنت فلسطين. وعلى أية حال، يمكن رؤية حركة الهجرة اليهودية من البلاد العربية إلى فلسطين أيضاً بوصفها حركة هجرة إلى فلسطين باعتبارها البلدة الذهبية اليهودية وليس باعتبارها أرض الميعاد. والهدف ليس خلاص الروح، بطبيعة الحال، وإنما تحقيق الحراك الاجتماعي. فالعرب اليهود لم تُمكِّنهم ظروفهم الحضارية والاقتصادية، ولا خبراتهم، من الهجرة إلى أوربا والولايات المتحدة، فهاجروا إلى إسرائيل لتحقيق الحراك الاجتماعي الذي فشلوا في تحقيقه بالدرجة التي يطمحون إلىها داخل مجتمعاتهم العربية. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء النخبة الاقتصادية والثقافية هاجروا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، كما هاجر يهود الجزائر إلى فرنسا لأن ظروفهم سمحت بذلك.

стр. 1228

وبعد تصفية هذه الكتلة البشرية اليهودية، يعود نمط الهجرة بين أعضاء الجماعات اليهودية إلى سابق عهده، أي يتجه اليهود مرة أخرى إلى الولايات المتحدة التي أصبحت نقطة جذب كما كانت من قبل. ومن ثم، نجد أن الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي تواجه مشاكل عميقة ـ من المنظور الصهيوني ـ لأن المهاجرين يغيرون اتجاههم في النمسا أو أية محطات انتقالية أخرى، وبدلاً من أن يتوجهوا إلى فلسطين المحتلة ليصبحوا مستوطنين صهاينة يتجهون إلى الولايات المتحدة ليصبحوا مهاجرين. وحينما هاجر يهود الجزائر عام ١٩٦٥، ويهود أمريكا اللاتينية منذ الستينيات وحتى الآن، ثم يهود إيران، فإنهم لم يتجهوا إلى فلسطين وإنما إلى فرنسا والولايات المتحدة. ويُلاحَظ أن يهود جنوب أفريقيا يتجهون أيضاً إلى الولايات المتحدة، وربما إلى جيوب استيطانية أخرى مثل أستراليا، ولقد بدأ المستوطنون الصهاينة أنفسهم يتبعون هذا النمط. ويبلغ أعضاء الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة نحو ٧٥٠ ألف، حيث يزيد عدد النازحين من إسرائيل إلى الولايات المتحدة على عدد اليهود الذين يذهبون إلى الدولة الصهيونية للاستيطان.

стр. 1229

ويدل تَدفُّق الهجرة اليهودية على وطن الاقتصاد الحر والفرص الاقتصادية بعيداً عن «أرض الميعاد» ، على أن حركيات التاريخ وتركيبية النفس البشرية تؤكد نفسها على الدوام وتكتسح في طريقها كثيراً من التحيزات العقائدية الاختزالية. ولتزويد الكيان الصهيوني بالمادة القتالية اللازمة لاستمرار اضطلاعه بدوره القتالي، أغلقت الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت حتى يضطروا إلى التدفق صاغرين إلى الدولة الصهيونية. كما تمارس المنظمة الصهيونية شتى أنواع الضغط على ألمانيا لكي لا تفتح أبوابها أمام المهاجرين السوفييت الذين يقرعون أبوابها. كما أنها تعلن عن شتى المغريات المالية للمهاجرين الجدد. وعلى كلٍّ بعد تَدفُّق نصف مليون يهودي روسي على إسرائيل (وليس الملايين التي تَحدَّث عنها الإعلام العالمي، أي الغربي، والعربي) على مدار عشرة أعوام تقريباً، نضبت منابع المادة البشرية الاستيطانية اليهودية في شرق أوربا، خصوصاً العناصر الشابة الراغبة في الهجرة والقادرة عليها. وسيعود النمط القديم ليؤكد نفسه، أي تَدفُّق اليهود على أرض الميعاد الذهبية الأمريكية، أو أي أرض ميعاد أخرى تُحقِّق لهم الحراك الاجتماعي. وبدلاً من تسمية الظواهر بأسمائها، تشير الأدبيات الصهيونية إلى الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة أو العالم المتقدم أو الحر بما يسمونه «الشتات الجديد» ونشير إلى ذلك بأنه «الدياسبورا الدائمة» . الدياسبورا الدائمة Permanent Diaspora

стр. 1230

«الدياسبورا الدائمة» مصطلح قمنا بصكه لنَصف وَضْع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فرغم كل الادعاءات الصهيونية، ورغم استخدام مصطلح «الدياسبورا» لوصف وضعهم، إلا أن غالبيتهم تؤثر البقاء خارج فلسطين في المَنْفَى. فالدياسبورا أو الشتات اليهودي مسألة طوعية وليست مسألة مرتبطة بعملية قسر خارجية. وحالة الدياسبورا أو الانتشار هي حالة دائمة بغض النظر عما يحدث في فلسطين. بل إن اتجاه بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين للاستقرار فيها أحياناً، ينبع من حركيات لا علاقة لها بصهيون. وفيما يلي جدول بأعداد أعضاء الجماعات اليهودية في فلسطين المحتلة والعالم، يدل على أن الدياسبورا حالة دائمة ونهائية بالفعل. أعداد اليهود في فلسطين المحتلة والعالم (سنة ١٨٨٢ عددهم قي فلسطين ٢٤٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٠.٣%) (سنة١٩٠٠ عددهم قي فلسطين ٥٠٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٠.٥%) (سنة ١٩٢٥ عددهم قي فلسطين ١٢٢٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٠.٨%) (سنة ١٩٤٠ عددهم قي فلسطين ٤٦٧٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٢.٨%) (سنة ١٩٤٨ عددهم قي فلسطين ٦٥٠٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٥.٧%) (سنة ١٩٥١ عددهم قي فلسطين ١٤٠٤٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ١٢.٢%) (سنة ١٩٦٥ عددهم قي فلسطين ٢٢٩٩٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ١٧.١%) (سنة ١٩٧٥ عددهم قي فلسطين ٢٩٥٩٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٢٠.٩%) (سنة ١٩٨٠ عددهم قي فلسطين ٣٢٨٢٧٠٠نسبتهم ليهود العالم ٢٥%) (سنة ١٩٨٥ عددهم قي فلسطين ٣٥١٠٠٠٠ نسبتهم ليهود العالم ٢٧ (% أي أن رُبع الشعب اليهودي وحسب قرر الاستيطان في فلسطين، الأمر الذي يعني أن أغلبيته الساحقة آثرت العيش في «المَنْفَى» ،رغم أن الدولة الصهيونية فتحت أبوابها على مصراعيها أمامهم. كل هذا يعني في واقع الأمر أن المنفى ليس بمَنْفَى، وأن أرض الميعاد والعودة ليست أرض الميعاد أو العودة رغم كل الادعاءات الصهيونية. الدياسبورا الإلكترونية Electronic Diaspora
следующие страницы →