← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وكان كل هذا يتم في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة، في وقت لم تكن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية قد أحرزت التقدم الذي أحرزته في أواخر القرن التاسع عشر حيث سقطت فكرة الإنسان الطبيعي والإنسانية العامة وحل محلها إدراك تداخل العناصر التاريخية الخاصة مع الطبيعة البشرية ذاتها. ومن ثم، طالب عصر العقل (الطبيعي المادي) اليهود (وغيرهم) بالتخلص من خصوصيتهم ليصبحوا بشراً بالمعنى العام (والطبيعي المادي) للكلمة. وكان يُنظَر إلى اليهود الذين يؤثرون الحفاظ على خصوصيتهم الدينية أو الإثنية باعتبارهم «دولة داخل دولة» ، أو على أنهم جماعة قَبَلية في مجتمع تسود فيه مُثُل الليبرالية والعلمانية والاستنارة. ويجب التنبه إلى أن دعاة الانعتاق كانوا يعادون اللهجات المحلية كافة، ومختلف الخصوصيات الإثنية، بل ويُقال إن الكونت دي كليرمونت والأسقف جريجوار (وهما من دعاة إعتاق اليهود شريطة أن يتخلصوا من عزلتهم) كانا يبديان ضيقاً شديداً من الخصوصيات الفرنسية الإثنية واللغوية المحلية (البريتون والفلامنج والأوكستانيان والأوفيرنيان) أكثر من ضيقهم بالخصوصية اليهودية. إذ أن فكر الاستنارة كان يحوي هجوماً على اليهود بوصفهم جماعة لها هويتها، ويغطيه سطح مصقول من القبول العام لليهودي كإنسان طبيعي، وأي إنسان يتفق مع المواصفات القومية العلمانية الجديدة، فالتسامح هنا دعوة للتخلي عن الهوية وللقضاء عليها، وذلك باسم الهوية القومية العضوية الجديدة التي تتجسد في الدولة القومية المركزية. وأدَّى كل هذا في نهاية الأمر إلى ظهور اليهودي غير اليهودي.

стр. 1892

وقد وجد اليهود أنفسهم وسط حلبة الصراع بين المسيحية والعلمانية، حيث كان العلمانيون يشيرون إلى اليهود باعتبارهم ضحية عصور الظلام المسيحية الوسيطة، أي أن اليهود تحولوا من شعب شاهد على عظمة الكنيسة إلى شعب شاهد على جبروتها وظلمها. وتحوَّل اليهودي، لذلك، إلى بطل من أبطال العلمانية. وأصبح بعض العلمانيين ينظرون إلى اليهودية باعتبارها دين العقل ودين الفلاسفة الذي يؤمن بالرب الواحد دون حاجة إلى طقوس مركبة أو معجزات، أي أن اليهود واليهودية أصبحا مقولة مجردة تُستخدَم لضرب المسيحية والكنيسة. وقد ولَّد هذا في نفوس المسيحيين صورة غير محببة لليهودي. ولكن فريقاً آخر من دعاة الاستنارة كان يتبع إستراتيجية مخالفة تماماً، إذ أنهم بدلاً من أن يضعوا اليهودي مقابل الكنيسة كانوا يحولون اليهودي إلى رمز للدين، أيِّ دين، أو إلى ممثل لما كانوا يسمونه «المسيحية البدائية» . وبالتالي، فإنهم بدلاً من الهجوم على الكنيسة والمسيحية بشكل مباشر، وهو أمر كانت تحفه المخاطر، كانوا يسددون سهامهم إلى اليهود واليهودية والعهد القديم في هجوم مقنَّع على المسيحية. وكان هذا الفريق يشير إلى تخلف اليهود والخرافات التي يؤمنون بها مثل تراث القبَّالاه، وإلى أن الدين اليهودي دين معاد للإنسان يشجع على العزلة وعلى عدم الولاء للدولة في وقت كان المجتمع فيه يتجه نحو العلمانية والتحرر.

стр. 1893

لكل هذا، نجد أن عصر الاستنارة هو العصر الذي تم فيه وضع الأسس الفكرية لمعاداة اليهود (وللصهيونية في الوقت نفسه) في العصر الحديث، حيث نجد الأطروحات والصور الإدراكية النمطية الثابتة التي تنسب إلى اليهود قدراً كبيراً من الصفات المنفَّرة، وانطلاقاً من ذلك اقتُرح تهجيرهم إلى مكان آخر حلاًّ لهذا الوضع (أي أن الصيغة الصهيونية الشاملة يكتمل تبلورها في هذه المرحلة) . ومن باب الهجوم المقنَّع على المسيحية، كان يُطرَح أن الكتاب المقدَّس وثيقة مزيفة، وأن أبطال العهد القديم أوغاد لا خلاق لهم (ومتعصبون ضيقو الأفق) مارسوا الاضطهاد الديني ضد الآخرين، وأن اليهود الذين أتوا بالعهد القديم (وهو أكثر أجزاء الكتاب المقدَّس توحشاً حسب رأيهم) شعب همجي؛ قاس وفاسد. وقام دعاة الاستنارة ببعث أطروحات الكنيسة ضد اليهود في محاولة ماكرة لاستخدام هذه الأطروحات لا ضد اليهودية وحسب وإنما ضد المسيحية (باعتبار أن اليهودية أم المسيحية) بل وضد كل الأديان الأخرى. ولهذا، لم يكن الهجوم الاستناري يُشَن على السمات اليهودية في النسق الديني اليهودي وحسب، وإنما كان يُوجَّه كذلك (وأحياناً بالدرجة الأولى) إلى تلك السمات المشتركة بين اليهودية والأديان السماوية الأخرى. وهذا ما فعله فولتير في معجمه الفلسفي (١٧٥٦) ، فهو في المدخل الخاص باليهود يعتبرهم عنصراً مستقلاًّ مستمراً منذ أيام العبرانيين القدامى، ويستبعد أن يكون المصريون القدماء أو الفرس أو اليونان قد أخذوا قوانينهم عن اليهود، مؤكداً أن اليهود (حين احتكوا بهذه الحضارات) لم يتعلموا غير فنون الربا، بل ويرى أنهم شعب جاهل تماماً جمع بين البخل والخرافات وكره الأمم التي تسامحت تجاههم. إلا أنه يضيف: «ولكن يجب عدم حرقهم» وكأن الإبادة بديل مطروح للنقاش.

стр. 1894

أما الفيلسوف المادي هولباخ، فقد اتهم موسى بأنه أوجد الشريعة التي فصلت اليهود عن سائر الأمم. وأوضح في هجومه أن اليهود لا يخضعون إلا لكُهانهم، ولذلك أصبحوا أعداء للجنس البشري بأسره يكنون الاحتقار لأخلاق الأمم الأخرى وقوانينها، إذ أن شريعتهم تأمرهم بأن يكونوا قساة لصوصاً خونة غادرين، ومثل هذه الأعمال تُعَدُّ في اليهودية عملاً يرضي الرب. ويُضيف هولباخ أن اليهود اشتهروا، في الواقع، بالخداع والغش في التجارة، ويمكن افتراض أنهم إذا أصبحوا أكثر قوة فسوف يبعثون المآسي التي كثيراً ما وقعت في بلادهم. وإن وُجد بعض اليهود الذين يتسمون بالأمانة والعدل، فهذا يعني أنهم رفضوا بكل وضوح مبادئ الشريعة اليهودية التي تهدف إلى خلق مثيري المتاعب والأشرار. وكما هو واضح، يرى هولباخ اليهود عنصراً أو شعباً واحداً. ولكن فكر الاستنارة لم يكن البُعد الوحيد في الفكر الغربي الحديث. فمعاداة الاستنارة، والتمرد عليها، والرومانسية، كانت أبعاداً ثابتة وأساسية فيها، ولا تقل عن الاستنارة نفسها في الأهمية. وقد انعكست هذه الرومانسية تجاه اليهود في مواقف متناقضة أيضاً، فتم بعث فكرة اليهودي التائه وتمجيده باعتباره نموذج البطل الرومانسي الحق. ولكننا نلاحظ أن اليهودي التائه هو، في واقع الأمر، اليهودي الهامشي. حتى إذا كان بطلاً، فهو بطل عجائبي متجرد من صفات إنسانية متعينة. وبالتالي، فإن تمجيد اليهودي بوصفه بطلاً رومانسياً كان ينزع عنه صفاته الإنسانية وهي الخطوة الإدراكية الأولى نحو معاداة اليهود.

стр. 1895

كما وجه فلاسفة الرومانسية النقد إلى اليهودية باعتبارها ديانة لاروح فيها. وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى موقف عمانويل كانط (١٧٢٤ ـ ١٨٠٤) وهيجل (١٧٧٠ ـ ١٨١١) باعتبارهما ممثلين أساسيين للرؤية الغربية (شبه الدينية والعلمانية) للعقيدة اليهودية. يَصدُر كانط عن الإيمان بأن المسيحية هي أقرب الديانات إلى الديانة الأخلاقية الطبيعية التي بشَّر بها. وهي ديانة تستند هي وتعاليمها الأخلاقية والروحية إلى الحب الخالص. ويقف هذا على الطرف النقيض من اليهودية، فهي مجرد كيان قومي سياسي، وهي ديانة برانية تفتقر إلى المثالية الروحية؛ لا تنميّ الحس الخلقي الداخلي، وتتطلب الخضوع للقانون والشريعة بشكل جاف. وقد أشار كانط أيضاً إلى أن العقيدة اليهودية عقيدة دنيوية لا تعرف فكرة الخلود (وهي فكرة أساسية عند كانط) ، وأن المشيحانية اليهودية نزعة قومية سياسية منغلقة وأنها حوَّلت الشعب اليهودي إلى عدو لكل الشعوب. وأشار كانط إلى يهود عصره فبيَّن أنهم يشتهرون بالغش والخداع ويشتغلون بالتجارة والربا. ولا يوجد حل للمشكلة إلا من خلال القتل الفكري الرحيم وذلك بالقضاء على اليهودية وإحلال دين صاف طاهر أخلاقي محلها (أي المسيحية) . وقد استقى كانط هذه الفكرة الخاطئة من إسبينوزا ومندلسون. ولكن الموقف السلبي لكانط من اليهودية لم يؤثر على علاقته بمن عرفهم من أعضاء الجماعات اليهودية.

стр. 1896

وقد تأثر الفكر الغربي برؤية كانط لليهودية وللدين بشكل عام (بما في ذلك المفكرون الغربيون اليهود) ، فنجد أن كثيراً من مفكري عصر الاستنارة من اليهود يميزون بين الجوهر العقائدي لليهودية، وهو الجوهر العالمي الذي لا يتنافى مع العقل الإنساني والحس الخلقي من جهة، والشعائر التي تتسم بالخصوصية والقومية، من جهة أخرى. كما أن كثيراً من المفكرين الغربيين كانوا يفرقون بشكل ساذج بين المسيحية باعتبارها دين القلب والحس الديني الجواني، واليهودية بوصفها عقيدة العقل والتعاقد البراني (وهو تمييز امتد ليُطبَّق على الفرق بين المسيحية والإسلام) . وقد ترك فكر كانط أثراً عميقاً في دعاة الاستنارة من اليهود مثل سولومون مايمون ولازاروس بنديفيد وماركوس هرتز، كما تأثر بفكره في مرحلة لاحقة هرمان كوهين وسولومون ستاينهايم وفرانز روزنزفايج (وإن كان تأثرهم به بدرجة أقل) . وقد تأثر دعاة اليهودية الإصلاحية بكانط، حيث كانوا يرون أن اليهودية هي أساساً نظام أخلاقي، وهذا قريب للغاية من تصور كانط للدين المثالي. وقد استمر هيجل في الاتجاه نفسه حيث تأثر هو الآخر برأي مندلسون القائل بأن اليهودية هي مجموعة من القوانين المُوحَى بها وليست حقيقة موحى بها. ويتسم موقف هيجل من اليهودية، بقدر من العداء في كتاباته الدينية الأولى، حيث كان يُفرِّق بين العقيدة الشعبية الوثنية اليونانية القديمة التي تتسم بالكهنوتية (باعتبار أن الإله كامن في الجمال) من جهة، والمسيحية واليهودية من جهة أخرى، باعتبارهما عقائد تدور كلها حول كتاب مقدَّس يحتوي على قوانين تُفرض على الإنسان من الخارج في حالة اليهودية أو حول حقيقة مقدَّسة (واقعة الصلب) في حالة المسيحية.

стр. 1897

ولكن هيجل تخلى عن موقفه هذا في مرحلة لاحقة وأخذ ينظر إلى تاريخ الأديان بطريقة يُقال لها جدلية. ويرى هيجل أن العقيدة تصبح برانية وجافة إن لم يتحد المقدَّس بالزمني، ولكنها تفتقر إلى الجدية إن لم يكن هناك انفصال بينهما. ومن ثم، فإن العبادة اليونانية والإحساس اليهودي بالقداسة يقفان على قدم المساواة، فالعبادة اليونانية للتماثيل الجميلة تنطوي على قدر من الحقيقة، فثمة قداسة في الجمال. ولكن الإنسان هو صانع هذه التماثيل، والإنسان متناه والتماثيل من ثم متناهية، ولكن تناهيها يجعلها زائفة رغم جمالها. ولذا، قامت الفلسفة القديمة بنزع القداسة من هذه التماثيل. وهذا أيضاً ما أنجزته اليهودية منذ البداية، فالإله في اليهودية متجاوز للطبيعة والإنسان ومن ثم تصبح التماثيل (وأشكال الجمال الطبيعي والمادي) غير مقدَّسة. ولكن هذا الإنجاز اليهودي له ثمنه الفادح، فهو يعني انفصال الإنسان عن الخالق ولا يمكنه أن يمتزج معه ويتحد به من خلال الحب. فعبادته للإله مبعثها الخوف والرهبة. وتأخذ التجربة الدينية اليهودية شكل الطاعة العمياء (البرانية) للقانون (الشريعة) والرغبة في الثواب ولا يوجد فيها أي أساس للروحانية، فهي تشكل انفصالاً كاملاً للموضوع عن الذات. ويرى هيجل أن هذا هو السبب في أن العالم الوثني الروماني كان يطرح مفهوماً عالمياً للحقيقة على عكس اليهودية التي تؤمن بإله عالمي ولكنها ظلت حبيسة خصوصيتها القَبَلية والقومية. ويرى هيجل أن المسيحية تحقق المثل اليوناني واليهودي معاً، إذ يخرج الإله من ذاته ليصبح إنساناً ومن ثم يصبح الإنسان إلهاً!

стр. 1898

وموقف هيجل من اليهودية يدل على عدم معرفته باليهودية التلمودية والقبَّالية، التي يتم فيها الاتحاد الكامل بين الخالق والمخلوق، والتي لا تختلف كثيراً عن القبَّالاه المسيحية والتصوف الحلولي المسيحي التي تأثر بها هيجل (من خلال أعمال جيكوب بومه وأوتينجر) . وهذه الرؤية أثرت في كتابات فيبر من بعده (وأثرت كذلك في الموقف المسيحي الغربي من الإسلام، إذ قُرنت اليهودية بالإسلام) . وقد أثر هيجل بشكل عميق في كثير من المفكرين اليهود مثل سمسون هيرش وصمويل هيرش وموسى هس وهنريسن جرايتس. وثمة مكون هيجلي قوي في الفكر الصهيوني، خصوصاً التصور الصهيوني للتاريخ. ولا شك في أن هذا الوصف لليهودية لا يخلق جواً من التعاطف مع أتباع هذه العقيدة. ولكن فكر معاداة الاستنارة (الرومانسي) كان يشكل أساساً قوياً لمعاداة اليهود في جانب آخر من جوانبه. فهو فكر يرفض فكرة الإنسان الطبيعي العام ويؤكد الخصوصية. ويرى أن لكل أمة عبقرية خاصة وسمات أزلية يحملها من ينتمي إلى هذه الأمة عن طريق الوراثة والتنشئة، وهو ما سميناه بفكرة «الشعب العضوي» التي تبدَّت في تأكيد خصوصية اليهود كشعب عضوي منفصل عن غيره من الشعوب (وهذه علمنة لفكرة الشعب الشاهد) ، فهو شعب ذو خصائص ثقافية واقتصادية ودينية فريدة وله علاقته العضوية بأرضه. ومن ثم، تنشأ فكرة ضرورة استرجاع اليهود إلى أرضهم (فلسطين) كي يحققوا الوحدة العضوية المطلوبة ويحققوا هويتهم.

стр. 1899

ويُلاحَظ أن هذه الرؤية يكسوها سطح مصقول من حب اليهود والتحيز لهم، ولكنها تُضمر تضمينات معادية لهم أو تفترض أنهم شعب عضوي سامي آسيوي لا ينتمي إلى التشكيلات العضوية الآرية في الغرب، وأنه لو مكث داخل هذه التشكيلات لأصبح عنصراً مرضياً مخرباً مصاباً بازدواج الولاء، وبالتالي لا يمكن دمجه في المجتمعات التي يوجد فيها ولابد من طرده، وهو ما سميناه «الشعب العضوي المنبوذ» . وقد تبنَّى دعاة النظريات العرْقية والقومية العضوية الرأي القائل بأن الصراع الحقيقي والحتمي هو الصراع بين الأجناس والقوميات المختلفة وليس الصراع بين الطبقات والفئات المختلفة داخل التشكيل القومي الواحد. ومن ثم، أصبح اليهود، كشعب عضوي منبوذ، عنصراً مهماً، إذ أن الجماعة العضوية تحتاج إلى جماعة عضوية أخرى تكون بمنزلة الأداة حتى تحدد هويتها من خلال رفضها لها. كما أن اليهودي المندمج الذي يتقمص شخصية غير شخصيته، على نحو ما يتصور دعاة الفكر القومي العضوي، يقف بتفككه وفقدانه هويته شاهداً على تماسك الأمم العضوية. وهكذا، نجد أن التيارين الأساسيين في الحضارة الغربية الحديثة ينطويان على قدر كبير من العداء لليهود: يتمثل الأول في دعوة اليهود إلى الاندماج بعد أن يفقدوا كل خصوصية وتميُّز، أما الثاني فيقرر ابتداءً أنهم لا يمكنهم الاندماج. ورغم اختلاف التيارين ظاهرياً، فإنهما يتفقان على رفض اليهودي.

стр. 1900

وهناك عنصر آخر في الفكر الاجتماعي الغربي ساهم بدوره في صياغة الرؤية الغربية الحديثة لليهود، ويتمثل فيه هذا الانقسام الذي لاحظناه بين مفكري عصر الاستنارة، إذ كانت بعض العناصر البورجوازية الثورية تنظر إلى اليهود باعتبارهم عنصراً مهماً لاستمرار الوجود الإقطاعي. وكان كبار مموِّلي اليهود قريبين بالفعل من النخبة الحاكمة يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تمد أعضاء هذه النخبة بما يحتاجون إليه من أموال وبضائع، وهو ما كفل لهم شيئاً من الاستمرار ويسَّر ضرب البورجوازيات الصاعدة. ولكن الفريق الأكبر من المفكرين (من اليمين واليسار) كان يرى أن اليهود مرتبطون عضوياً بالبورجوازية والاقتصاد الجديد والليبرالية السياسية. وكان روتشيلد هناك دائماً ينهض دليلاً عملياً محسوساً يوهم بصدق هذه النظريات. وبطبيعة الحال، كانت قطاعات المجتمع المرتبطة اقتصادياً أو وجدانياً بالاقتصاد الزراعي القديم تهاجم اليهود كتجار يحملون قيم التنافس والتجارة والعلمانية. وكان دعاة القومية السلافية المعروفة بعدائها للغرب (المنحل) ولأفكار الرأسماليين (الماديين) ، يرون اليهود بتكالبهم المفترض على الثروة وبتفككهم الاجتماعي (والذي كان حقيقة مادية بالنسبة لقطاعات كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر) شاهداً حياً على هذه المادية.

стр. 1901

ويجب أن نذكر أن فكر معاداة الاستنارة أفرز مناخاً معادياً لفكر المساواة والمثل الليبرالية والثورة، فهو يمجد العصور الوسطى وفكرة الجماعة العضوية المترابطة (الجماينشافت) مقابل الجماعة التعاقدية المفتتة (الجيسيلشافت) ، وهو التمييز الأساسي الكامن في الفكر الألماني الاجتماعي وفي معظم الفكر الغربي الثوري والرجعي. وكان اليهود جماعة وظيفية وسيطة دينامية متحركة مرتبطة بالتجارة والمال، وبالتالي بالبورجوازية الصاعدة وبالمجتمع الجديد. وقد تمت علمنة اليهود بسرعة مذهلة ربما بسبب الأزمة التي كانت تجتازها اليهودية، كما أن أعداداً كبيرة من اليهود انخرطت بطبيعة الحال في الأحزاب الليبرالية والحركات الثورية، وهو ما جعل لليهود بروزاً غير عادي في هذه الحركات وربط بين اليهود والليبرالية والثورة. وإذا كان هذا هو رأي اليمين، فإن عينات كبيرة أيضاً من اليسار ربطت بين اليهودي من جهة والرأسمالية والبورجوازية وماديتها الخسيسة من جهة أخرى. وكان العداء للرأسمالية، يأخذ في كثير من الأحيان شكل معاداة اليهود، كما هو واضح في كتابات فورييه وتوسونيل وماركس. وقد كتب سومبارت أطروحته المشهورة التي يبين فيها أن اليهود هم المسئولون عن ظهور الرأسمالية (وهذا في رأيه تعبير آخر عن فكرة الصراع بين الساميين والآريين) . والساميون هنا (أي اليهود) هم التجار المتجوِّلون، والآريون هم الفلاحون المنتجون المرتبطون عضوياً بالأرض. وكانت الأطروحة الاشتراكية تكتسب، أحياناً، بُعداً قومياً متعصباً بحيث نجد أن بعض الكتاب الألمان، بتوقهم الرومانسي إلى العصور الوسطى العضوية (الجماينشافت) ، كانوا يرون أن الرأسمالية ظاهرة غير ألمانية (دخيلة) أدخلها العنصر التجاري اليهودي الغريب، وأخذوا يدعون إلى العودة إلى حياة أكثر ألمانية وبساطة!

стр. 1902

ويتضح هذا الخط بوضوح في كتابات دوهرنج الذي كان عداؤه لليهود يستند إلى عداء صريح لليبرالية السياسية والاقتصادية، إذ كان يرى أن اليهود استغلوا الجو الليبرالي السياسي والاقتصادي ليدمروا المجتمع الألماني المتماسك ويهيمنوا عليه. وقد ذهب دوهرنج إلى أن «جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر، فهي ملأى على الدوام بالربا والشئون التجارية» . ويؤلف اليهود في نظره «عرْقاً وضيعاً لا مثيل له» . وتكتسب فكرة الحفاظ على الشرف العرْقي بعداً اشتراكياً في كتاباته إذ يؤكد ضرورة إزاحة الهيمنة اليهودية من عالم المال لتحقيق هذا الهدف. ويجب أن نضيف أن ما دعم الصور النمطية الإدراكية هو وضع اليهود المتدني حضارياً واقتصادياً وثقافياً. فالجيتو كان من أقذر الأماكن في أوربا، كما أن المتسول اليهودي كان ظاهرة عامة. ومع نهاية القرن، كانت الجماعات اليهودية في الغرب في حالة انكسار وانحلال، بعد أن تم ضرب قيادتها الدينية التقليدية وبعد أن فُرض عليها التحديث والعلمنة بكل قسوة وسرعة. وكذلك، كان القَوَاد اليهودي والبغي اليهودية يمثلان حقائق مادية صلبة. وكانت الحركات الثورية تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من الشباب اليهودي. وكان كثير من الفضائح المالية وأعمال الغش يرتكبها يهود. كل هذا يعني أن الصور الإدراكية كانت ذات أساس واقعي، ولكنه كان أساساً واقعياً مجرداً تماماً من سياقه التاريخي حتى بدا وكأنه حقيقة كاملة.

стр. 1903

لكن العنصر الأساسي الذي ساهم في ترسيخ الصور الإدراكية الكريهة عن اليهود، وفي تصاعد الهجمات ضدهم، هو الظاهرة الإمبريالية. فقد كان القرن التاسع عشر هو عصر التوسع الإمبريالي الغربي الذي انتهى بالهيمنة على كل أنحاء المعمورة ووضع الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية موضع التنفيذ على مستوى العالم. وصاحب هذه العملية ظهور مجموعة من الأفكار والنظريات والصور الإدراكية العرْقية التي تحاول تسويغ سيطرة الإنسان الأبيض على بقية الأعراق. فضلاً عن أن الفلسفة النيتشوية كانت تكتسح أوربا، وهي فلسفة تنظر إلى الواقع باعتباره صراعاً لا يهدأ، صراع الجميع ضد الجميع، ويستند فيه البقاء لا إلى الحق والخير والجمال وإنما إلى الحركية والقوة والإرادة. كما سادت أوربا آنذاك الفلسفة الداروينية الاجتماعية، وهي أساساً رؤية للعلاقات الاجتماعية من خلال نموذج ينقل القيم التي زعم داروين أنه اكتشفها في عالم الطبيعة إلى المجتمع الإنساني. وكانت هذه الداروينية من أهم مصادر الفكر الصهيوني بخاصة، والفكر الإمبريالي بعامة، فكان يتم تبرير إبادة الملايين في أفريقيا واستعبادهم في آسيا على أساس أن هذا جزء من عبء الرجل الأبيض ومهمته الحضارية، فهو يبيد الملايين ليؤسس مجتمعات متقدمة متحضرة! ولكن الرجل الأبيض هو أساساً الرجل الأقوى الذي لا يكترث كثيراً بالخير أو الشر. ولم يكن من الممكن إدراك الواقع بطريقتين مختلفتين: إحداهما ليبرالية خاصة بأوربا، والثانية إمبريالية عنصرية خاصة بالمناطق التي تقع خارجها. فالعنصرية رؤية متكاملة للإله والطبيعة والتاريخ والإنسان. وكان محتماً أن تقع أكبر الأقليات في أوربا، وأكثرها انتشاراً وبروزاً، ضحيةً لهذا التحول الإدراكي والاجتماعي. تاريخ معاداة اليهود منذ القرن الثامن عشر History of Anti-Semitism since the Eighteenth Century

стр. 1904

تتمثل السمة الأساسية في أدبيات معاداة اليهود في العصر الحديث أن تُنسَب إلى اليهودي صفات خفية ثابتة لصيقة به لا يمكنه التخلص منها إذا شاء أن يفعل. فبينما كان بوسع اليهودي في الماضي أن يتخلص من هويته تماماً عن طريق التنصر ودخول الكنيسة التي كانت تفتح له دائماً ذراعيها، فإن هذا البديل لم يَعُد مطروحاً في العصر الحديث، مع ظهور النظريات المادية التفسيرية (للإنسان والكون) التي تفسر الكون في إطار مجموعة من القوانين المادية الحتمية التي تخضع لها الظاهرة. إذ أن سمات اليهودي وخصائصه أصبحت خصائص وراثية وسمات بيولوجية ذات جذور مادية عرْقية ومن ثم لا يمكنه الفكاك منها مهما بذل من جهود. بل إن اندماج اليهود، ورغبة بعضهم في الهرب من يهوديتهم تشبُّهاً بالأغلبية، هما في الواقع (حسب الرؤية الحديثة لمعاداة اليهود) مؤشرات على نجاحهم في التخفي والتمسك بالهوية! ويمكننا أن نقول إن ثمة أسباباً كثيرة أدَّت مجتمعة إلى تَفجُّر موجة معاداة اليهود في أواخر القرن الماضي: ١ ـ أدَّت الثورة الصناعية والثورة الليبرالية، وظهور الدولة القومية، إلى فقد اليهود لدورهم التقليدي كجماعة وظيفية وسيطة، إذ ظهرت طبقات محلية يمكنها أن تضطلع بهذا الدور. كما أن الدولة القومية استوعبت كثيراً من الوظائف التي كان يقوم بها أعضاء الجماعة. وقد تحوَّل معظم أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب إلى طبقة وسطى في نهاية الأمر، ولكن الفجوة الزمنية بين الفترتين أدَّت إلى تَفجُّر مشاعر الكراهية ضد قطاع بشري لم يَعُد له أي نفع ولم يكتسب وظائف جديدة بعد.

стр. 1905

٢ ـ تكتسب الدولة القومية شرعيتها من التاريخ المشترك والثقافة المشتركة. ويستند النقد الاجتماعي العلماني (للمجتمع الإقطاعي والديني) إلى هذين العنصرين، ومن ثم يتحدد الانتماء أو عدم الانتماء بمقدار مشاركة المواطن في هذا التاريخ والثقافة. وقد كانت الجماعات اليهودية عادةً ذات هوية مستقلة نوعاً عن محيطها الثقافي، الأمر الذي كان يجعلها تقع معنوياً خارج دائرة العقد الاجتماعي مع أنها كانت فعلياً داخل دائرة المجتمع، وهو ما ولَّد كثيراً من العداء تجاه أعضاء الجماعات اليهودية. ٣ ـ تعثُّر التحديث في وسط أوربا وشرقها في نهاية القرن التاسع عشر. ٤ ـ وجود أغلبية يهود العالم في أوربا الشرقية (يهود اليديشية) في بلاد لم تَسُد فيها المُثُل القومية الليبرالية، وفي مناطق حدودية مُتنازَع عليها، وفي روسيا (البلد الذي كانت تحكمه بيروقراطية متخلفة لا تفهم وضع اليهود) . ٥ ـ ارتباط اليهود بالحركات الثورية العلمانية اليمينية واليسارية. فقد كان اليهود رمزاً واضحاً للمجتمع الصناعي الرأسمالي الجديد، وبالتالي أصبحوا هدفاً للجماهير التي اقتلعها الاقتصاد الجديد وألقى بها في المدن والمصانع للعمل تحت ظروف غير إنسانية. ومن ثم أصبح اليهودي بالنسبة إلى البورجوازيات الصغيرة الضعيفة، في كلٍّ من ألمانيا وبولندا وروسيا، هو العائق الأساسي الذي يقف حجر عثرة في طريق نموها الاقتصادي لأنه غريم قوي. كما كان الجميع يرون في اليهودي يسارياً ثورياً يهدد المجتمع من أساسه. ويبدو أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية انضموا للأحزاب الشيوعية الحاكمة في روسيا وشرق أوربا، واشتركوا في عمليات قمع المعارضة التي قامت بها الأحزاب الشيوعية الحاكمة، فارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في الذهن الشعبي بهذه النظم. ورغم عدم وجود يهود في كثير من بلاد أوربا الشرقية، إلا أن العداء لليهود لا يزال مستمراً بسبب العداء الراسخ للشيوعية.

стр. 1906

٦ ـ مع الإعتاق السياسي والاقتصادي لليهود، لم تعد الجماعة اليهودية جماعة وسيطة مغلقة تعيش في مسام المجتمع داخل الجيتو ويمكن التسامح معهما، بل خرج أعضاؤها إلى المجتمع ليلتحموا بالبناء الطبقي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، وقد حققوا حراكاً اجتماعياً وطبقياً كبيراً، وانتشروا بأعداد كبيرة في أنحاء أوربا بسبب الانفجار السكاني الضخم بينهم. وأدَّى كل هذا إلى احتكاك واسع المدى بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين بعض قطاعات المجتمع تحت ظروف لم تكن مواتية تماماً بسبب الثورة الصناعية التي حرمت الملايين من الأمن التقليدي الذي كانوا يتمتعون به في المجتمع الزراعي. ٧ ـ انتشر اليهود في المجتمعات الغربية بعد أن ضعفت هويتهم وقيمهم الدينية، وبعد أن اقتُلعوا من محيطهم الثقافي المألوف لهم. ولذا، كانت تنتشر بينهم ظواهر مثل الغش والسرقة، الأمر الذي عزز من الصور الإدراكية السلبية عنهم. ٨ ـ أصبح كثير من اليهود ممن يمكن تسميتهم «يهود غير يهود» ، أي يهود ليس فيهم من اليهودية سوى الاسم، فقد تآكلت هويتهم الدينية والإثنية تماماً، ومع هذا استمرت المجتمعات الغربية في تصنيفهم يهوداً. وهذا أمر جعل الناس يشعرون أن اليهود يوجدون في كل مكان وزمان. ٩ ـ هؤلاء اليهود غير اليهود كان لابد من تعريفهم بطريقة ما. وقد تم تعريفهم بطريقة عرْقية مجردة حيث كان التعريف الديني التقليدي غير ممكن. فالعنصر المشترك بين الشحاذ اليهودي من شرق أوربا والموسيقار اليهودي من غربها والتاجر اليهودي من وسطها، لم يكن الدين أو حتى هوية قومية بعينها، وإنما كان خاصية مادية عرْقية افتراضية كامنة غير ظاهرة ولا واضحة المعالم، وهي الخاصية البيولوجية اليهودية التي كان الجميع يفترضون وجودها برغم عدم ظهورها.

стр. 1907

١٠ ـ من المفارقات التي تستحق التسجيل أنه مع تزايد الحقوق المعطاة لأعضاء أية أقلية يزداد العداء لها؛ ذلك لأن الأقلية حينما يتم حصرها تلزم مكانها، وحينما تتم عملية القمع بموجب القانون أو بحكم البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع، يقل العنف الفردي إذ تتكفل المؤسسات بعملية العنف. ومن هنا، لم تكن ثمة عمليات اختطاف وشنق للزنوج في جنوب أفريقيا في حين كانت هذه الظاهرة منتشرة في الولايات المتحدة، ومن هنا أيضاً كان خلو إسرائيل من العنف الشخصي (على الأقل حتى نشوب الانتفاضة) . وقد تزايد الكره الفردي الموجه لليهود مع تزايد معدلات الإعتاق والعلمنة. كما تزايد الهجوم عليهم لأنه هجوم على خطر خفي غير ظاهر، إذ أن اليهودي المندمج لا يتصرف كما يتصرف اليهودي بشكل يسهل رصده، وإنما يتصرف بشكل " طبيعي " باعتباره فرداً عادياً في المجتمع، الأمر الذي يجعل من رصده عملية مستحيلة. ١١ ـ ظهور الإمبريالية الغربية، والنظريات العرْقية والداروينية التي صاحبتها، والتي جعلت من الصراع حقيقة أساسية في الوجود الإنساني وقبلت القوة العضلية معياراً أساسياً. ١٢ ـ من أهم أسباب تزايد مشاعر العداء لليهود الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في شرق أوربا في وقت سادت فيه أفكار مالتوس وزاد الحديث عن وجود فائض سكاني لابد من التخلص منه. وقد صدَّرت شرق أوربا ملايين اليهود إلى وسطها وغربها وإلى الولايات المتحدة. وكان يهود شرق أوربا كتلة متميِّزة متخلفة متحللة، وكان وصولهم يصعِّد مشاعر الكراهية ضدهم. وكان السكان لا يميِّزون بين اليهود الوافدين واليهود الأصليين إذ أن الجميع مجرد «يهود» . ولم يكن الوافدون يهوداً وحسب، وإنما أجانب وغرباء أيضاً. وكان اليهود مرتبطين أحياناً بالعدو، كما هو الحال في فرنسا، وخصوصاً في الألزاس واللورين، فاليديشية التي كانوا يتحدثون بها كانت رطانة ألمانية.

стр. 1908

١٣ ـ أدَّى ظهور وسائل الإعلام الحديثة إلى وجود قنوات تنقل الفكر العنصري بسهولة ويسر إلى ملايين الناس وتشيعه بينهم. ١٤ ـ تزامن كل هذا مع الكساد الاقتصادي في أواخر القرن، الأمر الذي زاد من حدة التوتر الاجتماعي. وقد أدَّت كل هذه الأسباب مجتمعةً إلى تحوُّل كُره اليهود من مجرد عواطف إنسانية كامنة إلى حركات سياسية. ويعود التاريخ الحديث لمعاداة اليهود على أساس عرْقي إلى عام ١٨٧٣ (في وسط أوربا) ، وذلك مع انهيار البورصة التي كان لبعض المموِّلين اليهود ضلع فيها، ومع الصعوبات الاقتصادية التي بدأت تطل برأسها. وقد أسس قس البلاط الألماني، أدولف ستوكر، حزباً مسيحياً اجتماعياً عام ١٨٧٨، وتوجه إلى البورجوازية الصغيرة وكذلك إلى المهنيين الذين كانوا يتصورون أنهم ضحية هيمنة الرأسمالية اليهودية على الاقتصاد. وطرح الحزب مفهوماً عضوياَ للقومية يستبعد اليهود ويراهم خطراً على الأمن. وفي هذه الفترة، ظهرت كتابات دوهرنج وترايتشكه وغيرهما. وفي عام ١٨٨٠، أُسِّست في برلين عصبة المعادين لليهود. وقدَّم المعادون لليهودية عريضة للحكومة الألمانية موقعة من ٢٢٥ ألف شخص تطلب إلى الحكومة أن توقف جميع أشكال الهجرة اليهودية التي كانت تتدفق من الجيب البولندي وأن تصدر تشريعات لاستبعاد اليهود. وقد عُقد أول مؤتمر دولي لمعاداة اليهود في عام ١٨٨٢ وضم ثلاثة آلاف مندوب. وفي عام ١٨٩٣، حققت الأحزاب المعادية لليهود في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي لها حين حصلت على ستة عشر مقعداً بعد أن نالت ربع مليون صوت. أما في النمسا، فقد شهد عام ١٨٧١ نشر كتاب عن التلمود من تأليف أوجست رولنج، ترك أثراً عميقاً في حركة معاداة اليهود.

стр. 1909

وفي عام ١٨٩٥، تم انتخاب كارل ليوجر زعيم أعداء اليهود رئيساً للبلدية في فيينا. وقد حاول الإمبراطور أن يوقف تعيينه ورفضت الحكومة المصادقة على التعيين، ولكنه تقلَّد منصبه في نهاية الأمر عام ١٨٩٧ بعد أن أعيد انتخابه ثلاث مرات. وظل العداء لليهود يتصاعد إلى أن وصل إلى ذروته مع انتخاب هتلر ووصول النازيين إلى الحكم. وقد كانت معاداة اليهود في فرنسا سلاحاً مهماً في يد بعض العناصر الملكية والكنسية المعادية للثورة الفرنسية ومُثُلها. وشهدت هذه الفترة نشر كتاب درومون فرنسا اليهودية. وفي أواخر عام ١٨٩٢، وقعت فضيحة قناة بنما التي لعب فيها بعض المموِّلين اليهود دوراً ملحوظاً. وشهد عام ١٨٩٤ حادثة دريفوس أحد ضباط الأركان العامة للجيش الفرنسي والذي اُتهم بأنه خان بلاده وسلم بعض المعلومات المتعلقة بأمنها إلى ألمانيا. وقد دافعت عنه القوى الليبرالية، في حين وقفت القوى المحافظة والمعادية لليهود ضده. وشهدت روسيا أشكالاً مختلفة من معاداة اليهود، وبخاصة بعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني عام ١٨٨١ حيث صدرت قوانين مايو (١٨٨١) ، وانتشرت موجة من المذابح من أشهرها مذبحة كيشينيف عام ١٩٠٣. وبعد عام ١٩٠٥، ظهرت جماعات المائة السود بدعم خفي من الحكومة كما يُقال، وقامت بالهجوم على اليهود في عدة مدن، كما وُجِّهت تهمة دم ضد بيليس عام ١٩١١ وبُرِّئ منها. أما في بولندا، فإن الطبقة الوسطى الصاعدة ناصبت الجماعة اليهودية الوسيطة العداء بسبب احتفاظها بهوية غربية مستقلة (يديشية) وبسبب تاريخ التحالف الطويل بينها وبين النخبة الإقطاعية الحاكمة. وقد نظم البولنديون حركات مقاطعة ضد اليهود في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وكانت الحكومة تتفاوت في موقفها من التأييد لحركات العداء أو محاولة وقفها. ثم قام النازيون بإبادة أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا ضمن من أبادوا من ملايين أخرى.

стр. 1910

وبعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي، تغيرت بنية المجتمع ومؤسساته وتوجيهاته. وواجه أعضاء الجماعات اليهودية شيئاً من التمييز العنصري، ولكن هذا لم يكن نابعاً من سياسة الدولة التي كانت تُجرِّم معاداة اليهود، وإنما كان أمراً عادياً يسم علاقة الأقلية بالأغلبية. ولعل أكبر دليل على تَراجُع معاداة اليهود تَزايُد معدلات الاندماج والزواج المختلط. ومع هجرة يهود اليديشية وحرب البوير (١٨٩٩) التي وقف ضدها كثير من قطاعات الرأي العام في إنجلترا، شهدت إنجلترا موجة من العداء لليهود، وقيل إن المصالح المالية اليهودية كانت وراء دخول إنجلترا هذه الحرب. وقد ازداد الحديث عن الخطر اليهودي بشكل مبالغ فيه، وصدرت قوانين الغرباء عامي ١٩٠٢ و١٩٠٥ لمنع دخول الأجانب، أي اليهود. أما في الولايات المتحدة والدول الاستيطانية الأخرى، مثل: جنوب أفريقيا وكندا وأمريكا اللاتينية، فلم يجابه اليهود أية معاداة إلا في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بخاصة في الثلاثينيات، ولكنها تلاشت بمرور الوقت وبتناقص عدد أعضاء الجماعة. ويمكننا تقسيم بلاد العالم الغربي، من منظور معادة اليهود، إلى أربعة أقسام: ١ ـ بلاد التحديث الحر، مثل: إنجلترا، وهولندا، وبلجيكا، وفرنسا (إلى حدٍّ ما) . وكلها بلاد لها مستعمرات يُصدَّر لها الفائض البشري والتوترات الاجتماعية، وفيها طبقة رأسمالية قوية وحكومات ليبرالية منتخبة. وتتسم الجماعات اليهودية فيها بقلة عدد أعضائها. وهذه البلاد لا توجد فيها ظاهرة معاداة اليهود بشكل حاد أو مستمر.

стр. 1911

٢ ـ بلاد التحديث الشمولي (تحت رعاية الدولة) - ألمانيا أساساً ـ وهي بلد ليس لها مستعمرات، إذ أُجهضت تجربتها الاستعمارية وتحالفت الطبقة الرأسمالية فيها مع الطبقات الإقطاعية لتضمن لنفسها النجاح. وبرغم قلة أعضاء الجماعات اليهودية، فقد كان لهم بروز واضح في المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية. وقد ظهر فيها العداء لليهود بشكل واضح. ٣ـ بلاد التحديث المتعثر، مثل: روسيا وبولندا وبعض بلاد وسط أوربا. وهي بلاد لم يكن لها مستعمرات، ولم يكن اقتصادها متقدماً، وكان القطاع الرأسمالي فيها ضعيفاً، كما كانت هذه البلاد تتسم بأنها تضم جماعات يهودية كبيرة. وقد تعثَّر التحديث في هذه البلاد، وتفشت فيها ظاهرة عداء اليهود. ومع استئناف التحديث على النمط الاشتراكي، اختفت الظاهرة أو ضَمُرت، واتجهت المؤسسات نحو دمج أعضاء الجماعات اليهودية. وكانت الدعاية الصهيونية تتهم الاتحاد السوفيتي بمعاداة اليهود المتمثلة في محاولة دمج اليهود، بل وأُطلق على ذلك «هولوكوست الاندماج» . ولكن معاداة اليهود تبدو دائماً في شكل النظر إلى اليهود باعتبارهم عنصراً غريباً لا يمكن دمجه، وبالتالي لابد من طرده أو على الأقل تشجيعه على الهجرة. أما في الاتحاد السوفيتي، فقد كان الوضع على عكس ذلك تماماً، إذ حاول المجتمع دمجهم فيه بينما كانت القوى الصهيونية هي التي تحاول إخراجهم منه. وإذا كانت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية قد تلاشت أو انصهرت، فإن هذا يرجع إلى آليات اجتماعية وبنيوية مركبة.

стр. 1912

٤ ـ المجتمعات الاستيطانية، مثل: الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وجنوب أفريقيا. وهذه مجتمعات لم يعرف معظمها ظاهرة العداء لليهود، ربما باستثناء أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. وقد استقر اليهود في هذه البلاد وواجهوا المصاعب التي تواجهها أية جماعة مهاجرة. ومن الطريف أنه برغم وجود عداء لليهود في صفوف الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا، فإن الحكومة لم تلجأ قط إلى تشجيع اليهود على الهجرة، كما يفعل المعادون لليهود عادةً، وذلك لأن مجتمع جنوب أفريقيا مجتمع استيطاني في حاجة ماسة إلى العنصر البشري الأبيض. ومن ثم، تُعَدُّ الهجرة إلى إسرائيل أو إلى أي بلد آخر «خيانة وطنية» . ويُثير ظهور الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة قضية مهمة تتصل بالعداء الموجه إليهم من قبل المنظمات الصهيونية التي ترفض مد يد المساعدة لهم في عملية الهجرة والاستقرار هناك. والشيء نفسه ينطبق على المتساقطين، وهم المهاجرون الروس الذين كانوا يهاجرون من الاتحاد السوفيتي بحجة الذهاب إلى إسرائيل، ثم يتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من ذلك. فهل يُعتبَر العداء لمثل هؤلاء وعدم مساعدتهم على الهجرة والاستيطان أينما شاءوا، بل وإغلاق أبواب الهجرة إلى ألمانيا والولايات المتحدة أمامهم، ضرباً من معاداة اليهود؟! أما في العالم العربي الإسلامي، فقد تناقص عدد اليهود بشكل ملحوظ، كما أن أغلبيتهم العظمى حصلت على جنسيات أجنبية في فترة الهيمنة الاستعمارية، حتى يتسنى لهم التمتع بالمزايا التي تمنحها القوانين المختلطة للأجانب. ومع ظهور الحركة الصهيونية، تشابك مصير من تبقَّى من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي مع الدولة الصهيونية، وانتهى الأمر بتصفية كل هذه الجماعات تقريباً باستثناء المغرب الذي بقيت فيه أقلية صغيرة.

стр. 1913

وقد ظهرت في العالم العربي ترجمة للوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون وكتب عن تهمة الدم، وهي أفكار تضرب بجذورها في التشكيل الحضاري الغربي، ومع هذا يتردد صداها الآن في صفوف بعض العناصر المحبة للإثارة والتي لا تتوانى عن استخدام أنصاف الحقائق لإحراز سبق صحفي أو ذيوع إعلامي. أما مراكز البحوث العربية، فلا تعير مثل هذه الوثائق، المشكوك في أمرها، أي اهتمام. ولا يمكن فصل تاريخ معاداة اليهود عن تاريخ الصهيونية، فكلاهما ثمرة آليات وحركيات توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي وتنبع منه. والواقع أن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو القاسم المشترك الذي يصل بين الظاهرتين (معاداة اليهود والصهيونية) ، وكل ما هنالك هو أن عداء اليهود الذي كان يهدف إلى تدمير اليهود أصبح أكثر عقلانية ورشداً. وبعد ظهور مفهوم نفع اليهود، أصبح الهدف هو توظيفهم، فظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية ثم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، والتي تم تهويدها حتى يتمكن اليهود من استبطانها. وليس من قبيل الصدفة أن ألمانيا، مهد الفكر العضوي العرْقي والنظرية النازية هي ذاتها مهد الفكر الصهيوني. كلاسيكيات العداء لليهود منذ القرن الثامن عشر Classics of Anti-Semitism since the Eighteenth Century

стр. 1914

وُلدت الأفكار الحديثة لمعاداة اليهود، وكذلك صورها الإدراكية، داخل هذا الإطار. ومن أهم وأول الإسهامات الغربية في هذا المضمار استخدام التمييز بين الآريين والساميين ونقله من المجال اللغوي إلى المجال الحضاري ثم العرْقي. وهذا ما فعله الكونت جوبينو في كتابه مقال في التفاوت بين الأعراق الإنسانية (١٨٥٣ ـ ١٨٥٥) ، فبسَّط النظريات السائدة، وقسَّم البشر إلى أعراق: أبيض (آري) ، وأصفر، وأسود. وذهب إلى أن الجنس الآري الأبيض هو مؤسس الحضارة، وأن السمات المتفوقة لهذا العرْق لايمكن الحفاظ عليها إلا عن طريق النقاء العنصري. وأكد جوبينو أن التيوتونيين هم أرقى العناصر الآرية لأنهم وحدهم الذين احتفظوا بنقائهم. وتوالت بعد ذلك الأعمال العرْقية الغربية المعادية لليهود، ومن أهمها كتاب ولهلم مار (١٨١٨ـ١٩٠٤) انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (١٨٦٢) . وكان مار مواطناً ألمانياً (يُقال إنه كان يهودياً) ، ثم انضم إلى جماعة فوضوية إلحادية في سويسرا بعد فشل ثورة ١٨٤٨. وقد طُبعت من الكتاب اثنتا عشرة طبعة حتى عام ١٨٧٩. وتحل في كتابه كلمتا «سامي» و «سامية» ، محل «يهودي» و «يهودية» . وهو الذي أشاع مصطلح «أنتي سيميتزم» ، أي «معاداة السامية» ، في اللغات الأوربية، وبيَّن في دراسته ما زعم أنه الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والثقافة، كما أسس جماعة تضم أعداء اليهود عام ١٨٧٩.

стр. 1915

ومن أهم الشخصيات التي أضفت كثيراً من الاحترام على النظريات العرْقية المعادية لليهود الموسيقار الألماني ريتشارد فاجنر (١٨١٣ ـ ١٨٨٣) ، وكان صديقاً لجوبينو، وتأثر بكتابات مار. وقد طبع فاجنر كتابه أضوء على اليهود في الموسيقى (١٨٥٠، ثم ١٨٦٩) ، مصوراً إياهم باعتبارهم تجسيداً لقوة المال والتجارة، ومنكراً علىهم أي إبداع في الموسيقى والثقافة. ثم نشر سلسلة مقالات بعنوان: «الفن الألماني والسياسة» طرح فيها فكرته الخاصة برسالة الشعب الألماني (الخالص) المعادية للمادية الفرنسية واليهودية. وقد اتهم فاجنر اليهود بالهيمنة على الحياة الثقافية في ألمانيا وطالب بحرمانهم من حقوقهم السياسية، كما تحدث عن دمار أو إبادة أو اختفاء (بالألمانية: أونترجانج Untergang) اليهود، أي تخليص الحياة الثقافية من اليهود بالقوة، أو دمجهم تماماً عن طريق الفن والموسيقى. وقد تركت أفكار فاجنر أثراً عميقاً في هتلر، ومن ثم كانت ذات مكانة خاصة في التجربة النازية (ولهذا، كانت موسيقى فاجنر ممنوعة حتى عهد قريب في إسرائيل) .

стр. 1916

وكان لإسهام المفكر السياسي والمستشرق الألماني بول أنطون دي لاجارد (١٨٢٧ـ ١٨٩١) أبعد الأثر في تضخيم الهالة الثقافية والعلمية حول معاداة اليهود. كان لاجارد يحن إلى حضارة العصور الوسطى التيوتونية الخالصة (العضوية) ، كما كان يؤمن بالشعب العضوي (الفولك) الألماني وتفوُّقه على الشعوب الأخرى، ويرفض مبدأ المساواة. بل وكان يرى أن الليبرالية مؤامرة عالمية خطيرة. ولم يشأ التعبير عنها بأي من اللونين الأحمر أو الأسود، فهما لونان لهما شخصيتهما، بل وقع اختياره على الرمادي، وانتهى به المطاف إلى اكتشاف وجود الأممية الرمادية التي استنكرها لأنها تشكل حجر عثرة في سبيل تحقيق خلاص الأمة الجرمانية وأداء رسالتها «نحو العلم» ، على حد قوله، كما تقطع الطريق على الأماني والأطماع الجرمانية الرامية إلى إخضاع أوربا الوسطى للسيطرة الألمانية، والتخلص من إمبراطورية هابسبورج، وإجلاء السلاف عن البلاد بالقوة لأنهم ليسوا من سكانها الأصليين. وبطبيعة الحال، ربط لاجارد بين الليبرالية الأممية الرمادية واليهود، الذين وصفهم بأنهم يشكلون عبئاً كريهاً ولا مغزى تاريخي لهم، يهدِّدون رسالة ألمانيا ووحدتها القومية. ولم تكن أفكار لاجارد عنصرية سوقية وإنما كانت عنصرية أكاديمية تستخدم ديباجات علمية، فقد كان يؤكد أنه لا يكن أي عداء لليهود كأفراد وإنما يعادي أمة سامية وثنية غريبة يُعرْقل وجودها (الموضوعي) اتحاد أوربا الوسطى تحت قيادة ألمانيا، ولذا فلابد من طرد أعضائها أو ترحيلهم بالقوة.

стр. 1917

ومن الشخصيات التي ساهمت في إشاعة هذه الأفكار المعادية لليهود على أساس عرْقي، المؤرخ والسياسي الألماني هنريش فون ترايتشكه (١٨٣٤ ـ ١٨٩٦) الذي كان يُعَدُّ من أهم المفكرين الألمان في عصره، وهو ما أكسب هذه الأفكار قدراً كبيراً من المصداقية والاحترام. وصف ترايتشكه الهجوم على اليهود بأنه هجوم وحشي، ولكنه رد فعل طبيعي للمشاعر القومية الألمانية ضد عنصر غريب (الشعب العضوي في مواجهة الشعب العضوي المنبوذ) ، ثم طرح الشعار المشهور «اليهود مصيبتنا» . وحذر الألمان من التدفق اليهودي من الخزان البولندي (إشارة إلى الانفجار السكاني بين يهود بولندا) ، وهو تدفُّق لا ينضب، «جمع من الشباب الطموحين بائعي الملابس القديمة الذين سيسيطر أطفالهم وأطفال أطفالهم يوماً ما على سوق الأوراق المالية والصحف في ألمانيا» . وقد تبدَّى هذا الرفض لليهود في شكل تعاطُف مع المشروع الصهيوني. ومن الشخصيات الأخرى التي أشاعت الفكر العرْقي المعادي لليهود هيوستون ستيوارت تشامبرلين (١٨٥٥ ـ ١٩٢٧) ، وهو بريطاني المولد فرنسي النشأة ألماني بالاختيار، فقد كان معجباً بالثقافة الألمانية إعجاباً عميقاً. وقد تصادق مع فاجنر وتزوج ابنته، وتأثر بأفكار جوبينو ولاجارد، وألَّف أهم كتب العنصرية الغربية أسس القرن التاسع عشر (١٨٩٩) . وقد آمن تشامبرلين بتفوُّق الإنسان النوردي الأشقر، وبأن قدر التيوتونيين هو قيادة الإنسانية جمعاء، فكل ما هو عظيم في العالم من إبداعهم. وأكد تشامبرلين أن اختلاط الأجناس هو سبب التخلف. واليهود، بحسب رأي تشامبرلين، يشكلون عرْقاً هجيناً متحركاً هامشياً طفيلياً لاجذور له. وهم غير قادرين على الإبداع، ولا يوجد لديهم إحساس ديني، بل إن وجودهم ذاته جريمة ضد الإنسانية. وذهب تشامبرلين إلى أن الشخصيات المهمة في بدايات التاريخ اليهودي، مثل داود والأنبياء والمسيح، من أصل ألماني! وتنبأ بالمواجهة الحتمية بين الساميين والآريين.

стр. 1918

ومن الملاحَظ أن معظم كتب معاداة اليهود (وأكثرها حدة) ألمانية. ولعل هذا يعود إلى مجاورة ألمانيا للجيب البولندي، وإلى وجود عنصر يهودي قوي في عالم الاقتصاد الألماني، وإلى دخول ألمانيا إلى الساحة الإمبريالية متأخرة من الناحية الزمنية، الأمر الذي أثر في مساحة الرقعة الجغرافية التي استعمرتها. ومن هنا، اضطرت ألمانيا إلى أن تنفث سمها العنصري في أوربا (ضد اليهود والسلاف) لا خارجها (ضد الأفارقة والآسيويين والمسلمين) . ومع هذا، فليس بإمكاننا إنكار أن معاداة اليهود ظاهرة غربية تشمل شتى دول العالم الغربي، شأنها في هذا شأن الصهيونية. ولهذا، لم تقتصر كُتب معاداة اليهود على ألمانيا. وقد أشرنا من قبل إلى جوبينو الفرنسي، ويمكن أن نشير الآن إلى إدوار أدولف درومون (١٨٤٤ ـ ١٩١٧) ، وهو أيضاً فرنسي، وقد ضمن أفكاره كتاب فرنسا اليهودية (١٨٨٦) الذي طُبع أكثر من مائة طبعة، وكان من أكثر الكتب الأوربية رواجاً ومبيعاً في القرن التاسع عشر. وقد ألف درومون كتباً أخرى تتضمن الأفكار نفسها والرؤية نفسها.

стр. 1919

وكان درومون يرى أن يهود فرنسا عنصر أجنبي غريب يستغل النظام الاقتصادي الفرنسي لتحقيق منافعه الخاصة وبسط سيطرته على العالم، وأنهم عنصر تجاري بطبيعته، يسيطر على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى التي تعوق نمو الطبقة الوسطى المسيحية الناشئة، فهم يركزون الثروة في أيديهم (مثل روتشيلد) ويشكلون خطراً على مستقبل الطبقة العاملة في البلاد. وهم يتسمون بخصائص وميزات عرْقية منحطة وغير نقية، ويعملون على إفساد الروح الفرنسية، وتقع عليهم تبعة الانهيار والانحطاط السائدين في فرنسا بطولها وعرضها. واليهود يؤلفون «دولة داخل دولة» و «أمة داخل أمة» ، ولذلك فإن اندماجهم ليس ممكناً، كما أن اختلاطهم بالشعب الفرنسي عن طريق التزاوج أمر غير مرغوب فيه. وهم بلا وطن حقيقي، ولا يخضعون لأية روابط فعلية، بل سيبقون إلى الأبد كما كانوا دوماً عنصراً غريباً في جسم الأمة يختلف بصورة جوهرية عن الفرنسيين، ويجب معاملتهم على الأسس التي يقترحها هو والنظر إليهم من تلك الزاوية. فهم لا يستحقون التحرر مطلقاً، بل يجب وقف تحرُّرهم ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم على أن يُستخدَم ذلك لإيجاد وسائل إنتاجية للطبقة العاملة التي لا تزال مُستَغَلة. وقد ساهم كتاب درومون في صياغة رؤية كثير من المفكرين اليهود وغير اليهود للمسألة اليهودية ومنهم هرتزل.

стр. 1920

ومن المفكرين الإنجليز الذين بادروا إلى معاداة اليهود، المؤرخ والمصلح التربوي البريطاني جولدوين سميث (١٨٢٣ ـ ١٩١٠) ، فقد نشر عام ١٨٧٨، مع بدايات هجرة يهود اليديشية من روسيا إلى إنجلترا، عملاً حاول فيه أن يبرهن على استحالة أن يصبح اليهود مواطنين في دول أوربا المضيفة، كما حاول أن يبرهن على أن وجودهم يشكل خطراً سياسياً على بلده. أما اليهودية، فهي في رأيه دين عنصري يتمسك به اليهود بضراوة ويحل فيه العنصر أو العرْق محل البلد الذي فقدوه. الأمر الذي جعلهم يرفضون الاختلاط بالناس ويجلب عليهم بُغض الشعوب. ولهذا السبب، نادى سميث بحل صهيوني للمسألة اليهودية. وقد ظهرت أعمال أدبية أخرى، مثل بروتوكولات حكماء صهيون، تردد الأفكار نفسها التي وردت في الكتب السابقة. والواقع أن بروتوكولات حكماء صهيون تصوِّر الأفكار السابقة بطريقة شعبية تصل إلى وجدان البسطاء بسرعة وتجسد المخاطر، التي تحدَّث عنها تشامبرلين أو ترايتشكه، في شكل مؤامرة عالمية متعيِّنة، واجتماعات عقدها الحاخامات للسيطرة على العالم، أي أن البروتوكولات تشيع الأفكار نفسها بأسلوب يشبه أسلوب صحافة الإثارة والجريمة والجنس. التحامل على اليهود Prejudice Against the Jews

стр. 1921

«التحامل على اليهود» ـ حسب رأي الحاخام أبا هليل سيلفر ـ يختلف عن «التعصب ضد اليهود» . فالتعصب هو الرفض الجذري والنشط الذي يمارسه بعض أعضاء الأغلبية ضد أقلية إثنية أو دينية ما. وفي حالة أعضاء الجماعة اليهودية، فإن التعصب يترجم نفسه إلى «معاداة اليهود» وما يصاحبها من أنماط إدراكية ثابتة قد تتحوَّل إلى هجوم شرس عليهم. أما التحامل، فهو أقرب ما يكون إلى مزاج سلبي ضد أعضاء أقلية ما وعدم تقبُّل لهم، وهو لا يترجم نفسه إلى إرهاب وعنف بل يأخذ شكل نكتة ساخرة أو تمييز خفيف يتعلق بالتفاصيل وليس بالجوهر والحقوق. والتحامل ظاهرة موجودة في كل المجتمعات البشرية وليس من المحتمل أن تزول إلا في نهاية التاريخ، فعلاقة الأغلبية بالأقلية سيشوبها دائماً نوع من التوتر. والتحامل على أعضاء الجماعات اليهودية أمر موجود بطبيعة الحال في معظم المجتمعات التي يوجدون فيها، ولكن ما يحدث أن كثيراً من الصهاينة يخلطون بين التحامل على اليهود والتعصب ضدهم وتصبح كل الأمور بالنسبة لهم «عداءً للسامية» . والهدف من هذا هو تأكيد عزلة اليهود وتأكيد أن مجتمعات الأغيار تنبذهم بطبيعتها، ومن ثم لا يوجد حل سوى الحل الصهيوني. وقد بين العالم الإسرائيلي موردخاي ألتشولار أن ما يواجه يهود روسيا وأوكرانيا في الوقت الحالي ليس هو العداء الشرس لليهود وإنما هو شكل من أشكال التحامل عليهم وحسب (ولكنه لم يستخدم المصطلح) . وقد شبه ألتشولار يهود روسيا بيهود الولايات المتحدة، فاليهود المتعلمون الباحثون عن النجاح المادي والمهني منهم مستعدون للتعايش مع قدر غير محسوس من معاداة اليهود أو التحامل عليهم، أي إذا لم يكن هذا العداء ملموساً في حياتهم اليومية ولا يعوق تقدُّمهم واندماجهم. معاداة السامية الجديدة New Anti-Semitism «معاداة السامية الجديدة» (أي «معاداة اليهود الجديدة» ) مصطلح ظهر مؤخراً في المعجم الصهيوني يشير إلى عدة مدلولات من أهمها ما يلي:

стр. 1922

١ - ما يزعم الصهاينة أنه أشكال جديدة من معاداة السامية، هي في حقيقة الأمر إعادة إنتاج للأشكال القديمة. ويضربون مثلاً لهذا بالعداء للدولة الصهيونية. فحينما ترتكب الدولة الصهيونية مذبحة مثل قانا فتدمغها معظم دول العالم، وحينما تُبنَى مستوطنة جديدة في القدس أو على حدودها وتصدر هيئة الأمم المتحدة قراراً بإدانتها، فإن هذا يكون تعبيراً عن النمط القديم: عداء الأغيار الأزلي لليهود. ٢ - يُستخدَم المصطلح أيضاً للإشارة إلى ما يسميه الصهاينة «معاداة السامية الإسلامية» ، أي عداء المسلمين لليهود. وهم يرون أن هذا النوع من العنصرية آخذ في التزايد حيث ينظر المسلمون إلى اليهود باعتبارهم "أعداء الله"، وأن إسرائيل تعبير عن المؤامرة اليهودية الأزلية. الباب الثانى: بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود بعض التجليات المتعيِّنة لمعاداة اليهود Some Concrete Manifestations of Anti-Semitism يمكن تفسير ظاهرة معاداة اليهود من خلال نموذج تفسيري وتصنيفي واحد مركب تتفرع عنه عدة نماذج فرعية تتبدَّى، هي بدورها، في أحداث ووقائع ومؤلفات بعينها، مثل: اضطرابات فيتميلخ، وحادثة دريفوس، وتهمة الدم، وبروتوكولات حكماء صهيون. وفي كل مدخل، سنحاول أن نعرض لموقف كلٍّ من الرؤية العرْقية المعادية لليهود والرؤية الصهيونية من الظاهرة أو القضية موضوع الدراسة ثم نحاول أن نقدم تفسيراً أكثر تركيباً وأقل اختزالية. طرد اليهود Expulsion of Jews يُشير مصطلح «طرد اليهود» في الكتابات الصهيونية إلى مجموعة من الوقائع التاريخية التي حدثت في مجتمعات وتشكيلات حضارية مختلفة تحت ظروف مختلفة لا يربطها أي رابط. والواقع أن الحديث عن «طرد اليهود» ، كما لو كان ظاهرة تاريخية واحدة، هو تعبير عن الإيمان بوجود تاريخ يهودي واحد يُعبِّر عن هوية يهودية واحدة (منبوذة من الأغيار) ، وأن اليهود شعب عضوي منبوذ. وفيما يلي بعض تواريخ الطرد المهمة:

стр. 1923

٧٢٤ ق. م التهجير (النفي) الآشوري. ٥٨٦ ق. م التهجير (النفي) البابلي. ١٣٩ ق. م القاضي (برائيتور) ، هسبالوس يطرد اليهود من روما. ١٩ ق. م تايبريوس ينفي الأجانب (ومن بينهم اليهود) . ٥٠ م كلوديوس يأمر بطرد اليهود من روما. ٧٠ م هدم الهيكل على يد تيتوس وطرد اليهود من فلسطين (وتعد هذه هي أهم حادثة طرد من المنظور اليهودي والمسيحي) . ٩٤م دوميتان يطرد المسيحيين واليهود. ١٣٥ م طرد اليهود من القدس وتحريم دخولها عليهم. ٤١٥ م الطرد من الإسكندرية ٦٢٤ - ٦٢٨ م الطرد من الجزيرة العربية أيام الرسول. ١٤٦٧ م الطرد من تلمسان ولكن أهم وقائع الطرد توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي في العصور الوسطى وبعدها: ١٢٩٠ م إنجلترا ١٤٩٢ م إسبانيا ١٣٠٦ - ١٣٩٤ م فرنسا ١٤٩٥ م ليتوانيا ١٣٦٧ م المجر ١٤٩٧ م البرتغال وقد شهد القرنان الرابع عشر والخامس عشر حوادث طرد من مدن إيطاليا وألمانيا: ١٤٢٦ م كولونيا ١٤٥٣ م برسلاو ١٤٣٩ م أونسبرج ١٦٤٨ م ثورة شميلنكي في أوكرانيا واستمر الطرد حتى العصر الحديث: ١٧٤٤ - ١٧٥٢ م براغ وبعد ذلك التاريخ، تأسَّست منطقة الاستيطان، وهو ما كان يعني: ١٧٧٢ م الطرد من بقية روسيا ١٨٩١ م الطرد من موسكو وقام الروس بعد الثورة البلشفية، والنازيون بعد استيلائهم على الحكم، بنقل أعداد من اليهود من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى. كما هاجر يهود البلاد العربية إلى إسرائيل وأوربا بعد عام ١٩٤٨. وتُصنِّف الموسوعة اليهودية هذه الأحداث التاريخية كافة باعتبارها «حوادث طرد» . وتذكر أنه يمكن تصنيفها على أسس مختلفة إلا أن الدافع الجذري وراءها جميعاً هو كُره اليهود «ومعاداتهم» !

стр. 1924

وغني عن القول أن هذه الوقائع لا يربطها رابط، فالتهجير الآشوري والبابلي شملا أقواماً عديدة أخرى لضمان أمن منطقة عبر النهر، أي منطقة الشام. وفي كثير من الأحيان، لم يكن الحكام الآشوريون أو البابليون يعرفون شيئاً عن العبرانيين، فكانت تَصدُر الأوامر بهدم منطقة أو تهدئتها، الأمر الذي كان يعني إخلاءها من معظم سكانها وأقوامها، وبخاصة من أعضاء النخبة. وقد شهد عام ١٣٩ ق. م أول عملية طرد لأعضاء إحدى الجماعات اليهودية، بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث إنها لم تكن تهجيراً كالتهجير البابلي مثلاً، وليست فراراً كما حدث مع ثورة شميلنكي. ويبدو أن سبب عملية الطرد من روما هذه هو الخوف من تحوُّل المواطنين الرومان إلى العقيدة اليهودية. ويبدو، بالفعل، أن كثيراً من الرومان المتعلمين كانوا يعجبون باليهودية نظراً لطبيعتها التوحيدية بالقياس إلى التعددية والشرك اللذين يسمان العبادة الوثنية في روما. أما طرد اليهود عام ١٩ ميلادية، فقد تم بتحريض من سيجانوس رئيس الحرس الإمبراطوري، غير أن الإمبراطور تايبريوس الذي أصدر أمر الطرد عاد وألغاه بعد اثنى عشر عاماً، وأمر بألا يُساء إلى اليهود أو إلى شعائرهم الدينية، وأعلن أن سيجانوس كان قد ضلله لتحقيق مآربه الخاصة. ورغم أن روما اتسمت بالتسامح، فإن التهود بأعداد كبيرة كان يهدد سلطة الدولة، ذلك أن شرعية الدولة تستند إلى العبادة الوثنية، كما أن كثيراً من الوظائف الإدارية كان مرتبطاً بهذه العبادة، وبالتالي فإن التهود كان يعني ضعف الولاء وأزمة الشرعية، كما كان يهدد ثبات موارد الهياكل المقدَّسة من هبات وقرابين. ويبدو أن رجال المال الرومان كانوا أيضاً وراء طرد اليهود، حيث كانوا يمارسون الربا بالتحايل على القانون ويودون التخلص من المرابين اليهود الذين يشكلون منافساً قوياً لهم.

стр. 1925

أما طرد اليهود من القدس، فلم يكن جزءاً من سياسة روما الداخلية وإنما جاء في إطار سياستها الإمبراطورية وكمحاولة لتهدئة المنطقة. وكان طرد اليهود من المدينة المنورة في عهد الرسول ﷺ يعود إلى أسباب خاصة بحركيات الدين الجديد ومحاولة الدولة الإسلامية الجديدة تأمين مركزها وقلبها بضمان عدم وجود أقليات لا تدين لها بالولاء. وحينما قام شميلنكي بالهجوم على الجماعات اليهودية، فإنه كان يفعل ذلك في إطار حركة تحرُّر وطني وثورة فلاحية ضد المستغلين البولنديين الذين تَصادَف وجود اليهود كوكلاء لهم. وحينما كتب شميلنكي إلى كرومويل، في محاولة لتوحيد القوى الأرثوذكسية والبروتستانتية ضد الكاثوليكية، فإنه لم يذكر اليهود من قريب أو بعيد. وإن أردنا أن نجد نمطاً متكرراً في ظاهرة طرد اليهود، فإننا لن نجده على صعيد العالم وإنما داخل التشكيل الحضاري الغربي، وبخاصة في العصر الوسيط. وسنجد أن السبب وراء طرد اليهود لم يكن كُرههم وإنما كونهم جماعة وظيفية وسيطة تشكل عنصراً استيطانياً غريباً، يُوطَّن (أي يُستورَد) ويُصدَّر ولا يضرب بجذوره في أي مكان، تماماً مثل الجنود المرتزقة. والجماعة الوظيفية الوسيطة تلعب دورها، ثم يستغنى عنها المجتمع فينبذها، فتنتقل إلى مجتمع آخر، وهكذا. وعادةً ما تستغني المجتمعات عن الجماعة الوظيفية الوسيطة حينما تظهر هياكل مركزية للإدارة (وهذا ما حدث في حالة إنجلترا عام ١٢٩٠ وفي فرنسا في أواخر القرن الرابع عشر وفي إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر) أو حينما تظهر طبقات محلية بديلة (وهذا ما حدث في معظم أوربا بالتدريج ابتداءً من القرن الثاني عشر) .

стр. 1926

والجدير بالملاحظة أن المدن في العصور الوسطى كانت صغيرة للغاية وأن عدد أعضاء الجماعات اليهودية في كل مدينة كان صغيراً ولا يُُعتد به من الناحية الإحصائية. إذ كان عدد يهود إنجلترا لا يزيد، حسب إحدى الروايات، على أربعة آلاف. وكانت أية جماعة يهودية لا تزيد على ألفين، وكانت الجماعة اليهودية تُعدُّ كبيرة إن زاد عدد أعضائها على بضع مئات. ومن هنا، فإن الحديث عن الطرد هو حديث عن طرد بضع مئات من التجار الغرباء. وكان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو طرد اليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث بلغ عددهم مائة وخمسين أو مائة وعشرين ألفاً، وقد طُردوا مع مئات الألوف (ويُقال أكثر من مليونين) من المسلمين الذين رفضوا التنصر وفاقت أعدادهم أعداد اليهود. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا، في كثير من الأحيان، يُطردون أو يفرون لبضعة أشهر ثم يعودون إلى مواقعهم مرة أخرى. ولابد من الإشارة إلى أن اليهود لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي يتم طردها، فقد كان يتم طرد مختلف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة الأخرى، مثل اللومبارد والكوهارسين. وأحياناً، كان يتم طرد إحدى الجماعات لتحل محلها جماعة أخرى تقدم شروطاً ائتمانية أفضل، فهذه الجماعات لم يكن يُنظَر إلى أعضائها باعتبارهم بشراً وإنما كان يُنظَر إليهم كأدوات إنتاج يمكن أن تحل الواحدة محل الأخرى.

стр. 1927

وقد عمَّقت عمليات الطرد عدم تجذر اليهود في الحضارة الغربية وزادت هامشيتهم، وهي التي حددت إدراك العالم الغربي لهم. وتبدَّى هذا الإدراك في صورة «اليهودي التائه» . ومن هنا، فإن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) يَصدُر عن قبول فكرة طرد اليهود من أوربا وحتميتها. ويُعَدُّ وعد بلفور النقطة التي اتفقت فيها أوربا مع قيادات الجماعة اليهودية على أن يتم نقل اليهود من العالم الغربي إلى فلسطين (أي طردهم بطريقة سلمية مؤسسية) باعتبارهم عنصراً نافعاً يمكنه الاضطلاع بوظيفة قتالية دفاعاً عن المصالح الإمبريالية الغربية داخل إطار الدولة الوظيفية. كما أن الإبادة على يد النازيين، هي الأخرى، شكل من أشكال الطرد (من العالم الغربي إلى العالم الآخر) أخذ شكل التصفية الجسدية، وذلك بسبب عدم وجود مستعمرات ألمانية يُطرَدون إليها، وبسبب رفض بولندا السماح بدخول قطارات اليهود المطرودين إليها. ويتضح قبول الطرد، كنقطة انطلاق في صهيونية يهود الغرب التوطينية، من واقع أن اللجان (الأليانس وغيرها) كانت تُشكَّل لنقل اليهود إلى أي مكان في العالم ماعدا المكان الذي استوطنوا فيه بالفعل (في بلاد غرب أوربا) . وقد أيد يهود الغرب الصهيونية الاستيطانية من منظور توطيني. كما أن المنظمات الصهيونية مازالت تشجع اليهود على الهجرة من روسيا وأوكرانيا بدلاً من الدفاع عن حقوقهم السياسية والمدنية وحقهم في التمتع بحياة كريمة في أوطانهم. ومن ثم، يمكن أيضاً تصنيف ذلك على أنه تقبُّل لحتمية خروج أو طرد اليهود من تلك البلدان، ويمكننا تصنيف الصهيونية على أنها حركة طاردة لليهود من أوطانهم المختلفة بهدف تجميعهم في بلد واحد، ويُطلَق على هذه العملية مصطلح «تجميع المنفيين» .

стр. 1928

ومما يجدر ذكره أن أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم اشتركوا، أحياناً، في عملية طرد اليهود. وكان ضمن حقوق الجيتوات، في العصور الوسطى، ما يُسمَّى «تحريم الاستيطان» (بالعبرية: حيريم هايشوف) ، أي تحريم استيطان أي يهودي غريب على الجيتو فيه. ومن ثم، كانت هذه الجيتوات تطرد اليهود الغرباء منها. كما كانت هناك حالات في القرن الثامن عشر طالب فيها اليهود بطرد جماعات يهودية أخرى. فقد قدم يعقوب رودريجيز في عام ١٧٦٠ التماساً إلى لويس الخامس عشر لطرد اليهود الألمان (الإشكناز) ، وأيده في ذلك الطلب المفكِّر والمموِّل اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو. ووافقت الحكومة الفرنسية على الطلب ونُفِّذ الاقتراح في العام التالي. ومن الظواهر التي تُفسَّر على أنها طرد لليهود، نتيجة العداء الكامن تجاههم، خروج اليهود من بلاد تأخذ بالنمط الاشتراكي في التنمية. ولعل أكثر الأمثلة بروزاً في هذا المجال هو كوبا. فبعد استيلاء كاسترو على الحكم، خرجت أعداد هائلة من اليهود حتى أوشكت الجماعة اليهودية على الاختفاء الكامل. وقد حدث الشيء نفسه في البلاد العربية التي نحت منحى اشتراكياً. وإذا وضعنا هذه الظاهرة في سياقها التاريخي، يمكننا أن نفسر خروج اليهود بالأسباب التالية: ١ ـ يُلاحَظ أن النمط التنموي الاشتراكي يلجأ إلى تأميم قطاعات من الاقتصاد مثل المصارف ومنافذ التسويق حتى يمكنه التحكم في آليات السوق. ومثل هذه القطاعات هي التي يتركز فيها عادة أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بطبيعة الحال. كما أن الوضع نفسه ينشأ حينما تظهر الطبقات المحلية الوطنية وتشارك في العملية الاقتصادية وتُسيِّرها كما ترغب.

стр. 1929

٢ ـ ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية في العالم، منذ نهاية القرن الماضي، تتجه من بلاد متخلفة مثل روسيا إلى بلاد متقدمة تتبع الاقتصاد الحر مثل الولايات المتحدة وغيرها من البلاد الاستيطانية (أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا) . ومن هنا يمكن تفسير خروج يهود كوبا. ٣ ـ كما يُلاحَظ أن دول العالم الثالث، التي تخرج عن المسار الغربي، تمارس نوعاً من التضامن فيما بينها، وبالتالي فهي تأخذ موقفاً متعاطفاً من الدول العربية ومن منظمة التحرير الفلسطينية ومن كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار الغربي والصهيوني. وقد نجحت المنظمة من جانبها في أن تقيم علاقات مع الحركات الثورية في الأرجنتين ونيكاراجوا واليابان، وهو ما يخلق خطاباً سياسياً يولد إحساساً بعدم الأمن لدى أعضاء الجماعات اليهودية فتهاجر أعداد منهم، وتقع كوبا داخل هذا النمط. ومن المعروف أن نظام كاسترو بذل جهوداً غير عادية للدفاع عن حقوق المواطنين اليهود في كوبا، ولتيسير السبل لهم للتعبير عن هويتهم الدينية، وهذا يبين مدى تهافت فكرة كره اليهود.

стр. 1930

وإذا قبلنا المقولة السابقة، فمن الممكن إعادة تفسير خروج اليهود من بعض البلاد العربية، مثل مصر وسوريا والجزائر، لا باعتباره طرداً وإنما باعتباره اتجاهاً ينتمي إلى الظاهرة نفسها، أي ظهور حكومات قومية محلية تستولي على الحكم وتعادي الاستعمار. والواقع أن ظهور مثل هذه الحكومات يجىء عادةً تعبيراً عن ظهور قوى محلية تشارك بشكل أكثر نشاطاً في الاقتصاد الوطني، وهو ما نجم عنه تأميم (تمصير وتعريب) بعض القطاعات التي كان يتركز فيها أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة (اليهود، واليونانيون، والإيطاليون) . كما أن كثيراً من الدول العربية دخلت في صراع ضد الاستعمار الغربي وضد الدولة الصهيونية حليفته الأساسية في المنطقة، الأمر الذي خلق توتراً شديداً بين الأغلبية وأعضاء الجماعة اليهودية الذين تدَّعي الدولة الصهيونية تمثيلهم. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتعاونون مع الدولة الصهيونية ـ كما حدث في حادثة لافون ـ كما أن الأغلبية العظمى من يهود العالم العربي، جاءوا إما من العالم الغربي (أساساً) مع الموجة الاستعمارية أو حصلوا على جوازات غربية للاستفادة من قوانين الامتيازات، ليلعبوا دور الجماعة الوسيطة بين الاستعمار والسكان المحليين. ومع تراجُع الاستعمار، كان لابد لهذه الجماعات (مثل اليونانيين والإيطاليين) أن يخرجوا معه. كما أن الدولة الصهيونية، بالقياس إلى كثير من دول العالم، تتمتع باقتصاد متقدم توجد فيه فرص كثيرة للنشاطات الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الحر، وبالتالي فهي تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم العربي، تماماً كما تمثل الولايات المتحدة نقطة جذب بالنسبة إلى اليهود الروس (ولذا، فهم لا يهاجرون إلى إسرائيل التي لا يمكنها أن تحقق لهم حراكاً اجتماعياً مماثلاً) . والواقع أن خروج اليهود من البلاد العربية هو جزء من حركية مركبة ولا يمكن أن يُسمَّى «طرداً» ببساطة وآلية.
следующие страницы →