← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية، بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية، محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم كثيراً. وقد أصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا. وكان مسرح نظام الأرندا هو أوكرانيا التي أصبحت النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس (الذين يتحدثون الأوكرانية) والتجار اليهود (الذين يتحدثون اليديشية) غير المنتمين لهذا أو ذاك والذين يشكلون الوسيط التجاري والإداري والمالي بين الطرفين (إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن) . ويُلاحَظ أن التقسيم الطبقي كان أيضاً تقسيماً عرْقياً وإثنياً ودينياً. ولم يكن نشاط الأرندا مقصوراً على أوكرانيا وبولندا بل أصبح جزءاً من شبكة تجارة دولية. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين البولنديين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقد قاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقد نشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، وبين يهود الأرندا إبان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها (وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تُسهِّل اتصالاتهم وتجعل منهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية) .

стр. 1682

وقد ارتبط مصير أعضاء الجماعة اليهودية تماماً بمصير الأرندا (الزراعي الإقطاعي الاستيطاني البولندي) والقوة العسكرية البولندية التي كانت تسانده. وقد كان لنظام الأرندا الإقطاعي الاستيطاني أعمق الأثر في تَطوُّر تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا، وهو ما أثر بدوره في تاريخ الجماعات اليهودية في غرب أوربا وأعطى المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة: ١ ـ وجد اليهود أنفسهم بين مطرقة النبلاء وسندان الفلاحين. وقد كان اليهودي هو ممثل الإقطاع البولندي الشره وأداة الاستغلال المباشرة الواضحة، إذ تم حوسلته تماماً من قبل النبلاء. وكانت شراهة النبلاء الإقطاعيين تزداد سنة بعد سنة، فكانوا يزيدون من قيمة الإيجار، وكان على الوكيل اليهودي أن يزيد بدوره من الضرائب والإيجارات التي يحصلها من الفلاحين. ولكن يهود الأرندا كانوا يعيشون بين الفلاحين في أوكرانيا، بينما كان النبيل الإقطاعي يعيش في ضيعته أو قصره في بولندا. ٢ ـ حدث ليهود بولندا، نتيجة نظام الأرندا، تطوران متناقضان: أ) انعزل يهود الريف عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى، واكتسبوا ثقافة الفلاحين السلافيين المتخلفة، وتشبعوا بالفلكلور الريفي بما في ذلك العقائد الشعبية المسيحية، الأمر الذي أضعف هويتهم اليهودية. وكانت هذه تربة خصبة لنشوء الحركات المشيحانية. ويُلاحَظ أن الحركتين الحسيدية والفرانكية نشأتا في منطقة بودوليا، وانتشرتا بين يهود أوكرانيا أسرع من انتشارها بين بقية يهود شرق أوربا.

стр. 1683

ب) في الوقت نفسه، ونظراً لتزايد عددهم، كان اليهود يوجدون لا على هيئة أقلية صغيرة تعيش داخل الجيتو في إحدى المدن المسيحية وإنما على هيئة مدن صغيرة (شتتلات) تضم تجمعات بشرية يشكل اليهود فيها نسبة مئوية كبيرة بل الأغلبية العظمى أحياناً، ومن هنا تكلست هويتهم وانعزلت واحتفظ اليهود برطانتهم الألمانية (اليديشية) . وقد ساهم الانفجار السكاني الذي حدث بينهم في تعميق هذا الاتجاه. ٣ ـ زادت الأرندا من تَشوُّه البناء الطبقي ليهود بولندا بحيث تركزوا في تجارة الخمور التي أصبحت مشكلة أساسية في الريف البولندي (ثم الروسي بعد ذلك) . ٤ ـ وبعد تَشوُّه البناء الوظيفي والعزلة وتزايد الأعداد، ضُمَ هذا الجزء من بولندا إلى روسيا، فوجدت روسيا عندها هذه الكثافة البشرية التي تتحدث اليديشية وتؤمن بالحسيدية وتتاجر في الخمور، وهي كتلة كانت مكروهة من السكان المحليين. وكانت البيروقراطية الروسية جاهلة باليهود وبكيفية التعامل معهم، ذلك لأنه كان مُحرَّماً عليهم دخول الإمبراطورية حتى نهاية القرن الثامن عشر. ٥ ـ كان الوضع الطبقي المميَّز لليهود داخل البناء الاستيطاني للإقطاع يعني أنهم ليسوا عنصراً من التشكيل الحضاري البولندي. ولذا، حينما نشأت حركات ثورية مثل انتفاضة شميلنكي في أوكرانيا ثم الحركة القومية في بولندا، كان اليهود يقفون خارجها امتداداً لوضعهم الطبقي الهامشي والطفيلي. فهم لم يكونوا مستغلين فقط، مثل النبيل الإقطاعي الفرنسي أو التاجر الإنجليزي، وإنما كانوا غرباء أيضاً فسقطوا مع سقوط نظام الإقطاع الاستيطاني البولندي. وقد أضفت كل هذه العناصر على المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة.

стр. 1684

٦ ـ لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي حتى عام ١٥٥٠. وكان يهود أوربا كافة مُركَّزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا حتى أنه، في القرن السابع عشر، كان هناك مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طُردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. وقد أخذ غزو يهود بولندا في الزيادة ابتداءً من القرن السادس عشر حتى أن أغلبية يهود العالم كانت في بداية القرن العشرين من نسل يهود بولندا (بل يُقال إن كل يهود العالم الغربي من أصل بولندي باعتبار أن العناصر اليهودية المحلية تم صهرها تماماً في الأغلبية (. ٧ ـ كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التجارة والاستيطان والقتال جزء أساسي من التجربة التاريخية للغالبية العظمى من الجماعات اليهودية في الغرب، وأنهم دخلوا العصر الحديث وعندهم قابلية (تبادل اختياري) للاشتراك في العمليات الاستيطانية القتالية. وفي هذه التربة الخصبة، ظهر جوزيف فرانك اليهودي البولندي المُتنصِّر الذي طالب بتسليح اليهود وتأسيس دولة مستقلة لهم. كما ظهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية المبني على تصديرها باعتبار أن اليهود عنصر استيطاني غريب (ومن المعروف أن معظم قيادات الصهيونية الاستيطانية من أصل بولندي روسي (.

стр. 1685

ويمكن القول بأن الأرندا الإقطاعية الاستيطانية تُكمل الحلقة المفقودة بين تجربة يهود الغرب والتجربة الصهيونية. فالعلاقة الثلاثية (النبلاء البولنديون ـ الوسطاء اليهود المستوطنون ـ أقنان أوكرانيا) تشبه كثيراً العلاقة الثلاثية السائدة في الشرق الأوسط (الإمبريالية الأمريكية ـ الوسطاء الصهاينة المستوطنون - عرب فلسطين) . والعنصر اليهودي في كلتا الحالتين عنصر استيطاني نافع يتم الحفاظ عليه بمقدار نفعه وليست له أهمية في حد ذاته. وما حدث، بشيء من التبسيط، هو أن المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية في أوكرانيا تحوَّلت إلى مماليك استيطانية قتالية شبه تجارية في فلسطين بعد تأسيس الدولة المملوكية الصهيونية، وهي دولة ذات قيمة إستراتيجية عسكرية بالنسبة للغرب (بالدرجة الأولى) وذات أهمية تجارية اقتصادية (بالدرجة الثانية) .ومع ظهور النظام العالمي الجديد، قد تتراجع الوظيفة العسكرية القتالية لتشغل المرتبة الثانية بينما تشغل الوظيفة التجارية الاقتصادية الدرجة الأولى، ولذلك سيتطابق وضع الدولة الصهيونية مع يهود الأرندا إذ ستصبح دولة وظيفية تجارية شبه قتالية. ونحن، بهذا، نكون قد اكتشفنا استمرارية تاريخية ونمطاً متكرراً داخل التاريخ الغربي الحقيقي، وليس استمرارية ميتافيزيقية داخل التاريخ اليهودي الوهمي. الخمور (النبيذ والكحول) والاتجار فيها Wine and Liquor Trade

стр. 1686

«تجارة الخمور والنبيذ» هي تجارة عادةً ما تضطلع بها جماعة وظيفية، ربما لأن الخمر تُذهب الوعي وترتبط في كثير من العقائد بالمقدَّس والغيب، أي أن الخمر مرتبطة بمنطقة وجدانية تقع خارج نطاق المألوف والعادي والروتيني، ومن هنا تظهر ضرورة اللجوء إلى جماعة وظيفية محايدة، ليس في مقدورها أن تُوظِّف لحظة غياب الوعي هذه لصالحها (بسبب عجزها) ، تماماً مثل الحلاق الذي تُسلِّم له رأسك ليقص الشعر، ويمكنه أن يقطع رأسك ويسلم من العقوبة إن كانت تسانده مجموعة من البشر لها سلطة. والشيء نفسه ينطبق على الماشطة التي تدخل البيوت وتعرف أخص خصائص النساء، وهو ما يجعلها مستودعاً لكثير من الأسرار التي يمكن أن تُستخدَم ضد من قالها. ولذا، فلابد لمن يقوم بمثل هذه الوظائف أن يكون محايّداً مجرَّداً من السلطة تحت رحمة المجتمع تماماً، حتى لا يسيطر عليه.

стр. 1687

ويبدو أن التحريم التلمودي الخاص بتناول خمور الأغيار جعل أعضاء الجماعات اليهودية مضطرين إلى أن يكون لهم كرومهم ومصانع الخمور الخاصة بهم. ولكن، مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي في الغرب، كانت كل مزارع الكروم المملوكة لليهود قد تمت تصفيتها مع انسحابهم التدريجي من مهنة الزراعة. ولكن اتجارهم في النبيذ والمشروبات الكحولية استمر حتى أصبحت هذه المهنة إحدى المهن أو الوظائف اليهودية الأساسية في شرق أوربا وألمانيا. ومع بداية القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، كان إنتاج المشروبات الكحولية وبيعها في بولندا وليتوانيا عملاً أساسياً يمتهنه أعضاء الجماعات اليهودية ومصدراً من أهم مصادر الدخل بالنسبة لهم، كما أصبح هذا العمل مهنة أساسية في بوهيميا والمجر. وقد ازداد ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الخمور نتيجة لنظام الأرندا. فرغم أن الخمور كانت تمثل الترف الأساسي في حياة الفلاحين، إلا أنهم كانوا ممنوعين من تقطيرها، إذ أن هذا الحق كان مقصوراً على النبلاء البولنديين، وكان تأجير هذا الحق مصدراً أساسياً للريع الذي يحصل عليه النبيل من مستأجر الامتياز (الأرنداتور) . فكان اليهود يستأجرون معامل التخمير والتقطير والحانات، والتي كانت مرتبطة بنظام الأرندا في بولندا وأوكرانيا وروسيا البيضاء. وقد أصبح اليهودي (صاحب الحانة) شخصية أساسية في الريف الأوكراني وفي المدن الصغيرة. وكان اليهود يحتكرون ـ تقريباً ـ إنتاج وبيع المشروبات الكحولية. وكانت نسبة عالية منهم تعمل في هذه التجارة حتى بلغت، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ١٥% من مجموع يهود المدن و٨٥% من يهود الريف. وقد تسبَّب اشتغال اليهود بهذه التجارة في نشوء كثير من التوترات بينهم وبين بقية السكان. كما كان الفلاحون السلاف يفرطون في الشرب، وهو ما كان يزيد من أرباح اليهود، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا لا يشربون بهذا الإفراط.

стр. 1688

وكان أعداء اليهود بين طبقات المجتمع الأخرى يلقون اللوم على اليهود، مع أن الإفراط في الشرب كان ظاهرة اجتماعية صاحبت تَدنِّي الأوضاع الاقتصادية والثقافية في شرق أوربا والذي لم يكن اليهود مسئولين عنه بل ضحية له. وكانت الطبقات الحاكمة في شرق أوربا (روسيا وبولندا) ترى أن اليهودي هو سر بلاء الريف وبلاء سكانه، ولذا كانوا يرون أن إصلاح حال الفلاحين لن يتأتى إلا بطرد اليهود من صناعة الخمور. ومع تدهور الاقتصاد البولندي ابتداءً من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت العناصر التجارية المسيحية تتجه إلى الهيمنة على تجارة النبيذ والكحوليات المربحة بين السكان. وكلما ازداد إفقار المدن وإفقار سكانها، كانت المطالبة بتأميم تجارة الخمور تزداد ضراوة. وأصبح استبعاد اليهود من هذه التجارة مطلباً أساسياً تطرحه الطبقة الوسطى البولندية، ثم أصبح هذا جزءاً من سياسة كثير من الدول المطلقة المستنيرة. وقد بدأت حركة استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية من صناعة الخمور في بولندا وامتدت إلى روسيا واستمرت فيها. ونصت براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني على ضرورة طرد اليهود من صناعة الخمور خلال عامين. ومع تفاقم مشكلة سُكْر الفلاحين، ازدادت ضراوة التشريعات ضد اشتغال اليهود بتجارة الخمور. ولكن كل هذه التشريعات لم تفلح، إذ أن إدمان الفلاحين السلاف للخمر كان نتاج ظروف حضارية واجتماعية مُركَّبة لم يكن اليهود مسئولين عنها، وإن كانوا قد استفادوا منها. ولم تُحسَم المسألة نهائياً إلا مع ظهور نظم اشتراكية في روسيا وبولندا أممَّت كل وسائل الإنتاج، ومنها صناعة الخمور، وأوجدت فرصاً بديلة لليهود.

стр. 1689

ويبدو أن تقاليد الاشتغال بإنتاج النبيذ وتسويقه استمرت على يد المستوطنين الصهاينة في فلسطين، إذ زرعوا كثيراً من الكروم وقاموا بتقطير الخمور. وقد قامت مدرسة مكفيه إسرائيل الزراعية بزراعة أول أشجار كروم أوربية، وأسست أول قبو خمور على الطريقة الأوربية. وكان البارون إدموند دي روتشيلد مهتماً بزراعة الكروم في فلسطين مؤملاً أن تتحوَّل إلى أحد الأسس الاقتصادية للقرية اليهودية في فلسطين، وقد قام ببناء أقبية كبيرة للخمور. ولكن التجربة لم تنجح، مثلها مثل كثير من التجارب الاستيطانية الأخرى. الإعلان Advertising لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً للغاية في صناعة الإعلان، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ارتبطت هذه الصناعة بآليات المجتمعات الرأسمالية الحديثة. ويُعتبَر رجال صناعة الإعلان من اليهود من أهم العناصر المسئولة عن تَطوُّر مؤسسة الإعلان الحديثة وعن اتساع نشاطها وتَطوُّر أسلوب عملها. والواقع أن التبادل التجاري في المجتمعات التقليدية لا يعرف ظاهرة الإعلان، إذ كان النشاط الاقتصادي محكوماً بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية التي لا تسمح بالتنافس الشديد ولا بمحاولة التأثير على الزبائن واصطيادهم. ومع هذا، كان كثير من التجار في كثير من بلدان العالم الغربي يجأرون بالشكوى من التجار اليهود بسبب ملاحقتهم الزبائن أمام المحال التجارية وفي الطرقات وحتى في منازلهم. ولعل هذا يعود إلى أن التاجر اليهودي لم يكن ملتزماً بالقيم المسيحية مثل الثمن العادل والمحبة. كما أن أعضاء المجتمع المضيف، في علاقتهم به كعضو في جماعة وظيفية، هم مجرد شيء يشكل مصدراً للربح.

стр. 1690

وتزايدت أهمية الإعلانات في التجارة مع تزايد علمنة المجتمع وتزايد حدة المنافسة التجارية. لكن النقلة النوعية حدثت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن حقَّقت الثورة الصناعية توسعاً في الإنتاج، وبعد نمو طبقة وسطى من المستهلكين شكلت السوق الأساسية للمنتجات والسلع الاستهلاكية المختلفة، حيث أصبحت الإعلانات جزءاً لا يتجزأ من آليات السوق. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية من العناصر الرائدة في قطاع الإعلان نتيجة ميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية تمتلك خبرات تجارية ومالية مهمة أهلتهم لدخول مجالات كانت لا تزال تُعَدُّ جديدة وغير مألوفة وبالتالي تتميَّز بقدر كبير من المخاطرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن فهم ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بصناعة الإعلان من خلال ارتباطهم بتجارة التجزئة والصحافة اللتين كانتا أيضاً من الأنشطة الجديدة التي صاحبت نمو المجتمعات الصناعية الرأسمالية، وهي أنشطة احتل فيها أيضاً أعضاء الجماعات اليهودية مكان الريادة. وبالتالي اكتسبت صناعة الإعلان أهمية كبيرة لتسويق منتجات مؤسسات التجزئة التجارية الجديدة، في حين شكلت الصحافة الأداة الرئيسية للإعلان عن هذه المنتجات. ويُعتبَر الأمريكي اليهودي ألبرت لاسكر أباً لصناعة الإعلان الحديثة حيث عمل على تحويل مهمة وكالة الإعلان، من مجرد وسيط بين المؤسسات التجارية التي كانت تضع برنامج الإعلانات لمنتجاتها من ناحية والصحافة وأجهزة الإعلام من ناحية أخرى، لتصبح الجهة الرئيسة المسئولة عن رسم وتخطيط ونشر الإعلانات الخاصة بمنتجات هذه المؤسسات. وقد انضم لاسكر عام ١٨٩٨ إلى وكالة إعلان لورد وتوماس في شيكاغو، وأصبح عام ١٩٠٤ (وعمره ٢٤ سنة) شريكاً بها، ثم أصبح مالكها الوحيد عام ١٩١٢. وقد نجح لاسكر خلال ثلاثة عقود في تحويلها إلى واحدة من أهم وكالات الإعلان في الولايات المتحدة.

стр. 1691

ويُعتبَر ميلتون بيو Biow المسئول عن تطوير وكالة الإعلان الحديثة لتلبية احتياجات عالم التجارة والأعمال الحديثة. كما أسس إحدى أهم كبريات وكالات الإعلان في الولايات المتحدة والعالم. ويُعَدُّ أول من استخدم الراديو والتليفزيون لتقديم الفقرات الإعلانية القصيرة. وتُعتبَر وكالة جراي للإعلان، التي أسسها لورانس فالنستاين، من أهم مؤسسات الإعلان التي أوجدت فكرة خَلْق الطلب على السلعة قبل طرحها في الأسواق. كما ابتكرت وكالة إعلان أخرى هي وكالة دوتل داين وبرنبارخ التي تأسست في عام ١٩٤٩ أسلوباً جديداً في الإعلان يعتمد على تَبنِّي نبرة هادئة تميل إلى التواضع في تقديم الإعلانات وهو أسلوب تبنته كثير من وكالات الإعلان الأخرى. وابتكرت وكالة أخرى، وهي وكالة نورمان كرايج وكومل، أسلوباً جديداً في الإعلان أطلقت عليه اسم «الإعلان العاطفي» ، وهو أسلوب يهدف إلى خَلْق نوع من التماثل والاندماج العاطفي عند المتلقي تجاه السلعة موضوع الإعلان. وكل هذه أساليب تميل إلى اللعب على الجوانب النفسية والعاطفية والحسية لدى المستهلك باعتباره مجرد هدف يتم توظيفه. ومن الجدير بالذكر أن عالم النفس المعروف إرنست ديختر من أهم الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت لها مساهمات مهمة في صناعة الإعلان والذي أسس معهد بحوث الدوافع. وفي إنجلترا، لم يصل أعضاء الجماعة اليهودية إلى مواقع بارزة في صناعة الإعلان إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تَنمُ صناعة الإعلان في أوربا إلا بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن شهدت وسائل الاتصال نمواً وتوسعاً كبيرين، إلا أن مشاركة أعضاء الجماعات اليهودية فيها انتهت مع مجئ النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية. أما بعد الحرب، فكان لاتساع وامتداد نشاط وكالات الإعلان الأمريكية والبريطانية إلى أوربا دور في أن يصبح لرجال الإعلان من اليهود شأن بارز في صناعة الإعلان الأوربية.

стр. 1692

ويجب التنبه إلى أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في قطاع الإعلانات لا يجعل منه نشاطاً اقتصادياً يهودياً، فهو أولاً وأخيراً جزء لا يتجزأ من آليات السوق بكل وحشيته وعدم اكتراثه بالقيم الإنسانية والأخلاقية، ومحاولته توظيف الدوافع الإنسانية، خصوصاً الدافع الجنسي، في محاولة بيع السلع. وقد ظهر قطاع الإعلانات وتَطوَّر بظهور وتَطوُّر الاقتصاد الحديث، خصوصاً الرأسمالي. ويمكن القول بأن قطاع الإعلان كان سيظهر ويتطور سواء كان هناك يهود أم لا، تماماً كما ظهر وتَطوَّر في اليابان والهند وهي بلاد لا تُوجَد فيها أقليات يهودية تُذكر. ومع هذا، يمكن القول بأن وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذا القطاع بشكل ملحوظ لا يمكن تفسيره إلا على أساس انتمائهم إلى أقلية تشكل جماعة وظيفية، أي أن يهوديتهم تفسر تزايد عددهم داخل هذا القطاع الاقتصادي ولكنها لا تفسر وجود هذا القطاع وتطوره وآلياته. وهذا، على كلٍّ، هو النمط المهم في كثير من الظواهر في العالم الغربي ابتداءً من الرأسمالية والاستعمار وانتهاءً بالطلاق والإباحية والشذوذ الجنسي. تجارة الرقيق Slave Trade

стр. 1693

«تجارة الرقيق» هي تجارة تقوم بها عادةً جماعة وظيفية مالية. وتُحرِّم اليهودية على اليهودي استعباد اليهودي مدة تزيد على ستة أعوام، ولكنها لا تُحرِّم استعباد غير اليهود أو الاتجار فيهم. ويُقال إن العبرانيين القدامى كانوا عبيداً في مصر، وهو قول غير دقيق. فبرغم أن الاقتصاد المصري كان متقدماً، فإنه كان يعتمد أساساً على السخرة، مع عدم استبعاد أن تكون جماعة غريبة مثل العبرانيين قد تحوَّلت إلى عبيد وبخاصة بعد انحسار حكم الهكسوس: حُماتهم. ولم يكن العبرانيون، عند هجرتهم من مصر وتغلغلهم في كنعان وسكناهم فيها (في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد) ، على مستوى اقتصادي وحضاري متقدم، ولذا لم تكن لديهم حاجة إلى العبيد. ومن هنا حديث العهد القديم الدائم عن إبادة سكان القرى والمدن التي كان يجتاحها العبرانيون. ولم تكن المملكة العبرانية المتحدة، هي الأخرى، في حاجة إلى العبيد بسبب بساطة اقتصادها، فقد سدت حاجتها من العبيد عن طريق استعباد العبرانيين الذين فشلوا في أداء ديونهم. ولم يختلف الوضع كثيراً في المملكة الشمالية أو المملكة الجنوبية. ولا يُعرف عن العبرانيين أنهم اشتغلوا بتجارة الرقيق أو أنهم كانوا يستعبدون أعضاءً من الشعوب المجاورة. كما أنهم لم يتحولوا إلى عبيد. ولكن هناك إشارة إلى أن بعض فراعنة مصر كانوا يتبادلون مع المملكتين العبرانيتين الأحصنة المصرية بالمقاتلين اليهود، وأن هؤلاء العبيد هم الذين تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية قتالية في جزيرة إلفنتاين. وكان التهجير الآشوري والبابلي عملية نقل كتلة بشرية من مكان إلى آخر ولكنها لم تحوِّل المهجَّرين إلى عبيد، بل إن بعضهم أصبح من كبار المموِّلين. ولا تختلف الصورة في عصر الإمبراطوريات الفارسية واليونانية (السلوقية والبطلمية) ثم الرومانية.

стр. 1694

لكن الصورة تختلف في العصور الوسطى في أوربا. فنظراً لفقر أوربا الشديد، كان الرقيق أحد السلع القليلة التي يمكنها توريدها إلى الإمبراطورية البيزنطية والعالم الإسلامي حتى يمكنها استيراد البضائع منها. أي أن توريد العبيد كان نوعاً من أنواع تصحيح ميزان المدفوعات. ولذا، كانت تجارة الرقيق جزءاً أساسياً من التجارة الدولية. ولكن المصدر الأساسي للعبيد كان هو بلاد السلاف الوثنية المشتق اسمها من كلمة «سكلافوس scelavus» من لاتينية العصور الوسطى أي عبد (ومن هنا اسمهم العربي «الصقالبة» ) ، إذ كانت الدول المسيحية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسيحيين كما كانت الدولة الإسلامية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسلمين. وكانت قوافل اليهود تنتقل لأخذ العبيد من السلاف لنقلهم وبيعهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مهيئين أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع للاضطلاع بهذه الوظيفة، فقد كانوا جماعة وظيفية وسيطة يمكنها أن تعيش بين الفراغات وأن تدير مثل هذه التجارة المشينة التي لا يمكن أن يقوم أعضاء المجتمع بإدارتها. كما أن كونهم يهوداً قد زودهم بالحماية في حركتهم الدائبة بين العالمين المسيحي والإسلامي وكان بوسعهم أن يبيعوا عبيداً مسيحيين في العالم الإسلامي وعبيداً مسلمين في العالم المسيحي. ويذكر ابن خرداذبة أن العبيد كانوا من أهم السلع التي يحملها التجار الراذانية.

стр. 1695

وقد عملت أعداد كبيرة من التجار اليهود في تجارة الرقيق منذ العصور الوسطى حتى القرن الخامس عشر الميلادي، وهذا أمر طبيعي، فتجارة الرقيق كانت جزءاً من التجارة الدولية. وقد مُنح هؤلاء التجار المواثيق التي تحميهم وتحمي سلعهم. وكان من الممنوع تعميد العبد لأن هذا يعني فقدان التاجر اليهودي سلعته. وكان هذا مصدر احتكاك شديد بين التجار اليهود والكنيسة، بل بين هؤلاء التجار ومعظم طبقات العالم الغربي المسيحي في العصر الوسيط. وبعد الثورة التجارية، ظهرت تجارة الرقيق - المرتبطة بالنظام الاقتصادي التجاري الجديد - والتي تطلبت إمكانات مادية ضخمة من سفن إلى جنود وحاميات في المستعمرات تحتاج إليها عملية اصطياد العبيد من أفريقيا وتوريدهم إلى المستوطنات في العالم الجديد. وقد انضم بعض كبار المموِّلين اليهود إلى هذه التجارة ولعبوا دوراً نشطاً، فامتلك يهود المارانو (السفارد) العبيد، خصوصاً في مستعمرات الكاريبي، وقاموا بالاتجار فيهم. ومما يسر لهم عملهم هذا، شبكة الاتصالات اليهودية الضخمة في تلك الآونة، فقد كان للمارانو قواعد في البرتغال وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي العالم الجديد وفي هولندا ومستعمراتها، كما كانت لهم ركائز في الدولة العثمانية وغيرها من الدول.

стр. 1696

وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية من كبار تجار العبيد في المستعمرات الهولندية في الأمريكتين، فكانوا يعملون بهذه المهنة في البرازيل الهولندية (١٦٣٠ ـ ١٦٥٤) ، كما عمل بعضهم بها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الجديد. فاشتركوا في التجارة المثلثة أي شحن البضائع الأوربية، مثل الأسلحة والبارود والمشروبات الروحية (الجن) والحلي الرخيصة، إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يباعون في المزارع الأمريكية وفي جزر الكاريبي، ثم تعبئة هذه السفن بالمنتجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ والقهوة وغيرها من السلع لنقلها إلى أوربا. وكان يوجد مثلث آخر يبدأ في نيو إنجلاند في الولايات المتحدة حيث تُحمَّل السفن بشراب الروم وتتجه إلى أفريقيا حيث يباع الروم وتُحمَّل بالعبيد وتتجه لجزر الكاريبي لتُحمَّل بعسل قصب السكر الأسود الذي يُصنَّع منه الروم. وتظهر أسماء تجار يهود بين تجار العبيد في كوراساو، فيرد اسم مانويل ألفاريس كوريا باعتباره تاجر عبيد نشيطاً اشتغل بهذه المهنة عدة سنوات وعمل وسيطاً عام ١٦٩٩ بين شركة الهند الغربية الهولندية والشركة البرتغالية، وذلك لنقل العبيد من أفريقيا إلى المكسيك عبر كوراساو حيث كانت تتم مبادلة العبيد بالعسل الأسود الذي يُصدَّر إلى نيو إنجلند ليُستخرَج منه الروم لبيعه في أفريقيا. ومن أهم التجار في أمريكا الشمالية: ديفيد فرانكس وآرون لوبيز وجيكوب رودريجيز. وفي جامايكا، ترد أسماء ديفيد هنريك وهيمان ليفي وألكسندر ليندو الذين كانوا من كبار تجار العبيد هناك في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وكان أعضاء أسرة جراديس اليهودية المقيمة في بوردو نشطاء في تجارة العبيد بالمستعمرات الفرنسية في العالم الجديد مثل سانتو دومينجو. وكان هناك بعض اليهود من أصحاب المزراع الكبيرة في جزر الهند، وبالتالي فقد كانوا يمتلكون العبيد الذين تعتمد الزراعة عليهم هناك. ومن أهم

стр. 1697

التجارب الاستيطانية اليهودية تجربة سورينام حيث أسس أعضاء الجماعة اليهودية في بريزدنتس أيلاند ما يشبه الدويلة المستقلة التي كانت تعتمد على العبيد المستَجْلَبين من أفريقيا في الزراعة. ولم يكن موقف أعضاء الجماعة اليهودية في الجنوب الأمريكي (في الولايات المتحدة) يختلف عن موقف بقية الأمريكيين من مؤسسة الرقيق، فقد امتلك اليهود فيها العبيد. وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يمتلكون العبيد ٢٥%، وهي نسبة لا تختلف عن نسبة البيض حسب إحصاء ١٨٦٠. وكان هناك بين مُلاَّك المزارع القليل من أعضاء الجماعة اليهودية. أما معاملة يهود الجنوب الأمريكي للعبيد، فلم تختلف عن معاملة المسيحيين لهم. كما أن نسبة عدد العبيد، الذين كان يعتقهم أعضاء الجماعة اليهودية، لم تكن تختلف عن النسبة بين المسيحيين، غير أن أعضاء الجماعة اليهودية اشتغلوا بسائر الأعمال التنفيذية الخاصة بتيسير النظام العبودي. ويُلاحَظ أن العبيد والمُحرَّرين من العبيد السود كانوا يتعاملون بنسبة أعلى مع التجار اليهود، نظراً لأن هؤلاء كانوا يفتحون محالهم يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يتسوقوا فيه.

стр. 1698

وفيما يتعلق بمؤسسات تجارة الرقيق، فقد اشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية، شأنهم شأن كل سكان الجنوب، فعملوا بالمزايدات وتقديم الائتمانات وإنجاز الأعمال التجارية في سوق الرقيق. ويبدو أن نسبة المشتغلين بتسيير تجارة الرقيق منهم كانت أعلى من نسبة المشتغلين بها بين المسيحيين، نظراً لتَركُّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. ولم يقتصر اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية على المؤسسات الخاصة بإدارة تجارة الرقيق، بل تعاملوا في سلعته البشرية الأساسية، أي الرقيق. فكان لابد لمن يمتلك رقيقاً أن يتاجر فيه بيعاً وشراءً، لأن الرقيق كان سلعة ثمينة. ومع هذا، لم يكن يوجد يهودي واحد بين كبار التجار. والواقع أن رأس المال المُركَّز في أيدي ممولين يهود كان ضئيلاً بالنسبة إلى رأس مال العمالقة من المسيحيين البيض. ففي ريتشموند، كان هناك ثلاثة تجار يهود من بين سبعين تاجراً، وفي تشارلستون كان يوجد أربعة تجار يهود بين أربعة وأربعين، وفي ممفيس تاجر واحد بين اثنى عشر تاجراً. وبرغم الانخفاض المطلق في عددهم، فإن نسبة وجودهم في تجارة الرقيق كانت عالية للغاية، إذ كانوا يشكلون نحو ٨% من التجار في المتوسط. وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان، في الجنوب وفي الولايات المتحدة، ضئيلة للغاية لأن عصر الهجرة اليهودية من شرق أوربا، الذي أتى بالكثافة السكانية، لم يكن قد بدأ بعد. وعلى أية حال، لم تتجاوز نسبة اليهود في الولايات المتحدة في ذلك الوقت نصفاً في المائة.

стр. 1699

ولعل عدم وجود اليهود في هذا القطاع بنسبة كثيفة كان انعكاساً لوضعهم داخل الاقتصاد الأمريكي، فهم دائماً على مقربة من المستهلك، بعيدون عن الصناعة الثقيلة وعن المراحل الأولى من الإنتاج، وقد كان الرقيق جزءاً من المراحل الأولى للإنتاج الزراعي في الجنوب. ولم يكن هناك رفض يهودي لتجارة الرقيق، إذ كان جيكوب لفين رئيس الجماعة اليهودية في ساوث كارولينا وإسرائيل جونز رئيس الجماعة في موبيل (ألاباما) من تجار العبيد في عام ١٨٥٠. وقد استمر التجار اليهود مشاركين في تجارة الرقيق حتى نهاية الحرب الأهلية الأمريكية. وقد أبقى بعض اليهود البيض محظيات سوداوات وعاشروهن جنسياً، وهذا يعني وجود يهود سود. ولكن من الصعب تحديد عددهم، خصوصاً أن المؤسسات الدينية اليهودية كانت ترفض السماح للسود بالانتماء إليها. كما أن الأسياد اليهود لم يلقنوا عبيدهم الديانة اليهودية. ومع هذا، يدَّعي العبرانيون السود أنهم من نسل هؤلاء. وأثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، لم يكن لأعضاء الجماعة اليهودية موقف مستقل عن المناطق الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها، فتَبنَّى يهود الشمال موقفاً رافضاً لتجارة الرقيق، وتَبنَّى يهود الجنوب موقفاً مؤيداً لها، بينما تَبنَّى كثير من يهود الولايات الوسط المجاورة للولايات الجنوبية موقفاً محايداً. ومع هذا، لم يلعب أعضاء الجماعة اليهودية بشكلٍّ عام دوراً ملحوظاً في حركة تحرير العبيد أو التحريض ضدها، أو في حركة تهريب العبيد من الجنوب إلى الشمال.

стр. 1700

الباب الثالث: أقنان ويهود البلاط أقنان البلاط Servi Camerae Regis; Kammerknechtschaft; Serfs of the Royal Chamber «أقنان البلاط» أو «أقنان الخزانة الملكية» تعبير شاع في العصور الوسطى في الغرب، وهوترجمة العبارة اللاتينية «سرفي كاميراي ريجيس servi camerae regis» وتعني حرفياً «أقنان أو عبيد الغرفة أو الخزانة الملكية» . وقد ورد هذا التعبير بأشكال مختلفة، في نحو: «سرفي كاميراي نوستراي سب إمبريالي بروتكتيوني servi camerae nostrae sub imperiale protectione» وتعني «أقنان بلاطنا الموضوعين تحت الحماية الإمبراطورية» ، أو «سرفي كاميراي إمبراتوريس إسبسياليس servi camerae imperatoris speciales» وتعني «أقنان البلاط الإمبراطوري الخاصون» . وهي بالألمانية «كاميركنختشافت Kammerknechtschaft.» والعبارة تُستخدَم لوصف وضع اليهود داخل النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى كجماعة وظيفية وسيطة في الغرب، وبخاصة بعد حروب الفرنجة. وكان المصطلح يعني عدة أشياء قد تبدو متناقضة: ١ ـ أن اليهود عبيد الملك أو الإمبراطور أو النبلاء. وهو أمر اختلف باختلاف الفترة الزمنية أو الرقعة الجغرافية. ٢ ـ أنهم ملكية خاصة للملك وحده. ٣ ـ أنهم، لذلك، يتمتعون بحمايته. ٤ ـ ويتمتعون بمزايا خاصة. ٥ ـ وأن أية سلطة غير البلاط الملكي لا يمكنها أن تتعرض لهم. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يُعَدُّون غرباء. وحسب القانون (العرف) الألماني، فإن الغريب يتبع الملك ويُوضَع تحت حمايته ويُصبح من أقنانه. ومن هنا، كان لابد أن يستند وجودهم إلى مواثيق خاصة تمنحهم حقوقاً ومزايا معيَّنة نظير اضطلاعهم بوظائف محدَّدة. ومن ناحية الأساس، كانت هذه الوظائف هي التجارة والربا وجمع الضرائب.

стр. 1701

ويعود المفهوم (دون المصطلح) إلى أيام شارلمان ولويس التقيّ في القرن التاسع الميلادي حيث منحا اليهود المواثيق. ولكن المصطلح نفسه استُخدم لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في مرسوم الإمبراطور فريدريك الأول الصادر في عام ١١٥٧، والذي أكده في عام ١١٨٢. وقد صدر مرسوم ملكي فرنسي عام ١٢٣٠ جاءت فيه إشارة لليهود باعتبارهم من الرقيق بحيث إذا هرب يهودي من مقاطعة أحد البارونات لمقاطعة أخرى فإن من حق البارون أن يسترده «كما لو كان أحد أرقائه» (باللاتينية: تانكوام بروبريوم سيرفيوم tanquam proprium servium.) وقد استخدم فريدريك الثاني المصطلح نفسه عام ١٢٣٦ للإشارة إلى كل يهود ألمانيا. ويشير المؤرخون إلى أن أسطورة الشرعية (التي يستند إليها المفهوم) تذهب إلى أن الإمبراطورين الرومانيين فسبسيان وتيتوس قاما عند سقوط القدس باستعباد الشعب اليهودي بعد الهزيمة التي حاقت به عام ٧٠ ميلادية. فأثناء حصار تيتوس للقدس، حسبما جاء في الأسطورة، كان المؤرخ يوسيفوس فلافيوس يقوم بإطعام اليهود على نفقته. وقد مات ثُلثُهم جوعاً، وقُتل الثُلث الآخر أثناء الحرب، أما الثُلث الباقي فقد باعهم فلافيوس «للملك» (أي الإمبراطور) تيتوس. وقد زعم أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة (وريثة الإمبراطورية الرومانية) أنهم ورثوا هذا الحق وأن ضريبة اليهود (فيسكوس جودايكوس) هي أيضاً علامة على هذه التبعية.

стр. 1702

ويعني مفهوم أقنان البلاط أن أعضاء الجماعات اليهودية، من خلال تبعيتهم المباشرة للملك، يقعون خارج نطاق العلاقات الإقطاعية، وأنهم بذلك أصبحوا جزءاً من الطبقة الحاكمة أو على الأقل أداة في يدها. ولم يكن اليهود ملكية خاصة للملك أو لغيره بالمعنى المجازي، كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة، فقد كانوا ملكية خاصة بالمعنى الحرفي كالعبيد أو المماليك. وتعني كلمة «سرفوس servus» اللاتينية «الخادم» أو «العبد» أو «القن» . وقد عبَّر قانون إسبانيا الشمالية عن المفهوم حين نص على أن اليهود "عبيد الملك، وهم دائماً ملْك الخزينة الملكية". وفي قانون آخر، يُشار إلى اليهود بأنهم "رجال الملك، يرثهم من يرث العرش". ويستخدم ميثاق ثالث اصطلاحات مثل: «جودايوس هابيري judaeos habere» أي «حق امتلاك اليهود» أو «جودايوس تنيري judaeos tenere» أي «حق الاحتفاظ باليهود» بل وعبارة «جوديي نوستري judei nostri» أي «يهودُنا» . وقد ورد نص، في أحد القوانين الصادرة في إنجلترا في القرن الثاني عشر الميلادي، يوضح هذا المفهوم تماماً، جاء فيه ما يلي: «كل اليهود حيثما كانوا في المملكة هم موالي الملك وتحت وصايته وحمايته، ولا يستطيع أيٍّ منهم أن يضع نفسه تحت حماية أي شخص قوي دون رخصة بذلك من الملك؛ لأن اليهود أنفسهم وكل منقولاتهم ملْك للملك ( «تشاتيل chattel.» ) ولذلك، إن قام أي فرد باحتجازهم أو احتجاز أموالهم فإن من حق الملك، متى شاء واستطاع، أن يطالب بهم باعتبارهم حقاً خالصاً له» .

стр. 1703

وكان يتم شراء أعضاء الجماعات اليهودية وبيعهم ورهنهم وكأنهم أشياء ثمينة. وفي ألمانيا، أهدى أحد النبلاء عام ١٣٠٠ لأسقف مدينة مينز كل يهود فرانكفورت. وأحياناً، كان يتم إهداء يهودي واحد إلى صديق معوز، على نحو ما حدث حينما قام إدمون برجندي عام ١١٩٧ بمنح يهودي مع أسرته إلى رجل يدعى فيجيير. وفي عام ١٠٩٨، قدم الملك بدرو (ملك أراجون) نصف الضرائب التي جمعها يهود إحدى المدن التابعة له هديةً لإحدى الكنائس. وكان من الممكن أن يقوم مالك اليهود برهنهم، وقد منح هنري الثالث يهوداً لابنه إدوارد الذي قام برهن اليهود لدى أعدائهم المرابين الكوهارسيين. وحينما منح هنرى الثالث (عام ١٢٥٦) القلعة وما حولها من أرض إلى جي دي روكفور، استثنى من ذلك غابة كنجزوود ويهود المدينة. أما ثيوبولد الشامباني، فقد استثنَى من منحة قدَّمها إلى إحدى المدن الأشياء التالية: الكنائس والفرسان والموالي واليهود.

стр. 1704

ولأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا سلعة ثمينة، أمَر هنري الثالث ملك إنجلترا موظفي الحدود التابعين له بفتح الحدود أمام اليهود والترحيب بهم، ولكنه أمر في الوقت نفسه بحظر خروجهم منها. وفي عام ١٢٥٤، قابله وفد من اليهود وطلبوا إليه السماح لهم بمغادرة البلد، ولكنه رفض طلبهم وهددهم بأن من يُضبَط وهو يغادر البلد سيُعاقَب أشد العقاب. كما منعت بلدان وسط أوربا اليهود من مغادرتها حينما سمع هؤلاء بالمعاملة الجيدة التي يلقاها يهود الدولة العثمانية وعقدوا العزم على الرحيل. وفي عام ١٢٣٥، فرَّ يهودي من إنجلترا ومعه أسهمه التجارية، وحينما تم ضبطه قدمه هنري الثالث للمحاكمة بدعوى أنه «سرق ممتلكاتنا» ، أي اليهودي نفسه والأسهم. وإذا قُتل يهودي أو أُلحق به الأذى لا تُدفَع ديته أو التعويض عنه لأهله وإنما كانت تُدفَع للملك (شارلمان، مثلاً) باعتباره مالك اليهود. وفي إسبانيا المسيحية، كان من حق المحاكم اليهودية أن تصدر حكمها بالإعدام على أي يهودي، وأن تقوم بتنفيذ الحكم عليه ولكن بعد أن تدفع ثمنه للملك. وإن ألحقت إحدى المدن الأذى باليهود، كان عليها دفع غرامة للإمبراطور. وكان الملك يتدخل بكل قوته لحماية اليهود، فحينما فرض الأسقف فيليب في كولونيا غرامة على اليهود (عام ١١٨٨) ، عاقبه فريدريك الأول على فعلته هذه. كما تدخَّل فريدريك الأول بنفسه لحماية اليهود من الغضب الشعبي عليهم. وحينما جردت الحملة الثالثة من حروب الفرنجة، هدد فريدريك بقطع ذراع كل من يؤذي يهودياً وبإعدام كل من يقتل يهودياً لأنهم ملْكه الخاص. وكان بوسع من ليس لديه يهود أن يقتنيهم وأن يحصل على المواثيق الإمبراطورية التي تخول له ذلك. ففي عام ١٣٨٥، قامت مدن مقاطعة سوابيا بشراء اليهود المقيمين فيها من الإمبراطور حتى يتسنى للمدينة استغلالهم أو استثمارهم بنفسها.

стр. 1705

وفي عام ١٤٣٢، أعلن دوق ورتمبرج، كنوع من إغراء اليهود، أنه منحهم حقوقهم المدنية، ولكنه سحبها منهم بعد وصولهم. وكانت بعض المدن تشتري اليهود المقيمين فيها من الإمبراطور حتى يمكنها طردهم والتخلص من منافستهم. وكان من حق الملك أن يتصرف بشكل مطلق في أملاك اليهود، فكان أحياناً يهدى كل ممتلكاتهم إلى أحد أصدقائه دون أن يكلف نفسه عناء إخبارهم. وكان التصرف في ملكية اليهود الذين يموتون أو يُقتَلون أمراً سهلاً للغاية، ففي عام ١٣٤٩ أهدى الإمبراطور تشارلز الخامس أسقف تريير كل بضائع يهود الألزاس واللورين «ممن قُتلوا وممن سيُقتَلون» ، وقدَّم إلى آخر «أحسن ثلاثة بيوت يختارها عند وقوع المذبحة التالية ضد اليهود» . وكانت حماية الإمبراطور لليهود تمتد لتشمل حرية الحركة وإعفاءهم من كل القيود التي كانت تعوق التنقل والتجارة، كما كانت تشمل مزايا ضخمة تضعهم في مرتبة أعلى من كل طبقات المجتمع المسيحي في العصور الوسطى ربما باستثناء النبلاء، وكانت هناك حالات يتساوى فيها اليهود مع كبار النبلاء. وحتى لا يتوهم القارئ أن هذا وضع فريد أو شاذ ومقصور على اليهود، يجب أن نشير إلى أن هذه الظاهرة تتكرر في كثير من المجتمعات البشرية القديمة والحديثة. فالمماليك والخصيان كانوا ملكية خاصة إما للدولة أو للسلطان. وفي نظام الأقنان، كانت الأرض ومن عليها ملكية للإقطاعي وتؤول لورثته. بل إن ثمة وضعاً مماثلاً في الدولة الصهيونية، فالجندي الإسرائيلي الذي يحاول الانتحار ويفشل يُحاكم بتهمة إتلاف ممتلكات الدولة إذ أن الجندي يُعتبَر ملكية للدولة.

стр. 1706

وقد أدَّت الحماية والمزايا إلى تحويل اليهود إلى جماعة وظيفية مالية نشطة تساعد في تحويل الثروة الطبيعية للدولة إلى نقود. كما أصبحوا وسيلة لزيادة دخل الأفراد وريع الدولة، فاليهود، بوصفهم أقنان بلاط، كانوا خاضعين تماماً للملك أو لمن يمتلكهم، إذ كان يفرض عليهم ما يشاء من ضرائب. وفي العادة، كانت تُفرَض عليهم ضرائب أعلى من تلك التي كانت تُفرَض على التجار المسيحيين. وكان شارلمان يأخذ عُشر أرباح التجار اليهود في حين أنه لم يكن يحصل إلا على جزء واحد من بين كل أحد عشر جزءاً من أرباح التجار المسيحيين. وكان اليهود يشترون المواثيق والمزايا من الملك فتتحقق له الأرباح بهذه الطريقة. كما أن رأس مالهم ذاته كان ملْكاً للملك، وهو الذي كان يحدد سعر فائدة القرض. وكان الملك يصرح لهم أحياناً بفائدة أعلى مما هو مصرح به للمرابي المسيحي، وذلك لأن ثروة اليهود كانت دائماً تصب، في نهاية الأمر، في الخزانة الملكية. وبعبارة أخرى، كان اليهود مجرد أداة في يد الحاكم يمكنه عن طريقها استغلال سائر طبقات المجتمع. فكان اليهودي يمتص الثروات والأموال من المجتمع، ثم يقوم الملك بعد ذلك باعتصاره عن طريق الضرائب الباهظة وبيع المواثيق والمزايا له. ومن هنا تشبيه أعضاء الجماعات اليهودية بـ «الإسفنجة» التي تمتص الماء ثم تفقده بالضغط عليها. واليهودي، بهذا المعنى، مملوك تستخدمه السلطة لقمع الجماهير. وأداة الاستغلال التي يستخدمها المملوك، كفرد في جماعة وظيفية قتالية، هي سيفه. أما أداة الاستغلال التي يستخدمها اليهودي، فهي رأس المال الربوي. وإذا كان المملوك المقاتل يُريق دم أعدائه بسيفه حتى تستمر السلطة في الاستيلاء على الثروات والأموال، فإن اليهودي يمتص المال والثروات مباشرةً من رأس المال، ومن هنا تأتي إشارتنا لليهود بمصطلح «المماليك التجارية» .

стр. 1707

وقد أدَّى وضع اليهود بوصفهم أقنان بلاط، أي أداة في يد الطبقة الحاكمة، إلى عزلتهم عن بقية طبقات المجتمع، إذ كانوا في حالة صراع مع قطاعات من طبقة النبلاء والبارونات بسبب علاقتهم الفريدة بالملك، وبسبب الفائدة التي تعود عليه منهم. وكان الحرَفيِّون أيضاً يناصبون اليهود العداء، إذ كانت لهم نقاباتهم الخاصة التي تقوم بتجنيد الأعضاء الجدد ونقل أسرار المهنة من جيل إلى جيل، وكان العنصر اليهودي يشكل تحدياً لهذا الاحتكار. كما كان الفلاحون وأعضاء الطبقات الأخرى يسقطون ضحية المرابي اليهودي الذي يبسط الملك حمايته عليه. لكن سكان المدن كانوا أكثر الطبقات عداءً لليهود. فالمدن، نواة الاقتصاد والتجارة في المجتمعات الإقطاعية، كانت تحاول قدر طاقتها أن تنهض وتطور قوتها الذاتية عن طريق احتكار التجارة وتنظيمها من خلال البلدية. وكانت التجارة اليهودية التي لا تقع داخل شبكة نفوذها تتحدى هذا الحصار. كما أن هذه التجارة، باعتبارها خاضعة للملك وحده، كانت تهدد عملية التراكم الرأسمالي. وعلاوة على ذلك، كانت لليهود اتصالاتهم الدولية التي لم يكن للتجار المحليين مثلها في بداية الأمر. وكما بيَّنا، خضع اليهود لنظام ضريبي مختلف، فكانوا في بعض الأحيان لا يدفعون ضرائب المرور التي شكلت عقبة أساسية أمام التجارة في العصور الوسطى الإقطاعية. بل كثيراً ما كان الملك يستخدم العناصر البورجوازية اليهودية المُستَجْلَبة من خارج المجتمع أو التي على علاقة خاصة لضرب العناصر البورجوازية المسيحية.

стр. 1708

وتمكن رؤية ظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى في إطار وضع اليهود كأقنان بلاط، وذلك باعتبارها ضرباً من ضروب الثورة الشعبية ضد الاستغلال. فالجماهير لم تكن تفهم آليات الاستغلال الاقتصادي وطابعها المركب ومستوياتها المباشرة وغير المباشرة، لأنها لم تكن تدرك سوى أداة الاستغلال الملموسة والموجودة أمامها، وكانت هذه الأداة هي اليهود: أقنان البلاط الذين يستخدمهم الملك ويقوم بحمايتهم. ولذلك، كانت الثورة ضد اليهود تندلع في حالة ضعف السلطة أو تَزايُد الاستغلال على معدله المحتمل أو عند غياب الملك في إحدى حملات الفرنجة. وقد نجم عن وضع اليهود كأقنان بلاط ارتباطهم الشديد بالسلطة، وهو ارتباط استمر حتى يومنا هذا. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، ظهرت جماعة وظيفية وسيطة أخرى هي يهود البلاط الذين قاموا بخدمة الملكيات المطلقة في وسط أوربا وشرقها في الأمور المالية والتجارية والدبلوماسية، كما قاموا بتوفير الاعتمادات اللازمة لتمويل الحروب التي لم تكن تنتهي بين الأمراء والملوك. وفي بولندا، التي كانت تضم أكبر تَجمُّع يهودي، والتي جاءت منها الأغلبية الساحقة من يهود العالم، لعب اليهود شكلاً آخر من أشكال الوساطة من خلال نظام الأرندا، فكانوا الوكلاء الماليين للنبلاء البولنديين، حيث كان النبيل يقيم في وارسو ويرسل وكيله اليهودي مع القوات البولندية ليقوم باعتصار الفلاحين الأوكرانيين. وقد جاءت معظم القيادات الصهيونية البولندية من داخل هذا التشكيل الحضاري الذي يلعب فيه أعضاء الجماعة دور أداة الاستغلال المباشرة والمنبوذة التي تمثل الحاكم وتعتمد عليه.

стр. 1709

ومن أهم الآثار الأخرى لوضع اليهود كأقنان بلاط أن اليهودي تمت حوسلته فتحوَّل إلى أداة ووسيلة وليس غاية. ومع ظهور الفلسفة النفعية في الغرب، تعمَّق هذا الاتجاه ونُوقشت مسألة إعتاق اليهود في إطار مدى نفعهم. ويبدو أن أهم آثار وضع اليهود كأقنان بلاط أنهم ظلوا خارج إطار التشكيلات السياسية البورجوازية القومية، فكانوا يُطرَدون حين تختفي الحاجة إليهم. وفي بولندا، لم يكن اليهود خارج التشكيل السياسي والاقتصادي وحسب وإنما كانوا خارج التشكيل الحضاري ذاته، وذلك لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية، كما أن المسيحية الكاثوليكية هي أحد الأبعاد الأساسية للهوية البولندية مقابل الهوية الروسية الأرثوذكسية. ولذا، حينما ظهرت الحركة القومية البولندية، استُبعد اليهود منها، بالإضافة إلى أنهم ظلوا هم أنفسهم بمنأى عنها ينظرون إليها من الخارج، ولذلك لم يمكن دمجهم داخل هذا الإطار. بل إن العناصر البولندية لم تكن تثق كثيراً في العناصر اليهودية أثناء حركة المقاومة ضد النازي بسبب تراثها الطويل في الاقتراب من السلطة والقوى الحاكمة وبسبب عزلتها عن القوى الشعبية. وإذا قبلنا مقولة أن اليهود، بوصفهم أقنان بلاط، كانوا يشكلون في واقع الأمر ما يشبه المماليك التجارية، لأمكننا فهم ثورة شميلنكي في أوكرانيا ضدهم، فقد كانت ثورة تجتث الجماعات اليهودية الواحدة تلو الأخرى (باعتبارها جماعات غريبة أو أدوات استغلال طفيلية دخيلة تماماً) كما اجتث محمد علي المماليك في مذبحة القلعة ليبدأ عملية التحديث. ونحن نعقد هذه المقارنة بين شملينكي ومحمد علي من جهة، وبين اليهود والمماليك من جهة أخرى، لا لتسويغ عملية الذبح كوسيلة للتغيير ولكن لمحاولة فهم طبيعة وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي.

стр. 1710

ولا نجد تفسيراً لظهور مفهوم أقنان البلاط في الحضارة الغربية إلا أن المجتمع الغربي الوسيط كان مجتمعاً عضوياً متماسكاً بمعنى الكلمة، على الرغم من لا مركزية الإقطاع الغربي، فضلاً عن تداخل السلطة الدنيوية والسلطة الدينية فيه على عكس ما يُقال، واستناد الشرعية إلى الدين المسيحي، ومن هنا كان قسم الولاء المسيحي أساساً للانتماء إلى النظام الإقطاعي سواء أكان الشخص نبيلاً محارباً أم حرَفيِّاً أو تاجراً أو فلاحاً. وكانت الجماعات القروية المنغلقة تدور حول طقوس الكنيسة ويرأسها النبيل والقس، وكلاهما ضمن الدائرة المسيحية. لكل هذا، كان لابد من البحث لليهود عن مسوِّغ للوجود خارج هذا الإطار، وأن يكون المسوِّغ غير مسيحي، حيث كانت ملكية الملوك (ورثة الإمبراطورية الرومانية الوثنية) لهم تُبقي اليهود خارج الانتماء المسيحي. ويبدو أن الحركة الصهيونية هي نتاج هذا التراث الغربي القديم، فالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ترى اليهود فائضاً بشرياً هامشياً في أوربا يمكن تحويله إلى عنصر نافع منتج وتوظيفه لصالحها خارج حدودها. كما أن تحويلهم إلى مستوطنين يقومون على خدمة الاستعمار والقتال دفاعاً عن مصالحه يُعتبَر جزءاً من هذا النفع. ولكن هذا الاستيطان لا يعني سوى تحول الجماعة الوظيفية المالية إلى جماعة وظيفية قتالية، أي أن أقنان البلاط الملكي الذين كانوا يضطلعون بوظيفة مالية قد تحوَّلوا إلى أقنان البلاط الإمبريالي الذين يضطلعون بوظيفة قتالية. يهود البلاط Court Jews; Hofjuden

стр. 1711

«يهود البلاط» هم وكلاء الحكام ومستشاروهم في الأمور التجارية والمالية في العالم الغربي، وهم من أهم الجماعات الوظيفية الوسيطة في عصر الملكيات المطلقة في أوربا، خصوصاً في وسطها في القرن السابع عشر. وقد ظهرت حاجة الأمراء الألمان إلى يهود البلاط لملء الفراغ الذي خلقه تَفتُّت الطبقة الوسطى الألمانية (التي كانت قد وصلت إلى قدر عال من القوة قبل ذلك، ولكنها تفتَّتت إلى بورجوازيات صغيرة تقطن في مدن صغيرة) . وزادت العوائق الإقطاعية وتآكل جهاز الدولة الألمانية ذاته من هذه الحاجة. ومع قيام الإمارات الألمانية، حاول كل أمير على حدة أن يطور إمارته. ولكن الطبقات والنقابات الإقطاعية التقليدية كانت تقف حجر عثرة أمام سعي الأمير إلى فرض هيمنته وهيمنة الدولة على كل رعاياه وكل نواحي حياتهم (وهذا هو هدف الدولة القومية الحديثة) .كما كان الأمير يحتاج إلى رأس مال لتنمية دولته أو إمارته وتنظيم إدارتها، أي أنه كان في حاجة إلى أدوات إنتاج وإدارة. وقد ظهر يهود البلاط ليملأوا هذه الفجوة وليصبحوا أداة إنتاج وأداة إدارة. وكان يهود البلاط مُرَشَّحين لهذا، أكثر من أية مادة بشرية أخرى، لعدة أسباب: ١ ـ كان يهود البلاط يمتلكون رأس المال اللازم لعملية التنمية، كما كانوا جزءاً من شبكة مالية ضخمة تُسهِّل لهم عملية اقتراض الأموال المطلوبة. ٢ ـ كان لدى يهود البلاط الخبرة الإدارية اللازمة لإدارة الإمارات الجديدة. ٣ ـ لم يكن يهود البلاط يتمتعون بأية حقوق، سواء حقوق مواطني المدينة أو حقوق أعضاء نقابات الحرَفييِّن أو الطبقات والفئات الإقطاعية. ٤ ـ لم يكن هناك مؤسسة، مثل الكنيسة، تحميهم وتضعهم تحت رعايتها. ٥ ـ كان يهودي البلاط يعيش في عالمين، هو في كليهما غريب، فهو يهودي في المجتمع المسيحي، ولكنه في الوقت نفسه غريب عن جماعته اليهودية إلى حدٍّ ما، فهو في غربة مزدوجة وليست له أية قاعدة جماهيرية أو أساس للقوة.

стр. 1712

٦ ـ لم يكن من الممكن أن يرث أبناء يهودي البلاط مكانته كما هو الحال مع الأرستقراطية، بل لم يكن بمقدورهم أحياناً أن يرثوا ثروته، إذ كان الأمير يقوم بمصادرتها. وهذا يعني أن يهودي البلاط لم يكن بمقدوره مراكمة القوة. ٧ ـ كانت كل حقوق يهودي البلاط منحة من الأمير يخلعها عليه حين يشاء ويحجبها عنه حين يقرر ذلك. لكل ما تقدَّم كان يهود البلاط رجالاً هامشيين لا حقوق لهم ولا أساس من القوة ولا أمل لهم في الحصول عليها. وهم في هذا يشبهون الخصيان، وكما وصفهم أحد الكُتَّاب فهم خصيان غير مخصيين. ومن ثم فهم لا يهدِّدون الأمير من ناحية، كما أنهم يشكلون أداته الإنتاجية والإدارية ذات الكفاءة المطلوبة من ناحية أخرى. وقد كان أول ظهور ليهود البلاط في إسبانيا عام ١٤٩٢. كما يمكن القول بأن بعض كبار التجار اليهود السفارد في هولندا، ممن كانوا يعملون وكلاء لبعض الدول، هم أيضاً من يهود البلاط. وكذلك بعض كبار المموِّلين اليهود في بولندا من يهود الأرندا (مثل موسى ماركوفيتش الذي كانت له معاملات واسعة مع البلاط والوزراء والنبلاء في أوائل القرن السابع عشر) . ولكن المصطلح، بالمعنى الدقيق، يُستخدَم في التاريخ الاقتصادي لأوربا للإشارة إلى وكلاء الحاكم في عدد من إمارات وسط وشرق أوربا في الفترة من بداية القرن السابع عشر حتى بداية القرن التاسع عشر. وقد استفاد يهود البلاط أيما استفادة من حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ ـ ١٦٤٨) وظل نفوذهم في التصاعد ووصل إلى قمته مع توقيع معاهدة أوترخت (١٧١٣) ، وكان مركز نشاطهم ألمانيا والنمسا وهولندا، ولكنه امتد إلى إسبانيا والبرتغال والدنمارك وبولندا. وكان يهود البلاط يعيشون أحياناً خارج الدول التي يخدمونها، ويعمل الواحد منهم وكيلاً لعدة أمراء أو دويلات في آن واحد.

стр. 1713

وقد ساعد يهود البلاط الملك أو الأمير الذي يقومون على خدمته في التخلص من قبضة الأمراء الحديدية وفي بسط نفوذه على أرجاء مملكته من خلال قوته الاقتصادية. وليس من قبيل الصدفة أن هذا النمط انتشر بعد عصر النهضة مباشرة، وهو العصر الذي بدأ فيه الانتقال (في أوربا) من النمط الإقطاعي في الإنتاج والإدارة وتنظيم المجتمع إلى النمط الرأسمالي الحديث. وقد كان يهود البلاط ينظِّمون الشئون المالية للملك ويشرفون على دار سك النقود، ويقومون بجمع الضرائب له، ويشرفون على الاستيراد والتصدير ويشيِّدون المصانع التي تحتاج الدولة إليها، ومن أهمها الصناعات الحربية مثل صناعة سبك المعادن والبارود. كما قاموا بإدخال منتجات زراعية وصناعية جديدة في البلاد التي كانوا يقومون على خدمتها بهدف زيادة موارد الدولة وتحويل ريعها الطبيعي إلى نقود. وعلاوة على ذلك، كان يهود البلاط يزودون الحاكم بالسلع التَرفيِّة التي يحتاج إليها فيشترونها له من أسواق فرنسا أو إيطاليا أو هولندا أو الدولة العثمانية. كما كانوا يسدون احتياجاته المالية عن طريق بنوك أوربا حتى يتمكن الأمير من الإنفاق بسخاء على مظاهر التَرف اللازمة للأبهة. وكان يهود البلاط يعقدون الصفقات التجارية نيابة عن الحاكم، ويتولون البعثات التجارية والدبلوماسية، ويعدون له الميزانية، ويمدون الجيوش المتحاربة بالمؤن التي كانوا يحصلون عليها من بولندا وبوهيميا ومورافيا وأوكرانيا، ويدبرون له السلاح والذخيرة التي يحتاج إليها. ومعنى ذلك أن يهودي البلاط كان يضطلع بوظائف وزراء الخارجية والمالية والحرب، وأحياناً رئيس المخابرات، في وقت لم يكن يعرف التقسيم الدقيق للعمل.

стр. 1714

وقد لعب يهود البلاط دوراً مهماً للغاية في اقتصاديات الإمارات والدويلات التي كانوا يقومون على خدمتها، خصوصاً أثناء حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ ـ ١٦٤٨) . وذلك بسبب الشبكة التجارية اليهودية الممتدة في أرجاء العالم الغربي والعالم الإسلامي في ذلك الوقت. ففي القرن السابع عشر الميلادي، كان هناك نظام يهود الأرندا في بولندا، التي كانت تُعَدُّ أكبر مصدر للمنتجات الزراعية آنذاك وكان يهود الأرندا يقومون بتصديرها. كما ظهرت في الوقت نفسه الجماعة اليهودية السفاردية القوية في هولندا وغيرها من الدول الأوربية المهمة والتي كانت تربطها صلات قوية باليهود السفارد في الدولة العثمانية. ومما وسع من نطاق هذه الشبكة أنها ضمت العديد من يهود المارانو الذين كانوا يتحركون بسهولة باعتبارهم من المسيحيين، كما أن عدداً منهم كان مسيحياً فعلاً من أسر يهودية تربطهم صلة قربى وعمل بعائلاتهم اليهودية. وكانت هذه الشبكة السفاردية الإشكنازية متعددة الجنسيات عابرة القارات ظاهرة فريدة من نوعها داخل أوربا آنذاك، فكانت تمتد من شرقها إلى غربها ومن وسطها إلى سواحلها على الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

стр. 1715

وتشكل حرب الثلاثين عاماً نقطة مهمة وحاسمة في تطور الجماعات اليهودية في أوربا وازدهارها الاقتصادي، إذ أن كثيراً من يهود البلاط راكموا الثروات أثناء هذه الحرب التي عصفت بأوربا، فقد كانت الجيوش المتحاربة تحتاج إلى المؤن والمال في غضون فترة وجيزة، وذلك في عالم لم تكن فيه وسائل الاتصال على درجة كبيرة من الكفاءة والسرعة. ومن هنا لعبت الجماعات اليهودية دوراً حاسماً في خدمة كل الجيوش المتحاربة، وفي تزويدها بالقمح والماشية والأخشاب والعلف وغيرها من المؤن. وكان يهود الأرندا في بولندا يمدون يهود البلاط بالمنتجات الزراعية التي تحتاج إليها الجيوش المتحاربة، فيقوم يهود البلاط بتوزيعها وترتيب الاعتمادات المالية اللازمة من خلال أثرياء الجماعة اليهودية في هولندا وغيرها من الجماعات. وكان بمقدورهم الحصول على السلع التَرفيِّة من يهود الشام والدولة العثمانية. كما كان يهود البلاط على استعداد دائم لشراء غنائم الجنود ـ بغض النظر عن انتمائهم ـ بأسعار مخفضة. كما أن هناك صغار التجار اليهود الذين كانوا يسيرون خلف القوات المتحاربة للمتاجرة مع الجنود.

стр. 1716

وكانت كل الجيوش المتحاربة تحتاج إلى خدمات أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا لم يمسهم أي من الأطراف المتنازعة بأذى، بل كانت القوى المنتصرة تمنحهم منازل المهزومين أحياناً. ويقول المؤرخ البريطاني اليهودي إسرائيل ولفسون: «إنها حقيقة تاريخية أن يهود أوربا آنذاك استفادوا بالحرب من كل من الطرفين المتنازعين، فبينما كان يتم تمزيق ألمانيا وتدميرها كانوا هم يستفيدون ويراكمون الثروات» . ويُلاحَظ أن هذه الحقيقة صارت جزءاً من الدعاية النازية ضد اليهود، فهم أغنياء حرب ومستفيدون منها. لكن العنصرية النازية لا تكمن في تقرير الواقعة في حد ذاتها وإنما في نزعها من سياقها التاريخي، فقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية لا بسبب طبيعتهم الإنسانية الخاصة وإنما بسبب طبيعة وضعهم بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تلعب دوراً أساسياً ومطلوباً داخل المجتمع. وقد استفادت الجيوش المتحاربة من اليهود بأشكال أخرى، إذ كانت تحوِّل أعضاء الجماعة إلى جواسيس وتستفيد من الشبكة التجارية في توصيل المعلومات. كما كان بوسع شبكة يهود البلاط الممتدة عبر أوربا إلى الشام والتي تملك قاعدة من صغار المموِّلين وكبار وصغار التجار الذين تربطهم علاقة وثيقة بالآلاف من صغار الباعة الجائلين الموجودين في عشرات الجيتوات، أن تدبر أية كمية من المعادن النفيسة التي يحتاجها أحد الجيوش.

стр. 1717

ولكن العلاقة بين يهود البلاط والأمراء كانت علاقة نفعية تماماً، فهم يستفيدون من علاقتهم بالحاكم ليحققوا الثروات ويحصلوا على المزايا. وهو بدوره يبقي عليهم بمقدار ما يستفيد من وجودهم باعتبارهم مصدراً لا ينضب للثروة، يعتصر كميات كبيرة من أموالهم عن طريق الضرائب التي يفرضها عليهم ومن خلال الهدايا التي كان يحصل عليها منهم في مناسبة تتويجه وفي غير ذلك من المناسبات. كما أنهم كانوا يشترون منه حقوقهم وامتيازاتهم نظير أموال طائلة. وإلى جانب هذا، كانوا يؤدون العديد من الخدمات للبلاط، أي أنهم كانوا أداة للتاج لا تربطهم به رابطة وثيقة تتجاوز المستوى الاقتصادي النفعي. وكان كل يهودي بلاط يملأ فجوة وظيفية محدَّدة، ويرتبط وجوده وكذلك مكانته بها، فإن انتفى وجود الفجوة انتفى وجوده. لكل هذا، كان الملك يتخلى عن يهود البلاط ويتخلص منهم عندما يشغل عنصر اقتصادي آخر وظيفتهم، كأن تنشأ طبقة بورجوازية محلية، أو يتسع نطاق رغباته بحيث لا يستطيع المموِّلون اليهود أن يفوا بحاجاته. وكان من السهل على الملوك التخلص من يهود البلاط، بل ومن كل الجماعات اليهودية، لأنهم لم يكونوا أصحاب رؤوس أموال ضخمة وإنما كانوا أساساً، وبالدرجة الأولى، عنصراً اقتصادياً إدارياً كفئاً تتبعهم شبكة اقتصادية ضخمة. ولذا، لم يكن أعضاء الجماعة يشكلون طبقة تستغل الآخرين لحسابها ذات نفوذ وكيان مستقلين وإنما كانوا أداة استغلال تابعة وعميلة ومرتبطة بإحدى الطبقات أو القطاعات الحاكمة. كما أنهم كانوا مكروهين من الجماهير باعتبارهم أداة الاستغلال المباشرة، ومن البورجوازية المحلية لأنهم يشكلون غريماً لها، ومن النبلاء وكثير من أعضاء النخبة الحاكمة لأنهم أداة في يد الملك يستخدمها لتدعيم نفوذه على حسابهم. ولم يكن لأعضاء الجماعات اليهودية أية علاقة حميمة بأيٍّ من فئات المجتمع. وكثيراً ما كانت أموال يهودي البلاط تُصادَر بعد موته، كما كان الأمير أو

стр. 1718

الملك يرفض دفع الديون التي عليه. أما الذي لم يفقد ثروته بهذه الطريقة، فقد أدَّت التحوُّلات الاقتصادية (مثل اتساع نطاق الرأسمالية الغربية أو تزايد ضخامة مشروعاتها أو ظهور بورجوازيات محلية قوية) إلى تهميشه أو إفلاسه، حيث لم يكن بمقدوره الصمود في حلبة المنافسة، وخصوصاً أن استثمارات يهود البلاط كانت دائماً مرتبطة بالدولة ولم تصبح قط مشروعاً خاصاً بمعنى الكلمة. لكل هذا، لم يلعب يهود البلاط أو أثرياء اليهود على وجه العموم دوراً حاسماً في نشوء الرأسمالية الغربية الرشيدة. ومع هذا، لابد أن نقرر أن يهود البلاط بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة كانوا أقل هامشية من أقنان البلاط والتجار والمرابين اليهود، إذ تحركوا نحو المركز قليلاً من الناحية الوظيفية والاقتصادية والحضارية. فكان يهود البلاط يندمجون حضارياً في المجتمع الذي يعيشون فيه فيرتدون رداءً أوربياً ويسلكون سلوكاً أوربياً ويعيشون خارج الجيتو ويتمتعون بحرية الحركة ولا يدفعون أية ضرائب، ويتمتعون بكثير من الحقوق المدنية التي لا يتمتع بها بقية أعضاء الجماعة اليهودية، مثل حق شراء الأرض الزراعية، أو حق ركوب عربات تجرها أربعة أو ستة أحصنة، وهو حق كان مقصوراً أيضاً على النبلاء. كما كانوا يُمنحون ألقاباً لا تُمنَح إلا للنبلاء. وكانت مصالحهم الاقتصادية مرتبطة تماماً بمصالح الملك أو الحاكم أو الدولة، وكثيراً ما كانت تتعارض مع مصالح الجماعات اليهودية الأخرى، بل كان بعضهم يقف ضد هجرة اليهود إلى بلادهم ويؤلبون الملك ضد المهاجرين الجدد. وقد كان يهود البلاط واعين تماماً بالتحولات الثقافية والمالية العميقة في المجتمع الأوربي، ولذا كانوا من أوائل العناصر التي رحبت بحركة التنوير اليهودية وشجعوا دعاتها. ويُلاحَظ أن كثيراً من أبناء يهود البلاط قد تَنصَّروا، ربما بسبب الجو الثقافي الاندماجي الذي نشأوا فيه.

стр. 1719

ومع هذا، كان ليهود البلاط موقف القيادة والزعامة بين يهود البلد الذي يعيشون فيه، ولكنها كانت قيادة مفروضة من الخارج، من عالم الأغيار، وتستمد شرعيتها من نجاحها فيه، وكانت قيادتهم مطلقة حتى أن أحد يهود البلاط أصر على أن تكون كل المناصب القيادية في إحدى الجماعات اليهودية مقصورة على أفراد أسرته، وهو أمر لم يكن شاذاً في عصر الملكيات المطلقة. وقد وصف أحدهم روتشيلد بأنه «ملك اليهود، ويهودي الملك» وهو وصف دقيق لوضع يهود البلاط وعلاقتهم بكلٍّ من النخبة الحاكمة غير اليهودية وأعضاء الجماعة اليهودية. وكان يهود البلاط يحتفظون ببعض العادات اليهودية، مثل اللحية، لأن وجودهم الاقتصادي كان يتوقف على شبكة الاتصالات اليهودية. وكانوا يحاولون أحياناً الحصول لليهود على حقوقهم ويشفعون لهم عند الحاكم كوسطاء (شتدلان) . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يتمتعون بقدر أكبر من الحماية والأمن من عامة الناس بسبب العلاقة المباشرة بين الحاكم ويهودي البلاط الذي يوفر لهم هذه الحماية. وقد لعب يهود البلاط دور الوسيط (الفعلي والفكري) بين حضارة الأغيار واليهود، وبذلك مهدوا لظهور حركة التنوير بين اليهود. كما أنهم كانوا دليلاً حياً على أن في وسع اليهودي أن يحقق النجاح خارج الجيتو. وقد أصبحت وظيفة يهود البلاط وراثية وتحولوا إلى أسر مالية أرستقراطية تتصارع فيما بينها على النفوذ والسلطة وأصبحوا طائفة مغلقة يتزاوج أفرادها فيما بينهم ويستبعدون اليهود العاديين. ويمكن القول بأن صورة يهودي البلاط كعبقري ساحر، وكصاحب نفوذ يُقرض الملوك والأمراء، قد تجذرت في الوجدان اليهودي في الغرب.

стр. 1720

وقد انتهى دور يهود البلاط بسبب تعاظم نفوذ الدولة المطلقة في أوربا وبسبب نجاحها التدريجي في تشديد قبضتها على مواطنيها من خلال مؤسسات رشيدة تضطلع بوظائف يهود البلاط. بالإضافة إلى ظهور بورجوازيات محلية قوية تمتلك من رؤوس الأموال والخبرات الإدارية ما يفوق مثيله لدى يهود البلاط. وأخيراً كان تقسيم بولندا ضربة للشبكة التجارية التي اعتمد عليها يهود البلاط. ثم جاءت الثورة الفرنسية بجيوشها وتقسيمها أوربا إلى معسكرين متنازعين بمثابة الضربة القاصمة. ومن أشهر أسر يهود البلاط، أسرة ليفي وأوبنهايمر وجومبيريز، حيث حققوا ثروات كبيرة أثناء الحرب. ويُلاحَظ أنه مع نهاية القرن الثامن عشر بدأ كثير من أبناء هذه العائلات يتحولون من يهود بلاط إلى أعضاء في الرأسمالية الرشيدة ويتنصَّرون بأعداد كبيرة، أي يندمجون تماماً في الحضارة الغربية. ومن الأمور التي قد تكون ذات دلالة رمزية أن آخر يهود البلاط كان سولومون روتشيلد، من عائلة روتشيلد الشهيرة التي مولت النشاط الصهيوني في بدايته وتحالفت مع الإمبريالية لإنشاء الدولة الصهيونية. وسولومون هذا هو الذي ساعد ميترنيخ زعيم الرجعية الأوربية في القرن التاسع عشر على الاختفاء بعد سقوط النظم الرجعية تحت ضغط الحركات الشعبية والثورية. ونحن نرى أن الدولة الإمبريالية حينما تنشئ علاقة قوية يُقال لها إستراتيجية مع الدولة الصهيونية، فإنها في واقع الأمر علاقة نفعية تُوظِّف الدولة الراعية من خلالها العميل الصهيوني لصالحها، ولذا يمكننا أن نقول إنها تشبه في كثير من الوجوه علاقة الأمراء الألمان بيهود البلاط، وإن الدولة الصهيونية هي في واقع الأمر دولة وظيفية، دولة يهود البلاط الإمبريالي، إن جاز التعبير. حسداي بن شفروط (٩١٥-١٠٥٥) Hisdai Ibn Shaprut
следующие страницы →