← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ويمكن القول بأن موقع فلسطين الجغرافي يجعل منها دولة حدودية. ولكن حدودية فلسطين ليست صفة جغرافية ثابتة وإنما صفة تاريخية عارضة. فحدودية فلسطين لا تظهر إلا مع تجزؤ المنطقة، وفي غياب قوة محلية تقوم بتوحيدها. فهي قريبة من حدود آسيا مع أفريقيا وتطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، وتُعَدُّ مدخلاً لبلدان وادي الرافدين ومفتاحاً للشام ومصر، وهي الطريق الذي يصل آسيا بأفريقيا ويربط مصر بإمبراطوريات الشرق. ولذا، نجد أن معظم الفاتحين منذ عهد الإسكندر (أول غاز غربي للشرق) كانوا يسعون للاستيلاء على فلسطين لتكون ركيزة مشروعهم الاستعماري. وقد كانت هدفاً عَبْر تاريخها للهجرات والغزوات ابتداءً من التسلل العبراني إلى كنعان الذي تزامن مع غزوة شعوب البحر (الفلستيين) . كما كانت هدفاً للغزو الآشوري فالبابلي فالفارسي فاليوناني والروماني، ثم موضع صراع بين البطالمة والسلوقيين، ثم هدفاً لحروب الفرنجة. وقد قام بسماتيك الثاني (٥٩٤ ـ ٥٨٨ ق. م) بتوطين بعض الجنود العبرانيين المرتزقة في جزيرة إلفنتاين باعتبارهم جماعة وظيفية استيطانية قتالية. وكانت إلفنتاين تقع على حدود مصر الجنوبية وكانت ذات أهمية إستراتيجية خاصة، كما كانت مركزاً للمحاجر المصرية. وتحوَّلت فلسطين، بعد أن ضمتها الإمبراطورية اليونانية، إلى مسرح للصراع بين السلوقيين والبطالمة. ومع بداية ظهور الرومان، تحالف معهم الحشمونيون، وتمكنوا من تأسيس دولتهم المستقلة في مرحلة مفصلية أو حدودية ثانية. وبعد أن ضمتها الإمبراطورية الرومانية، صارت فلسطين أحد مسارح الصراع بين الرومان والفرثيين الذين هيمنوا على بلاد الرافدين آنذاك. وقد ظهرت في تلك الفترة إمارة حدياب التي كانت إمارة حدودية تقع بين الدولة الفرثية والإمبراطورية الرومانية. لكن الصراع حُسم لصالح الرومان وقُضيَ على الإمارة اليهودية. وبهذا، أصبحت فلسطين مقاطعة تابعة يحكمها الحاكم الروماني مباشرةً.

стр. 1787

وفي القرن الأول قبل الميلاد، بدأ اليهود يغادرون فلسطين في أعداد كبيرة وينتشرون في بقاع الأرض، ولكن هذا الانتشار تركَّز في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط. ولم تَعُد فلسطين المركز الديني أو السكاني لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، لأنها أخذت تفقد الخاصية الحدودية. وقد فقدت فلسطين حدوديتها تماماً بعد فترة الصراع بين البيزنطيين والفرس، حيث أصبحت جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري العربي الإسلامي. واستمر هذا الوضع حتى القرن الحادي عشر حيث جاءت حملات الفرنجة وتأسست ممالك الفرنجة في فلسطين. ولكن هذه الحملات فشلت في تحقيق هدفها وهو تحويلها إلى جزء من حدود أوربا في الشرق. وبالمثل، تتسم بعض الجماعات اليهودية الأخرى في العالم بهذه «الحدودية» . وإذا صدقنا دعاوى بعض المؤرخين القائلة بأن ملوك حمير قد اعتنقوا اليهودية في القرن السادس، أثناء صراعهم مع أباطرة إثيوبيا من الأقباط، فيمكننا اعتبار اليمن آنذاك منطقة حدودية تقع بين التشكيل الحضاري السامي الوثني في الجزيرة العربية وإثيوبيا المسيحية المتحالفة مع بيزنطة. وقد استوطن أعضاء الجماعات اليهودية في الهند: في بومباي وجوا وكوشين، وكلها موانئ ومناطق للتجارة. ومن أهم الأمثلة على هذه الصفة الحدودية، إمبراطورية الخزر اليهودية الصغيرة التي كانت تقع على الحدود بين الإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية من جهة والسهوب الروسية التي كانت تسكنها قبائل سلافية وثنية من جهة أخرى. وقد اكتسبت هذه الإمبراطورية أهميتها بسبب موقعها الحدودي ودورها بين هذه القوى. ولكن، حينما تنصَّر الروس في القرن العاشر وتحولوا إلى قوة روسية أرثوذكسية متحالفة مع بيزنطة، وازداد ضعف المسلمين العرب، تم القضاء على إمبراطورية الخزر التي لم يعد لها دور تلعبه.

стр. 1788

وقد استوطن أعضاء الجماعات اليهودية، بعد الفتح العربي، في شبه جزيرة أيبريا، وهي المقاطعة المتاخمة للحدود مع العالم المسيحي. ومع هذا، كان أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمع العربي الإسلامي يفتقدون خاصية الحدودية هذه، حيث كانوا من صميم المجتمع العربي في الأندلس. وعلى أية حال، فإن صفة الحدودية لم تتبلور إلا بتحول الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومما قد يكون له دلالته وطرافته أن أول وجود لأعضاء الجماعات اليهودية داخل القارة الأوربية كان في روما (العاصمة الإمبريالية) ثم في كولونيا (وهي معسكر روماني أُسِّس في تلك المنطقة التي تتحكم في وادي الراين، ويعود اسمها إلى كلمة «كولون Colon» اللاتينية ومعناها «مستعمرة» ، وقد أُخذت كلمة «كولونيالية» بمعنى «استعمار» من الأصل نفسه) . وقد أصبحت كولونيا، بسبب موقعها المتميِّز، مقراً لأحد أهم الأسواق في أوربا. ويمكن القول بأن خاصية الحدودية كانت خاصية جنينية تظهر وتختفي داخل القارة الأوربية وخارجها، ولم تصبح خاصية عامة وأساسية وثابتة للجماعات اليهودية في أوربا إلا بحلول العصور الوسطى في الغرب. ولعل هذا يعود إلى التركيب الإقطاعي المسيحي للمجتمع والذي لم يحدد وضع الأقليات غير المسيحية، وهو ما جعل اليهود وأمثالهم غرباء. لكن هذا المجتمع كان، مع ذلك، مجتمعاً يضم النبلاء والفرسان من جهة والفلاحين من جهة أخرى، بحيث كانت تفصل بين الجانبين هوة لم يكن بوسع التجار المحليين ملؤها. وقد قام اليهود بملء هذه الشقوق والفراغات وتوسيعها حتى أصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الأساسية في أوربا في العصور الوسطى. والجماعات الوظيفية الوسيطة تتكون عادةً من أقلية إثنية تقوم بمهام التجارة والربا وغيرها من المهام التي لا تقوم بها الطبقات الأساسية في المجتمع.

стр. 1789

وكان اليهود، بوصفهم جماعة وظيفية مالية وسيطة، يقومون بما يُسمَّى التجارة البدائية. لكن هذه التجارة البدائية نشاط اقتصادي ليس من صميم العملية الإنتاجية، ولذا فهي تمثل نشاطاً حدودياً بين الأنشطة المختلفة. إذ كان التاجر البدائي ينقل السلع من مجتمع إلى آخر، فيحضر السلع التَرفيِّة مثلاً من الشرق إلى المجتمع الإقطاعي الغربي ويأخذ منه العبيد والفراء. لكن هذا التاجر البدائي لم يكن منتمياً لا إلى هذا العالم ولا إلى ذاك، لا إلى الشرق ولا إلى الغرب. وقد وضع ماركس يده على هذه الخاصية حينما قال إن اليهود يعيشون في مسام المجتمع الإقطاعي، أي على حدوده. ولم يكن النشاط الربوي اليهودي مختلفاً، فقد كان المرابون اليهود يقفون في واقع الأمر على الحدود بين الأمير الإقطاعي الذي كان يُدعَى شيخ المرابين والفلاحين وأشباههم ومن هم في مكانتهم الاجتماعية. وكان المرابون يمتصون ثروات الفلاحين ثم يقوم الأمير بدوره بامتصاصهم، ومن هنا كان يُطلَق عليهم «الإسفنجة» . وكانت وظيفة التاجر والمرابي اليهودي تسقط بسد الفجوة الزمنية وظهور طبقة محلية تضطلع بوظيفة الاتجار وأعمال الصيرفة. وكان من أهم وظائف الجماعة الوظيفية اكتشاف مجالات الاستثمار الخفية، والقيام بدور ريادي في الأراضي غير المأهولة وفي المشاريع الخطرة إذ تكون الأشكال التقليدية للاستثمار موصدة دونهم. كما أن العناصر الوسيطة عناصر أكثر حركية ولأنها لا تقع تحت طائلة القوانين الإقطاعية الصارمة. وقد اضطلع كثير من الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية، ومن ثم كانوا يقعون خارج المجتمع وخارج هيكله القانوني، يرتادون المناطق غير المأهولة والمجالات الاستثمارية غير المألوفة.

стр. 1790

وقد عمَّق حدودية اليهود بعض الأفكار الدينية اليهودية والمسيحية الغربية: أولها فكرة الشعب الشاهد (الكاثوليكية) التي ترى ضرورة الحفاظ على اليهود في حالة ضعَة ومذلة ليقفوا شاهداً على عظمة الكنيسة، والشعب الشاهد ليس جزءاً من المجتمع إذ يجب عليه أن يقف على الحدود كي يشهد على كل شيء ويشاهده. والفكرة الثانية هي فكرة الماشيَّح اليهودية، أي الملك الذي سيأتي من نسل داود ليخلِّص اليهود من نير الأغيار ويعود بهم إلى وطنهم القومي، ويقف بذلك شاهداً على عظمة اليهود وعلى ضعَة الآخرين. ولقد ساهمت الفكرتان معاً في تعميق غربة اليهود وانعزالهم وتفكيك أواصر الصلة بينهم وبين البلاد والشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. ثم جاء الفكر البروتستانتي الاسترجاعي فمزج الفكرتين، وأصبح الشعب الشاهد هو نفسه الشعب المقدَّس الذي يجب استرجاعه إلى فلسطين لتنصيره حتى يتم التخلص منه والخلاص للجميع. وتنطوي كل هذه الرؤى الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية، على افتراض مفاده أن اليهود شعب غريب لا جذور له. ولقد أصبحت حدودية اليهود في المجتمع الغربي وضعاً طبقياً ووظيفياً محدَّداً يسانده بناء فكري وديني، وهو ما يعني أن هذا الوضع كان قائماً على مستوى الواقع وعلى مستوى الوعي. وبذا تحددت صورتهم وتبلورت، وتحدَّد دورهم كعنصر وظيفي وسيط. وقد تعاملت معهم أوربا في هذا الإطار حتى عام ١٩٥٠ تقريباً؛ أي بعد الإبادة النازية وقيام الدولة الصهيونية واندماج يهود الولايات المتحدة.

стр. 1791

وكانت حدودية أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية هي العنصر الأساسي الذي حدد مواطن استقرارهم. ففي العصور الوسطى، استقر اليهود في إنجلترا (مع الغزو النورماندي) في الموانئ والمراكز التجارية مثل لندن. وظل اليهود مرتبطين بالعنصر الفرنسي الغازي إلى أن طُردوا من إنجلترا في القرن الثالث عشر. وفي بقية القارة الأوربية، اتخذ استقرارهم الشكل نفسه؛ وقد أشرنا من قبل إلى استيطانهم كولونيا. كما أنهم استوطنوا أيضاً مدناً تقع على نهر الراين مثل فرانكفورت وورمز وسبير ومتز، أو على أنهار أخرى مثل مدينة أوجسبرج وماجدبرج وبراغ. والأنهار كما هو معروف من أهم طرق النقل والتجارة، وبخاصة قبل الثورة الصناعية.

стр. 1792

واستمر النمط نفسه وتعمَّق في شبه جزيرة أيبريا، حيث بقي بعض أعضاء الجماعة، بعد الفتح الإسلامي، في الجيوب المسيحية في الشمال. وقد أسس شارلمان جيباً يُسمَّى «ماركا هيسبانيكا» في جبال البرانس ووطَّن فيه الرواد اليهود، ليكون حاجزاً ضد الزحف الإسلامي. وتدل الوثائق على أن أعضاء الجماعة اليهودية في هذا الجيب كان لهم حق امتلاك الأراضي الزراعية والعمل فيها وشرائها وبيعها واستئجارها وتأجيرها. ونظراً لعدم وجود كثافة بشرية مسيحية، كان العنصر اليهودي، أثناء الغزو المسيحي التدريجي لشبه جزيرة أيبريا، من العناصر الأساسية التي اعتمدت عليها الجيوش الغازية. وقد انخرط اليهود في تلك الجيوش التي كانت تستخدمهم كجماعة وظيفية استيطانية في الأراضي المفتوحة، حيث كان يتم منحهم مرة أخرى حق امتلاك الأراضي وزراعتها في وقت كانت الأرض فيه مصدر رزقهم الأساسي. وقد تكرر النمط نفسه في مورسيا وبالنسيا ولامنشا ومقاطعة الأندلس وغيرها. كما مُنح اليهود حق فتح محالٍّ تجارية شريطة أن يستوطنوا مع أسرهم. وبعد استقرار الحكم المسيحي في شبه جزيرة أيبريا، ومع انحسار المد العربي الإسلامي، فقد شبه الجزيرة صفته الحدودية، وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية بعد زواج فرديناند وإيزابيلا ونجاحهما في استكمال غزو شبه الجزيرة ببضعة أشهر.

стр. 1793

وقد انتشر يهود السفارد ويهود المارانو (المتخفون) الذين طُردوا من إسبانيا والبرتغال في أنحاء المعمورة. وكانوا يتسمون بدرجة عالية وحادة من الحدودية، أي أنهم كانوا على معرفة تامة بالحضارتين السائدتين آنذاك: حضارة المسلمين في الشرق، وحضارة المسيحيين في الغرب. كما كان يهود المارانو يقفون على الحدود بين العالمين اليهودي والمسيحي، فهم يهود في الخفاء مسيحيون كاثوليك في الظاهر، الأمر الذي سهل لهم التحرك بين الجماعتين. هذا إلى جانب أن كثيراً منهم احتفظ برأسماله واتصالاته داخل شبه الجزيرة الأيبيرية، حتى بعد أن طُردوا منها، حيث كانوا يعودون إليها ليصرِّفوا أمورهم، ثم ينتقلون إلى أوطانهم الجديدة. وكانت السلطات الفرنسية والألمانية تعرف أنهم يهود متخفون، ومع ذلك سمحت لهم هذه السلطات بالاستيطان باعتبارهم كاثوليكيين من البرتغال أو إسبانيا حتى تستفيد من اتصالاتهم الدولية ورأسمالهم. وقد أدَّى طردهم من أيبريا إلى اتساع نطاق نشاطهم الدولي وازدياد نطاق حدوديتهم، إذ وُجدت أعداد كبيرة منهم في شتى مناطق التجارة العالمية، وفي المدن والموانئ الأوربية والعثمانية.

стр. 1794

كما استقرت أعداد كبيرة منهم في موانئ مثل بايون وبوردو في فرنسا أو في مدن ذات أهمية تجارية خاصة مثل برودي في جاليشيا أو في مدن مثل فرانكفورت وغيرها من المدن الألمانية التي كانوا قد طُردوا منها. ومن أهم المدن التي استقروا فيها مدينة أمستردام عاصمة هولندا، وهي من أهم الموانئ التي تطل على المحيط الأطلنطي، أي أنها تقع على حدود العالم القديم المواجهة للعالم الجديد. كما استقروا في لندن، وهي أحد أهم مراكز التجارة الأطلنطية التي كانت قد بدأت تحل من حيث الأهمية محل التجارة مع الشرق. وكانت كل من أمستردام ولندن عاصمة لامبراطورية صغيرة ناشئة، وعاصمة الإمبراطورية هي دائماً مفترق الطرق والنقطة التي يتم فيها عقد الصفقات وتوزيع الغنائم، وهي أيضاً النقطة التي تستأثر بنسبة عالية من الثروات التي تصب من المستعمرات. وحينما استوطن اليهود في العالم الجديد في الفترة نفسها، استقروا في نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) وجزر الهند الغربية، أي في مناطق تجارية على حدود العالم الجديد المواجه للعالم القديم. وقد لعب يهود المارانو والسفارد دوراً مهماً في نشأة الرأسمالية بسبب خاصيتهم الحدودية. وقد وُجدت أعداد كبيرة أيضاً من اليهود في مقاطعتي الألزاس واللورين، على الحدود بين ألمانيا وفرنسا، وهما المقاطعتان اللتان تنازعتهما الدولتان حيث ضمتهما فرنسا في القرن الثامن عشر ثم ضمتهما ألمانيا في عام ١٨٧٠، واستعادتهما فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى ثم ضمتهما ألمانيا فترة قصيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، إلى أن استرجعتهما فرنسا بعد ذلك.

стр. 1795

لكن أكبر تَجمُّع يهودي في أوربا وفي العالم الحديث كان في بولندا، وهو ما نسميه «يهود اليديشية» . وقد هاجر إليها اليهود للاشتغال بالتجارة، واستقروا في وارسو وكراكوف وغيرهما من المدن. وبولندا، من ناحية ما، بلد حدودي يقع بين روسيا وبحر البلطيق ويربط بين غربي أوربا وشرقيها. وقد ظلت قوة عظمى مادامت الكتلة الروسية منكمشة والقوة الألمانية مقسمة إلى وحدات صغيرة متنازعة. ولكنها فقدت نفوذها ومكانتها بظهور حكومات مركزية قوية في روسيا وألمانيا اللتين أخذتا تتنازعانها فيما بينهما، وهي في هذا تشبه فلسطين التي تتنازعها الإمبراطوريات العظمى. وتظهر حدودية بولندا بشكل حاد في عملية تقسيمها بين روسيا وألمانيا والنمسا إذ قُسِّمت ثلاثة أقسام حتى أنها اختفت ككتلة سياسية مستقلة طوال القرن التاسع عشر بعد أن كانت أكبر دولة أوربية لها حدود مع الإمبراطورية العثمانية. وقد تم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية بتقسيم بولندا، فضُم قطاع منها إلى ألمانيا (بوزن أو بوزنان) وضُم قطاع آخر إلى النمسا (جاليشيا) وضُم الجزء الأكبر إلى روسيا. وإذا كانت بولندا دولة حدودية، فإن أكثر أقاليمها حدوديةً هو أوكرانيا التي يعني اسمها «البلد الذي على الحدود» . وقد انتقلت أعداد كبيرة من اليهود إليها بعد ضمها إلى بولندا في القرن السادس عشر، ليقوموا بدور جماعة وظيفية استيطانية مالية تمثل مصالح النبلاء الإقطاعيين هناك. وتزايد استيطانهم خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد قاموا بدور جمع الضرائب والصيرفة، فيما يُعرَف باسم نظام الأرندا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية على الحدود جغرافياً في أوكرانيا، وعلى الحدود مجازياً (بين النبلاء الكاثوليك والفلاحين الأرثوذكس) . ولذا، حينما قامت ثورة شميلنكي الأوكرانية، اكتسحتهم في طريقها. وضمت روسيا منطقة أوكرانيا فيما ضمت من أراض بولندية.

стр. 1796

وعندما قامت الإمبراطورية الروسية بضم الإمارات التركية الموجودة حول البحر الأسود، وطنت اليهود في المناطق الجديدة المفتوحة التي عُرفت باسم «روسيا الجديدة» وبخاصة في ميناء أوديسا، وذلك لصبغها بالصبغة الروسية ولنزع الصبغة التركية عنها. وفي عام ١٩٢٨، طرحت الحكومة السوفيتية مشروعاً لتوطين اليهود في القرم، وهي من أكثر المناطق حدوديةً في العالم حيث حكمها اليونان والرومان والقوط والهن ويهود الخزر والبيزنطيون والمغول وجمهورية جنوة والعثمانيون ثم الروس، كما غزاها الألمان لفترة قصيرة أثناء الحرب العالمية الثانية. ولكن الحكومة السوفيتية تخلت عن المشروع ونفذت مشروع إقليم بيروبيجان. ويبدو أن المشّرع السوفيتي كان واعياً بخاصية الحدودية في الجماعات اليهودية حينما وطنهم في منطقة على الحدود مع الصين غير بعيدة عن اليابان. ولكن السوفييت، برفضهم توطين اليهود في منطقتي أوكرانيا والقرم، لقربهما من ألمانيا والدول الغربية التي قد تجندهم لصالحها، كانوا يتبعون سياسة القياصرة الذين أصدروا قراراً في القرن التاسع عشر بعدم السماح لليهود بالسكنى إلا على مسافة خمسين فرسخاً من الحدود الأوربية، وذلك خشية تعاونهم مع الدول المعادية، خصوصاً أن اليهود كانوا يتحدثون اليديشية وهي رطانة ألمانية. كما أن التوجه الثقافي ليهود روسيا في القرن التاسع عشر كان ألمانياً في الأساس. ويُلاحَظ أن أكبر تجمُّع يهودي في العالم يوجد اليوم في الولايات المتحدة، كما أن أكبر نقاط تركُّز أعضاء الجماعة هي نيويورك: المنطقة الحدودية بين الولايات المتحدة وأوربا. ولكن يجب التنبه إلى أن الحدودية الوظيفية لليهود في المجتمع الأمريكي قد تضاءلت وربما اختفت تماماً. ولعل هذا يفسر بداية تضاؤل حدوديتهم على الصعيد الجغرافي، إذ بدأوا يبتعدون عن مراكزهم الحدودية التقليدية وينتشرون في أنحاء أمريكا.

стр. 1797

ومع هذا، يمكن اعتبار اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالبغاء تعبيراً عن الظاهرة نفسها. فمع علمنة الرغبة في المجتمع الغربي، دون علمنة السلوك، ظهرت فجوة بين الرغبة الجنسية وإشباعها كان لابد من ملئها عن طريق جماعة وظيفية. وكان اليهود قد فقدوا وظيفتهم كتجار صغار، فتحولت أعداد كبيرة منهم إلى العمل بهذه التجارة المشينة. وقد قُضي على هذه الظاهرة مع تزايد معدلات علمنة السلوك في المجتمع الغربي، بحيث أصبح من الممكن تحقيق الإشباع الجنسي من خلال الإناث المحليات ممن يردن تعظيم ربحهن وزيادة دخلهن دون حاجة إلى وساطة عنصر وظيفي.

стр. 1798

ويبدو أن اللغات التي تحدَّث بها العبرانيون وأعضاء الجماعات اليهودية تتسم بالحدودية نفسها. فالعبرانيون في مصر كانوا يتحدثون في الغالب لغة المصريين القدامى بعد أن أدخلوا عليها مصطلحات سامية بحيث أصبحت رطانة خاصة بهم، أو لعلهم كانوا يتحدثون بإحدى اللهجات السامية بعد أن أدخلوا عليها كلمات وتعبيرات مصرية (قديمة) . وقد ظل هذا هو النمط اللغوي بين أعضاء الجماعات: أن يتحدثوا لغة الأقوام التي يعيشون بينها بعد أن يُدخلوا عليها ألفاظاً عبرية بحيث تصبح رطانة خاصة بهم، وكانوا عادةً يكتبونها بالحروف العبرية. والرطانة هي طريقة في الحديث مختلفة عن النمط اللغوي السائد، ولكنها لا ترقى إلى مستوى النسق اللغوي المستقل، أي أنها تقف على «حدود» اللغة الأم: لا تنتمي إليها كليةً وفي الوقت نفسه لا تنفصل عنها، تماماً كما هو حال الجماعة الوظيفية التي توجد في المجتمع دون أن تكون منه. وقد كان هذا هو حال اللغة اليديشية التي يصنفها علماء اللغة باعتبارها رطانة ألمانية إذ أن بنيتها في الأساس بنية ألمانية العصور الوسطى. وقد دخلت عليها كلمات من السلافية والعبرية وغيرهما بعد أن نقلها اليهود معهم إلى بولندا، وكانوا يكتبونها بالحروف العبرية. لكن هذه اللغة ظلت مقصورة على الأمور التجارية، وعلى الاستخدامات اللغوية عند العوام، إذ كانت المؤلفات الدينية تُكتَب بالعبرية أو الآرامية. ومع بداية تحديث اليهود، أي مع دمجهم وتحريكهم من أطراف المجتمع ليصبحوا جزءاً عضوياً منه، طالب دعاة التنوير بالتخلي عن اليديشية لأنها أصبحت لغة الغش التجاري والتهريب بسبب حدوديتها كما كان سكان البلد الأصليون لا يعرفونها. وقد جَرَّمت جميع الحكومات التي أعتقت اليهود سياسياً استخدام اليديشية في الأعمال التجارية.

стр. 1799

ولم تزدهر اليديشية كلغة أدبية إلا في مرحلة مفصلية من تاريخ شرق أوربا، وهي مرحلة التحديث المتعثر في أواخر القرن التاسع عشر، إذ توقفت عمليات الدمج وانصرف أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا وبولندا وغيرهما عن تحديث أنفسهم لغوياً. كما انصرفوا عن دراسة اللغة الأم واهتموا بدلاً من ذلك بدراسة العبرية واليديشية، فأنتجوا أدباً باليديشية يرى بعض النقاد أنه يرقى إلى مستوى الأعمال الأدبية الجادة. ولكن، لم يُقدَّر لهذه المرحلة أن تستمر طويلاً، فبقيام الثورة البلشفية استؤنف التحديث مرة أخرى وأُتيحت فرص الدمج والحراك الاجتماعي أمام أعضاء الجماعة اليهودية، فانصرفوا عن إرسال أطفالهم إلى المدارس التي تُعلِّم اليديشية. وانخفض عدد المتحدثين بها في الاتحاد السوفيتي من نحو ٩٧% مع نهاية القرن التاسع عشر إلى ١٩% من أعضاء الجماعات اليهودية في الوقت الحاضر ومعظمهم من المسنين. وقد اختفت اليديشية تقريباً في الولايات المتحدة أيضاً بسبب المعدلات المتزايدة للاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية. ويُعدُّ الجيتو التجسيد المعماري المتعين لهذه الحدودية الوظيفية، فهو يقف داخل المدينة ولكنه ليس منها إذ تفصله أسوار عالية عن بقية أجزائها، وكان الجيتو يقع أحياناً على أطراف المدينة حتى يمكن عزل اليهود داخل حدوده.

стр. 1800

وقد كان لحدودية أعضاء الجماعات اليهودية أعمق الأثر فيهم. فنتيجةً لوضعهم هذا، تزايد التصاقهم بالحاكم إلى أقصى حد، إذ أنهم باعتبارهم أداته في الاستغلال كانوا عناصر مرفوضة مهددة بالثورات الشعبية، وهذا ما جعلهم في حاجة دائمة إلى الدعم العسكري من السلطة. ويتجلى مدى التصاقهم بالحاكم في وضعهم القانوني في العصور الوسطى في الغرب، إذ كانوا يُعدّون ملكية خاصة للملك (أقنان بلاط) يؤدون له الضريبة ويقوم هو بحمايتهم. وكانت دية اليهودي الذي يُقتَل تُدفَع للحاكم وليس لأهل اليهودي، كما كانت عقوبة قتل اليهودي أو أحد أبنائه في بعض بلاد أوربا مثل عقوبة قتل أو إيذاء الفرسان بل أشد في بعض الأحيان. وقد حاول البعض تخفيض العقوبة بحيث تصبح مساوية لعقوبة قتل أو إيذاء فلاح! كان هذا هو وضع يهود ألمانيا ويهود بولندا بشكل عام، ويهود أوكرانيا بشكل خاص إذ كان تميزهم أكثر حدة وإثارة. لقد كانوا ممثلين للقوة الحاكمة بين المحكومين، ويعيشون داخل مدن صغيرة مقصورة عليهم (الشتتل، أي الكيان الغريب المشتول) ، ويتعبدون داخل معابد يهودية تشبه القلاع، تعسكر بالقرب منهم القوات البولندية لحمايتهم! وبسبب حدودية اليهود، ونتيجة لها في آن واحد، كان العالم الغربي يحوسلهم، أي يحولهم إلى وسيلة، والوسيلة لا قيمة لها في ذاتها، بل تكون المحافظة عليها بقدر نفعها وبمقدار تأديتها الوظيفة المنوطة بها. ومن هنا، كان الحوار الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر حول حقوق اليهود، يدور في إطار مدى نفع اليهود وجدواهم.

стр. 1801

وقد ساهمت حدودية اليهود داخل الحضارة الغربية في تعميق المسألة اليهودية فيها وفي تحديد شكل الحلول المطروحة لها. فحدوديتهم الوظيفية والمعنوية عزلتهم عن التطورات العميقة التي حدثت داخل المجتمع الغربي ابتداء من القرن السادس عشر. وجاء عصر النهضة ثم عصر الإصلاح الديني وعصر العقل وعصر الرومانسية، وهي كلها تعبير عن الانقلاب الصناعي الرأسمالي، بينما كان اليهود معزولين عن مجتمع الغرب معنوياً رغم وجودهم فيه. كما عمَّقت الحدودية الجغرافية، وبشكل حاد، أبعاد المسألة اليهودية. ولنأخذ، على سبيل المثال، الألزاس واللورين: كان يهود هذه المنطقة من الإشكناز الذين يتحدثون اليديشية ويشتغلون بالتجارة والربا ولا يندمجون بمحيطهم الثقافي. وكانت الألزاس واللورين تنتميان إلى التشكيل السياسي الألماني ثم انتقلتا إلى التشكيل السياسي الفرنسي ثم عادتا إلى التشكيل السياسي الألماني مرة أخرى، وانتهى بهما المطاف بعد الحرب العالمية الأولى إلى أن أصبحتا جزءاً من فرنسا. وليس بإمكان أقلية أن تحدِّد ولاءها وهويتها بما يتفق مع متطلبات الدولة القومية في مثل هذا المناخ الذي تتغير فيه هذه المتطلبات.

стр. 1802

وكان الوضع أكثر سوءاً في الجيب البولندي الذي ضم معظم يهود العالم، أي يهود اليديشية. فقد جرى تقسيم بولندا بين ثلاث دول مختلفة: واحدة منها سلافية (روسيا) والاثنتان الأخريان جرمانيتان (ألمانيا والنمسا) . وقد ضمت ألمانيا مقاطعة بوزن (بوزنان) وألمنت يهودها، ولكنهم ظلوا مع هذا شرق أوربيين. وحينما هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى ألمانيا، أدَّت هجرتهم إلى تغيير طابع يهود ألمانيا من طابع غرب أوربي إلى طابع شرق أوربي. أما يهود جاليشيا التي ضمتها النمسا، فقد ظهر بينهم من ينادي بالثقافة الألمانية، وظهر فريق آخر ينادي بالثقافة البولندية، وفريق ثالث ينادي بالثقافة العبرية. وكان يهود أوكرانيا متعددي الولاءات ومتعددي الثقافات، فبعضهم أوكراني وبعضهم الآخر روسي والثالث ألماني والرابع بولندي. ولو وُجد اليهود في بقعة جغرافية غير حدودية لكان من السهل تحديثهم ودمجهم كما حدث ليهود ألمانيا قبل الهجرة من شرق أوربا، وكما حدث ليهود إنجلترا والولايات المتحدة بعد هذه الهجرة.

стр. 1803

ويَصدُر الحل الصهيوني بين الصهاينة المسيحيين واليهود عن هذه الخاصية الحدودية ويتقبلها. ولكن، قبل أن نتناول البنية الحدودية للحل الصهيوني، قد يكون مما له دلالته وطرافته أن نذكر أن أول مؤتمر عقده أعضاء أحبّاء صهيون هو مؤتمر كاتوفيتش الذي عُقد على الحدود بين ألمانيا وروسيا. كما عُقد أول مؤتمر للمنظمة الصهيونية العالمية في بال السويسرية، وهي بلد حدودي محايد، ذلك لأن يهود ميونيخ، التي كانت تضم واحدة من أكبر الجماعات اليهودية آنذاك، قد آثروا الاندماج ورفضوا الهامشية التي كانت الصهيونية تطرحها. كما أن هرتزل نفسه، الذي اكتشف الصيغة الصهيونية بين اليهود، كان شخصية حدودية بالدرجة الأولى، فهو من وسط أوربا التي تقع بين شرقها وغربها، وينتمي إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية متعددة الولاءات. وهو مجري المولد نمساوي النشأة يهودي المنزع، كما كانت له ثلاثة أسماء: زئيف (مجري) وتيودور (ألماني) وبنيامين (عبري) . وهو، رغم تعدُّد ولاءاته، كان هامشياً بالنسبة إلى هذه المجتمعات جميعاً. وربما كان هذا ما رشحه لأن يكتشف الصيغة الصهيونية الحدودية التي ترى اليهود جماعة حدودية. ورغم ادعاء بعض الصهاينة، على مستوى التصريحات، أنهم سيطبِّعون اليهود ويخلِّصونهم من هامشيتهم، فإن البنية الحقيقية للفكرة الصهيونية بنية حدودية إن صح التعبير. فاليهود، حسب الرؤية الصهيونية المسيحية والرؤية اليهودية، شعب يقف على هامش التاريخ غير اليهودي ولا يساهم فيه كثيراً. وقد تحوَّلت هذه الرؤية إلى فكرة الشعب العضوي المنبوذ، أي اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً جذوره ليست في أوربا وإنما في فلسطين، ومن ثم فليس بالإمكان تحقيق القومية اليهودية إلا خارج أوربا (في فلسطين) . أما إن بقي اليهود داخل تشكيلات حضارية وقومية لا ينتمون إليها، فإنهم يتحولون إلى شخصيات هامشية طفيلية يجب التخلص منها. وقد كان يُشار إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية

стр. 1804

يمكنها أن تضطلع بدور ريادي حدودي مفيد للحضارة الغربية. ويُعتبَر ظهور محمد علي والقضاء عليه عام ١٨٤٠ النقطة الحاسمة في تاريخ الصهيونية، إذ بدأت القوى الاستعمارية تكتشف خطورة وقوع المنطقة في أيدي قيادة محلية، الأمر الذي سيفقد فلسطين حدوديتها، فسعت إلى توطين اليهود فيها باعتبارهم عنصراً حدودياً وجماعة وظيفية استيطانية حتى تظل فلسطين منطقة نفوذ غربية. وكان شافتسبري ينوِّه بفائدة العنصر اليهودي في هذا المضمار، أما لورنس أوليفانت فقد طرح مشروعاً حدودياً مثيراً لمدّ خط سكة حديدية من استنبول إلى بغداد على أن تُخصَّص منطقة بعرض كيلو مترين على جانبي الطريق يُوطَّن فيها اليهود.

стр. 1805

وقد تقبَّل اليهود الصهاينة هذا الحل الصهيوني غير اليهودي. فهرتزل يتحدث عن الدولة الصهيونية باعتبارها حائطاً غربياً يقف في الشرق ليصد الهمجية ويتمتع بالحماية الغربية بالمقابل (مثلما تمتع يهود أوربا بحماية الملك والحاكم) ، كما يتحدث عن اليهود باعتبارهم مادة نافعة يمكن الاستفادة منها في خدمة إنجلترا وغيرها من الدول الغربية. أما ماكس نوردو، فكان يرى أن المشروع الصهيوني يرمي إلى مدّ حدود أوربا إلى الشرق وإلى تخليصها من العنصر اليهودي الحدودي. وقد وصف وايزمان الدولة الصهيونية المزمع إنشاؤها بأنها بلجيكا آسيوية. وهو محق في قوله، فبلجيكا في علاقتها بإنجلترا تشبه علاقة فلسطين بمصر في كثير من الوجوه. وقد أكد جابوتنسكي أن كون اليهود عنصراً حدودياً سيجعلهم يدينون دائماً بالولاء للغرب وسيحول فلسطين إلى دولة حدودية وظيفية. وهذا على عكس فلسطين العربية التي ستدخل الفلك العربي الإسلامي، وبذا تفقد حدوديتها. وقد نجحت الصهيونية بمساعدة الإمبريالية الغربية في تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية التي تقع بين آسيا وأفريقيا، وتطل على قناة السويس وتخلق ثغرة بين شرق العالم العربي وغربه، وهي قاعدة استيطانية قتالية ومالية للإمبريالية الغربية في المنطقة، ووجودها منوط بحدوديتها الجغرافية والوظيفية، أي بوجودها في هذه المنطقة الإستراتيجية وبنجاحها في أداء وظيفتها القتالية والاستيطانية.

стр. 1806

وقد لاقت فلسفة نيتشه صدى لدى الشباب اليهودي في شرق أوربا، ثم بين العديد من الصهاينة، لأنها فلسفة حدودية تنصح الإنسان بأن يعيش في خطر دائم وأن يبني بيته بجوار البركان. وقد وصل هذا التيار النيتشوي الصهيوني الحدودي إلى الذروة في عقيدة جوش إيمونيم الاستيطانية حيث يذهب المستوطن الصهيوني إلى وسط المدينة العربية ويؤسس بيته. ويحلو لأتباع هذا التيار أن يقتبسوا كلمات «بلعم» ، ذلك العراف الوثني الذي دعاه ملك مؤاب ليلعن العبرانيين القدامى عند اقترابهم من مملكته «هو ذا شعب يسكن وحده وبين الشعوب لا يُحسَب» (عدد ٢٣/٩) . وهذا الاقتباس هو جوهر الصهيونية، فهو يتضمن التقبل غير المشروط للصفة الحدودية على المستويين الوظيفي والجغرافي.

стр. 1807

والقانون العام الذي يمكننا استخلاصه هو أن العنصر اليهودي داخل الحضارة الغربية يُنظَر إليه باعتباره عنصراً وظيفياً حدودياً. ولهذا، فلابد أن تتحول فلسطين هي الأخرى، من منظور المصالح الغربية، إلى بلد وظيفي حدودي. وهذا يمكن تحقيقه من خلال خَلْق وضع تجزئة دائم في العالم العربي الإسلامي. وحينما تصبح فلسطين بلد حدودياً تسيطر عليها دولة وظيفية، يمكن توطين العنصر اليهودي الوظيفي الحدودي فيها. ومن هنا كان رفض الدول الغربية جميع المحاولات الرامية إلى توحيد المنطقة، ابتداءً من محاولة صلاح الدين الأيوبي، مروراً بمحمد علي، وانتهاءً بمحاولة جمال عبد الناصر. وربما كان الفارق الأساسي بين هجمة الفرنجة والهجمة الاستعمارية الصهيونية أن الأولى لجأت إلى ديباجات مسيحية لا علاقة لها بالهدف الإستراتيجي النهائي وأنها صدَّرت عناصر بشرية مسيحية. أما الثانية فقد اكتشفت أن العنصر اليهودي عنصر حدودي وظيفي داخل الحضارة الغربية، ولذا لجأت هي الأخرى إلى ديباجات يهودية لا علاقة لها بالهدف الإستراتيجي النهائي. ويعني وعد بلفور، في نهاية الأمر، فرض الصفة الحدودية على فلسطين عن طريق الاستعمار البريطاني، كما يرمي إلى توطين العنصر اليهودي الحدودي فيها لخدمة مصالح الحضارة الغربية. ولم يكن بلفور في هذا إلا تعبيراً عن نمط كامن في الحضارة الغربية يستند إلى رؤية كاملة لفلسطين باعتبارها حيزاً جغرافياً يجب أن يوظَّف لصالح الحضارة الغربية، وإلى اليهود باعتبارهم عنصراً استيطانياً يمكن توظيفه في هذه العملية.

стр. 1808

ويُلاحَظ أن الجماعات اليهودية في العالم لم تتخلص من حدوديتها تماماً. وقد أدَّى ظهور الدولة الصهيونية إلى تعميق هذه الخاصِّية، إذ بدأت تتسع الثغرة التي تفصل بين أعضاء الجماعات اليهودية والأوطان التي يعيشون في كنفها، وذلك من حيث هم أفراد يدينون بالولاء لوطنهم الأصلي. كما تحاول الحركة الصهيونية تعميق الهوية الإثنية لدى اليهود، وهي هوية وهمية (حيث لا توجد هوية واحدة) ولكنها مع هذا تنجح في فصلهم عن محيطهم الحضاري. وتلعب مدارس أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في هذا المضمار. وقد قامت مدارس الأليانس بتحويل يهود الشرق إلى مادة استيطانية. ورغم اندماج كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم الجديدة، إلا أنهم استقروا في قطاعات اقتصادية يمكن أن نسميها حدودية (السينما ـ صناعات خفيفة قريبة من المستهلك ... ) وابتعدوا عن الصناعات الثقيلة والزراعة، وهذا يحدث للمهاجر الذي يأتي إلى بلد قد تم تأسيس بنيته التحتية ويمتلكها أبناء البلدة أنفسهم. ويُلاحَظ وجود أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الحركات اليسارية (خصوصاً التروتسكية) والعدمية، ويُقال إن ٣٠% من أعضاء الجماعات السرية من أعضاء الجماعات اليهودية. كما ينجذب أعضاء الجماعات اليهودية إلى العبادات الجديدة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه حدودية دينية وفكرية. هامشية اليهود Marginality of the Jews

стр. 1809

«هامشية اليهود» مصطلح يُستخدَم في الدراسات التي تدور حول وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية، خصوصاً شرق أوربا، وهو مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، ويصف وجودهم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري كجماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف وحرف ومهن مختلفة، مثل التجارة البدائية والربا وقد كانتا عمليتين مرتبطتين بالنظام الإقطاعي ولكنهما لم تكونا قط من صميم العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الحرف التي كان يمارسها اليهود أنفسهم، لم تكن مرتبطة بالفلاحين، وإنما كانت مرتبطة بالتجار اليهود أو الأمراء الإقطاعيين. ولذلك، فحينما ظهرت الرأسمالية المحلية في شرق أوربا مع بدايات القرن التاسع عشر، ثم الدولة القومية والنظام المصرفي الحديث، وجد أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم بلا دور اقتصادي أو إنتاجي يلعبونه، وبالتالي كانوا عرضة لاضطهاد المجتمع الذي لم يَعُد في حاجة إلى خدماتهم ولم يعد يرى لهم نفعاً، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة حدة تفاقم المسألة اليهودية وزيادة هجرتهم إلى غرب أوربا. وقد بذلت الحكومة الروسية، وكذلك الحكومة النمساوية التي كانت تتبعها جاليشيا، جهوداً شتى لتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق فتح أبواب مهنة الزراعة أمامهم. وساهم في هذه الجهود مليونيرات الغرب من اليهود، مثل هيرش وروتشيلد، لأن هجرة اليهود من شرق أوربا إلى غربها كانت تسبب لهم الحرج الشديد كما كانت تهدد مواقعهم الاقتصادية والحضارية التي اكتسبوها عن طريق الاندماج. وقد تعثرت هذه المحاولات وهو ما اضطر الحكومة الروسية، على سبيل المثال، إلى أن تلجأ للقمع الاقتصادي عن طريق إصدار قوانين مايو. وهامشية اليهود موضوع أساسي كامن في كتابات الصهاينة العماليين ـ خصوصاً دوف بير بوروخوف، وأهارون جوردون ـ وهم يقترحون تحويل اليهود إلى شعب منتج عن طريق الهجرة واقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج.

стр. 1810

والحديث عن هامشية اليهود فيه كثير من التعميم والتجريد. فالهامشية المقصودة هي هامشية يهود شرق أوربا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وحسب، لأن الدور اليهودي (الوظيفي التجاري المالي) في المجتمعات الزراعية التقليدية في الغرب كان دوراً حيوياً، إذ اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية بوظيفة أساسية في المجتمع رغم أنها لم تكن جزءاً من العملية الإنتاجية الرئيسية. أما الوجود اليهودي في العالم الإسلامي فلم يكن هامشياً قط، حيث تفاعلوا في محيطهم الحضاري واصطبغوا به فأبدعوا من خلاله وانخرطوا في سائر المهن والوظائف. كما أن الوجود اليهودي في الولايات المتحدة لم يكن أبداً هامشياً وإنما كان في صميم المجتمع ذاته من البداية. كما لا يمكننا استخدام مصطلح «هامشي» لوصف الوجود اليهودي في فرنسا أو إنجلترا أو روسيا السوفيتية (سابقاً) ، فالبناء الوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية في كل هذه البلاد لم يَعُد متميِّزاً كما كان الأمر سابقاً. وإذا كان ثمة تميُّز، فإنه يعود لكون الجماعة اليهودية أقلية أو جماعة وظيفية وليس لأنها يهودية. وإذا كان هناك أي وجود هامشي غير منتج حتى الآن، فهو وجود الدولة الصهيونية الوظيفية المموَّلة من الخارج التي أُسِّست على أرض الفلسطينيين وحوَّلتهم إلى عمالة رخيصة وتستمر في قمعهم وإجهاض تطلعاتهم وأحلامهم المشروعة. شذوذ اليهود Abnormality of the Jews

стр. 1811

«شذوذ اليهود» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية والمعادية لليهود ويشير إلى بعض السمات التي تُوصَف بأنها غير طبيعية، والتي يُفترَض أنها تسم أعضاء الجماعات اليهودية الغربية، والتي يمكن إزالتها عن طريق إصلاح اليهود أو تحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج أو عن طريق دمجهم أو تطبيعهم. ويرى الصهاينة أن وجود اليهود في المنفى والشتات (أي خارج فلسطين) حالة شاذة تسبب شذوذاً للشخصية اليهودية. وبالفعل، وجه الصهاينة سهام نقدهم إلى هذه الشخصية المريضة الشاذة غير السوية.

стр. 1812

ولشذوذ الشخصية اليهودية، من وجهة نظرهم، مظهران أساسيان: أحدهما اقتصادي والآخر سياسي. أما المظهر الاقتصادي، فيتبدَّى في اشتغال اليهود بأعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة، مثل: التهريب والأعمال المالية والاتجار في العقارات وتجارة الرقيق الأبيض والتسول، بينما يتمثل المظهر السياسي فيما يُطلَق عليه إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة. فالصهاينة يرون أن اليهود، بعد تحطيم الهيكل، أصبحوا جماعات مشتتة ليس لها سيادة مستقلة، ويوجد أعضاؤها خارج نطاق مؤسسات صنع القرار، الأمر الذي كان يعني، من وجهة نظر الصهاينة، توقُّف مسار ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . وقد انعكست الظاهرة أيضاً في ازدواج الولاء عند اليهودي، فهو نظراً لافتقاره إلى وطن قومي خاص به يضطر إلى أن ينتمي إلى مجتمعات غريبة يحاول أن يندمج فيها. ولكن نزعته القومية الحقيقية تستمر، مع هذا، في التعبير عن نفسها رغم أنفه، فينقسم على نفسه وتتنازعه الولاءات المتناقضة. وقد عبَّر المؤرخ الصهيوني العمالي دوف بير بوروخوف عن القضية نفسها بطريقة أخرى إذ لاحظ أن الهرم الاجتماعي عند اليهود مشوه تماماً. فبدلاً من وجود قاعدة عريضة من العمال والفلاحين والطبقات المنتجة، وقلة من المفكرين والأطباء والمحامين والوسطاء، كما هو الحال في معظم المجتمعات، نجد العكس تماماً عند اليهود. فالهرم الإنتاجي عند اليهود مقلوب رأساً على عقب إذ أن معظم اليهود من الوسطاء. وغني عن القول إن السمات الشاذة التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر السمات الأساسية لأية جماعة وظيفية، ومن ثم فهي تمثل ظاهرة إنسانية اجتماعية عامة لا تتسم بأي شذوذ. ولكن المعادين لليهود والصهاينة يرونها كذلك لأنهم يعزلون أعضاء الجماعات اليهودية عن محيطهم الحضاري والاجتماعي وينظرون إليهم من خلال نماذج اختزالية لا علاقة لها بوضعهم المتعيِّن، ثم يحكمون عليهم بالشذوذ.

стр. 1813

وقد طرح الصهاينة رؤيتهم للمجتمع اليهودي المثالي (المجتمع الصهيوني) كجزء من مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تطبيع الشخصية اليهودية، أي تخليصها من شذوذها المزعوم، وذلك بتحويل اليهود إلى أشخاص طبيعيين ينتجون ويستهلكون ويتحكمون في مصيرهم السياسي ويشعرون بالولاء نحو دولتهم، شأنهم في هذا شأن البشر كافة. وغني عن القول أن مفهوم شذوذ الشخصية اليهودية مفهوم محوري في أدبيات معاداة اليهود، خصوصاً في الفكر النازي. لكن حل المشكلة بالنسبة إلى النازيين ليس إصلاح الشخصية اليهودية وإنما التخلص منها بأي شكل ممكن؛ عن طريق إرسالهم عبر الحدود إلى بولندا باعتبار أن أغلبيتهم كانت من يهود شرق أوربا، أو عن طريق إبادتهم. وقد كانت استجابة الصهاينة لعملية الإبادة نابعة من هذا الإيمان بشذوذ يهود أوربا. فحينما طلب بعض يهود أوربا عام ١٩٤٢ من يتسحاق جرونباوم (أحد أعضاء النخبة الصهيونية في فلسطين) بأن يقوم المُستوطَن الصهيوني باتخاذ خطوات لإيقاف الإبادة، أخبرهم بأن «من الضروري التخلص من وضع اليهود غير العادي حتى نصبح أمة مثل الأمم كافة» ، ومن ثم يكون من الأفضل ـ من وجهة نظره ـ التخلي عن يهود أوربا حتى لا يتعرض شيء في المُستوطَن الصهيوني للخطر، حتى ولو بضع بقرات (على حد قوله) .

стр. 1814

ويشير بعض المحللين السياسيين إلى الدولة الصهيونية بوصفها من أكثر الدول شذوذاً وأقلها طبيعية. فاقتصادها أصبح اقتصاداً تسولياً يعتمد على الغرب، ودرجة إنتاجية العمال فيها آخذة في التدني، وأصبحت صناعة السلاح من الصناعات الأساسية فيها، كما تحوَّلت هي نفسها إلى دولة شتتل/قلعة تدخل في حرب تلو حرب، كما أنها مهددة من الداخل بالانفجار السكاني العربي. وهي توجد في الشرق الأوسط وليست منه، وهي دولة يهودية فشلت في تعريف من هو اليهودي، الأمر الذي يشير إلى أن بنيتها أبعد ما تكون عن الطبيعية والسواء. كما أن الإسرائيليين عادوا مرة أخرى إلى الشذوذ والهامشية إذ تنخرط أعداد كبيرة منهم في أعمال السمسرة والجريمة، وأصبحت الدولة الصهيونية من أكبر مُصدِّري العاهرات إلى الغرب حتى أن لغة القوادين في أمستردام (على سبيل المثال) هي إحدى الرطانات العبرية، كما أن قطاع الخدمات غير الإنتاجي آخذ في التضخم رغم أن المواطن الإسرائيلي من أكثر المواطنين مديونية في العالم. ونحن نذهب إلى أن الدولة الصهيونية هي في واقع الأمر دولة وظيفية. وقد طرحت الانتفاضة مرة أخرى، وبحدة، قضية شذوذ اليهود والدولة الصهيونية، إذ اكتشف التجمع الصهيوني مدى اعتماده على العمالة العربية، خصوصاً بعد أن حقق العمال اليهود من أصل شرقي (من يهود العالم الإسلامي) حراكاً اجتماعياً فتركوا قاعدة الهرم الإنتاجي ليمارسوا وظيفة الوسطاء وغير ذلك من الوظائف، الأمر الذي ترك هذه القاعدة للعمالة العربية. وقد أدَّت مقاطعة العمال العرب إلى تعطيل كثير من القطاعات الإنتاجية. طفيلية اليهود Parasitism of the Jews

стр. 1815

كلمة «طفيلية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «باراسيتزم parasitism من» «باراسيت «parasite ومعناها «طفيل» والمأخوذة أصلاً من الكلمة اليونانية «باراسيتوس parasitos» بمعنى «يأكل إلى جانب» ) . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى الحيوان أو النبات الذي يعيش على غيره. ويستخدم المعادون لليهود مصطلح «طفيلية اليهود» لوصف ما يتصورون أنه علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالمجتمعات التي يعيشون في كنفها. والكلمة مرادفة لكلمات أخرى مثل «هامشية» أو «شذوذ» أو تشترك معها في بعض المعاني والإيحاءات.

стр. 1816

ولعل وصف أعضاء الجماعات اليهودية بالطفيلية يعود إلى كونهم جماعة وظيفية وسيطة موقعها عند حافة المجتمعات وفي الشقوق، وهو وضع استمر في شرق أوربا ووسطها حتى بداية القرن العشرين. فالجماعة الوظيفية الوسيطة تتركز في الأعمال غير الإنتاجية وتحقق أرباحاً عالية دون أن تنتج شيئاً متعيِّناً أو ملموساً، على عكس الزارع أو الصانع، حيث كان أعضاؤها يضطلعون بوظائف مثل الربا والتجارة وتجارة الرقيق والبغاء. ولذا كان يُشار إلى اليهود باعتبارهم «لوفتمنش» ، وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «رجال الهواء» ، ومعنى ذلك أن اليهود شعب يكسب رزقه لا من الإنتاج وإنما من الهواء أي من لا شيء. وقد وُصفت وظيفة اليهود كمرابين، أو كجماعة وظيفية وسيطة عميلة، بأنها كالإسفنجة يستخدمها الحاكم لامتصاص فائض القيمة من المجتمع ثم يعتصرها لحسابه. ورغم أن الإسفنجة مختلفة عن الكائن الطفيلي، إذ أن الكائن الطفيلي يمتص رزق الآخرين لحسابه على حين أن الإسفنجة تمتصها لحساب الآخر، فإن الجماهير التي جرى امتصاص رزقها لم تر سوى الجزء الأول من عملية الامتصاص. والإسفنجة والكائن الطفيلي يشتركان في أنهما دون أهمية بالنسبة إلى الجسم الذي يعيشان عليه، بل إنهما يشكلان خطورة شديدة عليه ويهددان حياته. ولعل إدراك الجماهير لليهود في العالم الغربي في العصور الوسطى، كجسم طفيلي أو كإسفنجة، هو أصل تهمة الدم، حيث يُتَّهم اليهود بامتصاص دماء ضحاياهم. وقد استُخدمت كلمة «طفيلي» في الخطاب الاشتراكي الغربي لوصف اليهود والرأسماليين. فقد وصف المفكر الاشتراكي الفرنسي توسينيل اليهودي بأنه مثل البكتريا التي تنتشر بسرعة.

стр. 1817

وطفيلية يهود العالم خارج فلسطين موضوع كامن أساسي في الأدبيات الصهيونية ذات الديباجة الاشتراكية. فقد وصف المفكر الصهيوني العمالي أهارون جوردون يهود العالم خارج فلسطين بأنهم طفيليون، كما استخدم المفكر الصهيوني الألماني ماكس نوردو كلمة «البكتريا» لوصف وضع اليهود في المنفى، واستخدمها من بعده الزعيم النازي أدولف هتلر. ومن هنا، فإن صورة اليهودي كطفيلي صورة أساسية في الخطاب السياسي الغربي، الرأسمالي والاشتراكي، الصهيوني والمعادي لليهود. وقد اقترح نوردو أن يكون حل مشكلة الطفيلية اليهودية من خلال ظهور اليهودية ذات العضلات. وبالتالي، يمكن حل إشكالية الشعب الطفيلي عن طريق استيطانه في فلسطين بالعنف، والاستيلاء على الأرض، على أن يعمل فيها بنفسه، فيخلِّصها من العرب ويخلِّص نفسه من الطفيلية، وهذا هو الخلاص الصهيوني. ويتواتر موضوع طفيلية اليهود في الأدب العبري الحديث وفي الكتابات الإسرائيلية، إذ يرى كثير من المحللين الإسرائيليين أن المجتمع الإسرائيلي يسقط مرة أخرى في الطفيلية، خصوصاً بعد أن تغلغلت العمالة العربية في قطاعات المجتمع الإسرائيلي كافة، وأن شعب الهواء بدأ يظهر مرة أخرى. كما يرون أن انتشار الجريمة، والفساد، وعدم الاكتراث بالإنتاج، هي من أشكال الطفيلية. رجال الهواء) لوفتمنش ( Luftmensch

стр. 1818

«لوفتمنش» كلمة ألمانية تَصعُب ترجمتها، ولكنها تعني حرفياً «رجال الهواء» ، وهي تصف أعضاء الجماعات البشرية الذين لا توجد أرض راسخة تحت أقدامهم وليس لديهم خبرة في أي شيء ولا مهنة أو حرفة لهم ولا يمتلكون رأس مال أو عملاً ثابتاً، فهم يعيشون في الهواء وعلى الهواء. وكانت الكلمة تُستخدَم للإشارة إلى قطاع كبير من يهود شرق أوربا الذين يضطلعون بوظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة والذين حلت محلهم الطبقات المحلية والدولة القومية المركزية، فأصبحوا بلا وظيفة أو مهنة أو عمل، وتحولوا إلى باعة جائلين ومتسولين وقوادين. كما أن الكلمة تشير أيضاً إلى اشتغال اليهود بالأعمال الفكرية والمالية والتجارية، وتشير إلى بعدهم عن الأعمال الزراعية أو الصناعية (الإنتاجية أو اليدوية) وإلى اشتغالهم كوسطاء في القطاع العقاري. وهي الظاهرة التي يُطلَق عليها أيضاً «هامشية اليهود وشذوذهم وطفيليتهم» . ويرى الصهاينة أن اليهود كافة مُعرَّضون دائماً لأن يصبحوا لوفتمنش (رجال هواء) باعتبار أنهم شعب بلا أرض، وهم للسبب نفسه شعب مُهدَّد دائماً بالأخطار إذ أن الإنسان لا يمكنه أن يحيا حياة كاملة مطمئنة إلا بين جماعته وفي أرضه. بل إن حالة الهوائية الاقتصادية التي يعيشها الفرد اليهودي ليست إلا انعكاساً للهوائية التي يعيشها الشعب اليهودي ككل، فهي التي حوَّلت اليهود إلى تجار ومثقفين وأبعدتهم عن الطوائف الراسخة وعن الارتباط بالأرض.

стр. 1819

كما يرى الصهاينة أن اليهودية الإصلاحية شكل من أشكال الهوائية، فهي معلقة بين الأرض والسماء، ويرون كذلك أن اليهود المندمجين هم أيضاً شخصيات ممزقة هوائية غير منتمية. ويصف الشعار الصهيوني (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هذه الحالة الهوائية لدى الجماعات اليهودية. ويهدف المشروع الصهيوني إلى تخليص اليهود من هذه الحالة الهوائية بتوفير أرض لهم يعيشون فيها، وتوفير هرم إنتاجي متكامل ينتمون إليه ويكون مقصوراً عليهم حتى يكون بينهم العامل والفلاح والمثقف. وقد كان مصطلح «لوفتمنش» شائعاً في الأدبيات النازية، ولذا قال أيخمان، في معرض الدفاع عن نفسه أثناء محاكمته، إنه كان يهدف إلى وضع قليل من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود. وقد نجح المشروع الصهيوني في توفير الأرض، ولكنه مع هذا لم ينجح في تخليص اليهود من صفة الهوائية، ومن ثم بدأت الكلمة تظهر مرة أخرى في الصحف الإسرائيلية إذ بدأ المستوطنون الصهاينة يتحولون إلى وسطاء، يتركون قاعدة الهرم الإنتاجي ويطفون على قمته ويعيشون على الهواء دون عمل إنتاجي أو يدوي. ويهدف المشروع الصهيوني إلى تحويل الفلسطينين إلى لوفتمنش، أي إلى رجال يعيشون في المخيمات والعراء والهواء أو إلى جماعات بشرية تعيش على هوامش المجتمعات. ولكن تَحوُّل الفلسطينيين من لاجئين إلى فدائيين مجاهدين أسقط هذا المخطط الصهيوني. المتسولون (Schnorers) Beggars

стр. 1820

كلمة «المتسولون» هي المقابل العربي لكلمة «شنوررز schnorers» ، وهي كلمة يديشية في صيغة الجمع مفردها «شنورر schnorer» أي «شحاذ» أو «متسول» . وتتواتر هذه الكلمة في الأدبيات الصهيونية وفي الدراسات عن الجماعات اليهودية، وبخاصة في القرن التاسع عشر. وتعود الظاهرة إلى العصور الوسطى مع تطبيق قانون تحريم الاستيطان (حيريم هايشيفاه) وهو قانون كان يحق بمقتضاه لكل جماعة يهودية أن تمنع أي يهودي ينتمي إلى أية جماعة أخرى من الإقامة في مدينتها إلا بضعة أيام عليه أن يغادرها بعدها. وقد أدَّى هذا الوضع إلى ظهور آلاف اليهود الذين لم يكن لهم حق السكنى في أية مدينة أو قرية رغم أنه كان يتعيَّن عليهم الانتقال دائماً من مكان إلى آخر. ومن المعروف أن التجمعات اليهودية في العصور الوسطى كانت تتكون من أقلية ثرية من كبار المموِّلين والحاخامات وتحتها قاعدة ضخمة من المعدمين أو صغار التجار الذين كان لا يفصل بينهم وبين التسول سوى شعرة. وكانت أعداد كبيرة منهم تتحول إلى متسولين كل الوقت أو بعضه. بل وكانت تتداخل مهنة التسول مع مهن أخرى، فعمل المتسولون أحياناً معلمي موسيقى أو تجاراً متجولين أو مهرجين أو حواة. وقد أخذ عدد هؤلاء في التزايد ابتداءً من القرن الثالث عشر.

стр. 1821

ويُستخدَم مصطلح «شنورر» بالمعنى الضيق للإشارة إلى المتسول الذي تَلقَّى شيئاً من التعليم الحاخامي، وبالتالي فهو ليس متسولاً بالمعنى العادي للكلمة وإنما هو طالب للصدقة ويعتبرها حقه الطبيعي الذي يجب أن يعطيه إياه الأثرياء حتى ينالوا الخلاص. ومثل هذا المتسول المتعلم المتبجح كان يروي في العادة قصة ما تُفسِّر قيامه بالتسول، فهو يجمع الأموال ليعود إلى تجارته بعد أن أفلس أو ليزوج قريبة فقيرة. وكان هذا المتسول يظهر دائماً يوم السبت أمام المعبد وهو يعلم تمام العلم أن أعضاء الجماعة سيضطرون إلى أن يدفعوا له صدقة حتى لا يظهروا بمظهر سيئ في ذلك اليوم أمام بعضهم البعض، وحتى لا تظهر الجماعة اليهودية ككل بمظهر سيئ أمام الأغيار. وكان لكل متسول طرق محددة يسلكها ومناطق معروفة يتسول فيها ويزورها في فترات منتظمة لا ينافسه فيها أحد. وكثيراً ما كان يتم بيع هذه المناطق لمتسول آخر (وهذا أمر مألوف بين جماعات المتسولين في كل المجتمعات والذين يشكلون جماعات قريبة الشبه من الجماعات الوظيفية) . ومع بدايات القرن التاسع عشر، زادت نسبة العاطلين عن العمل في أوساط اليهود وهو ما اضطرهم للتسول، وذلك بعد أن فقدت كثير من الجماعات اليهودية في شرق أوربا وظيفتها التقليدية، وبعد تَصاعُد عمليات التحديث التي اجتثت الملايين (ومن بينهم أعضاء الجماعات اليهودية) من جذورها، ولم توفر لهم فرصاً جديدة أو وفرت لهم فرصاً لم يستطيعوا التكيف معها، وبعد الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعات. وكان ١٠% من جميع يهود أوربا (في العقود الأولى من القرن التاسع عشر) متسولين.

стр. 1822

وكان تزايد حدة هذه الظاهرة يسبب كثيراً من الحرج ليهود غرب أوربا المندمجين المستقرين، إذ كان شرق أوربا يقذف على بلادهم ألوفاً من يهود اليديشية الذين كانوا أساساً متسولين. وقد اضطرت بعض الجماعات اليهودية في غرب أوربا إلى أن تمنع دخول أية عناصر يهودية جديدة فيها، واستعانت بالحكومات ضد اليهود الوافدين. حيث كانت تصل أحياناً جماعات كبيرة من الفقراء اليهود يطالبون بالمساعدة وبالقوت كحق من حقوقهم. وقد أدَّى وصول المتسولين إلى ظهور الصهيونية التوطينية، أي صهيونية يهود الغرب الذين لا يهتمون بالاستيطان في فلسطين إلا باعتباره وسيلة للتخلص من جيوش المتسولين أو الفائض الإنساني اليهودي (على حد قول هرتزل (. وكان روتشيلد يرى في هرتزل أحد هؤلاء المتسولين الذين يودون الحصول على أمواله. وقد كان محقاً إلى حدٍّ ما، فالمستوطنون في فلسطين كان كل همهم، في مرحلة من المراحل (قبل أن يبدأ التمويل الحكومي الغربي) ، الحصول على أكبر قسط من أموال روتشيلد. بل كان هرتزل نفسه يشير إلى المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) باعتباره جيشاً من الشحاذين يقف هو على رأسه، وكان يخشى أن تشجع الصهيونية الخارجية التوطينية هذا الاتجاه بين اليهود.

стр. 1823

وبالإمكان رؤية الدولة الصهيونية، باعتمادها الكامل على التمويل الغربي، على اعتبار أنها شنورر بعد أن تم تحديث عملية التسول بحيث تتم بشكل منظم يأخذ شكل اتفاقات تضمن تدفُّق المعونات في موعدها. ويرفض المتحدثون الإسرائيليون بطبيعة الحال صورة المتسول هذه ويشيرون إلى الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية في حماية مصالح الغرب في المنطقة وإلى أن ما تتقاضاه من معونات أقل بكثير من العائد الذي تأتي به، أي أنهم يُحلِّون صورة المملوك محل صورة الشحاذ. ولكن، في الآونة الأخيرة، أخذ كثير من المعلقين السياسيين الإسرائيليين في الإشارة إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة شنورر أو دولة شحاذين، وإلى الاقتصاد الصهيوني باعتباره اقتصاداً تسولياً. ونحن نرى أن هذا المصطلح يُفسِّر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي. والفارق بين المتسول والدولة الإسرائيلية هو أن المتسول يأخذ ولا يعطي إلا الدعوات لصاحب الصدقة، أما الدولة الصهيونية فتأخذ ثم تقوم بدور حيوي للاستعمار الغربي في المنطقة وهو دور كلب الحراسة، أي دور الجماعة الوظيفية القتالية حيث تتم مقايضة المال بالقتال. اللغات السرية لبعض الجماعات اليهودية الوظيفية Secret Languages of Some of the Functional Jewish Communities

стр. 1824

» اللغات السرية» هي لهجات ورطانات خاصة، بل أحياناً لغات، يستخدمها أعضاء الجماعات الوظيفية. وهذه اللهجة أو الرطانة أو اللغة عادةً ما تختلف عن لغة المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية. وقد كان تحدُّث هذه اللغة يُعدُّ شرطاً للانخراط في سلك الجماعة. فكان المماليك يتحدثون فيما بينهم الشركسية (أو إحدى اللغات التركية) ، ويتحدث الصينيون من أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في جنوب آسيا لغتهم، ويتحدث العرب في أفريقيا لغتهم العربية. أما أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة من اليهود في شرق أوربا، فكانوا يتحدثون اليديشية. ويُلاحَظ أن بعض أعضاء النخبة الحاكمة المصرية قبل ثورة ١٩٥٢ كانوا يتحدثون التركية (أو العربية المطعمة بالتركية) كمظهر من مظاهر التميز والعزلة والانتماء للجماعة الوظيفية الحاكمة. وهذا هو مصدر النمط السائد في الكوميديا المصرية بعد الثورة - المصري/التركي منتفخ الأوداج المتعجرف، الذي يتحدث هذه اللهجة كإحدى علامات التميز. ولكن تعجرفه ليس له ما يسانده في الواقع، فهو عضو جماعة وظيفية حاكمة فقدت وظيفتها. ويبدو أن التحدث بإحدى اللغات الأوربية بين أعضاء النخب الحاكمة والثقافية في العالم الثالث (والتي تحوَّلت إلى ما يُشبه الجماعة الوظيفية التي تخدم مصالح الاستعمار والنظام العالمي الجديد) قد أصبح هو الآخر رمز الانتماء للجماعة الوظيفية، فالمتحدث بهذه اللغة يبيِّن كفاءته، وهو في الوقت نفسه يعزل نفسه عن الجماهير التي لا تتحدث سوى لغة الوطن!

стр. 1825

واللغة، من ثم، هي وسيلة من وسائل الفصل بين الجماعة وأعضاء المجتمع المضيف، وأداة للتواصل بين أعضاء الجماعة. ولعل في إصرار الصهاينة على أن تكون لغة الدولة الصهيونية هي العبرية وليس الإنجليزية لغة القوى الإمبريالية العظمى، أو الإسبرانتو اللغة التي طورها اليهودي الروسي زامنهوف على أمل أن تكون لغة عالمية ولغة يتحدث بها المُستوطَن الصهيوني) إدراكاً من جانبهم لطبيعة الدولة الصهيونية باعتبارها دولة وظيفية. ومن الأشكال المتطرفة للغات الجماعات الوظيفية اللغات السرية، فالعوالم والنشالون، على سبيل المثال، لهم لغاتهم السرية، وهي في الغالب رطانة تركيبها هو تركيب اللغة الشائعة في المجتمع مع إضافة مفردات لغوية لا يعرفها إلا عضو الجماعة الوظيفية. وللغة السرية فائدة مباشرة إذ تُسهِّل عملية أداء الوظيفة، وهي وظيفة مشينة في العادة، ومن ثم تصبح اللغة السرية من علامات الهامشية. وقد استخدم أعضاء الجماعات اليهودية هذه الآلية للتواصل. وكانت لغاتهم السرية تتكون في العادة من جُمَل باللغة المحلية تحتوي على كلمات عبرية تُعالج حسب قواعد اللغة المحلية، فكلمة «أخل» مثلاً كلمة عبرية بمعنى «أكل» ، فإن كان المتحدث اليهودي يتحدث بالإنجليزية فإنه يُعبِّر عن معنى أنه «قد أكل بالفعل» على النحو التالي: «هي هاز أوريدي أخلد He has already akhaled.» ولا تُعبِّر هذه الكلمات الداخلية إلا عن الأجزاء المهمة من الأسماء أو الأفعال في الجملة. كما كانت تترجم أسماء الأماكن حرفياً إلى العبرية فكلمة «نيويورك» مثلاً في عبارة «ذهبت إلى نيويورك» ، تصبح «آي وُنت تو يورك حاداش I went to york hadash» حيث جاءت كلمة «حاداش» بديلاً عن الجزء الأول من كلمة نيويورك «نيو» ، ومعناها «جديد» .
следующие страницы →