← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ويرى بعض المؤرخين، ومن بينهم العالم الإسرائيلى إ. ن. بولياك أستاذ التاريخ اليهودى الوسيط فى جامعة تل أبيب، وكذلك علماء الأجناس، أن يهود شرق أوروبا الإشكناز ليسوا من نسل يهود فلسطين وإنما من نسل الخزر الذين استوطنوا هناك بعد تشرذمهم. وقد وصفهم الجغرافيون العرب بأنهم ذوو بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر غزير ضارب للحمرة. ومن هنا، فإن مقولة أن يهود أوروبا الإشكناز من أصل خزرى تركي ليست مقولة فكرية محضة ذات مقدرة تفسيرية عالية تستند إلى العقل والمنطق وحسب، وإنما هى مقولة تستند أيضاً إلى المعطيات التاريخية المحسوسة. ومن أهم ما كتب فى هذا الموضوع كتاب المؤلف الإنجليزى المجرى الأصل، اليهودى العقيدة، آرثر كوستلر، والذى أسلفنا الإشارة إليه، حيث يبرهن فيه على المقولة الخاصة بهجرة يهود الخزر إلى شرق أوروبا، بالإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الخزر والمجر وكيف أسهم خاقان الخزر فى تأسيس دولة المجر بأن عين لقبائل المجر ملكاً يخضع لسلطانه. وقد ظلت العلاقات قوية بين الشعبين إلى أن طرد المجريون من بلادهم عام ٨٩٦ وعبروا سلسلة جبال الكربات وانتزعوا المنطقة التى أصبحت موطنهم الحالى. ويبين كوستلر كيف انضمت إلى المجريين فى هجرتهم إلى هنغاريا قبائل خزرية معروفة باسم "الكابار"، وقادتهم إلى موطنهم الجديد. وقد استمرت العلاقة الوثيقة بين المجر والخزر حتى استقرار المجموعات الخزرية المجرية فى الوطن الجديد. وقد دعا دوق تاكسونى المجرى عدداً غير معلوم من الخزر ليستوطنوا بلاده، ولاشك فى أن نسبة كبيرة منهم كانت من اليهود. بل ويرى كوستلر أن تدفق اليهود لم يكن على المجر وحسب بسبب العلاقات المجرية الخزرية كما أنه لا يمثل حالة خاصة، فهذه الهجرة كانت جزءاً من هجرة أكبر وهى الهجرة الجماعية الشمالية من الإستبس الأوراسية تجاه الغرب، أى تجاه أوروبا الوسطى والشرقية. ولذلك، فهو يتحدث عن "الشتات الخزرى" أى انتشار اليهود من

стр. 1332

بلاد الخزر إلى أرجاء أوروبا، مقابل "الشتات" وحسب، أى انتشار اليهود من فلسطين. ويلاحظ كوستلر أن اختفاء الشعب الخزرى من موطنه التاريخى قد صاحبه الظهور المعاصر لأكبر تجمع يهودى فى الشمال الغربى من أوروبا. ولهذا، اتفق المؤرخون على أن الهجرة من خزاريا قد أسهمت بالتأكيد فى نمو الجماعات اليهودية البولندية. ولكن يظل هناك سؤال يتصل بحجم هذا الإسهام؟ وما إذا كان اليهود الخزر قد كونوا مجرد نواة للجماعة اليهودية وحسب، أم أنهم لم يكونوا مجرد نواة؟ وهنا يستعرض كوستلر تاريخ يهود أوروبا فيبين ضآلة عددهم، ثم يستعرض تاريخ طرد اليهود من بلد أوروبى إلى آخر، ويشير إلى أن يهود حوض الراين (حتى القرن الحادى عشر) كانوا ضئيلى الأهمية قليلى العدد، وقد تعرضت هذه الجماعات للإبادة وتناقصت أعدادها أثناء حروب الفرنجة. أما أعضاء الجماعات اليهودية التى كان يتم تدميرها تماماً، فقد كانوا يتركون مكان إقامتهم بعض الوقت ثم يعودون إليه، أى أنهم لم يكونوا يهاجرون منها. وقد ظهر الطاعون أو الموت الأسود الذى تفشى فى الفترة ١٣٤٧ - ١٣٥٠ وقضى على ثلث سكان أوروبا. لكل هذا، يرى كوستلر أن فكرة هجرة يهود غرب أوروبا إلى شرقها يتعذر إثباتها تاريخياً، بل إنها مجرد خرافية، أو افتراض خلقه المؤرخون، وكان عليهم اختلافه لتفسير ظاهرة ازدياد عدد يهود أوروبا الشرقية فى القرن الخامس عشر، خصوصاً فى بولندا، زيادة مفاجئة وهائلة، حتى أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود العالم (مع بداية القرن التاسع عشر) موجودون فى بولندا بحيث يمكن القول بأن يهود العالم الحديث من أصل بولندى.

стр. 1333

وفى محاولة تفسير تزايد عدد يهود بولندا، اختلق المؤرخ الروسى اليهودى دبنوف وغيره فريضة هجرة يهود غرب أوربا إلى شرقها (بسبب المذابح التى ارتكبت ضد الجماعات اليهودية إيبان الحروب الصليبية) ، وذلك على الرغم من أن الحوليات المعاصرة لا تتحدث عن مثل هذه الهجرة، بل ومن الصعب تخيلها. ومرد ذلك جهل المؤرخين بتاريخ يهود الخزر، وتاريخ هذه المرحلة السديمية التى كانت تنتقل فيها شعوب أوربا أو قبائلها من مكان إلى آخر. أما كوستلر، فيهتم بقضية يهود الخزر باعتباره يهودياً رافضاً لفكرة الاستمرار العرقى اليهودى فى فلسطين، باعتباره مدافعاً عن حقه فى أن يظل منتمياً (كيهودي إنجليزي) إلى وطنه إنجلترا. وهو يستخلص النتيجة التالية: "أن الدلائل المعروضة تدعم الحجة القوية التى قدمها أولئك المؤرخون المحدثون، سواء النمساويون أو الإسرائيليون أو البولنديون، أو أولئك الذين أثبتوا (مع استقلال كلًّ عن الآخر) أن الأغلبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطينى وإنما من أصل قوقازى وأن تيار الهجرات اليهودية الرئيسى لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا متجهاً نحو الشرق ثم عائداً أدراجه ثانية ولكنه تحرك فى اتجاه ثابت دائماً (نحو الغرب) بادئاً من القوقاز عابراً أوكرانيا إلى بولندا ومنها إلى وسط أوربا. وعندما حدث فى بولندا هذا الاستيطان الضخم الذى لم يسبق له نظير، لم يكن إلى جانبه (فى الغرب) سوى عدد قليل ولا يعتد به من اليهود، فى حين أن شعبنا بأسره (فى الشرق) كان فى سبيله إلى التحرك نحو حدود جديدة".

стр. 1334

وتحاول الصهيونية، فى أحد أشكالها، أن تؤسس نظرية الحقوق اليهودية فى فلسطين على أساس عرقى. إذ تدعى أن اليهود، بالمعنى العرقى، شعب ارتبط دائماً بفلسطين (أو أرض الميعاد) ، وأن هذا النقاء العرقى وهذا الارتباط الأزلي بأرض الأجداد، يبرران الاستيلاء على فلسطين. ولكن تهود الخزر، مثل تهود الآدميين وغيرهم من الأقوام، يمثل تحدياً لهذه الفكرة الخاصة بالنقاء العرقى. فالأصل الخزرى لمعظم يهود الغرب، أى الأغلبية العظمى من يهود العالم، يفند فكرة الحقوق اليهودية التى تساند إلى أساس عرقى. ومع هذا، يجب التنبيه على أن الصهيونية تعرف الهوية اليهودية الآن تعريفاً أثنياً فضفاضاً ولا تركز إلا نادراً على النظرية العرقية ونظرية النقاء العرقى، كما أنها تؤسس نظرية الحق اليهودى على الارتباط الإثنى والدينى والحضارى وليس على الارتباط العرقى. الكرمشاكى (تاريخ يهود شبه جزيرة القرم) (Krimchaki) History of the Jews of the Crimean Peninsula «يهود الكرمشاكى» جماعة يهودية صغيرة ذات سمات إثنية خاصة، تسكن شبه جزيرة القرم، ويتحدث أعضاؤها لهجة تترية دخلت عليها كلمات عبرية آرمية وكلمات قليلة من اللادينو واليديشية، وهى تكتب بحروف عبرية. وكان الكرمشاكى يطلقون على أنفسهم لفظ "يهودى" أو "سريلى بالالارى" (أبناء إسرائيل) .ولكنهم، مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأوا يستخدمون الكلمة الروسية "كرمشاك" أى "سكان شبه جزيرة القرم". وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة فى السجلات الروسية عام ١٨٥٩. ويبدو أن السلطات الروسية قد صاغت هذا الاسم للتمييز بينهم وبين القرائين والإشكناز.

стр. 1335

ويعود تاريخ اليهود فى القرم القرن الثانى قبل الميلاد (مع الاستيطان اليونانى فيها) . ويبدو أنهم كانوا يعملون بالتجارة وفى بعض الحرف، كما عملوا فى الدولة والجيش. وقد تغيرت هوية أعضاء الجماعة اليهودية عدة مرات، ويبدو أن تتريكهم بدأ فى حكم إمبراطورية الخزر، ولكنهم اكتسبوا هويتهم التترية التركية مع الغزو التترى عام ١٢٣٩، فارتدوا الأزياء التركية الإسلامية وتبنوا اللغة التترية. وتأثر بناء الأسرة التترية، فظلوا يمارسون تعدد الزوجات حتى بدايات القرن التاسع عشر. وكانوا بمعزل عن الحركات الفكرية التى اكتسحت يهود أوروبا مثل الاستنارة والصهيونية والإصلاح الدينى. وكانت غالبيتهم من الحرفيين، واشتغلت أقلية منهم بالزراعة وعدد قليل جداً منهم فى التجارة. ورغم تبنيهم الأنماط الحضارية التركية والتترية، إلا أن أسماء عائلات الكرمشاكى تدل على تنوع أصولهم العرقية، فهناك أسماء تركية (لولباكش - ديمارجى - أزميرلى) ، وأسماء قوقازية (أبابيف) ، وإيطالية وإسبانية (كونفينو - مانتو) ، كما توجد أسماء من أصل إشكنازى (سليزر - أورى) وهناك أسماء عبرية (كوهين - مزراحى) . وبعد ضم روسيا القيصرية للقرم، تغير وضع الكرمشاكى تماماً إذ بدأت عملية تحديثهم وترويسهم، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك فى بداية الأمر ورفضوا التزاوج مع يهود اليديشية الذين كانوا يعدون عنصراً روسياً ويوطنون فى القرم كعنصر استيطانى. وقد تصاعدت هذه العملية مع الثورة البلشفية، وزاد المستوى التعليمى بينهم، الأمر الذى نجم عنه تآكل أشكال الحياة التقليدية. وقد قام كثير من أعضاء الجماعة الذين عملوا مهنيين (مهندسين أو مدرسين أو أطباء) بقطع صلتهم بمجتمع الكرمشاكى.

стр. 1336

وقد انخفض عدد الكرمشاكى عام ١٩٨٩ إلى ١٥٥٩. ويمكن القول بأن الكرمشاكى يذوبون بسرعة فى اليهود الروس والأوكرانيين ويتزاوجون منهم، ولا يوجد منهم الآن سوى مائة أسرة فى الولايات المتحدة. ويبدو أن أعضاءها خضعوا لحركيات المجتمع الأمريكى، كما بدأوا يتزاوجون بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى. اليهود الأكراد Kurdish Jews «اليهود الأكراد» جماعة يهودية لها سماتها الإثنية الخاصة، يعيش معظم أعضائها فى العراق، رغم أن معظم الأكراد يعيشون فى تركيا، حيث توجد ١٤٦ قرية يهودية فى العراق و١٩ فى إيران و١١ فى تركيا، كما توجد أيضاً مجموعة فى سوريا. وتوجد بين أكراد العراق أقليتان دينيتان: المسيحيون النسطوريون (الذين يسمون أيضاً الآشوربين) ، واليهود. وقد تأثر أعضاء الجماعتين بالثقافة الكردية. ولكنهم، مع هذا، لم يتبنوا اللغة الكردية إذ أنهم يتحدثون الآرامية ويتحدث يهود الموصل العربية، وهم بذلك لا يصنفون باعتبارهم أكراداً. ويقال إن وجود اليهود فى هذه المنطقة يعود إلى أيام التهجير الآشورى ومملكة أديابنى. وقد وضع أغوات الأكراد (أى كبار ملاك الأراضى) جماعة اليهود تحت حمايتهم، فكان اليهود يعدون ملكية خاصة لهم يجمعون منهم المحاصيل ويُخضعونهم للسخرة، بل وكان فى مقدور الأغا أن يبيع ما يملك من يهود (وهذا أمر نادر فى الحضارة الإسلامية وإن كان يشبه ما حدث فى أوروبا) . وفى منتصف القرن العشرين، كان ٨٠% من يهود كردستان يعيشون فى المدن ويعملون تجاراً صغاراً وبقالين، وكان الحرفيون يعملون صباغين وترزية ونجارين ودباغين ومراكبية ينقلون الأخشاب فى قوارب أنهار الموصل. وكان العشرون فى المائة الباقية يعيشون فى المناطق الريفية.

стр. 1337

ولا تختلف عادات الأكراد اليهود عن عادات الأكراد بصفة عامة. وعلى سبيل المثال، فإن عادات الزواج بينهم لا تختلف كثيراً عن عادات الزواج السائدة فى المجتمع الكردى، حيث تتزوج الفتيات فى سن مبكرة، وعلى العريس أن يدفع مهراً لوالد العروسة تعويضاً له عن تربيتها وتنشئتها. ولا تختلف طقوس الزواج بينهم عن الطقوس السائدة بين الأكراد من تمسك بعذرية الفتاة عند الزواج إلى غير ذلك من القيم والشعائر. وفى ليلة الزفاف، يتم التحقق من ذلك وتعلن النتيجة على المدعون، وإن اكتشفوا أن الفتاة غير عذراء يقوم أبوها بقتلها. ويعتبر تعدد الزوجات أمراً مباحاً. كما أن علاقة الزوجة بزوجها وأمه لا تختلف عما هو سائد بين أهل هذه المنطقة. وهذه مجرد أمثلة عابرة تعبر عن مدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى استيعابهم لها. وكان تعداد الأكراد اليهود حوالى ١٤.٨٣٥ عام ١٩٢٠، زاد إلى ١٩.٧٦٧ عام ١٩٤٧، وهم يعيشون فى ١٤٦ قرية. وبعد إعلان دولة إسرائيل، هاجر الأكراد اليهود جميعاً إلى إسرائيل (١٩ ألفاً من العراق وثمانية آلاف من إيران وثلاثة آلاف من تركيا) . يهود الصين) يهود كايفنج ( Chinese Jews (K'aifeng Jews)

стр. 1338

«يهود الصين» جماعة يهودية كبيرة كانت تعيش فى مدينة كايفنج عاصمة مقاطعة هونان الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، ولذا يقال لهم أيضاً «يهود كايفنج» . ويبدو أن تاريخهم يعود إلى القرنين التاسع والعاشر، حيث هاجرت مجموعة من يهود إيران وربما الهند. ويبدو أن الجماعة اليهودية كانت مهمة نوعاً، فقد عين أباطرة أسرة تانج أحد أعضاء طبقة الماندرين (وهى الأرستقراطية الثقافية من الموظفين/ العلماء) مسئولاً عنهم، فكان يزور معبدهم باسم الإمبراطور مرة كل عام، ويحرق البخور أمام المذبح. وكان المهاجرون اليهود (فى بداية الأمر) يتحدثون الفارسية، وكانوا متخصصين فى المنسوجات القطنية وصباغتها وطباعة الألوان عليها، وهى صباغة كانت متقدمة فى الهند. وكان سكان الصين يتزايدون فى تلك المرحلة، الأمر الذى أدى إلى نقص حاد فى المنسوجات الحريرية ونشوء حاجة إلى المنسوجات القطنية، وهو ما قد يفسر استقرار اليهود فى الصين فى ذلك الوقت. ومن الناحية الاجتماعية والطبقية، كان اليهود ينتمون إلى طبقة التجار والصناع التى تقع بين الفلاحين من جهة وطبقة الموظفين/العلماء من جهة أخرى. ومن ثم كان طموحها الاجتماعى، مثلها مثل الطبقات التى تقع فى الوسط، هو الاتصال بالطبقة العليا والابتعاد عن طبقة الفلاحين. وقد تأسس أول معبد يهودى فى عام ١١٦٣، حيث كان يسمى معبد الطهر والحقيقة - وهو اسم ذو نكهة كونفوشيوسية. وكان يترأس الجماعة الحاخام وأحد الوجهاء الذين كانوا يحتفظون يكتب اليهود المقدسة المكتوبة بالعبرية ويقرؤون أسفار موسى الخمسة مرة كل عام. وقد اندمج يهود كايفنج بالتدريج، وتزاوجوا مع الصينيين، خصوصاً المسلمين. وفى مرحلة من المراحل، كان اليهود يصنفون بوصفهم مسلمين، حتى اختفى أثرهم تقريباً.

стр. 1339

ويفسر اندماجهم، ثم أنصارهم فى نهاية الأمر، على أساس انعزالهم عن يهود العالم وعدم وصول مهاجرين يهود إليهم، وكذلك على أساس الزواج المختلط وعدم وجود معاداة لليهود فى هذا المجتمع. ولكن هذه الأسباب الجاهزة لا يمكنها أن تفسر الظاهرة، إذ أن السؤال يظل يطرح نفسه: لماذا تزايد الزواج المختلط؟ فهناك مجتمعات لا يوجد فيها عداء لليهود، ومع ذلك لم ينصهر اليهود فيها مثل الهند. ولتفسير هذه الظاهرة، لابد أن نعود إلى حركيات المجتمع الصينى. فمن المعروف أن الكونفوشيوسية، وهى العقيدة الرسمية للدولة الصين قبل الثورة، كانت لا تعارض التعددية الدينية ما دامت هذه التعددية لا تهدد النظام السياسى، فكان المطلوب من أعضاء أية جماعة دينية أن تعترف بعبادة الأسلاف والمكانة الدينية للإمبراطور. كما لم تكن توجد أفكار دينية أو قومية تؤدى إلى عزل الأقليات الدينية، ذلك أن مفهوم الأمة لم يكن مفهوماً أساسياً فى الصين. فالإمبراطورية هى العالم، وهى تتكون من دوائر متداخلة وتزداد درجة الهمجية فيها كلما ابتعدنا عن المركز الصينى، وهكذا فإن اليهود (وكذلك المسلمين الذين كان اليهود يقرنون بهم) عاشوا فى هذا العالم دون تمييز قانونى أو اقتصادى أو اجتماعى. كما أن تركيب المجتمع الصينى (من الأسرة الممتدة، والعشيرة، والحكم من خلال السلطة المركزية) قد ساعد على هذا النمط، فهو يقلل الاحتكاك المباشر بين الأعضاء كما يقلل احتمالات الصراع، فيتم الاحتكاك بين الجماعات من خلال مؤسسات الدولة، وهو ما يساعد على تنظيم العلاقة وتقليل التوترات. وقد أدى كل هذا إلى اندماج اليهود تدريجياً وتمثلهم كثيراً من عناصر العبادة الكونفوشيوسية التى تشكل أساس التعامل بين الجماعات. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتبنون كثيراً من الطقوس البوذية والطاوية مع الطقوس اليهودية جنباً إلى جنب. والواقع أن قبول عناصر غير يهودية فى اليهودية أمر ليس بجديد على اليهودية، بسبب

стр. 1340

تركيبها الجيولوجى، كما أنه جزء من التقاليد الصينية الدينية التى لا تمانع فى استيراد عناصر من الديانات الأخرى. وكان من الممكن أن يظل الاندماج على هذا المستوى ولا ينصهر اليهود تماماً لو أن الجماعة اليهودية ظلت تتعامل مع الجماعات الأخرى من خلال مؤسسات الدولة. فربما، لو حدث ذلك، كما حدث ليهود الهند، من خلال نظام الطائفة المغلفة. ولكن، ابتداء من القرن الرابع عشر، أعيد تنظيم طبقة العلماء/الموظفين (بشكل أكثر انفتاحاً) من خلال نظام الامتحانات الإمبراطورى، ذلك النظام الذى أتاح أمام يهود كايفنج فرصاً ضخمة للحراك الاجتماعى. فدخلت عناصر من قياداتهم الامتحانات ونجحت فيها وانضمت إلى البيروقراطية الحاكمة. وقد كان الانخراط فى هذه الوظائف يعد، فى نظر المجتمع الصينى، أكثر أهمية وقيمة من الأعمال التجارية، كما كان يعنى نقلة طبقية كبيرة وإعفاء من السخرة الجسدية، فالعمل كموظف بالحكومة كان يمنح الإنسان فى الصين السلطة والمكانة والثروة. لكن هذا النجاح أفقد أعضاء الجماعة اليهودية البعد اليهودى فى هويتهم الصينية اليهودية، إذ أن العمل فى مثل هذه الوظائف كان يتطلب دراسة الكلاسيكيات الصينية والتفقه فيها، واستيعاب المثل الكونفوشيوسية واستبطانها تماماً. فالانخراط فى سلك المثقفين الكونفوشيوسيين لم يكن مجرد عمل أكاديمى، وإنما كان أمراً يؤثر فى شخصية الإنسان نفسه وفى منظوره الفلسفى والدينى. لهذا، كان يتوقع من اليهودى الذى ينخرط فى سلك العلماء/الموظفين، أن يتصرف باعتباره كونفوشيوسياً داخل إطار الفكر الكونفوشيوسى، أى أن الانتماء إلى الوظيفة كان يتطلب تحولاً جوهرياً داخلياً وخارجياً.

стр. 1341

ورغم أن المؤسسة الدينية اليهودية فى الصين نظرت بعين الشك إلى طبقة العلماء/الموظفين من اليهود، فإن هؤلاء أصروا على أن الكونفوشيوسية واليهودية لا تعرض بينهما. وبالتدريج، تحولوا إلى النخبة القائدة فى الجماعة، وبدأت رؤيتهم الكونفوشيوسية تتسلل إليها ككل حتى امتزجت اليهودية بالكونفوشيوسية. والأمر الذى أسرع بهذا الاتجاه أن الانتماء إلى طبقة العلماء/الموظفين كان يعنى تناقص عدد أعضاء الجماعة، إذ أن هذا النظام يمنع تعيين الموظف فى محل ميلاده لمنع الوساطة والمحسوبية. ولذا كان على اليهودى الذى يعين عالماً/موظفاً أن يترك كايفنج، الأمر الذى كان يؤدى بالتالى إلى تناقص عدد الجماعة والعناصر القيادية. وقد كانت طبقة العلماء/الموظفين طبقة متآزرة مع أن التعين فيها كان يتم عن طريق الامتحان الإمبراطورى. ولذلك، كان على اليهودى الذى ينضم إليها أن يصبح واعياً بمكانته الاجتماعية وبوضعه الطبقى وبانتمائه إلى الطبقة الجديدة، وهو ما جعل الزواج المختلط من داخل الطبقة مسألة شبه حتمية، خصوصاً وأن العلماء/ الموظفين كانوا يعيشون بعيداً عن أسرهم وعشائرهم. والواقع أن تحول القيادة، وكذلك تشتتها، هو الذى ساعد على تحويل اليهودية من الداخل. فبدأ اليهود بالإشارة إلى الخالق بالمصطلح الكونفوشيوسي، فكانوا يشيرون إليه بأنه "تاين"، أى "السماء"، أو "طاو"، أى "الطريق". ثم تعمق الأمر وبدأ اليهود يتبعون عبادة الدولة التى تتضمن تبجيل بل وتقديس كونفوشيوسى.

стр. 1342

وتأثر اليهود كذلك بأهم مظاهر العبادة الكونفوشيوسية وهى عبادة الأسلاف. ومن ثم، نشأت إلى جوار المعبد اليهودى صالات الأسلاف التى كانت تضم الآباء العبرانيين وأولاد يعقوب الاثنى عشر وموسى وهارون ويوشع وعزرا وآخرين من مشاهير اليهود وتبنى اليهود كذلك طقوساً كونفوشيوسية للاحتفال ببلوغ سن التكليف الشرعى والزواج والموت والدفن. كما أنهم حاولوا أن يجدوا أساساً لأعيادهم وشعائرهم الدينية فى الكلاسيكيات الكونفوشيوسية لا فى الكتاب المقدس. وراح اليهود ينصرفون عن كثير من أهم شعائرهم التى كانت تحفظ لهم عزلتهم وهويتهم مثل أكل لحم الخنزير الذى كان يمتنعون عن أكله فى الأعياد. وكانوا، عند تقديم القرابين إلى أسلافهم، يقدمون لهم لحم الضأن. كما أن اليهود لم يترجموا قط كتبهم المقدسة من العبرية إلى الصينية. ولهذا كان كيان الجماعة مهدداً دائما بالاختفاء فى حالة نسيانً القيادة للعبرية، ويبدوا أن هذا هو ما حدث بالفعل عام ١٧٢٣ إذ أن العبرية كانت قد نسيت فى ذلك التاريخ. لكل هذا، تقوضت هوية الجماعة اليهودية من الداخل تماماً. وحينما مات آخر حاخام فى القرن التاسع عشر، انتهى ما تبقى من اليهودية بحيث أصبح أعضاء الجماعة مع ستينيات القرن الماضى صينيين فى ملامحهم وردائهم وعاداتهم ودينهم. وفى عام ١٩٠٠، قامت مجموعة من اليهود الإنجليز فى شانغهاى بتأسيس "جماعة إنقاذ يهود الصين" التى حاولت إحياء اليهودية فى كايفنج دون جدوى، حيث كانوا قد اندمجوا تماماً وكان كل ما يعرفونه عن اليهودية هو أنهم يهود. ولا يزال هناك نحو مائتين وخمسين صينياً من سلالة يهود كايفنج ولكنهم منصهرون تماماً. وشبه يهود كافينج، من بعض الوجوه، يهود الولايات المتحدة فى نجاحهم وانتمائهم إلى طبقة المهنيين، وفى استبطانهم القيم الأمريكية، وفى توزعهم الجغرافى، وتزايد معدلات الزواج المختلط بينهم وكذلك فى انتمائهم الكامل إلى مجتمعهم. اليهود الزنوج Negro Jews

стр. 1343

» اليهود الزنوج» مصطلح يستخدم للإشارة إلى الزنوج السود الذين يؤمنون باليهودية جميعاً. وبالتالى، فإن المصطلح يضم الفلاشاه والعبرانيين السود، وكذلك جماعات بشرية أخرى ذات هويات يهودية سديمية. وقد وجد أحد الباحثين فى ساحل لوانجو فى غرب أفريقيا جماعة تصنف باعتبارها يهودية ويسمى أعضاؤها أنفسهم "مافانبو" ويقيمون شعائر السبت. ومن المعروف أن ساحل لوانجو لا يبعد كثيراً عن جزيرة ساوتومى البرتغالية التى أحضر إليها الأطفال اليهود الذي تم تنصيرهم عنوه عام ١٤٩٣ - ولعل هذا هو مصدر تسميتهم باليهود. وتوجد بالقرب من ساحل مدغشقر فرقة يهودية تسمى "زافي إبراهيم"، يدعى أفرادها أنهم يهود، ولكن ليس هناك أى شىء يميزهم عن بقية السكان. وفى عام ١٧٥٠، أسست مستوطنة بالقرب من سورينام (غينيا الهولندية) تضم أبناء اليهود الذين تزوجوا من العبيد الأفريقيين السود، وكانوا يتحدثون لهجة "الدجو تونجو" أى "لغة اليهود"، وهى خليط من البرتغالية والعبرية وبعض الكلمات المحلية. العبرانيون السود Black Hebews » العبرانيون السود» فريق من الأمريكيين السود الذين يؤمنون باليهودية ويلتزمون بتطبيق الشريعة اليهودية بتشدد يفوق تشدد اليهود البيض. ويدعى العبرانيون السود الانتساب إلى قبائل يسرائيل العشر المفقودة، وأنهم هم وحدهم (وليس يهود الأرض المحتلة أو يهود العالم) سلالة اليهود القدامى الحقيقية. ويؤكد العبرانيون السود أن أنبياء اليهود من السود، وأن إسرائيل القديمة كانت أيضاً دولة سوداء، وأن قناة السويس ما هى إلا ثغرة صنعها الإنسان الأبيض لفصل إسرائيل عن أفريقيا السوداء.

стр. 1344

وانطلاقاً من هذا، كتب شاليح بن يهودا، مساعد رئيس الجماعة، إلى رؤساء الدول الأفريقية يحثهم على المطالبة بحقوقهم فى إسرائيل والتى سرقها اليهود. ويطمع رئيس الجماعة، بن عمى كارتر، إلى أن يترأس الدولة الصهيونية. بل أنهم يقولون إن إسرائيل بأسرها ملك خاص لهم سرقها الإشكناز، أى اليهود البيض. وقد بدأ العبرانيون السود فى التوافد إلى إسرائيل ابتداء من أغسطس عام ١٩٦٩ من شيكاغو، احتجاجاً على أوضاع الزنوج هناك. ثم استمرت جماعات منهم فى الاستيطان حتى بلغ عددهم ١٥٠٠ مهاجر (ويرتفع هذا العدد حسب التقديرات الأخرى إلى ٣٠٠٠) . ويتركز تجمع العبرانيون السود فى إسرائيل فى الأماكن التالية: - ديمونة ويقيم فيها ١٥٠٠. - عراد حيث يقيم ٤٠٠. - متسبى رامون حيث يقيم ٨٠. وجميعها قرى فى النقب. كما تتوزع عشرات الأسر بين رعنانا وعدة مناطق أخرى فى النقب أيضاً. والمنطقة التى يقيمون بها فى ديمونة معزولة ومحاطة بالأشجار والنباتات التى تفصلهم عن بقية المدينة. وفى البداية، سمحت السلطات الإسرائيلية لهؤلاء العبرانيين السود بالإقامة المؤقتة، إلا أنها سرعان ما حاولت التخلص منهم بدعوى أنهم مصدر للمشاكل ويمثلون عبئاً اقتصادياً. وفى ٨ ديسمبر ١٩٧١، وصلت إلى إسرائيل مجموعة مكونة من ٤٨ شخصاً ومنعت من الدخول ووجهت إلى الولايات المتحدة.

стр. 1345

ولا يحمل العبرانيون السود أى بطاقة رسمية أو وثيقة تبين هويتهم، الأمر الذى يعد فى حد ذاته مخالفة للقانون الإسرائيلى. ويحمل معظمهم تأشيرة سائح لمدة ثلاثة أشهر لا تجدد بعد انتهائها. ويعتبر وضعهم فى الزواج غير منظم من الناحية القانونية. فالزواج والطلاق بالمعنى المألوف للكلمة لا وجود له بين أعضاء الجماعة، كما أنهم يمارسون تعدد الزوجات. وتتسبب كثافة العبرانيين السود المخيفة، وانحطاط مستواهم المعيشى، فى تفاقم وتوتر العلاقات بينهم وبين جيرانهم اليهود. وللعبرانيين السود نظام تعليمي مستقل، وهم لا يقومون بتسجيل حالات الولادة أو الوفاة لديهم، ويوفرون لأنفسهم كل الخدمات اللازمة حيث أقاموا مدارس وفصولاً مستقلة وعيادات وورش خياطة. وليس من المتوقع أن تجد مجموعة بشرية مثل العبرانيين السود كثيراً من الاستقرار فى مجتمع استيطانى عنصرى استبعادى، كما هو الحال فى إسرائيل. وبالفعل، ثار المستوطنون الصهاينة ضد توطين العبرانيين السود إلى جوارهم، وهدد أولياء الأمور بالإضراب احتجاجاً على تسجيل أبنائهم فى مدارس ديمونة، كما هددوا سكان عراد بالقتل إذا باع أحدهم شقته لأى منهم، بل وشكلوا لجنة قومية تسمى " اللجنة الإسرائيلية لطرد الزنوج العبرانيين". وقد أثارت وسائل الإعلام الإسرائيلية الشك حول يهودية الزنوج، كما أن المؤسسة الدينية أنكرت تماماً انتمائهم إلى الدين اليهودى وهو ما دفعهم إلى التظاهر أمام مقر دار الحاخامية الرئيسية كى تعترف بصفتهم اليهودية. وتقدم قادتهم بشكوى إلى الأمم المتحدة اتهموا فبها حكام إسرائيل باستخدام أساليب الجستابو والقمع العنصرى.

стр. 1346

وتسبب القضية الكثير من الحرج للكيان الصهيونى، بخاصة أمام الأمريكيين السود فى الولايات المتحدة. ولذا، تحاول المؤسسة الصهيونية تشويه صورتهم إعلامياً، فتشيع أن الجريمة تنتشر فى صفوفهم وأن ما لا يقل عن خمسة وعشرين من أعضاء هذه الجماعة مطلوب القبض عليهم من قبل البوليس الفيدرالى الأمريكى. كما تقول السلطات الصهيونية إن زعيم الجماعة هو الزعيم المطلق الذى يقوم بجمع الأموال والتصرف فيها. ومن الطريف إن المستوطنين الصهاينة يخفقون فى التفرقة بين العبرانيين من جهة ويهود الفلاشاه من أثيوبيا من جهة أخرى. فهؤلاء جميعاً "سوداً" على العموم، وهو ما يدل على إن عملية التصنيف والإدراك داخل التجمع الصهيونى تتم على أساس عرقى بين اليهود أنفسهم، فالأبيض يوضع مقابل الأسود، والشرقى مقابل الغربى. اليهود السود Black Jews » اليهود السود» هم العبرانيون السود، وإن كان الإسرائيليون يخلطون بينهم وبين الفلاشاه. انظر:» العبرانيون السود» . الفلاشاه: تاريخ وهوية Falashas: History and Identity «الفلاشاه» كلمة أمهرية تعنى «المنفيين» ، كما أنها تعنى أيضاً «غريب الأطوار» . وأصل الكلمة يعود إلى الجذر «فلاشا» فى اللغة الجعزية، ويعنى «يهاجرا» أو «يهيم على وجهه» . ويستخدم أهل إثيوبيا الكلمة للإشارة إلى جماعة إثنية أفريقية تدين بشكل من أشكال اليهودية، وهى لا تنتمى إلى أى من الكتل اليهودية الكبرى الثلاث: الأشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامى. كما يستخدمون كلمة "إيهود"، أى "يهود" أما الفلاشاه فيشيرون إلى أنفسهم بوصفهم "بيت إسرائيل". وأصول الفلاشاه ليست سامية خالصة هى حامية أيضاً، إن قبلنا هذا التمييز العرقى والحضارى، فهم ينتمون إلى مجموعة القبائل السامية من جنوب الجزيرة العربية. ويقال إن اليهودية انتشرت بينهم من خلال يهود الجزيرة العربية قبل الإسلام (ويقال إن عبد الله بن سبأ من أصل فلاشى) .

стр. 1347

وثمة رأى قائل بأن أصل الفلاشاه يعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما وصلتهم اليهودية عن طريق مصر وربما جاءوهم أنفسهم من صعيد مصر. قد كانت توجد جماعة من الجنود المرتزقة اليهود على حدود مصر الجنوبية (فى جزيرة إلفنتاين) بالقرب من الشلال الأول فى أسوان. وثمة رأى آخر يذهب إلى أن أصلهم يرجع إلى جماعة من اليهود استوطنوا بشكل دائم. ويقال إن عدد الفلاشاه كان كبيراً قبل إن تعتنق أسرة إكسوم الحاكمة الديانة المسيحية فى القرن الرابع. ولكن، بعد هذا التحول إلى المسيحية، نشبت صراعات حادة وحروب عديدة بينهم وبين جيرانهم المسيحيين. واشترك الفلاشاه فى التمرد الذى قامت به قبائل الأجاو ضد إكسوم فى القرن العاشر، حيث أسقطوا النجاشى وفتكوا بالرعايا المسيحيين وهدموا كنائسهم وأديرتهم. ولكن أسرة زاج، التى حلت محل أسرة إكسوم، كانت هى الأخرى مسيحية وحاولت تأكيد السلطة المسيحية. وفى عام ١٢٧٠، وتحت تأثير الكنيسة، اعتلى أحد أعضاء أسرة إكسوم القديمة العرش. وقرر ملوك الأسرة المالكة، بعد استعادة الحكم، إن يضعوا حداً لاستقلال الفلاشاه، خصوصاً وأنهم كانوا يعتبرونهم عنصراً مشكوكاً فى ولائه فى حروبهم مع الممالك الإسلامية المجاورة. ولذلك، قام ملوك إكسوم بتجريد مجموعة من الحملات ضدهم.

стр. 1348

وأثناء حكم النجاشى لينادنجل (١٥٠٨-١٥٤٠) ، غزاً المسلمون إثيوبيا. وقد انضم الفلاشاه، فى بادئ الأمر، إلى المسلمين تحت زعامة ملكهم جدعون وملكتهم جوديث (يهوديت) ، بل وتعقبوا النجاشى المهزوم الفار. ولكنهم انضموا بعد ذلك إلى الإثيوبيين، فألحق المسلمون الهزيمة بهم وبحلفائهم الإثيوبيين، ووقع ملك وملكة الفلاشاه فى الأسر. وقد ظل هذا الشد والجذب قائماً حتى حكم النجاشى سوسينيوس (١٦٠٧-١٦٣٢) الذى ألحق بالفلاشاه هزيمة نكراء، بفضل تجهيز جيشه بالأسلحة النارية، وهدم قراهم ومعابدهم وصادر أرضيهم، فتحولوا إلى عاملين أجراء. وقد ظلوا على هذا الوضع حتى القرن التاسع عشر حين وصلت الإرساليات المسيحية البروتستانتية التى حققت نجاحاً ملحوظاً بين صفوفهم. وقد يفسر هذا النجاح التناقص الكبير فى أعدادهم إن صدقت الإحصاءات. ولا يعرف عدد الفلاشاه على وجه الدقة، وإن كان قد قدر عددهم فى بداية القرن الثامن عشر بمائة ألف، بل إن أحد أعضاء الإرساليات قدره بربع المليون. ولكن، مع بداية القرن العشرين، وصل عددهم إلى خمسين ألفاً على أحسن تقدير، وإلى سبعة آلاف حسب أسوئها. وحسب تقديرات عام ١٩٧٦، وصل عددهم نحو ٢٨ ألفاً موجودين فى ٤٩٠ قرية مختلفة. ويتركز الفلاشاه أساساً فى شمال إثيوبيا فى المنطقة الواقعة بين نهر نازى فى الشمال والشرق، وبحيرة تانا والنيل الأزرق فى الجنوب، والحدود السودانية فى الغرب. وهم يعيشون فى قرى صغيرة مقصورة عليهم تضم كل قرية نحو خمسين أو ستين عائلة وتوجد أهم القرى بجوار مدينة جوندار. كما يوجد داخل جوندار نفسها جماعة صغيرة من الفلاشاه تعيش فى حى مقصور عليها. وتوجد قرى الفلاشاه عادة على قمة أحد التلال القريبة من النهر. وتتكون كل قرية من مجموعة من الأكواخ المستديرة يغطيها القش، ويخصص أحد الأكواخ معبداً لهم، كما يخصص كوخان آخران بعيدان عن القرية لعزل النساء وقت الطمث وبعد الإنجاب.

стр. 1349

ولا تختلف ملامح الفلاشاه كثيراً عن ملامح غيرهم من الإثيوبيين، كما لا يمكن الحديث عن نمط فلاشى متميز إذا اختلطت فيهم الدماء الحامية والسامية. ولذا، لا توجد اختلافات فى لون الجلد وملامح الوجه. ولا يختلف أسلوب حياتهم، من معظم الوجوه، عن أسلوب حياة جيرانهم، كما أنهم يرتدون نمط الثياب نفسه ويأتزرون بالعباءة المسماة "الشامة". وهم يعملون أساساً بالزراعة كعمال أجراء، كما يعملون فى بعض الحرف الأخرى مثل صناعة الفخار والعزل والنسيج وصنع السلاسل، كما يعملون حدادين وصاغه وحائكى ملابس، ويعمل كثير منهم الآن بحرفة البناء فى المدن. ولم تكن طريقة توزيع الأراضى فى إثيوبيا تسمح للفلاشاه باقتناء الممتلكات، لأنهم لم يكونوا من موظفى الدولة. فالحال هناك كانت أشبه بأوربا الإقطاعية حيث كانت الخدمة العسكرية الإلزامية للدولة أو الكنيسة شرطاً للتملك. وإذا كان بعض الفلاشاه، وخصوصاً أولئك الذين سكنوا أقصى الغرب، يملكون الأرض، فإنهم فى المناطق الأخرى كانوا يعملون حرفيين. أما ممارستهم الزراعة، فقد اقتصرت على زراعة الأرض لأصحابها المسيحيين. ولم ينطبق حظر التملك على الفلاشاه هو حسب، وإنما على مجمل الحرفيين بصرف النظر عن طوائفهم. ويتحدث معظم الفلاشاه الأمهرية. وثمة أقلية منهم تعيش فى تيجري وفى إريتريا وتتحدث اللغة التيجرينية. وهناك أقلية أخرى فى الجزء الشمالى تتحدث لهجات قبائل الأجاو. أما أدبهم، فكله مكتوب باللغة الجعزية أو الإثيوبية (لغة إثيوبيا الكلاسيكية) وهى أيضاً لغة الكنيسة القبطية الإثيوبية. ولكن ثمة نصوصاً تدل على إن الفلاشاه كانوا يتحدثون ويتعاملون بلغة قبائل الأجاو، ولا تزال توجد بينهم بعض الصلوات بهذه اللغة. والفلاشاه يجهلون العبرية تماماً، فمعرفتهم بها مقصورة على بضع كلمات لا يدركون هم أنفسهم أنها من هذه اللغة.

стр. 1350

ويضم أدب الفلاشاه المكتوب بالجعزية عدة كتب موجودة على هيئة مخطوطات. ومن الطريف إن بعض هذه الكتب متداول بين اليهود والمسيحيين فى آن واحد. بل إن بعض اليهودية تضم أشعاراً من العهد الجديد (أهم الكتب المقدسة لدى المسيحيين) . وفلكلور الفلاشاه، كما هو الحال فى أفريقيا، ثري للغاية، فلهم أغان ورقصات عديدة. كما إن لهم تاريخهم الأسطورى، فهم يعودون بأصولهم إلى منليك، ابن الملك سليمان، الذى عاد إلى أمة بلقيس ليعتلى عرش إثيوبيا. ولما كان الإثيوبيون المسيحيون يؤمنون بالأصول الأسطورية نفسها، فإننا نجد أن الفلاشاه قد أضافوا إلى القصة ما يفسر انفصالهم، إذ يقولون أن ملكة سبأ سافرت إلى القدس واعتنقت اليهودية بتأثير ملكها سليمان وأنجبت منه منليك الذى عاد يوماً لزيارة أبيه فأكرم وفادته وأمر بعض رجال حاشيته وبلاطه الملكى بمرافقة الأمير عند عودته. وقد سرق منليك سفينة العهد وعبر نهراً يوم السبت الذى يحرم فيه السفر والسير لمسافات طويلة. وقد تبعه بعض الخاطئين (مسيحيو إثيوبيا) ، أما الأتقياء الذين امتنعوا عن عبور النهر فهم يهودها، أى الفلاشاه. ويمارس الفلاشاه عادة الزرار لطرد الأرواح. ويقال إن هذه العادة بدأت فى إثيوبيا وانتشرت منها إلى بعض بلاد الشرق الأوسط. كما أنهم يقومون بصنع الاحجبة والتعاويذ اتقاء للعيون الشريرة. وبسبب اشتغالهم حدادين يعتبرهم أهل القرى من السحرة.

стр. 1351

ويمكننا هنا إن نثير قضية ما إذا كان يهود الفلاشاه يشكلون جماعة وظيفية أم لا. الواقع إن أعضاء الجماعات اليهودية فى الغرب قد اضطلعوا بوظيفة الجماعة الوظيفية الوسيطة وعملوا بالتجارة والصيرفة فى أماكن متفرقة من أوربا، أما يهود إثيوبيا فكانوا يعملون بالزراعة، ولم يشتغلوا بالتجارة والصيرفة، كما أنهم كانوا أعضاء فى مجتمع قبلي مبنى على الاقتصاد الطبيعى، لا يوجد فيه نقد ولا قطاع تجارى أو مالى يذكر. فالفلاشاه لم يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية المالية والوسيطة ولكنهم مع هذا أصبحوا جماعة وظيفية تشتغل ببعض الحرف التى يعتبرها المجتمع إما وضيعة أو هامشية أو مشبوهة، أو فى غاية الأهمية، أو تتطلب خبرة معينة لابد من توارثها مثل الحدادة. ومن هنا كان اتهامهم بالسحر، وهى تهمة كانت توجه إلى المرابى اليهودى فى أوربا، وتوجه عادة إلى الشخصيات الهامشية فى المجتمع. لكن الهامشية لا تعنى بالضرورة عدم الأهمية، فالهامشية قد تنتج من التفرد والتميز. وحتى الآن، لم نطلق على الفلاشاه صفة "يهود". وأرجأنا ذلك إلى إن نستغرق عقيدتهم الدينية. وتعرف الفلاشاه فى الموسوعة اليهودية يلقى كثيراً من ظلال الشك على انتمائهم الدينى، إذ جاء فيه ما يلى: "الفلاشاه جماعة إثنية فى إثيوبيا تزعم أنها من أصل يهودى، ومرتبطة بنوع من أنواع الديانة اليهودية يستند إلى العهد القديم والكتب الخارجية (أبو كريفا) ، أى الكتب غير المعتمدة والكتب الدينية الأخرى التى ظهرت بعد الانتهاء من تدوين العهد القديم". والواضح إن التعريف يرى أنهم من أصول اثنيه ليست بالضرورة يهودية، وأنهم ليسوا يهوداً وإن كانوا "يزعمون" أنهم من أصول يهودية. كما أن ما يعرفونه عن اليهودية يختلف عن اليهودية التى يتبعها معظم يهود العالم والسائدة فى الدولة الصهيونية. ففى أى شئ تختلف يهودية الفلاشاه عن اليهودية الحاخامية؟

стр. 1352

تستند عبادة الفلاشاه إلى العهد القديم الذى لا يعرفونه إلا باللغة الجعزية لغة الكنيسة الإثيوبية. ويضم العهد القديم الذى يعرفونه كل الكتب المعتمدة وبعض كتب الأبوكريفا غير المعتمدة مثل: كتاب يهوديت، وحكمة سليمان، وحكمة بن صيرا، وكتاب المكابيين الأول والثانى، وكتاب باروخ. ولم يصل التلمود إلى الفلاشاه. وغنى عن الذكر أن التلمود هو عمود اليهودية الحاخامية الفقرى وعصبها، وعدم الاعتراف به ينطوى على عدم اعتراف بها. والعناصر اللاهوتية والحضارية المشتركة بين المسيحيين واليهود فى إثيوبيا كبيرة. وقد أشرنا إلى إن بعض الكتب الدينية متداولة بين الفريقين معاً، وإلى إن الجعزية هى لغة العبادة بين اليهود والمسيحيين هناك، كما أن أسطورة الأصيل مشتركة مع تنويعات خفيفة. ويمكن أن نضيف هنا أن الفلاشاه ليس لديهم حاخامات وإنما قساوسة يطلق على واحدهم لفظة "قس". كما أنهم ينتسبون، مثل الكهنة القدامى فى يهودية ما قبل التهجير، إلى هارون. وينتخب الكهنة فى كل منطقة كاهناً أعظم لهم لكى يصبح زعيماً دينياً للجماعة، ويصبح من صلاحياته ترسيم الكهنة. ويقدم الكهنة القرابين فى المناسبات الدينية المختلفة. ويعيش بعض هؤلاء الكهنة فى الأديرة رهباناً وراهبات على النمط المسيحى، ويطلق عليهم لقب "ناذير" وهى لفظة عبرية تعنى "الذى نذر نفسه للشعائر الدينية وانقطع لها". كما أن البعض الآخر يعيش على طريقة النساك فى الغابات والصحارى وعلى حواف القرى. ومن الطريف أن عادة الاعتراف المسيحية موجودة عند الفلاشاه فهم يدلون باعترافاتهم إلى الكاهن من آونة إلى أخرى وعند نهاية اليوم. وإلى جانب الرهبان والكهنة، يوجد علماء يستخدمون صحن المعبد لتعليم الدين.

стр. 1353

ويقيم الفلاشاه شعائر يوم السبت بصرامة غير عادية، فيمتنعون عن الجماع الجنسى فى ذلك اليوم، ويقضى الرجال يومهم فى الصلاة. لكن التحريمات الخاصة به مختلفة من بعض الوجوه عن تحريمات اليهود الأرثوذكس. فهم مثلاً لا يعتبرون استخدام النور الكهربائى من المحرمات. كما أنهم يحتفلون بعدد من الأعياد أكبر من المنصوص عليه فى الشريعة اليهودية، فعندهم أعياد شهرية لتذكرهم بالأعياد السنوية. وفى العاشر من كل شهر قمرى، يوجد احتفال يذكرهم بعيد يوم الغفران. وفى اليوم الخامس عشر من كل شهر، يحتفلون بذكرى عيد الفصح وعيد المظال. ويعد ثالث سبت فى خامس شهر قمرى هو سبت الأسبات يتلون فيه الصلوات والأدعية. وفى الثامن عشر من الشهر السادس القمرى يحيون ذكرى وفاة إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهم لا يحتفلون بعيد التدشين أو عيد النصيب فلم يرد لهما ذكر فى التوراة. وإلى جانب هذه الأعياد والاحتفالات توجد أيام صيام أسبوعية وشهرية وسنوية، فيصومون يوم الخميس إحياء لذكرى طلب عزراً من المنفيين أن يصوموا. ويصومون كذلك فى الفترة ١- ١٧آب (أغسطس) إحياء لذكرى سقوط القدس (ولا يصوم اليهود الحاخاميون إلا فى يوم التاسع من الشهر نفسه لإحياء هذه الذكرى) ويصومون فى العاشر من أيلول (سبتمبر) تذكرة بيوم الغفران. وهم يحافظون على شعائر الزواج والختان اليهودية، ولكنهم يختنون البنات على عادة بعض الشعوب الأفريقية. ويحافظون كذلك على التحريمات الخاصة بالطعام، ولكنهم لا يستعملون أوانى منفصلة للمأكولات من الحليب واللحم على غرار الجماعات اليهودية الأخرى.

стр. 1354

ويختن المسيحيون الإثيوبيون (هم الآخرون) أولادهم الذكور، ويمتنعون عن تناول المأكولات المحرمة عند اليهود. كما أنهم، ولفترة طويلة، كانوا يتخذون السبت يوم راحة لهم بدلاً من الأحد. ومن الجوانب اليهودية الأخرى فى المسيحية الإثيوبية، التشديد على أهمية العهد القديم فى الكتاب المقدس. وكذلك يلاحظ وجود الرموز المتعلقة بسفينة العهد فى الكثير من الكنائس المسيحية الإثيوبية. واشتهر الفلاشاه أيضاً بمغالاتهم فى التطهر، ولذا فهم يمتنعون قدر الإمكان عن لمس الغرباء. وإذا حدث إن لمس أحدهم غريباً، فإن عليه أن يتطهر (ولذلك توجد قراهم على مقربة من الأنهار حتى يمكنهم التطهر دائماً) . ومن هنا، فإن الفلاشاه الذين يعيشون فى جوندار، ويفرض عليهم أسلوب حياتهم الاحتكاك الدائم بالأجانب والغرباء، يعدون "غير طاهرين" فى نظر بقية الفلاشاه. وتتبدى مغالاة الفلاشاه فى قوانين الطهارة فى تعاملهم مع النساء. فبعد إن تلد المرأة ولداً، فإنها تعد غير طاهرة مدة أربعين يوماً. وإن وضعت بنتاً، فإن المدة تتضاعف. وبعد نهاية المدة، تحلق المرأة شعر رأسها وتغطس فى الماء وتغسل ملابسها قبل أن تعود إلى منزلها. وأحياناً يحرق الكوخ الذى قضت فيه فترة العزل.

стр. 1355

والمعبد هو مركز الحياة الدينية بين الفلاشاه، والذى تطلق عليه كلمة "مسجد" أو "بيت إجزا بهير" أو "بيت الإله". وهو يتكون من حجرتين، يطلق على الحجرة الداخلية أسم "قدستا قدوسان"، أى "قدس الأقداس"، تماماً كما فى هيكل سليمان القديم، ولا يدخله إلا الكاهن والشماس. ويحفظ فى هذه الحجرة التوراة وملابس الكاهن الشعائرية. ولا يسمح للنساء، إلا غير المتزوجات والعجائز، بدخول المسجد. وتقام سبع صلوات فى اليوم الواحد، وإن كان معظم الفلاشاه يكتفون بإقامة صلاتين: واحدة فى الصباح والأخرى فى الليل. ويستخدم الفلاشاه اللغة الجعزية فى الصلاة، ويقضون معظم يوم السبت وأيام الأعياد فى الصلاة داخل المسجد، ويقفون لتناول الطعام فى مأدبة جماعية. كما أنهم يغنون ويرقصون فى الأعياد. ويؤمن الفلاشاه بإله واحد ويؤمنون بالبعث والعالم الآخر والثواب والعقاب، كما يؤمنون بعقائد اليهود الأخرى كإيمانهم بأنهم من الشعب المختار وأنه سيظهر بينهم ماشيح. وقد حدث عام ١٨٦٢، أثناء حكم الإمبراطور تيودور الثانى، أن ظهر ماشيح دجال أقنع الفلاشاه بالعودة إلى أرض الميعاد سيراً على الأقدام، ولكن معظمهم مات فى الطريق. ويبدو إن بعض الفلاشاه ممن تقع قراهم على مقربة من قرى المسلمين قد استوعبوا أيضاً عناصر إسلامية فى عقيدتهم، وربما كان بينهم مسلمون بالفعل. إذ ذكرت الصحف الإسرائيلية أن بعضهم قد اعتنق الإسلام فى إسرائيل. كما أوردت أن بعضهم، أثناء زيارة حائط المبكى، سمع صوت الأذان فاتجه إلى المسجد لإقامة الصلاة. كما ذكرت إحدى الصحف الإسرائيلية إن بعضهم أقام الصلاة على طريقة المسلمين فى المطار فور وصوله إلى إسرائيل وقد وصفتهم الصحيفة بأنهم "فلاشاه سنيون".

стр. 1356

وقد احتفظ الفلاشاه بهويتهم المتميزة، وهى هوية إثنية أفريقية استمدوها من بيئتهم ومن طبيعة التشكيل الحضارى الأفريقى. ويرى بعض المتخصصين فى مجتمع الفلاشاه أنهم من قبيلة الأجاو، وأنهم عرق إثيوبي صاف. أما تقاليدهم وعاداتهم فتشمل خليطاً من المعتقدات والطقوس الوثنية واليهودية والمسيحية وربما الإسلامية. وقد نفى أحد المؤرخين صفة اليهودية عنهم ووصفهم بأنهم مسيحيون تمسكوا لسبب أو آخر بالعهد القديم بدلاً من العهد الجديد. وهو يرى إن علاقات الفلاشاه الحضارية والعرقية مع جيرانهم المسيحيين الإثيوبيين، تتخطى تلك التى يشاركون بها يهود العالم. وقد تكون هذه الطبيعة المختلطة لهوية الفلاشاه هى ما حدا بأحد المسئولين فى الوكالة اليهودية فى أوائل الخمسينيات إلى أن ينصح الذين فكروا منهم فى الهجرة إلى إسرائيل بالتنصر وحل مشكلتهم بهذه الطريقة بدلاً من الهجرة إلى إسرائيل. ومع هذا، تم تهجيرهم باسم الهوية اليهودية العالمية. ومن الواضح أنهم سيفقدون فى إسرائيل هويتهم الأفريقية هذه ولن يكتسبوا هوية جديدة، لأن المجتمع ينظر إليهم بعين الشك بسبب لون جلدهم وتوجههم الثقافى بل ومعتقداتهم الدينية. وقد شككت دار الحاخامية فى يهوديتهم. تهجير الفلاشاه Transfer of the Falashas

стр. 1357

ابتداء من عام ١٩٧٣، حدث تحول فى الموقف الصهيونى تجاه الفلاشاه. فقد أعلن الحاخام شلومو غورن إن أعضاء هذه الجماعة اليهودية هم فى الواقع من أحفاد قبيلة دان، ومن ثم فهم يهود حقيقيون. وقد طبق عليهم قانون العودة (بعد إن كانت الوكالة اليهودية تنصحهم بالتنصر) . وبدأت عملية التهجير حوالى ١٩٧٧، فكانت تصل بضع مئات. وحينما قامت الثورة الإثيوبية، توقفت العملية ثم استمرت بشكل سرى. ثم وضع مخطط التهجير فى أواخر السبعينيات. وفى عام ١٩٨٤، نفذ مخطط التهجير على نطاق واسع فيما عرف باسم "عملية موسى" إذ تم نقل حوالى١٢ ألف إثيوبى فى جسر جوى سرى عبر السودان (كان عدد المهجرين الإجمالى فى هذه الفترة ٣٧,١٤) . وقد تمت العملية فى سرية كاملة حيث فرض تعتيم إعلامى كامل، إلى أن نشرت إحدى نشرات المستوطنين الصهاينة فى الضفة الغربية (نكوداه) أن معظم يهود إثيوبيا موجودون فى إسرائيل. ويقال إن تسريب نبأ هجرة يهود الفلاشاه قام به موظف كبير من حزب المفدال الدينى بهدف وقف الهجرة، وهو ما يدل على وجود انقسام فى الأوساط الصهيونية حيال هذه العملية. وكانت حكومة الولايات المتحدة من أكثر الحكومات حماساً، بل وألمحت صحيفة واشنطن بوست إلى إن الحكومة الأمريكية هى التى ضغطت على الدولة الصهيونية لتقبل الفلاشاه، وقد خصص صندوق اللاجئين التابع لحكومة الولايات المتحدة ١٥ مليون دولار لاستيعاب المهاجرين. وعلى أية حال، فقد بلغت تكاليف عملية موسى مائة مليون دولار قامت جماعات يهودية أمريكية بتغطيتها. كما تمت عملية أخرى باسم "عملية سليمان" فى مايو ١٩٩١ بعد سقوط نظام منجستو، وتم فيها نقل ١٩,٨٧٩ من الفلاشاه بواسطة جسر جوى بين أديس أبابا وتل أبيب شمل أربعين رحلة مكوكية. كما هجر ٣,٥٠٠ عام ١٩٩٢ (إذا أضفنا لهؤلاء عدد ٦,٤٢٢ وهم أبناء الفلاشاه المولودون فى إسرائيل فإن إجمالى عددهم يصل ٥١,٤٢٩) .

стр. 1358

لقد أسلفنا إن الحاخامية فى إسرائيل اعترفت بالفلاشاه كيهود تمهيداً لعملية التهجير. ومع هذا، لم يكن الاعتراف بهم كاملاً، فيهوديتهم حسب التصور الدينى ناقصة. ولذا، طلب منهم عند وصولهم أن يعاد تختينهم، وأن يأخذوا حماماً طقوسياً لتطهيرهم. ولوحظ أنه لا تصدر لهم بطاقة هوية إلا بعد هذه الطقوس، بل ويتسلمها بعضهم دون تحديد الديانة حتى بعد الختان والاستحمام الطقوسى. ومن الطريف إن هؤلاء الفلاشاه، المشكوك فى يهوديتهم، ذهلوا من علنانية المجتمع الصهيونى وعدم حرصه على الشعائر اليهودية إذ لا حظوا أن يهود الكيان الصهيونى لا يلتزمون بشعائر السبت. ولكن الرفض على أساس إثنى وعرقى كان أعمق وأشد حدة، فعلى سبيل المثال رفضت مدينة إيلات (عدد سكانها عشرون ألفاً) تزويد المستوطنين الفلاشاه بالماء والكهرباء، كما رفض المجلس المحلى لمستوطنة يروحام إدخال الفلاشاه إليها. وفى صفد تظاهر السكان ضد إعطاء المهاجرين من إثيوبيا بيوتاً، كما هدد أولياء أمور الطلاب فى المدارس الدينية بالامتناع عن إرسال أطفالهم إليها إذا استمر أطفال الفلاشاه معهم. وشكا رئيساً بلدية عكا ونهارياً من توطين الفلاشاه فى بلدتيهما بحجة أن هذه مدن اصطياد سياحية ووجود الفلاشاه لا يساعد كثيراً على اجتذاب السياح، فهو يخلق التوتر ويزيد تفاقم ظاهرة العنصرية فى المدينة.

стр. 1359

وليس من المتوقع إن تحقق محاولة استيعاب الفلاشاه فى التجمع الصهيونى نجاحاً كبيراً. فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية فى المجتمع الصهيونى، لن يمكن تدبير المبالغ اللازمة لاستيعابهم وتحقيق المستوى المعيشى العالى الذى يضمن سكوتهم. وقد انعكس الصراع بين الدينيين واللادينيين داخل التجمع الصهيونى عليهم، فقد دأبت الوكالة اليهودية على إرسال أبنائهم إلى المدارس الدينية، وهو أمر لا يقبله الصهاينة اللادينيون، كما أن كثيراً من المهاجرين الفلاشاه الجدد (من سكان المدن) لا يتمسكون كثيراً بالذين، وبالتالى فهم أيضاً يمانعون فى إرسال أولادهم إلى المدارس الدينية. وقد بدأ يصل مع المهاجرين الفلاشاه نموذج جديد وهو الفلاشى المتعلم الذى لا يحتقر ثقافته الوطنية بالضرورة ويجيد التعامل مع المؤسسات الحديثة، وهذه العناصر بدأت تتولى القيادة بين المهاجرين والدفاع عن حقوقهم. وأكبر دليل على فشل عملية الاستيعاب تلك الأخبار التى نشرتها الصحافة الإسرائيلية عن حوادث الانتحار الفعلية وعن محاولات الانتحار العديدة التى قام بها يهود الفلاشاه، وعن تهديدهم بالانتحار الجماعى. وقد أنشأ بعض اليهود منظمة "مهاجرى إثيوبيا"، لا لتسهيل استيعابهم وتوطينهم بل للعمل على تهجير جزء منهم إلى كندا.

стр. 1360

ويمكن طرح السؤال التالى: ما الذى يمكن إن تربحه الدولة الصهيونية من تهجير ما بين ٢٥-٣٥ ألف يهودى من إثيوبيا (العدد الكلى للفلاشاه فى إسرائيل) ، خصوصاً أنها كانت تدرك بعض المشاكل التى ستنجم عن هذه الهجرة؟ يمكننا ابتداء استبعاد العنصر الإنسانى، فلو كان الدافع إنسانياً لا نصب اهتمام الكيان الصهيونى على تحسين أحوالهم فى بلادهم، وعلى الدفاع عن حقوقهم هناك، ولشمل كل ضحايا المجاعة فى إثيوبيا. ولعل أول الدوافع الحقيقية هو الدافع المالى، فالقصص المثيرة عن تدهور حال يهود إثيوبيا تؤدى إلى تدفق التبرعات. كما أن هناك مردوداً إعلامياً، فإسرائيل دولة معروفة للعالم الغربى بعنصريتها. ولذا فإن إنقاذ يهود الفلاشاه (السود الأفارقة) قد يحسن صورتها بعض الشىء. وهذه الدوافع المادية، المالية والإعلامية، دوافع حقيقية ولكنها سطحية. أما الدافع الحقيقى الكامن وراء تهجير الفلاشاه فهو أزمة النظام الصهيونية العقائدية والسكانية العميقة. فالكيان الصهيونى يعانى من نضوب مصادر الهجرة اليهودية، إذ أن يهود الغرب المتحمسين يكتفون بإرسال الشيكات وبرقيات التأييد الحارة ولا يهاجر منهم إلا القليل النادر. أما يهود الاتحاد السوفيتى فهم بالمثل يؤثرون الهجرة، إن هاجروا، إلى الولايات المتحدة. لكن العنصر البشرى أساسى بالنسبة للاستعمار الاستيطانى الإحلالى، والفلاشاه سيساهمون بلا شك فى سد هذا العجز، وسيساعدون آلة الاستيطان والحرب على الاستمرار. كما أن الفلاشاه زراع مهرة، وقد يمكنهم زراعة الأرض الفلسطينية التى استولت عليها الدولة الصهيونية، خصوصاً بعد انصراف المستوطنين الصهاينة عن فلاحتها. وتعانى المؤسسات الزراعية الصهيونية من ندرة الأيدى العاملة اليهودية وتضطر إلى استئجار عمالة عربية، وقد يبطئ وجود الفلاشاه هذه العملية قليلاً.

стр. 1361

ومن الواضح إن الفلاشاه هو تعبير عن مقدرة الصهاينة على الحركة والإنجاز ولكنه أيضاً تعبير عن أزمة صهيونية. وهى عملية تحل بعض المشاكل مؤقتاً، ولكنها ستفجر بعض المشاكل الأخرى، وبكل حدة، داخل الكيان الصهيونى. وقد تفجرت مرة أخرى مع وصول الفلاشاه مسألة من هو اليهودى. كما أنها قد تساعد على التشكيك فى المقولة الصهيونية الخاصة بوحدة الشعب اليهودى، إذ يأتى الفلاشى بملامح وقيم وعادات مختلفة. ولنتخيل يهودياً أمريكياً أشقر من أصحاب المذهب الإصلاحى أو يهودياً علمانياً أو يهودياً ملحداً يقف بجوار يهودى من الفلاشاه أسود البشرة يرقص فى "مسجده" اليهودى فى الأعياد، فهل سيقتنع الاثنان بأنهما ينتميان إلى شعب واحد؟ وينتشر الفلاشاه فى إسرائيل داخل أراضى فلسطين المحتلة منذ عام ١٩٤٨، كما ينتشرون فى الأراضى العربية المحتلة بعد عام ١٩٦٧. وأكبر تركيز لهم (فى الضفة الغربية المحتلة) فى مستوطنة كريات أربع الخليل، وفى مناطق الجليل الأعلى (مدينة صفد) . ويتركز عدد لا بأس به منهم فى مدينة عسقلان، أما الباقون فهم موزعون على الضواحى الاستيطانية حول مدينة القدس مثل راموت وبيت مئير وتلة زئيف. وقد نشبت أزمة مؤخراً حين كشف النقاب عن إن بنك الدم الإسرائيلى قد أخذ يتخلص بالتدريج من مخزون الدم الذى يتبرع به يهود الفلاشاه خوفاً من أن تكون هذه الكميات ملوثة بفيروس مرض الإيدز، وأيد وزير الصحة الإجراءات التى يقوم بها البنك. الفلاشاه مورا Falasha Mura «فلاشاه موراً» جماعة قبلية فى إثيوبيا يقال لها أيضاً «فلاس مواراً» . وكلمة «فلاشاه» كلمة أمهرية تطلق على يهود إثيوبيا، وتعنى «الغرباء» . أما «موا» ، فيبدو أنها تعنى «الأغيار» ، أى غير اليهود. ويطلق الاصطلاح على يهود الفلاشاه الذين تنصروا على يد المبشرين المسيحيين. وهم ينقسمون إلى قسمين: - فلاشاه تنصروا منذ حوالى قرنين من الزمان. - فلاشاه تنصروا منذ ثلاثين عاماً.

стр. 1362

ويمكن تقسيمهم أيضاً، على أساس معدلات الاندماج إلى قسمين: - فلاشاه تنصروا واحتفظوا باستقلالهم كجماعة يهودية متنصرة. - فلاشاه تنصروا واندمجوا فى مجتمع الأغلبية. وتميل الصحافة الإسرائيلية الآن إلى الإشارة إلى الفلاشاه موراً باعتبارهم "يهود مارانو» ، أى اليهود المتخفين، وهو اصطلاح يطلق فى الأدبيات اليهودية على يهود إسبانيا الذين يقال إنهم أجبروا على ترك عقيدتهم وتبنى العقيدة الكاثوليكية، فتظاهروا بأنهم كاثوليك واستمروا فى ممارسة شعائر دينهم فى الخفاء، وقد استمر بعضهم فى ممارسة هذه الشعائر حتى الوقت الحاضر. ويبلغ عدد الفلاشاه موراً ١٧٥ ألفاً، منهم ١٥ ألفاً ممن تنصروا واحتفظوا باستقلالهم كجماعة فلاشيه متنصرة. وهناك ٦٠ ألفاً تنصروا واندمجوا فى المجتمع المسيحى، وكل ما يربطهم باليهودية جذورهم الفلاشيه (الإثنية (. ويبدو إن الفلاشاه أنفسهم يعتبرون الفلاشاه موراً (أياً كان نوعهم) غير يهود. ولذا، فإن أحدهم إذا أراد العودة إلى حظيرة الدين اليهودى، تطبق عليه الشعائر الخاصة بمن يريد التهود، فيحلق شعر رأسه وجسمه، وهى شعائر لا تطبق إلا على غير اليهود (ومهما يكن من أمر سخرية الصحافة الإسرائيلية من هذه الشعائر، فإنها على أية حال الشعائر نفسها التى كانت تطبق فى الماضى قبل ظهور اليهودية الحاخامية (.

стр. 1363

وقد بدأ الحديث عن تهجير الفلاشاه موراً إلى إسرائيل (مع حوالى ثلاثة آلاف يهودى من يهود الفلاشاه الذين لا يزالون موجودين فى إثيوبيا) . لكن المؤسسة الحاخامية اعترضت، بطبيعة الحال، على تهجير هؤلاء لأنهم ليسوا يهوداً، وذلك بعد أن كانت قد اعترضت فى بداية الأمر على تهجير الفلاشاه ذاتهم، بدعوى أن اليهودية التى يؤمنون بها غير تلمودية وغير حاخامية وتضم شعائر لا مثيل لها بين يهود العالم، بل وتنطوى على عناصر مسيحية ووثنية. ومن المعروف إن قانون العودة فى إسرائيل لا يسمح بهجرة من يعتنق ديناً آخر حتى ولو ولد يهودياً. ولذا، فحينما تجمع ثلاثة آلاف من الفلاشاه موراً ليهاجروا مع الفلاشاه، لم يسمح لهم بالهجرة ونصحوا بالعودة إلى ديارهم. وتشير المؤسسة الحاخامية (وكل من يعارض هجرة الفلاشاه موراً) إلى إن هؤلاء لم يتنصروا قسراً، وأنهم تحولوا عن يهوديتهم لتحقيق المغانم الاقتصادية والحراك الاجتماعى وللاستفادة من المعونات المالية التى يقدمها المبشرون. كما يؤكد أصحاب هذا الرأى أن الفلاشاه موراً يودون الهجرة إلى إسرائيل للأسباب نفسها. ومن ثم، فإن دوافعهم ليست دينية ولا أيديولوجية، فهم إذن مرتزقة. ويحذر هؤلاء من إن عشرات الآلاف من الإثيوبيين، خصوصاً من الأمهريين الذين فقدوا نفوذهم بعد سقوط منجستو، قد ينتهزون الفرصة ويدعون أنهم فلاشاه موراً حتى يهاجروا إلى إسرائيل.

стр. 1364

ولكن يبدو إن المؤسسة الحاكمة فى إسرائيل لا تمانع فى هجرتهم، كما إن الولايات المتحدة بدأت تدعو إلى تهجيرهم. والدافع وراء هذا، على ما يبدو، هو تعطش المستوطن الصهيونى للمادة البشرية. كما يلاحظ إن الوظائف الدنيا فى الهرم الإنتاجى أصبحت شاغرة بعد أن حقق اليهود الشرقيون شيئاً من الحراك الاجتماعى. وبدأ العرب فى ملئها، الأمر الذى أدى تزايد اعتماد المستوطن الصهيونى على العمالة العربية، وهو أمر يهدد أمنه. ولعل المادة البشرية الوافدة، يهودية كانت أم غير يهودية، تسد هذه الثغرة. فالدولة الصهيونية بدأت عام ١٩٤٨ دولة يهودية استيطانية إحلالية مبنية على طرد العرب أو إبادتهم لتحل يهوداً محلهم، ثم تحولت بعد عام ١٩٦٧ إلى دولة يهودية استيطانية مبنية على التفرقة اللونية التى تمكن العنصر اليهودى من استغلال العنصر العرب. ويبدو إن الدولة الصهيونية بدأت تدخل مرحلة جديدة تبهت فيها يهوديتها لتصبح دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية وتصر على استجلاب مادة بشرية غير عربية وليست بالضرورة يهودية (ويهوديتها هى إما مجرد ديباجات لفظية أو محض علاقة واهية اسمية) . وهى فى هذا لا تختلف كثيراً عن جنوب أفريقيا التى بدأت دولة استيطانية إحلالية بيضاء مسيحية، ثم أصبحت دولة استيطانية تمارس التفرقة اللونية لصالح البيض المسيحيين، وتحولت المسيحية إلى مجرد ديباجة دون إصرار على المادة البشرية المسيحية وقد تبدى هذا أيضاً فى هجرة اليهود السوفييت حيث وصل مئات الألوف من أشياء اليهود ممن تآكلت علاقتهم العقائدية والإثنية باليهودية، وبالتالى فهم ليسوا يهوداً بالعقيدة ولا بالإثنية وإنما بجذورهم البعيدة وحسب. وكما قال أحد الحاخامات، فإن كل ما يربط هؤلاء اليهود باليهودية هو جد يهودى مدفون فى موسكو. وقد وصل مع المهاجرين السوفييت أيضاً مئات الألوف من مدعى اليهودية، إلا إن المؤسسة الأشكنازية الحاكمة غضت نظرها عن ذلك رغم احتجاج

стр. 1365

المؤسسة الدينية. وكما قلنا، فقد غلبت المؤسسة الأشكنازية الاعتبارات العملية على الاعتبارات الأيديولوجية أو العقائدية الضيقة. ولعلها تفعل الشىء نفسه مع الفلاشاه موراً. الباب الثالث: إشكالية الهوية اليهودية من هو اليهودي؟ Who is a Jew? «من هو اليهودي؟» سؤال يُثار من آونة إلى أخرى داخل الكيان الصهيوني. ويُعبِّر هذا السؤال عن فشل الإسرائيليين في تعريف «الشخصية اليهودية» أو «الهوية اليهودية» . الشخصية أو الهوية اليهودية Jewish Character or Identity مصطلح «الشخصية اليهودية» في اللغة العربية مأخوذ من لفظ «شخص» ويعني مجموعة الصفات التي تميِّز هذا الشخص. أما في الأصل الأوربي، فإن المصطلح مأخوذ من اللفظ اللاتيني «بيرسونا Persona» ، وهو القناع الذي يرتديه الممثل ليُعبِّر عن السمة الأساسية للشخصية التي يؤديها. و «الشخصية» هي صيغة منظمة نسبياً لمجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية والنزوعية والإدراكية التي تميِّز الفرد عن غيره من الأعضاء. ويُفترَض أن الشخصية الفردية، في جوانب عديدة منها، هي نتيجة عملية تَفاعُل مركبة بين الإنسان الفرد من جهة، وبنيان مجتمعه وثقافته وتاريخه وبيئته الطبيعية والاجتماعية من جهة أخرى. ومن هنا، يتحدث بعض العلماء عن الشخصية القومية، وهي شخصية تَنتُج من عملية تَفاعُل تمتد ردحاً من الزمن بين جماعة من الجماعات البشرية من جهة وتشكيل اجتماعي وتاريخي وبيئة طبيعية من جهة أخرى. ومن خلال الامتداد الزمني تكتسب هذه الجماعة سمات معيَّنة وهوية محددة تصبح ثابتة أو شبه ثابتة يُفترَض أنها تُميِّزها عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى. ومصطلح «الشخصية اليهودية» مصطلح يفترض أن ثمة شخصية قومية يهودية ذات سمات مميَّزة وثابتة.

стр. 1366

أما كلمة «هوية» فهي اسم منقول من المصدر الصناعي «هوية» المأخوذ من كلمة «هو» ، وتعني: مجموعة الصفات الجوهرية والثابتة في الأشياء والأحياء. فكأن مصطلح «هوية يهودية» يعني أن ثمة جوهراً يهودياً ثابتاً يسم أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا ويمنحهم شخصيتهم اليهودية المحددة، ويفرقهم عمن سواهم من البشر. وغني عن القول إن هذا المصطلح، مثل مصطلح «الشخصية اليهودية» ، يُعبِّر عن نموذج اختزالي لا يتفق كثيراً مع الحقيقة التاريخية المتعيِّنة ولذلك فمقدرته التفسيرية ضعيفة للغاية. ويشكل استخدام مصطلحات مثل «شخصية يهودية» و «هوية يهودية» تبنيٍّا غير واع للنماذج التفسيرية الاختزالية، الصهيونية والمعادية لليهود، التي تفترض وجود طبيعة يهودية ثابتة وعبقرية يهودية وجريمة يهودية ووجود سمات أساسية للشخصية اليهودية. فهي من منظور المعادين لليهود شخصية متآمرة عدوانية استغلالية ومنحلة، وهي كذلك شخصية تجارية بطبعها، أما الصهاينة، فينسبون إلى هذه الشخصية اليهودية المستقلة سمات إيجابية، فاليهودي يتسم بالإبداع والمقدرة على الانسلاخ من مجتمع الأغيار، وهو يدافع عن نفسه ضد العنف لكنه لا يرتكب العنف أبداً ضد الآخرين، وهكذا. ومن السمات الأخرى التي تُنسَب إلى الشخصية اليهودية حبها للنكتة، ومقدرتها النقدية أو حسها النقدي. ويؤسس الصهاينة نظريتهم في القومية اليهودية والشعب اليهودي انطلاقاً من تأكيد وجود هذه الشخصية اليهودية. كما أن الصهيونية العمالية تصف الشعب اليهودى بأنه شعب طفيلى من السماسرة.

стр. 1367

وإذا اختبرنا النموذج الكامن وراء مقولات مثل «الشخصية أو الهوية اليهودية الثابتة الواحدة» فإننا سنكتشف مدى قصوره، فأعضاء الجماعات اليهودية ليسوا تجاراً بطبعهم، إذ عمل العبرانيون بالزراعة في فلسطين، كما كان منهم الجنود المرتزقة في الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، ومعظمهم الآن من المهنيين في الغرب. وهم ليسوا متآمرين بطبعهم، بل وسقط منهم ضحايا للتآمر، لكن هذا لا يمنع وجود متآمرين وتجار بينهم. وهم ليسوا منحلّين في كل زمان ومكان، إذ كانت هناك أزمنة وأمكنة استمسك فيها أعضاء الجماعات اليهودية بأهداب الفضيلة ولم تُعرَف بينهم ظواهر مثل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين. وهناك خلل يتمثل في الحديث عن اليهود بشكل مجرد، فمن يود أن ينسب العبقرية إلى الهوية أو الشخصية اليهودية سيجد قرائن على ذلك في مكان وزمان معيَّنين، ومن يود أن ينسب إليهم التآمرية سيجد أيضاً قرائن على ذلك في مكان وزمان آخرين، ثم يتم تعميم الجزء على الكل. وهذا ما يقوم به الصهاينة، عن وعي أو عن غير وعي، حينما يتحدثون عن الشخصية اليهودية أو عن الهوية اليهودية.

стр. 1368

ولكن الشخصية (أو الهوية) ، كما أسلفنا، هي بنية مركبة، نتاج تَفاعُل بين مجموعة من البشر ومُركَّب من الظروف التاريخية والبيئية الثابتة على مدى زمني معقول، وهو الأمر الذي لم يتوفر إلا للعبرانيين، ولم يتوفر للجماعات اليهودية التي انتشرت في بقاع الأرض المختلفة وعاشت تحت ظروف اجتماعية مختلفة. ولذا، نرى أنه يجب الابتعاد عن التعميم المتعسف والكف عن استخدام صيغة «الشخصية اليهودية» لنتحدث بدلاً من ذلك عن «الشخصيات اليهودية» و «الهويات اليهودية» . وصيغة الجمع لا تنكر الخصوصيات اليهودية، ولكنها لا تجمع بينها وكأن هناك صفة جوهرية أو عالمية كامنة في كل اليهود. ومن هنا، يمكننا أن نتحدث عن الشخصية (أو الهوية) اليمنية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، أو الشخصية الخَزَرية اليهودية في القرن التاسع، أو الشخصية الإشكنازية في إسرائيل، أو الشخصية السفاردية من أصل سوري في أمريكا اللاتينية. ويمكن دراسة تَطوُّر هذه الشخصيات اليهودية المتنوعة والمختلفة بدراسة سماتها المُستمَدة من أزمنة وأمكنة مختلفة. وفي هذه الحالة، سنكتشف أن حب النكتة ليس خاصية لصيقة بالشخصية اليهودية. فالفقه اليهودي (حتى القرن التاسع عشر) يُحرِّم النكات، كما أن هجاء الحاخامات أمر لم يكن مسموحاً به. ونجد أن حب النكتة هذا ظاهرة مقصورة على يهود أوربا في القرن التاسع عشر ومرتبط بضعف مؤسساتهم الدينية والاجتماعية. ولم يكن الحس النقدي ولا المستوى العلمي الرفيع معروفاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا حتى القرن الثامن عشر، إذ حرَّمت قيادتها الدينية قراءة كتب الفلاسفة اليهود ودواوين الشعر العبري الدنيوي، كما حرَّمت دراسة اللغات الأجنبية ودراسة الرياضيات والجغرافيا والتاريخ ولم تستثن من ذلك تواريخ الجماعات اليهودية. وكان الجهل بالجغرافيا عميقاً إلى درجة أن الحاخامات كانوا عاجزين عن تحديد اتجاه القدس. ولكن، مع دَمْج اليهود في الحضارة

стр. 1369

الغربية وتَزايُد معدلات العلمنة بينهم، وانفكاك قبضة المؤسسة الحاخامية التقليدية، تَملَّك أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في العصر الحديث ناصية العلوم الحديثة، فظهر العلماء وظهر الحس النقدي، وظهر الإحساس بالنكتة. ومما تَجدُر ملاحظته أن كثيراً من الأدبيات الصهيونية والغربية، حينما تتحدث عن الشخصية اليهودية أو الهوية اليهودية، تشير عادةً إلى تجربة تاريخية محددة هي تجربة يهود اليديشية، أي الجماعة اليهودية في شرق أوربا والتي كانت تشكل جماعات وظيفية يتحدث أعضاؤها اليديشية، ويعيشون في الظروف الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وفي المحيط الحضاري السلافي (المسيحي) نفسه، وهو ما أفرز شخصية يهودية شرق أوربية يمكن أن تُسمَّى «الشخصية اليديشية» تتحدد ملامحها لا من خلال تشكيل تاريخي يهودي عالمي وإنما من خلال التشكيل الحضاري الشرق أوربي. وقد أكد آرثر روبين في كتابه اليهود في الوقت الحاضر أن كلمة «يهودي» تعني بالنسبة إليه «إشكنازي» ولا تضم اليهود السفارد أو الشرقيين. ورغم أن يهود اليديشية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من الجماعات اليهودية في العالم في نهاية القرن التاسع عشر (حوالي ٨٠%) ، إلا أن هذا لا يجعل منهم شخصية يهودية عالمية، إذ أن هذه الشخصية اليديشية (القومية) هي ثمرة تَفاعُل الجماعة اليهودية مع المجتمع الشرق أوربي في بولندا وروسيا داخل تركيبة اجتماعية وثقافية مُحدَّدة. وينبع مشروع حزب البوند السياسي من الإيمان بوجود شخصية يهودية قومية شرق أوربية، لا شخصية يهودية عالمية، ولذا كان الحل المطروح هو تطوير هذه الشخصية اليديشية دون الانزلاق إلى أبعاد تعميمية تجريدية. وقد تبنت روسيا السوفيتية هذا الحل في نهاية الأمر بعد أن رفضه لينين في بدايته، كما تتجلى ملامحه في تجربة ببروبيجان.

стр. 1370

وقد اختفت الشخصية اليديشية مع التحولات الاجتماعية الضخمة التي حدثت في مجتمعات شرق أوربا، ولم يُكتَب لها الاستمرار. ويبدو أن المكوِّن الأساسي لهذه الشخصية مرتبط تمام الارتباط بالوظيفة الاجتماعية للجماعات اليهودية كجماعات وظيفية تنمي شخصيتها المستقلة ليضمن المجتمع عزلتها ومن ثم مقدرتها على أداء وظيفتها. وقد تحوَّل يهود اليديشية من جماعات شبه قومية متماسكة إلى جماعات مختلفة: يهود روسيا ويتحدثون الروسية، ويهود بولندا ويتحدثون البولندية، ويهود أوكرانيا ويتحدثون الأوكرانية، أما يهود اليديشية الذين استقروا في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة فقد اندمجوا في مجتمعاتهم وتحدثوا لغاتها. ومن المفارقات المهمة أن الصهاينة الذين يمجدون الشخصية اليهودية يقومون في الوقت نفسه بالهجوم عليها ورفضها، فهم يرون أن هذه الشخصية مريضة وهامشية. وعند هذه النقطة أيضاً، يلتقي الصهاينة مع المعادين لليهود، بل إن الصهاينة استمدوا نقدهم للشخصية اليهودية من أدبيات معاداة اليهود. ويطرح الصهاينة فكرة الشخصية اليهودية الحقيقية بوصفها شخصية يهودية خالصة عبَّرت عن نفسها من خلال الكيان اليهودي القومي سواء في الكومنولث الأول أو الثاني، وهي تُعبِّر عن نفسها من خلال الكومنولث الثالث، أي الدولة الصهيونية. لكن دارس هذه الدولة يعرف أن علم الاجتماع الإسرائيلي قد تَقبَّل، كحقيقة شبه نهائية، انقسام أعضاء التَجمُّع الصهيوني إلى جماعات يهودية لكلٍّ شخصيتها المستقلة التي تكونت عبر مئات السنين في المنفى، أي في أنحاء العالم.
следующие страницы →