Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وكانت كل الجيوش المتحاربة تحتاج إلى خدمات أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا لم يمسهم أي من الأطراف المتنازعة بأذى، بل كانت القوى المنتصرة تمنحهم منازل المهزومين أحياناً. ويقول المؤرخ البريطاني اليهودي إسرائيل ولفسون: «إنها حقيقة تاريخية أن يهود أوربا آنذاك استفادوا بالحرب من كل من الطرفين المتنازعين، فبينما كان يتم تمزيق ألمانيا وتدميرها كانوا هم يستفيدون ويراكمون الثروات» . ويُلاحَظ أن هذه الحقيقة صارت جزءاً من الدعاية النازية ضد اليهود، فهم أغنياء حرب ومستفيدون منها. لكن العنصرية النازية لا تكمن في تقرير الواقعة في حد ذاتها وإنما في نزعها من سياقها التاريخي، فقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية لا بسبب طبيعتهم الإنسانية الخاصة وإنما بسبب طبيعة وضعهم بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تلعب دوراً أساسياً ومطلوباً داخل المجتمع. وقد استفادت الجيوش المتحاربة من اليهود بأشكال أخرى، إذ كانت تحوِّل أعضاء الجماعة إلى جواسيس وتستفيد من الشبكة التجارية في توصيل المعلومات. كما كان بوسع شبكة يهود البلاط الممتدة عبر أوربا إلى الشام والتي تملك قاعدة من صغار المموِّلين وكبار وصغار التجار الذين تربطهم علاقة وثيقة بالآلاف من صغار الباعة الجائلين الموجودين في عشرات الجيتوات، أن تدبر أية كمية من المعادن النفيسة التي يحتاجها أحد الجيوش.
стр. 1717
ولكن العلاقة بين يهود البلاط والأمراء كانت علاقة نفعية تماماً، فهم يستفيدون من علاقتهم بالحاكم ليحققوا الثروات ويحصلوا على المزايا. وهو بدوره يبقي عليهم بمقدار ما يستفيد من وجودهم باعتبارهم مصدراً لا ينضب للثروة، يعتصر كميات كبيرة من أموالهم عن طريق الضرائب التي يفرضها عليهم ومن خلال الهدايا التي كان يحصل عليها منهم في مناسبة تتويجه وفي غير ذلك من المناسبات. كما أنهم كانوا يشترون منه حقوقهم وامتيازاتهم نظير أموال طائلة. وإلى جانب هذا، كانوا يؤدون العديد من الخدمات للبلاط، أي أنهم كانوا أداة للتاج لا تربطهم به رابطة وثيقة تتجاوز المستوى الاقتصادي النفعي. وكان كل يهودي بلاط يملأ فجوة وظيفية محدَّدة، ويرتبط وجوده وكذلك مكانته بها، فإن انتفى وجود الفجوة انتفى وجوده. لكل هذا، كان الملك يتخلى عن يهود البلاط ويتخلص منهم عندما يشغل عنصر اقتصادي آخر وظيفتهم، كأن تنشأ طبقة بورجوازية محلية، أو يتسع نطاق رغباته بحيث لا يستطيع المموِّلون اليهود أن يفوا بحاجاته. وكان من السهل على الملوك التخلص من يهود البلاط، بل ومن كل الجماعات اليهودية، لأنهم لم يكونوا أصحاب رؤوس أموال ضخمة وإنما كانوا أساساً، وبالدرجة الأولى، عنصراً اقتصادياً إدارياً كفئاً تتبعهم شبكة اقتصادية ضخمة. ولذا، لم يكن أعضاء الجماعة يشكلون طبقة تستغل الآخرين لحسابها ذات نفوذ وكيان مستقلين وإنما كانوا أداة استغلال تابعة وعميلة ومرتبطة بإحدى الطبقات أو القطاعات الحاكمة. كما أنهم كانوا مكروهين من الجماهير باعتبارهم أداة الاستغلال المباشرة، ومن البورجوازية المحلية لأنهم يشكلون غريماً لها، ومن النبلاء وكثير من أعضاء النخبة الحاكمة لأنهم أداة في يد الملك يستخدمها لتدعيم نفوذه على حسابهم. ولم يكن لأعضاء الجماعات اليهودية أية علاقة حميمة بأيٍّ من فئات المجتمع. وكثيراً ما كانت أموال يهودي البلاط تُصادَر بعد موته، كما كان الأمير أو
стр. 1718
الملك يرفض دفع الديون التي عليه. أما الذي لم يفقد ثروته بهذه الطريقة، فقد أدَّت التحوُّلات الاقتصادية (مثل اتساع نطاق الرأسمالية الغربية أو تزايد ضخامة مشروعاتها أو ظهور بورجوازيات محلية قوية) إلى تهميشه أو إفلاسه، حيث لم يكن بمقدوره الصمود في حلبة المنافسة، وخصوصاً أن استثمارات يهود البلاط كانت دائماً مرتبطة بالدولة ولم تصبح قط مشروعاً خاصاً بمعنى الكلمة. لكل هذا، لم يلعب يهود البلاط أو أثرياء اليهود على وجه العموم دوراً حاسماً في نشوء الرأسمالية الغربية الرشيدة.
ومع هذا، لابد أن نقرر أن يهود البلاط بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة كانوا أقل هامشية من أقنان البلاط والتجار والمرابين اليهود، إذ تحركوا نحو المركز قليلاً من الناحية الوظيفية والاقتصادية والحضارية. فكان يهود البلاط يندمجون حضارياً في المجتمع الذي يعيشون فيه فيرتدون رداءً أوربياً ويسلكون سلوكاً أوربياً ويعيشون خارج الجيتو ويتمتعون بحرية الحركة ولا يدفعون أية ضرائب، ويتمتعون بكثير من الحقوق المدنية التي لا يتمتع بها بقية أعضاء الجماعة اليهودية، مثل حق شراء الأرض الزراعية، أو حق ركوب عربات تجرها أربعة أو ستة أحصنة، وهو حق كان مقصوراً أيضاً على النبلاء. كما كانوا يُمنحون ألقاباً لا تُمنَح إلا للنبلاء. وكانت مصالحهم الاقتصادية مرتبطة تماماً بمصالح الملك أو الحاكم أو الدولة، وكثيراً ما كانت تتعارض مع مصالح الجماعات اليهودية الأخرى، بل كان بعضهم يقف ضد هجرة اليهود إلى بلادهم ويؤلبون الملك ضد المهاجرين الجدد. وقد كان يهود البلاط واعين تماماً بالتحولات الثقافية والمالية العميقة في المجتمع الأوربي، ولذا كانوا من أوائل العناصر التي رحبت بحركة التنوير اليهودية وشجعوا دعاتها. ويُلاحَظ أن كثيراً من أبناء يهود البلاط قد تَنصَّروا، ربما بسبب الجو الثقافي الاندماجي الذي نشأوا فيه.
стр. 1719
ومع هذا، كان ليهود البلاط موقف القيادة والزعامة بين يهود البلد الذي يعيشون فيه، ولكنها كانت قيادة مفروضة من الخارج، من عالم الأغيار، وتستمد شرعيتها من نجاحها فيه، وكانت قيادتهم مطلقة حتى أن أحد يهود البلاط أصر على أن تكون كل المناصب القيادية في إحدى الجماعات اليهودية مقصورة على أفراد أسرته، وهو أمر لم يكن شاذاً في عصر الملكيات المطلقة. وقد وصف أحدهم روتشيلد بأنه «ملك اليهود، ويهودي الملك» وهو وصف دقيق لوضع يهود البلاط وعلاقتهم بكلٍّ من النخبة الحاكمة غير اليهودية وأعضاء الجماعة اليهودية. وكان يهود البلاط يحتفظون ببعض العادات اليهودية، مثل اللحية، لأن وجودهم الاقتصادي كان يتوقف على شبكة الاتصالات اليهودية. وكانوا يحاولون أحياناً الحصول لليهود على حقوقهم ويشفعون لهم عند الحاكم كوسطاء (شتدلان) . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يتمتعون بقدر أكبر من الحماية والأمن من عامة الناس بسبب العلاقة المباشرة بين الحاكم ويهودي البلاط الذي يوفر لهم هذه الحماية.
وقد لعب يهود البلاط دور الوسيط (الفعلي والفكري) بين حضارة الأغيار واليهود، وبذلك مهدوا لظهور حركة التنوير بين اليهود. كما أنهم كانوا دليلاً حياً على أن في وسع اليهودي أن يحقق النجاح خارج الجيتو. وقد أصبحت وظيفة يهود البلاط وراثية وتحولوا إلى أسر مالية أرستقراطية تتصارع فيما بينها على النفوذ والسلطة وأصبحوا طائفة مغلقة يتزاوج أفرادها فيما بينهم ويستبعدون اليهود العاديين. ويمكن القول بأن صورة يهودي البلاط كعبقري ساحر، وكصاحب نفوذ يُقرض الملوك والأمراء، قد تجذرت في الوجدان اليهودي في الغرب.
стр. 1720
وقد انتهى دور يهود البلاط بسبب تعاظم نفوذ الدولة المطلقة في أوربا وبسبب نجاحها التدريجي في تشديد قبضتها على مواطنيها من خلال مؤسسات رشيدة تضطلع بوظائف يهود البلاط. بالإضافة إلى ظهور بورجوازيات محلية قوية تمتلك من رؤوس الأموال والخبرات الإدارية ما يفوق مثيله لدى يهود البلاط. وأخيراً كان تقسيم بولندا ضربة للشبكة التجارية التي اعتمد عليها يهود البلاط. ثم جاءت الثورة الفرنسية بجيوشها وتقسيمها أوربا إلى معسكرين متنازعين بمثابة الضربة القاصمة.
ومن أشهر أسر يهود البلاط، أسرة ليفي وأوبنهايمر وجومبيريز، حيث حققوا ثروات كبيرة أثناء الحرب. ويُلاحَظ أنه مع نهاية القرن الثامن عشر بدأ كثير من أبناء هذه العائلات يتحولون من يهود بلاط إلى أعضاء في الرأسمالية الرشيدة ويتنصَّرون بأعداد كبيرة، أي يندمجون تماماً في الحضارة الغربية. ومن الأمور التي قد تكون ذات دلالة رمزية أن آخر يهود البلاط كان سولومون روتشيلد، من عائلة روتشيلد الشهيرة التي مولت النشاط الصهيوني في بدايته وتحالفت مع الإمبريالية لإنشاء الدولة الصهيونية. وسولومون هذا هو الذي ساعد ميترنيخ زعيم الرجعية الأوربية في القرن التاسع عشر على الاختفاء بعد سقوط النظم الرجعية تحت ضغط الحركات الشعبية والثورية. ونحن نرى أن الدولة الإمبريالية حينما تنشئ علاقة قوية يُقال لها إستراتيجية مع الدولة الصهيونية، فإنها في واقع الأمر علاقة نفعية تُوظِّف الدولة الراعية من خلالها العميل الصهيوني لصالحها، ولذا يمكننا أن نقول إنها تشبه في كثير من الوجوه علاقة الأمراء الألمان بيهود البلاط، وإن الدولة الصهيونية هي في واقع الأمر دولة وظيفية، دولة يهود البلاط الإمبريالي، إن جاز التعبير.
حسداي بن شفروط (٩١٥-١٠٥٥)
Hisdai Ibn Shaprut
стр. 1721
هو إسحق بن عزرا بن شفروط الذي اشتهر باسم «حسداي بن شفروط» ، رئيس الجماعة اليهودية في قرطبة. جاءت أسرته من شرق الأندلس ثم استقرت في قرطبة. ودرس ابن شفروط الطب ثم دخل في خدمة الخليفة عبد الرحمن الثالث (٩١٢ - ٩٦١) . ولمّا كان الخلفاء الأمويون في الأندلس يعيِّنون أطباءهم في وظائف إدارية ومالية أخرى في أحيان كثيرة، فقد أوكل الخليفة إلى ابن شفروط مسئولية قسم المكوس الذي كان يُعَدُّ من الوظائف الإدارية العليا. كما عمل مستشاراً في الشئون الخارجية (الدبلوماسية) ، وعمل مترجماً أيضاً. ويُلاحَظ أن كل هذه الوظائف تقريباً تتطلب التعامل مع غير المسلمين، وهي وظائف تركَّز فيها الذميون. وقد أُرسل في بعثات دبلوماسية إلى ليون عام ٩٥٦ ونافار عام ٩٥٨. ويمكن القول بأنه بالفعل كان في منزلة وزير الخارجية والتجارة. وقد جمع ثروة طائلة من وراء ذلك.
وكان حسداي بن شفروط يهودياً مُستعْرباً، مثل معظم أعضاء النخبة العربية اليهودية في زمانه، فكان يتحدث العربية ويسلك سلوك أثرياء المسلمين. واتخذ شعراء يهوداً ليمدحوه نظير إغداقه العطاء عليهم.
وكان ابن شفروط، باعتباره ممثلاً للجماعة اليهودية الجديدة في الأندلس، وراء تأسيس الحلقة التلمودية في قرطبة، والتي عيَّن موسى بن حنوخ (العالم التلمودي الذي اشتراه من سوق العبيد) رئيساً لها حتى يحقق الاستقلال ليهود الأندلس. وقد نجح في مسعاه إذ فاقت حلقة قرطبة في شهرتها وأهميتها الحلقات التلمودية في العراق. وقد أُطلق على حسداي اسم «ريش كلاه» ، بمعنى: رأس العرش، وهو لقب كان الغرض منه منافسة لقب «رأس المثبتا» ، الذي كان يُطلَق على رئيس حلقة سورا.
ويُنسَب إلى ابن شفروط أنه كتب خطاباً إلى يوسف (ملك الخزر) يصف له فيه الأندلس ويطرح عليه بعض الأسئلة الخاصة بيهود الخزر، وقد رد الملك عليه. وقد سُمِّيت هذه الخطابات بالمراسلات الخزرية، ولكن ثمة اختلافاً بين العلماء في مدى صدق هذه الواقعة.
стр. 1722
يعقوب بن كلس (٩٣٠-٩٩١)
Yaqub Ibn Killis
من رجال المال والتجارة اليهود. خدم في بلاط عدد من حكام مصر. وُلد في بغداد، ويُقال إنه سليل عائلة السموأل اليهودية التي ينتمي إليها أحد شعراء العرب المشهورين في الجاهلية.
استقر ابن كلس مع والده في مدينة الرملة في فلسطين، واشتغل بالتجارة والأعمال المصرفية، وعمل هناك ممثلاً للتجار الأجانب (وهي وظيفة تشبه القنصل التجاري) ، ولكنه أفلس برغم نجاح أعماله عدة سنوات. ثم ذهب إلى مصر حوالي عام ٩٦٠، وبعد اتصاله بوالي مصر كافور نجح في الاشتغال في مجال الإمدادات الحكومية. وعندما نفذت خزانة الدولة، سمح له كافور بتحصيل أمواله من الضرائب المستحقة على المناطق الزراعية، وقد أتاح له ذلك التعرف على شئون الزراعة في مصر فأصبح المستشار الاقتصادي لكافور ثم مستشاره السياسي أيضاً. وبعد تعيينه رئيساً للإدارة المالية، اعتنق ابن كلس الإسلام وكاد أن يعيَّن وزيراً، ولكنه واجه معارضة الوزير جعفر بن الفرات. وبعد وفاة كافور عام ٩٦٨، سُجن ابن كلس ولكنه نجح في الفرار وذهب إلى تونس حيث كان الفاطميون يستعدون للاستيلاء على مصر، وقام بتشجيع المعز في خططه لغزو مصر وقدَّم له كثيراً من المعلومات المهمة عن الأوضاع بها. وبعد سقوط مصر في يد الفاطميين، عاد ابن كلس إلى مصر وأوكلت إليه مهمة جمع الضرائب. وقد حقق ابن كلس مكانة مهمة في النظام المالي. وبعد تعيينه وزيراً عام ٩٧٧ في عهد الخليفة العزيز (٩٧٥ ـ ٩٩٦) ، أعاد تنظيم النظام الإداري، ولكنه أُقيل من هذا المنصب واعتُقل لمدة شهرين عام ٩٨٣، ثم أُعيد إلى منصبه بعد ذلك وظل محتفظاً به حتى وفاته. وقد احتفظ ابن كلس بعلاقته بأعضاء الجماعات اليهودية حتى بعد إسلامه وكان بعض مثقفي الجماعة يحضرون الصالون الثقافي الذي كان يعقده في قصره.
سليمان ابن صادوق (؟ -١٢٧٣ (
Solomon Ibn Zadok
стр. 1723
يهودي بلاط خدم في بلاط الملك ألفونسو العاشر (الحكيم) ، في قشطالة حيث أسند إليه ألفونسو القيام بعدد من المهام الدبلوماسية وبمهمة تحصيل عوائد المملكة.
وبعد وفاته، تولى ابنه إسحق بن صادوق (أو إبراهيم إسحق ـ تُوفي عام ١٢٨٠) مهمة جباية ضرائب مملكة قشطالة خلال عهد ألفونسو العاشر، كما حصل عام ١٢٧٦ على عدد من عقود الإمدادات الحكومية. وفي عام ١٢٧٨،كلفه ألفونسو بإرسال إمدادات مالية لجيشه المعسكر بالقرب من إحدى المدن، ولكن هذه الإمدادات نُهبت وهي في طريقها ولم تصل إلى قوات ألفونسو التي كادت أن تَهلك الأمر الذي دفع ألفونسو للانتقام من محصلي الضرائب فألقى القبض على ثلاثة منهم وحكم على إسحق بالإعدام شنقاً.
والأسماء العربية التي يحملها ابن صادوق وابنه تدل على أنهما كانا يتنقلان بين إسبانيا المسيحية والإسلامية، قبل أن يتم طرد المسلمين منها. وقد قام يهود شبه جزيرة أيبريا بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين المعسكرين المتصارعين.
تيكا (النصف الأول من القرن الثالث عشر (
Teka
стр. 1724
يهودي من أقنان البلاط من أصل خَزَري، كان يعمل مرابياً ووكيلاً مالياً، حيث التحق بالبلاط المجري في القرن الثالث عشر. وكان أبوه من كبار الملاك، إذ منحه ملك المجر مقاطعة ضخمة ورثها تيكا من بعده. وقد امتلك تيكا مقاطعات أخرى، ويُحتمل أن اسمه مأخوذ من اسم إحدى هذه المقاطعات. وقد عيَّنه الملك أندرو الثاني (١٢٠٥ ـ ١٢٤٥) مسئولاً عن عوائد البلاط الملكي، ولذا يُشار إلى تيكا في الوثائق اللاتينية المعاصرة بلقب «كوميس كاميراي comes camerae» ومعناها «وكيل مالي للملك» (حرفياً: تابع أو رقيق) . ويبدو أن تيكا كان مسئولاً مالياً في غاية الأهمية، إذ يظهر توقيعه على عدة اتفاقيات ومعاهدات سلام واتفاقيات مالية بين ليوبولد الرابع (١١٩٤ ـ ١٢٣٠) وأندرو الثاني (كان الضامن الوحيد لمبلغ كبير من المال اقترضه ليوبولد الرابع عام ١٢٢٥ من أندرو الثاني) . وفي عام ١٢٢٢،صدر مرسوم مجري (بناءً على تعليمات من الفاتيكان) بمنع اليهود والإسماعيليين (أي المسلمين والعرب) من تَقلُّد أية مناصب مالية ومن صفة النبالة في المجر، وقد وقَّع الملك القانون كارهاً، ثم تحدَّاه بإبقاء تيكا. ولكن البابا جريجوري التاسع تدخَّل وأرغم الملك، وابنه بيلا الرابع (١٢٤٥ ـ ١٢٧٠) من بعده، على أن يقسم على احترام بنود الدستور الخاصة باليهود. فاضطر تيكا إلى ترك منصبه والسفر إلى النمسا حيث كان يتمتع بسمعة طيبة للغاية. وقام هناك بنشاط مالي مهم، فعقد قرضاً عام ١٢٤٥ لمجموعة من كبار التجار في فيينا (التي كان يمتلك منزلاً فيها) .وقد نجح بيلا الرابع في التحلل من قسمه الخاص باستبعاد اليهود من الوظائف المالية وذلك بسبب احتياج أوربا للاعتمادات المالية بعد هجمات التتار. فعاد تيكا إلى المجر وأعاد الملك له بعض المقاطعات التي كان قد صادرها. وبعد الغزو التتري، اختفى تيكا تماماً. وتذهب بعض النظريات إلى أنه انسحب مع التتر أبناء عمومته، فقد كان خَزَرياً، من أصل تركي مثلهم.
стр. 1725
والواقع أن قصة حياة تيكا ذات دلالات كثيرة منها:
١ ـ هو نموذج جيد لأقنان البلاط الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع نظراً لقربهم من مراكز القوة، ولكنه نفوذ لا جذور له، ولذا كان بإمكان السلطة الحاكمة إنهاؤه في أي وقت.
٢ ـ يدل تيكا على أن يهود الخَزَر كانوا لا يزالون منتشرين في أوربا رغم القضاء على دولتهم، وأنهم لعبوا دوراً أساسياً في تأسيس المجر. ولعل شخصية تيكا تعطي بعض الأسانيد لنظرية كوستلر الخاصة بالشتات الخَزَري.
٣ ـ تدل وقائع حياة تيكا على أن الوجدان الغربي المسيحي قد ربط بين اليهود والمسلمين (الشرقيين) ، وهو ربط له أساس في الواقع، فمعظم يهود العالم كان متركزاً في العالم العربي الإسلامي، ومع بداية العصور الوسطى كان نصفهم في الغرب والنصف الثاني في الشرق، كما أن ثقافة أعضاء الجماعات اليهودية كانت متأثرة بالثقافة الإسلامية. كما أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية أبقوا على علاقاتهم الثقافية بالعالم الإسلامي، بل وأبقوا على علاقاتهم الفعلية. ونظراً لعدائهم للعالم المسيحي، فقد كانوا متهمين بالعمالة للعالم الإسلامي.
عائلة ابن شوشان (القرن الثاني عشر - القرن الرابع عشر)
Ibn Shoshan Family
عائلة يهودية من طليطلة في إسبانيا تمتعت بمكانة مرموقة في الفترة بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر في إسبانيا وفي عدد من الدول التي هاجر إليها أفراد العائلة بعد طرد اليهود من إسبانيا، مثل: تركيا وتونس وفلسطين. وكان من بين أفرادها رجال المال والتجارة ويهود البلاط وعلماء الدين واللغة والشعراء والفلاسفة والأطباء ومن أهمهم:
стр. 1726
أبو عمر يوسف (١١٣٥ ـ ١٢٠٥) الذي اتخذ لقب «الناسي» أو الأمير، وكان صرافاً في بلاط الملك ألفونسو الثامن في قشطالة، وتمتع بنفوذ واسع في الشئون الداخلية والخارجية، ومُنح مقابل خدماته للدولة أملاكاً واسعة مع امتيازات الحصانة التي تسمح له بالحرية المطلقة في التصرف والحكم داخل حدود أملاكه.
أما مائير بن شوشان (القرن الثالث عشر) ، فقد وُلد في طليطلة ثم أصبح صراف الملك ألفونسو العاشر (١٢٥٢ ـ ١٢٨٤) . وبعد طرد المسلمين من عدد من مدن الأندلس، مُنح مائير أملاكاً بها عامي ١٢٥٣ و١٢٦٦. وفي عام ١٢٧٦، أُرسل إلى المغرب في مهمة دبلوماسية ومما يُذكَر أن المراجع العربية تشير له باعتباره وزيراً.
وكان إبراهيم بن شوشان (زوج ابنة مائير) مسئولاً عن جباية الضرائب في طليطلة خلال أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر. وخلال عهد سانشو الرابع (١٢٨٥ - ١٢٩٥) ، عمل مع مدير الشئون المالية للمملكة إبراهيم البارجيلوني، كما عمل صرافاً للمملكة. وبعد أن تقرَّر عام ١٢٨٦ إعادة أملاك وامتيازات العرش التي فُقدت خلال الحرب الأهلية، أُسندت إلى إبراهيم مهمة الإشراف على هذه العملية وتنفيذها وإن تم استبداله بإبراهيم البارجيلوني عام ١٢٨٧. وخلال عهد فرديناند الرابع (١٢٩٥ ـ ١٣١٢) ، مُنح إبراهيم حق جباية الضرائب في قشطالة.
أما يعقوب بن يوسف، فكان قاضياً شرعياً (ديان) في طليطلة خلال أوائل القرن الرابع عشر، وكان ممن وقَّعوا عام ١٣٠٦ على قرار بحظر الدراسات العلمانية.
ومما يُذكَر أن عائلة ساسون التجارية المالية والتي ازدهرت خلال القرن التاسع عشر في الهند والصين والشرق الأقصى من نسل عائلة ابن شوشان، ولعل كلمة «ساسون» مشتقة من كلمة «شوشان» .
عائلة عطار Attar Family (القرن السادس عشر - القرن الثامن عشر (
стр. 1727
عائلة يهودية من أصول إسبانية هاجر كثير من أعضائها من إسبانيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر واستقروا بشكل خاص في المغرب، كما تواجدوا أيضاً في أمستردام وتركيا ثم هامبورج ولندن وكوراساو ـ وبخاصة منذ القرن السابع عشر ـ وكان أغلب حاملي اسم «ابيناتار Abenatar» أو «أبياتار Abiatar» في هذه الدول من أصل ماراني. ومن أبرز أعضاء هذه العائلة: إبراهيم (الأول) بن سولمون بن عطار (يُرجَّح أنه عاش في الفترة ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر) ، وكان شاعراً وعالماً تلمودياً وقبَّالياً، وعاش في مدينة فاس بالمغرب. أما حاييم (الأول) بن عطار الذي عاش في الفترة نفسها، فكان من وجهاء الجماعة في المغرب، وقد أسَّس وترأس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا (
وقد عُيِّن موسى بن عطار (تُوفي حوالي عام ١٧٢٥ (سكرتيراً ومستشاراً لنائب الملك في جنوب المغرب ثم تولى منصب رئيس اليهود النجيد خلفاً لوالده كما قام بإدارة الأعمال التجارية الواسعة الخاصّة بالأسرة وعُيِّن خازناً للملك مولاي إسماعيل كما اختارته إنجلترا للتوسط بينها وبين المغرب في المفاوضات الرامية لإبرام معاهدة سلام بين البلدين والتي أُبرمت بالفعل عام ١٧٢١ وقد حرص موسى على أن تضم المعاهدة فقرة تنص على حق اليهود المغاربة الذين استقروا في أنحاء الإمبراطورية البريطانية في أن يُحاكَموا في محاكمهم اليهودية الخاصة وقد وُجهت إلى موسى فيما بعد اتهامات الاختلاس الأمر الذي اضطره إلى دفع غرامة باهظة للملك حتى ينقذ نفسه من الإعدام وقد خلفه شقيقه إبراهيم في منصب رئيس اليهود أما شقيقه الآخر يعقوب فقد عُيِّن حاكماً على ميناء تطوان وفي أوائل القرن التاسع عشر عُيِّن يوسف بن عطار قنصلاً للبرتغال والدنمارك في الرباط.
شيشيت بنفنيستي (١١٣١-١٢٠٩ (
Sheshet Benveneste
стр. 1728
ماليٌ طبيبٌ عالمُ تلمود دبلوماسيٌ وشاعر إسباني يهودي. دخل في شبابه في خدمة نبيل من برشلونة ثم خدم ملكي أراجون ألفونسو الثاني ثم بدرو الثاني (من عام ١١٩٦) كطبيب ومستشار سياسي ومبعوث دبلوماسي ومترجم للعربية. وكان علمه بالعربية من أهم أسباب مكانته الرفيعة. وقد لعب بنفنيستي دوراً مهماً أيضاً في الإدارة المالية للمملكة، كما خُصِّصت له بعض عوائد الدولة مقابل القروض التي كان يقدمها للخزينة الملكية. وتمتع بنفنيستي، مثل سائر النبلاء في المملكة، بالإعفاء من الضرائب وبالحصانة القانونية، كما تلقى منحة ملكية بالامتيازات أعطته سلطة تنظيم شئون المعبد اليهودي في برشلونة. وبالإضافة إلى ذلك، كان بنفنيستي يكتب الشعر بالعبرية، وكان على اتصال بالعلماء المسلمين واليهود في شبه جزيرة أيبريا وكان من أشد المدافعين عن أعمال موسى بن ميمون وعن آرائه الفلسفية، كما كانت له بعض الأعمال في الطب.
أبراهام بنفنيستي (١٤٠٦-١٤٥٤)
Abraham Benveneste
стр. 1729
من يهود البلاط في قشطالة بإسبانيا وكبير الحاخامات خلال عهد الملك جون الثاني (١٤٠٦ ـ ١٤٥٤) . عيَّنته حكومة المملكة لإعادة تنظيم شئونها المالية وأُسندت إليه مسئولية تنظيم وجباية الضرائب والرسوم الجمركية. كما قام بإمداد الجيش بالمال والحبوب وتمتع بنفوذ واسع في شئون الدولة. وفي عام ١٤٣٢، قام الملك بتعيين بنفنيستي كبيراً للقضاة ومراقب ضرائب للجماعة، فأصبح يتمتع بالسلطة العليا في المسائل الدينية والتشريعية للجماعة. وفي هذا العام نفسه، نظم بنفنيستي مؤتمراً لحاخامات الجماعة وممثليها انتهى بإصدار عدد من اللوائح والتنظيمات الجديدة والقواعد التكميلية (تاقانوت) بغرض تنظيم التعليم الديني ودعمه وتنظيم المحاكم اليهودية وتحقيق عدالة توزيع الضرائب وحماية الجماعة من الوشاية. كما أصدر عدداً من قوانين الترف للحد من الغلو والإفراط في الملبس والاحتفالات، ذلك الترف الذي كان من أسباب إثارة استياء السكان المسيحيين.
دونا جراسيا (منديسيا) (١٥١٠-١٥٦٩ (
Donna Gracia (Mendesia)
стр. 1730
هي جراسيا ناسي منديز، سيدة يهودية ثرية من المارانو عُرفت بنشاطها من أجل يهود المارانو بعد طردهم من إسبانيا والبرتغال، وتُعتبَر في الأدبيات اليهودية وبين المؤرخين من اليهود من أبرز السيدات اليهوديات خلال الـ ٢٠٠٠ سنة الماضية. وقد وُلدت في الغالب في البرتغال لأسرة بنفنيستي (وهي أسرة من يهود المارانو ذات مكانة مرموقة) ، وعُرفت باسمها المسيحي بياتريس دي لونا. وقد تزوجت جراسيا عام ١٥٢٨ من فرانسيسكو منديز (ناسي) الذي كان ينتمي أيضاً لعائلة ثرية ومرموقة من المارانو. وكان قد أسس مع أخيه ديوجو منديز تجارة للأحجار الكريمة تطورت إلى مؤسسة مالية مهمة كان لها فرع في انتورب بهولندا. وبعد وفاة زوجها في سن مبكرة (عام ١٥٣٥) ، نجحت جراسيا في ترك البرتغال سراً ومعها ابنتها وأعضاء أسرتها وكامل ثروتها، وانتقلت إلى انتورب حيث انضمت إلى شقيق زوجها ديوجو الذي تزوَّج أختها. وقد تولت جراسيا إدارة مؤسسة منديز المالية بعد وفاة ديوجو، إلا أنها اضطرت إلى الفرار إلى البندقية مع ابنتها وابنة أختها بعد أن حاول الإمبراطور شارل الخامس الاستيلاء على ثروتها. ولكن تم إلقاء القبض عليها والاستيلاء على ممتلكاتها بعد أن قامت أختها رينا، والتي يبدو أنها كانت تعاني من تَسلُّط جراسيا عليها، بإدانتها لدى السلطات باعتبارها يهودية متخفية. إلا أن ابن أخيها يوسف ناسي الذي كان من رعايا الدولة العثمانية، نجح في الإفراج عنها بفضل علاقته الوثيقة بالسلطان العثماني وتم رد ممتلكاتها بعد ذلك بعامين. وقد استقرت جراسيا فيما بعد مع أسرتها في مدينة فرارا حيث استطاعت التخلي عن اسمها المسيحي وأصبحت تُعرف باسمها اليهودي جراسيا ناسي، وقد استمرت في بذل جهودها في فرارا من أجل اللاجئين من المارانو.
стр. 1731
وفي عام ١٥٥٣، انتقلت جراسيا إلى القسطنطينية حيث استقرت حتى آخر أيامها. وقد ارتبطت هناك بشكل وثيق مع ابن أخيها يوسف ناسي الذي تزوَّج ابنتها وتشابك نشاطها التجاري والسياسي مع نشاطه. وقد كان ليوسف ناسي مكانة ونفوذ مهمان لدى الباب العالي، وخصوصاً في مجال السياسة الخارجية، بفضل شبكته الواسعة من الوكلاء المنتشرين في العالم الغربي ودرايته ومعرفته الواسعة بالشئون الأوربية وبقادة أوربا. وقد أصبح قصر جراسيا على ضفاف البوسفور مركزاً للسياسة المتعلقة بالشرق الأوسط ومركزاً أيضاً للشئون اليهودية. وقد اهتمت جراسيا ببناء المؤسسات التعليمية والمعابد اليهودية في القسطنطينية وسالونيكا.
وفي الفترة من عام ١٥٥٦ إلى عام ١٥٥٧، حاولت جراسيا تنظيم مقاطعة يهودية لميناء أنكونا الإيطالي رداً على اعتقال عدد من يهود المارانو على يد البابا بولس الرابع تمهيداً لإحراقهم. وقد تم إخلاء سبيل الأتراك منهم ومن بينهم وكلاء جراسيا التجاريون بفضل تَدخُّل السلطان العثماني استجابةً لطلب جراسيا.
إلا أن أكثر مشاريعها شهرة كان استئجارها، بالتعاون من ابن أخيها، مدينة طبرية الفلسطينية من السلطان العثماني وذلك بهدف إقامة مستوطنة يهودية لتوطين اللاجئين من اليهود. ولكن من المؤكد أن جراسيا، ومعها يوسف ناسي، قد اهتما بتنمية المشروع تجارياً حيث أسسا مركزاً لإنتاج الحرير والصوف. وقد دعا يوسف ناسي اللاجئين اليهود في إيطاليا للاستيطان في طبرية لكن دعوته لم تلق استجابة تُذكَر. إلا أن هذا المشروع لم يُستكمل نتيجة عدة أسباب، منها رفض سكان فلسطين من العرب له، ونشاط خصوم يوسف ناسي في القسطنطينية ضده، الأمر الذي دفعه إلى الابتعاد عن المشروع، وأخيراً وفاة جراسيا عام ١٥٦٩. وفي الدولة الصهيونية، قررت مدينة طبرية الاحتفال بذكراها وإنشاء تمثال لها.
سليمان أبنايس (ابن عايش) (١٥٢٠-١٦٠٣)
Solomon Abenaes (Aben-Ayesh)
стр. 1732
رجل دولة من يهود المارانو. وُلد في البرتغال تحت اسم الفارو منديز، وحقق ثروة من خلال استغلال مناجم الماس في الهند، ثم عاد إلى أوربا حيث حصل على لقب فارس سانتياجو، وعاش متنقلاً بين مدريد وفلورنسا وباريس ولندن. وعندما استولت إسبانيا على البرتغال عام ١٥٨٠، تَبنَّى أبنايس (أصلها بالعربية: ابن عايش) قضية دوم أنتونيو المطالب بعرش البرتغال، وكان من أشد وأنشط مناصريه. وفي عام ١٥٨٥، استقر في تركيا وعاد ليُظهر يهوديته متخذاً اسم سليمان (أبنايس) . وقد نجح في اكتساب مكانة مهمة في البلاط العثماني بفضل ثرائه وعلاقاته واتصالاته الواسعة، وخصوصاً شبكة المعلومات المتطورة والمحكمة التي كانت تتبعه في أوربا والتي استفادت منها الدولة العثمانية خير استفادة. وقد مُنح أبنايس حق جباية عائدات الجمارك، كما عُيِّن دوقاً لإحدى جزر بحر إيجة.
وقد كرس أبنايس مجهوداته لإقامة تَحالُف تركي بريطاني مضاد لإسبانيا تأييداً لمطالب دوم أنتونيو بعرش البرتغال. وساهم هذا التحالف بالفعل في وقف تَوسُّع القوة الإسبانية خلال أواخر القرن السادس عشر. وقد استعان أبنايس في ذلك بجماعة يهود المارانو في إنجلترا وعلى رأسهم هكتور نونييز وطبيب الملكة رودريجو لوبيز الذي كان أيضاً صهره. وقد وضع أبنايس خطة جريئة لاستيلاء دوم أنتونيو على عرش البرتغال مفادها أن يضع يده على مستعمرات البرتغال في الهند ثم يبحر على رأس قوات ضخمة للاستيلاء على البرتغال. لكن هذه الخطة لم تنجح واختلف أبنايس ودوم أنتونيو، فتخلى أبنايس عنه، واتهمه دوم أنتونيو بالخيانة. ودخل الاثنان في مواجهة تخللتها المكائد والمؤامرات لعب فيها بعض اليهود المنافسين لأبنايس في إستنبول دوراً كبيراً، كما أرسل أبنايس إلى ملكة إنجلترا ممثلين عنه لتوضيح موقفه. ولم يتأثر مركزه حتى بعد اتهام صهره رودريجو لوبيز بمحاولة دس السم للملكة إليزابيث.
стр. 1733
وقد نجح أبنايس، عقب مجيئه إلى تركيا، في الحصول على ولاية طبرية التي كانت ممنوحة ليوسف ناسي من قبله والذي كان أيضاً مستشاراً يهودياً في البلاط العثماني.
صمويل بالاشي (؟ -١٦١٦ (
Samuel Palache
دبلوماسي مغربي يهودي، وُلد لعائلة من اللاجئين اليهود الإسبان الذين استقروا في المغرب وحققوا مكانة مرموقة بها. كان صمويل وشقيقه يوسف من كبار المستشارين الماليين في المغرب، وقد اختارهما سلطان المغرب للقيام بمهمة التفاوض مع ملك إسبانيا. وفي إحدى زياراتهما لإسبانيا اتهمتهما محاكم التفتيش بتشجيع المارانو على الرحيل عن إسبانيا والعودة إلى اعتناق اليهودية، وهو ما اضطرهما إلى الاختباء في بيت السفير الفرنسي قبل أن ينجحا في الفرار من إسبانيا بعد ذلك بقليل. وفي عام ١٦٠٨، قام سلطان المغرب بتعيين صمويل سفيراً للمغرب في أمستردام. وقد كان صمويل أول يهودي يستقر في هولندا بشكل علني وينجح في الحصول على إذن يسمح باستيطان اليهود بها. كما انعقد أول منيان (النصاب اللازم لإقامة الصلاة اليهودية) في أمستردام في بيته، ويُقال إنه ساهم أيضاً في بناء أول معبد يهودي في هولندا. وفي عام ١٦١٠، تولَّى صمويل إجراء المفاوضات التي انتهت بإبرام أول معاهدة تحالف بين دولة مسيحية (هولندا) ودولة إسلامية (المغرب) . وفي عام ١٦١٤، قام صمويل بإذن من السلطان المغربي بقيادة أسطول مغربي صغير واستولى على عدد من السفن الإسبانية وأخذ حمولتها الثمينة حيث كانت إسبانيا والمغرب آنذاك في حالة حرب. وفي أعقاب ذلك، نجح السفير الإسباني لدى إنجلترا (أثناء وجود صمويل بها) في إقناع السلطات البريطانية بإلقاء القبض عليه بتهمة القرصنة وكذلك بتهمة الارتداد عن المسيحية والرجوع لاعتناق اليهودية، وطالب السفير الإسباني بتنفيذ عقوبة الإعدام فيه. وقد أثار ذلك احتجاج هولندا والمطالبة بالإفراج عنه. وفيما بعد قُدِّم صمويل للمحاكمة ولكنه بُرِّىء حيث استند دفاعه
стр. 1734
إلى أنه رعية مغربية في خدمة السلطان المغربي وفي حالة حرب مع إسبانيا. وقد عاد صمويل بعد ذلك إلى هولندا وقام بالهجوم على سفينة إسبانية في بحر المانش والاستيلاء على حمولتها انتقاماً من إسبانيا. وتُوفي صمويل في هولندا وأُقيمت له جنازة كبيرة.
والواقع أن ارتباط يهودي مثل بالاشي بالمغرب وبالتراث المغربي الإسلامي قد يبدو غريباً في العصر الحديث، ولكنه كان أمراً مألوفاً في الماضي، إذ كانت أوربا تنظر إلى اليهودي باعتباره عميلاً للمسلمين العرب. بل يُقال إن جذور معاداة اليهود (أو معاداة السامية) تعود إلى هذا التوحد بين اليهود والعرب المسلمين في الوجدان الغربي.
باسيفي التروينبرجي (يعقوب بن صمويل) (١٥٧٠-١٦٣٤)
Bassevi of Treuenberg (Jacob ben Samuel)
من يهود البلاط في براغ، وأول يهودي في أوربا خارج إيطاليا يُرفَع إلى طبقة النبلاء. كما كان من أبرز يهود البلاط العاملين في مجال سك العملات، وهو مجال زادت أهميته بشكل كبير في خلال فترة حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ ـ ١٦٤٨) . وتُعتبَر هذه الحرب بداية تَخصُّص المموِّلين والتجار اليهود في مجال تمويل الحروب وتموين الجيوش في أوربا، وهو ما ظل حكراً على بعض أعضاء الجماعة اليهودية لمدة قرن من الزمان، وذلك بفضل تراثهم التجاري وخبراتهم المالية وعلاقتهم الدولية المتشعبة التي أهلتهم لمثل هذا الدور.
وقد شكل باسيفي، بالتعاون مع أمير ليختنشتاين ووالنشتاين قائد الجيوش الإمبراطورية، اتحاداً مالياً لسك وإصدار العملات النقدية المغشوشة، إذ أن قيمتها الحقيقية أقل من القيمة المسكوكة عليها وذلك لسد احتياجات الإمبراطور لتمويل نفقات الحرب.
стр. 1735
وقد قدَّم باسيفي خبراته المالية للاتحاد، وتولى شراء الفضة اللازمة من الخارج. ومقابل خدماته للاتحاد رُفع إلى طبقة النبلاء، وسُمح له بحرية الاتجار في جميع أنواع السلع، وبحرية الإقامة في أي مكان، وهو ما كان محظوراً على يهود الإمبراطورية النمساوية. إلا أن ما تَرتَّب عليه نشاط الاتحاد من خفض حاد لقيمة العملة وتزايد التضخم، أدَّى إلى تزايد سخط الجماهير والذي انصب بصفة خاصة على باسيفي. وبعد وفاة أمير ليختنشتاين، اتخذت السلطات إجراءات ضد أعضاء الاتحاد السابقين وتم القبض على باسيفي عام ١٦٣١ والاستيلاء على ممتلكاته. إلا أن مساعي والنشتاين نجحت في الإفراج عنه. وبعد وفاته بعامين، اعتُبرت جميع الامتيازات التي نالها في حياته باطلة.
صمويل أوبنهايمر (١٦٣٥-١٧٠٣ (
Samuel Oppenheimer
من أشهر يهود البلاط. كان يعمل متعهد مؤن وجامعاً للضرائب في إحدى الإمارات الألمانية، ثم انتقل إلى فيينا حيث حصل على حق الإقامة الدائمة فيها وعلى امتيازات تجارية غير محدَّدة. ولذا، سُمح له هو وتابعوه بالبقاء فيها حينما طُرد يهود فيينا عام ١٦٧٠.
عمل أوبنهايمر مدة أربعة وعشرين عاماً بعد ذلك كيهودي بلاط، فقام بتزويد الجيوش النمساوية والألمانية بالمؤن. واستخدم شبكة الاتصالات التجارية اليهودية بكفاءة، وأثناء الحرب بين النمسا وفرنسا (١٦٧٣ ـ ١٦٧٩) عهد له الإمبراطور ليوبولد الأول بتزويد كل الجيش النمساوي على نهر الراين بما يحتاج إليه من مؤن. وحصل أوبنهايمر على العقد الوحيد لهذه المهمة، فأرسل وكلاءه عبر جنوب ألمانيا للحصول على القمح وعلف الماشية وملابس الجنود، وعلى أحصنة وبارود وذخيرة من التجار اليهود في فرانكفورت. كما اشترى سلعاً أخرى من هامبورج وأمستردام من وكيله موسى جومبيريز الذي كان من كبار المموِّلين السفارد. كما بنى كباري من الطوف (عوامات مطاطية) لنقل البنادق والأحصنة والجند.
стр. 1736
وقد ارتبط نفوذ أوبنهايمر تماماً بحالة الحرب. ولذا، تناقص نفوذه مؤقتاً حينما وُقِّعت اتفاقية سلام بين النمسا وفرنسا عام ١٦٧٩، فرفضت الخزانة النمساوية أن تدفع له ما عليها من ديون. فقدَّم التماساً إلى الإمبراطور ولكن لم يدفع له سوى جزء صغير من الديون، ثم اتُهم هو وحاشيته بالغش والسرقة. ولكنه اشترى براءته في نهاية الأمر، كما استرد نفوذه مرة أخرى مع اندلاع الحرب بين النمسا وتركيا عام ١٦٨٢. وقد قام أوبنهايمر أثناء حصار الأتراك لفيينا بتنظيم خطوط الإمداد. وبعد رفع الحصار، عُهد إليه بتدبير المؤن لقوات النمسا المتقدمة إلى المجر. وقد وصل نفوذه إلى قمة ازدهاره إبَّان حرب التسعة أعوام (١٦٨٩ ـ ١٦٩٨) حيث تولى توريد مؤن الجيوش النمساوية التي كانت تحارب ضد الفرنسيين. ولم يقم أوبنهايمر بتوفير الضروريات وحسب، بل إنه زود الضباط بالخمور التي يحتاجون إليها، والجنود بالتبغ، كما زوَّد البلاط في فيينا بالنبيذ والتوابل والمجوهرات وأردية سائقي المراكب الملكية والخدم. وقد احتكر أوبنهايمر كل عقود تزويد الجيش بالمؤن والأسلحة والذخائر، وأصبح متعهد المؤن العسكرية الوحيد للنمسا، وكان جزء كبير من دخل الخزانة النمساوية يُدْفَع نظير خدماته.
стр. 1737
ومرة أخرى، تناقص نفوذ أوبنهايمر في عام ١٦٩٨، عند نهاية الحرب، ولم يعد الإمبراطور في حاجة إليه. فهاجمت الجماهير الساخطة قصره ودمرت أروقته عام ١٧٠٠. وعند موته عام ١٧٠٣، كانت الخزانة الملكية مدينة له بمبالغ كبيرة، فأعلنت الدولة أن الدين ملغي تماماً. ولكن يهود البلاط قاموا في عدة إمارات ألمانية بتحريض الأمراء للضغط على الإمبراطور لدفع الديون. وقامت هولندا بممارسة الضغط أيضاً حتى يرد الإمبراطور المبالغ التي اقترضها أوبنهايمر من أمستردام. وفي نهاية الأمر، سوِّيت الأمور وعُيِّن مكانه وريثه عمانوئيل أوبنهايمر، فقام بتزويد القوات النمساوية بالمؤن خلال حرب النزاع على العرش الإسباني وبعدها. ولكنه لم يصل إلى مكانة صموئيل قط.
ويُعزَى نجاح صموئيل أوبنهايمر إلى قدراته التنظيمية وشبكة الاتصالات التي أسسها، والتي كانت تضم مقاولين ومقاولين من الباطن وكان من بين هؤلاء يهود بلاط في إمارات مختلفة. وقد كان صموئيل متزوجاً من ابنة يهودي سفاردي من مانهايم، وتزوَّج ابنه من ابنة ليفمان بيريز شريكه الذي كان من كبار المموِّلين. وكانت تتبع أوبنهايمر حاشية من المساعدين والوكلاء الذين كانوا موجودين في كل المراكز المالية والتجارية في أوربا، وكان غريمه سامسون فرتايمر واحداً منهم في وقت من الأوقات.
سامسون فرتايمر (١٦٥٨-١٧٢٤ (
Samson Wertheimer
стр. 1738
يهودي بلاط، درس في المدرسة التلمودية العليا في فرانكفورت. تزوج من أرملة ناثان أوبنهايمر، وبالتالي تعرَّف على صموئيل أوبنهايمر الذي عيَّنه مديراً لأعماله في فيينا، وقدَّمه إلى ليوبولد الأول. ويُعدُّ فرتايمر أثرى يهودي في عصره. كما كان المدير المالي للأباطرة: ليو بولد الأول، جوزيف الأول، تشارلز الأول. ودبر فرتايمر كثيراً من الاعتمادات المطلوبة لحرب الوراثة الإسبانية والحرب ضد تركيا. وعمل وكيلاً مالياً للإمبراطور ولعدد من حكام المقاطعات الألمانية. وعند موت صموئيل أوبنهايمر عام ١٧٠٣، عُيِّن فرتايمر يهودي بلاط بدلاً منه، وقد أدخل فرتايمر تحسينات على استخراج الملح كما وضع نظاماً لاحتكار تجارته في بولندا، والتي كان يحتكرها يهود الأرندا. ونظم فرتايمر عملية نقل الملح إلى المجر وسيليزيا إلى جانب عمليات التمويل اللازمة لاستخراجه ونقله.
وكان فرتايمر يقوم بدور الوسيط بين الجماعة اليهودية والنخبة الحاكمة، وعُيِّن حاخاماً أكبر ليهود المجر. وآلت ثروته إلى ابنه، ولكنه أفلس عام ١٧٣٣ بعد أن رفضت بافاريا أن تدفع له ديونه، ولكنها بعد عشرين سنة من التقاضي اعترفت بالدين. ودُفع الدَين على أقساط لأبنائه الذين تنصَّر معظمهم وصاروا أعضاء في الأرستقراطية النمساوية.
برنارد ليمان (١٦٦١-١٧٣٠ (
Bernard Lehman
стр. 1739
يهودي بلاط من ساكسونيا (ألمانيا) . كان اسمه عند مولده إسخار برمان. جذب اهتمام أوجستوس الثاني (القوي) (١٦٧٠ـ ١٧٣٣) أمير ساكسونيا الذي كان يُخطط ليصبح ملكاً منتخباً لبولندا، فعُهد إليه بالجانب المالي لهذا المُخطَّط، فقام ليمان ببيع كثير من ممتلكات ساكسونيا للحصول على المبالغ المطلوبة لرشوة النواب البولنديين. وقد نجح أوجستوس في مساعيه واعتلى عرش بولندا (١٦٩٧ ـ ١٧٣٣) . وقد أصبح ليمان ممثلاً دبلوماسياً لأوجستوس والمسئول عن جواهره وعن دار سك النقود بل المسئول عن عشيقاته. وكان يعمل كمتعهد عسكري، فكان يقوم بتزويد الجيش بالجراية والأسلحة. كما كان ليمان يقوم بإقراض حكام هانوفر وبرونزويك مبالغ ضخمة.
وقد زادت ثروة ليمان لدرجة أنه أصبح له بلاطه الخاص المكون من ثلاثين شخصاً من بينهم حاخام وذابح شرعي. وكان يتوسط لأعضاء الجماعات اليهودية للحصول على امتياز الاستيطان في المدن والمناطق المحظور عليهم الاستقرار فيها. وقد وقعت ضمن أملاكه بعض القرى والمدن البولندية التي حظي أعضاء الجماعة اليهودية فيها بامتيازات خاصة نتيجة ذلك. وقد تفتَّتت ثروته بعد موته.
أبراهيم بن وايش (القرن السادس عشر - القرن السابع عشر)
Abraham Ben Waish
مالي يهودي مغربي اشتغل مصرفياً لدى سلطان المغرب أحمد المنصور في مراكش ثم مراقباً للمالية حتى عام ١٦٢٧. وقد تمتع بنفوذ واسع، ويعود له الفضل في تعيين أعضاء عائلة بالاشى اليهودية سفراء للمغرب لدى هولندا. كما كان وراء إرسال أحد أقاربه إلى البندقية عام ١٦٠٦ لشراء سلع ثمينة للحاكم. وقد عُيِّن رئيساً لليهود (نجيد) في مملكة مراكش.
وفي إطار عمله كمراقب للمالية، أثار بن وايش احتجاجات الحكومات الأوربية بسبب تحيزه لصالح يهود إنجلترا وهولندا على حساب مسيحيي هاتين الدولتين. وقد اتُهم بالاختلاس ولكنه نجح في تبرئة نفسه.
جوزيف هامبرو (١٧٨٠-١٨٤٨)
Joseph Hambro
стр. 1740
تاجر ومالي يهودي دنماركي ومن يهود البلاط. وقد كان والده تاجر أقمشة وحرائر. وبدأ هامبرو حياته بائعاً متجولاً في شوارع كوبنهاجن، ثم تلقَّى تدريبه التجاري في مؤسسة تجارية في هامبورج وعاد إلى بلده ليحقق ثراءً كبيراً من خلال تجارة الجملة وتجارة جزر الهند الغربية. وقد كان هامبرو أول من أقام في الدنمارك طاحونة تعمل بالبخار. وقد عيِّن يهودي بلاط لملك الدنمارك وممثلاً للحكومة الدنماركية في المفاوضات المالية والاتفاقات التجارية مع بريطانيا والنرويج.
وقد كان هامبرو من اليهود المندمجين، فتزوج من امرأة غير يهودية، كما تنصَّر ابنه. وقد انتقل عام ١٨٣١ إلى لندن حيث أسس ابنه كارل (١٨٠٨ ـ ١٨٧٧) مؤسسة هامبروز المصرفية عام ١٨٣٩ والتي شاركت في تدبير القروض الحكومية وفي تمويل السكك الحديدية الدنماركية.
عائلة بليخرودر
Bleichroeder Family
стр. 1741
عائلة من رجال المال الألمان من بقايا يهود البلاط في عصر الرأسمالية الرشيدة. وقد أسس صمويل بليخرودر (١٧٧٩ ـ ١٨٥٥) مؤسسة بليخرودر المصرفية في برلين عام ١٨٠٣، والتي كانت على علاقة وثيقة ببيت روتشيلد حيث عملت كوكيل له في برلين، وهو ما ساعد على تزايد أهميتها في السوق المالي والمصرفي ابتداءً من عشرينيات القرن التاسع عشر. وقد تولى إدارة المؤسسة، بعد وفاة صمويل، ابنه جرسون فون بليخرودر (١٨٢٢ ـ ١٨٩٣) الذي وصلت مؤسسة بليخرودر في ظل إدارته إلى ذروة قوتها وتحوَّلت إلى أحد أبرز المؤسسات المالية في ألمانيا من خلال مساهمتها في تمويل الحروب وتمويل بناء السكك الحديدية. وقد كان جرسون بليخرودر يهودي بلاط فيلهلم الأول، وكانت تربطه علاقة وثيقة ببسمارك وأصبح مستشاره المالي والسياسي أيضاً. وقد ساهم في تمويل الحرب النمساوية ـ البروسية عام ١٨٦٦، كما اشترك في تحديد حجم التعويضات التي كان على فرنسا دفعها في نهاية الحرب الفرنسية ـ البروسية (١٨٧٠ ـ ١٨٧١) وساهم في تمويلها. ومع هذا فنحن نستخدم هنا مصطلح «يهود بلاط» على سبيل المجاز، إذ أن حجم نفوذ صمويل بليخرودر صغير بالقياس لحجم الرأسمالية الألمانية ومتطلبات الدولة الألمانية، ولذا قد يكون من الأدق إطلاق مصطلح «رأسمالي ألماني يهودي» عليه. وقد رُفع جرسون بليخرودر عام ١٨٧٢، وبتوصية خاصة من بسمارك، إلى مرتبة النبلاء. وخلال مؤتمر برلين لعام ١٨٧٨، استطاع من خلال علاقته ببسمارك انتزاع بعض المكاسب والحقوق ليهود دول البلقان.
وبعد وفاة جرسون بليخرودر، تولى أبناؤه الثلاثة، وقد تخلوا جميعاً عن الديانة اليهودية، إدارة مؤسسة بليخرودر. وقد كان لها نشاط مالي دولي واسع قبل اندلاع لحرب العالمية الأولى، كما شاركت في تمويل الصناعة الألمانية عقب الحرب. وقد فقدت الأسرة سيطرتها على المؤسسة في عام ١٩٣٨ بعد استيلاء السلطات النازية عليها.
عائلة سبير
Speyer Family
стр. 1742
عائلة يهودية ألمانية وأمريكية من رجال المال والبنوك، تعود جذورها إلى القرن السابع عشر في فرانكفورت بألمانيا.
وقد كان إسحق مايكل سبير (تُوفي عام ١٨٠٧) ، وهو من أحفاد مؤسِّس العائلة، من يهود البلاط الإمبراطوري. وقد حققت العائلة بنهاية القرن الثامن عشر ثروة طائلة من خلال نشاطها في مجالي تمويل الجيوش والمبادلات المالية. وقد ارتبطت عائلة سبير بعائلة إليسن اليهودية المالية حينما تزوج يوسف لازاروس سبير (١٧٨٣ ـ ١٨٤٦) منها. وتجسد هذا التحالف في مؤسسة سبير إليسن المصرفية في عام١٨١٨ والتي أصبحت عام ١٨٣٨ مؤسسة لازارد سبير أليسن المصرفية بعد تولي ابنه لازاروس يوسف سبير (١٨١٠ـ ١٨٧٦) إدارة أعمال الأسرة. وقد تأسس فرع لبنك سبير في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٣٧ بعد أن انتقل الأخوان فيليب سبير (١٨١٥ـ ١٨٧١) وجوستاف سبير (١٨٢٥ ـ ١٨٨٣) إليها. كما ساهم هذا الفرع في ربط ألمانيا بصفة خاصة وأوربا بصفة عامة بالسوق الأمريكي. وقد اشترك بالتعاون مع فرع فرانكفورت في تدبير القروض الأمريكية خلال الحرب الأهلية الأمريكية.
стр. 1743
وقد وصلت أعمال العائلة إلى ذروتها في ظل إدارة ابني جوستاف: جيمس سبير (١٨٦١ ـ ١٩٤١) الذي أدار الفرع الأمريكي، وإدجار سبير (١٨٦٢ -١٩٣٢) الذي تولى إدارة الفرع الإنجليزي. وقد ساهم الفرع الأمريكي، في ظل إدارة جيمس، في تمويل بناء السكك الحديدية الأمريكية والعديد من المؤسسات الصناعية الأمريكية، إلى جانب تدبير القروض للحكومات الأجنبية، وخصوصاً في أمريكا الجنوبية. وكانت الولايات المتحدة تشهد، في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، توسعاً سريعاً في مؤسساتها الصناعية والتجارية ومؤسسات الخدمات العامة، الأمر الذي خلق طلباً شديداً على رأس المال. وقد استطاع بنك سبير وغيره من البنوك الأمريكية المملوكة للعائلات اليهودية ذات الأصول الأوربية من تدبير رأس المال اللازم بكميات كبيرة وبشكل سريع نسبياً بفضل علاقتهم المتشعبة في أوربا وعلاقتهم الوثيقة فيما بينهم سواء من خلال الأعمال أو الزواج.
أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد اشترك بنك سبير في تدبير القروض ورأس المال الأمريكي للاستثمار في أوربا، خصوصاً في الصناعة الألمانية. وقد تأثرت مؤسسة سبير بالأزمة المالية العالمية لعام ١٩٢٩ والتي أوقفت تَدفُّق رأس المال بين أوربا والولايات المتحدة. وتمت تصفية فرع ألمانيا عام ١٩٣٤، وفرع الولايات المتحدة عام ١٩٣٩. أما فرع لندن، فقد صُفي خلال الحرب العالمية الأولى بعد أن اتُهم إدجار بالتعاطف مع ألمانيا.
مماليك مالية
Financial Mamlukes
стр. 1744
مصطلح «مماليك مالية» مصطلح قمنا بنحته ونستخدمه لوصف أوضاع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية، وذلك انطلاقاً من مفهومنا التحليلي الخاص بالجماعات الوظيفية المالية. ونحن حين نصف أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية المالية في الحضارة الغربية بأنهم «مماليك مالية» فإننا نستخدم مفهوم الجماعات الوظيفية لنربط بين أقنان البلاط ويهود البلاط وغيرهم من أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب ممن اضطلعوا بوظائف خاصة من جهة، والمماليك من جهة أخرى، أي أننا ربطنا الواقعة أو الظاهرة (الخاصة) التي قد تبدو فريدة داخل المجتمع الغربي بوقائع وظواهر مماثلة في مجتمعات أخرى، ومن ثم فهي تفقد كثيراً من تفردها وإطلاقها (وليس بالضرورة خصوصيتها) ، ويظهر النمط المتكرر الكامن دون السقوط في القوانين العامة المجردة. هذه، إذن، محاولة للوصول إلى نمط لا يستند إلى وقائع التاريخ الغربي ولا ينطلق منها بالضرورة، وإنما يستند إلى وقائع التاريخ الإنساني العام بما في ذلك التاريخ الغربي بالطبع. كما أنها محاولة لتعميق فهم القارئ العربي للظاهرة اليهودية في الحضارة الغربية، فالمماليك واقع مألوف لديه، وعن طريق ربط المألوف بغير المألوف والمعلوم بالمجهول يمكن فهم المجهول وغير المألوف. كما أن لمصطلح «مماليك» مقدرة تفسيرية عالية، حين يُطبَّق على الظاهرة اليهودية ثم الصهيونية وأخيراً على الدولة الصهيونية.
стр. 1745
ولنبدأ بمحاولة حصر بعض سمات الجماعات الوظيفية التي يتسم بها كل من المماليك، باعتبارهم جماعة وظيفية قتالية، وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الحضارة الغربية، فهذه السمات هي الأرضية المشتركة بين الفريقين. وسنلاحظ أن المماليك وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية هم جماعات وظيفية عميلة تضطلع بوظيفة متميِّزة أو مشينة أو كريهة (القتال في حالة المماليك، والتجارة والربا وجمع الضرائب في حالة اليهود) . كما كان يتم استجلاب كل من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية من خارج المجتمع، ليضطلعوا بوظيفة محدَّدة توكل إليهم، فهم غرباء نافعون يدخل معهم المجتمع في علاقة تعاقدية محددة. وكان يتم أيضاً عزل كل من المماليك وأعضاء الجماعة اليهودية عن بقية السكان، بل صارت العزلة الثقافية والإثنية أساس الانخراط في سلك هذه الجماعات. وهي عزلة تظهر في الأزياء التي كان يرتديها كلٌ من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية، وفي اللغة التي كانوا يتحدثون بها (اليديشية أو الشركسية أو غيرها من اللغات) ، وفي طريقة قص الشعر أو تصفيفه. وكان يتم عزل أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو وعزل المماليك في الثكنات العسكرية. وكان العزل يتم أصلاً لأن الانتماء العاطفي والحضاري للمجتمع المضيف يجعل من الصعب على المحارب أن يقتل من يحب ويجعل من الصعب أيضاً على التاجر أو المرابي أن يسلب ثروات من تربطه بهم علاقة قرابة، فالاضطلاع بالمهمة القتالية أو المالية يتطلب الموضوعية والحياد اللذين يتسم بهما الغريب.
стр. 1746
وكان أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية في الحضارة الغربية، والمماليك في المجتمعات العربية، يُعدّون ملكية خاصة للملك، وكلمة «مملوك» مشتقة من كلمة «ملْك» وتشير إلى العبد المملوكي وتعني «الخادم» أو «العبد» . أما أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى، فكان يُشار إليهم باسم «أقنان البلاط» ، (باللاتينية: «سيرفي كاميراي ريجيس servi camerae regis» ) وكلمة «سيرفوس servus» اللاتينية تعني «خادم» أو «قن» أو «عبد» . وقد كان كل من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية قريبين من النخبة الحاكمة، فهم أداتها في الاستغلال والقمع والغزو، ولذا تَركَّز الفريقان في المدن. ولنا أن نلاحظ أن كلاًّ من المماليك وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية يؤمن بأنه شعب مختار أو نخبة مختارة، وكان الإحساس بالحرية والحتمية (أو عبث الوجود) أمراً مشتركاً بينهما. كما أن أعضاء الجماعتين كانوا يطبقون معيارين أخلاقيين مزدوجين: واحد يُطبَّق على الجماعة الوظيفية المقدَّسة، والآخر على المجتمع المضيف المباح. وكان كل من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية يمتلك أداة يجيد استخدامها أكثر من أعضاء المجتمع المضيف: السيف في حالة المماليك، ورأس المال الربوي والخبرة التجارية والإدارية في حالة أعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا محط خوف الجماهير وكراهيتها، وأنهم سقطوا صرعى عمليات التحديث وظهور الدولة القومية الحديثة. ولعلنا لو قارنا إبادة المماليك على يد محمد علي وإبادة يهود الغرب على يد هتلر لاتُهمنا بالمبالغة والشطط، ولكنهما مع هذا مبالغة وشطط ينيران جوانب من الواقع.
стр. 1747
ومع أن أحداً من الدارسين لم يستخدم اصطلاح «مماليك» لوصف وضع اليهود في الحضارة الغربية، فإن المؤرخ الأمريكي اليهودي جيكوب أجوس اقترب كثيراً من المصطلح حين قال: «إن مكانة اليهود كغرباء كانت مهمة، إذ أن الطبقة الحاكمة كانت تستخدمهم كما كانت تستخدم المرتزقة تماماً، وكانت تفضلهم على الصيارفة المحليين للسبب نفسه الذي كانت من أجله تفضل المرتزقة على الفرق المحلية» .
وعلى كل حال، يبدو أن فكرة «المماليك» كانت في ذهن المُشرِّع الغربي في العصور الوسطى مع أنه لم يستخدم المصطلح نفسه. فوضع اليهود كأقنان بلاط كان يستند إلى قصة أسطورية متداولة تهدف إلى إضفاء شيء من الشرعية على وضع فريد داخل المجتمع الإقطاعي الغربي. وتروي القصة أنه أثناء حصار القدس عام ٦٠ ق. م، مات ثُلث اليهود من الجوع، وقُتل الثلث الثاني، أما الثُلث الأخير فقد قام المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس بإطعامهم ثم بيعهم للملك (أي الإمبراطور) تيتوس بعد سقوط القدس. وقد سلمهم الأخير إلى بلاط ملوك الرومان كي يصبحوا خدماً (أقناناً) للإمبراطورية على أن يقوم الملوك الرومان بحمايتهم. وقد بُعثت في القرن الرابع عشر الجزية الرومانية القديمة تحت اسم «ضريبة المليم» (بالألمانية: أوفربفينج Oferpfennig» ) دلالة على أن أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة قد ورَّثوا فسبسيان وتيتوس الهيمنة الكاملة على الشعب الذي هُزم واستُعبد مئات السنين من قبل.
стр. 1748
وإذا كانت أسطورة الشرعية هذه طريفة بقدر ما هي ساذجة، فهذا هو الحال مع معظم أساطير الشرعية. وما يهُمنا هو أنها تفترض وجود علاقة مالك ومملوك بين الحاكم وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في العصور الوسطى في الغرب. وبغض النظر عن سذاجة الأسطورة، فإن سلوك المجتمع الغربي في العصور الوسطى كان يفترض هذه العلاقة. ففي حالة قتل أحد اليهود، لم تكن الدّية تُدفَع لأسرة القتيل وإنما للإمبراطور أو الملك. كما كانت المواثيق تتحدث عن أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم أشياء تخص الملك ومن ميراثه ومنقولاته.
وقد أشار أجوس إلى أهم تجارب اليهود (المملوكية) في أوكرانيا. ومن المعروف أن ملوك بولندا لم ينجحوا في تجنيد البورجوازية في عملية تقليم أظافر طبقة النبلاء وتأسيس ملكية مطلقة كما حدث في باقي بلدان أوربا. بل حدث العكس، إذ استخدم النبلاء أعضاء الجماعة اليهودية أداةً لضرب البورجوازية وإضعاف مؤسسة الملكيَّة. وحينما ضمت بولندا أوكرانيا، اضطر النبلاء إلى إرسال أعضاء الجماعة اليهودية ليضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية الاستيطانية المالية في إطار ما نسميه «الإقطاع الاستيطاني» ، فكان أحد أثرياء اليهود يستأجر الضيعة بكل ما علىها ويدفع مبلغاً للنبيل الإقطاعي (البولندي الكاثوليكي) ثم يقوم هو بإدارتها وتحصيل عوائدها (الأرندا) ، وعادةً ما كان يُحضر أعضاء أسرته وذوي قرابته ويعيشون في مدن صغيرة أسسها لهم النبيل الإقطاعي تُسمَّى «شتتل» . وكان للوكيل اليهودي صلاحيات تقترب من صلاحيات النبيل الإقطاعي، كما كان يتدخل في كل النشاطات التجارية والحرفية وغيرها ليُوظفها لحسابه وليعتصر من دخل الفلاحين. فكان يفرض ضريبة على الملح وعلى المركبات وحتى على مفتاح الكنيسة، فإن أراد الفلاحون المسيحيون الأرثوذكس فتح الكنيسة كان علىهم دفع ضريبة للوكيل اليهودي.
стр. 1749
وكان الموقف متفجراً تماماً، ولذا كانت تحمي الجماعة اليهودية الوظيفية الاستيطانية المالية جماعة أخرى وظيفية استيطانية قتالية هي الجيش البولندي، أي أننا هنا أمام مثل جيد لمماليك مالية لا ينقصها سوى السيف لتصبح مماليك قتالية. بل إن ملامح تحول الجماعة الاستيطانية المالية إلى جماعة استيطانية قتالية كان قد بدأ يتضح، ولذلك كانت المعابد تُبنَى كالحصون (ولهذا كان يُطلَق عليها «القلعة/المعبد» (بالإنجليزية: فورتريس سيناجوج fortress synagogue) وتُفتح في جدرانها كوات لإطلاق نيران المدافع وتُنصب فوقها البنادق. وقد نص القانون على أن كل رب عائلة من عائلات يهود الأرندا يتعيَّن عليه أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور وثلاثة أرطال من خراطيش البارود. وقد حاربوا في نهاية الأمر إلى جوار القوات البولندية ضد شميلنكي والقوزاق. ومما يجدر ذكره أن يهود بولندا يشكلون غالبية يهود العالم، بل هناك نظرية تذهب إلى أن جميع يهود الغرب من نسل هؤلاء لا من نسل اليهود الأصليين في معظم بلاد الغرب الذين تم استيعابهم في مجتمعاتهم.
الباب الرابع: جماعات وظيفية يهودية أخرى (البغاء ـ الطب ـ الترجمة ... إلخ)
جماعات وظيفية يهودية مختلفة
Different Jewish Functional Groups
الجماعات الوظيفية القتالية، هي أهم الجماعات الوظيفية على الإطلاق. ولكن هناك أشكالاً لا حصر لها ولا عد من الجماعات الوظيفية، تختلف باختلاف احتياجات كل مجتمع ومرحلة تطوُّره وخطابه الحضاري. ومن أهمها: الجماعات التي تعمل في قطاع اللذة والطب والترجمة والجاسوسية. ورغم تنوع وظائف هذه الجماعات إلا أنها تتسم بكل أو معظم السمات التي تتسم بها الجماعات الوظيفية الأساسية من تعاقدية ونفعية وحياد إلى عزلة وغربة وحركية وعدم انتماء للمكان والزمان وتمركز حول الذات والموضوع.
стр. 1750
قطاع اللذة
Pleasure Sector
«قطاع اللذة» هو أحد القطاعات التجارية في المجتمع ويؤدي خدمة أساسية هي «الترفيه» وإشباع الملذات بطريقة شرعية أو غير شرعية. ونحن نُدرج تحت قطاع اللذة مهن مثل الراقصات ومهرجي السيرك والمضيفات في الملاهي الليلية و «العوالم» والبغايا وتجار المخدرات. كما يمكن أن يُضم إليه من يعمل في مجال السياحة والجانب الترفيهي من الإعلام ونجوم السينما ومضيفات الطيران.. إلخ.
وإذا كانت وظيفة عضو الجماعة الوظيفية، في وجه من وجوهها، أن يبيع للمجتمع المضيف خدمةً ما نظير مزايا يحصل عليها (فالتاجر والمرابي يمنحان المجتمع صلاتهما التجارية وخبرتهما المالية) ، فإن العاملين في قطاع اللذة في المجتمع يفعلون الشيء نفسه، فهو في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، قطاع تجاري مهمته تحقيق الربح لصاحب الاستثمار، دون الالتزام بأية مثاليات أو أخلاقيات، فهو يبيع سلعة تُسمَّى «اللذة» لا تختلف (في نظر البائع) عن أية سلعة أخرى مثل الكوكاكولا أو الخبز. وهو مثل أي تاجر محترف يحاول أن يوفر الخدمة للمستهلك على أحسن مستوى نظير أرخص الأسعار الممكنة. وفي حالة قطاع اللذة فإن صاحب الاستثمار يحقق هدفه عن طريق تعظيم اللذة مثل صناعة السينما (التي أصبحت ثاني أهم صناعة في الولايات المتحدة) والملاهي الليلية والبغاء والسياحة. ويدير قطاع اللذة، عادةً، عناصر مهاجرة أو أعضاء أقليات محلية لا تؤمن بالمنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع (نظراً لهامشيتها أو عدم تجذرها) على عكس أعضاء الأغلبية الذين يعيشون داخل هذه المنظومة وحسب قواعدها ويبذلون قصارى جهدهم في الحفاظ عليها. ويتوفر لدى أعضاء هذه الأقلية، عادةً، قدر من الخبرات اللازمة لإدارة هذا القطاع مما قد لا يتوفر لأعضاء الأغلبية. وحتى بعد أن تتآكل المنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع، ويكتسب بعض أعضاء الأقليات الخبرات اللازمة، يظل هناك وجود ملحوظ لأعضاء الأقليات من المهاجرين. وقد لوحظ تركُّز
стр. 1751
أعضاء الجماعات اليهودية في هذا القطاع (انظر الباب المعنون «الكوميديا والسينما والجماعة اليهودية» في المجلد الثالث) .
البغاء وتجارة الرقيق الأبيض
Prostitution and White Slavery
«البغاء» هو أحد الوظائف المندرجة تحت قطاع اللذة. وتعريف البغاء أمر خلافي وإن كان قد تم الاتفاق على أن البغي هي من تقوم بإشباع الرغبات الجنسية لعملائها نظير أجر تتقاضاه، ولذا يرى بعض الدارسين أن البغاء نشاط اقتصادي وحسب، فهو تجاري في جوهره، وأن «البغيّ» إن هي إلا عاملة جنس (بالإنجليزية: «سكس وركر sex worker» ) وهم بذلك يرون أنهم قد طوروا مصطلحاً محايداً، منفصلاً عن المنظور القيمي.
стр. 1752
وكلمة «البغاء» تقابلها في العبرية كلمة «زينوت» . وقد كانت البغيُّ شخصية مقبولة وإن كانت مُحتقَرة في المجتمع العبراني القديم. ففي سفر التكوين (٣٨/١٤ ـ ١٩) جاء أن يهودا عاشر عاهرةً نظير أجر. ولا يوجد في السياق ما يدل على أن هذا أمر مرفوض أخلاقياً (وقد اتضح فيما بعد أن العاهرة هي تامار زوجة ابنه الذي مات، وقد أنجبت من والد زوجها طفلين) . ويذكر سفر يشوع قصة العاهرة راحاب التي ساعدت العبرانيين على دخول أريحا (يشوع ٢/١ ـ حتى نهاية السفر) . وترد في سفر الملوك الأول ٣/١٦) ـ ٢٧) قصة سليمان مع الأُمَّين اللتين تنازعتا طفلاً، وهما في القصة عاهرتان. وتوجد في سفر القضاة (١٦/١) إشارة إلى زيارة شمشون لعاهرة في غزة. بل ويمكن أن نفهم من السياق في العهد القديم أن إبراهيم قد استفاد مالياً من العلاقة الجنسية لزوجته بفرعون مصر، وقد تكررت الحادثة بعد ذلك. كما يبدو أن إستير (البطلة اليهودية التي يُقرأ السفر المسمَّى باسمها في عيد النصيب) هي الأخرى عاهرة. والإشارات والقصص كافة تفترض أن مهنة البغاء مهنة طبيعية، قد تكون وضيعة ولكنها، مع هذا، جزء من البناء الاجتماعي والأخلاقي. وقد ورد في العهد القديم فقرات لا تُحرِّم البغاء في حد ذاته، وإنما تُحرِّم على العبرانيين أن يدعوا بناتهم يعملن بهذه المهنة: «لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة» (لاويين ١٩/٢٩) ، وهناك فقرات تُحرِّم على الكهنة الزواج من عاهرات: «امرأة زانية أو مدنَّسة لا يأخذ ولا يأخذوا امرأة مطلقة من زوجها» (لاويين ٢١/٧) . وهي تحريمات ليست عامة أو مطلقة وإنما مقصورة على أفراد معيَّنين وتحت ظروف معيَّنة. ولذا، فإننا نجد إشارات عديدة في العهد القديم إلى عاهرات يقمن بوظيفتهن بشكل شبه عادي (أمثال ٧/١٠ ـ ٢٣، أشعياء ٢٣/١٦، ملوك ٢٢/٣٨) .
стр. 1753
ورغم وجود البغاء بين الذكور والإناث في المملكة العبرانية المتحدة، ثم في المملكتين الشمالية والجنوبية، فإن البغاء المقدَّس الذي كان يُمارَس آنذاك في الشرق الأدنى القديم لم يجد طريقه إلى العبادة اليسرائيلية. كما كان يتم طرد البغايا في فترات الإصلاح الديني بسبب ارتباط البغاء بالعبادات الوثنية. وكان الأنبياء يستخدمون الزنى كصورة مجازية للتعبير عن انصراف الشعب عن الإله وخيانته إيَّاه. ومع هذا يبدو أن بعض طقوس العبادات الكنعانية، ذات الطابع الجنسي الواضح، قد وجدت طريقها إلى العبادة اليسرائيلية.
ويُحرِّم التلمود البغاء بين اليهود تماماً. وهناك أجزاء كثيرة في التلمود تنعت البغاء بكل الصفات السلبية، وتبين عقوبة من يعمل بهذه المهنة البغيضة. وبشكل عام، فقد اختفت المهنة بين اليهود في العصور الوسطى وما بعدها، لكن هذا لم يمنع وجود حالات من البغايا اليهوديات والقوادين اليهود. ورغم أن المواخير كانت، في كثير من الأحيان، تُشيَّد خارج المدينة، بالقرب من الجيتو، فإن عدد اليهود الذين اشتغلوا بهذه المهنة كان نادراً بالقياس إلى النسبة السائدة بين الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. وقد وردت أحكام في الشريعة اليهودية ضد العاهرات اليهوديات، وضد اليهود الذين يزورون المواخير. ولكن الشريعة اليهودية تقر حق العاهرة في الحصول على أجرها، كما تعطي حق الطلاق لليهودية التي يذهب زوجها إلى ماخور. ومع هذا، فإن التلمود يعتبر إناث الأغيار «زوناه» ، أي عاهرات حتى لو تهودن.
стр. 1754
وفي العصر الحديث، ومع مشاكل التحديث في الغرب، أخذت الصورة تتغيَّر بشكل جوهري. ففي الفترة بين عامي ١٨٨٠ و١٩٣٠، عمل عدد كبير من اليهود في تجارة الرقيق الأبيض قوادين وعاهرات، وأصبحت منطقة الاستيطان في روسيا، خصوصاً جاليشيا، أهم مصدر للعاهرات في العالم بأسره، وامتدت شبكة الرقيق الأبيض اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ومنها إلى الشرق، فكانت هناك مراكز في جنوب أفريقيا ومصر والهند وسنغافورة والصين. وقد أصبح البغاء جزءاً من حياة قطاعات بعض يهود اليديشية في شرق أوربا حتى صار عملاً محايداً ـ مجرد نشاط اقتصادي ومصدر للرزق ـ وتحولت قطاعات من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تعمل بالبغاء. وقد أشار أحد الأطباء اليهود من غرب أوربا إلى أن كثيراً من أمهات البغايا كن ينظرن إلى البغاء باعتباره مصدراً مشروعاً للرزق. ومسرحية الانتقام للكاتب اليديشي شولم آش توضح هذه الصورة، فبطل المسرحية يدير ماخوراً للدعارة في الدور الأرضي من منزله، ولكنه يصر على أن هذا لا علاقة له بالقيم الأخلاقية التي تسود بين أعضاء أسرته (وازدواجية الأخلاق هي إحدى سمات الجماعة الوظيفية) . وبغتة تفر ابنته من المنزل وتعمل بالدعارة في ماخور آخر. وحين تعود نادمة على فعلتها، يرفضها أبوها ويرسلها إلى الدور الأرضي لتعمل فيه مع بقية البغايا. وقد أصبحت البغيّ اليهودية شخصية معروفة في كثير من عواصم أوربا وإلى جوارها القواد اليهودي الذي لم يكن يكتفي بطبيعة الحال بتجنيد البغايا اليهوديات، وإنما كان يتاجر بفتيات من كل قطاعات المجتمع. وقد أصبح القفطان (زي يهود اليديشية) رمز تجارة الرقيق الأبيض، كما أصبحت اليديشية لغة هذه التجارة. وقد زاد عدد البغايا اليهوديات بشكل واضح في النمسا حيث زاد عدد اليهود في فيينا من بضعة آلاف في منتصف القرن التاسع عشر إلى مائة وخمسين ألفاً مع نهايته، وحيث زادت معدلات العلمنة بشكل واضح وتفشت قيم اللذة.
стр. 1755
وقد ذهب هتلر إلى فيينا، ولاحَظ الوجود اليهودي في هذه التجارة المشينة، وسجل ملاحظته في كتابه كفاحي. كما شهدت ألمانيا نفسها نشاط البغايا والقوادين اليهود بشكل مكثف إذ أنها كانت المعبر بين جاليشيا وبقية العالم. وقد ترك ذلك أثره بطبيعة الحال في أدبيات معاداة اليهود التي وجدت في هذا قرينةً على مؤامرة اليهود على العالم ومحاولتهم إفساده، وخصوصاً أنهم كانوا مُركَّزين بشكل واضح أيضاً في المجلات الإباحية وفي القطاعات الاقتصادية المماثلة.
وكانت الأرجنتين تُعَدُّ أهم مراكز البغاء اليهودي في العالم (وتوجد هناك، حتى الآن، دار للمسنين تضم البغايا اليهوديات المسنات) . وقد بلغ تجار الرقيق الأبيض اليهود درجة من القوة مكنتهم من التحكم في المسرح اليديشي، وفي جوانب أخرى كثيرة من حياة الجماعة اليهودية. ويرجع هذا إلى وجود قطاع اقتصادي لا بأس به، من بقالين وأصحاب عقارات وخياطين وغيرهم، مرتبط بهؤلاء التجار، ولذا فقد كونوا جماعة ضغط. ولكنهم، مع هذا، فشلوا في السيطرة على الجماعة اليهودية بشكل تام، كما فشلوا في الحصول على القبول الاجتماعي من جانبهم. وقد كانت الجماعة تطلق عليهم مصطلح «تميم» ، أي «المدنَّسين» ، فاضطروا إلى تكوين جماعة يهودية مستقلة. وبرغم اشتغال هؤلاء القوادين بالبغاء، فإنهم أصروا على التمسك بهويتهم اليهودية، فكانت لهم معابدهم وحاخاماتهم وقبورهم، كما كانوا يحتفلون بالأعياد اليهودية. وهكذا كانت بوينس أيريس عاصمة البغاء في العالم.
следующие страницы →