← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وأخذ المستوطنون يحاولون وَضْع هذه الرؤية موضع التنفيذ بحيث يصبح الإنسان العبراني الجديد نقيض يهود المنفى. وكما قال الشاعر الإسرائيلي تسفي جرينبرج في قصيدة له: "الأمهات اليهود أحضرن أطفالهن إلى الشمس ليحترق الدم الذي يجري في عروقهم ويزداد حمرة، بعد أن بهت في الجيتو وعالم الأغيار! ". والإنسان الجديد هو الصابرا؛ هذا الإنسان العبراني المعادي للفكر، القوي البسيط المباشر الذي يرفضه يهود المنفى ولا يفهم هو سلوكهم أو خضوعهم. والصابرا يدين بالولاء لدولته القومية ولا يعاني من أي ازدواج في الولاء، ويحب أن يسير مع الجماعة (وقد جاء في إحدى القصائد الإسرائيلية أن الصابرا، حينما يحلم، يحلم بضمير جمع المتكلمين) ولا ينفصل عنها (جاء في إحدى النكات الإسرائيلية أن عضواً في الكيبوتس قد تركه أصدقاؤه بمفرده، ففكر في الانتحار، وحاول ذلك بالفعل، ولكنه فشل لأنه كان بمفرده) . والصابرا لا يؤمن بالدين، فقد تمت علمنته بشكل كامل على النمط الأوربي، كما أن هويته العبرانية هوية قومية مرتبطة بالأرض لا بالقيم الدينية. وهو، علاوة على كل هذا، شخصية منتجة - حسب التصوُّر الصهيوني - تتحكم في مصيرها. وينعكس كل هذا في الأبعاد العسكرية لشخصيته، ولذا نجد أن ذروة هذه الشخصية وأقصى تَحقُّق لها هو الكيبوتسنيك، أي عضو الكيبوتس الذي لا ينتمي إلى أسرة مُحدَّدة ويعيش في مجتمع شبه زراعي شبه عسكري في بيئة مختلفة تماماً عن الجيتو.

стр. 1262

وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان أفراد هذا النموذج الجديد بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، فهم يتسمون بكل سمات الأغيار، ومنها معاداة اليهود، ولا يختلفون عنهم إلا في اللغة. وقد أشار آرثر كوستلر إلى النموذج الجديد باعتباره "طرزاناً يهودياً"، أي إنساناً طبيعياً مجرداً من التاريخ والقيم يعيش بقيم الغابة الغربية الداروينية، ولم يبق له من اليهودية سوى الشكل، أي أنه علماني تماماً. ويُشار إليه أحياناً بوصفه «سوبرمان يهودي» قياساً على سوبرمان أو بطل نيتشه الأرقى الذي يُمجِّده الفكر النازي والصهيوني. وبالفعل، نجد أن الصابرا يُجسِّد مجموعة من القيم النيتشوية التي تُعلي من شأن القوة والفعل مقابل الضعف والفكر. ولكن هذه الرؤية المختلة للذات، والتي لا تستند إلى التاريخ، تحوي داخلها عدة تناقضات نوجزها فيما يلي: ١ - صورة يهود المَنْفَى صورة كاريكاتورية ساذجة للغاية لا تُعبِّر عن ثراء حياتهم أو عن إنجازاتهم الحقة أو عن تواريخهم المتنوعة، وخصوصاً أن تواريخ اليهود التي يُشار إليها باعتبارها «التاريخ اليهودي» لم تأخذ مسارها في أرض فلسطين وإنما خارجها في المَنْفَى. ٢ - حينما يلجأ أبناء جيل الصابرا إلى رَفْض يهود المَنْفَى، فإنهم يرفضون الماضي الوحيد الذي يمكن أن تستند هويتهم إليه، إذ لا يمكن إدراك الهوية دون ماض. ويُقال إن من صور الصابرا الأساسية المتواترة في الأدب الإسرائيلي أنه جيل يتيم لا أب له؛ طفل أزلي غير قادر على النضوج لأنه لا يتفاعل مع الماضي. ٣ - ومع أن جيل الصابرا يرفض اليهود واليهودية، فإن مشروعه الصهيوني يهدف إلى إنشاء دولة يهودية لحماية اليهود ولتحقيق الهوية اليهودية والجوهر اليهودي. ومعنى ذلك أن شرعية وجوده في فلسطين، والأساس الأخلاقي لطَرْد سكانها، يستندان إلى أساس يهودي افتراضي: رؤى دينية (أو إثنية) يهودية مثل الميثاق أو أرض الميعاد.

стр. 1263

وقد تبدَّت هذه التناقضات في شكل تناقص إحساس الصابرا بيهوديتهم. فحين تم استطلاع رأي جيل الصابرا (بعد إنشاء الدولة) ، وُجد أن لديهم إحساساً شديداً بهويتهم المُخلَّقة الجديدة تأخذ شكل اعتزاز شديد بالنفس واحتقار عميق ليهود العالم، وخصوصاً أن الملايين التي كان من المفترض قدومها للاستيطان في الأرض المحتلة آثرت البقاء في أوطانها التي يُشار إليها بلفظ «المَنْفَى» . كما أفاد الاستطلاع أن الرؤية المباشرة المعادية للفكر عند الصابرا تبدَّت في صورة رَفْض للفكرة الصهيونية ذاتها، وذلك باعتبار أن الصهيونية ليست تجربة وجودية حية وإنما مجرد نظرية تُعبِّر عن استجابة يهود المَنْفَى لعالم الأغيار وعن تطلعاتهم للخلاص منه وبرنامج لإصلاحهم وتطبيعهم، الأمر الذي لا ينطبق على الصابرا الذين يعيشون واقعهم الجديد. أما معاداة اليهود، إحدى ركائز الصهيونية، فهي بالنسبة للصابرا محض ذكريات الآباء والأجداد، لا يشاركون هم فيها. بل إن الفرد من جيل الصابرا، حينما ينظر إلى هذه الذكريات أو «الماضي اليهودي» ، لا يُبدي سوى الازدراء له لاقترانه بالضعف والسلبية، فهو لا يقبل مثلاً سلوك الستة ملايين الذين يُزعَم أنهم أبيدوا بغير مقاومة على يد النازيين.

стр. 1264

لكل هذا، أصبح الصابرا، من منظور القائمين على المجتمع الصهيوني، مرادفاً للتَحلُّل العقائدي ولازدياد الشك والنزعة العلمية على حساب الالتزام العقيدي. ومن هنا، بدأت عملية إعادة تثقيف، أخذت شكل التأكيد على الإبادة النازية لليهود، وبالذات عناصر المقاومة اليهودية، والتأكيد على ما يُسمَّى «المصير اليهودي المُشترَك» الذي يربط اليهود بعضهم ببعض أينما كانوا. كما تم تقرير مادة تُسمَّى «الوعي اليهودي» في المدارس حتى لا يبتعد جيل الصابرا تماماً عن الجذور اليهودية التي رفضتها الصهيونية. ولكن هذه المحاولة التخليقية، التي ترمي إلى الحفاظ على صهيونية العبراني الجديد، قابلت هي الأخرى عدة صعوبات من أهمها أن تطبيع المجتمع الإسرائيلي أدَّى إلى تَبنِّي جيل الصابرا قيماً علمانية أمريكية برجماتية ترفض الماضي وأية عقيدة أو نظرية، الأمر الذي عمَّق رفضهم الفكر النظري أو العقائدي، وإلى انتشار ما يُسمَّى بعقلية «روش قطان» وهي عبارة عبرية تعني «الرأس الصغير» وتشير إلى الإنسان العلماني الاستهلاكي الذي يهتم بمصالحه الخاصة ولا يهتم بالأهداف القومية (ولذا، فإن معدته كبيرة ورأسه صغير) . كما أن أزمة الصهيونية، داخل وخارج المستوطَن الصهيوني، تجعل بعث هذه العقيدة، التي لم تَعُد تَصلُح دليلاً للعمل، مهمة صعبة. ولكل هذا، يزداد الانصراف عن الصهيونية كعقيدة. وقد انعكس هذا الاتجاه البرجماتي الاستهلاكي العملي في تزايد معدلات العلمنة الشاملة وتَقبُّل قيم المنفعة واللذة بين الإسرائيليين، وزيادة أمركة المجتمع الإسرائيلي، فأصبحت الدولة الاستهلاكية العظمى في الغرب (الولايات المتحدة) هي المثل الأعلى لا الدولة الصهيونية الصُغرَى في فلسطين المحتلة. ومن هنا، تَزايُد نزوح الأفراد من جيل الصابرا عن إسرائيل، بل تم تَقبُّل قرار النزوح اجتماعياً بعد أن كانت تلك مسألة مرفوضة تماماً تشبه الخيانة القومية. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ما

стр. 1265

يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» حيث هناك مئات الألوف من المرتدين أو النازحين الإسرائيليين من جيل الصابرا أو غيرهم (ويُقال إنهم يبلغون ٧٠٠ ألف، أي أكثر من سكان التجمُّع الصهيوني عند إعلان الدولة، وحسب بعض الإحصاءات يبلغ عددهم مليونًا) . وعلى المستوى العملي، يتضح هذا الاتجاه البرجماتي المعادي للصهيونية بكل جلاء في واقع أن كثيراً من الصابرا لا يعتبرون الولايات المتحدة جزءاً من المنفى بل وطناً قومياً ثانياً!

стр. 1266

وإلى جانب هذا، تُوجَد في الوقت الحاضر عناصر أخرى في تجربة جيل الصابرا تدفعه أيضاً بعيداً عن الصهيونية، لا إلى الاستهلاكية والبرجماتية والتأمرك فقط وإنما إلى أحضان الماضي اليهودي الذي كان يهرب منهم وكانوا هم يرفضونه بحثاً عن الجذور (بالإنجليزية: روتس roots) ، وهذا ليس بعودة إلى الماضي، وإنما عودة إثنية إلى الذات الإثنية القومية! ومن أهم هذه العناصر، تفاقم أزمة العلمانية الشاملة في التجمُّع الصهيوني وظهور أزمة هوية بصورة حادة. فالصابرا بدون تاريخ هو في نهاية الأمر بدون هوية. كما أن الصابرا، هذا العلماني الشامل البرجماتي، يجد نفسه في دولة كل ما فيها رموز دينية، مثل نجمة داود والمينوراه، وحتى الاسم «يسرائيل» معناه «المدافع عن الإله» . كما يجد نفسه مضطراً لأن يخوض حروباً باسم هذه القيم الدينية التي يُفترض فيه أنه لا يؤمن بها إلا باعتبارها فلكلورًا شعبيًا! وقد آتت مادة «الوعي اليهودي» أكلها، إذ بدأ بعض أعضاء جيل الصابرا يدركون عناصر هذا الماضي ويفهمونها في سياقها. ومن ثم بدأوا ينظرون إلى عالم المَنْفَى بشيء من الإعجاب وبكثير من الشك في شخصية الصابرا المجردة التي لا جذور لها ولا تراث. وقد كان يهودي المَنْفَى - حسب هذه الرؤية - ذا هوية حدودها واضحة مُتعيِّنة على الأقل، وله لغته وثباته وتراثه. كما كانت الجماعة اليهودية تتسم بالتماسك الشديد والتضامن، على عكس المجتمع الصهيوني الذي يفتقد الهوية الواضحة وتُفتِّته النزعات الحزبية ويفتقد الاجماع القومي في الوقت الحاضر. (فكَّر سكان الكيبوتسات بالفعل في ذلك الوقت في الطرق المختلفة للانتحار) .

стр. 1267

كما بدأ موقف أبناء جيل الصابرا يتغيَّر من الإبادة النازية (قصة الفشل اليهودي الأكبر) إذ بدأوا يسألون: هل كان بوسع اليهود أن يفعلوا شيئاً أمام قوة النازي وسطوته؟ ويجرى الآن طرح السؤال التالي: لو وصل روميل إلى فلسطين، هل كان بمقدور المستوطنين أن يفعلوا شيئاً سوى الاستسلام أو الانتحار؟ ومما عقد الأمور أن أزمة الصهيونية رافقها نجاح يهود المَنْفَى (وبخاصة في الولايات المتحدة) من إنجازات اقتصادية وثقافية واندماج في مجتمعاتهم وحراك طبقي وثقة بالنفس، وهو نجاح أدَّى إلى أن الدولة الصهيونية وجدت نفسها معتمدة في بقائها على هؤلاء الذين ترفضهم من الناحية العقائدية أو تطلب تصفيتهم.

стр. 1268

لكل ما تَقدَّم، تزايد ارتباط بعض أعضاء جيل الصابرا في الآونة الأخيرة بيهود المَنْفَى، فوجدوا أنفسهم يعودون إلى شبكة المصير اليهودي والتراث اليهودي. والعودة هنا ليست عودة إلى الصهيونية وإنما إلى شيء يتصورونه أكثر عمقاً، عودة إلى ما يتصورن أنه «التراث اليهودي» ، فظهر ما يُسمَّى الاتجاه «اليهودي» الجديد، لا «الصهيوني» الجديد، ومن هنا كان النظر بإعجاب إلى عالم المنفى وتراثه الثقافي واللغوي، والواقع أن هذا الموقف يُناقض الموقف الصهيوني الذي ينطلق من رفض هذا العالم وهذا التراث. كما أنهم بدأوا يتحدثون اليديشية، ويرفضون عبرنة أسمائهم، ويطلقون لحاهم وأحياناً سوالفهم. لكن العودة إلى التراث والجذور والسلف رد فعل لتعاظم العلمنة بكل ما تؤدي إليه من اغتراب وتَبعثُّر (وإن كان اغتراب المستوطن الصهيوني أعلى كثيراً من اغتراب الفلاح الهندي الذي ينتقل إلى المدينة مثلاً، ومن هنا حدة استجابة الصابرا) . وحينما يتحدث الصابرا عن «التراث اليهودي» ، فهم يتحدثون، عادةً، عن تجربة يهود اليديشية في شرق أوربا (في الشتتل وفي منطقة الاستيطان) لا عن تجربة اليهود السفارد أو يهود العالم الإسلامي. وقد أخذ هذا الاتجاه نحو التراث يتمثل في تَبنِّي القيم الدينية الأرثوذكسية كمصدر من مصادر الشرعية والهوية. ومن أهم شخصيات جيل الصابرا الممثل يوري زوهار الذي عبَّر عن كل سمات جيل الصابرا بشكل متبلور فكان يرتدي الصندل ويسير دون أن يأبه بالقيم أو التراث. وبالتدريج، أخذ زوهار في التحول، فلبس قبعة اليرملك ثم أطلق سوالفه ولحيته حتى أصبح في هيئة الحسيديين في الشتتل. ومن الصابرا من ينضم إلى الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي ترفض الدولة، وترى أن حالة المَنْفَى نهائية لا تصل إلى نهايتها إلا حين يأذن الإله وذلك حتى لا يرتكب جريمة «دحيكات هاكتس» ، أي «التعجيل بالنهاية» ، أي أن الصابرا الذي كان يرفض يهود المَنْفَى ويهرب منهم ينتهي به

стр. 1269

الأمر في الآونة الأخيرة إلى معانقتهم والهرب إليهم! ومن المهم جداً أن نشير إلى أن الدراسات السكانية الإسرائيلية، في تصنيفاتها لسكان التجمُّع الإسرائيلي، تعترف بالفروق العرْقية والإثنية بين اليهود المولودين في فلسطين والمهاجرين إليها. إلا أنها، مع هذا، تحاول إنكار وجود مثل تلك الفروق بين الأبناء المولودين في فلسطين، وذلك بوضعهم جميعاً تحت اسم «الصابرا» . ويتسق ذلك مع حديث علماء الاجتماع وعلم النفس الإسرائيلي عن الصابرا باعتبارها كتلة واحدة متسقة لها خصائصها النفسية والاجتماعية المُوحَّدة. ومثل ذلك الموقف يعني تجَاهُلاً تاماً لحقيقة أن أساليب التنشئة الاجتماعية (طرق التربية) التي يمارسها المهاجرون تتباين تبعاً لأصولهم الحضارية. وبالتالي، فإن تكوينات هؤلاء الأطفال النفسية لابد أن تتباين، ولفترة طويلة تبعاً لتباين أساليب التنشئة الاجتماعية التي اتُبعت معهم. ومن هنا، فإن تعبير «الصابرا» يخدم في نهاية الأمر هدفاً سياسياً صهيونياً هو الإيهام بأن الصهر الاجتماعي لمختلف أصول اليهود الحضارية قد تَحقَّق في إسرائيل وتَمثَّل في جيل جديد هو جيل الصابرا الذي تتلاشى فيه مثل هذه الفروق الحضارية. وعلى أية حال، فإن استقراء الكتابات الإسرائيلية في هذا الصدد بشكل دقيق يكشف عن أن الحديث عن الصابرا يَنصَبُّ عملياً على أولئك المنتمين إلى أصول إشكنازية فحسب. وكما قال الكاتب الإسرائيلي شيمون بلاس (من أصل عراقي) ، فإن كلمة «صابرا» لا تشير من قريب أو بعيد إلى يهود الشرق. ويوافقه في هذا ميلفورد إسبيرو حيث يرى في دراساته أن أهم ما يميِّز الصابرا من أبناء الكيبوتسات هو كراهية الغرباء عامة، والمهاجرين من العالم الإسلامي على وجه الخصوص، إذ ينظرون إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ويُطلقون عليهم لفظ «شحوريم» أي «السود» . كما أن هناك عدداً من الدراسات الأخرى تؤكد على أن أخطر ما يزعج الصابرا هو ارتفاع معدل تكاثر

стр. 1270

اليهود الشرقيين، وهم يرون في ذلك أمراً يمكن أن يدفع بإسرائيل إلى أن تصبح شعباً متخلفاً أسود البشرة. وتزداد أهمية الصابرا (بمعنى المولودين داخل إسرائيل) في استمرار تزايد نسبتهم إلى إجمالي السكان، فبينما لم تتجاوز نسبة الصابرا إلى إجمالي السكان ٣٤% عام ١٩٦٢، وصلت هذه النسبة عام ١٩٦٤ إلى ٣٩.٤%. وقد استمرت هذه الزيادة في التصاعد بسبب انخفاض معدلات الهجرة الشرقية والغربية على السواء، وهو ما جعل التركيب السكاني عام ١٩٨٩ مختلفاً تمام الاختلاف حتى أن نسبة المولودين داخل إسرائيل تصل إلى ٦٤% من إجمالي سكان إسرائيل اليهود، أي أن الصابرا قد وصلت إلى حد التكافؤ مع العناصر المهاجرة الشرقية والغربية مجتمعة (وإن كانت هجرة اليهود من روسيا وأوكرانيا غيَّرت الصورة قليلاً فقد وصلت النسبة إلى ٦٠%عام ١٩٩١) ، مع العلم بأن مصطلح «المولودون داخل إسرائيل» أصبح يشير إلى المواليد من أصل غربي أو شرقي ولا يميِّز بينهما. وقد نتج عن ازدياد إسهام الصابرا في التكوين السكاني، عاماً بعد عام، أمران في غاية الأهمية، أولهما: ظهور ما يُطلَق عليه «الوطنية الإسرائيلية» مقابل «القومية اليهودية» ، بمعنى أن معظم سكان إسرائيل لا يعرفون الآن وطناً آخر لهم، ومن ثم، فهم لا يشعرون إطلاقاً بأي إحساس بالذنب إزاء ما وقع للفلسطينيين من اغتصاب أرضهم وطردهم منها. والأمر الثاني: ارتفاع نسبة من هم في سن الإنتاج والقتال بالنسبة إلى إجمالي السكان، وهو ما يترتب عليه استمرار بل تَصاعُد روح المخاطرة والتطلع إلى التوسع والسيطرة على المنطقة. وعلى أية حال، فإن ارتفاع نسبة العلمنة والاستهلاكية قد حيَّد هذا العنصر إلى حدٍّ ما. ومع هذا لابد أن نأخذ في الاعتبار التركيب النفسي لجيل الشباب (كما يُبيَّن مدخل «جيل ما بعد ١٩٦٧ [أو أزمة الخدمة العسكرية» ] ) . حركة الكنعانيين Canaanite Movement; Semitic Action

стр. 1271

«حركة الكنعانيين» حركة سياسية ثقافية ذات نظرة خاصة لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . بدأت نشاطها في الأربعينيات في فلسطين. وينطلق دعاتها من أسطورة مفادها أن اليهود عندما عادوا من مصر إلى أرض كنعان لم يجدوا قبائل معادية لهم أو مختلفة عنهم من الناحية العرْقية، وإنما وجدوا شعباً يتكلم العبرية ويُشبههم في الملامح والخصائص البدنية، ولذلك فإن اليهود أو العبرانيين ليسوا إلا كنعانيين وما الإسرائيليون المحدثون سوى «الكنعانيين الجدد» ، وبهذا تكون للأمة الإسرائيلية الجديدة جذور راسخة في الأرض الفلسطينية، وهي جذور تمتد إلى العبرانيين القدامى قبل أن تنتشر بينهم اليهودية، وهم بهذا يؤكدون وحدة الشعب الإسرائيلي وتربة فلسطين، أو كما يقول يتسوري (الذي اشترك في اغتيال اللورد موين في القاهرة عام ١٩٣٤) : «نحن لسنا صهاينة، نحن الأبناء الطبيعيون لتربة إسرائيل» . وعن طريق تأكيد هذه الوحدة، يُسقط الكنعانيون من حسابهم تراث يهود الدياسبورا (أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) بل والتراث اليهودي كله، فيهود الدياسبورا ـ حسب تَصوُّرهم ـ ليست لهم أية سمات قومية متميِّزة، فلغتهم وأنماطهم الثقافية وجنسيتهم أو مواطنتهم، تنتمي جميعاً إلى البلدان التي يعيشون فيها، فهم من البولنديين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولهذا السبب فإن لهم أثراً ضاراً على الإسرائيليين لأنهم يعوقون تَطوُّر الأمة العبرانية الجديدة. وهذه الأمة الجديدة تتكون من كل المولودين في إسرائيل، حتى ولو كانوا مسلمين أو مسيحيين، شريطة أن يَتقبَّلوا الهوية الكنعانية الجديدة.

стр. 1272

ويمكن القول بأن فكر حركة الكنعانيين هو تعبير عن وجهة نظر إسرائيلية تختلف عن وجهة النظر الصهيونية، فهو تعبير متطرف عن إحساس جيل الصابرا باختلافهم عن يهود العالم وانفصالهم النفسي والثقافي والعرْقي عنهم. ولعل أهم نقط الاختلاف بين وجهتي النظر تتلخص في محاولة الكنعانيين التملص من التصور الصهيوني لما يُسمَّى «الشعب اليهودي» و «القومية اليهودية» ذات الأبعاد الدينية القومية، فالكنعانيون يحاولون إضفاء شيء من السواء على الظاهرة الإسرائيلية عن طريق إلغاء الجانب الديني من المقدَّسات القومية الإسرائيلية والإبقاء على الجانب القومي وحده، آملين أن يتحوَّل النمط الإسرائيلي عن طريق ذلك إلى نمط قومي عادي يشبه بقية الأنماط القومية المعروفة، أي أن فكرة الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة وموضع الحلول الإلهي والذي يضم اليهود أينما كانوا تحل محلها فكرة الشعب الإسرائيلي الموجود في الشرق الأوسط في فلسطين والذي له حقوق قومية عادية. وإذا كان المفكر الصهيوني يتباهى عادةً بأن الشعب اليهودي لا يُصنَّف، فإن الكنعانيين يؤكدون أنهم أمة مثل كل الأمم. ويؤمن الكنعانيون بأن أمامهم بديلين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا آخر اليهود أو أن يكونوا بداية لأمة جديدة (على حد قول بيرديشفسكي) وهم يفضلون البديل الثاني. ولذلك فالكنعاني يؤمن بأن الدولة الجديدة هي نهاية المنفى والجيتو بل ونهاية اليهودية ذاتها، وأن أية سمات «يهودية» للدولة الجديدة هي سمات متخلفة ورواسب من الماضي الميت، وأن على الإسرائيليين أن يخلقوا حضارة جديدة مستقلة تماماً عن التراث اليهودي ومرتبطة بحضارة الشرق الأدنى القديم (ولذلك كانوا يطالبون بعبادة عشتروت زوجة الإله بعل الكنعاني) . وفكر الحركة الكنعانية متأثر ببيرديشفسكي وأفكاره الكونية وبالنزعات النيتشوية الفلسفية، وزعيم الحركة هو الكاتب يوناثان رطوش (اسمه الحقيقي: أويل هالبرين شيلا) ، ومن بين أعضائها الكاتب

стр. 1273

آهارون أمير وبنيامين تموز. ورغم أن هذه الحركة لا تؤثر بأي شكل في الحياة السياسية في إسرائيل، فإن لها بعض الأثر في الحياة الثقافية. كما أنها تُعبِّر عن مدى الأزمة التي يعيشها الوجدان الإسرائيلي وعن محاولة الإسرائيلي أن يتعامل بشكل ما مع الواقع الغريب الذي يحيط به. وقد انحلت حركة الكنعانيين، وحلت محلها حركة العمل السامي (نسبة إلى الجنس السامي) ، والتي اختفت بدورها وحلت محلها جماعة «هاعولام هازه/قوة حاداش» (هذا العالم/القوة الجديدة) . ويبدو أن الكنعانيين لم يختفوا تماماً، إذ أنهم عاودوا الظهور عام ١٩٦٩ وطالبوا بتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي، وتعليمهم اللغة العبرية باعتبارهم عبرانيين، وتحقيق المساواة بينهم وبين العبرانيين، وإلغاء كل المزايا التي يتمتع بها المواطنون اليهود لكونهم يهوداً. كما نادوا بضرورة إنشاء جيش قوي والاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وتصعيد الهجرة اليهودية، وزيادة نسبة المواليد، وإنشاء علاقات قوية مع الأقليات الأخرى في المنطقة مثل الأكراد والدروز. وطالبوا أيضاً بإنشاء فيدرالية تضم إسرائيل وجبل الدروز والموارنة في لبنان. ورغم اختلاف الكنعانيين مع الصهاينة في محتوى تفكيرهم، فإن ثمة تشابهاً طريفاً بينهم من الناحية البنيوية. فكلا الفريقين يلغيان المنظور التاريخي ويُبسِّطان التاريخ ويختزلانه ويحولانه إلى أسطورة تخدم أهواء الحركة وبرنامجها السياسي وتُسهِّل لها التعامل مع الواقع دون مجابهته، كما أن كلاًّ من الفريقين يقابل الوجود الفلسطيني مسلحاً بأسطورته الاختزالية المُسبَقة. الباب الثانى: الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية Extinct and Marginal Jewish Communities «الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية» هي تلك الجماعات اليهودية التي لا تنتمي إلى أيٍّ من الجماعات الأساسية الثلاث: ١ ـ الإشكناز. ٢ ـ السفارد. ٣ ـ يهود العالم الإسلامي.

стр. 1274

ويُلاحَظ أن الجماعات الثلاث الأساسية تُشكِّل، من ناحية الكم، ما يزيد على ٩٨%، ويمتد وجودها إلى عدة قرون ويستمر حتى الوقت الحاضر. وتدور الجماعات الثلاث في إطار اليهودية الحاخامية. كما أنها تنتمي إما إلى العالم الغربي أو العالم الإسلامي. أما الجماعات المنقرضة والهامشية، فهي جماعات كبيرة أو صغيرة اندثرت تماماً أو على وشك الاندثار (الخَزَر ـ المارانو ـ السامريين ـ الكرمشاكي ـ يهود الصين) ، أو جماعات صغيرة للغاية (العبرانيون السود ـ يهود كوشين) . كما نُلاحظ أن معظم هذه الجماعات الهامشية قد انفصل عن تيار الجماعات اليهودية الأساسي وأحياناً عن اليهودية الحاخامية (الدونمه ـ يهود مانيبور ـ يهود الصين ـ الفلاشاه ـ القرَّائين) . ويُلاحَظ أن الجماعات الهامشية هذه، نظراً لانفصالها عن المراكز الدينية والثقافية اليهودية الكبرى، قد استوعبت عناصر إثنية ودينية من محيطها الحضاري بشكل ملحوظ وانفصلت عن أية معيارية يهودية. وتَكمُن أهمية دراسة الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية في أنها تتحدى النظام التصنيفي الصهيوني والمعادي لليهود، الذي يُصنِّف كل أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم «يهود والسلام» بطريقة اختزالية تبسيطية. كما يمكن القول بأن هذه الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية تشكل لحظة تَبلور النموذج (اليهود كجماعات غير متجانسة واليهودية كتركيب جيولوجي لا ككل عضوي أو شبه عضوي متماسك) ، ومن ثم فهي تلقي عليه الضوء وتبين طبيعته رغم أنها تشكل لحظة متطرفة من عدم التجانس والبُعد عن أية معيارية. اليهود المتخفون Crypto-Jews

стр. 1275

«اليهود المُتخفّون» هم اليهود الذين يتظاهرون باعتناق دين آخر غير اليهودية، بسبب الظروف المختلفة، ويظلون على دينهم في الواقع. ومن أهم فرق اليهود المتخفين «المارانو» ، ويُشار إليهم أيضاً باسم «المسيحيين الجدد» و «الكونفرسوس» و «البرتغاليين» في شبه جزيرة أيبريا، كما يُشار إليهم باسم «الدونمه» في تركيا، وباسم «جديد الإسلام» في إيران، وباسم «التشويتاس» في جزيرة مايوركا. وقد لاحظ أحد المستشرقين أن ظاهرة اليهود المتخفين لم تظهر أساساً إلا داخل التشكيل الحضاري الإسلامي في إسبانيا التي كان سكانها من اليهود على علاقة وثيقة بهذا التشكيل، وحاول أن يُفسِّر ذلك في إطار مفهوم الاستشهاد في الإسلام حيث لا يكون ذلك إلا أثناء الجهاد والمعركة (أما فيما عدا ذلك، فإن المسلم يتعيَّن عليه أن يحمي نفسه بالتَقية) ، ومن هنا ظهرت فكرة التخفي. ويقف هذا على الطرف النقيض من الحضارة المسيحية حيث تُعَدُّ واقعة الصلب في منظورها واقعة أساسية، وهي حضارة تشجع على الاستشهاد وتجعل منه قيمة في ذاته. ولذا، نجد أن اليهود الإشكناز كانوا يقومون بما يُسمَّى «تقديس الاسم» (بالعبرية: قيدوش هاشم) أي تأكيد وحدانية الإله، والاستشهاد بدلاً من الارتداد حتى ولو ظاهرياً. ويُلاحظ المؤرِّخون أن المارانية هي شكل من أشكال الموسوية، أي الإيمان بالعهد القديم دون حاجة إلى حاخامات، كما أنها عبادة تُركِّز على الجوهر وحسب، وتتجاوز كل الشعائر والتحريمات، ومن هنا التقاؤها باليهودية الإصلاحية. ويجب التمييز بين يهود المارانو ويهود الدونمه، من حيث أن المارانو اضطروا إلى أن يكونوا يهوداً متخفين، أما الدونمه فقد اعتنقوا الإسلام باختيارهم للتمويه على المسلمين واليهود على حدٍّ سواء.

стр. 1276

وتقرن الدراسات بين المسيحيين الجدد والمارانو وتوحد بينهما، وإذا كان المارانو هو الذي يُظهر غير ما يُبطن، أي اليهودي المتخفي، فإن كثيراً من المسيحيين الجدد كانوا مسيحيين بصدق. وقد تَهوَّد بعضهم أو اضطروا إلى التهوُّد فيما بعد، ومن ثم يكون من الخطأ أن نستخدم المصطلحين كما لو كانا مترادفين. ومع هذا نظراً لشيوع هذا الترادف، فإننا نستخدم كلمة «المارانو» للإشارة إلى كلٍّ من «المارانو» و «المسيحيين الجدد» . أنوسيم Anusim «أنوسيم» كلمة عبرية تعني «المُكرَهون» ، أو «المغلوبون على أمرهم» ، وهو اسم آخر ليهود المارانو واليهود المتخفين. البرتغاليون The Portuguese «البرتغاليون» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود المتخفين من المارانو الذين خرجوا من شبه جزيرة أيبريا (إسبانيا والبرتغال) . ومن المُرادفات الأخرى «كونفرسوس» أي «المهتدون» ، و «المسيحيون الجدد» ، وبالعبرية «أنوسيم» أي «المُكرَهون» بل و «السفارد» . ولعل تسمية «البرتغاليون» تعود إلى أن أغلبية المارانو جاءت من البرتغال. كما أن مصطلح «برتغالي» كان أكثر تهذيباً من مصطلح «مارانو» ، وكذلك أكثر إبهاماً من مصطلح «المسيحيون الجدد» . وبالتالي، كانت الدول (مثل إنجلترا) تسمح لليهود بالاستقرار فيها باعتبارهم «برتغاليين» (اسماً) وهي تعلم جيداً أنهم «مارانو» (فعلاً) . وكان هؤلاء يمارسون شعائرهم الدينية إما سراً وإما علناً. وكانت المؤسسة الحاكمة تغض النظر عن كل هذا. وقد لجأت بعض المؤسسات الحاكمة إلى هذا الحل لحاجتها الشديدة إلى اليهود بسبب نفعهم ولأنهم مادة استيطانية مهمة، حيث لم يكن بوسعها استصدار التشريعات اللازمة لذلك بسبب المعارضة الشعبية وبسبب الهيكل القانوني ذاته الذي كان يستند إلى شرعية دينية. ومع نهاية القرن السابع عشر، بدأت كثير من الدول تعترف بالبرتغاليين كيهود. يهود المارانو: تاريخ وعقيدة The Marranos History and Doctrine

стр. 1277

كلمة «مارانو» أطلقت على أولئك اليهود المتخفين، في إسبانيا والبرتغال، الذين تراجعوا ظاهرياً عن اليهودية وادعوا اعتناق الكاثوليكية حتى يتمكنوا من البقاء في شبه جزيرة أيبريا مع تَراجُع الحكم الإسلامي وبعد طَرْد يهود البرتغال عام ١٤٨٠ وطَرْد يهود إسبانيا عام ١٤٩٢. وقد أطلق عليهم أيضاً تعبير «كونفرسوس» ، أي «الذين اهتدوا إلى دين جديد» ، و «كريستاوس نوفوس» ، أو «المسيحيون الجدد» . وكلمة «مارانو» التي أحرزت شيوعاً في القرن السادس عشر ليست معروفة الأصل على وجه التحديد. وفيما يلى بعض الكلمات والعبارات التي قد تكون أصلاً للكلمة: ١ ـ «مارانو» كلمة باللهجة الإسبانية القديمة معناها «خنزير» . ٢ ـ «ماترانثا» كلمة إسبانية معناها «الملعون» . ٣ ـ «المُرائي» كلمة عربية معناها «منافق» . ٤ ـ «مارئيت عيين» عبارة عبرية معناها «ظاهر للعين» ، فهو يُظهر المسيحية ويبطن اليهودية. ٥ ـ «محوّرام أتاه» كلمة عبرية معناها «أنت مطرود من حظيرة الدين» . ٦ ـ «مَارَن أث» عبارة آرامية معناها «أنت مولانا» ، والخطاب فيها موجَّه إلى المسيح. وكان محتوماً على اليهودي أن ينطق بها كثيراً لإبعاد الشبهة عن نفسه. والأصل الإسباني للكلمة هو الأكثر رجوحاً.

стр. 1278

ولم يكن المصطلح ذائعاً في الأوساط الرسمية، ولم يرد في أي من الوثائق الرسمية الخاصة بمحاكم التفتيش. والمقابل العبري هو «أنوسيم» ، أي «المُكرَهون» أو الذين «قُسروا» على التنصر. ويُشار أحياناً إلى المارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا واستيطانهم مختلف دول أوربا، خصوصاً هولندا، باسم «البرتغاليون» ، باعتبار أن أغلبيتهم جاءت من هناك، كما يشار إليهم كذلك بكلمة «السفارد» باعتبار أنهم جميعاً من السفارد، أي من شبه جزيرة أيبريا. ورغم أن الدراسات تُوحِّد بين المسيحيين الجدد ويهود المارانو وتقرن بينهما، فإننا، كما سنبين فيما بعد، نرى أن هذا الترادف خاطئ. ولكننا، مع هذا، نضطر إلى استخدامه بسبب شيوعه وبسبب إبهام هوية المارانو كما سنبين لاحقاً. وقد كانت هناك حالات متفرقة من التَنصُّر القسري في العالمين الإسلامي والمسيحي. وقد وقعت مثل هذه الحالات في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي، وفي أوربا المسيحية مع حروب الفرنجة وغيرها. لكن مثل هذا التنصر ظل الاستثناء لا القاعدة، لأن الكنيسة كانت تقف ضده، نظراً لأن مثل هذه العملية تُفقد فكرة الشعب الشاهد مضمونها. فهذه الفكرة، التي كانت تَحكُم علاقة الكنيسة بأعضاء الجماعات اليهودية، تذهب إلى أن اليهود في ذُلِّهم وضعفهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة وانتصارها، وسيكون تَنصُّرهم في نهاية الأمر أكبر قرينة على هذه العظمة. ومن ثم، يكون التَنصُّر اليهودي طوعاً علامة على هذه العظمة. أما التنصُّر القسري فلا يضيف إلى أمجاد الكنيسة، ولذلك كانت الكنيسة تسمح لليهود الذين نُصِّروا عنوة بالعودة إلى دينهم الأصلي.

стр. 1279

ولكن الأمر يختلف بالنسبة للمارانو الذين يبدأ تاريخهم عام ١٣٩١ حين نشبت اضطرابات ضد يهود إسبانيا وقامت مظاهرات عرضت عليهم إما «الموت أو الصلب» . وقد أدَّت هذه الاضطرابات إلى تَنصُّر أعداد كبيرة من اليهود بشكل قسري. ولكن تبع هذا موجة تَنصُّر طوعي، بسبب انكسار أعضاء الجماعات اليهودية وهبوط الروح المعنوية. فضلاً عن أن يهود إسبانيا كانوا مُستوعَبين في الثقافة العقلانية الرشدية (نسبة إلى ابن رشد) التي قوضت إيمانهم الديني. كما أن كثيراً من أعضاء النخب الثقافية والمالية اليهودية كانت لهم مصالح مالية متشابكة مع مجتمع الأغلبية (المسيحي) . ثم قامت حركة تنصير أخرى عام ١٤١١ - ١٤١٢. ويمكن القول بأن تَنصُّر الغالبية العظمى كان حقيقياً، ولكن ظلت هناك أعداد ممن مارسوا الطقوس اليهودية بشكل خفي. وقد عاش اليهود المتنصرون ومدَّعو التَنصُّر جنباً إلى جنب مع أعضاء الجماعة اليهودية، بينما حاولت الدولة الإسبانية قَدْر استطاعتها أن تفصل بين الفريقين. وقد احتفظ كثير من المتنصرين بمهاراتهم الحرَفيِّة والإدارية واتصالاتهم التجارية كأعضاء في الجماعة الوظيفية اليهودية، وقد حققوا بسبب ذلك حراكاً اجتماعياً غير عادي، ولَّد الأحقاد ضدهم من قبَل بعض عناصر الأرستقراطية القديمة. وبعد سقوط غرناطة (واستعادة كل شبه جزيرة أيبريا) واجهت الدولة الجديدة مشكلة سكانية، وهي أن معظم سكان شبه الجزيرة كانوا إما مسلمين أو يهوداً أو من أصول مسلمة أو يهودية، ولم تكن توجد سوى أقلية مسيحية، ومن هنا لم يكن مفر من طرد العناصر غير المسيحية، لخَلْق التوازن السكاني لصالح المسيحيين، الأمر الذي يتطلبه أمن الدولة.

стр. 1280

لهذا كان لابد من طرد المسلمين واليهود، فعُرض عليهم إما التنصر أو مغادرة البلاد. وقد تَنصَّرت أعداد كبيرة من اليهود انضمت إلى الأعداد التي تَنصَّرت قبل ذلك. لكن العناصر الدينية الصلبة قررت اللجوء إلى البرتغال التي قدَّمت لهم حق اللجوء المؤقت، نظير ضريبة يدفعونها. ولكن حينما اعتلى مانويل الأول العرش عام ١٤٩٥ تغيَّرت السياسة تجاه اليهود. فمانويل كان يطمح إلى تحويل البرتغال إلى قوة تجارية عالمية، ووجد أن السبيل إلى ذلك هو أن يحكم ابنه مملكة موحَّدة في كل شبه جزيرة أيبريا، ولذا حاول أن يزوج ابنه من إبنة فرديناند وإيزابيلا، فوافق الملكان شريطة أن يقوم بطرد اليهود من البرتغال. وقد سبَّب هذا حيرة حقيقية لمانويل، فهو من ناحية كان حريصاً على إتمام هذا الزواج، ولكنه في الوقت نفسه كان يهمه الحفاظ على أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية ليستفيد من خبراتهم التجارية في بناء إمبراطوريته التجارية. وقد حلّ مانويل هذه المشكلة بأن احتفظ باليهود وفرض عليهم التنصُّر القسري، ولكنه منحهم في الوقت ذاته حريتهم الدينية والحصانة ضد محاكم التفتيش لمدة عشرة أعوام. وقد اندمج المتنصِّرون في مجتمع الأغلبية، ولكن، كما هو الحال في إسبانيا من قبل، ظلت هناك عناصر تمارس الطقوس اليهودية سراً.

стр. 1281

ويُلاحَظ أن اليهود المتنصرين في البرتغال كانوا يشكلون كتلة بشرية كبيرة (كانت تصل، حسب بعض التقديرات، إلى ١٠% من إجمالي عدد السكان) .وكان اليهود الذين فُرضت عليهم اليهودية في البرتغال من العناصر الصلبة، كما أسلفنا، ولذا احتفظوا بتماسكهم حتى أنهم كانوا يُسمّون أحياناً «اليهود» بشكل علني أو «الأمة» أو «رجال الأعمال» (بالبرتغالية: أومينز دي نيجوسيوس homens de negocios) ،كما كانت لهم اتصالاتهم التجارية والمالية المهمة. وقد أدَّى هذا إلى بروزهم في التجارة الدولية حتى أصبحت كلمة «برتغالي» مرادفة لكلمة «يهودي» في أنحاء أوربا. وقد كوَّنوا جماعة ضغط قوية داخل البرتغال نفسها وكان لهم سفير خاص في روما، نجح في تقديم الرشاوى التي أخّرت إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال. وتُشكل كل هذه العناصر مكونات مشكلة المارانو: عناصر يهودية تَنصَّرت قسراً وادعت المسيحية، وعناصر أخرى تَنصَّرت طوعاً وآمنت بالمسيحية فعلاً، وكلها عناصر ذات خطاب حضاري واحد (أيبيري كاثوليكي) ، يوحِّد بينها، رغم اختلاف العقائد أو الادعاءات الدينية.

стр. 1282

وقد تأخر إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال بعض الوقت ولكنها بدأت نشاطها بشكل رسمي عام ١٥٣٦، ثم مارست نشاطها بشكل فعال في منتصف القرن السادس عشر، وبدأت في تَعقُّب اليهود المتخفين الذي تخفوا ما يزيد عن قرن ونصف القرن (١٣٩١ ـ ١٥٥٠) أي الذين كانوا قد دُمجوا حضارياً تماماً إن لم يكن دينياً أيضاً. ومما زاد الأمور تعقيداً صدور القرار الخاص بنقاء الدم (بالإسبانية: لامبيثا دي سانجري limpieza de sangre) عام ١٥٦٦ الذي جعل من الأصول العرْقية (لا الإيمان الديني) معياراً للتمييز. وبعد أن كان التنقيب يتم عمن يمارسون الطقوس اليهودية خفية، أصبح التنقيب عن ذوي الأصول غير النقية، ومن ثم أصبح مصطلح «المارانو» لا يشير إلى اليهود المتخفين وحسب وإنما إلى ذوي الأصول اليهودية حتى ولو كانوا من المسيحيين الأتقياء (ولذا يميِّز البعض بين «المارانو المسيحيين» و «المارانو اليهود» ) .

стр. 1283

وقد مارس المارانو (اليهود) جميع الشعائر التي تقتضيها الديانة المسيحية في العلن. ولكن بعضهم ظل، في الوقت ذاته، يمارس شعائر الديانة اليهودية سراً. فكان اليهودي المارانو يُعمِّد أطفاله ويذهب إلى الكنيسة يوم الأحد ويذهب للاعتراف دون أن يدلي بأية اعترافات حقيقية، ويتناول القربان في الكنيسة ثم يبصقه خارجها. وقد تأثرت عقيدتهم اليهودية بطول التخفي، فاختفت شعائر يهودية، مثل: الختان، والذبح الشرعي، واستخدام شال الصلاة، وكثير من الأعياد. واكتسبت الشعائر ملامح جديدة ابتعدت بهم تماماً عن دينهم الأصلي. وكان أساس عقيدة المارانو هو الإيمان بأن الخلاص يتم من خلال شريعة موسى لا من خلال الكنيسة أو المسيح، وكانوا يؤمنون بأن تنصيرهم القسري هو جزء من العقاب الإلهي الذي حاق باليهود، تماماً مثل النفي (في حالة اليهودية الحاخامية) . وقد تبوأت إستير مكانة خاصة في فكرهم الديني، فكان يُنظَر إليها باعتبارها صورة مُسبَقة لما يحدث لهم. فإستير، هي الأخرى، اضطرت إلى إخفاء هويتها الدينية مدة من الزمن حتى تحرز مكانة متميِّزة داخل البلاط الفارسي. وقد تمكنت خلال ذلك من إنقاذ شعبها من المذبحة التي كان يدبرها هامان لهم. وقد أنكر المارانو أن المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح، وأصبح هذا الإنكار ركناً أساسياً في عقيدتهم، وهو ما زاد من أهمية العقيدة المشيحانية وانتظار مجىء الماشيَّح، ولعلها أصبحت المبدأ الوحيد. وكان المارانو يحتفلون بشعائر السبت يوم الأحد، وإن كان الاحتفال يأخذ شكلاً يسمح بالتخفي مثل: تنظيف المنزل، وتغيير الملاءات والملابس، والاستحمام، وإعداد وجبة تُسمَّى «أدافينا» (وكانت تُعَدُّ قبل يوم السبت) . كما كانوا يحتفلون بأعياد اليهود المهمة الأخرى (مثل عيد الفصح وعيد الغفران) بعد العيد بعدة أيام حتى لا تتعقبهم محاكم التفتيش. وكان الصوم من أهم الشعائر التي يمارسونها لسهولة إخفائه، كما أن صوم إستير كان أهم

стр. 1284

أعيادهم، حيث كانوا يتلون مزامير داود أو قصائد من نظمهم باللغة الشائعة بينهم. وكانت هذه الصلوات تؤكد وحدانية الخالق (مقابل التثليث المسيحي) ، بل وكان لديهم طقس يهدف إلى محو أثر التعميد المسيحي. وقد بهت انتماء يهود المارانو بالتدريج بعد أن ترك التخفي لمدة طويلة أثره العميق. فعلى سبيل المثال، أصبحت عبادة الخالق في الخفاء جزءاً عضوياً من عقيدتهم، وأصبح الإعلان عن عقيدة الإنسان أمراً لا يليق (ومن هنا، استمر عدد كبير من يهود المارانو في التخفي حتى بعد أن أصبح من حق اليهود ممارسة شعائر دينهم علناً في إسبانيا والبرتغال) . وقد تأثر المارانو بالطقوس الكاثوليكية، فهم يشيرون إلى «سانت إستير» ، كما تأثروا بتقاليد التصوف الكاثوليكية فكانوا يصومون من أجل الأحياء والموتى (وهو تقليد كاثوليكي) . وأصبحت لهم عبادات وأدعية خاصة بهم تختلط فيها الطقوس والعبادات الكاثوليكية بالطقوس والعبادات اليهودية. وكان المارانو لا يتزوجون إلا فيما بينهم ولا يتزاوجون مع غيرهم من اليهود. وكانت القيادة الروحية للجماعة في يد النساء العجائز، وكان الأطفال لا يعرفون الهوية الدينية الحقيقية إلا بعد سن الخامسة عشرة. كما أن يهود المارانو كانوا يُشكلون شبكة متماسكة، فكان التاجر المارانو يرفض أن يشارك تاجراً آخر إلى أن يتأكد من هويته. وقد أدَّى ذلك إلى تسهيل عملية التجارة والائتمان، وساعد هذا التَماسُك على تسهيل الحراك الاجتماعي للمارانو.

стр. 1285

ثم بدأت محاكم التفتيش نشاطها في كل شبه جزيرة أيبريا. ومما يجدر ذكره أن محاكم التفتيش لم تتعقب اليهود الذين أعلنوا عن هويتهم الدينية، فهؤلاء لم يكن يُسمَح لهم بالبقاء أساساً، وإنما تعقبت المسيحيين المشكوك في أمرهم والذين كان يُظَن أنهم مارانو، أي «مواطنون يُظهرون المسيحية ويُبطنون اليهودية» ، فهؤلاء كانوا في رأي محاكم التفتيش يشكلون خطراً على العقيدة المسيحية وعلى أمن الدولة. ولكن هناك بعداً آخر بدأت الدراسات الحديثة تؤكده، وهو أن محاكم التفتيش في إسبانيا لم تكن تابعة للبابا. بل إن روما كانت تعترض في كثير من الأحيان على تَطرُّف قضاة هذه المحاكم، وعلى أن هذه المحاكم كانت تستخدم ديباجات دينية تستغل الشرعية الدينية لتَعقُّب من كانت تظنهم أعداء الدولة. وتبين هذه الدراسات أن رجال الدين الذين عُيِّنوا قضاة في هذه المحاكم نُصِّبوا من قبَل الدولة الإسبانية لا من قبل روما. وتذهب هذه الدراسات إلى أن الدولة الإسبانية كانت في الواقع أول دولة مطلقة تضع مصلحتها الدنيوية فوق أية مصلحة أخرى، وهي ظاهرة بدأت تتضح في بقية أوربا في تاريخ لاحق، وتذهب أيضاً إلى أن هذه الدولة طالبت رعاياها لهذا السبب بولاء مطلق. وتحل الدولة العلمانية الحديثة مشكلة الولاء عن طريق جعل الدين أمراً خاصاً، على أن يتم التضامن داخل المجتمع على أساس مصلحة الدولة. ولكن في حالة الدولة الإسبانية، لم يكن هذا ممكناً برغم تَوجُّهها الدنيوي لأن التحالفات في أوربا كانت تتم في إطار ديني، ولم تكن العقيدة العلمانية قد تطورت أو أحرزت شيوعاً بعد. ومن هنا كان تَمسُّك الدولة الإسبانية بالديباجات الدينية برغم تَوجُّهها الدنيوي.

стр. 1286

ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن عملية المطاردة أصبحت بعد قليل مثل مطاردة أجهزة المخابرات الحديثة لمن يُسمَّون «أعداء الدولة» . وهذه الأجهزة كثيراً ما تختلق الاتهامات ضدهم وتخترعها اختراعاً إن لم تجدها، حتى يُكتَب لوظيفتها الاستمرار وحتى تُحكم قبضتها على الحاكم ويتزايد نفوذها وهيبتها. ومن هنا مطاردتها لبعض المسيحيين الجدد الذين تَنصَّروا عن صدق، حتى يُكتَب لها الاستمرار وتحقيق الرسالة! ويُضيف أصحاب هذه النظرية بُعداً اجتماعياً أخيراً، وهو أن محاكم التفتيش لم تكن تهدف في واقع الأمر إلى القضاء على الهرطقة اليهودية بين المارانو كما كانت تدَّعي، وإنما كانت تهدف إلى وقف الحراك الاجتماعي لكل المسيحيين الجدد. ولم تكن تميِّز بين من اعتنق المسيحية عن صدق وبإرادته من جهة وبين من ادعى الإيمان بها من جهة أخرى. فالمسيحيون الجدد كانوا يشكلون طبقة وسطى جديدة لها إمكانيات غير متوافرة لكثير من قطاعات النخبة الحاكمة. ومن المعروف أنه، مع نهاية القرن السابع عشر، لم يكن هناك فرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى. ولكن، مع هذا، تم تأكيد الفروق لتكون مسوِّغاً لمطاردة أعضاء الطبقة الجديدة. وقد استخدمت محاكم التفتيش معياراً دنيوياً غير ديني ( «درجة نقاء الدم» ) وبالتالي تكون محاكم التفتيش هي أولى علامات العنصرية العلمانية (مقابل التعصب الديني) والتي تعتمد العرْق (لا الدين) معياراً للتفرقة بين البشر. ولم تتوقف المطاردة إلا عام ١٧٧٣ حين تَقرَّر إحراق الوثائق التي تُفرِّق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى.

стр. 1287

ومن القرائن التي تُذكَر كدليل على أن هؤلاء المسيحيين الجدد قد تَنصَّروا فعلاً بإرادتهم وأنهم كانوا مسيحيين عن صدق، موقف الشرع اليهودي منهم، فكثير من الحاخامات كانوا لا يعتبرونهم يهوداً. بل ورفضت المؤسسة اليهودية البعض ممن تهوَّدوا وعاملت من قبلتهم باعتبارهم متهودين أو غرباء (بالعبرية: جير) اعتنقوا اليهودية، أي أنها كانت تراهم مسيحيين تهودوا. ويُقال إن المؤسسة الحاخامية كانت سعيدة بملاحقة محاكم التفتيش للمسيحيين الجدد واضطهادها لهم، على أساس أنهم تركوا دينهم عن قصد. وعلى وجه العموم، كان اليهود يحتقرون المسيحيين الجدد (المارانو) الذين كانوا بدورهم لا يكنون أي احترام لليهود. ومن القرائن الأخرى التي يجب ذكرها أن كثيراً من المسيحيين الجدد لم يعتنقوا اليهودية حتى بعد طردهم من شبه جزيرة أيبريا، لأنهم كانوا مسيحيين بالفعل. كما يُفسِّر هذا اتجاه أغلبيتهم إلى العالم المسيحي وعدم تَوجُّههم إلى الدولة العثمانية الإسلامية. وقد جاء في إحدى الدراسات قصة تبيِّن غباء البشر في بعض الأحيان وعُمْق تعصبهم، فقد قامت محاكم التفتيش بطرد فتاة بتهمة أنها مارانو تدَّعي المسيحية وتُبطن الإسلام. وعند وصولها إلى المغرب أكدت للناس هناك أنها مسيحية مؤمنة، فقاموا بتعذيبها باعتبارها مرتدة فأصرت على موقفها وقُتلت، فاحتُفل بها في شبه جزيرة أيبريا باعتبارها شهيدة مسيحية! وقد لاحظ بعض الدارسين أن كثيراً من المارانو كانوا في واقع الأمر ملحدين أو بغير هوية دينية على الإطلاق. ولهذا طالب المفكر الهولندي الشهير جروتيوس بأن يؤكد كل يهودي (فوق سن الرابعة عشرة) إيمانه بالإله والأنبياء واليوم الآخر للتأكد من يهوديته. تبقى بعد ذلك قضية المارانو أو «المسيحيون الجدد» الذين تهوَّدوا عند خروجهم. ولتفسير حالة هؤلاء، نورد الأسباب التالية:

стр. 1288

١ ـ لم يكن كل المسيحيين الجدد، كما أسلفنا، مؤمنين بالعقيدة المسيحية، بل كان منهم بالفعل مارانو يتحينون الفرصة لإظهار ما يُبطنون. ٢ ـ يُعتقَد أن بعض المسيحيين الجدد، الذين كانوا يؤمنون بالمسيحية عن حق، اعتنقوا اليهودية نتيجة مطاردة محاكم التفتيش وملاحقتها لهم، وهم في هذا يشبهون المتهم الذي يعترف بجريمة لم يرتكبها، تحت وطأة التعذيب، حتى يُريح نفسه. كما أن هناك أيضاً عنصر الانتقام من مؤسسة عنصرية غبية. ٣ ـ يُعتقَد أن كثيراً من المسيحيين الجدد تهوَّدوا بعد أن وصلوا إلى أمستردام وغيرها من البلاد، حتى يحصلوا على عمل أو يمكنهم الالتحاق بإحدى النقابات الحرفية، أو المهنية. إذ أن المارانو كانوا قد وصلوا إلى بلد غريب ذي تنظيم ينتمي إلى العصر الوسيط ولا يسمح باستيعاب الغريب. وإذا أراد المرء أن يُكتَب له البقاء، خصوصاً إذا كان وافداً جديداً، كان عليه أن ينتمي إلى إحدى النقابات أو المؤسسات. ولكن لم يكن من المتوقع أن تقبله نقابات المهنيين أو إحدى التنظيمات الوسيطة الأخرى باعتباره مسيحياً. وهناك حالات رُفض فيها السماح لبعض المسيحيين الجدد بالتنصُّر الفعلي حتى لا يحصلوا على حقوق المسيحيين. وقد كان أمام هؤلاء فرصة الانضمام إلى إحدى النقابات اليهودية عن طريق التَهوُّد. ٤ ـ ولقد أتى هؤلاء المسيحيون الجدد من شبه جزيرة أيبريا، ومن ثم فإن من كان منهم مسيحياً حقاً كان يؤمن بالكاثوليكية، ثم استقروا في هولندا، وكانت حينذاك بلداً بروتستانتياً معادياً لإسبانيا، يتسامح مع اليهودية ويقبلها ولا يتسامح مع الكاثوليكية. فالدول البروتستانتية الجديدة في أوربا كانت تنظر إلى الكاثوليكية والكاثوليك (لا اليهودية واليهود) باعتبارهم الخطر الأعظم. ومن ثم كان من المنطقي أن يَتبنَّى هؤلاء المطرودون من بلادهم البديل الوحيد المقبول وهو اليهودية.

стр. 1289

وقد ظهرت نظرية مؤخراً تذهب إلى أن المارانية هي نتاج شكل من أشكال العبادة الشعبية التي كانت موجودة في شبه جزيرة أيبريا، وهي عبادة اختلطت فيها العناصر اليهودية بالعناصر المسيحية والإسلامية (كما هو الحال مع العقائد الشعبية) .وقد شاعت هذه العبادة بين الجماهير اليهودية التي كانت تَشعُر بالاغتراب عن اليهودية الحاخامية الرسمية بنزعتها العقلية والعقلانية، خصوصاً بعد تأثرها بالفلسفة العقلانية الرشدية. والديانات الشعبية عادةً ما يتم تَوارُثها من خلال الأسرة، ولذا كان اليهودي المتنصِّر عن صدق يصبح من المارانو إن كان من ممارسي هذه الديانة الشعبية. ومهما كانت الأسباب والدوافع لتَعقُّب محاكم التفتيش للمارانو وتهوُّدهم بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا، وبغض النظر عما إذا كانوا مسيحيين عن صدق أم يهوداً، فما يهمنا هنا هو تأكيد أن المضمون اليهودي لهوية المسيحيين الجدد، والمارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا، إما أنه لم يكن موجوداً أساساً أو أنه قد ضعف تماماً أو اختفى كليةً. وقد انضمت أعداد كبيرة منهم إلى الجماعات اليهودية في أوربا، الأمر الذي ترك أعمق الأثر في هذه الجماعات. فهوية المارانو كانت هوية هامشية بالنسبة إلى المجتمعات كافة. ذلك أنهم بعد انضمامهم إلى الجماعات اليهودية، لا يكونون مسيحيين في المجتمع المسيحي، ولا يهوداً من منظور اليهودية الحاخامية. ولذا، قُدِّر لهم أن يلعبوا دوراً تحديثياً ضخماً بوصفهم «غرباء هامشيين» وكجماعات وظيفية داخل المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية.

стр. 1290

وقد انتشر يهود المارانو في كل أنحاء العالم بعد طردهم، فذهبت أعداد كبيرة منهم إلى الدولة العثمانية واستوطنوا سالونيكا، فكان عدد يهود المارانو في هذه المدينة يفوق عدد اليهود بل وعدد غير اليهود فيها. ولذا، كانت هذه المدينة تُعَدُّ عاصمة المارانو في العالم. كما اتجهوا إلى الأستانة والقاهرة وكونوا نخبة متفوقة، الأمر الذي أدَّى إلى اندماج مختلف الجماعات اليهودية الأخرى فيهم، وأصبحت اللادينو لغة يهود الدولة العثمانية. وقد اتجه المارانو إلى الدول الغربية، خصوصاً البروتستانتية، حيث كانت محاكم التفتيش محط كراهية عميقة، وكان كثير من البروتستانت من ضحاياها. فاستوطن المارانو في إنجلترا وأمستردام وهامبورج، بل واتجه بعضهم إلى الدول الكاثوليكية فاستقروا في بايون وبوردو وليون في فرنسا، وفي بعض المستعمرات الاستيطانية التابعة لإسبانيا أو البرتغال في العالم الجديد. وكانت بعض الدول مثل هولندا تعترف بالمارانو كيهود عند وصولهم. أما بعض الدول الأخرى، فكانت تتسامح في وجودهم وحسب، وتلجأ في ذلك إلى حيل قانونية أو غير قانونية. فكانت بعض الدول، مثل إنجلترا، تغض النظر عن هويتهم الحقيقية، فيظلون مسيحيين اسماً ويمارسون عقيدتهم اليهودية سراً أو علناً، ولكن دون اعتراف رسمي، لأن الاعتراف الرسمي كانت تنجم عنه بكل تأكيد تعقيدات إدارية بالغة في مجتمع تستند كل مؤسساته إلى العقيدة المسيحية وإلى الإيمان بها. وكما أشرنا سالفاً، فإن كلمة «برتغالي» كانت في كثير من الدول تعني «مارانو» أو «يهودي» .

стр. 1291

وكان يهود المارانو عادةً يستوطنون في بلد ما ليُشكِّلوا نواة سفاردية متقدمة تلحق بها عناصر إشكنازية تزيد من عددها. وقد ظل السفارد النخبة التي كانت تلعب دوراً قيادياً. أما الإشكناز فكانوا هم الجماهير، أو الفائض غير المرغوب فيه. وقد زادت الهجرة الإشكنازية من شرق أوربا بعد هجمات شميلنكي في القرن السابع عشر، ومع تَفاقُم المسألة اليهودية في القرن التاسع عشر، حتى زاد عدد اليهود الإشكناز على عدد يهود السفارد من المارانو السابقين وأصبحوا هم الأغلبية العظمى. وفي الأدبيات الصهيونية يتحدثون عن «المارانو الجدد» ، وهم اليهود المندمجون الذين يحاولون الاندماج في محيطهم الثقافي ويخفون يهوديتهم بقدر الإمكان. ولكن كما قال حاخام فيينا بعد لقائه بهرتزل: "من هو اليهودي الحقيقي: هل هو الذي يمارس شعائر دينه ويندمج في مجتمعه، أم هو الصهيوني الذي يتحدث عن العودة إلى فلسطين ولا يمارس أياً من الأوامر والنواهي؟ ". ويمكننا من هذا التساؤل أن نقول إن الصهيوني هو مقلوب المارانو، فهو يتباهى بهويته اليهودية ولكنه في داخله إنسان غير منتم إلى الدين اليهودي. وقد لاحظ بن جوريون نفسه أن يهود أمريكا يستخدمون الصهيونية كغطاء يستترون به حتى يزيدوا من اندماجهم الفعلي في مجتمعاتهم، وتنحصر يهوديتهم الظاهرة في إرسال التبرعات إلى إسرائيل لإخفاء باطنهم المندمج، ومن هنا الإشارة ليهودية هؤلاء باعتبارها «يهودية دفتر الشيكات» .

стр. 1292

وقد اختفى أثر المارانو في إسبانيا، أما في البرتغال، حيث كانت توجد أعداد كبيرة منهم، فقد استمر وجودهم حتى القرن العشرين على هيئة جماعات متفرقة يبلغ عدد أعضائها نحو عشرة آلاف. ومن الطريف أن جيرانهم يعرفون أنهم مارانو وأنهم فقدوا الصلة تماماً بالجماعات اليهودية في العالم وإن كانوا يحتفظون بالصلة فيما بينهم. وقد أصبحت ممارستهم الخفية جزءاً أساسياً من عقيدتهم، كما أصبحت طقوسهم الباهتة التي توارثوها عبر الأجيال هي ممارستهم الدينية اليهودية الوحيدة. ورغم أن البرتغال أعلنت حرية العبادة عام ١٩١٠، فإن المارانو لم يغتنموا الفرصة وظلوا على ممارستهم. ومن أهم جماعات المارانو جماعة مدينة بلمونت، فهم يتصورون أنهم من نسل اليهود البرتغاليين مباشرةً، وأنهم غير مُخلَّطين. كما أنهم لا يزالون يمارسون بعض الشعائر الدينية اليهودية، فهم يوقدون الشموع يوم السبت، ويصومون يوم الغفران، ويقيمون بعض شعائر عيد الفصح، فلا يأكلون لحم الخنزير في يوم السبت أو في الأعياد ولكنهم يأكلونه في الأيام الأخرى، وهم يحتفلون بهذه الأعياد في أيام غير تلك التي حددها التقويم اليهودي حتى يحولوا الأنظار عنهم. ويتم عقد الزيجات باسم الإله أبراهام وإسحق ويعقوب. كما احتفظوا ببعض شعائر الدفن مثل الطهارة، أي تغسيل الميت. وقد اختفت اللغة العبرية في صلواتهم، فلم يبق سوى عبارات مُحرَّفة تكاد تكون غير مفهومة. وقد أصبحت عقيدتهم بعيدة عن اليهودية وتتضمن خرافات كثيرة. ويبدو أن الممارسات الدينية مقصورة على النساء، ربما لصرف الأنظار.

стр. 1293

وتحاول بعض الجماعات اليهودية، خصوصاً في إنجلترا حيث يوجد يهود كثيرون من أصل برتغالي، أن يُهوِّدوا المارانو ويُدخلوهم حظيرة اليهودية العلنية. وقد بذلت الأليانس جهوداً كبيرة في هذا المضمار، واتصلت بهم الوكالة اليهودية مؤخراً، ويبدو أنها أقنعتهم بالتهود والهجرة إلى إسرائيل. وهذا يعني بالنسبة إليهم حراكاً اجتماعياً لأن معظمهم فقراء يعملون بائعين متجولين. والمارانو يشبهون من بعض الوجوه ظاهرة الموريسكيين، وهم العرب المسلمون الذين اضطروا إلى التنصُّر بعد استرداد المسيحيين لإسبانيا. وقد نسي الموريسكيون اللغة العربية وإن كانوا يتحدثون بلهجة يُقال لها «الألخميادو» (تحريف لكلمة "أعجمية") ، وهي اللغة القشطالية بعد أن دخلت عليها كلمات عربية ولاتينية، وكانت تُكتَب بحروف عربية. وكان الموريسكيون صناعاً مهرة وفنيين في العديد من المهن، مثل: صناعة الحرير، والذهب والفضة، والنقش والبناء، والفلاحة وأساليب الري الفنية. كما كانوا وراء تعميم زراعة البرتقال والموالح وقصب السكر ومختلف الأشجار المثمرة كالتوت، ومن الواضح أنهم كانوا مُركَّزين في قطاعات الاقتصاد الإنتاجية، على خلاف يهود إسبانيا الذين كانوا مركزين في التجارة والمال والأعمال الوسيطة. وقد حاولت الدولة الإسبانية صبغهم بالصبغة الإسبانية بعد تَنصُّرهم، فكان يُحرَّم عليهم لبس الرداء العربي أو التحدث بالعربية أو اقتناء كتب عربية أو طبخ الكُسكُس (الطعام المغربي الشهير) . وقد اندلعت الثورات بينهم من أهمها ثورة الموريسكيين الكبرى في البشرات (قرب غرناطة) سنة ١٥٦٩ (وتُسمَّى ثورة البشرات الثانية) . وحينما فشل النظام الإسباني في إسقاط هويتهم العربية، قام بطردهم سنة ١٦٠٩ (كان مجموع المسلمين الذين طُردوا يتراوح ما بين ٩٠٠ ألف و ٣٠٠ ألف، وفي بعض التقديرات يُقال إن مجموع من طُرد من المسلمين يصل إلى ثلاثة ملايين) .

стр. 1294

ومع هذا، بقي كثير من المسلمين يمارسون شعائر دينهم في الخفاء، ويتداولون الكتب الدينية المكتوبة بالألخميادو. وقد تعقبتهم محاكم التفتيش، وبالفعل وُجد في غرناطة (عام ١٧٢٧) قساوسة من أصل موريسكي يمارسون شعائر الدين الإسلامي سراً. وكانت بعض الأسر الموريسكية تُشهر إسلامها بعد مغادرتها إسبانيا. وفي سنة ١٧٥٧، حُوكم موريسكي بتهمة اتباع شعائر الدين الإسلامي سراً. وقد لاحَظ بعض الرحالة الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر أن بعض الأسبان مازالوا يمارسون شعائر الدين الإسلامي سراً. ويقول بعض الأساتذة الأسبان إنه لا تزال توجد في إسبانيا قرى بأسرها موريسكية. وقد بدأ بعض دعاة القومية الأندلسية في إسبانيا الحديثة يصر على أن تراث أهل الأندلس هو التراث الإسلامي، بل إن بلاسي إنفانتي بيريز (١٨٨٥ ـ ١٩٣٦) أبا حركة البعث الأندلسي، وهو من نسل الموريسكيين القدامى، اعتنق الإسلام، وقد أعدمته قوات فرانكو رمياً بالرصاص في ١٠ سبتمبر ١٩٣٦. جديد الإسلام Jedid al-Islam «جديد الإسلام» مصطلح إيراني بمعنى «المسلمون الجدد» ، ويشير هذا المصطلح إلى اليهود المتخفين الذين أُرغموا عنوة على اعتناق الإسلام في إيران في القرنين السابع والثامن عشر، فأظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية. ويشير المصطلح على وجه التحديد إلى أعضاء الجماعة اليهودية في مشهد، والذين اضطروا إلى اعتناق الإسلام إبان حكم أسرة الكاجار عام ١٨٣٩. ولا نعرف شيئاً عن مصير اليهود الذين اعتنقوا الإسلام عنوة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. والظن الغالب، أنه تم استيعابهم في المجتمع الإسلامي. أما جماعة مشهد، فقد احتفظت بهويتها ولم يتزاوج أعضاؤها إلا فيما بينهم، ثم هاجر بعضهم إلى القدس عام ١٨٩٠. أما بقية الجماعة، فقد ظلت في مشهد حتى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وكونت جماعة اقتصادية مستقلة. تشويتاس Chuetas

стр. 1295

«تشويتاس» من كلمة «تشويا» وتعني «لحم خنزير» بلهجة جزيرة مايوركا، إحدى جزر البالياريك التابعة لإسبانيا. غير أن هناك نظرية أخرى تذهب إلى أن الكلمة مُشتقَّة من كلمة «تشوهينا» وتعني «يهودي» بلهجة الجزيرة. وهم من أهم جماعات المارانو التي استمر وجودها حتى الوقت الحالي في جزيرة مايوركا. وأعضاء هذه الجماعة يعملون أساساً بالتجارة وصناعة الحلي الفضية. وقد فَقدوا كل علاقة باليهودية، ومع هذا فهم لا يزالون يحتفظون بعزلتهم وهويتهم الخاصة الباهتة. ولا يُعرَف عددهم على وجه الدقة، وإن كان لا يتجاوز مائتين أو ثلاثمائة. وقد هاجرت أعداد منهم إلى إسرائيل وتم تهويدهم واستوطنوا فيها، ولكن التجربة فشلت فعادوا إلى مايوركا. الرومانيوت Romaniot تُستخدَم كلمة «رومانيوت» للإشارة إلى الجماعة اليهودية داخل الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان. وكان الرومانيوت يُسمَّون أيضاً «الجريجوس» ، كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى نسلهم ومن ورثوا تراثهم اللغوي والثقافي. وكان الرومانيوت يتسمَّون بأسماء يونانية، كما كانت معابدهم تُعرَف بأسماء يونانية أيضاً. وقد تأثروا بعمق بالتراث اليوناني وباللغة اليونانية التي أصبحت لغة الصلاة في المعبد. وقد صدرت عام ١٥٤٧ ترجمة العهد القديم باليونانية الحديثة واللادينو. ومع بداية القرن السادس عشر، بدأ يهود السفارد يصلون لاجئين إلى الدولة العثمانية، وكان مستواهم الثقافي الرفيع وخبراتهم الإدارية والمالية واتصالاتهم العالمية تؤهلهم لاستلام قيادة الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، الأمر الذي وضع يهود الرومانيوت في حالة دفاع عن النفس. وعلى أية حال، فقد بدأت معابدهم في التناقص وأصبحت لهجتهم اليونانية مقصورة على بضعة تجمعات يهودية متناثرة. وقد انتهى الأمر باندماج معظمهم في السفارد وتَبنِّيهم اللادينو التي أصبحت لغة معظم يهود الدولة العثمانية في الكتابة والحديث.

стр. 1296

يهود الهند Indian Jews توجد عدة جماعات يهودية في الهند من بينها بني إسرائيل في بومباي، ويهود كوشين على ساحل مالابار، في ولاية كيرالا، واليهود البغدادية في بومباي أيضاً، ويهود مانيبور على الحدود مع بورما. وقد بلغ عددهم عام ١٩٤٧ نحو ٢٦.٠٠٠. أما في عام ١٩٦١، فقد بلغ عددهم ١٤.٦٠٨ في الهند ذاتها، إضافة إلى ٢٣ ألفاً في إسرائيل، و٢٠٠٠ في إنجلترا حسب إحصاءات عام ١٩٦٨، أي أن عددهم يبلغ نحو ٣٩.٥٠٠، وهو ما يعني أن نسبة التكاثر بين يهود الهند من أعلى النسب بين الجماعات اليهودية (إذا كانت الإحصاءات دقيقة) . وقد تأثرت كل هذه الجماعات اليهودية بالبيئة الهندية وبنظام الطوائف المغلقة. وهي لا تنتمي إلى أيٍّ من الكتل اليهودية الثلاث الكبرى: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي. ولذا، فهم يُعَدُّون ضمن الجماعات الهامشية مثل الفلاشاه ويهود كايفنج.

стр. 1297

ويُلاحَظ أن قبول اليهود في مجتمع ما، واندماجهم فيه، يؤدي إلى ذوبانهم وانصهارهم. ولكن يهود الهند يمثلون نمطاً مغايراً تماماً إذ أن اندماجهم أدَّى إلى الحفاظ على هويتهم. وهذه مفارقة واضحة تعود إلى حركيات المجتمع الهندي ذاتها، فهو مجتمع تُعَدُّ الوحدة الأساسية فيه القرية والطائفة المغلقة. وتستطيع أنواع مختلفة من البشر الاحتفاظ بهوياتهم فيه، ماداموا يقبلون الطائفة المغلقة إطاراً للتنظيم الاجتماعي، وربما ببعض المعتقدات الهندوكية الأساسية. وتقوم عملية التضامن داخل الجماعة المغلقة بتقوية الهوية مادامت لا تهدد النظام الاجتماعي. وبالتالي، فإن ثمة هويات هندية يهودية مختلفة، بل ومتصارعة، لكلٍّ سماتها الواضحة. وهذا، بطبيعة الحال، مختلف عن وجود هوية يهودية محددة داخل كل مجتمع، وعن الافتراض الصهيوني القائل بوجود هوية يهودية عامة أو عالمية. ويُلاحَظ أن الهويات اليهودية الهندية آخذة في الاختفاء بسبب الهجرة من الهند سواء إلى إسرائيل أو إلى غيرها من البلدان. كما أن الأجيال الجديدة من الهنود اليهود بدأت تتمرد على نظام الطوائف المغلقة، تماماً مثل جيل الشباب الهندي ككل. ويعيش القسم الأكبر من يهود الهند الذين هاجروا إلى إسرائيل في مدن التنمية، خصوصاً تلك الموجودة في النقب والمنطقة الجنوبية مثل: بئر سبع وعسقلان وعراد إضافة إلى بيسان في غور الأردن. ويعيش قسم آخر في المدن الكبرى الثلاث: القدس، وتل أبيب، وحيفا. ويعيش عدد قليل للغاية في بعض الكيبوتسات (وهي مؤسسات إشكنازية بالدرجة الأولى) والموشافات. ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن ثمة قائمة خاصة بمهاجري الهند ظهرت في انتخابات عام ١٩٨٤. بني إسرائيل Bene Israel

стр. 1298

«بني إسرائيل» اسم عَلَم يُطلَق على مجموعة من يهود الهند كانت تقطن أساساً في منطقة كونكان، ولكنها، ابتداءً من القرن الثامن عشر، انتقلت إلى بومباي حيث أسست أول معبد يهودي عام ١٧٩٦. ومع حلول عام ١٨٣٣، كان ثلثا يهود بني إسرائيل يعيشون في بومباي. ولا نعرف الكثير عن أصل يهود بني إسرائيل، إلا أنهم، حسب روايتهم، يعودون إلى ما قبل الميلاد. وقد انقطعت صلتهم باليهودية الحاخامية، ولكنهم بعد احتكاكهم بيهود كوشين تَعلَّموا على أيديهم أصول عقيدتهم مرة أخرى، كما انضم إليهم اليهود البغدادية في القرن التاسع عشر. ولون يهود بني إسرائيل أميل إلى البياض مقارنةً بلون بشرة الهنود العاديين، وهم يرتدون الملابس الهندية ويتحدثون الماراثي (وهي اللغة الشائعة في المنطقة التي يعيشون فيها) ، ويتسمَّون أسماءً هندية. ونظراً لانفصالهم عن اليهودية الحاخامية لعدة قرون، فإن شعائرهم الدينية تختلف عن شعائر باقي يهود العالم في كثير من النواحي، فهم لا يعرفون التلمود، بل كانوا قد نسوا التوراة بعض الوقت ولكنهم أعادوا اكتشافها من بعد. ولم يُترجَم العهد القديم إلى اللغة التي يتحدثونها إلا في بداية القرن التاسع عشر. ومع هذا، فهم يعرفون صلاة عبرية هي صلاة الشماع، وللنبي إلياهو مكانة خاصة في عبادتهم. ومن عاداتهم الدينية عادة تُسمَّى «ماليدا» وهي إعداد طعام خاص يقدم قرباناً. وتُتلَى بعض الصلوات اليهودية في مناسبات مهمة مثل الختان والزواج. وأعيادهم وأيامهم المقدَّسة هي: رأس السنة (ويُحتفَل به لمدة يوم واحد) ، ويوم الغفران، وعيد الفصح. ولكنهم كانوا لا يعرفون عيد التدشين. كما كانوا لا يعرفون شيئاً عن هَدْم الهيكل على يد تيتوس. وهم يقيمون شعائر السبت والختان وبعض قوانين الطعام، ويمارسون صيام رمزان (وقد يكون هذا الاسم تصحيفاً لكلمة «رمضان» ) . وكان يترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية والدنيوية الكاجي (القاضي؟) . وقد أصبحت

стр. 1299

الوظيفة وراثية حتى صارت كلمة «كاجي» هي اسم العائلة. وبعد احتكاك يهود بني إسرائيل باليهودية الحاخامية في بقية العالم وتأسيسهم معابد يهودية، ظهرت وظيفة المقدَّم الذي اضطلع بالوظيفة الدنيوية للكاجي، كما حل المرتلون (حزان) محل الكاجي في الجوانب الشعائرية. ولا يوجد عندهم حتى الآن حاخام مُعتَمد تَلقَّى التدريب الصحيح. وكان يهود بني إسرائيل يعملون أساساً بالزراعة واستخراج الزيت وببعض الحرف اليدوية. وبعد احتلال الإنجليز للهند، خدم يهود بني إسرائيل في الفرق العسكرية الإنجليزية وعملوا في المهن المختلفة وفي وظائف ذوي الياقات البيضاء وفي المهن التجارية والمالية الأخرى، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية في خدمة الاستعمار. وهناك ١٠% من يهود بني إسرائيل يعملون بالتجارة، ولكن أغلبيتهم العظمى تعمل كَتَبة في الحكومة والمكاتب الخاصة. ولذا، يُشار إليهم الآن بوصفهم «طائفة الكتبة المغلقة» ، كما تضم الجماعة بعض الأساتذة الجامعيين. ويمكننا أن نقول إن يهود بني إسرائيل قد استطاعوا الحفاظ على هويتهم من خلال نشاطهم داخل المجتمع الهندي لا ضده، أي من خلال اندماجهم فيه. ومن هنا، فإن بعض أنماط سلوكهم يختلف عن أنماط سلوك يهود الغرب. ورغم أن سمعة الأطباء اليهود جيدة في الهند، فإن أبناء الجماعة لا يترددون عليهم. ونادراً ما يستخدم أرباب العمل اليهود عمالاً يهوداً، على عكس ما كان عليه الأمر في أوربا قبل الثورة الصناعية. ونادراً ما يرسل أعضاء الجماعة أبناءهم إلى مدارس يهودية. كما لا تُوجَد نسبة كبيرة من التجار بينهم.

стр. 1300

ولكن الاندماج يظهر، أكثر ما يظهر، في استيعاب نظام الطوائف المغلقة (الهندوكي) لأعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك في تأثيره العميق عليهم وعلى رؤيتهم للذات وللآخر. فأعضاء الجماعات اليهودية ينقسمون إلى قسمين: اليهود البيض (جورا إسرائيل) ، الذين يعتبرون أنفسهم اليهود الحقيقيين والأكثر رقياً (وهم حسب أسطورتهم أبناء العائلات السبع نقية الدم التي وصلت إلى الهند واستقرت في ساحل كونكان) ، واليهود السود (كالا إسرائيل) وهم هنود مُتهوِّدون أو نتاج زواج مختلط. ويُعتبَر الجورا إسرائيل أنفسهم في مكانة اجتماعية أعلى من الكالا إسرائيل، ويحاولون الحفاظ على نقائهم ولا يتزاوجون معهم، بل ولا يلمسون أدوات الطبخ الخاصة بهم. وقد انعكست الثورة على النظام الطائفي في الهند على بني إسرائيل إذ أن أعضاء الكالا إسرائيل يُظهرون الآن تَذمُّراً من عنصرية الجورا إسرائيل. ويُطلق جيران اليهود عليهم مصطلح «شانو ارتيليس» ، أي «زياتو السبت» باعتبار أن أعداداً كبيرة منهم تعمل في استخراج الزيت وبيعه، الأمر الذي يعني أنهم كانوا طائفة مُغلَقة متدنية في سلم الطوائف، ويسبب مجرد لمس أحد أشخاص هذه الطائفة الدناسة. ولم يتأثر يهود بني إسرائيل بالملابسات الاجتماعية وحسب، وإنما نجد أن بعض العقائد الهندوكية وجدت طريقها إلى يهوديتهم. فمثلاً كان يُحرَّم الزواج من الأرامل، وكانوا يتصورون أن أكل لحم البقر مُحرَّم عليهم وأن ذلك منصوص علىه في التوراة!
следующие страницы →