← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

يهود الهند Indian Jews توجد عدة جماعات يهودية في الهند من بينها بني إسرائيل في بومباي، ويهود كوشين على ساحل مالابار، في ولاية كيرالا، واليهود البغدادية في بومباي أيضاً، ويهود مانيبور على الحدود مع بورما. وقد بلغ عددهم عام ١٩٤٧ نحو ٢٦.٠٠٠. أما في عام ١٩٦١، فقد بلغ عددهم ١٤.٦٠٨ في الهند ذاتها، إضافة إلى ٢٣ ألفاً في إسرائيل، و٢٠٠٠ في إنجلترا حسب إحصاءات عام ١٩٦٨، أي أن عددهم يبلغ نحو ٣٩.٥٠٠، وهو ما يعني أن نسبة التكاثر بين يهود الهند من أعلى النسب بين الجماعات اليهودية (إذا كانت الإحصاءات دقيقة) . وقد تأثرت كل هذه الجماعات اليهودية بالبيئة الهندية وبنظام الطوائف المغلقة. وهي لا تنتمي إلى أيٍّ من الكتل اليهودية الثلاث الكبرى: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي. ولذا، فهم يُعَدُّون ضمن الجماعات الهامشية مثل الفلاشاه ويهود كايفنج.

стр. 1297

ويُلاحَظ أن قبول اليهود في مجتمع ما، واندماجهم فيه، يؤدي إلى ذوبانهم وانصهارهم. ولكن يهود الهند يمثلون نمطاً مغايراً تماماً إذ أن اندماجهم أدَّى إلى الحفاظ على هويتهم. وهذه مفارقة واضحة تعود إلى حركيات المجتمع الهندي ذاتها، فهو مجتمع تُعَدُّ الوحدة الأساسية فيه القرية والطائفة المغلقة. وتستطيع أنواع مختلفة من البشر الاحتفاظ بهوياتهم فيه، ماداموا يقبلون الطائفة المغلقة إطاراً للتنظيم الاجتماعي، وربما ببعض المعتقدات الهندوكية الأساسية. وتقوم عملية التضامن داخل الجماعة المغلقة بتقوية الهوية مادامت لا تهدد النظام الاجتماعي. وبالتالي، فإن ثمة هويات هندية يهودية مختلفة، بل ومتصارعة، لكلٍّ سماتها الواضحة. وهذا، بطبيعة الحال، مختلف عن وجود هوية يهودية محددة داخل كل مجتمع، وعن الافتراض الصهيوني القائل بوجود هوية يهودية عامة أو عالمية. ويُلاحَظ أن الهويات اليهودية الهندية آخذة في الاختفاء بسبب الهجرة من الهند سواء إلى إسرائيل أو إلى غيرها من البلدان. كما أن الأجيال الجديدة من الهنود اليهود بدأت تتمرد على نظام الطوائف المغلقة، تماماً مثل جيل الشباب الهندي ككل. ويعيش القسم الأكبر من يهود الهند الذين هاجروا إلى إسرائيل في مدن التنمية، خصوصاً تلك الموجودة في النقب والمنطقة الجنوبية مثل: بئر سبع وعسقلان وعراد إضافة إلى بيسان في غور الأردن. ويعيش قسم آخر في المدن الكبرى الثلاث: القدس، وتل أبيب، وحيفا. ويعيش عدد قليل للغاية في بعض الكيبوتسات (وهي مؤسسات إشكنازية بالدرجة الأولى) والموشافات. ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن ثمة قائمة خاصة بمهاجري الهند ظهرت في انتخابات عام ١٩٨٤. بني إسرائيل Bene Israel

стр. 1298

«بني إسرائيل» اسم عَلَم يُطلَق على مجموعة من يهود الهند كانت تقطن أساساً في منطقة كونكان، ولكنها، ابتداءً من القرن الثامن عشر، انتقلت إلى بومباي حيث أسست أول معبد يهودي عام ١٧٩٦. ومع حلول عام ١٨٣٣، كان ثلثا يهود بني إسرائيل يعيشون في بومباي. ولا نعرف الكثير عن أصل يهود بني إسرائيل، إلا أنهم، حسب روايتهم، يعودون إلى ما قبل الميلاد. وقد انقطعت صلتهم باليهودية الحاخامية، ولكنهم بعد احتكاكهم بيهود كوشين تَعلَّموا على أيديهم أصول عقيدتهم مرة أخرى، كما انضم إليهم اليهود البغدادية في القرن التاسع عشر. ولون يهود بني إسرائيل أميل إلى البياض مقارنةً بلون بشرة الهنود العاديين، وهم يرتدون الملابس الهندية ويتحدثون الماراثي (وهي اللغة الشائعة في المنطقة التي يعيشون فيها) ، ويتسمَّون أسماءً هندية. ونظراً لانفصالهم عن اليهودية الحاخامية لعدة قرون، فإن شعائرهم الدينية تختلف عن شعائر باقي يهود العالم في كثير من النواحي، فهم لا يعرفون التلمود، بل كانوا قد نسوا التوراة بعض الوقت ولكنهم أعادوا اكتشافها من بعد. ولم يُترجَم العهد القديم إلى اللغة التي يتحدثونها إلا في بداية القرن التاسع عشر. ومع هذا، فهم يعرفون صلاة عبرية هي صلاة الشماع، وللنبي إلياهو مكانة خاصة في عبادتهم. ومن عاداتهم الدينية عادة تُسمَّى «ماليدا» وهي إعداد طعام خاص يقدم قرباناً. وتُتلَى بعض الصلوات اليهودية في مناسبات مهمة مثل الختان والزواج. وأعيادهم وأيامهم المقدَّسة هي: رأس السنة (ويُحتفَل به لمدة يوم واحد) ، ويوم الغفران، وعيد الفصح. ولكنهم كانوا لا يعرفون عيد التدشين. كما كانوا لا يعرفون شيئاً عن هَدْم الهيكل على يد تيتوس. وهم يقيمون شعائر السبت والختان وبعض قوانين الطعام، ويمارسون صيام رمزان (وقد يكون هذا الاسم تصحيفاً لكلمة «رمضان» ) . وكان يترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية والدنيوية الكاجي (القاضي؟) . وقد أصبحت

стр. 1299

الوظيفة وراثية حتى صارت كلمة «كاجي» هي اسم العائلة. وبعد احتكاك يهود بني إسرائيل باليهودية الحاخامية في بقية العالم وتأسيسهم معابد يهودية، ظهرت وظيفة المقدَّم الذي اضطلع بالوظيفة الدنيوية للكاجي، كما حل المرتلون (حزان) محل الكاجي في الجوانب الشعائرية. ولا يوجد عندهم حتى الآن حاخام مُعتَمد تَلقَّى التدريب الصحيح. وكان يهود بني إسرائيل يعملون أساساً بالزراعة واستخراج الزيت وببعض الحرف اليدوية. وبعد احتلال الإنجليز للهند، خدم يهود بني إسرائيل في الفرق العسكرية الإنجليزية وعملوا في المهن المختلفة وفي وظائف ذوي الياقات البيضاء وفي المهن التجارية والمالية الأخرى، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية في خدمة الاستعمار. وهناك ١٠% من يهود بني إسرائيل يعملون بالتجارة، ولكن أغلبيتهم العظمى تعمل كَتَبة في الحكومة والمكاتب الخاصة. ولذا، يُشار إليهم الآن بوصفهم «طائفة الكتبة المغلقة» ، كما تضم الجماعة بعض الأساتذة الجامعيين. ويمكننا أن نقول إن يهود بني إسرائيل قد استطاعوا الحفاظ على هويتهم من خلال نشاطهم داخل المجتمع الهندي لا ضده، أي من خلال اندماجهم فيه. ومن هنا، فإن بعض أنماط سلوكهم يختلف عن أنماط سلوك يهود الغرب. ورغم أن سمعة الأطباء اليهود جيدة في الهند، فإن أبناء الجماعة لا يترددون عليهم. ونادراً ما يستخدم أرباب العمل اليهود عمالاً يهوداً، على عكس ما كان عليه الأمر في أوربا قبل الثورة الصناعية. ونادراً ما يرسل أعضاء الجماعة أبناءهم إلى مدارس يهودية. كما لا تُوجَد نسبة كبيرة من التجار بينهم.

стр. 1300

ولكن الاندماج يظهر، أكثر ما يظهر، في استيعاب نظام الطوائف المغلقة (الهندوكي) لأعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك في تأثيره العميق عليهم وعلى رؤيتهم للذات وللآخر. فأعضاء الجماعات اليهودية ينقسمون إلى قسمين: اليهود البيض (جورا إسرائيل) ، الذين يعتبرون أنفسهم اليهود الحقيقيين والأكثر رقياً (وهم حسب أسطورتهم أبناء العائلات السبع نقية الدم التي وصلت إلى الهند واستقرت في ساحل كونكان) ، واليهود السود (كالا إسرائيل) وهم هنود مُتهوِّدون أو نتاج زواج مختلط. ويُعتبَر الجورا إسرائيل أنفسهم في مكانة اجتماعية أعلى من الكالا إسرائيل، ويحاولون الحفاظ على نقائهم ولا يتزاوجون معهم، بل ولا يلمسون أدوات الطبخ الخاصة بهم. وقد انعكست الثورة على النظام الطائفي في الهند على بني إسرائيل إذ أن أعضاء الكالا إسرائيل يُظهرون الآن تَذمُّراً من عنصرية الجورا إسرائيل. ويُطلق جيران اليهود عليهم مصطلح «شانو ارتيليس» ، أي «زياتو السبت» باعتبار أن أعداداً كبيرة منهم تعمل في استخراج الزيت وبيعه، الأمر الذي يعني أنهم كانوا طائفة مُغلَقة متدنية في سلم الطوائف، ويسبب مجرد لمس أحد أشخاص هذه الطائفة الدناسة. ولم يتأثر يهود بني إسرائيل بالملابسات الاجتماعية وحسب، وإنما نجد أن بعض العقائد الهندوكية وجدت طريقها إلى يهوديتهم. فمثلاً كان يُحرَّم الزواج من الأرامل، وكانوا يتصورون أن أكل لحم البقر مُحرَّم عليهم وأن ذلك منصوص علىه في التوراة!

стр. 1301

وينقسم يهود بني إسرائيل في الوقت الحاضر إلى ثلاثة اتحادات دينية: أولها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية، وهو مرتبط بالاتحاد الذي يحمل الاسم نفسه في الولايات المتحدة. والثاني معبد الهند المتحد، ويرتبط بالمجلس العالمي للمعابد المحافظة. وليس هناك فارق واضح بين هاتين الطائفتين (وقد يكون من قبيل المفارقات أن كلا الاتحادين قد أخذ بالطقوس السفاردية) . وهناك اتحاد ثالث هو الاتحاد اليهودي الديني، وهو مرتبط بحركة اليهودية الليبرالية الإصلاحية في إنجلترا ويضم أعضاء بني إسرائيل الذين حققوا مكانة اجتماعية عالية. ولا تختلف شعائر هذا الاتحاد الثالث عن الاتحادين الآخرين. ولذا، يظل الاختلاف هو الاختلاف في الانتماء الطبقي للأعضاء.

стр. 1302

وعندما اتصلت الحركة الصهيونية بيهود بني إسرائيل ليرسلوا ممثلين لهم للمؤتمرات الصهيونية، رفضوا في بداية الأمر إذ أنهم كانوا في انتظار «اليد المقدَّسة» لتقودهم إلى أرض الميعاد. وبعد عدة سنوات، وتحت تأثير الوكالة اليهودية التي بدأت تُشرف على أمورهم الدينية والدنيوية، هاجر بضعة آلاف منهم إلى إسرائيل حيث عانوا من التفرقة العنصرية وفشلوا في العثور على وظائف، وهو ما اضطرهم إلى الإضراب والمطالبة بالعودة إلى الهند. وقد عاد بعضهم بالفعل. أما الفريق الذي استوطن إسرائيل نهائياً، فقد وُطِّن في موشاف جديد يقطنه أساساً يهود عراقيون وهنود. وفي عام ١٩٦١، أصدر حاخام السفارد (الحاخام نسيم) قراراً (بإيعاز من اليهود البغدادية) بالتحقق من أصل يهود بني إسرائيل الذين يودون التزاوج من خارج جماعتهم الدينية الإثنية، لأنه لم يكن متأكداً إن كان أسلافهم قد راعوا القوانين اليهودية في الزواج والطلاق، وكذلك التحريمات الخاصة بالزواج المُختلَط، وذلك حتى يتسنى للحاخامية أن تقرر إن كان أولادهم شرعيين أم غير شرعيين (مامزير) . وقد أدَّى هذا إلى إضراب عام من جانب بني إسرائيل عام ١٩٦٤، الأمر الذي اضطر الحاخامية إلى تغيير موقفها بالنسبة لهم. ومن أشهر الإسرائيليين المنتمين إلى هذه الأقلية آبي نيثان، وهو من الموافقين على حل الصراع العربي الإسرائيلي سلمياً ومن معارضي سياسة التوسع الإسرائيلية. وقد قابل آبى نيثان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وزُجَّ به في السجن لذلك السبب. وكان عدد بني إسرائيل في الهند: ٥٢٥٥ عام ١٨٣٧، و٧٠٠٠ عام ١٨٨١، و١٤.٨٠٥عام ١٩٤١. أما في عام ١٩٤٧، فقد بلغ عددهم ١٧.٥٠٠، ثم هاجرت أعداد منهم إلى الدولة الصهيونية. وهبط عددهم إلى ١٥ ألفاً عام ١٩٦٠ وإلى ١٣ ألفاً عام ١٩٦٨. ثم هبط عددهم بعد ذلك إلى ١٢ ألفاً. ويبدو أن عدد يهود بني إسرائيل في الهند قد أخذ في التناقص بسبب الهجرة إلى إنجلترا وكندا وأستراليا إذ بلغ

стр. 1303

عام ١٩٨١ نحو أربعة آلاف. يهود كوشين Cochin Jews «كوشين» مدينة هندية، وتُسمَّى بهذا الاسم أيضاً منطقة على ساحل مالابار تقع جنوب غربي الهند، وهي الآن جزء من ولاية كيرالا. وتضم كوشين جماعة يهودية متميِّزة تمثلت كثيراً من سمات الحضارة الهندية. وتعود أصول هذه الطائفة إلى عصور قديمة. ويَدَّعي يهود كوشين أنهم من قبيلة منَسَّى، وأنهم وصلوا إلى مالابار بعد هَدْم الهيكل. وفي حوزة يهود كوشين وثيقة مكتوبة على ألواح من النحاس تتضمن صك الانتماء إلى طائفة النبلاء، وقد منحها الراجا الهندي لليهودي يوسف رابان. وحسبما جاء فيها، فإن الصك يعطي يوسف هذا عدة مزايا، فقد أصبح من حقه أن يركب فيلاً، وأن يُحمَل في محفَّة، وأن يُحمَى من الشمس بمظلة من مظلات الدولة، ومن حقه أيضاً أن يفرض الضرائب، وأن تسبقه الطبول والمزامير كلما خرج إلى الشوارع، كما مُنح قرية انجوفانام على حدود كوشين يتوارثها أبناؤه من بعده. وقد كان يهود كوشين يساعدون الراجا في حروبه ضد الإمارات المجاورة، وانضمت إليهم عناصر يهودية جديدة في القرن السادس عشر (مع وصول الاستعمار الغربي) ، فجاء يهود من هولندا وإسبانيا وألمانيا وحلب. وقد وقعت كوشين تحت حكم البرتغاليين (١٥٠٢ ـ ١٦٦٣) . ولكن الراجا حمى اليهود من ممارسات البرتغاليين العنصرية، وعيَّن لهم رئيساً (مداليار) . وقد أعقب ذلك مرحلة هولندية (١٦٦٣ ـ ١٧٩٥) كانت تتسم باستقرار اليهود النسبي حيث تَحوَّل بعض أعضاء الجماعة إلى وسطاء تجاريين، ونشأت علاقة بينهم وبين يهود هولندا. ثم جاء الاستعمار الإنجليزي بعد ذلك وعمَّق هذا الاتجاه. ويُقسَّم يهود كوشين إلى: ١ ـ اليهود البيض أو «ميوحاسيم» ، أي «المنتسب إلى» ، ويُسمون أيضاً «بارناس» أي «شخص» . فهم من نسل يهود أوربا الذين جاءوا مع الاستعمار وتزاوجوا مع أثرياء اليهود المحليين، وكونوا طائفة مغلقة متميِّزة عن اليهود السود. ٢ ـ اليهود السود أو «ميشواريم» .

стр. 1304

٣ ـ اليهود المعتَقين أو «ميشو حراريم» . ويشكل اليهود السود أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية. أما اليهود البيض، فهم أقل عدداً، ولون جلدهم مختلف، وهم يدَّعون أنهم من نسل المهاجرين الأوربيين، وأن جلدهم قد اكتسب لونه الداكن نتيجة تَعرُّضهم للشمس الاستوائية. أما الفريق الثالث، فهو من سلالة عبيد الفريقين السابقين، أو ثمرة العلاقة بين اليهود البيض والسود من ناحية والمحظيات أو الجواري من ناحية أخرى. ولذا، يُقسَّم هذا الفريق أحياناً إلى مُعتَقين بيض ومُعتَقين سود. ويهود كوشين مُستوعَبون تماماً في مجتمعهم الهندي، فهم يرتدون الأزياء الهندية ويتحدثون لغة المالايالام (وهي لغة سكان الهند الأصليين) ، ويتحدث اليهود البيض منهم الإنجليزية إلى جانب هذه اللغة. وقد ترك نظام الطوائف المغلقة فيهم أعمق الأثر. ولذا، فإن الفرق الثلاثة أو الأربعة لا تتزاوج فيما بينها إلا نادراً. ويعيش كلٌّ في حيٍّ مقصور عليه، ولا يسمح لأعضاء الفرق الأخرى بالسكنى فيه. ولم يكن من حق أعضاء الفريق الثالث، حتى عام ١٩٣٢، أن يجلسوا في المعبد اليهودي أو يشاركوا في الصلوات. ويستخدم يهود كوشين العبرية في صلواتهم، وشعائرهم سفاردية مع بعض الأشكال الإشكنازية نتيجة الهجرة المُختلَطة في القرن السابع عشر. وكان عدد يهود كوشين عام ١٧٨١ نحو ٤٢٢ أسرة، أي حوالي ٢٠٠٠ شخص. ونَقَص عددهم عام ١٨٧٣ إلى ١٠٣٩، وعام ١٩٣١ بلغ عددهم نحو ١٧٧٤ حيث كانوا مُقسَّمين على النحو التالي: ١٦٠٠ يهودي أسود، و١٤٤ أبيض، و٣٠ ميشوحراريم أو مُعتَقين. وفي عام ١٩٤٨، بلغ عددهم ٢٥٠٠، منهم مائة يهودي أبيض. وفي عام ١٩٦٨، هاجر اليهود السود، ولم يهاجر من اليهود البيض أحد لأن الحكومة الهندية لم تسمح لهم بأخذ أموالهم.

стр. 1305

ويبلغ عدد يهود كوشين الآن (في إسرائيل) ما يزيد على أربعة آلاف. وقد وُضعوا تحت الحجر الصحي بسبب انتشار مرض الفيل بينهم. ولا ندري هل اعترفت دار الحاخامية بهم يهوداً أم لا، فهم لا يعرفون إلا القليل من التلمود وتراث التوراة الشفوية بشكل عام. ويُقال إن عدد يهود كوشين المتبقين في الهند لا يزيد عن ثلاثين فرداً. يهود مانيبور Mainpur Jews «مانيبور» منطقة في الهند، على حدودها مع بورما، تُوجَد فيها جماعة يهودية لا يزيد عددها عن مائة شخص. ويرى يهود مانيبور أن أصولهم تعود إلى يهود الصين، وأنهم هربوا من كايفنج منذ ثمانمائة عام أمام الغزو المغولي، ثم استوطنوا الكهوف في الهند الصينية ووصلوا مانيبور في القرن الثامن عشر. وقد نسي أعضاء الجماعة تراثهم اليهودي. وهم لا يمارسون معظم الشعائر، مثل الختان، ولا يعرفون التلمود، ونسوا حتى التوراة مثل يهود الصين. ولكن من المفارقات أنهم حينما احتكوا بالإرساليات المسيحية، اكتشفوا التوراة وبدأوا يمارسون بعض شعائرها، وإن كان بعضهم يمارس الشعائر المسيحية أو العبادات الوثنية السائدة في المنطقة مع الشعائر اليهودية جنباً إلى جنب. ويذهب يهود بني إسرائيل إلى أن يهود مانيبور ليسوا يهوداً، ولذا فإن عليهم التهود إن أرادوا الانضمام للجماعة اليهودية. اليهود البغدادية Baghdadi Jews

стр. 1306

«يهود البغدادية» مجموعة من يهود بغداد السفارد هاجروا إلى الهند في القرن التاسع عشر، وكانوا على مستوى ثقافي راق كما كانوا من الأثرياء. وأسسوا كثيراً من الصناعات التي خلقت عدداً كبيراً من الوظائف. وقد رحب بهم يهود بني إسرائيل في البداية حيث لم يكن بينهم كاهن يقوم بالطقوس الكهنوتية، إلا أن اليهود البغدادية كونوا جماعة مستقلة عن يهود بني إسرائيل ويهود كوشين بسبب إحساسهم بالتفوق على أعضاء الجماعتين. ولذلك، أقام اليهود البغدادية سياجاً من العزلة حولهم وادعوا أن الدماء اليهودية الخالصة لا تسري إلا في عروقهم وحدهم. وأصبح لهم مؤسساتهم الدينية والخيرية المستقلة، وكانت لهم مدارسهم الخاصة التي يتم التدريس فيها بالإنجليزية. وقد بلغ إحساسهم بالتفوق أنهم كانوا لا يحسبون أعضاء بني إسرائيل ضمن النصاب اللازم لإقامة الصلاة في المعبد، كما لم يكن يُنادى على أيٍّ منهم لتلاوة التوراة. وحاولوا استبعادهم من استخدام الأسرَّة المخصصة لليهود في بعض المستشفيات، بل ومن العضوية في معبد رانجون. ولا يتزاوج اليهود البغدادية مع بني إسرائيل إلا في حالات نادرة. وقد بلغ تعداد اليهود البغدادية ٦٥٠٠ نسمة عام ١٩٤٧، لكن هذا العدد تناقص بسبب الهجرة بحيث أصبح لا يزيد على الألف. ويبدو أنه لم يهاجر منهم سوى أعداد قليلة للغاية إلى إسرائيل، وربما يعود هذا إلى أن لديهم من رأس المال والخبرات ما يسمح لهم بالاستقرار في الغرب، تماماً كما استقرت النخبة الثرية والمثقفة من يهود المغرب العربي في فرنسا ولم تتجه إلى إسرائيل. يهود القوقاز The Jews of the Caucasus

стр. 1307

تُعَدُّ القوقاز من أكثر المناطق تنوعاً من الناحية العرْقية. ويحيط بمنطقة القوقاز روسيا الأوربية شمالاً، والبحر الأسود غرباً، وتركيا وإيران جنوباً، وبحر قزوين شرقاً. وهي مقسَّمة إلى ثماني عشرة منطقة إدارية وهو ما يعكس ثراءها الحضاري. وقد احتفظت عناصر قومية كثيرة بهويتها المستقلة، وذلك بسبب عزلتها في الجبال والوديان. ويبلغ عدد سكان القوقاز اثنى عشر مليوناً تشمل ما لا يقل عن ثلاثين قومية أساسية. وقد انعكس هذا على الجماعات اليهودية، إذ توجد عدة جماعات يهودية في القوقاز منها يهود جورجيا الذين يختلفون عن يهود الجبال (أو يهود داغستان) ، أو يهود بخارى، أو عن بقايا يهود الكرمشاكي. ويبدو أن معظم يهود القوقاز جاءوا من إيران، إذ يظهر أثر ذلك في لهجاتهم الخاصة. والواقع أن أول إشارة وردت عنهم كانت في كتب الرحالة العرب. وبعد أن ضمت الحكومة الروسية القيصرية القوقاز، سمحت لهم بالاستمرار في حياتهم والتمتع بحقوقهم، باعتبار أنهم كانوا مزارعين مندمجين في مجتمعاتهم، لا جماعات هامشية غير منتجة مثل يهود اليديشية. وقد مُنع يهود اليديشية في بداية الأمر من الانتقال من منطقة الاستيطان إلى القوقاز. ولكن الحظر رُفع فيما بعد حتى بلغ عدد يهود القوقاز في عام ١٨٩٧ نحو ٥٦.٧٧٣، منه ٧.٠٣٨ من يهود الجبال ٦.٠٣٤ من يهود جورجيا والباقي من يهود اليديشية. وقد زاد عدد اليهود في القوقاز، فبلغ عددهم في عام ١٩٥٩ نحو ١٢٥ ألفاً، منهم ٣٥ ألفاً من يهود جورجيا و٢٥ ألفاً من يهود الجبال. وقد انخفض عدد يهود القوقاز بسبب معدلات الاندماج المرتفعة وهجرة أعداد كبيرة من يهود جورجيا إلى إسرائيل. وقد بيَّن إحصاء عام ١٩٨٩، وهو أول إحصاء قُسِّم يهود الاتحاد السوفيتي فيه إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة، أن عددهم لا يتجاوز ٧٢.٦٩١، منه ١٦.١٢٣ في جورجيا و٢٠.٠٠٠ من يهود الجبال و ٣٦.٥٦٨من يهود بخارى. يهود جورجيا Georgian Jews

стр. 1308

«جورجيا» هي إحدى جمهوريات دول الكومنولث (الاتحاد السوفيتي سابقاً) ، وتقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود. ويعتقد يهود جورجيا أنهم من نسل قبائل يسرائيل العشر المفقودة التي هجَّرها شلمانصر. وهم يدعمون هذا بقولهم إنه لا يوجد بينهم كهنة. ومهما يكن الأمر، فإن جذورهم في جورجيا موغلة في القدم، وقد قامت علاقات ثقافية بينهم وبين يهود الخزر. وتوجد إشارات عديدة إليهم في الوثائق التاريخية، وقد تحوَّل بعضهم (بعد الغزو المغولي) إلى أقنان يعمل بعضهم بالزراعة والحرف (النسيج والصباغة) والتجارة. وكان الأقنان يعيشون في ضياع أسيادهم وقراهم بمعزل عن يهود العالم، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور الهوية والانتماء الديني لديهم، وكان الأقنان يُقسَّمون إلى: أقنان الملك، وأقنان الإقطاعيين، وأقنان الكنيسة. ومع ضم جورجيا إلى روسيا عام ١٨٠١، تحوَّل أقنان الملك إلى أقنان الخزانة إذ كان عليهم دفع ضريبة للخزانة. وقد اعترفت الحكومة القيصرية بحقوق اليهود في جورجيا (على خلاف يهود اليديشية الذين كانوا خاضعين لبعض القيود) . وألغيت القنانة في جورجيا في الفترة ١٨٦٤ ـ ١٨٧١.

стр. 1309

وبعد اندلاع الثورة البلشفية، قامت حركة قوية للاستقلال في جورجيا اشتركت فيها عناصر يهودية معادية للصهيونية (وتحالف معهم أعضاء جماعة حبد) . وقد هاجم الجيش الأحمر جورجيا، وبدأت عملية دمج جورجيا في الدولة السوفيتية وهو ما تضمن دمج أعضاء الجماعة اليهودية. ولم تتدخل الحكومة في الشئون الدينية، ففُتحت المعابد اليهودية، بل وسمحت الحكومة بالنشاطات الصهيونية لبعض الوقت. ولكن، بعد أن تزايدت النشاطات المعادية للسوفييت، تغيَّر موقف السلطات السوفيتية. وفي منتصف العشرينيات، بذلت هذه السلطات جهداً مضاعفاً لعلمنة يهود جورجيا، ففتحت أبواب المصانع للعمال اليهود، كما فتحت لهم المزارع الجماعية اليهودية. ولكن، في منتصف الثلاثينيات، قررت السلطات السوفيتية أن تحطم ما تصورته الانغلاق الإثني لليهود في المزارع الجماعية، فأسست مزارع مختلطة (أممية) تضم يهوداً وأرمن. وقد فكرت السلطات السوفيتية في أن تُطوِّر ثقافة سوفيتية جورجية على نمط الثقافة السوفيتية اليديشية، لكن المحاولة توقفت بعد فترة قصيرة من البدء فيها. ويعمل يهود جورجيا أساساً بالتجارة كما يعمل كثيرون منهم بالمهن الحرة، فمنهم العلماء ومنهم المهندسون والمدرسون. ويوجد بينهم كذلك عمال مهرة. والجو الحضاري في جورجيا تعددي متسامح. ولا يتَّسم تاريخ الجماعة اليهودية بظاهرة العزل أو الطرد أو المذابح، كما هو الحال مع يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر. ولا تختلف أسماء يهود جورجيا عن أسماء جيرانهم المسيحيين، بل إن لهم العادات نفسها، ويرتدون الأزياء نفسها، ويتبعون أسلوب حياة واحد. وهم يشاركون جيرانهم المسيحيين أعيادهم فيحتفلون بالكريسماس معهم، في حين يشاركهم المسيحيون الاحتفال في عيد النصيب، ويرقصون معهم في عيد نزول التوراة.

стр. 1310

ويبدو أن يهود جورجيا فقدوا، بمرور الزمن، علاقتهم باليهودية الحاخامية. ولذا، كان سكان المدن من المتمسكين بدينهم اليهودي يشيرون إليهم باسم «الكنعانيين» . ولا يأكل يهود جورجيا لحم الخنزير، ولكنهم لا يحافظون على قوانين الطعام الأخرى. وهم يعرفون الذبح الشرعي ولا يمارسونه بصورة دائمة. وبشكل عام، يُلاحَظ أنهم لا يعرفون كثيراً من الشعائر اليهودية، وحينما يعرفونها فإنهم يتجاهلون معظمها. والفاصل الأساسي بينهم وبين جيرانهم من غير اليهود هو أنهم لا يتزاوجون معهم، ولكن يُلاحَظ أن نسبة الزواج المختلط بينهم آخذة في الزيادة منذ الستينيات. ويتحدث معظم أعضاء الجماعة اليهودية في جورجيا اللغة الجورجية (٩١%) ويكتبونها بالحروف الجورجية (وهؤلاء هم اليهود الأصليون) ، كما تتحدث أقلية من يهود جورجيا اليديشية والروسية. ولم تكن العلاقة جيدة دائماً بين يهود جورجيا ويهود اليديشية الذين هاجروا من منطقة الاستيطان في أواخر القرن التاسع عشر (باعتبارهم عنصراً روسياً) ليستوطنوا المناطق الآسيوية التي ضمتها الحكومة القيصرية (فهم جماعة وظيفية استيطانية) . ورغم جو التسامح، وعدم وجود معاداة لليهود، ورغم معدل الاندماج العالي الذي حققه اليهود في جورجيا، فإنهم حين فُتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل هاجر منهم ما يساوي نصف عددهم الكلي. والسؤال الآن: إذا كان يهود جورجيا مندمجين ومتساوين في الحقوق مع غير اليهود، فلم هاجرت أعداد كبيرة نسبياً منهم إلى الدولة الصهيونية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من العودة إلى حركيات المجتمع الجورجي حتى يتسنى لنا فهم العناصر التي أدَّت إلى الهجرة، عناصر الطرد من الاتحاد السوفيتي ثم عناصر الجذب إلى إسرائيل.

стр. 1311

يستند المجتمع الجورجي إلى شبكة اتصالات واسعة. وهذه الشبكة هي مؤسسة وسيطة تشبه علاقاتها علاقات القرابة أو العلاقات القَبَلية، وهي تضم مجموعة من الأفراد يدخلون في علاقة متعيِّنة مباشرة، فتزوِّد الشبكة العضو بالعون في لحظة حاجته، وبالطمأنينة في لحظات الأزمة، وتَشدُّ من أزره في كل الأحوال في مواجهة المجتمع ككل، وبالذات في مواجهة الدولة الحديثة (بكل تجريديتها) وفي مواجهة البيروقراطية السوفيتية التي تتَّسم أفعالها بمستوى عال من العقلانية وعدم الاكتراث بالعناصر الشخصية. وليس بإمكان عضو أن يوجد خارج هذه الشبكة التي يُعَدُّ اعتماده عليها مصدر عزته وكرامته، وعليه بالمقابل أن يقدم لها ما تريد. ويُلاحَظ أن اليهود ينتظمون في شبكات اتصال غير يهودية، كما أن هناك مسيحيين ينتظمون في شبكات اتصال يهودية. وفي هذا الإطار، يُعتبَر الولاء للدولة أمراً ثانوياً قياساً بالولاء إلى الجماعة/الشبكة المباشرة. ويُنظَر إلى كل من الدولة والشبكة باعتبارهما طرفين متعارضين. فالدولة السوفيتية هي الكيان المجرد البيروقراطي، والشبكة هي الجهاز المتعيّن المحلي الذي يستطيع الفرد التعامل معه بشكل إنساني ومباشر.

стр. 1312

وهذه الشبكة الهائلة المتطورة، وهذا التمازج بين الفرد والأسرة، هما أساس القومية الجورجية، وهي قومية معادية للضغوط الخارجية التي تأتي عادةً من موسكو. ويتمثل رفض الحكومة المركزية فيما يُسمَّى «الاقتصاد الثاني» ، وهو القطاع الحر غير الشرعي الذي تديره الشبكة بطبيعة الحال لصالح أعضائها، والذي يُعبِّر عن الهوية الجورجية القومية في وقوفها ضد تَدخُّل الدولة الحديثة ومحاولاتها في خلق اقتصاد موحَّد يُدار مركزياً. ويشارك يهود جورجيا هذا الإحساس القومي الجورجي الرافض للدولة الحديثة، والذي يتبدَّى في شكل الارتباط بالشبكة، أي أن هوية يهود جورجيا هي هوية جورجية قوية ذات أبعاد يهودية خاصة تلعب دوراً حاسماً في تشجيع الهجرة إلى إسرائيل. غير أن هذه الهجرة لم تتم لأسباب يهودية عامة وإنما بسبب حركيات المجتمع الجورجي. وتحتوي كل عملية هجرة على عنصر جذب إلى الوطن الجديد وعلى عنصر طرد من الوطن القديم. ـ عنصر الجذب: عند نشوب حرب ١٩٦٧، وقف السوفييت إلى جانب العرب ضد إسرائيل، الأمر الذي جعل الجورجيين (بعدائهم التقليدي للروس) يتعاطفون مع إسرائيل ضد العرب وحلفائهم الروس. وقد غذى هذا الشعور التراث الجورجي المحلي المعادي للإسلام. فتحوَّلت الدولة الصهيونية إلى ما يشبه المثل الأعلى: الدولة الصغيرة التي يمكنها الحفاظ على هويتها والوقوف ضد السوفييت. وكان هذا الإحساس الجورجي المحلي قوياً للغاية عند يهود جورجيا. ولعل هذا يمثل عنصر الجذب.

стр. 1313

ـ عنصر الطرد: حكم مجافنادزة (السكرتير الأول للحزب الشيوعي الجورجي) جورجيا مدة تسعة عشر عاماً، وكان الفساد قد وصل في عهده إلى مستويات لم يسبق لها نظير، إذ يبدو أن الشبكة الجورجية نجحت في التسلل والاستيلاء على مؤسسات الحزب الشيوعي ذاتها هناك، وفي تسخيرها لصالح أعضاء الشبكة أو الشبكات، وبعد إقالته، عُيِّن مكانه شفارنادزة المشهور بنزاهته. ولذا، كان من المتوقع أن يقوم بمناهضة الاقتصاد الثاني الذي كان يرتبط به عدد كبير من اليهود بنسبة تفوق نسبة غير اليهود. وقد شكلت هذه التحولات الاقتصادية عنصر الطرد.

стр. 1314

ويُلاحَظ أن كلاً من عنصري الجذب والطرد محليان تماماً، وأن اختلاف اليهود عن غير اليهود كان اختلافاً في الدرجة وحسب وليس في النوعية، إذ أن استجابتهم للأحداث كانت استجابة جورجية أساساً وذات بعد يهودي يزيد من حدة الاستجابة عندهم. وقد كانت درجة تعاطفهم مع الدولة الصهيونية بطبيعة الحال أعلى، كما أن درجة الضرر الذي لحق بهم نتيجة الإصلاحات الاقتصادية كانت أكبر كما بيَّنا. ويمكن أن نضيف هنا عناصر أخرى مساعدة، فعلى سبيل المثال رأى يهود جورجيا أن الدولة الصهيونية زاخرة بفرص العمل الحر (الاقتصاد الثاني) الأمر الذي كان يزيد ولا شك من عنصر الجذب. ومن هنا تأتي معاداة معظم المهاجرين من جورجيا للصهيونية العمالية التي تؤيد تَدخُّل الدولة في الاقتصاد. ومن العناصر المساعدة الأخرى، أن عناصر الشبكة التي انتقلت إلى إسرائيل لعبت دوراً أساسياً في جذب أعداد كبيرة من يهود جورجيا. فالمهاجرون السوفييت، كي يحصلوا على تأشيرة هجرة، كان عليهم أن يحصلوا على دعوة من قريب لهم في الخارج. وقد حصل يهود جورجيا على أعلى نسبة من الدعوات وصلت إلى نحو ١١٨%، حيث كان بعض اليهود يتلقون أكثر من دعوة. وحينما كان جزء من الشبكة اليهودية ينتقل إلى إسرائيل، كان بقية الأفراد الذين تخلفوا يجدون الحياة صعبة للغاية ولا معنى لها خارج نطاق الشبكة، فيهاجرون هم أيضاً ليلحقوا بإخوانهم. وفيما يلي أعداد اليهود الذين هاجروا من جورجيا: (السنة ١٩٧١ عدد المهاجرين ٤٣٠٠) (السنة ١٩٧٢ عدد المهاجرين ١٠٩٠٠) (السنة ١٩٧٣ عدد المهاجرين ٧٧٥٠) (السنة ١٩٧٤ عدد المهاجرين ٢٧٠٠)

стр. 1315

ولم يزد عدد المهاجرين بعد ذلك التاريخ على ألف، مع أن السوفييت لم يتخذوا سياسة متشددة في منح تأشيرات الخروج إلا بعد عام ١٩٧٩، أي أن الأعوام الخمسة التالية للفترة التي شهدت الهجرة اليهودية المكثفة من الاتحاد السوفيتي شهدت أيضاً تراجعاً بين يهود جورجيا. ويمكن تفسير ذلك مرة أخرى في ضوء حركيات الجذب والطرد الخاصة بالمجتمع الجورجي، فعنصر الجذب الأساسي، وهو حرب ١٩٦٧، كان آخذاً في التضاؤل التدريجي، وفقد كثيراً من بريقه في حرب الاستنزاف، واختفى تقريباً بعد حرب ١٩٧٣. أما عنصر الطرد، وهو التحولات الاقتصادية التي هَّزت الاقتصاد الثاني، فيبدو أنه بدأ يقل، إذ أن مخاوف الجورجيين، ومن بينهم اليهود، أخذت تهدأ قليلاً، وظهر أن الأمر لم يكن مخيفاً كما توهموا في بداية الأمر، ومن هنا تناقصت الهجرة. ويشكل يهود جورجيا في إسرائيل مشكلة كبيرة، فهم لا يشعرون بالسعادة هناك، كما أنهم يعانون من التفرقة العنصرية التي تُمارس ضدهم. وقد أصبحوا من أهم مصادر الجريمة المنظمة في الدولة الصهيونية وتخصصوا في تزييف النقود. وهاجرت أعداد منهم إلى الولايات المتحدة وشكَّلوا هناك بعض عصابات الجريمة المنظمة، والجريمة المنظمة هي أحد أشكال الاقتصاد الثاني.

стр. 1316

وكان عدد يهود جورجيا ٥٢ ألفاً عام ١٩٥٩ (وجاء في إحصاء آخر أن عددهم كان ٨٠ ألفاً من الناحية الفعلية) ، وانخفض إلى ٤٣ ألفاً عام ١٩٧٠. أما إحصاء عام ١٩٨٩، الذي يتميَّز بأنه يُقسِّم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة، فيذكر أن عدد يهود جورجيا ١٦.١٢٣يعيش أغلبهم في تفليس عاصمة الجمهورية. ولا يزال الجو العام في جورجيا تعددياً، وإن كانت الوظائف الإستراتيجية تُحْجَب عن اليهود لأنهم سيهاجرون إلى إسرائيل. وقد أخذت معدلات الاندماج والعلمنة في التزايد، وبدأ اليهود يصطبغون بالصبغة الروسية لا الجورجية. وإذا أضفنا إلى ذلك هجرة اليهود المتدينين، فليس من المستبعد أن يختفي يهود جورجيا في المستقبل. وقد أصبحت جورجيا جمهورية مستقلة، وهو ما يعني أن الإطار الذي يتحرك فيه أعضاء الجماعة اليهودية قد تغيَّر بشكل جوهري. يهود بخارى Bukhara Jews

стр. 1317

«بخارى» إمارة إسلامية تركية ضمتها الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر. وتقع بخارى الآن ضمن جمهورية أزبكستان. وتعود جذور يهود بخارى إلى عصور قديمة، فتقول أساطيرهم إنهم منحدرون من أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. وهم مندمجون في الوسط الحضاري الذي يعيشون فيه، ويتحدثون اللغة الطاجيكية، وهي لهجة فارسية. وقد كان يهود بخارى وأفغانستان ووسط آسيا يُشكِّلون وحدة ثقافية واحدة، ثم انقسمت هذه الجماعة في القرن السادس عشر، مع بداية الحكم الشيعي في إيران، إلى يهود إيران ويهود وسط آسيا ويهود أفغانستان الذين ظلوا تحت الحكم السني. ثم انقسمت الجماعة الأخيرة، في القرن الثامن عشر، وتفرَّع عنها يهود بخارى ويهود أفغانستان. ويبلغ عددهم، حسب إحصاء ١٩٥٩، ثمانية وعشرين ألفاً يعيش ثلاثة وعشرون ألفاً منهم في أزبكستان، في سمرقند وبخارى، والباقون في طاجيكستان. أما إحصاء ١٩٨٩، فيحدد العدد بنحو ٣٦.٥٦٨ ألفاً. وإن صدقت هذه الأرقام، تكون الجماعة اليهودية في بخارى هي الجماعة الوحيدة في كومنولث الدول المستقلة التي زاد عدد أعضائها. وكان يهود بخارى يعملون بالتجارة والصباغة عشية الثورة وازدهر حالهم بعد ضم الإمارات الإسلامية إلى الإمبراطورية نظراً لفتح الأسواق أمامهم. ولكن، مع قيام الثورة الاشتراكية، تدهور وضع التجارة عامة، وبدأت الحكومة السوفيتية في إنشاء مزارع جماعية لهم، لكن التجربة فشلت. ويبدو أنهم فقدوا، في مرحلة من المراحل، علاقتهم باليهودية الحاخامية ونسوا شريعة موسى. ولذا، فإنهم كانوا لا يمارسون الذبح الشرعي بل ويأكلون اللحوم التي يذبحها المسلمون. وكانت زوجاتهم يلبسن الحجاب مثل نساء المسلمين. كما كانوا يمضغون الطباق ويدخنون النرجيلة.

стр. 1318

ويظهر الأثر الإسلامي أيضاً على المعبد اليهودي الذي يشبه المسجد ويغطيه السجاد الفاخر. ويصلي فيه اليهود جالسين القرفصاء. وهم يُنادون بعضهم البعض بالاسم الأخير مع إضافة لفظة «أخ» أو «عم» ، كما يُنادَى العلماء بلفظ «ملاّه» . أما رجال الدين، فيسمونهم «الحاخامات» وليس «الرابي» كما هو الحال في الغرب. وتشبه مدارسهم الدينية الكتاتيب. يهود الجبال (يهود التات، يهود داغستان) (Mountain Jews) Tat Jews; Daghestan Jews «يهود الجبال» جماعة يهودية لها خصوصياتها الإثنية واللغوية، يعيش أعضاؤها في مقاطعة داغستان السوفيتية وأذربيجان (ومن هنا يشار إليهم بلفظ «يهود داغستان» ) كما يُشار إليهم كذلك باسم «يهود التات» . ويُسمِّي يهود الجبال أنفسهم «جوهور» . ولكن مصطلح «يهود الجبال» ذاته هو مصطلح روسي صكته السلطات الروسية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر بعد ضم المنطقة إليها. وتشير الدلائل اللغوية والتاريخية إلى الأصول الإيرانية ليهود الجبال، فلهجتهم من أصول إيرانية شمالية دخلت عليها كلمات تركية وعبرية. وقد تكوَّنت الجماعة نتيجة هجرة اليهود المستمرة من شمال إيران (وربما من الإمبراطورية البيزنطية) لأذربيجان حيث استوطنوا بين متحدثي لغة التات التي أصبحت لغتهم. وقد بدأت هذه العملية في منتصف القرن السابع الميلادي مع الفتح الإسلامي للمنطقة، واستمرت حتى غزاها المغول في القرن الثالث عشر. وفي هذه الفترة، اتصل يهود الجبال بيهود الخزر. وقد انقطعت الصلة بعد ذلك بين يهود الجبال وبقية يهود العالم حتى بداية القرن التاسع عشر تقريباً.

стр. 1319

وليهود الجبال عادات وقيم قَبَلية، فهم يمجدون الشجاعة، ويدافعون عن شرفهم مستخدمين السيف، ويأخذون بالثأر، وتنتشر بينهم الخرافات، ويعيشون في بيوت طينية منخفضة تعلَّق على حوائطها أسلحتهم المصقولة، وهو ما يدل على اندماجهم في الحضارة القوقازية الإسلامية في هذه المنطقة. وهم يتَّسمون بأسماء توراتية بعد إضافة النهاية الروسية «أوف» ، فيصبح «بنيامين» مثلاً «بنيامينوف» . وتشبه معابدهم المساجد من الخارج، وكانت تُستخدَم كمدرسة دينية على طريقة المسلمين حيث يجلس الأطفال على الأرض ويحفظون التوراة على يد الحاخام. وهم يحتفلون بالأعياد اليهودية، وخصوصاً عيد النصيب وعيد الفصح، وإن كانت الطقوس الخاصة بعيد الفصح مختلفة عن تلك المعروفة بين اليهود. كما أن طقوس الزواج عندهم مختلفة عن تلك الطقوس المعروفة لدى يهود أوربا، إذ يدفع الزوج ما يُسمَّى «الكالين» أو «الفدية» . وهم يقسمون بالنار ويشعلون النار بجوار المرضى، الأمر الذي يشير إلى أصولهم الإيرانية. والوحدة الاجتماعية الأساسية هي الأسرة الممتدة، والتي تضم ثلاثة أو أربعة أجيال ويبلغ عددها نحو سبعين عضواً. وكان يهود الجبال يمارسون تعدد الزوجات. ويشكل كل سبع أو ثماني أسر قرية يهودية.

стр. 1320

وقد تدهورت أحوال الجماعة اليهودية بتدهور المنطقة ككل نتيجة تحولها إلى ساحة صراع بين كلٍّ من روسيا وتركيا وإيران إلى جانب الصراع بين عدد من الحكام المحليين. وقد نجحت روسيا في نهاية الأمر في ضمها عام ١٨١٣. وقد طلب يهود الجبال من السلطات القيصرية أن تضعهم تحت حمايتها. كما حدثت تحولات عميقة للجماعة اليهودية بعد ضم القوقاز لروسيا، فانتقلت أعداد كبيرة من اليهود من المناطق الجبلية إلى المدن حتى أنه كان هناك في منتصف القرن التاسع عشر نحو ٤١% من أعضاء الجماعة في المدن، ولكن، مع هذا، ظل حوالي ٥٨% منهم في القطاع الزراعي، بل إن سكان المدن من اليهود كانوا يعملون في صناعات مرتبطة بالمحاصيل الزراعية مثل تقطير الكحول. وكان أثرياء يهود الجبال من أصحاب شركات تقطير الخمور وبيعها، كما أن إحدى العائلات كانت تمتلك أهم شركة صيد في داغستان، وكان الكثيرون من أعضاء الجماعة يقومون بزراعة نبات الروبيا Rubia وهو نبات كانت تُستخلص من جذوره صبغة حمراء، كما كانوا يشتغلون بدباغة الجلود وبصيد بعض الحيوانات لاستخدام جلودها. وقد أصبح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عمال صيد أو عمالاً أجراء وانتقلوا إلى باكو ودربنت بعد أن تصاعدت معدلات التصنيع والتحديث في روسيا القيصرية، وهو ما جعل الصناعات اليدوية غير قادرة على الاستمرار، كما عمل كثيرون منهم تجاراً صغاراً. وبعد الثورة البلشفية، تغيَّر وضع يهود الجبال بشكل أعمق. وكما طلب يهود داغستان من السلطات القيصرية من قبل وضعهم تحت الحماية، فإنهم تحالفوا تماماً مع السلطات السوفيتية ضد غالبية السكان. ولذا، فحينما قامت حركة انفصالية ضد السوفييت، كان ٧٠% من الحرس الأحمر في المنطقة من يهود داغستان. وكانت الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء من يهود الجبال تتبنى خط الحزب بشكل كامل. وقد جلب كل هذا على أعضاء الجماعة اليهودية كره الجماهير.

стр. 1321

وقد أدَّت حركة التصنيع في الاتحاد السوفيتي، والخطط الخمسية المتتالية، إلى فك التضامن القبلي بين يهود داغستان، فتركوا الجبال وبدأوا يعملون بالمصانع. ومع هذا، فإن أصولهم القبلية وترابطهم العائلي يساعدانهم على الاحتفاظ بقسط كبير من خصوصيتهم الجبلية. وحسب إحصاءي ١٩٥٩ و١٩٧٠، كان عدد يهود الجبال يبلغ ما بين ٥٠ ألفاً و٧٠ ألفاً (وهو في تصورنا عدد مبالغ فيه) . وقد هاجر حوالي ١٢ ألفاً في الفترة بين عام ١٩٧٤ ومنتصف الثمانينيات إلى إسرائيل، وبحسب إحصاء عام ١٩٨٩ (وهو أول إحصاء يُقسِّم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات إثنية مختلفة) ، يبلغ عددهم حوالي ٢٠ ألفاً، ولعل انخفاض العدد بهذا الشكل الملحوظ يرجع إلى استبعاد يهود اليديشية المقيمين في داغستان. وأهم مراكزهم السكانية باكو عاصمة أذربيجان. أما في داغستان، فإن معظمهم يعيشون في دربنت وفي عاصمة الجمهورية. يهود الخَزَر Khazar Jews «الخَزَر» قبيلة من أصل تركي عاشت في منخفض الفولجا جنوب روسيا وكوَّنت مملكة كان حكامها وبعض سكانها يدينون بعبادات وثنية ولكنهم تحولوا إلى اليهودية. ويُنطق الاسم أحياناً «خازارا» كما هو الحال في العربية. ولكن ثمة دلائل على أن هناك طرائق أخرى للنطق، فهو بالعبرية «كوزاي» وبالصينية «كوزا» . وربما يعود الاسم إلى الكلمة التركية «قزمق» بمعنى «يتجول أو ينتقل كالبدو» (المشتق منها كلمة «قوزاق» ) أو ربما يعود إلى كلمة «قوز» أو «جاز» بمعنى «جانب الجبل المتجه إلى الشمال» ، وقد يُفسِّرهذا الاشتقاق الأخير النطق العبري (كوزاري) .

стр. 1322

وقد وصل الخَزَر إلى منطقة الفولجا والقوقاز من أقصى الشرق في تاريخ غير معروف، وإن كان آرثر كوستلر يذكر نقلاً عن برسكس، رسول الإمبراطور البيزنطي لقبائل اليهود في القرن السادس الميلادي، أن الخَزَر ظهروا على المسرح الأوربي حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي باعتبارهم شعباً خاضعاً لسيادة قبائل الهون. ويمكن أن يُعتبروا هم والمجر وغيرهم من القبائل نسل قبيلة أتيلا زعيم البرابرة الشهير. وتُطلق التواريخ الروسية المعاصرة على الخَزَر مصطلح «الأوجاريين البيض» ، مقابل «الأوجاريين السود» ،وهم الهنغار أو المجريون. وقد أدى موت أتيلا إلى ظهور فراغ كبير وهو ما يسر عملية ظهور الخزر باعتبارهم قوة فى المنطقة التى شغلوها، فقاموا بصهر واستيعاب وقهر بعض القبائل التركية الأخرى، ثم هزموا البلغار فى نهاية الأمر واضطروهم إلى الهجرة. ولكن، قبل استقلال الخزر الكامل فى المملكة، كان الخزر يشكلون جزءاً مما كان يسمى الإمبراطورية التركية الغربية أو المملكة التركية أو جزء من أتراك التركستان، وكانوا يشكلون اتحاد قبائل تخضع لحاكم واحد هو الخاقان، أو الكاجان. ويقال إن الخزر ساروا مع سنجيبو، أول خاقانات الأتراك الغربيين، ضد إحدى القلاع الساسانية الفارسية. وقد استمرت المملكة التركية مدة قرن (٥٥٠ - ٦٥٠) ، وأصبحت كلمة "تركي" بعد ذلك تشير إلى الأتراك وحسب دون الشعوب التركية الأخرى.

стр. 1323

كانت المملكة الخزرية تقع على المعبر الحيوي الواقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، بين القوتين الشرقيتين العظميين فى ذلك الوقت: الدولتين الإسلامية والبيزنطية (دولة الروم) . وقد أصبحت تمثل عازلة حدودية تحمى بيزنطة من الغارات الهمجية التى تشنها قبائل الإستبس الشمالية مثل البلغار والمجر، كما أنها أوقفت التقدم الإسلامى. فقد قامت بين الجزر والعرب عدة حروب كانت أولها بين عامى ٦٤٢ و ٦٥٢ حينما أصدر الخليفة عمر (رضى الله عنه) أمره للقوات الإسلامية بالهجوم على عاصمتهم بالانجار، ولكن المسلمين لم ينجحوا فى مهمتهم واستشهد قائدهم عام ٦٥٣. وقامت الحرب الثانية بين عامى ٧٢٢ و ٧٣٧ وانتهت بهزيمة الخزر على يد مروان بن محمد (مروان الثانى) وأسلم بعدها خاقان الخزر، ولكنه عاد وتحول إلى ديانته الأصلية. ويقول المسعودى إن الخزر قد نقلوا عاصمتهم (تحت ضغط الهجمات العربية) إلى أتل، عند مصب نهر الفولجا، بعد عام ٧٣٧. ويبدو أنهم خلال الفترة بين اتخاذهم كلاً من بالانجار وأتل عاصمة لهم، كانت لهم عاصمة ثالثة هى سمندر.

стр. 1324

ومما يجدر ذكره أن كتب الرحالة والمؤرخين العرب القدامى (مثل: ابن فضلان، والأصطخرى، وابن حوقل، والمسعودى، وابن سعيد المغربى، والبلخى، واليعقوبى، وابن رسته، والمقدسى، وابن النديم، والطبرى، وابن مسكوبه، والبيرونى، وياقوت) لا تزال من أهم المصادر عن الخزر، سواء فيما يتعلق بتاريخهم أو عاداتهم. ومع أنه توجد مصادر أخرى بيزنطية وروسية، فإن كتب الرحالة العرب لا تزال المصدر الأساسى. ومن المفارقات التى يجب أن تسبب لنا، نحن عرب القرن العشرين، الإحساس بالحرج أننا لم نستفد بهذه الدراسات وإنما استفدنا بدراسات كتاب غربيين معظمهم من اليهود مثل آرثر كوستلر فى كتابه دولة الخزر وميراثها (القبيلة الثالثة عشرة) (والذى استفدنا منه كثيراً فى هذا المدخل) . وكتاب العالم اليهودى دنلوب، والموسوعات اليهودية المختلفة، فى حين استمد هؤلاء الكتاب معلوماتهم من المصادر العربية بالدرجة الأولى. ورغم انتصارهم، لم يتمكن العرب من القضاء على مملكة الخزر، بسبب المشاكل الداخلية للخلافة الأموية، ولعل هذا هو الذى أنقذ الخزر فى نهاية الأمر. وتشهد فترة الحرب الثانية قيام تحالفات مع الإمبراطورية البيزنطية ربما للرد على الهجوم الإسلامى. وقد زوج الإمبراطور البيزنطى ابنه من أميرة خزرية عام ٧٣٢، وكانت ثمرة هذا الزواج الإمبراطور ليو الخزرى (٧٧٥ – ٧٨٠) .

стр. 1325

ولا يعرف أحد بالضبط مدى اتساع مملكة الخزر (خزارياً) ، فيجعلها بعض المؤرخين مملكة صغيرة على الفولجا والدون، فى حين يرى البعض الآخر أنها كانت فى قمة اتساعها وتطورها، فى منتصف القرن الثامن حيث شكلت مملكة مترامية الأطراف تمتد حدودها بين سواحل البحر الأسود الشمالية، ونهر الدنيبر فى الغرب، وبحر قزوين ونهر الفولجا فى الشرق، حتى حدودها الجنوبية وجبال القوقاز فى الجنوب. كما اتجه الخزر شمالاً. ويقال إن حدود المملكة وصلت إلى كييف، لكن القرائن على ذلك ضعيفة. ويقول آرثر كوستلر إن الخزر، فى ذروة قوتهم، فرضوا الجزية على ما يزيد على ثلاثين عشيرة وقبيلة مختلفة تقطن المساحات الشاسعة فيما بين القوقاز وجبال الأورال ومدينة كييف والإستبس الأوكرانية. ومن بين الشعوب الواقعة تحت سلطان الخزر: البلغار (بلغار الفولجا) ، والغز، والمجريون (الهنغار) ، وسكان المستعمرات الجرمانية واليونانية فى القرم، وبعض القبائل السلافية. وكانت الجيوش الخزرية تشن غاراتها أيضاً جنوب المناطق الواقعة وراء مناطق سيادتها المترامية، جورجيا وأرمينيا، وتغلغلت فى الأراضى العربية حتى شارفت الموصل. ولم يكن للخزر، حتى القرن التاسع، أى منافس لسيادتهم فى المناطق الواقعة شمال البحر الأسود وما يلحقها من مناطق الإستبس والغابات على نهر الدنيبر. وقد ظلوا القوة العظمى فى النصف الجنوبى من أوروبا الشرقية مدة قرن ونصف قرن، وكانوا حاجز حماية منيع يسد ممر الأورال وقزوين فيما بين آسيا وأوروبا. وقد صدوا طوال هذه الفترة غارات القبائل البدوية الزاحفة من الشرق. وقد بدأ تدهور الخزر فى القرن العاشر بسبب تزايد قوة قبائل البيشنج فى الشمال والغرب والروس فى إمارة كييف.

стр. 1326

وبرغم تدهورها وضعف نفوذها، احتفظت مملكة الخزر باستقلالها حتى القرن العاشر، حين قام حاكم كييف (الأمير سفياتوسلاف) بالهجوم على أتل عام ٩٦٥ وتحطيم قوتها وتدمير عاصمتها وكذلك قلعة سمندر وساكريل على نهر الدون. ولكن هذا لا يعنى أن الخزر قد أبيدوا، وإنما يعنى تناقص قوتهم وانكماش نفوذهم، إذ أن ذكرهم يأتى فى المدونات المختلفة حتى القرن الثانى عشر. ويمكن القول بأن الإمبراطورية الخزرية تهاوت تماماً باعتناق الأمير الروسى فلاديمير الديانة المسيحية، فقد أدى هذا إلى ظهور تحالف مسيحى يضم بيزنطة فى الغرب وروسيا فى الشمال، وهذا ما جعل مملكة الخزر اليهودية دون قيمة إستراتيجية كدولة عازلة، وسقطت تماماً فى نهاية الأمر تحت هجمات الروس أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادى عشر. ويقال إن خاقان الخزر اعتنق الإسلام فى تلك الفترة لعقد تحالف مع المسلمين. وقضى الغزو التترى على ما تبقى من الخزر فى وادى الفولجا عام ١٢٤٧ حين اختفوا تماماً كجماعة مستقلة. ويلاحظ أن دولة الخزر تقع فى المنطقة التى تلتقى فيها عدة إمبراطوريات ولم تحقق الازدهار إلا بسبب الفراغ الموجود فى تلك المنطقة. وهى فى هذا، تشبه، فى كثير من الوجوه، الدولة العبرانية المتحدة (فى الماضى) ، والدولة الصهيونية (فى العصر الحديث) .

стр. 1327

وحضارة الخزر آسيوية قبلية بدائية احتفظت بكثير من الطقوس البدائية حتى بعد أن أحرزت قدراً لا بأس به من التقدم. وقد عرف الخزر نظام الملكية المزدوجة المعروف بين القبائل التركية وبعض الشعوب الآسيوية إذ كان يحكمهم الخاقان أو الكاجان الأكبر الذى لم يكن يظهر إلا مرة واحدة كل أربعة أشهر ولا يتحدث إلا إلى نفر محدود من الناس. وكان الخاقان موضع تبجيل كبير، ويجرى تتويجه فى احتفال مهيب للغاية. وقد كان دائماً من سلالة ملكية، وكان المنصب يورث فى العائلة نفسها، حتى لو كان الوريث شخصاً عادياً فقيراً كما يلاحظ الرحالة العرب. وكانت سلطة الخاقان مطلقة حتى أنه لو طلب إلى أحد أن يقتل نفسه لفعل. ولكن الخاقان كان فى نهاية الأمر مبعداً معزولاً إذ كان نائبه، كاجان بك أو البك وحسب، هو الذى يصرف شئون الدولة شاملة إعداد الجيوش وقيادتها، وهو الذى يظهر للعامة ويقودهم فى الحروب، وهو الذى كان يمتلك كل القوى ذات التأثير. ورغم أن البك كان يدين بالطاعة لحضرة الخاقان الأكبر ويأتيه كل يوم فى إذعان وخضوع، فإنه هو الذى كان يعينه كما يذكر الأصطخري، أو ربما كان مؤثراً فى اختياره. وربما كان التقسيم للسلطة بين الخاقان والبك تقسيماً للسلطتين الدينية والدنيوية. فالخاقان الأكبر صاحب السلطة الروحية المطلقة، والبك صاحب السلطة الدنيوية الفعلية. وهذه العلاقة تشبه إلى حد كبير علاقة الإمبراطور (أو الميكادو) بالحاكم العسكرى (الشوجن) فى اليابان، فالأول هو صاحب السلطة المطلقة الذى يخضع له الشوجن، ولكن هذا الأخير هو الذى يقدر على الحل والربط. وقد عقدت مقارنة طريفة بين نظام الحكم لدى الخزر ولعبة الشطرنج، الملكية المزدوجة، تمثل على رقعة الشطرنج بالملك (الكاجان) والوزير (البك) حيث يظل الملك فى عزلة يحميه أتباعه ضعيف الحلول لا يجد حراكاً لأكثر من خطوة قصيرة واحدة فى كل مرة. أما الوزير فهو على النقيض من ذلك، له الوجود الأقوى على

стр. 1328

الرقعة التى يسيطر عليها. وبرغم ذلك، فإن من المحتمل أن "يموت" الوزير وتظل اللعبة قائمة فى حين يكون "موت" الملك الكارثة العظمى التى تنهى اللعبة. وإن أردنا استخدام المصطلح الذى نستخدمه فى هذه الموسوعة لقلنا إن الملك هو اللوجوس أو المطلق، وإنه ركيزة النسق النهاية أو المرجعية التى لا مرجعية بعدها. وكانت التجارة المصدر المالى الأساسى لمملكة الخزر حيث كانت متحكمة فى الطرق التجارية الموصلة بين الشرق الأقصى والإمبراطورية البيزنطية، وكذلك فى الطرق الموصلة بين العرب والبلاد السلافية. وقد كانت تفرض الضرائب على البضائع التى تمر فيها. كما كان الحرج من الدول الخاضعة لها مصدراً للريع. وكانت ديانة الخزر فى المراحل الأولى شامانية بدائية يهيمن عليها الشامان (الكاهن/الساحر/الطبيب) الذى يدعى المقدرة على شفاء المرضى والسيطرة على الأرواح الشريرة ويدعى معرفة الغيب. ويبدو أن الخزر أحرزوا قسطاً كبيراً من التحضر قبل تهودهم وبعده، فقد تركوا خيامهم وبنوا البيوت من الحجر المحروق. وكان للمسلمين مساجد متعددة فى مملكتهم، منها مسجد كانت مئذنته ترتفع إلى ما يفوق ارتفاع القلعة الملكية. كما أنهم مارسوا الزراعة، واتسع نطاق تجارتهم الدولية. وقد ازدهرت أيضاً الفنون والحرف، ومنها صناعة الأزياء النسائية وصناعة الفضة. أما نمط الفن الخزرى، فقد كان متأثراً بالفن الفارسى. وقد تطور نظامهم القضائى أيضاً بحيث كان فى عاصمة الخزر سبعة قضاة، اثنان منهم للمسلمين واثنان لليهود واثنان للمسيحيين وواحد للوثنيين.

стр. 1329

وكما أسلفنا الذكر، بلغت مملكة الخزر أوج عظمتها وقوتها بين القرنين الثامن والعاشر. وأثناء هذه الفترة، اعتنق ملكها بولان (٧٨٦ - ٨٠٩) ، ومعه أربعة آلاف من النبلاء، الديانة اليهودية وجعلها الديانة الرسمية، وهو ما يؤكده المسعودى حين يشير إلى أنهم تهودوا فى عهد هارون الرشيد. ويبدو أنهم عرفوا اليهودية من خلال عشرات من المهاجرين اليهود الذين فروا من اضطهاد الإمبراطورية البيزنطية بخاصة فى عهد هرقل (فى القرن السابع الميلادى) . وقد كتب أحد يهود الأندلس (حسداى ابن شبروط) ، حين عرف بقيام هذه المملكة، إلى يوسف ملك الخزر، فيما يعرف باسم "المراسلات الخزرية"، يسأله عن القبيلة العبرية التى ينتمى إليها وعن أمور أخرى. وقد أكد له الملك أن أصل الخزر تركى وليس سامياً، ولا علاقة له بأسباط إسرائيل العشرة المفقودة ولا بفلسطين. وفى رده على ابن شبروط، يذكر الملك يوسف كيف اعتنق بولان اليهودية، فيقول إنه بعث فى طلب زعماء الديانات السماوية وأقام بينهم حواراً ليشرح كل منهم دينه ويناقش الأديان الأخرى، وقد اقتنع الملك بعد هذه المناقشة بالدين اليهودى. وقد تخيل الشاعر الأندلسى اليهودى يهودا اللاوى هذا الحوار الفلسفى ورواه فى كتاب له عن هذا الموضوع. وقام أحد أحفاد بولان بإصلاح دينى، فترجم العهد القديم والتلمود (ربما بضعة أجزاء منه نظراً لضخامته) . ويقول كوستلر إن يهودية بولان كانت قرائية تؤمن بالعهد القديم دون التلمود، ثم تطورت إلى يهودية حاخامية. وقد ظهر مذهب القرائين فى القرن الثامن فى العراق، وكان للقرائين حركة تبشيرية قوية. ومن المعروف أن القرائية ظلت فى بلاد الخزر قائمة بشكل واضح حتى النهاية، ولا تزال قرى اليهود القرائين الناطقين بالتركية قائمة حتى الآن فى روسيا. ولم تكن يهودية الخزر كاملة، بل احتفظوا بكثير من العادات الشامانية من تراثهم التركى البدائى. فكانوا، على سبيل المثال، يقتلون الملك عادة بعد أن يحكم

стр. 1330

أربعين عاماً، وهذا دليل على استمرار عبادات الخصب حتى بعد اعتناقهم اليهودية، كما أنهم كانوا يقتلون من يتولون حفر قبر الخاقان الأكبر (ولعل هذا يفسر عدم اكتراث يهود العراق بهم، فلم يكونوا من وجهة نظر المؤسسة الدينية يهوداً خلصاً) . وقد رد يوسف ملك الخزر على سؤال ابن شبروط عن آخر الأيام رداً ميهماً للغاية. وليس من المعروف إن كان أعضاء قبائل الخزر كلهم قد تهودوا، أم أن الأمر ظل مقصوراً على الملك والنبلاء وأقلية من الشعب. وقد حاول المؤرخون تفسير ظاهرة تهود الخزر، فيقال إنهم تهودوا لأسباب سياسية حيث كانوا واقعين بين الإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية، وكانت الإمبراطورية الروسية حينذاك فراغاً. ولكى يحتفظوا باستقلالهم، تبنوا عقيدة دينية مختلفة عن عقيدة القوتين العظميين. ويقال أيضاً إن التهود كان لأسباب اقتصادية إذ أن الخزر كانوا قد بدأوا فى احتراف التجارة وكان على من يوّد ممارسة هذه المهنة فى هذه المناطق وغيرها أن يتهود حتى يستفيد من شبكة الاتصالات اليهودية فى العصور الوسطى، والتى كانت تعتبر نظام ائتمان دولي. وقد أصبح بوسع الخزر، بتهودهم، أن يلعبوا دور الوسيط أو الدولة الوظيفية الوسيطة بين القوتين العظميين، إذ كان لكل منهما قوانينها وشرائعها، ولم تكن توجد بينهما قنوات اتصال ولا يمكن لتجار كل طرف أن يعبروا إلى أرض الطرف الآخر إلا بصعوبة. ولذا، كان من الضرورى ظهور طرف ثالث هامشى محايد، مثل الجماعة الوظيفية الوسيطة، ليقوم بالنشاط التجارى بينهما. ويقال إن النخبة الحاكمة الخزرية قد تبنت ديانة سماوية توحيدية مثل اليهودية، وذلك حتى تضفى على نفسها هيبة ووقاراً، وتوجد مسافة بينها وبين العبادات الشامانية البدائية السائدة، وتربط بينها وبين النخب الحاكمة فى العالمين الإسلامى والمسيحى.

стр. 1331

ويرى بعض المؤرخين، ومن بينهم العالم الإسرائيلى إ. ن. بولياك أستاذ التاريخ اليهودى الوسيط فى جامعة تل أبيب، وكذلك علماء الأجناس، أن يهود شرق أوروبا الإشكناز ليسوا من نسل يهود فلسطين وإنما من نسل الخزر الذين استوطنوا هناك بعد تشرذمهم. وقد وصفهم الجغرافيون العرب بأنهم ذوو بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر غزير ضارب للحمرة. ومن هنا، فإن مقولة أن يهود أوروبا الإشكناز من أصل خزرى تركي ليست مقولة فكرية محضة ذات مقدرة تفسيرية عالية تستند إلى العقل والمنطق وحسب، وإنما هى مقولة تستند أيضاً إلى المعطيات التاريخية المحسوسة. ومن أهم ما كتب فى هذا الموضوع كتاب المؤلف الإنجليزى المجرى الأصل، اليهودى العقيدة، آرثر كوستلر، والذى أسلفنا الإشارة إليه، حيث يبرهن فيه على المقولة الخاصة بهجرة يهود الخزر إلى شرق أوروبا، بالإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الخزر والمجر وكيف أسهم خاقان الخزر فى تأسيس دولة المجر بأن عين لقبائل المجر ملكاً يخضع لسلطانه. وقد ظلت العلاقات قوية بين الشعبين إلى أن طرد المجريون من بلادهم عام ٨٩٦ وعبروا سلسلة جبال الكربات وانتزعوا المنطقة التى أصبحت موطنهم الحالى. ويبين كوستلر كيف انضمت إلى المجريين فى هجرتهم إلى هنغاريا قبائل خزرية معروفة باسم "الكابار"، وقادتهم إلى موطنهم الجديد. وقد استمرت العلاقة الوثيقة بين المجر والخزر حتى استقرار المجموعات الخزرية المجرية فى الوطن الجديد. وقد دعا دوق تاكسونى المجرى عدداً غير معلوم من الخزر ليستوطنوا بلاده، ولاشك فى أن نسبة كبيرة منهم كانت من اليهود. بل ويرى كوستلر أن تدفق اليهود لم يكن على المجر وحسب بسبب العلاقات المجرية الخزرية كما أنه لا يمثل حالة خاصة، فهذه الهجرة كانت جزءاً من هجرة أكبر وهى الهجرة الجماعية الشمالية من الإستبس الأوراسية تجاه الغرب، أى تجاه أوروبا الوسطى والشرقية. ولذلك، فهو يتحدث عن "الشتات الخزرى" أى انتشار اليهود من

стр. 1332

بلاد الخزر إلى أرجاء أوروبا، مقابل "الشتات" وحسب، أى انتشار اليهود من فلسطين. ويلاحظ كوستلر أن اختفاء الشعب الخزرى من موطنه التاريخى قد صاحبه الظهور المعاصر لأكبر تجمع يهودى فى الشمال الغربى من أوروبا. ولهذا، اتفق المؤرخون على أن الهجرة من خزاريا قد أسهمت بالتأكيد فى نمو الجماعات اليهودية البولندية. ولكن يظل هناك سؤال يتصل بحجم هذا الإسهام؟ وما إذا كان اليهود الخزر قد كونوا مجرد نواة للجماعة اليهودية وحسب، أم أنهم لم يكونوا مجرد نواة؟ وهنا يستعرض كوستلر تاريخ يهود أوروبا فيبين ضآلة عددهم، ثم يستعرض تاريخ طرد اليهود من بلد أوروبى إلى آخر، ويشير إلى أن يهود حوض الراين (حتى القرن الحادى عشر) كانوا ضئيلى الأهمية قليلى العدد، وقد تعرضت هذه الجماعات للإبادة وتناقصت أعدادها أثناء حروب الفرنجة. أما أعضاء الجماعات اليهودية التى كان يتم تدميرها تماماً، فقد كانوا يتركون مكان إقامتهم بعض الوقت ثم يعودون إليه، أى أنهم لم يكونوا يهاجرون منها. وقد ظهر الطاعون أو الموت الأسود الذى تفشى فى الفترة ١٣٤٧ - ١٣٥٠ وقضى على ثلث سكان أوروبا. لكل هذا، يرى كوستلر أن فكرة هجرة يهود غرب أوروبا إلى شرقها يتعذر إثباتها تاريخياً، بل إنها مجرد خرافية، أو افتراض خلقه المؤرخون، وكان عليهم اختلافه لتفسير ظاهرة ازدياد عدد يهود أوروبا الشرقية فى القرن الخامس عشر، خصوصاً فى بولندا، زيادة مفاجئة وهائلة، حتى أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود العالم (مع بداية القرن التاسع عشر) موجودون فى بولندا بحيث يمكن القول بأن يهود العالم الحديث من أصل بولندى.

стр. 1333

وفى محاولة تفسير تزايد عدد يهود بولندا، اختلق المؤرخ الروسى اليهودى دبنوف وغيره فريضة هجرة يهود غرب أوربا إلى شرقها (بسبب المذابح التى ارتكبت ضد الجماعات اليهودية إيبان الحروب الصليبية) ، وذلك على الرغم من أن الحوليات المعاصرة لا تتحدث عن مثل هذه الهجرة، بل ومن الصعب تخيلها. ومرد ذلك جهل المؤرخين بتاريخ يهود الخزر، وتاريخ هذه المرحلة السديمية التى كانت تنتقل فيها شعوب أوربا أو قبائلها من مكان إلى آخر. أما كوستلر، فيهتم بقضية يهود الخزر باعتباره يهودياً رافضاً لفكرة الاستمرار العرقى اليهودى فى فلسطين، باعتباره مدافعاً عن حقه فى أن يظل منتمياً (كيهودي إنجليزي) إلى وطنه إنجلترا. وهو يستخلص النتيجة التالية: "أن الدلائل المعروضة تدعم الحجة القوية التى قدمها أولئك المؤرخون المحدثون، سواء النمساويون أو الإسرائيليون أو البولنديون، أو أولئك الذين أثبتوا (مع استقلال كلًّ عن الآخر) أن الأغلبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطينى وإنما من أصل قوقازى وأن تيار الهجرات اليهودية الرئيسى لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا متجهاً نحو الشرق ثم عائداً أدراجه ثانية ولكنه تحرك فى اتجاه ثابت دائماً (نحو الغرب) بادئاً من القوقاز عابراً أوكرانيا إلى بولندا ومنها إلى وسط أوربا. وعندما حدث فى بولندا هذا الاستيطان الضخم الذى لم يسبق له نظير، لم يكن إلى جانبه (فى الغرب) سوى عدد قليل ولا يعتد به من اليهود، فى حين أن شعبنا بأسره (فى الشرق) كان فى سبيله إلى التحرك نحو حدود جديدة".

стр. 1334

وتحاول الصهيونية، فى أحد أشكالها، أن تؤسس نظرية الحقوق اليهودية فى فلسطين على أساس عرقى. إذ تدعى أن اليهود، بالمعنى العرقى، شعب ارتبط دائماً بفلسطين (أو أرض الميعاد) ، وأن هذا النقاء العرقى وهذا الارتباط الأزلي بأرض الأجداد، يبرران الاستيلاء على فلسطين. ولكن تهود الخزر، مثل تهود الآدميين وغيرهم من الأقوام، يمثل تحدياً لهذه الفكرة الخاصة بالنقاء العرقى. فالأصل الخزرى لمعظم يهود الغرب، أى الأغلبية العظمى من يهود العالم، يفند فكرة الحقوق اليهودية التى تساند إلى أساس عرقى. ومع هذا، يجب التنبيه على أن الصهيونية تعرف الهوية اليهودية الآن تعريفاً أثنياً فضفاضاً ولا تركز إلا نادراً على النظرية العرقية ونظرية النقاء العرقى، كما أنها تؤسس نظرية الحق اليهودى على الارتباط الإثنى والدينى والحضارى وليس على الارتباط العرقى. الكرمشاكى (تاريخ يهود شبه جزيرة القرم) (Krimchaki) History of the Jews of the Crimean Peninsula «يهود الكرمشاكى» جماعة يهودية صغيرة ذات سمات إثنية خاصة، تسكن شبه جزيرة القرم، ويتحدث أعضاؤها لهجة تترية دخلت عليها كلمات عبرية آرمية وكلمات قليلة من اللادينو واليديشية، وهى تكتب بحروف عبرية. وكان الكرمشاكى يطلقون على أنفسهم لفظ "يهودى" أو "سريلى بالالارى" (أبناء إسرائيل) .ولكنهم، مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأوا يستخدمون الكلمة الروسية "كرمشاك" أى "سكان شبه جزيرة القرم". وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة فى السجلات الروسية عام ١٨٥٩. ويبدو أن السلطات الروسية قد صاغت هذا الاسم للتمييز بينهم وبين القرائين والإشكناز.

стр. 1335

ويعود تاريخ اليهود فى القرم القرن الثانى قبل الميلاد (مع الاستيطان اليونانى فيها) . ويبدو أنهم كانوا يعملون بالتجارة وفى بعض الحرف، كما عملوا فى الدولة والجيش. وقد تغيرت هوية أعضاء الجماعة اليهودية عدة مرات، ويبدو أن تتريكهم بدأ فى حكم إمبراطورية الخزر، ولكنهم اكتسبوا هويتهم التترية التركية مع الغزو التترى عام ١٢٣٩، فارتدوا الأزياء التركية الإسلامية وتبنوا اللغة التترية. وتأثر بناء الأسرة التترية، فظلوا يمارسون تعدد الزوجات حتى بدايات القرن التاسع عشر. وكانوا بمعزل عن الحركات الفكرية التى اكتسحت يهود أوروبا مثل الاستنارة والصهيونية والإصلاح الدينى. وكانت غالبيتهم من الحرفيين، واشتغلت أقلية منهم بالزراعة وعدد قليل جداً منهم فى التجارة. ورغم تبنيهم الأنماط الحضارية التركية والتترية، إلا أن أسماء عائلات الكرمشاكى تدل على تنوع أصولهم العرقية، فهناك أسماء تركية (لولباكش - ديمارجى - أزميرلى) ، وأسماء قوقازية (أبابيف) ، وإيطالية وإسبانية (كونفينو - مانتو) ، كما توجد أسماء من أصل إشكنازى (سليزر - أورى) وهناك أسماء عبرية (كوهين - مزراحى) . وبعد ضم روسيا القيصرية للقرم، تغير وضع الكرمشاكى تماماً إذ بدأت عملية تحديثهم وترويسهم، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك فى بداية الأمر ورفضوا التزاوج مع يهود اليديشية الذين كانوا يعدون عنصراً روسياً ويوطنون فى القرم كعنصر استيطانى. وقد تصاعدت هذه العملية مع الثورة البلشفية، وزاد المستوى التعليمى بينهم، الأمر الذى نجم عنه تآكل أشكال الحياة التقليدية. وقد قام كثير من أعضاء الجماعة الذين عملوا مهنيين (مهندسين أو مدرسين أو أطباء) بقطع صلتهم بمجتمع الكرمشاكى.
следующие страницы →