← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ويُستخدَم مصطلح «شنورر» بالمعنى الضيق للإشارة إلى المتسول الذي تَلقَّى شيئاً من التعليم الحاخامي، وبالتالي فهو ليس متسولاً بالمعنى العادي للكلمة وإنما هو طالب للصدقة ويعتبرها حقه الطبيعي الذي يجب أن يعطيه إياه الأثرياء حتى ينالوا الخلاص. ومثل هذا المتسول المتعلم المتبجح كان يروي في العادة قصة ما تُفسِّر قيامه بالتسول، فهو يجمع الأموال ليعود إلى تجارته بعد أن أفلس أو ليزوج قريبة فقيرة. وكان هذا المتسول يظهر دائماً يوم السبت أمام المعبد وهو يعلم تمام العلم أن أعضاء الجماعة سيضطرون إلى أن يدفعوا له صدقة حتى لا يظهروا بمظهر سيئ في ذلك اليوم أمام بعضهم البعض، وحتى لا تظهر الجماعة اليهودية ككل بمظهر سيئ أمام الأغيار. وكان لكل متسول طرق محددة يسلكها ومناطق معروفة يتسول فيها ويزورها في فترات منتظمة لا ينافسه فيها أحد. وكثيراً ما كان يتم بيع هذه المناطق لمتسول آخر (وهذا أمر مألوف بين جماعات المتسولين في كل المجتمعات والذين يشكلون جماعات قريبة الشبه من الجماعات الوظيفية) . ومع بدايات القرن التاسع عشر، زادت نسبة العاطلين عن العمل في أوساط اليهود وهو ما اضطرهم للتسول، وذلك بعد أن فقدت كثير من الجماعات اليهودية في شرق أوربا وظيفتها التقليدية، وبعد تَصاعُد عمليات التحديث التي اجتثت الملايين (ومن بينهم أعضاء الجماعات اليهودية) من جذورها، ولم توفر لهم فرصاً جديدة أو وفرت لهم فرصاً لم يستطيعوا التكيف معها، وبعد الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعات. وكان ١٠% من جميع يهود أوربا (في العقود الأولى من القرن التاسع عشر) متسولين.

стр. 1822

وكان تزايد حدة هذه الظاهرة يسبب كثيراً من الحرج ليهود غرب أوربا المندمجين المستقرين، إذ كان شرق أوربا يقذف على بلادهم ألوفاً من يهود اليديشية الذين كانوا أساساً متسولين. وقد اضطرت بعض الجماعات اليهودية في غرب أوربا إلى أن تمنع دخول أية عناصر يهودية جديدة فيها، واستعانت بالحكومات ضد اليهود الوافدين. حيث كانت تصل أحياناً جماعات كبيرة من الفقراء اليهود يطالبون بالمساعدة وبالقوت كحق من حقوقهم. وقد أدَّى وصول المتسولين إلى ظهور الصهيونية التوطينية، أي صهيونية يهود الغرب الذين لا يهتمون بالاستيطان في فلسطين إلا باعتباره وسيلة للتخلص من جيوش المتسولين أو الفائض الإنساني اليهودي (على حد قول هرتزل (. وكان روتشيلد يرى في هرتزل أحد هؤلاء المتسولين الذين يودون الحصول على أمواله. وقد كان محقاً إلى حدٍّ ما، فالمستوطنون في فلسطين كان كل همهم، في مرحلة من المراحل (قبل أن يبدأ التمويل الحكومي الغربي) ، الحصول على أكبر قسط من أموال روتشيلد. بل كان هرتزل نفسه يشير إلى المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) باعتباره جيشاً من الشحاذين يقف هو على رأسه، وكان يخشى أن تشجع الصهيونية الخارجية التوطينية هذا الاتجاه بين اليهود.

стр. 1823

وبالإمكان رؤية الدولة الصهيونية، باعتمادها الكامل على التمويل الغربي، على اعتبار أنها شنورر بعد أن تم تحديث عملية التسول بحيث تتم بشكل منظم يأخذ شكل اتفاقات تضمن تدفُّق المعونات في موعدها. ويرفض المتحدثون الإسرائيليون بطبيعة الحال صورة المتسول هذه ويشيرون إلى الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية في حماية مصالح الغرب في المنطقة وإلى أن ما تتقاضاه من معونات أقل بكثير من العائد الذي تأتي به، أي أنهم يُحلِّون صورة المملوك محل صورة الشحاذ. ولكن، في الآونة الأخيرة، أخذ كثير من المعلقين السياسيين الإسرائيليين في الإشارة إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة شنورر أو دولة شحاذين، وإلى الاقتصاد الصهيوني باعتباره اقتصاداً تسولياً. ونحن نرى أن هذا المصطلح يُفسِّر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي. والفارق بين المتسول والدولة الإسرائيلية هو أن المتسول يأخذ ولا يعطي إلا الدعوات لصاحب الصدقة، أما الدولة الصهيونية فتأخذ ثم تقوم بدور حيوي للاستعمار الغربي في المنطقة وهو دور كلب الحراسة، أي دور الجماعة الوظيفية القتالية حيث تتم مقايضة المال بالقتال. اللغات السرية لبعض الجماعات اليهودية الوظيفية Secret Languages of Some of the Functional Jewish Communities

стр. 1824

» اللغات السرية» هي لهجات ورطانات خاصة، بل أحياناً لغات، يستخدمها أعضاء الجماعات الوظيفية. وهذه اللهجة أو الرطانة أو اللغة عادةً ما تختلف عن لغة المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية. وقد كان تحدُّث هذه اللغة يُعدُّ شرطاً للانخراط في سلك الجماعة. فكان المماليك يتحدثون فيما بينهم الشركسية (أو إحدى اللغات التركية) ، ويتحدث الصينيون من أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في جنوب آسيا لغتهم، ويتحدث العرب في أفريقيا لغتهم العربية. أما أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة من اليهود في شرق أوربا، فكانوا يتحدثون اليديشية. ويُلاحَظ أن بعض أعضاء النخبة الحاكمة المصرية قبل ثورة ١٩٥٢ كانوا يتحدثون التركية (أو العربية المطعمة بالتركية) كمظهر من مظاهر التميز والعزلة والانتماء للجماعة الوظيفية الحاكمة. وهذا هو مصدر النمط السائد في الكوميديا المصرية بعد الثورة - المصري/التركي منتفخ الأوداج المتعجرف، الذي يتحدث هذه اللهجة كإحدى علامات التميز. ولكن تعجرفه ليس له ما يسانده في الواقع، فهو عضو جماعة وظيفية حاكمة فقدت وظيفتها. ويبدو أن التحدث بإحدى اللغات الأوربية بين أعضاء النخب الحاكمة والثقافية في العالم الثالث (والتي تحوَّلت إلى ما يُشبه الجماعة الوظيفية التي تخدم مصالح الاستعمار والنظام العالمي الجديد) قد أصبح هو الآخر رمز الانتماء للجماعة الوظيفية، فالمتحدث بهذه اللغة يبيِّن كفاءته، وهو في الوقت نفسه يعزل نفسه عن الجماهير التي لا تتحدث سوى لغة الوطن!

стр. 1825

واللغة، من ثم، هي وسيلة من وسائل الفصل بين الجماعة وأعضاء المجتمع المضيف، وأداة للتواصل بين أعضاء الجماعة. ولعل في إصرار الصهاينة على أن تكون لغة الدولة الصهيونية هي العبرية وليس الإنجليزية لغة القوى الإمبريالية العظمى، أو الإسبرانتو اللغة التي طورها اليهودي الروسي زامنهوف على أمل أن تكون لغة عالمية ولغة يتحدث بها المُستوطَن الصهيوني) إدراكاً من جانبهم لطبيعة الدولة الصهيونية باعتبارها دولة وظيفية. ومن الأشكال المتطرفة للغات الجماعات الوظيفية اللغات السرية، فالعوالم والنشالون، على سبيل المثال، لهم لغاتهم السرية، وهي في الغالب رطانة تركيبها هو تركيب اللغة الشائعة في المجتمع مع إضافة مفردات لغوية لا يعرفها إلا عضو الجماعة الوظيفية. وللغة السرية فائدة مباشرة إذ تُسهِّل عملية أداء الوظيفة، وهي وظيفة مشينة في العادة، ومن ثم تصبح اللغة السرية من علامات الهامشية. وقد استخدم أعضاء الجماعات اليهودية هذه الآلية للتواصل. وكانت لغاتهم السرية تتكون في العادة من جُمَل باللغة المحلية تحتوي على كلمات عبرية تُعالج حسب قواعد اللغة المحلية، فكلمة «أخل» مثلاً كلمة عبرية بمعنى «أكل» ، فإن كان المتحدث اليهودي يتحدث بالإنجليزية فإنه يُعبِّر عن معنى أنه «قد أكل بالفعل» على النحو التالي: «هي هاز أوريدي أخلد He has already akhaled.» ولا تُعبِّر هذه الكلمات الداخلية إلا عن الأجزاء المهمة من الأسماء أو الأفعال في الجملة. كما كانت تترجم أسماء الأماكن حرفياً إلى العبرية فكلمة «نيويورك» مثلاً في عبارة «ذهبت إلى نيويورك» ، تصبح «آي وُنت تو يورك حاداش I went to york hadash» حيث جاءت كلمة «حاداش» بديلاً عن الجزء الأول من كلمة نيويورك «نيو» ، ومعناها «جديد» .

стр. 1826

وكان أعضاء الجماعة اليهودية يستخدمون اللغة السرية لمناقشة الأمور التي تهمهم دون أن يفهمهم أحد من المحيطين بهم، بخاصة في الأسواق، وهو ما كان يُسهِّل عملية الغش التجاري والاحتيال، وكثيراً ما كان اللصوص يتعلمون هذه اللغة لاستخدامها بين الناس دون أن يفهمهم أحد. فقد قام موظف بروسي بإعداد معجم عن لغة اللصوص السرية في أواخر القرن الثامن عشر، وظهر أن كثيراً من كلمات هذه اللغة السرية ذات جذور عبرية أو أصل عبري. وقد أُخذ هذا دليلاً على اشتراك أعضاء الجماعة اليهودية وتورطهم في عالم الجريمة. وفي الوقت الحاضر، يبدو أن كثيراً من القوادين والقائمين على تجارة الرقيق الأبيض يتحدثون لغة سرية ذات أصول عبرية، وقد يعود هذا لوجود عدد كبير من أعضاء الجماعة اليهودية، يعملون قوادين أو بغايا، في هذه المهنة المشينة حتى ثلاثينيات هذا القرن، وقد أصبحت إسرائيل مصدراً للبغايا في أوربا في الوقت الحاضر. ويُقال إن لغة القوادين في أمستردام قد دخلتها كلمات عبرية كثيرة. وقد كانت اليديشية تحل أحياناً محل اللغة السرية، وهي رطانة ألمانية دخلت عليها مفردات سلافية وعبرية، فكان لا يفهمها سوى أعضاء الجماعة اليهودية، فأصبحت اليديشية لغة الغش التجاري في القرن التاسع عشر، ولذا حرَّمت الحكومات على اليهود استخدامها. الجرائم المالية لبعض أعضاء الجماعات اليهودية Financial Crimes of Some Members of Jewish Communities

стр. 1827

» الجرائم المالية «هي الجرائم التي يرتكبها بعض كبار المموِّلين، مثل جرائم التزييف والغش التجاري والتهريب. وقد لُوحظ ازدياد نسبة ارتكاب مثل هذه الجرائم بين أعضاء الجماعات اليهودية، عن النسبة العامة السائدة في المجتمع. ومن المعروف أن هذه الجرائم انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر إلى درجة اضطرت معها الحكومات إلى استصدار تشريعات خاصة. ويبدو أن تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في القطاع التجاري (في المجتمع التقليدي) ساعد على ذلك، فهو قطاع لم يكن يعرف نظام الضرائب، ولم يكن يرتبط بشبكات الرأسمالية الرشيدة من مصارف ووسائل نقل وغيرها. ولذلك، كان التهرب من الضرائب، وتهريب البضائع، جزءاً عضوياً في مثل هذا النشاط التجاري. كما أن تَركُّز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في المناطق الحدودية والمدن شجع على هذا الاتجاه. ومن المعروف أن اللغة اليديشية التي تُكتَب بالحروف العبرية، والتي لا يعرفها سوى التجار اليهود، أصبحت تشبه اللغة السرية التي يستخدمها اللصوص، وأصبحت بذلك من أهم وسائل الغش التجاري. ولهذا حظرت الحكومات الغربية على التجار اليهود استخدامها في معاملاتهم التجارية. وقد استمر هذا النمط إلى العصر الحديث، فنجد أن نسبة جرائم الغش التجاري والتزييف التي ارتكبها أعضاء الجماعات اليهودية في بولندا وروسيا، وفي ألمانيا وهولندا، تصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف نسبتها بين أعضاء الأغلبية. وفي الاتحاد السوفيتي، لُوحظ في الستينيات أن حوالي ٥٠% من الجرائم المالية ارتكبها أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت نسبتهم لا تزيد عن ٢% من عدد السكان. ويبدو أن أعضاء الجماعات اليهودية لهم دور ملحوظ في توزيع المخدرات في الولايات المتحدة والدول الغربية. ولا تزال تظهر من آونة إلى أخرى فضيحة مالية ضخمة يتورط فيها أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ.

стр. 1828

وقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر واحدة من أهم فضائح الفساد المالي والسياسي التي هزت المجتمع الفرنسي، وهي الفضيحة الخاصة بانهيار شركة قناة بنما، والتي اعُتبرت آنذاك أكبر سقطة مالية في تاريخ فرنسا، حيث راح ضحيتها أكثر من ٨٠٠ ألف مواطن فرنسي من المساهمين في الشركة. وقد تورط في هذه الفضيحة التي عُرفت باسم «فضيحة بنما» ثلاث شخصيات يهودية هم: البارون جاك دي رايناخ (الوكيل المالي للشركة) ، والفرنسي ليوبولد إميل أرتون، والأمريكي كورنيليوس هرتز. وفي القرن العشرين، تعددت الفضائح المالية التي تورطت فيها شخصيات يهودية. ففي السبعينيات، أسس الأمريكي برنارد كورنفلد مؤسسة استثمار أموال مشتركة في سويسرا باسم «انفستورز أوفرسيز سيرفيسيز» ونجح في جذب مستثمرين من أكثر من مائة دولة بلغت قيمة أموالهم المودعة لدى شركته ملياري دولار. ولم تجتذب شركته هذا الحجم من الأموال بفضل خبرتها في إدارة الأموال ولكن بفضل خبرتها في تهريب الأموال والعملات، وبخاصة من دول العالم الثالث. وقد اكتسب كورنفلد عداء كثير من السلطات المالية في دول عديدة، وأثار قلق الدوائر المالية السويسرية الحريصة على صورتها وسمعتها العالمية. وانهارت شركته بعد أن انخفضت قيمة بعض الأصول المهمة المملوكة لها وهبطت سوق الأوراق المالية الأمريكية التي كانت أغلب أموال الشركة مستثمرة فيها. كما نجحت السلطات المالية السويسرية في اتخاذ إجراءات قانونية ضده، فسُجن لمدة عام ثم أُطلق سراحه بكفالة مالية.

стр. 1829

وقد كانت تربط كورنفلد علاقة بشخص ساهم في دفع كفالته يُدعَى تيبور بنحاس روزنباوم، والذي تورط هو الآخر في فضيحة مالية كبرى. وروزنباوم يهودي سويسري من أصل مجري، كان والده حاخاماً (كما درس هو أيضاً ليصبح حاخاماً) . وخلال الحرب العالمية الثانية، عمل روزنباوم في المقاومة المجرية، وشارك في تهريب اليهود. وبعد الحرب، عمل لصالح الوكالة اليهودية، واشترك في عمليات تهجير وتوطين اليهود في فلسطين. كما كان عضواً في المؤتمر اليهودي العالمي وفي حركة مزراحي الدينية الصهيونية. وعقب إقامة دولة إسرائيل، أسس روزنباوم شركة تجارية سويسريةـ إسرائيلية.

стр. 1830

وكان روزنباوم قد أسس مصرفاً في سويسرا باسم «إنترناشيونال كريديت بنك» اعتمد على الإيداعات السرية لأموال غير معلومة المصدر من اليهود الفرنسيين والمافيا الأمريكية. وكان يتم تحويل هذه الأموال عن طريق فرع المصرف في جزر البهاما. وقد استخدم روزنباوم مصرفه لتحويل بعض الأموال لشركة كورنفلد. كما قدَّم المصرف خدمات مالية لإسرائيل حيث يُقال إنه دبر قرضاً لوزارة الدفاع الإسرائيلية قيمته ٧ ملايين من الدولارات خلال ٢٤ ساعة وتَلقَّى مقابل ذلك عمولة قدرها نصف مليون دولار. وفي الوقت نفسه اشترك روزنباوم في تمويل بعض الشركات الإسرائيلية ومن بينها شركة «إسرائيل كوربوريشن» الذي كان عضواً في مجلس إدارتها، وهي شركة استثمارية أسسها مجموعة من أثرياء اليهود في مقدمتهم البارون إدموند دي روتشيلد الذي ترأس مجلس إدارتها. وقد ترأس الشركة إسرائيلي يُدعى مايكل تسور. وقام روزنباوم وتسور، معاً، بتحويل عشرين مليون دولار من أموال الشركة إلى مصرف روزنباوم في سويسرا دون تفويض من المساهمين أو الأشخاص المعنيين. وقام روزنباوم بتحويلها بدوره إلى إمارة ليختنشتاين، واستخدم الأموال في بعض مشاريعه الخاصة. أما تسور، فكان يتلقى فائدة قدرها ٨% على هذه الأموال، بينما كان يدفع للمستثمرين في الشركة ٦.٥% فقط ويضع الفارق في جيبه. وقد كشف إدموند دي روتشيلد النقاب عن هذه العمليات وهدَّد بوقف إنفاقاته الخيرية في إسرائيل إذا لم يتم إجراء تحقيق شامل في الأمر. وقد أدين تسور بأربع عشرة تهمة، وحُكم عليه بالسجن لمدة ١٥ عاماً. وفي سويسرا، أُغلق مصرف روزنباوم، الذي سُجِن ثم أُفرج عنه بكفالة مالية قيمتها مليونان من الدولارات وهي أعلى كفالة في تاريخ سويسرا.

стр. 1831

وقد ارتبطت بعض الأسماء اليهودية بالفضيحة الخاصة بمصرف أميركان بانك آند تروست كومباني أوف نيويورك الذي اعتُبر سقوطه رابع أكبر إفلاس مصرفي في التاريخ الأمريكي. وقد تأسس هذا المصرف عام ١٩٢٩ في نيويورك على يد بنك مكسيكي، ثم انتقلت ملكيته عام ١٩٦٣ إلى بنك إسرائيلي - سويسري، ثم انتقلت في أواخر الستينيات إلى ثري من شيلي يُدعَى خوزيه كلاين، وأخيراً إلى ديفيد جرافيير وهو يهودي أرجنتيني ثري من أصل بولندي. وقد نجح هذا المصرفي في جذب كثير من رجال الأعمال وأثرياء اليهود الأمريكيين، كما ارتبطت به شخصيات أمريكية سياسية مهمة. ونجح البنك أيضاً في جذب أموال أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية حيث بلغ حجم أموالهم المودعة لدى البنك حوالي ٤٠ مليون دولار في منتصف السبعينيات. ولكن، في عهد كلاين، بدأ المصرف في ارتكاب عدة مخالفات مثل التجاوز في منح التسهيلات وتجاوز سقوفها ومنح القروض لشركات يمتلك المسئولون في المصرف حصصاً فيها، الأمر الذي اضطرت معه السلطات المالية الأمريكية المختصة إلى وضع المصرف تحت رقابتها. ولكن يبدو أن الاعتبارات السياسية حالت دون اتخاذ أية إجراءات ضده. وعند انتقال ملكية المصرف إلى جرافيير، عمل هو الآخر من خلال سلسلة من العمليات الملتوية على نهب المصرف وإفراغه من ملايين الدولارات وسلب أموال المودعين وودائعهم. وحينما بدأ أمره يفتضح، لقي جرافيير مصرعه فجأة إثر سقوط طائرته فوق المكسيك عام ١٩٧٦ في حادث يحيط به الكثير من الغموض، حيث أثيرت التكهنات حول احتمالات أن يكون قد اغتيل. وقد أغلقت السلطات المالية الأمريكية المصرف بعد أن نهب جرافيير منه ٥٠ مليون دولار، وبعد أن فقد كثير من مودعيه من أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية أموالهم.

стр. 1832

أما مارك ريتش، الذي تورط في أكبر فضيحة تهرب ضريبي في تاريخ الولايات المتحدة، فهو يهودي أمريكي وُلد في بلجيكا عام ١٩٣٤ من أبوين من أصل ألماني، وفرَّت أسرته إلى الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية. وقد انضم ريتش في سن مبكرة إلى شركة فيليب براذرز، وهي شركة تعمل في تجارة السلع أسسها يهود ألمان عام ١٩٠١ في ألمانيا ثم في الولايات المتحدة عام ١٩١٤، وتدرج بها ريتش سريعاً، وكان أول من أدخل الشركة مجال تجارة البترول في أواخر الستينيات وحقق لها أرباحاً ضخمة عقب ارتفاع أسعار البترول عام ١٩٧٣. ولكنه ترك الشركة، في عام ١٩٧٤، إثر خلافات مع الإدارة وأسس شركة خاصة به في سويسرا هي مارك ريتش وشركاه التي أصبحت، خلال فترة وجيزة، من أكبر الشركات العاملة في مجال تجارة السلع، خصوصاً البترول والمعادن، وقُدرت ثروتها عام ١٩٨١ بنحو ٢٠٠ مليون دولار. وقد نجح فرع شركته في الولايات المتحدة في تحقيق إيرادات بلغت ١٠٥ ملايين دولار من خلال الالتفاف حول بعض القوانين الخاصة بضبط أسعار البترول والتي أدخلتها الحكومة الأمريكية عام ١٩٧٣ لحماية صناعة التكرير الأمريكية من الارتفاع المفاجئ في الأسعار. ثم قام ريتش بإخفاء وتهريب أرباحه إلى خارج البلاد من خلال سلسلة من الصفقات الملتوية حتى يتهرب من دفع مبلغ ٤٨ مليون دولار هي قيمة الضرائب المستحقة عليه للحكومة الأمريكية. وقد وُجِّهت إليه عام ١٩٨٢ اتهامات بالتهرب الضريبي وأيضاً بالاتجار مع العدو حيث قام بشراء بترول إيراني أثناء أزمة الرهائن الأمريكية عام ١٩٨٠ بعد أن كانت الحكومة الأمريكية قد أصدرت قراراً بمنع الشركات الأمريكية من التعامل مع النظام الإيراني. إلا أن ريتش فرَّ إلى سويسرا بعد أن أغلق فرع شركته في الولايات المتحدة، ولا تزال شركته تزاول نشاطها من سويسرا في السوق العالمى ويُلاحَظ تورط بعض أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الفضائح الخاصة بسوق

стр. 1833

الأوراق المالية في الولايات المتحدة. ومن بين الذين تورطوا في مثل هذه الانحرافات الأمريكي اليهودي لويس وولفسون الذي سطع نجمه في عالم المال خلال الخمسينيات والستينيات، حيث حقق أول مليون له في سن الثامنة والعشرين من خلال تجارة الخردة، ثم اتجه إلى شراء الأسهم والحصص في العديد من الشركات وقام ببناء وتطوير شركة «ميريت شابمان آند سكوت كوربوريشن» التي اعتُبرت أولى الشركات الضخمة متعددة النشاطات. ولكن كثيراً من عمليات ولفسون، لا سيما تلك المتعلقة ببيع وشراء الأسهم، كانت مخالفة للقوانين الخاصة بهذه العمليات الأمر الذي أوقعه في مواجهات عديدة مع هيئة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية التي كانت تسعى إلى الحد من تزايد معدلات الجرائم المالية، كما كانت تسعى إلى إدانة أحد رموزها البارزين مثل وولفسون لردع المنحرفين في قطاع المال. وقد نجحت الهيئة بالفعل في إدانة وولفسون وحُكم عليه بالسجن لمدة عام سنة ١٩٦٩. وصُفِّيت شركته وتفككت إمبراطوريته بعد أن كلفته إجراءات التقاضي مع الحكومة، والدعاوى التي أقامها ضده المساهمون في شركته، الملايين من الدولارات.

стр. 1834

ومن أكبر الفضائح المالية التي هزت أركان وول ستريت (سوق المال في نيويورك) فضيحة إيفان بويسكي، وتتلخص جريمته في الحصول مسبقاً على معلومات حول نية بعض الشركات بخصوص بيع أسهمها من مصادر وثيقة الصلة قبل أن يتم الإعلان عن نية البيع للجمهور واستخدام هذه المعلومات لتحقيق المكسب والربح. وقد حقق بويسكي، الذي كان يمتلك مؤسسة متخصصة في المضاربة في أسهم الشركات التي يوشك أن يستولي عليها، في الفترة بين ١٩٨٤ و١٩٨٦ أرباحاً بلغت ٥٠ مليون دولار من خلال الحصول على معلومات مسبقة حول نوايا الاستيلاء على بعض الشركات حيث كان يقوم بشراء أسهمها ثم أعاد بيعها بعد أن تقفز أسعارها عقب الإعلان عن هذه المعلومات. وقد فُرضت على بويسكي غرامة قدرها ١٠٠ مليون دولار وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع حرمانه مدى الحياة من المتاجرة في سوق الأوراق المالية الأمريكية.

стр. 1835

وقد فتحت فضيحة بويسكي الباب على مصراعيه لأكبر قضايا جرائم ذوي الياقات البيضاء في التاريخ الأمريكي حيث كشفت التحقيقات عن تورط واحدة من أكبر المؤسسات الاستثمارية في وول ستريت (وهي دريكسل بورنام لامبيرت) وأحد نجومها ونجوم وول ستريت (وهو مايكل ميلكن) في انحرافات بويسكي حيث قاما بتقديم معلومات تتصل بنوايا عملائهم إلى بويسكي، واقتسام الأرباح معه. كما تكشف قيامهم بمخالفات وانحرافات مالية خطيرة، منها الاحتيال واستخدام أساليب ملتوية لإخفاء الملكية الحقيقية للأسهم والأوراق المالية بغرض تمرير صفقات غير مشروعة. وكان ميلكن، الذي قُدرت ثروته عام ١٩٨٨ بنحو مليار دولار، قد أسس سوقاً ضخمة لما عُرف باسم «سندات الخردة» وهي سندات ذات عائد عال ومخاطر عالية في الوقت نفسه، وكانت تطرحها عادةً الشركات التي تعاني من أزمات مالية. وقد نجح ميلكن في خَلْق سوق ضخمة لهذه السندات وصل حجم التعامل فيها خلال الثمانينيات إلى ١٢٠ مليار دولار، وذلك من خلال استخدامها كأداة لتدبير التمويل اللازم للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم ولتمويل عمليات الاستيلاء على الشركات. كما خلق ميلكن شبكة واسعة ومتداخلة من المتعاملين في هذه السندات واستطاع من خلالها أن يسيطر ويتلاعب في حجم تداولها وأسعارها. ووُجِّهت إليه اتهامات باللجوء إلى أساليب غير مشروعة مثل الرشوة والابتزاز والتلاعب في الأسعار لتشجيع أو إجبار بعض المؤسسات المالية على شراء سنداته والتعامل فيها. وقد فُرضت على ميلكن غرامة قدرها ٦٠٠ مليون دولار وتُعَدُّ أعلى غرامة من نوعها تُفرَض ضد شخص في الولايات المتحدة، كما حُكم عليه، في عام ١٩٩١، بالسجن لمدة عشر سنوات.

стр. 1836

ويمكن الإشارة أيضاً إلى الفضيحة الخاصة بمؤسسة سالومون براذرز، وهي ثالث أكبر مؤسسات الاستثمار والخدمات المالية في الولايات المتحدة وحققت هذا المركز بفضل إدارة جون جوتفروند رئيس مجلس إدارتها ورئيسها التنفيذي والملقب بـ «ملك وول ستريت» . وقد تبيَّن عام ١٩٩١ أن مؤسسة سالومون انتهكت القواعد الفيدرالية الخاصة بالتعامل في سندات الخزانة الأمريكية التي تحظر على أية مؤسسة مالية شراء أكثر من ٣٥% من السندات المطروحة في مزاد واحد. ويهدف هذا الإجراء إلى تجنب الاحتكار في سوق السندات الحكومية التي يصل حجم التعامل فيها إلى ٢.٢ تريليون دولار. كما تكشّف أن مؤسسة سالومون اشترت ما يزيد على نسبة قدرها ٠٥% من السندات المطروحة في عدة مزادات خلال عام ١٩٩١ حيث قدمت بعض عروضها بأسماء عملائها دون الحصول على تفويض منهم. واستقال جوتفروند من منصبه عقب تَفجُّر الفضيحة وبدء التحقيقات.

стр. 1837

ومن أهم الفضائح المالية وأكثرها إثارة، الفضيحة الخاصة بروبرت ماكسويل اليهودي البريطاني الذي أقام إمبراطورية إعلامية ضخمة والذي تُوفي في ظروف غامضة عام ١٩٩١ ودُفن في إسرائيل. فقد أقام ماكسويل نحو ٤٠٠ شركة أغلبها مسجل في إمارة ليختنشتاين حيث تتوافر قوانين السرية، ونجح من خلال هذه الشبكة المتداخلة في إخفاء حقيقة الأوضاع المالية لإمبراطوريته التي كانت تنوء تحت ثقل الديون وفي إخفاء بعض عملياته غير المشروعة. وقد تكشّف عقب وفاته أنه حوَّل أكثر من ٧٠٠ مليون جنيه إسترليني أو ١.٢٧ بليون دولار من صناديق التقاعد في مجموعة شركاته العامة «ميرور جروب» لمساندة إمبراطوريته الإعلامية المتهاوية وتغطية خسائر شركاته الخاصة. كما تبيَّن أنه احتال على مؤسسة مالية سويسرية للحصول على قرض قيمته ١٠٠ مليون دولار، وأنه استخدم الأصول نفسها لضمان أكثر من قرض. والواقع أن هذه الفضيحة، التي وُصفت بأنها أكبر فضيحة من نوعها في بريطانيا في هذا القرن، قد أكسبته لقب «محتال القرن» ، وزادت التكهنات القائلة بأن ماكسويل مات منتحراً، فلو أنه ظل حياً لاستدعى ذلك مثوله أمام القضاء بتهم الاحتيال والسرقة والتزوير. كما أن هناك احتمال أنه لم ينتحر وإنما تم اغتياله على يد الموساد.

стр. 1838

ومن أهم الفضائح التي تورطت فيها شخصيات يهودية، الفضيحة الخاصة بمصحات وبيوت المسنين في الولايات المتحدة، وهي فضيحة لم تقتصر فقط على التورط في أعمال التزوير والاحتيال على السلطات الحكومية، بل تضمنت أيضاً إساءة معاملة نزلاء هذه المصحات والبيوت من المسنين. وكان أهم المتورطين في هذه الفضيحة برنارد بيرجمان الذي أُطلق عليه لقب «ملك بيوت المسنين» ، حيث كان يتمتع بسيطرة شبه احتكارية على هذا القطاع وهو قطاع احتل فيه اليهود الأمريكيون النسبة الأكبر من العاملين. وقد وُلد بيرجمان في المجر وهاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩٢٩. وتخرَّج هناك في جامعة يشيفا ليصبح حاخاماً أرثوذكسياً، إلا أنه ترك العمل الديني واتجه نحو الأعمال التجارية ودخل قطاع ملاجئ ومصحات المسنين وهو قطاع يتمتع بهامش ربح عالي في الولايات المتحدة. ونظراً لأن الدولة كانت تتحمل النسبة الأكبر من نفقات رعاية المسنين في إطار البرامج الحكومية المخصصة، لجأ بيرجمان إلى تعظيم أرباحه من خلال تضخيم كشوف نفقات هذه الملاجئ والمصحات المقدمة إلى الجهات الحكومية المعنية. وقد تبين من التحقيقات اللاحقة مدى حجم الإهمال والأوضاع المتردية والمعاملة اللا إنسانية التي تلقاها النزلاء المسنون وهو ما أكد وصف بيرجمان بأنه «يهودي يتولى إدارة معسكر اعتقال» (وهي إشارة إلى معسكرات الاعتقال النازية التي تعرَّض فيها اليهود للإبادة) .

стр. 1839

ومما يُذكَر أن بيرجمان، شأنه شأن بويسكي، كان من كبار المساهمين في الأنشطة الصهيونية والأنشطة «الخيرية» اليهودية. وقد حرص بيرجمان على إقامة علاقات وثيقة بشخصيات سياسية أمريكية واستغلال هذه العلاقات لتمرير بعض مشاريعه أو التغاضي عن تجاوزاته، كما أنه لم يتردد في اتهام الهيئات أو الجهات المختصة التي عارضت مشاريعه بأنها معادية لليهود، وذلك في الوقت الذي كان يقوم فيه باستنزاف المسنين من اليهود وغير اليهود وإهدار آدميتهم تحت عباءة اليهودية. وقد بدأ التحقيق مع بيرجمان عام ١٩٧٤ حيث أُدين بتهم الاحتيال والنصب على البرنامج الأمريكي للرعاية الصحية وبتهم الرشوة والتهرب الضريبي. وحُكم عليه بالسجن لمدة عام وأربعة أشهر وبغرامة كبيرة. وإذا كان ميراث الجماعات اليهودية (باعتبارها جماعات وظيفية وسيطة داخل التشكيل الرأسمالي تعمل وتتركز في قطاعات التجارة والخدمات المالية والسمسرة) يفسر إلى حدٍّ كبير بروزهم في كثير من الفضائح المالية، فإن هذه الجرائم والانحرافات المهنية ذاتها هي جرائم وانحرافات شائعة في المجتمعات الرأسمالية، بين اليهود وغير اليهود، وانعكاس مباشر لآليات هذه المجتمعات التي تحكمها اعتبارات القوة والمال ويسودها الصراع والتنافس الشديدان وتَكثُر بها الثغرات التي يمكن استغلالها والتحايل من خلالها على القوانين والتشريعات لتحقيق المكسب والربح. ويجب ملاحظة أن جرائم الغش التجاري التي يرتكبها أعضاء الجماعات اليهودية لا يمكن تفسيرها بأنها جزء من المؤامرة اليهودية الأزلية لإفساد أخلاق الأغيار، فكثير من ضحايا جرائم الغش التجاري التي يرتكبها اليهود من اليهود (كما هو الحال في حالة جرافيير وبيرجمان) ، فالغش التجاري في عصر الرأسمالية الرشيدة يتسم بالرشد وبعدم التمييز بين البشر على أساس الدين أو اللون أو الجنس، فهو غش مجرد لا شخصي، تماماً مثل رأس المال المجرد.

стр. 1840

تهريب البضائع وأعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة Smuggling and the Jewish Communities in the U.S.A. يوليسيس جرانت (١٨٢٢ ـ ١٨٨٥) هو قائد الجيش الأمريكي الشمالي ضد الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، والرئيس الثامن عشر للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين عامي ١٨٦٩ و١٨٧٧. أصدر عام ١٨٦٢، خلال الحرب الأهلية، الأمر رقم ١١ بشأن طرد أعضاء الجماعة اليهودية خلال أربع وعشرين ساعة من جميع المناطق الخاضعة لسلطاته العسكرية. ويُعتبَر هذا الأمر هو الوحيد من نوعه في التاريخ الأمريكي الذي شمل أعضاء الجماعة اليهودية على هذا النحو السلبي. وكان السبب الرئيسي وراء هذا الأمر هو تَورُّط بعض أعضاء الجماعة اليهودية في عمليات التهريب التي كانت جارية بشكل مكثف عبر الخطوط العسكرية بين قوات الشمال وقوات الجنوب. وقد كانت حكومتا الشمال والجنوب تتغاضيان إلى حدٍّ ما عن عمليات التهريب حيث كانتا تسدان من خلالها بعض احتياجاتهما، كما كان بعض ضباط الجيشين متورطين في هذه العمليات. إلا أن تزايد حجمها واتساع نطاقها أدَّى إلى إصدار هذا الأمر. ورغم أن كثيراً من الأدبيات اليهودية تفسر أمر جرانت هذا بأنه شكل من أشكال معاداة اليهود، وأنه أصدره استناداً إلى معلومات خاطئة زوَّده بها بعض التجار من غير اليهود الذين كانوا يقومون بعمليات تهريب (وكان متورطاً معهم فيها بعض ضباط الجيش) ، إلا أن الدلائل تشير إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا بالفعل مُمثَّلين بشكل متزايد في عمليات التهريب، وربما كانوا يلعبون دوراً رئيسياً فيها. ويمكن فهم هذا الوضع في إطار إدراكنا لميراث الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة تتميَّز بخبراتها الواسعة في مجال التجارة ولا تتقيد بانتماءات أو ولاءات خارج إطار الجماعة نفسها. ومما يدل على هذا التورط المتزايد لأعضاء الجماعة اليهودية في التهريب ما عبَّر عنه بعض الحاخامات الأمريكيين في

стр. 1841

تلك الفترة من قلق وتخوف بالغ إزاء اشتراك أعضاء الجماعة في نشاط التهريب والذي اعتبروه (على حد قول الحاخام يعقوب بريز) تدنيساً لاسم الرب. وقد أشار هذا الحاخام في رسالة له لإسحق ليسر إلى أن أكثر من عشرين يهودياً كانوا في سجون مدينة ممفيس بتهمة التهريب. وقال إسحق ليسر نفسه في مقال له رداً على الأمر "إن جموع المغامرين الباحثين عن الربح والخسارة يحومون حول البلاد بطولها وعرضها، كما أن بعضهم من اليهود الذين يتظاهرون بأنهم يهود صالحون في حين أنهم ليسوا كذلك". كما قال ديفيد أينهورن: "إن على اليهود استئصال هذه الجرائم من بينهم لأنها لا تجلب سوى العار على الجماعة اليهودية بأكملها". كما يقول آرثر هرتزبرج في كتابه يهود أمريكا "ليس هناك مجال للشك في أن بعض الثروات اليهودية.. تعود جذورها إلى الأرباح التي تحققت عن طريق عمليات التهريب خلال الحرب الأهلية الأمريكية". ومن ثم لا يمكن اتهام جرانت بمعاداة اليهود، وذلك باعتراف بعض اليهود أنفسهم حيث لم يبد جرانت، قبل هذا الحادث أو بعده، أي عداء تجاه أعضاء الجماعة اليهودية، بل عمل على تعيين يهود في مراكز مرموقة خلال فترة رئاسته. كما أن الجدل الذي أُثير داخل الكونجرس الأمريكي حول هذا الأمر، انتهى برفض مشروع قرار بإلغاء الأمر، وكان قوامه الخلافات الحزبية، وهو ما يعني أن الاعتبارات الرئيسية كانت اعتبارات سياسية واعتبارات تتصل بمصالح الشمال في حربه مع الجنوب. وقد ألغى الرئيس لنكولن القرار، في نهاية الأمر، بعد الاحتجاجات الواسعة النطاق التي أثارها أعضاء الجماعة اليهودية ومن بينهم بعض المقرَّبين منه والمؤيدين له. فضيحة قناة بنما Panama Canal Scandal

стр. 1842

من أكبر الفضائح المالية والسياسية التي هزت المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. وهي فضيحة خاصة بانهيار شركة قناة بنما الفرنسية وما تكشَّف في أعقاب ذلك من تجاوزات وفساد مالي وسياسي. وقد تورط في هذه الفضيحة ثلاث شخصيات من أعضاء الجماعات اليهودية هم: البارون جاك دي رايناخ (مصرفي ومالي من أصل ألماني والوكيل المالي للشركة) ، وكورنيليوس هرتز (طبيب أمريكي) ، وليوبولد إميل أرتون (مغامر فرنسي) . وترجع بدايات الفضيحة إلى عام ١٨٨٨، حينما واجهت شركة قناة بنما أزمة مالية حادة نتيجة جملة من العوامل الطبيعية والمشاكل الفنية وسوء الإدارة التي صاحبت عملية شق القناة. وكان المخرج الوحيد أمام الشركة هو طرح سندات يانصيب لجمع الأموال اللازمة. ولكن ذلك كان يستلزم الحصول على موافقة البرلمان الفرنسي في حين كانت بعض الدوائر تؤكد أن وضع الشركة والمشروع أصبح ميئوساً منه وأن طرح سندات اليانصيب لن يجدي فتيلاً. ولذلك، لجأت الشركة إلى رشوة بعض أعضاء البرلمان الفرنسي الذين صوتوا بالفعل لصالح مشروع اليانصيب. وكان أداة الشركة في هذه العملية هو وكيلها المالي البارون جاك دي رايناخ. وكان رايناخ، الألماني الأصل، قد أقام مؤسسة مصرفية ومالية في فرنسا باسم «كون ورايناخ وشركاهما» . وجمع ليوبولد ثروته من خلال المضاربة في السكك الحديدية الفرنسية وبيع الإمدادات العسكرية للحكومة الفرنسية. ويبدو أن بعض عملياته قد أحاطتها الشبهات وإن لم يتأكد أبداً أنه ارتكب أية انحرافات. وكانت مهمة رايناخ إقامة لوبي (جماعة ضغط) مؤيدة للشركة في الأوساط البرلمانية والسياسية والصحفية وتَلقَّى من الشركة ملايين الفرنكات لدفع الرشاوى وشراء الأصدقاء.

стр. 1843

وقد قام رايناخ باستخدام ليوبولد إميل أرتون (١٨٤٩ ـ ١٩٠٥) ليقوم بتوزيع مليون فرنك على أعضاء البرلمان الفرنسي. والمعروف أن أرتون مغامر فرنسي وُلد لعائلة يهودية ألزاسية وعاش طفولة تعسة في فرانكفورت ثم انتقل إلى البرازيل حيث اعتنق الكاثوليكية وغيَّر اسمه من أرون إلى أرتون، وفي عام ١٨٨٢ عاد إلى فرنسا والتحق بشركة الديناميت التي كانت مشاركة في عمليات شق قناة بنما. وبعد تَفجُّر فضيحة قناة بنما، فرّ أرتون من البلاد بعد أن اختلس مبلغ ٤.٦مليون فرنك من شركة الديناميت.

стр. 1844

أما كورنيليوس هرتز (١٨٤٥ ـ ١٨٩٨) ، فقد أبرم اتفاقاً سرياً مع قناة بنما استلم بموجبه ٦٠٠ ألف فرنك مقابل استخدام نفوذه وعلاقاته لدى بعض الشخصيات السياسية الفرنسية المهمة لصالح الشركة. كما نص الاتفاق على أن يتسلم هرتز مبلغ عشرة ملايين فرنك فور إقرار مشروع اليانصيب في البرلمان على أن تتم عمليات الدفع كلها عن طريق رايناخ. وقد كانت شخصية هرتز شخصية مثيرة للريبة والتكهنات، فقد وُلد في فرنسا لأبوين ألمانيين ثم هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة. وعاد هرتز في شبابه إلى فرنسا لدراسة الطب، وانضم كمساعد جراح في الجيش الفرنسي أثناء الحرب الفرنسية البروسية في نيويورك ولكنه ترك الجيش بعد ثلاثة أشهر بعد أن اكتشف المسئولون في المستشفى العسكري أنه لم يتخرج من أية جامعة في فرنسا ولم يحصل على شهادة إتمام دراسة الطب. وقد انتقل هرتز بعد ذلك إلى سان فرانسيسكو حيث افتتح عيادة طبية، ولكنه سافر عام ١٨٧٧ بشكل مفاجئ مع أسرته إلى فرنسا وتبين فيما بعد أنه احتال على بعض مرضاه وزملائه من الأطباء وأخذ منهم حوالي ١٤٠ ألف دولار. وفي باريس، استثمر أمواله بمساعدة رايناخ في بعض المشاريع، وبدأ في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع العديد من الشخصيات الفرنسية المهمة من بينها رئيس الدولة ورئيس الوزراء وجورج كليمنصو الذي ساهم هرتز في تأسيس وتمويل جريدته. وقد اتُهم هرتز بأنه كان عميلاً لبريطانيا، لكن ذلك لم يتأكد قط. وقد رفضت الشركة أن تدفع له العشرة ملايين فرنك عقب تصويت البرلمان الفرنسي لصالح مشروع اليانصيب، بدعوى أن هرتز لم يلعب في ذلك دوراً يُذكَر. إلا أن هرتز نجح في أن يستنزف من الشركة ملايين الفرنكات من خلال ابتزاز رايناخ الذي يبدو أن هرتز كان على علم ببعض الأسرار المشينة في حياته ومنها ما قيل من أنه باع أسرار الدولة الفرنسية إلى إيطاليا أو بريطانيا.

стр. 1845

وبرغم موافقة البرلمان على مشروع اليانصيب، فشل هذا المشروع عند طرحه في جمع الأموال اللازمة، وهو ما ساعد في نهاية الأمر على سقوط الشركة وتصفيتها عام ١٨٨٩. وكان انهيار الشركة أكبر سقوط مالي في فرنسا حتى ذلك الحين، حيث أدَّى إلى ضياع أموال أكثر من ٨٠٠ ألف من المواطنين الفرنسيين من المساهمين في الشركة. ولم تتفجر فضيحة قناة بنما إلا بعد سقوط الشركة بثلاث سنوات، حينما نشرت صحيفة لا ليبر بارول التي أسسها إدوارد درومون المعادي لليهود سلسلة من المقالات تحت عنوان «أسرار بنما» ادعى فيها كشف النقاب عن «المؤامرة اليهودية» وراء كارثة بنما واتهم رايناخ بالتورط في رشوة أعضاء البرلمان الفرنسي. وقد كان درومون أشد أعداء الرأسمالية المالية حيث اعتبرها «مرض فرنسا الحديثة وسبب مشاكلها» . ونظراً لارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالقطاع المالي والمصرفي بشكل وثيق، أصبح اليهود هدف هجومه اللاذع، حيث حمَّل «النظام الرأسمالي اليهودي» كثيراً من المشاكل التي تواجهها فرنسا الحديثة ومن ذلك كارثة بنما. وكان من مفاجآت التحقيقات اللاحقة اكتشاف أن رايناخ (محور المؤامرة اليهودية) كان هو نفسه مصدر معلومات درومون، حيث تبين أنه في أعقاب تفجير القضية على صفحات الجريدة أبرم رايناخ اتفاقاً مع درومون يقضي بإخراج اسمه من موضوعات الصحيفة مقابل قيام رايناخ بتوفير جميع المعلومات المتصلة بالقضية وبتجاوزات الشركة. ومما يذكر أن الحملة التي أثارتها صحيفة درومون وغيرها من الصحف الفرنسية ضد شركة بنما كانت تتم في إطار الصراع السياسي القائم آنذاك بين القوى اليمينية والملكية من جهة والقوى الاشتراكية والنظام الجمهوري من جهة أخرى، خصوصاً أن كثيراً من رجال السياسة والدولة كانوا متورطين في الفضيحة بشكل أو بآخر.

стр. 1846

وقد تُوفي رايناخ في نوفمبر ١٨٩٢ بشكل مفاجئ مع بداية التحقيقات في القضية، وأُثيرت تكهنات حول مسألة وفاته حيث قيل إنه انتحر أو قُتل. أما هرتز، فقد فرّ من البلاد إلى لندن حيث ظل فيها حتى وافته المنية وقد حُكم عليه غيابياً بالسجن لمدة خمس سنوات، بينما ظل أرتون هارباً إلى أن تم إلقاء القبض عليه عام ١٨٩٥. ثم تُوفي منتحراً عام ١٩٠٥. ومن العسير فهم فضيحة قناة بنما إلا في إطار حركيات الرأسمالية الفرنسية والنخبة الحاكمة الفرنسية والعلاقة بينهما في أواخر القرن التاسع عشر. وتُبيِّن أحداث الفضيحة وطأة الاستغلال الواقع على كلٍّ من جماهير الشعب الفرنسي وأعضاء الطبقة الوسطى. ومع هذا، تحولت الفضيحة إلى قرينة أخرى على المؤامرة اليهودية الأزلية، وأصبحت من أهم الأحداث التي يشير إليها المعادون لليهود في أدبياتهم. وقد ساعدهم في ذلك أن أبطال الفضيحة كلهم من أعضاء الجماعات اليهودية، اثنان منهم فرنسيان من أصل ألماني والثالث فرنسي هاجر إلى أمريكا، وإن كان من العسير الحديث عن شبكة يهودية عالمية تشمل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ينبع غشهم التجاري من يهوديتهم أم من وجودهم داخل مجتمعات فاسدة مستغلة تساعد الإمكانيات الفساد داخل الإنسان على التحقق؟ صمويل صنبال (؟ -١٧٨٢) Samuel Sunbal

стр. 1847

دبلوماسي مغربي يهودي عمل بالتجارة وحقق أرباحاً فيها. ثم دخل في خدمة السلطان المغربي مترجماً ومستشاراً للسلطان، وقام بتمثيل المغرب في جميع المفاوضات مع الدول الأوربية. ونظراً لأهمية مركزه، حرصت الحكومة الإسبانية على منحه علاوة سنوية إدراكاً منها أنه قد يصبح عنصراً نافعاً لها ولمصالحها. وقد أُرسل عام ١٧٥١ كسفير للمغرب في الدنمارك للقيام بمهمة خاصة. وكانت لصنبال مكانة متميِّزة داخل الجماعة اليهودية في المغرب، حيث كان يُنظَر إليه باعتباره رئيس اليهود (النجيد) . وفي عام ١٧٨٠، وُجِّهت له اتهامات بتهريب العملة إلى خارج البلاد وسُجن، ولكنه نجح في الفرار إلى جبل طارق حيث اشترك في توفير الإمدادات للقلعة التي كانت واقعة تحت الحصار آنذاك، ثم عاد فيما بعد إلى المغرب حيث تُوفي في طنجة. أما ابنه يوسف حاييم صنبال، فقد نجح في تأكيد الحقوق والمطالب المالية لوالده في الدنمارك. وكان يتميَّز بشخصية غير عادية. وفي عام ١٧٨٧، دعا إلى دين جديد يوفق بين المعتقدات الدينية المتعارضة. وقد استقر يوسف في لندن بعد ذلك حيث عُيِّن عام ١٧٩٤ سفيراً للمغرب في إنجلترا. وفي عام ١٧٩٧، تزوج يوسف من ممثلة وصحفية مشهورة اعتنقت اليهودية كما قامت بعد اقترانهما بتسجيل الجوانب المثيرة لحياتها في سيرتها الذاتية. وقد استقر صنبال في نهاية المطاف في هامبورج حيث تُوفي عام ١٨٠٤. ولا يمكن تفسير سلوك صنبال في إطار يهوديته وإنما يمكن تفسيرها في إطار وظيفيته التي جعلته غير متجذر في أي مكان أو زمان. ويظهر هذا في سيرة ابنه ودعوته إلى الدين الجديد. موسى أننبرج (١٨٧٨-١٩٤٢ ( Moses Annenberg

стр. 1848

مليونير أمريكي يهودي بدأ حياته بائع جرائد، ثم تدرَّج داخل شبكة توزيع الصحف لمؤسسة هيرش الصحفية، ولجأ في كثير من الأحيان إلى استخدام أساليب البلطجة ضد موزعي الصحف المنافسة. وقد نجح أننبرج في دخول مجال النشر الصحفي واشترى عام ١٩٣٦ جريدة فلادلفيا إنكوايرر وهي أقدم جريدة يومية في الولايات المتحدة. وفي عام ١٩٣٩، اتُهم أننبرج مع ابنه وولتر (١٩٠٨ـ) بالتهرب من الضرائب. ودخل الأب السجن بعد أن اعترف بالتهمة مقابل إسقاط التهم الموجهة ضد ابنه، واعتُبر بذلك أكبر متهرب من الضرائب في التاريخ الأمريكي. وقد تولى ابنه وولتر رئاسة مؤسسة تراينجل للنشر عام ١٩٤٢. وأضاف إلى المؤسسة جريدة ديلي نيوز و٦ محطات إذاعة وتليفزيون ومجلتين إحداهما مجلة دليل التليفزيون (تي. في. جايد) وهي أكثر المجلات توزيعاً في العالم وأكثرها ربحاً في الولايات المتحدة. وفي عام ١٩٦٩، باع وولتر جريدتي فلادلفيا إنكوايرر وديلي نيوز. وتقدر قيمة مؤسسة تراينجل بحوالي ١.٦ بليون دولار، ويمتلكها وولتر وشقيقاته الخمس. وقد اهتم وولتر بالإنفاق الضخم على المشاريع والأنشطة الخيرية من خلال مؤسسة موسى أننبرج. ويُقال إن هذا الاهتمام يرجع في الأساس إلى محاولة وولتر إزالة ما لحق بسمعة العائلة من غبار بعد قضية أبيه. كما اهتم وولتر بدعم إسرائيل حيث قدَّم لها بعد حرب ١٩٦٧ منحة قدرها مليون دولار. وقد عيَّنه الرئيس الأمريكي نيكسون عام ١٩٦٩ سفيراً للولايات المتحدة لدى بريطانيا. وظلت تربطهما علاقة صداقة، كما كان مقرباً من الرئيس الأمريكي السابق ريجان. لستر كراون (١٩٢٥ -؟) Lester Crown

стр. 1849

مليونير أمريكي يهودي ينتمي إلى عائلة كراون الأمريكية اليهودية الثرية. وأبوه هو هنري كراون الذي وُلد لأسرة من المهاجرين من يهود اليديشية، وعمل في عدة مؤسسات تجارية وصناعية حتى أصبح عام ١٩٢١ مديراً لشركة ماتيريل سيرفس ثم رئيساً لمجلس إدارتها. وبعد الحرب العالمية الثانية، عمل هنري كراون مديراً لعدة مؤسسات كبيرة من أهمها شركة جنرال داينامكس التي تُعَدُّ أكبر شركة مقاولات أمريكية تعمل في مجال الدفاع. ويمتلك هنري كراون مع ابنه لستر حوالي ٢٣% من هذه الشركة، وتُقدر ثروتهما بحوالي ١.١ بليون دولار. وفي السنة نفسها، تورَّط لستر كراون عام ١٩٧٤ في فضيحة رشوة. وفي عام ١٩٨٥، اتجهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لسحب التصريح الأمني الخاص به بسبب إخفائه عنها تورطه في الرشوة. وقد تعرضت شركة جنرال داينامكس لعدد من قضايا وفضائح الفساد. ومما يجدر ذكره، أن شركة جنرال داينامكس ترتبط بإسرائيل من خلال علاقة التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مجال الصناعات العسكرية الإسرائيلية. وفي عام ١٩٨٦، خلعت إسرائيل على لستر كراون لقب «زميل شرفي للقدس» بعد أن تبرع بمبلغ غير معروف من أجل إقامة مركز ثقافي ضخم بالمدينة. إيفان بويسكي (١٩١٧ -؟) Ivan Boesky أحد أهم رجال المال اليهود في الولايات المتحدة. وهو ابن مهاجر يهودي من روسيا درس القانون في جامعة ديترويت. بدأ بويسكي يتاجر في الأسهم في وول ستريت ابتداءً من عام ١٩٦٦، ثم تخصص في عمليات المضاربة على أسهم الشركات التي توشك على التوسع أو الاندماج مع شركات أخرى أو توشك أن تستولي عليها إحدى الشركات الأخرى. وعادةً ما ترتفع أسعار أسهم هذه الشركات عند إعلان نوايا التوسع أو الدمج أو الاستيلاء.

стр. 1850

ويُعَدُّ بويسكي من أهم الشخصيات في المؤسسة الصهيونية واليهودية في الولايات المتحدة، وكان يتبرع بالملايين للحركة الصهيونية والمؤسسات اليهودية؛ فقد ساهم بمليوني دولار للكلية اللاهوتية اليهودية من أجل تأسيس مكتبة بويسكي فيها، كما كان نشيطاً جداً في النداء اليهودي الموحَّد. وكان مارتن بيريتز، صاحب مجلة النيو ربابليك ذات الاتجاه الصهيوني، من كبار المستثمرين لديه. وقد اكتُشف عام ١٩٨٦ أنه كان يستغل مهنته التي يفترض فيها الحياد والأمانة الشديدان، فكان يعقد الصفقات بشراء وبيع أسهم الشركات بناءً على ما يرده من معلومات قبل أن تُعلَن للجمهور ويحقق أرباحاً طائلة نتيجةً لذلك، وهي فضيحة من أخطر الفضائح، فقُبض عليه وحُكم عليه بالسجن وبدفع غرامة ضخمة.

стр. 1851

الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية الباب الأول: إشكالية معاداة اليهود معاداة السامية Anti-Semitism «معاداة السامية» ترجمة شائعة للمصطلح الإنجليزي «أنتي سيميتزم» . ونستخدم في هذه الموسوعة عبارة «معاداة اليهود» للإشارة إلى هذه الظاهرة. معاداة اليهود: المصطلح Anti-Semitism: Terminology «معاداة اليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء العبارة الإنجليزية «أنتي سيميتزم» . والمعنى الحرفي أو المعجمي للعبارة هو «ضد السامية» ، وتُترجَم أحياناً إلى «اللاسامية» . وكان الصحفي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار (١٨١٨ ـ ١٩٠٤) أول من استخدم هذا المصطلح عام ١٨٧٩ في كتابه انتصار اليهودية على الألمانية ـ من منظور غير ديني. وقد صدر الكتاب بعد المضاربات التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية (١٨٧٠ ـ ١٨٧١) والتي أدَّت إلى دمار كثير من المموِّلين الألمان الذين ألقوا باللوم على اليهود. ولو أُخذت العبارة بالمعنى الحرفي، فإنها تعني العداء للساميين أو لأعضاء الجنس السامي الذي يشكل العرب أغلبيته العظمى، بينما يُشكك بعض الباحثين في انتماء اليهود إليه. ولكن المصطلح، في اللغات الأوربية، يقرن بين الساميين واليهود ويوحد بينهم، وهذا يعود إلى جهل الباحثين الأوربيين في القرن التاسع عشر بالحضارات الشرقية، وعدم تكامل معرفتهم بالتشكيل الحضاري السامي أو بتنوع الانتماءات العرْقية والإثنية واللغوية لأعضاء الجماعات اليهودية. وهذا المصطلح يضرب بجذوره في الفكر العنصري الغربي الذي كان يرمي إلى التمييز الحاد بين الحضارات والأعراق، فميَّز في بداية الأمر بين الآريين والساميين على أساس لغوي، وهو تمييز أشاعه إرنست رينان (١٨٢٣ ـ ١٨٩٢) ، ثم انتقل من الحديث عن اللغات السامية إلى الحديث عن الروح السامية والعبقرية السامية مقابل الروح الآرية والعبقرية الآرية التي هي أيضاً الروح الهيلينية أو النابعة منها. ثم سادت الفكرة العضوية الخاصة بالفولك أو الشعب العضوي، ومفادها أن لكل أمة عبقريتها الخاصة بها ولكل فرد في هذه الأمة سمات أزلية يحملها عن طريق الوراثة، وانتهى الأمر إلى الحديث عن تفوُّق الآريين على اليهود (الساميين) ، هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوربا، كما دار الحديث عن خطر الروح السامية على المجتمعات الآرية. وشاع

стр. 1852

المصطلح منذ ذلك الوقت وقام الدارسون العرب باستيراده وترجمته كما فعلوا مع كم هائل من المصطلحات الأخرى. وبدلاً من ترجمة المصطلح، فقد فضلنا هنا توليد مصطلح جديد هو «معاداة اليهود» لأنه أكثر دقة ودلالة، كما أنه أكثر حياداً ولا يحمل أية تضمينات عنصرية ولا أية أطروحات خاطئة، كما هو الحال مع مصطلح «أنتي سيميتزم» . لكن بعض الكُتَّاب الغربيين يميلون إلى التمييز بين «معاداة اليهودية» و «معاداة السامية» حيث إن معاداة اليهودية، حسب تصوُّرهم، هي عداء ديني للعقيدة اليهودية وحدها، وبالتالي كان بإمكان اليهودي أن يتخلص من عداء المجتمع له باعتناق المسيحية. أما معاداة السامية، فهي عداء لليهود بوصفهم عرْقاً، وبالتالي فهي عداء علماني لاديني ظهر بعد إعتاق اليهود وتزايد معدلات اندماجهم. وهذا النوع من العداء يستند إلى نظريات ذات ديباجات ومسوغات علمية عن الأعراق عامة، وعما يُقال له «العرْق اليهودي» ، وعن السمات السلبية الافتراضية (الاقتصادية والثقافية) الثابتة والحتمية لليهود اللصيقة بعرْقهم! وتصحب مثل هذه الدراسات إحصاءات عن دور اليهود في التجارة والربا مثلاً، وفي تجارة الرقيق عامة والرقيق الأبيض على وجه الخصوص، ومعدلات هجرتهم، ثم يتم استخلاص نتائج عرْقية منها. وبالتالي، إذا كانت معاداة اليهودية تعبيراً عن التعصب الديني، فإن معاداة السامية، حسب هذه الرؤية، هي نتيجة موقف دنيوي بارد يستند إلى حسابات المكسب والخسارة وإلى الرصد "العلمي" لبعض السمات اللصيقة بما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ويرى المنادون بهذا الرأي أن معاداة السامية بدأت في القرن التاسع عشر (أساساً) وإن كان بعضهم يرى أن عداء الدولة الإسبانية ليهود المارانو (وهم اليهود الذين تنصَّروا) هو عداء ذو دافع دنيوي إذ أن هؤلاء المارانو، بحسب إحدى النظريات، كانوا مسيحيين بالفعل. ولكن مقياس النقاء العرْقي (نقاء الدم) الذي حُكم به عليهم، لم يكن مقياساً

стр. 1853

دينياً وإنما كان مقياساً عرْقياً، وكان الدافع وراء اضطهادهم هو رغبة الأرستقراطية الحاكمة، أو بعض قطاعاتها على الأقل، في التخلص من طبقة بورجوازية جديدة صاعدة كانت تتهددها. ومن هنا، مُنع المارانو من الاستيطان في المستعمرات البرتغالية والإسبانية لتقليل فرص الحراك أمامهم. وهكذا، كانت هذه الحركة تعبِّر عن اتجاه دنيوي، ولكنها تستخدم الخطاب الديني لتبرير غاياتها. ومن هذا المنظور الطبقي العرْقي، يصبح اليهودي المندمج هو أكثر اليهود خطورةً، فهو يهودي (أي بورجوازي) يدَّعي أنه مسيحي ليحقق مزيداً من الحراك والصعود الاجتماعي. ولذا، لابد من وقفه والحرب ضده برغم تبنيه العقيدة المسيحية. وهذا الموقف يناقض الموقف القديم لمعاداة اليهود حيث كانت الكنيسة ترحب بمن تنصَّر. فالنبلاء البولنديون المسيحيون، على سبيل المثال، كانوا يتزوجون من أعضاء الأسر اليهودية المتنصرة حتى القرن الثامن عشر. وقبل ذلك، كان الوضع نفسه سائداً في مملكتي قشطالة وأراجون في القرن الخامس عشر. ومن المعروف أن الكنيسة وقفت ضد أي تعريف عرْقي لليهودي يخضعه للحتميات البيولوجية شبه العلمية، وبالتالي فتحت أمامه أبواب الخلاص. ولتبسيط الأمور، دون تسطيحها، سنستخدم عبارة «معاداة اليهود» ثم نضيف إليها عبارات تحدد مجالها الدلالي مثل «على أساس عرْقي» أو «على أساس ديني» ... إلخ، إن استدعى السياق ذلك.

стр. 1854

وقد اختلط المجال الدلالي للمصطلح تماماً في اللغات الأوربية بعد ظهور الصهيونية. وبعد سيطرة الخطاب الصهيوني على النشاط الإعلامي الغربي، لم تَعُد هناك تفرقة بين ظاهرة معاداة اليهود في الدولة الرومانية وظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى المسيحية. ولم يَعُد هناك تمييز بين معاداة اليهود على أساس عرْقي وبين معاداة اليهود على أساس ديني. وأصبحت معاداة الصهيونية، بل والدولة الصهيونية هي الأخرى، تُصنَّف باعتبارها من ضروب معاداة اليهود. وحينما كانت دول الكتلة الشرقية تصوت ضد إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة، كان هذا يُعدُّ أيضاً تعبيراً عن تقاليد معاداة اليهودية الراسخة فيها. وبالمثل اعتُبر قيام فرنسا ببيع طائرات الميراج لليبيا تعبيراً عن الظاهرة نفسها. بل ويذهب أنصار هذا الرأي إلى أن نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني تعبير عن الظاهرة نفسها. وهكذا اتسع المجال الدلالي للمصطلح واضطرب ليضم عدة ظواهر لا يربطها رابط، حتى أصبح بلا معنى، وأصبح أداة للإرهاب والقمع الفكريين. المعاداة البنيوية للسامية (أي لليهود واليهودية) Structural Anti-Semitism » المعاداة البنيوية للسامية» مصطلح يشير إلى بنية المجتمع حين تتشكل علاقاته بطريقة لا تسمح بوجود أعضاء الجماعات اليهودية، أي أن بنية المجتمع نفسها تلفظ اليهود، وتحولهم إلى شعب عضوي منبوذ، بغض النظر عن نية أعضاء المجتمع. ومما لا شك فيه أن علاقات مجتمع ما ممكن أن تتشكل بطريقة تجعل من العسير على أعضاء الجماعات اليهودية الاستمرار فيه، خصوصاً إذا كانوا أعضاء في جماعة وظيفية.

стр. 1855

ويرى الصهاينة أن معظم أشكال معاداة اليهود أشكال بنيوية، أي لصيقة ببنية المجتمع. وتحاول الصهيونية العمالية أن تبرهن على وجود هذه المعاداة البنيوية للسامية من خلال تحليل علاقات الإنتاج في المجتمع لتصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمعات البشرية لا تسمح لليهودي أن يعمل في القطاعات الإنتاجية وأن اليهودي من ثم محكوم عليه بالهامشية والطفيلية، وأن الحل الوحيد لهذه الهامشية البنيوية أن يؤسس اليهود لهم وطناً يمارسون فيه سيادتهم القومية ويشغلون فيه كل المواقع في الهرم الإنتاجي. ويذهب الصهاينة إلى أن معاداة اليهود ليست لصيقة ببنية المجتمع وحسب، بل لصيقة ببنية النفس البشرية. وهذا ما عبَّر عنه شامير بشكل سوقي حين قال إن البولنديين يرضعون معاداة اليهود مع لبن أمهاتهم. ويرى الصهاينة أن العرب والمسلمين يعانون من الظاهرة نفسها، أي المعاداة البنيوية للسامية. والعلاقة بين «المعاداة البنيوية للسامية» و «الصهيونية البنيوية» علاقة قوية، فإذا كانت الأولى تعني ظهور بنية تلفظ اليهود وحسب، فإن الثانية تعني توظيف عناصر الطرد بحيث يتجه المهاجرون اليهود إلى فلسطين. ولعل ما حدث في العراق في الخمسينيات أنصع مثل لذلك. فحين أدركت الحكومة الإسرائيلية أن يهود العراق لن يهاجروا إليها وأنهم آثروا البقاء في وطنهم، أرسلت مبعوثيها فوضعوا المتفجرات في أماكن تجمُّع اليهود ومعابدهم، لإقناعهم بأن المجتمع العراقي يلفظهم، أي أنهم أعادوا تشكيل بنية العلاقات السائدة بين أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية، بحيث يصبح المجتمع مجتمعاً طارداً لأعضاء الجماعة اليهودية. وهذه هي معاداة اليهود البنيوية. ولكن الحكومة الإسرائيلية كانت تعرف مسبقاً أن المجال الوحيد المفتوح أمام يهود العراق هو الهجرة إلى فلسطين المحتلة، وهذه هي الصهيونية البنيوية.

стр. 1856

ويمكن القول بأن ألمانيا أسَّست مجتمعاً معادياً لليهود بشكل بنيوي، ولكن من خلال اتفاقية الهعفراه بين النازيين والصهاينة أصبحت المعاداة البنيوية للسامية صهيونية بنيوية. معاداة اليهود: الأسباب وتكوين الصور النمطية (Anti-Semitism (Causes and the Process of Stereotyping يُفسِّر الصهاينة معاداة اليهود بأنها تعود إلى كُره الأغيار لليهود عبر العصور، وهو تفسير من العمومية بحيث لا يُفسِّر شيئاً البتة. فإذا كان كره الأغيار لليهود ظاهرة ميتافيزيقية متأصلة، فإن المنطقي هو أن يُعبِّر هذا الكُره عن نفسه بشكل مطلق، أي بالطريقة نفسها بغض النظر عن الزمان والمكان. ولكن تاريخ عداء اليهود تاريخ طويل ومتنوع ويفتقر إلى الاستمرار التاريخي كما تختلف دوافعه وأسبابه. ومن المعروف أن الجماعات اليهودية توجد داخل تشكيلات حضارية مختلفة، وكانت تنشأ توترات مختلفة بينها وبين أعضاء الأغلبية. وبرغم أن سائر أحداث التوتر هذه يُشار إليها بمصطلح «معاداة اليهود» على وجه العموم، فإن المصطلح يكتسب مضمونه الحقيقي والمحدد من خلال التشكيلات الحضارية المختلفة، ولذلك، فإن الدلالة تختلف من تشكيل إلى آخر. والواقع أننا لو أخذنا بالتفسير الصهيوني وجعلنا من مختلف الأحداث التي تُعبِّر عن العداء لليهود ظاهرة واحدة، لأصبح العنصر الثابت الوحيد هو اليهود، وحينذاك يصبح اليهود هم المسئولين عن الكراهية التي تلاحقهم والعنف الذي يحيق بهم، وهو تحليل عنصري مرفوض طرحه محامي أيخمان بشكل خطابي أثناء الدفاع عنه في إسرائيل. فاليهود يُشكِّلون جماعات مختلفة وغير متجانسة لكلٍّ منها ظروفها ومشاكلها.

стр. 1857

ويمكن القول بأن العداء لليهود، بوصفه شكلاً من أشكال العداء للأقليات والغرباء والأجانب (و «الآخر» على وجه العموم) ، هو إمكانية كامنة في النفس البشرية التي تنفر من كل ما هو غير مألوف، وبالتالي فهو إمكانية كامنة في كل المجتمعات. كما أن هناك بشراً في كل مجتمع لا يقنعون بما لديهم من ثروة أو رزق، ويرغبون دائماً في الاستيلاء على ما يملكه الآخرون، وبخاصة ما يمتلكه أعضاء الأقلية الذين لا يتمتعون عادةً بالحصانات نفسها وبالاستقرار نفسه الذي يتمتع به أعضاء الأغلبية. ومع هذا، تظل هذه الأفكار والدوافع في حالة كمون ولا تعبِّر عن نفسها إلا من خلال أفعال عنف وكره فردية متفرقة أو من خلال أشكال من التحايل على أعضاء الأقلية أو من خلال أعمال أدبية أو قصص أو أساطير، مادام المجتمع مستقراً ولكل عضو فيه وظيفته. ولكن ثمة عناصر تؤدي إلى تحوُّل هذه الدوافع النفعية من حالة الكمون إلى حالة التحقق حيث تتعدد الأفعال الفردية وتصبح ظاهرة اجتماعية، وتتغلغل في بنية المجتمع ذاته.

стр. 1858

ولعل من أهم الأسباب التي أدَّت إلى ظهور معاداة اليهود وانتقالها من حالة الكمون إلى مستوى البنية الاجتماعية أن معظم الجماعات اليهودية كانت تشكل جماعات وظيفية قتالية وتجارية في المجتمعات القديمة، وكذلك في المجتمع الغربي في العصر الوسيط حتى القرن التاسع عشر. وقد كانت الجماعات الوظيفية تتكون دائماً من عناصر بشرية غريبة عن المجتمع حتى يمكنها أن تضطلع بوظائف كريهة أو مشبوهة أو متميِّزة تتطلب الموضوعية وعدم الانتماء، مثل: التجارة والربا والقتال والبغاء. ولذا، نجد أن موقف أعضاء الجماعات الوظيفية من المجتمع يتسم بالحياد والنفعية، فهم ينظرون إلى مجتمع الأغلبية باعتباره سوقاً أو مصدراً للربح، كما ينظر أعضاء المجتمع إليهم باعتبارهم أداة لتنشيط التجارة أو القتال. وكان يُنظَر إليهم في المجتمعات التقليدية باعتبارهم وسيلة لا غاية وأداة من أدوات الإنتاج لا أكثر، ولذلك كان أعضاء الجماعة لا حرمة لهم في كثير من الأحيان (فهم غرباء) والغريب في معظم الأحوال مباح لا قداسة له. وفي العادة، يتركز أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في قطاعات اقتصادية بعينها يبرزون فيها، الأمر الذي يجعلهم مركزاً للكره والحسد. وعلاوة على ذلك، يدافع أعضاء الجماعة الوظيفية عن مراكزهم الاقتصادية هذه بشراسة وضراوة غير عادية نظراً لعدم وجود بدائل أخرى متاحة أمامهم، فهم عادةً ما يفتقدون الخبرة اللازمة للزراعة والصناعة، ولا يعرفون كثيراً من الحرف بسبب غربتهم وتنقلهم. كما أنهم يدافعون عن مراكزهم الاقتصادية عن طريق شبكة الأقارب والعائلات، الأمر الذي يثير حولهم الشائعات عن عمق بغضهم وكرههم لأعضاء الأغلبية ( «الأغيار» في مصطلح الجماعات اليهودية) . وفي كثير من الأحيان، يحقق أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، اليهودية وغير اليهودية، تراكماً للثروة بشكل أسرع من أعضاء مجتمع الأغلبية، نظراً لاستعدادهم لحرمان أنفسهم من كثير من مباهج الحياة،

стр. 1859

فهم غير منتمين إلى المجتمع كما أن الثروة هي مصدر قوتهم ومبرر وجودهم. وفي حالة اليهود في بولندا، على سبيل المثال، كانت الأرستقراطية البولندية تؤكد مكانتها عن طريق الإنفاق والتبذير، وأصبح هذا هو المثل الأعلى لقطاعات الشعب البولندي كافة، الأمر الذي لم يشارك فيه أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يؤثرون الادخار وسرعة تراكم الثروة. وهذا الوضع يزيد، بلا شك، حسد الجماهير. ولكن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، برغم غربتهم وتميزهم، كانوا يجدون أنفسهم في قلب الصراعات المختلفة في المجتمع، وبخاصة الصراعات الناشبة بين أعضاء النخبة الحاكمة وبين الطبقات الأخرى للمجتمع، خصوصاً الطبقات الشعبية، إذ أن قطاعات من النخبة الحاكمة كانت تستخدم أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة لضرب بعض طبقات المجتمع لاستغلالها أو كبح جماحها. فأعضاء الجماعة هم سوط في يد الحاكم، أو هكذا كان يراهم المحكومون، ولكنهم أيضاً كبش الفداء الذي يتم التخلص منه عند الحاجة وأمام الهجمات الشعبية، فالأداة ليست غاية في ذاتها. ورغم أن هذه الهجمات على الجماعات اليهودية (الوظيفية) في الغرب تُعدُّ هجمات عنصرية، فيجب ألا نهمل الجانب الشعبي فيها وأنها تمثل جزءاً من تمرُّد الجماهير على عملية الاستغلال، وإن كان تمرداً قصير النظر، كما هو الحال عادةً مع الهبّات الشعبية. ولم تكن هذه الثورات ثمرة إدراك عميق لحركيات الاستغلال، ولذا اقتصرت على تحطيم الأداة الواضحة أمامهم والمباحة لهم. ويقابل الهجمات الشعبية ضد أعضاء الجماعات اليهودية الانفجارات المشيحانية بينهم، فهي انفجارات تُعبِّر عن ضيق قطاعات أعضاء الجماعات اليهودية بوضعهم الاقتصادي والوظيفي والنفسي.

стр. 1860

لكن هذا الوضع ليس وضعاً عاماً ولا عالمياً ينطبق على كل اليهود في كل زمان ومكان، فهو ينطبق بالأساس على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وبالذات منذ بداية العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر كما ينطبق على كثير من الأقليات الأخرى. ولذا، فهو يَصلُح إطاراً تفسيرياً لمعظم جوانب ظاهرة معاداة اليهود باعتبار أن أغلبية يهود العالم كانوا يوجدون في أوربا مع نهاية القرن الثامن عشر، وفي بولندا على وجه الخصوص. والجماعة الوظيفية الوسيطة ـ كما أسلفنا ـ تضطلع بوظيفة مهمة في المجتمع. وبالتالي، فإن وجودها في حد ذاته لا يؤدي بالضرورة إلى تحوُّل العداء الكامن إلى هجوم شعبي. لكن مثل هذا التحول يحدث في ظروف معينة من بينها ما يلي: ١ ـ في المراحل الانتقالية، حينما تحل طبقة جديدة محلية أو عالمية محل الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو حينما تطوِّر الدولة أجهزة مركزية تضطلع بوظائف هذه الجماعة. ٢ ـ تزايد نصيب الجماعة الوظيفية الوسيطة من الثروة مع تزايد الفقر في المجتمع أو في بعض شرائحه. ٣ ـ تزايد أعداد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو ما يزيد من بروزهم. ٤ ـ غياب الأعداء المشتركين للأغلبية ولأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو تحالف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة مع العدو الخارجي. ٥ ـ وضوح أعضاء الجماعة وتميزهم بعلامات عرْقية أو ثقافية لا يمكن محوها مثل اللون أو شكل العيون أو اللغة. ٦ ـ وجود تميز ثقافي أو ديني أو عرْقي أو اجتماعي يساهم في عزل الأقلية عن الأغلبية، فالعزلة هنا ليست على مستوى واحد وإنما على جميع المستويات.
следующие страницы →