Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
ويمكن القول بأن ألمانيا أسَّست مجتمعاً معادياً لليهود بشكل بنيوي، ولكن من خلال اتفاقية الهعفراه بين النازيين والصهاينة أصبحت المعاداة البنيوية للسامية صهيونية بنيوية.
معاداة اليهود: الأسباب وتكوين الصور النمطية
(Anti-Semitism (Causes and the Process of Stereotyping
يُفسِّر الصهاينة معاداة اليهود بأنها تعود إلى كُره الأغيار لليهود عبر العصور، وهو تفسير من العمومية بحيث لا يُفسِّر شيئاً البتة. فإذا كان كره الأغيار لليهود ظاهرة ميتافيزيقية متأصلة، فإن المنطقي هو أن يُعبِّر هذا الكُره عن نفسه بشكل مطلق، أي بالطريقة نفسها بغض النظر عن الزمان والمكان. ولكن تاريخ عداء اليهود تاريخ طويل ومتنوع ويفتقر إلى الاستمرار التاريخي كما تختلف دوافعه وأسبابه. ومن المعروف أن الجماعات اليهودية توجد داخل تشكيلات حضارية مختلفة، وكانت تنشأ توترات مختلفة بينها وبين أعضاء الأغلبية. وبرغم أن سائر أحداث التوتر هذه يُشار إليها بمصطلح «معاداة اليهود» على وجه العموم، فإن المصطلح يكتسب مضمونه الحقيقي والمحدد من خلال التشكيلات الحضارية المختلفة، ولذلك، فإن الدلالة تختلف من تشكيل إلى آخر. والواقع أننا لو أخذنا بالتفسير الصهيوني وجعلنا من مختلف الأحداث التي تُعبِّر عن العداء لليهود ظاهرة واحدة، لأصبح العنصر الثابت الوحيد هو اليهود، وحينذاك يصبح اليهود هم المسئولين عن الكراهية التي تلاحقهم والعنف الذي يحيق بهم، وهو تحليل عنصري مرفوض طرحه محامي أيخمان بشكل خطابي أثناء الدفاع عنه في إسرائيل. فاليهود يُشكِّلون جماعات مختلفة وغير متجانسة لكلٍّ منها ظروفها ومشاكلها.
стр. 1857
ويمكن القول بأن العداء لليهود، بوصفه شكلاً من أشكال العداء للأقليات والغرباء والأجانب (و «الآخر» على وجه العموم) ، هو إمكانية كامنة في النفس البشرية التي تنفر من كل ما هو غير مألوف، وبالتالي فهو إمكانية كامنة في كل المجتمعات. كما أن هناك بشراً في كل مجتمع لا يقنعون بما لديهم من ثروة أو رزق، ويرغبون دائماً في الاستيلاء على ما يملكه الآخرون، وبخاصة ما يمتلكه أعضاء الأقلية الذين لا يتمتعون عادةً بالحصانات نفسها وبالاستقرار نفسه الذي يتمتع به أعضاء الأغلبية. ومع هذا، تظل هذه الأفكار والدوافع في حالة كمون ولا تعبِّر عن نفسها إلا من خلال أفعال عنف وكره فردية متفرقة أو من خلال أشكال من التحايل على أعضاء الأقلية أو من خلال أعمال أدبية أو قصص أو أساطير، مادام المجتمع مستقراً ولكل عضو فيه وظيفته. ولكن ثمة عناصر تؤدي إلى تحوُّل هذه الدوافع النفعية من حالة الكمون إلى حالة التحقق حيث تتعدد الأفعال الفردية وتصبح ظاهرة اجتماعية، وتتغلغل في بنية المجتمع ذاته.
стр. 1858
ولعل من أهم الأسباب التي أدَّت إلى ظهور معاداة اليهود وانتقالها من حالة الكمون إلى مستوى البنية الاجتماعية أن معظم الجماعات اليهودية كانت تشكل جماعات وظيفية قتالية وتجارية في المجتمعات القديمة، وكذلك في المجتمع الغربي في العصر الوسيط حتى القرن التاسع عشر. وقد كانت الجماعات الوظيفية تتكون دائماً من عناصر بشرية غريبة عن المجتمع حتى يمكنها أن تضطلع بوظائف كريهة أو مشبوهة أو متميِّزة تتطلب الموضوعية وعدم الانتماء، مثل: التجارة والربا والقتال والبغاء. ولذا، نجد أن موقف أعضاء الجماعات الوظيفية من المجتمع يتسم بالحياد والنفعية، فهم ينظرون إلى مجتمع الأغلبية باعتباره سوقاً أو مصدراً للربح، كما ينظر أعضاء المجتمع إليهم باعتبارهم أداة لتنشيط التجارة أو القتال. وكان يُنظَر إليهم في المجتمعات التقليدية باعتبارهم وسيلة لا غاية وأداة من أدوات الإنتاج لا أكثر، ولذلك كان أعضاء الجماعة لا حرمة لهم في كثير من الأحيان (فهم غرباء) والغريب في معظم الأحوال مباح لا قداسة له. وفي العادة، يتركز أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في قطاعات اقتصادية بعينها يبرزون فيها، الأمر الذي يجعلهم مركزاً للكره والحسد. وعلاوة على ذلك، يدافع أعضاء الجماعة الوظيفية عن مراكزهم الاقتصادية هذه بشراسة وضراوة غير عادية نظراً لعدم وجود بدائل أخرى متاحة أمامهم، فهم عادةً ما يفتقدون الخبرة اللازمة للزراعة والصناعة، ولا يعرفون كثيراً من الحرف بسبب غربتهم وتنقلهم. كما أنهم يدافعون عن مراكزهم الاقتصادية عن طريق شبكة الأقارب والعائلات، الأمر الذي يثير حولهم الشائعات عن عمق بغضهم وكرههم لأعضاء الأغلبية ( «الأغيار» في مصطلح الجماعات اليهودية) . وفي كثير من الأحيان، يحقق أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، اليهودية وغير اليهودية، تراكماً للثروة بشكل أسرع من أعضاء مجتمع الأغلبية، نظراً لاستعدادهم لحرمان أنفسهم من كثير من مباهج الحياة،
стр. 1859
فهم غير منتمين إلى المجتمع كما أن الثروة هي مصدر قوتهم ومبرر وجودهم. وفي حالة اليهود في بولندا، على سبيل المثال، كانت الأرستقراطية البولندية تؤكد مكانتها عن طريق الإنفاق والتبذير، وأصبح هذا هو المثل الأعلى لقطاعات الشعب البولندي كافة، الأمر الذي لم يشارك فيه أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يؤثرون الادخار وسرعة تراكم الثروة. وهذا الوضع يزيد، بلا شك، حسد الجماهير.
ولكن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، برغم غربتهم وتميزهم، كانوا يجدون أنفسهم في قلب الصراعات المختلفة في المجتمع، وبخاصة الصراعات الناشبة بين أعضاء النخبة الحاكمة وبين الطبقات الأخرى للمجتمع، خصوصاً الطبقات الشعبية، إذ أن قطاعات من النخبة الحاكمة كانت تستخدم أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة لضرب بعض طبقات المجتمع لاستغلالها أو كبح جماحها. فأعضاء الجماعة هم سوط في يد الحاكم، أو هكذا كان يراهم المحكومون، ولكنهم أيضاً كبش الفداء الذي يتم التخلص منه عند الحاجة وأمام الهجمات الشعبية، فالأداة ليست غاية في ذاتها. ورغم أن هذه الهجمات على الجماعات اليهودية (الوظيفية) في الغرب تُعدُّ هجمات عنصرية، فيجب ألا نهمل الجانب الشعبي فيها وأنها تمثل جزءاً من تمرُّد الجماهير على عملية الاستغلال، وإن كان تمرداً قصير النظر، كما هو الحال عادةً مع الهبّات الشعبية. ولم تكن هذه الثورات ثمرة إدراك عميق لحركيات الاستغلال، ولذا اقتصرت على تحطيم الأداة الواضحة أمامهم والمباحة لهم. ويقابل الهجمات الشعبية ضد أعضاء الجماعات اليهودية الانفجارات المشيحانية بينهم، فهي انفجارات تُعبِّر عن ضيق قطاعات أعضاء الجماعات اليهودية بوضعهم الاقتصادي والوظيفي والنفسي.
стр. 1860
لكن هذا الوضع ليس وضعاً عاماً ولا عالمياً ينطبق على كل اليهود في كل زمان ومكان، فهو ينطبق بالأساس على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وبالذات منذ بداية العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر كما ينطبق على كثير من الأقليات الأخرى. ولذا، فهو يَصلُح إطاراً تفسيرياً لمعظم جوانب ظاهرة معاداة اليهود باعتبار أن أغلبية يهود العالم كانوا يوجدون في أوربا مع نهاية القرن الثامن عشر، وفي بولندا على وجه الخصوص.
والجماعة الوظيفية الوسيطة ـ كما أسلفنا ـ تضطلع بوظيفة مهمة في المجتمع. وبالتالي، فإن وجودها في حد ذاته لا يؤدي بالضرورة إلى تحوُّل العداء الكامن إلى هجوم شعبي. لكن مثل هذا التحول يحدث في ظروف معينة من بينها ما يلي:
١ ـ في المراحل الانتقالية، حينما تحل طبقة جديدة محلية أو عالمية محل الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو حينما تطوِّر الدولة أجهزة مركزية تضطلع بوظائف هذه الجماعة.
٢ ـ تزايد نصيب الجماعة الوظيفية الوسيطة من الثروة مع تزايد الفقر في المجتمع أو في بعض شرائحه.
٣ ـ تزايد أعداد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو ما يزيد من بروزهم.
٤ ـ غياب الأعداء المشتركين للأغلبية ولأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو تحالف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة مع العدو الخارجي.
٥ ـ وضوح أعضاء الجماعة وتميزهم بعلامات عرْقية أو ثقافية لا يمكن محوها مثل اللون أو شكل العيون أو اللغة.
٦ ـ وجود تميز ثقافي أو ديني أو عرْقي أو اجتماعي يساهم في عزل الأقلية عن الأغلبية، فالعزلة هنا ليست على مستوى واحد وإنما على جميع المستويات.
стр. 1861
ولتوضيح النقطة الأخيرة، يمكن الإشارة إلى وضع الصينيين في إندونيسيا، والهنود في جنوب أفريقيا، ويهود اليديشية في أوكرانيا حينما كانت تابعة لبولندا. فالنخبة الحاكمة كانت هولندية مسيحية في إندونسيا، إنجليزية مسيحية في جنوب أفريقيا، بولندية كاثوليكية في بولندا. وكانت الجماهير إندونيسية (جاوية) مسلمة أو وثنية في إندونيسيا، سوداء وثنية في جنوب أفريقيا، وأوكرانية أرثوذكسية في أوكرانيا. أما الجماعة الوظيفية الوسيطة التجارية، فكانت صينية كونفوشيوسية في إندونيسيا، هندية (هندوكية أو مسيحية أو مسلمة) في جنوب أفريقيا، يهودية في أوكرانيا. كما كانت تفصل الجماعة الوظيفية الوسيطة عن النخبة وعن الجماهير عدة سمات أخرى (لغوية وثقافية) . وحينما يصل التدرج إلى هذه الدرجة من التبلور، وحينما تدعم الاختلافات الدينية والثقافية والعرْقية الاختلافات الطبقية، تصبح التربة مهيأة لانفجارات اجتماعية هائلة ذات أبعاد عرْقية كما حدث بالفعل في انتفاضة شميلنكي.
стр. 1862
وقد كان يهود بولندا هم أغلبية يهود العالم في أواخر القرن الثامن عشر. وفي هذه المرحلة التاريخية، حدث بينهم أيضاً انفجار سكاني أدَّى إلى تزايد عددهم خمسة أو ستة أضعاف، ومن ثم زاد بروزهم العددي والاقتصادي. كما شهد المجتمع البولندي آنذاك بداية ظهور طبقات محلية بديلة وأجهزة قومية تحل محل الجماعة الوظيفية الوسيطة. وتزايد في هذه المرحلة فقر قطاعات كثيرة من المجتمع البولندي. وفضلاً عن ذلك، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتحدثون اليديشية ويدينون بشيء من الولاء للثقافة الألمانية، بينما كان الألمان هم الأعداء التقليديون للسلاف والبولندين. كما أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يشاركوا بشكل فعَّال في الحركة الوطنية البولندية التي كانت ذات تَوجُّه معاد لليهود لأسباب تاريخية مركبة (من أهمها اضطلاع اليهود بوظيفة جمع الضرائب وعوائد الضياع فيما يسمى بنظام «الأرندا» ) . لكل هذا، تفجرت معاداة اليهودية في بولندا وروسيا بشكل حاد.
ومن القضايا التي يجب أخذها في الاعتبار، أثناء دراسة ظاهرة معاداة اليهود، الإطار السياسي العام الذي يتم فيه هذا العداء. ويتضح هذا في موقف الإمبراطورية الرومانية حين صبَّت جام غضبها على العناصر المتمردة في فلسطين التي كانت تهدد السيطرة الإمبراطورية، ولكنها تحالفت في الوقت نفسه مع أثرياء اليهود الذين كانت مصالحهم مرتبطة بمصلحة الإمبراطورية. ومما يجدر ذكره، أنه كان يوجد جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني يعمل تحت قيادة تيتوس قائد القوات الرومانية التي حطمت الهيكل. فالمسألة لم تكن إذن عداءً لليهود (أو حباً لهم) بقدر ما هي مسألة مصالح إمبراطورية.
стр. 1863
ويتضح الشيء نفسه في موقف الإمبراطورية البريطانية التي قامت بتأييد مشروع الاستيطان الصهيوني ودعمه رغم وجود قطاع داخل أعضاء النخبة الحاكمة الإنجليزية (وبين الطبقات الشعبية) يكن الكراهية لليهود، خصوصاً المهاجرين. فالمصالح الإمبراطورية (لا حب اليهود) هي التي دفعت إنجلترا إلى تبنِّي المشروع الصهيوني. وفي فترة لاحقة، نشأ توتر بين المستوطنين الصهاينة والإمبراطورية الراعية (وهو أمر عادةً ما يحدث لأن مصالح الإمبراطورية تكون عادةً أكثر تركيباً وشمولاً واتساعاً من مصالح المستوطنين) . فتعقبت السلطات الإنجليزية من سمّتهم «العناصر المشاغبة أو المتطرفة» بين المستوطنين، وقد فُسِّر ذلك بأنه عداء لليهود وهو أبعد ما يكون عن ذلك. ولعل أكبر دليل على هذا أن أعضاء الجماعة اليهودية داخل إنجلترا كانوا يتمتعون بجميع حقوقهم في ذلك الوقت. ولو أن الأمر كان عداء مطلقاً لليهود، لبدأت عملية التعقب في لندن لا في فلسطين.
стр. 1864
ومن العناصر الأخرى التي يجب الانتباه إليها عند تحديد ظاهرة معاداة اليهود: مدى قرب أو بعد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية من النخبة وما إذا كانت ظاهرة معاداة اليهودية ظاهرة رسمية أم شعبية. ويمكن الإشارة إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الغربي كانوا دائماً تحت حماية النخبة الحاكمة حتى نهاية العصور الوسطى (وربما بعدها أيضاً) . وفي روسيا القيصرية، على سبيل المثال، لم تشترك المؤسسة الحاكمة في اضطهاد اليهود إلا بعد عام ١٨٨٢، مع دخول النظام القيصري أزمته، وبعد تَعثُّر التحديث، وهي فترة لم تدم طويلاً. وقد استؤنف التحديث مع ثورة روسيا عام ١٩٠٥، ثم الثورة البلشفية، وأصبحت معاداة اليهود جريمة رسمية يُعاقب عليها القانون. وحتى قبل ذلك التاريخ، كانت تتم معاقبة من يقومون بالمذابح الشعبية، وكان التمييز ضد أعضاء الجماعات اليهودية يتم داخل إطار القانون (إن صح التعبير) ويهدف إلى ما كان يُسمَّى «إصلاح اليهود» . كما كان هناك التمييز بين اليهود النافعين واليهود غير النافعين، وكان النافعون يُعطَون حقوقهم كاملة ويتحركون خارج منطقة الاستيطان. هذا على عكس المعاداة الشعبية لليهود والتي لم يكن ينتظمها إطار، وكانت عبارة عن تفجرات تُعبِّر عن الإحباط، ومذابح لا تهدف إلا للتنفيس عن الضغط. ويمكن النظر إلى الظاهرة النازية، من هذا المنظور، باعتبارها ظاهرة حديثة. فعملية الذبح والإبادة (هنا) مسألة منهجية، تتم تحت سمع وبصر الحكومة، وبحكم القانون، وعلى أسس علمية ومن خلال بيروقراطيات متخصصة. وقد يكون من المستحسن أن نرى هذا النوع من معاداة اليهود كجزء من سياسة ألمانيا الكولونيالية التي تهدف إلى إبادة الغجر والسلاف وكل من يعيشون في المجال الحيوي لألمانيا، وهذه عملية تشبه من بعض الوجوه عملية إبادة الجزائريين في فرنسا على يد الفرنسيين، وسكان الكونغو على يد البلجيك، والفلسطينيين على يد
стр. 1865
الصهاينة، فهي ليست استمراراً لتقاليد معاداة اليهود السابقة. واختلافها الوحيد عن عمليات الإبادة الكولونيالية المشابهة أنها تمت جغرافياً داخل أوربا.
ومن الضروري أن تُدرَس العمليات الفكرية والذهنية التي يتعامل المعادون لليهود من خلالها مع الواقع الإنساني المركب. ويمكن القول بأن الفكر العنصري عامة، بما في ذلك فكر معاداة اليهود، فكر اختزالي ينحو نحو تجريد الضحية من خصائصها الإنسانية المركبة والمتعينة بوصفها كياناً إنسانياً له سلبياته وإيجابياته حتى تتحول إلى شيء مجرد يجسد سمة أو جوهراً معيَّناً. وقد يلجأ العنصري إلى اختلاق الحقائق والأكاذيب، ولكن هذا أمر نادر إذ أن الفكر العنصري، خصوصاً في عصر العلم، يحاول أن يُقدم قرائن وحججاً على صدق مقولاته يستخلصها من الواقع، من خلال عمليات فكرية تنحو نحو التجريد والتبسيط والتسطيح والاختزال، مثل:
١ ـ التركيز على عنصر من الواقع دون غيره، كأن يركز العنصري على إحدى سلبيات بعض أعضاء الجماعات اليهودية (كاشتغالهم بتجارة الرقيق الأبيض) وعزلهم عن إيجابياتهم (الحرب الشرسة من جانب الجماعات اليهودية ضد هذه التجارة) .
٢ ـ تعميم ما يرتكبه بعض أعضاء الجماعات اليهودية من جرائم أو أخطاء على كل أعضاء الجماعات اليهودية، ثم التركيز بعد ذلك على ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» بكل ما تتسم به من شرور وعنف مزعومين.
٣ ـ فصل أعضاء الجماعات اليهودية عن سياقهم الاجتماعي والحضاري الذي قد يفسر سلوكهم السلبي، عدم الربط بين الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات البشرية التي قد تشترك معها في الصفات السلبية نفسها، وذلك بهدف خلع صفة الإطلاق على صفات اليهود حتى تكتسب بعداً نهائياً وتبدو كأنها مقصورة عليهم دون سواهم من البشر.
стр. 1866
٤ ـ إسقاط عناصر عدم التجانس بين الجماعات اليهودية المختلفة وعناصر الاختلاف والصراع بين أعضائها وإسقاط واقع انقسامهم إلى طبقات وجماعات مختلفة، فيصبح اليهود كلاًّ واحداً متجانساً يُسمَّى «الشعب اليهودي» أو «اليهود» .
ولنضرب مثلاً على هذه العمليات الفكرية الاختزالية الأربع بالتهمة التي عادةً ما توجَّه إلى أعضاء الجماعات اليهودية، أي الاشتغال بالرقيق الأبيض كقوادين أو بغايا. وهذه حقيقة مادية وإحصائية، ففي الفترة من ١٨٨١ وحتى ١٩٣٥ كان ثمة وجود يهودي ملحوظ في هذه التجارة المشينة. ولكن العمليات الفكرية العنصرية تركز على هذا العنصر السلبي وتعزله عن إيجابيات اليهود (فقد كانت أعداد كبيرة منهم تعمل في مهن شريفة، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ساهموا بكل قواهم في القضاء على هذه التجارة المشينة بين اليهود) . ومن ناحية أخرى، يُطلق أعداء اليهود هذه الصفة على كل اليهود أينما كانوا مع أن نسبة اليهود المشتغلين بهذه التجارة قد تكون أعلى من نسبة المشتغلين بها بين الأغلبية، ولكنها على أية حال كانت نسبة مئوية ضئيلة بالنسبة لعدد أعضاء الجماعة اليهودية. أما العملية الفكرية الثالثة، أي فصل اليهود عن سياقهم الاجتماعي والتاريخي، فهي أهم العمليات. وفي الواقع، فإنه لا يوجد أي ذكر للجماعات البشرية الأخرى التي اشتغلت بتجارة الرقيق الأبيض في الفترة نفسها، ولا لواقع أن الجماعات اليهودية في أوربا كانت تتمتع حتى منتصف القرن التاسع عشر بمعدلات عالية من التماسك الخلقي والاجتماعي يفوق المعدلات السائدة بين أعضاء الأغلبية، حتى أن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين كانت غير معروفة تقريباً بينهم قبل عمليات التحديث والعلمنة التي حدث بعدها الانحلال الخلقي. أما العملية الرابعة فهي كامنة وراء العمليات السابقة كافةً.
стр. 1867
وكثيراً ما تنعكس هذه العمليات الفكرية في أساطير وصور إدراكية ثابتة تنسب إلى اليهود خصائص سلبية ثابتة. كما أن وجود مثل هذه الأساطير والصور يبلور الأفكار العنصرية الكامنة ثم يساعدها على التحقق. ويمكن أن تكون هذه الأنماط الثابتة متناقضة؛ كأن يتبع فريق داخل المجتمع نمطاً معيَّناً ويتبع فريق آخر نمطاً آخر يناقض النمط الأول، مثل نمطي اليهودي الجبان الذي يخاف من أي شيء واليهودي العدواني الذي لا يخشى شيئاً. وقد اتضحت هذه الظاهرة في العصر الحديث في الغرب، فاليهودي هو من كبار المموِّلين وهو أيضاً المتسول، وهو رمز الجيتوية والتخلف الديني والانفتاح المخيف والعلمانية المتطرفة، وهو رمز الرجعية والثورة والإقطاعية والليبرالية. فإذا كان كارل ماركس يهودياً وكان روتشيلد يهودياً ومائير كاهانا يهودياً ومارلين مونرو يهودية، وكذلك فرويد وأينشتاين ونعوم تشومسكي، فلابد أن هناك ما يجمع بينهم. وحينما يفشل الدارس في العثور على هذا العنصر، فإنه يكمله من عنده ويفترض وجود مؤامرة خفية تجمع بينهم وأنهم ولا شك يحرصون على إخفائها. ولكن التناقض، على كلٍّ، أمر لا يضايق العنصريين بتاتاً، فالإنسان العنصري إنسان غير عقلاني (فهو مرجعية ذاته) لا يقبل الاحتكام إلى أية قيم أخلاقية تتجاوزه وتتجاوز الآخر، فهو يؤمن بشكل قاطع بأن تميزه أمر لصيق بكيانه وكامن فيه تماماً مثل تَدنِّي الآخر، وبالتالي فإن العنصري يبحث دائماً عن قرائن في الواقع ينقض عليها كالحيوان المفترس أو الطائر الجارح فيلتقطها ويعممها ليبرر حقده. بل ويمكن أن يُوظِّف هذا التناقض ذاته بين الصور الإدراكية بحيث يشير إلى مدى خطورة المؤامرة اليهودية العالمية الأخطبوطية التي تسيطر على سائر مجالات الحياة، وتسيطر على اليمين واليسار، وعلى الشمال والجنوب والشرق والغرب.
стр. 1868
ولابد أيضاً من دراسة نوعية الفلسفة الاجتماعية (أو العامة) السائدة في المجتمع. فوجود فلسفة اجتماعية عنصرية في المجتمع يخلق تربة خصبة للتفجرات العنصرية. كما أن وجود فلسفات بعينها ـ كأن تكون الفلسفة العامة في المجتمع رؤية علمانية إمبريالية تتحدث عن التفوق والغزو وإرادة القوة ـ قد يساعد أيضاً على إنبات بذور الفكر العنصري الكامن.
ويمكن القول بأن الفكر العنصري يُعبِّر عن نفسه من خلال أي نسق فكري متاح في المجتمع. فعلى سبيل المثال، من الثابت أن فلسفة نيتشه زودت العنصريين وأعداء اليهود بإطار فكري يتمتع بالاحترام والمصداقية. ولكن يمكن القول أيضاً بأن العنصريين كانوا سيجدون تسويغاً لفكرهم في أي مصدر وفي أي نسق فكري متاح. ولو لم يُقدِّم نيتشه فلسفته، لوجد العنصريون تبريراً لمواقفهم من خلال أنساق فلسفية أخرى يستولون عليها ثم يقومون بتطويعها وتوظيفها لخدمة رؤيتهم وأهدافهم. وفي هذا شيء من الحق، ولكن الأفكار العرْقية المتبلورة التي تأخذ شكل أساطير مثيرة وصور إدراكية ثابتة تظل، مع ذلك، تلعب دوراً مهماً. كما أن أنساقاً فلسفية، مثل التفكير النيتشوي (الدارويني) الذي يسقط حرمة المطلقات كافة، ومنها الإنسان، يمكن أن تطوَّع لخدمة الفكر العنصري أكثر من أنساق فكرية أخرى. ولعل المناخ الفكري العام الذي ساد أوربا في القرن التاسع عشر، بحديثه عن التفوق الآري ورسالة الإنسان الأبيض والبقاء للأصلح، قد خلق ارتباطاً اختيارياً وتربة خصبة لنمو معاداة اليهود. ومن الثابت الآن أن أكثر الكتب شيوعاً آنذاك، في أوربا، كانت الكتب العنصرية. كما أن محاولة تعريف الواقع بأسره (بما في ذلك الإنسان) على أساس مادي، ساعد على نمو النظريات التي تحاول تعريف الجماعات البشرية من منظور عرْقي. ولكن النظريات المادية نظريات حتمية، فتطور المادة غير خاضع لعقل الإنسان أو اختياراته، وإذا عُرِّف الإنسان على أساس عرْقي فهذا يعني أنه يُولَد
стр. 1869
بصفاته ومن ثم فهو غير مسئول عنها، ومن هنا فإن شخصيته وهويته في جسده لا في وضعه الاجتماعي. ولذا، يمكننا القول بأن النظريات البيولوجية التي تحاول تعريف الإنسان في كليته على أساس بيولوجي مادي تخلق قابلية داخل المجتمع للعنصرية والعداء لليهودية، إذ تصبح الصفات السلبية لليهودي شيئاً حتمياً لصيقاً بجوهره. وتجب الإشارة إلى أن الإيمان بالحتمية المادية ليس مقصوراً على النظريات البيولوجية بل هو كامن في كثير من الأنساق المعرفية التي سادت أوربا في القرن التاسع عشر. بل إن بعض المفكرين المسيحيين يذهبون إلى أن المصدر الأساسي، بل والنهائي، لمعاداة اليهود ليس المسيحية، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما العداء للمسيحية وللدين بشكل عام، إذ أن مثل هذا العداء يحوِّل الآخر إلى شيء ويُنكر عليه إنسانيته ولا يفتح أمامه أبواب الخلاص (وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن العنوان الفرعي لكتاب ويلهلم مار انتصار اليهودية على الألمانية هو: من منظور غير ديني) . كما أن الحركة النازية، وهي الحركة التي بلورت معاداة اليهودية وأضفت عليها منهجية وشمولاً، كانت تعادي الكنائس كلها وأرسلت بالعشرات من رجال الدين المسيحيين إلى أفران الغاز وكانت تُحرِّم على أعضاء فرق الإس إس الخاصة الانضمام إلى أية كنائس مسيحية باستثناء الكنيسة القومية التي أسسها النازيون أنفسهم.
стр. 1870
ولقد أشرنا من قبل إلى اتجاه العنصريين إلى تجريد اليهود واختزالهم عن طريق عزلهم عن سياقهم التاريخي وعن غيرهم من الجماعات البشرية. وهنا نضيف أن الصهاينة يفعلون الشيء نفسه في دراستهم لما يلحق اليهود من اضطهاد، فهم يقومون بعزل ظاهرة اضطهاد اليهود عن الظواهر المماثلة أو المختلفة في المجتمع. وبهذه الطريقة، يصبح هذا الاضطهاد شيئاً فريداً غير مفهوم ويصبح عداء الأغيار لليهود أمراً ثابتاً وتعبيراً عن الطبيعة الشريرة للأغيار. ولذا، فحينما يُدرَس الاضطهاد، فإنه لابد من وضعه في سياقه التاريخي حتى يمكننا أن نرى أثر هذا الاضطهاد على جماعات بشرية أخرى. ويمكن القول بأن اضطهاد اليهود في أوربا (بعد القرن الثاني عشر) لم يكن موجَّهاً إليهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين (جماعة وظيفية وسيطة) ، كما أن المرابين من الكوهارسين واللومبارد الذين كانوا يحتلون المكان نفسه ويعملون الوظيفة نفسها كانوا يتعرضون أو لا يتعرضون للاضطهاد حسب مدى احتياج المجتمع إليهم أو عدم احتياجه. وبعد عصر الإعتاق والانعتاق، قامت الدولة الفرنسية الجديدة بمحاولة دمج كل الأقليات التي كانت تتمتع بأية خصوصية لغوية أو دينية غير فرنسية، ولم تميِّز في ذلك بين اليهود والبريتون مثلاً. وحينما قامت الإمبراطورية الروسية (القيصرية) بمحاولة فرض الصبغة الروسية على أعضاء الجماعة اليهودية، كانت تفعل ذلك باعتباره جزءاً من سياسة إمبراطورية عليا كانت موجهة ضد كل الجماعات البشرية في الإمبراطورية، وبخاصة غير السلافية (الإيروسنتي) . وقد تعرَّض المسلمون في الإمارات التركية السابقة لدرجة أعلى من الاضطهاد، فقد كانوا أقل تروُّساً، كما أن الانتماء الآسيوي للمسلمين الأتراك جعلهم أكثر ابتعاداً عن الحضارة الروسية من اليهود الذين كانوا أكثر قرباً منها. فرطانتهم اليديشية هي، في نهاية الأمر، رطانة ألمانية، كما أن نخبتهم الثقافية كانت جزءاً من التشكيل
стр. 1871
الحضاري الغربي. وبالمثل، كان الاضطهاد النازي اضطهاداً علمياً محايداً لا تمييز فيه ولا تحيُّز، وقد كان موجهاً ضد جميع العناصر «غير المفيدة» التي يصنفها المجتمع باعتبارها كذلك، مثل: العجزة، والأطفال المعوقين الذين صنِّفوا بوصفهم «أفواه تأكل لا نفع لها» ، والغجر، والسلاف، واليهود. وهناك هولوكوست ضد البولنديين (على يد كلٍّ من السوفييت والنازيين) راحت ضحيته عدة ملايين.
ويُلاحَظ أن الجماعة الوظيفية الوسيطة الصينية في الفلبين كانت تُعامَل معاملة الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية في بولندا تماماً، كما يُلاحَظ أن كل أشكال الاضطهاد التي تعرَّض لها يهود بولندا واجهها الصينيون في الفلبين.
ويمكن القول بأن معاداة اليهود، كظاهرة، لن تختفي تماماً من المجتمعات الغربية، فهي مجتمعات بشرية تتسم بقدر من التوتر والاحتكاك بين أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية. ومع هذا، فعادةً ما تخف حدة معاداة اليهود حين يتحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة متميِّزة تميُّزاً واضحاً، إلى أعضاء في الطبقة الوسطى تتميَّز بشكلٍّ أقل وضوحاً ولا تختلف في وظيفتها ولا في قيمها ولا في رؤيتها للعالم عن أعضاء الطبقة الوسطى في المجتمع ككل. وفي هذه الحالة، عادةً ما يأخذ التعصب الديني أو العرْقي ضد أعضاء الجماعة اليهودية شكل سلوك فردي، من أشخاص متعصبين حقودين، ولا يشكل ظاهرة اجتماعية تساندها مؤسسات حكومية أو غير حكومية.
الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر
Anti-Semitic Stereotypes, Classics of Anti-Semitic Literature, and History of Anti-Semitism to the Beginning of the Eighteenth Century
стр. 1872
لعل أول هجوم على جماعة يهودية سُجِّل في التاريخ هو هجوم المصريين على المعبد اليهودي في جزيرة إلفنتاين في القرن الخامس قبل الميلاد. وكان هذا الهجوم موجَّهاً إلى جماعة وظيفية قتالية عميلة من الجنود المرتزقة التي وطّنها فراعنة مصر هناك لحماية حدود مصر الجنوبية، ثم انتقل ولاء هؤلاء الجنود إلى الغزاة الفرس. ومن ثم، فإنه كان هجوماً على عملاء الفرس (الغازي الأجنبي) ، هذا إن أخذنا بالرأي القائل بأنهم كانوا يهوداً، إذ يميل بعض المؤرخين إلى التشكيك في هذا الرأي.
стр. 1873
وبعد دخول الشرق الأدنى القديم إلى محور الحضارة الهيلينية، نشأ وضع جديد في علاقة اليهود بمن حولهم. ويجب أن نشير ابتداءً إلى أن الرقعة الجغرافية التي تُسمَّى الآن «فلسطين» لم تكن مأهولة بالعنصر العبراني وحسب، إذ كانت المناطق الساحلية مأهولة بالعناصر الفلستية والفينيقية وغيرها، وكانت توجد داخل فلسطين أقوام سامية كثيرة، وكان العنصر اليوناني السائد يهيمن على التجارة ويتركز في المدن، أما العنصر العبراني اليهودي، فكان يعمل بالزراعة. وانضمت إلى العنصر التجاري اليوناني قطاعات كبيرة من النخبة اليهودية من كبار ملاك الأراضي وملتزمي الضرائب. وكانت فلسطين محور صراع بين الدولتين البطلمية والسلوقية، وكان اليهود أحد العناصر المهمة التي يدور حولها الصراع. ويمكن رؤية الهجوم على اليهود في هذه المرحلة باعتباره نتاج هذا المركب التاريخي. فسكان المدن من اليونانيين العاملين بالتجارة كانوا يصطدمون بالجماعة العبرانية اليهودية العاملة بالزراعة. وكانت الدولة السلوقية، في سعيها لدمج فلسطين بمساعدة النخبة اليهودية المتأغرقة، تحاول أن تقضي على العبادة القربانية المركزية وعلى الطابع اليهودي في فلسطين. وفي الإسكندرية، كان السكان اليونانيون يرفضون السماح لليهود بدخول الجيمنازيوم (رمز الانتماء الكامل للبوليس أي المدينة) لعدم مشاركتهم في العبادة اليونانية الوثنية. وقد ساعد على تصعيد حدة معاداة اليهود، في كل الأحوال، أن ديانتهم كانت توحيدية تقف ضد عبادة الأصنام، وكانت بالتالي ديانة فريدة آنذاك من بعض الأوجه. وكان هذا التفرد يُفسَّر من قبل الوثنيين بأنه كُره للبشرية، خصوصاً وأن الطقوس الدينية اليهودية تنسج حول اليهود شبكة كثيفة من العزلة.
стр. 1874
وقد ازدادت معاداة اليهود في بعض المناطق، مثل الإسكندرية، لأن أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة رحبوا بالغزو الروماني بل وقدَّموا له يد المساعدة. وقد نتج عن الغزو الروماني أن النخبة الهيلينية فقدت موقعها المتميِّز في المجتمع، الأمر الذي جعلها تلقي باللوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ولذا، ظهرت مجموعة من الكتاب الهيلينيين في القرن الأول الميلادي، مثل: خايريمون (أستاذ نيرون) ، وليسيماخوس (أمين عام مكتبة الإسكندرية) ، وآبيون (الخطيب اليوناني) يعادون اليهود. وقد ألَّف آبيون كتاباً من خمسة فصول عن تاريخ مصر يضم جزءاً عن اليهود، أورد فيه بعض الآراء السائدة عن اليهود في العالم القديم، من قبيل أنهم شعب بدوي متجول، وأنهم نُفوا من مصر لأنهم كانوا مجموعة من المصابين بالبرص الذين دنسوا المعابد المصرية وكان لابد من التخلص منهم، وقد فُسِّرت واقعة الخروج أو الهجرة من مصر على هذا الأساس. كما يورد آبيون أن العبرانيين كانوا موالين للملوك الرعاة (الهكسوس) الذين أذلوا المصريين، ومن ثم تم طردهم عقب طرد الهكسوس، فالتجأوا إلى أرض كنعان واحتلوها. وفي واقع الأمر، فإن هذه الأقاويل تهدف جميعاً إلى تقويض فكرة العلاقة الخاصة بين اليهود وفلسطين، والشرعية التي تتأسس على مثل هذه العلاقة. وقد أضاف آبيون تهماً أخرى، مثل أن اليهودية تُعلِّم اليهود كره الجنس البشري والعزلة عنه، وأنهم يذبحون فرداً غير يهودي كل عام ويذوقون أمعاءه، وأنهم يعبدون الحمار.
стр. 1875
وإذا انتقلنا إلى روما، فإننا سنجد مستويين مختلفين تماماً لمعاداة اليهود: مستوى السياسة الإمبراطورية، ومستوى موقف الأرستقراطية الرومانية من يهود روما أساساً. أما الإمبراطورية الرومانية فلم تكن تهتم كثيراً بالأخلاق اليهودية أو الدين اليهودي إذ أن اهتمامها كان ينصب على تحقيق السلام الروماني وحسب. ولذا، نجد أن تيتوس الذي هدم الهيكل الثاني لم يعتبر نفسه قط عدواً لليهود، بل وكانت عشيقته بيرنيكي أختاً لأجريبا الثاني ملك اليهود. كما حارب في صفوفه جيش يهودي صغير. وقد رفض تيتوس أن يحمل لقب «تيتوس جودايكوس Titus judaocus» ، أي «تيتوس هازم اليهود» ، مثلما سُمِّي «تيتوس أفريكانوس Titus africanus» و «تيتوس جرمانيكوس Titus germanicus» ، أي هازم الأفارقة والألمان، وذلك بسبب صداقته للقوم أو الإثنوس اليهودي. ولذا، اكتفى تيتوس بصك عملة ظهرت عليها عبارة «جوديا كابتا judea capta» ، أي «هُزمت يهودا وأُسرت» ، و «يهودا» هنا تشير إلى الأرض لا الشعب.
وكان عداء الأرستقراطية لليهود متبايناً في دوافعه، ولكنه كان على أية حال يعود إلى سببين أساسيين:
أولاً: رغبة بعض قطاعات من الأرستقراطية الرومانية في تحقيق مكاسب اقتصادية بالتخلص من منافس قوي مثل اليهود.
стр. 1876
ثانياً: كان قطاع كبير من المثقفين الرومان يرون أن إصلاح حال روما لا يتم إلا بالعودة إلى الأصالة الأولى، واجدين أن التنوع الديني، وبالتالي انتشار اليهودية، يعوق هذا الاتجاه. ونجد هجوماً على اليهود في كتابات بعض المؤلفين الرومان، مثل: هوراس وشيشرون. لكنه لم يصبح هجوماً حاداً إلا بعد القرن الأول كما هو الحال في كتابات المؤرخ كورنيليوس تاسيتوس الذي ردَّد بعض أفكار آبيون عن اليهود واليهودية وبيَّن أن تهود الرومان سيؤدي بهم إلى احتقار أرباب أسلافهم وإلى رفض وطنهم وآبائهم وذريتهم وإخوتهم. ويُلاحَظ أن السياسة الإمبراطورية الرومانية ركزت اهتمامها على الجانب السياسي والأمني لفلسطين، بينما تاسيتوس، مثله مثل آبيون، يركز على الجانب الأخلاقي لليهودية التي يرى أنها الخطر الحقيقي على الإمبراطورية. وقد وجه جوفينال هجوماً على الأجانب (اليونانيين والسوريين وكذلك اليهود) لتقويضهم دعائم الفضيلة في المجتمع، وهو بذلك يتبع نمط آبيون وتاسيتوس نفسه. وبرغم الهجوم الحاد من قبل آبيون وتاسيتوس وجوفينال على اليهود واليهودية، فلا يمكن القول بأن أقوالهم هذه تشكل جزءاً من رؤية اليونان أو الرومان للكون، إذ ظلت هذه الرؤية وثنية تعددية عالمية تقبل تعدُّد الآلهة داخل إطار الوحدة الإمبراطورية. ولذا، وبرغم أحداث الطرد، ظل اليهود يتمتعون بحقوقهم ولم يشكلوا مركزية خاصة في نظرة اليونان أو الرومان إلى العالم.
стр. 1877
فإذا ما انتقلنا إلى العصور الوسطى في الغرب، فإننا نجد أن مفهوم معاداة اليهود أخذ يكتسب معاني ومدلولات جديدة تماماً. فلم تَعُد اليهودية ديناً توحيدياً في تربة وثنية، وإنما أصبحت ديناً قديماً مهزوماً في تربة توحيدية يسودها دين جديد منتصر واثق من نفسه يرى أن العهد القديم هو أحد كتبه المقدَّسة يحمله اليهود دون أن يعوا معناه الحقيقي. وهو دين كان يرى أن اليهود يلعبون دوراً مركزياً في نظرته إلى الكون، فهم قَتَلة الرب، ولن تتم عملية الخلاص النهائية إلا بعد اعتناقهم المسيحية، أي أنهم يشغلون موقعاً مركزياً في البداية والنهاية. وكان اليهود من جانبهم يكنون احتقاراً عميقاً للدين الجديد وينكرون أن المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح. وقد تبدَّى الموقف المسيحي في مفهوم الشعب الشاهد، وفي جميع التشريعات والمراسيم المسيحية التي تؤكد لليهود حقوقهم، وفي ضرورة الحفاظ عليهم وعدم تنصيرهم بالقوة، مع الإبقاء عليهم في وضع هامشي ومتدن كشعب شاهد على أن الكنيسة على حق. فهم يحملون الكتاب المقدَّس الذي يتنبأ بمقدم المسيح ولكنهم لا يعون معنى ما يحملون، كما أنهم بضعفهم وذلتهم دليل على عظمة الكنيسة وانتصارها. وكان موقف الكنيسة يتمثل فيما يلي: «أن تكون يهودياً جريمة، ولكنها جريمة ليس بإمكان مسيحي أن ينزل بصاحبها العقاب لأن الأمر متروك للرب» . وقد اعتبرت الكنيسة نفسها إسرائيل الحقيقية (باللاتينية: إسرائيل فيروس Israel verus) ، واعتبر المسيحيون أنفسهم شعب الرب. وكانت الكنيسة ترى نفسها أيضاً إسرائيل الروحية مقابل إسرائيل الجسدية (اليهودية) . وقد تطورت صورة اليهود في الوجدان المسيحي، فكان يُرمَز لهم بعيسو (مقابل يعقوب المسيحي) ، وبقابيل الذي قتل أخاه هابيل وأصبح كذلك قاتل المسيح. كما ساعدت الشعائر الدينية اليهودية، المتمثلة في صلاة الجماعة التي تتطلب النصاب (المنيان) وقوانين الطعام والزواج، على زيادة عزلة اليهود.
стр. 1878
ولأن النظام الإقطاعي في الغرب كان نظاماً مسيحياً يستند إلى شرعية مسيحية ويتطلب يمين الولاء كشرط أساسي للانتماء إليه، فقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أنفسهم خارج كثير من المجالات السياسية والاقتصادية والمدنية المشروعة. وكانت هذه الظروف سبباً ونتيجة في آن واحد لتحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة (أقنان البلاط أو يهود الأرندا أو يهود البلاط) تقوم بأعمال التجارة ثم الربا. وربما كان هذا الوضع (وضع اليهود) هو الذي حدَّد موقف أعضاء المجتمع منهم، فكان يُنظَر إليهم من أعلى باعتبارهم أداة يمكن استخدامها أو استبدالها إن دعت الحاجة، كما كان يُنظر إليهم من أسفل باعتبارهم وحوشاً لابد من ضربها، فهم الأداة الواضحة لاستغلال الجماهير التي لم يكن بوسعها فهم آليات الاستغلال والقمع. وتاريخ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وكذلك العداء لهم، هو في معظمه تاريخ اليهود كجماعات وظيفية وسيطة تؤدي وظيفتها إلى أن تظهر قوى أخرى تحل محلها في المجتمع، مُمثَّلة في طبقة وسطى قوية، أو جهاز إداري مركزي، أو الدولة القومية الحديثة. كما أن صعود أو هبوط الجماعة اليهودية هو، في جوهره، تاريخ صعود أو هبوط الجماعة الوظيفية الوسيطة. فحينما كان اليهود أقنان بلاط، كانت شرائح من الطبقات الحاكمة تستفيد من الخدمات التي يؤدونها. وبالتالي، كان اليهود يُمنحون المواثيق التي تضمن لهم الحماية، وتعطيهم المزايا التي تجعل منهم أفراداً يتمتعون بمستوى معيشي أعلى من مستوى معظم طبقات المجتمع الأخرى. وكما قال أبراهام ليون، فإن وضع اليهود لم يتوقف عن التحسن منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية عام ٤٧٦، وبعد الانتصار الكامل للمسيحيين حتى القرن الثاني عشر. ويمكن القول بأن النخبة الحاكمة بكل فئاتها (الإمبراطور، والكنيسة، والملوك، والأمراء، والشريحة العليا من الأرستقراطية، وكبار رجال الدين، والبورجوازية الثرية المستقلة في المدن)
стр. 1879
كانت كلها تقف إلى جانب أعضاء الجماعات اليهودية لا ضدهم. وكانت هذه النخبة تحمي أعضاء الجماعات بسبب نفعهم لها، وترى الهجوم عليهم إخلالاً بهيبة النظام وتعويقاً لمساره. وكانت المواثيق التي يحصل عليها أعضاء الجماعات اليهودية تزيد بطبيعة الحال من حدة الغضب الشعبي، ومن ثم فيمكن النظر إلى الهجوم على اليهود باعتباره ضرباً من الثورات الشعبية. ولهذا نجد أن أعداء اليهود يأتون أساساً من الشريحة الدنيا من رجال الدين، وصغار التجار في المدن، والحرفيين. ولكن وصفنا لهذه الهجمات بأنها «ثورة شعبية» لا يخلع عليها صفة إيجابية. ونحن لا نرى أنها عمل مقبول أو شرعي، وإنما نقول إن هذه الهجمات تحركها جماهير تتصور أن اليهودي هو المستغل الحقيقي. وقد ظل أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في هذا الوضع حتى حروب الفرنجة في القرن الثاني عشر، حيث بدأت الحياة الاقتصادية في أوربا في الانتعاش وظهرت قوى مسيحية محلية قادرة على أن تحل محل اليهود كتجار دوليين ومحليين، فاتجه اليهود إلى الاتجار بالربا، وتحولوا بالتالي من جماعات وسيطة إلى جماعات وسيطة عميلة، وزادت غربتهم في المجتمعات التي وجدوا فيها.
стр. 1880
وقد تزامنت هذه العملية مع تطوُّر فكري آخر وهو ظهور عقيدة التحوُّل (بالإنجليزية: ترانسبستانشيشن transubstantiation) ، أي الإيمان بتحول القربان (أي الخبز والخمر المقدَّسين) إلى لحم ودم المسيح. وأصبح التناول طقساً دينياً تحيطه هالة من الأساطير. وقد ساهمت هذه الطقوس في ظهور تهمة الدم، وتهمة تدنيس خبز القربان، وهي أساطير ساعد على انتشارها احتراف اليهود الربا وامتصاصهم (المجازي) لدم الآخرين، خصوصاً وأن العمليات التجارية والمالية كانت تؤدي إلى تزايد الثروة دون بذل الجهود (على عكس الفلاح الذي كان يبذل جهداً بدنياً ملحوظاً) . وبالتالي، كانت هذه العمليات التجارية والمالية يُنظَر إليها كعمليات سحرية من قبَل ضحايا أعمال الربا ومن قبَل أعضاء المجتمع الزراعي الذين يكدحون ساعات طويلة ليحصلوا على قوت يومهم. وفي هذه الفترة، أصدرت المجامع اللاترانية مجموعة من القرارات أدَّت إلى ازدياد عزلة اليهود مثل تحريم الاشتغال بالربا على المسيحيين، وضرورة أن يرتدي اليهود شارة مميِّزة. وبدأت تظهر، في هذه الفترة، صورة سلبية عن اليهود، وهي في أغلبها أنماط إدراكية عنصرية تتواتر في معظم المجتمعات وترددها كل جماعة بشرية عن الآخرين؛ فاليهود يشبهون الشيطان أو لهم رائحة مميزة هي ما يُسمَّى «رائحة اليهود» (باللاتينية: الفويتورجودايكوس foetor judaicus) وهي خلاف رائحة القداسة. ومع القرن الثالث عشر، حيث كانت قد ظهرت بيوتات المال الإيطالية التي كانت أكثر كفاءة في الاضطلاع بمهنة التجارة الدولية، بدأت ظاهرة طَرْد اليهود من إنجلترا وفرنسا وغيرهما من البلاد، كما بدأت تظهر صورة اليهودي التائه. وفي القرن الرابع عشر، بدأ اتهام اليهود بأنهم يسمِّمون الآبار. وكانت العروض المسرحية المسماة «آلام المسيح» (التي كانت تستغرق عدة أيام، وكانت من أكثر الأشكال الفنية الشعبية شيوعاً) تؤكد قسوة اليهود على المسيح وخيانتهم له، الأمر الذي
стр. 1881
كان يعمِّق كره اليهود في الوجدان الشعبي.
وكان كثير من اليهود المتنصرين يساهمون في التهييج ضد أعضاء الجماعات اليهودية، ويُعرِّفون القيادات المسيحية (وجماعات الرهبان) بما جاء في التلمود (وبعض الكتب الدينية اليهودية الأخرى) من هجوم شرس على المسيح والمسيحية وبعض عادات اليهود الأخرى التي تهدف إلى عزلهم عن مجتمع الأغيار. وكانت تُقام مناظرات بين اليهود والمسيحيين (يمثلهم عادةً يهود مُتنصِّرون) حتى يُثبت كل طرف قوة حججه الدينية. وغني عن القول أن الطرف اليهودي لم يكن حراً تماماً في مثل هذه المناظرات وأنه كان يضطر إلى التعبير عن وجهة نظره بطريقة أكثر حذراً الأمر الذي كان يفقدها كثيراً من قوتها. وعادةً ما كانت تنتهي هذه المناظرات " بانتصار " الطرف المسيحي، وإصدار الأوامر بإحراق التلمود وربما طرد أعضاء الجماعات اليهودية.
стр. 1882
وقد استمرت النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) في حماية اليهود، كما استمرت الثورة الشعبية ضدهم، وبخاصة في صفوف أعضاء الطبقة الوسطى، الندّ الحقيقي للجماعات الوظيفية الوسيطة والمنافس على القطاع الاقتصادي نفسه. ويُلاحَظ أنه أثناء حروب الفرنجة التي اكتسبت بعداً شعبياً، وهو ما جعلها مستقلة نوعاً ما عن الطبقات الحاكمة، كانت القوات غير النظامية هي التي ترتكب المذابح ضد اليهود. وفي المدن الحرة، في ألمانيا وغيرها من البلاد، كان الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية يبدأ بإسقاط الأقلية الثرية الحاكمة، ثم تحل محلها نخبة جديدة ذات جذور شعبية، ويعقب ذلك عمليات طرد وذبح اليهود. وقد انسحب معظم يهود أوربا إلى بولندا حيث لا توجد طبقة وسطى قوية. كما تم طردهم من إسبانيا بعد أن استكمل المسيحيون استرداد إسبانيا من المسلمين بعدة شهور، إذ اضطلعت الدولة الجديدة بوظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة وأرادت أن تؤمِّن نفسها ضد العناصر الغريبة من المسلمين واليهود. ولهذا استمرت في ملاحقة من كانت تتصوَّر أنهم مسلمون أو يهود متخفون. ومع نهاية العصور الوسطى، كانت كلمة «يهودي» مرادفة في كثير من اللغات الأوربية لكلمة «تاجر» أو «مرابٍ» ، ولكلمات أخرى مثل «بخيل» أو «غشاش» ، وهي الصورة الإدراكية التي ستتبلور في عصر النهضة على يد شكسبير في شخصية «شيلوك» .
стр. 1883
وشهد عصر الإصلاح الديني، في القرن السادس عشر، كسر الاحتكار الديني الكاثوليكي وتزايد التعددية. وبشكل عام، يُلاحَظ أن البروتستانتية، بتأكيدها أن الخلاص يتم خارج الكنيسة، تؤكد على أهمية الكتاب المقدَّس الذي يضم العهد القديم، الأمر الذي يعني نظرياً تزايد التعاطف مع اليهود، أهل هذا الكتاب وحَمَلته. ومع هذا، يُلاحَظ أن البروتستانتية اللوثرية اتجهت اتجاهاً معادياً لليهود (على عكس الكالفنية) . وفي محاولة تفسير ذلك، يُقال إن الكالفنية أكدت المسئولية الشخصية للمؤمن، وذهبت إلى أن ثمرة الفعل الاجتماعي (الثروة مثلاً) قد لا تكون هي سبيل الخلاص، ولكنها تشكل قرينة مهمة عليه. وهذا، على عكس اللوثرية التي أكدت أن الخلاص من خلال الإيمان، الأمر الذي كان يعني رفض المسئولية المدنية أو الخلاص من خلال الأعمال. ومن ثم، فهناك استعداد عند أتباع كالفن لتقبُّل اليهود والحكم عليهم، لا من خلال ما يؤمنون به وإنما من خلال أفعالهم وثروتهم. فهم كعناصر تجارية نشطة، يحققون الشروط اللازمة لتقبلهم، على عكس اللوثريين الذين يركزون على الدوافع. وقد لعب اليهود المتنصرون في هذه الفترة دوراً كبيراً في بلورة الأطروحات الغربية الأساسية المتصلة باليهود واليهودية، كما ساهمو في صياغة صورة اليهودي في الوجدان الغربي. ومن أهم الشخصيات يوحانيس فيفركورن الذي دخل معركة فكرية كبرى شغلت أوربا بعض الوقت مع يوحانان ريوشلين.
стр. 1884
ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت بداية العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تتحدث عن رؤية الخلاص وعودة المسيح، وهي رؤية ترتبط بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. ومن ثم، تظهر صورة اليهودي كعنصر لا جذور له يمكن نقله من مكان إلى مكان. وهذه الصورة هي الصياغة البروتستانتية لفكرة الشعب الشاهد الكاثوليكية والتي تحولت فيما بعد إلى صورة الشعب العضوي المنبوذ، ويظهر اليهود كعنصر استيطاني وكجواسيس يمكن نقلهم وتحريكهم والاستفادة منهم، وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
كما شهدت هذه الفترة ظهور الجيتوات في إيطاليا وفي بعض مدن وسط أوربا، الأمر الذي كان يعني تراجُع أعضاء الجماعات اليهودية وانكماش دورهم في المجتمع. ولكن هذه الفترة شهدت أيضاً بداية ظهور يهود الأرندا في بولندا واضطلاع اليهود فيها بدور مهم في الاقتصاد التجاري. وقد حصل اليهود على العديد من المزايا التي جعلت مستواهم المعيشي يفوق كثيراً مستوى الأقنان وأعضاء الطبقة الوسطى البولندية، بل وصغار النبلاء. وفي عام ١٦٤٨، اندلعت ثورة شميلنكي، وهي ثورة شعبية فلاحية شاملة ضد الحكم الإقطاعي البولندي الكاثوليكي الذي كان يمثله العنصر التجاري الوسيط اليهودي في وسط فلاحي أوكراني أرثوذكسي، فكان هذا الوضع وضعاً تاريخياً يتسم بالتلاقي الكامل بين العداء الطبقي من جهة والعزلة الاجتماعية والثقافية والدينية والعرْقية من جهة أخرى، وهو الوضع الأمثل للانفجارات العنصرية. وقد اكتسحت الثورة في طريقها الجيوب البولندية واليهودية. وفي الأدبيات الصهيونية، يُقرَن شميلنكي بهتلر، مع أن الأول زعيم ثورة شعبية فلاحية له تمثال في كييف باعتباره قائداً للثورة، والآخر زعيم نظام شمولي قام بعملية إمبريالية عنصرية.
стр. 1885
وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط في وسط أوربا، وفي غربها بدرجة أقل، حيث قدموا الخدمات التجارية والمالية للدول التي ينتمون إليها وحصلوا على مزايا عديدة، كما قاموا بحماية أعضاء الجماعات اليهودية. وبدأ استيطان اليهود السفارد في هولندا وفي بعض المدن في كلٍّ من فرنسا ووسط أوربا. وكان هؤلاء يتمتعون بحقوق ومزايا لا يتمتع بها كثير من أعضاء الطبقات الأخرى، كما أنهم كانوا يتحدثون باسم أعضاء الجماعة اليهودية لدى الحاكم ويقومون بدور الوسيط بينه وبين الجماعة، وبعملية المقايضة معه بحيث يحصل أعضاء الجماعة على المزيد من المزايا نظير تقديم المزيد من الخدمات، أو تثبيت ما حصلوا عليه من مواثيق نظير الاستمرار في الاضطلاع بدورهم. ويمكن القول بأنه، مع ظهور يهود البلاط ويهود الأرندا، واستيطان السفارد في أوربا، تنتهي العصور الوسطى ويبدأ العصر الحديث بكل مظاهره الجديدة.
стр. 1886
أما وضع اليهود في العالم الإسلامي، فلا يمكن القول كما يدَّعي البعض بأنه كان عصراً ذهبياً واحداً طويلاً، وإن كان من الممكن أن نقول إن العالم الإسلامي لم تظهر فيه نظرة شاملة تضع اليهودي في مركز أحداث الخلاص باعتباره «الشيطان قاتل الرب» . كما أن العالم الإسلامي يتسم بوجود عدد هائل من الأقليات العرْقية والإثنية التي تفرض عليه قبول التعددية (وهي تعددية اعترف بها الإسلام وقننها في مفهوم أهل الذمة الذي حدد لأعضاء الأقليات مكانهم وواجباتهم وحقوقهم) . كما أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحولوا جميعاً إلى جماعات وظيفية وسيطة بل كانوا ممثَّلين في معظم النشاطات الاقتصادية والمهيمنة، فكان منهم الأطباء والوزراء والمترجمون والتجار والحرفيون. وحتى حينما اضطلعوا أحياناً ببعض وظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة واكتسبوا خصائصها، فإن هذا الدور لم يكن مقصوراً عليهم إذ كانت هناك جماعات إثنية ودينية أخرى تشارك في نشاطهم الوظيفي، كما كان بين هؤلاء المسلمون. كما أن عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي ظل صغيراً للغاية بالنسبة إلى عدد السكان. ولكل هذه العناصر المركبة، نجد أن عداء اليهود في العالم الإسلامي لم يكن بالحدة نفسها التي كان عليها في العالم الغربي الوسيط، كما أنه ظل في معظم الأحيان إمكاناً كامناً في نفس بعض أعضاء الأغلبية وداخل بعض القطاعات.
يوهانيس فيفركورن (١٤٦٩-١٥٢١ (
Johannes Pfefferkorn
стр. 1887
ألماني يهودي مُتنصِّر، ومن أشهر المهيجين ضد الجماعات اليهودية. كان يعمل جزاراً وكان في الوقت نفسه متفقهاً في الدين اليهودي. يُقال إنه قُبض عليه بتهمة السرقة وأنه، بعد الإفراج عنه، تنصَّر هو وزوجته وأولاده في كولونيا عام ١٥٠٤. كتب فيفركورن عدداً من الكتيبات المعادية لليهود: مرآة اليهود (الذي هاجم فيه تهمة الدم أيضاً) والاعتراف اليهودي وكتاب عيد الفصح وعدو اليهود. وقد نُشرت ترجمات لاتينية لكل هذه الأعمال فور نشرها. وقد طالب فيفركورن بحرق التلمود ومنع الربا وأن يعمل اليهود في الأعمال اليدوية الوضيعة وأن يُفرَض عليهم حضور المواعظ المسيحية وإلا طُردوا من المدن الألمانية التي يقيمون فيها.
стр. 1888
وفي عام ١٥١٠، قام بعض المهيجين ضد الجماعة اليهودية في براندنبرج باتهام أعضاء الجماعة بتدنيس خبز القربان المقدَّس، كما وجهوا إليهم تهمة الدم. فشُكلت لجنة للتحقيق في الأمر برئاسة أسقف مينز الذي طلب المشورة من بعض كبار المفكرين الدينيين من بينهم يوحانان ريوشلين. وكان موقف ريوشلين لا يتفق مع موقف فيفركورن، فكتب هذا الأخير كتيباً بعنوان مرآة اليد يهاجم فيه ريوشلين الذي كتب رداً بعنوان مرآة العين. وبذلك بدأت واحدة من أكبر المعارك الدينية في عصر النهضة في الغرب. وكانت الحركة الإنسانية الهيومانية قد حققت قدراً كبيراً من الانتشار والإحساس بالقوة، فألقت بثقلها في صف ريوشلين. ومع أن إيرازموس لم يشترك في المعركة، إلا أنه وصف فيفركورن بأنه يهودي في غاية الإجرام أصبح مسيحياً في غاية الإجرام. ثم كتب فيفركورن موعظة ضد كتاب ريوشلين مرآة العين وضد الاتجاه الليبرالي المسيحي ككل. وقد استمرت المعركة بعض الوقت إلى أن أصدر الإمبراطور أمراً للطرفين بالتزام الصمت. وفي عام ١٥١٤، أصدرت محكمة بابوية قراراً يؤيد ريوشلين، فرفضه فيفركورن ونشر كتاباً آخر بعنوان جرس الإنذار. واستمرت المعركة بعض الوقت ولكنها تركت أثراً عميقاً في الكثيرين. وليس من قبيل الصدفة أن يعلن لوثر أطروحاته عام ١٥١٧ إبان الجدل الذي دار بين ريوشلين وفيفركورن.
стр. 1889
والحقيقة أن ظهور فيفركورن وشيوع كتاباته هو مؤشر على أن المسألة اليهودية كانت قد بدأت تطرح نفسها، وبحدة، على الوجدان الغربي، وذلك مع نهاية العصور الوسطى في الغرب ومع ظهور الدولة المركزية وبداية تراجع أهمية دور الجماعات اليهودية الوظيفية. ومما يجدر ذكره أن ريوشلين، الطرف الآخر في المعركة، كان يطالب هو الآخر بإصلاح اليهود، أي بإعادة تعريف دورهم بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، وكان يرى وجوب طردهم إن لم يصلحوا حالهم. وهكذا، فإنه لا يوجد اختلاف كبير في الرؤية والمقدمات بين فيفركورن وريوشلين إذ أن الاختلاف ينصرف إلى طبيعة الحل المطروح وحسب.
أنطون مارجريتا (١٤٩٠ -؟ (
Anton Margarita
كاتب ألماني يهودي وابن حاخام مدينة ريجنسبرج. تكثلك عام ١٥٢٢ ثم أصبح بروتستانتياً بعد ذلك. عُيِّن محاضراً في اللغة العبرية في عدة جامعات ألمانية حتى عام ١٥٣٧ حين عُيِّن في جامعة فيينا التي بقي يعمل فيها حتى وفاته. نشر أول كتبه المعادية لليهود عام ١٥٣٠ والذي حاكى فيه أعمال اليهودي المتنصر فيفركورن حيث اتهم اليهود بأنهم لا يعرفون سوى الكراهية وأنهم يهزأون بالمسيح والمسيحية في أدعيتهم وكتبهم.
عُقدت مناظرة (بأمر الإمبراطور تشارلز الأول) عام ١٥٣٠ بينه وبين جوزيف من روشايم حيث أثبت الأخير زيف بعض ادعاءات مارجريتا، فأمر الإمبراطور بوضعه في السجن.
تمتعت كتابات مارجريتا بالذيوع وتركت أثراً عميقاً في مارتن لوثر الذي اقتبس منها عدة مرات.
الصور الإدراكية النمطية المعادية لليهود منذ القرن الثامن عشر
Anti-Semitic Stereotypes since the Eighteenth Century
стр. 1890
سادت العصور الوسطى في الغرب صور إدراكية ثابتة عن اليهود، منها أن اليهود شعب شاهد، ومنها أنهم مصاصو دماء، ومنها أنهم قتلة المسيح، وأنهم يدنِّسون خبز القربان ويسمِّمون الآبار. وغني عن القول أن معظم هذه الأفكار فقد كثيراً من البريق والشيوع، وحلت محله أفكار وصور إدراكية ثابتة أخرى سنكتشف أن معظمها ظهر من خلال علمنة الصور الإدراكية السابقة وإعطائها أساساً علمياً مادياً.
وينطلق فكر عصر الاستنارة (العقلانية المادية) ، وهو إحدى أهم ركائز الفكر الحديث في الغرب، من فكرة المساواة الكاملة بين البشر ومن كفاية العقل للوصول إلى الحقيقة دون حاجة إلى وحي إلهي. وهذه المساواة تشمل المسيحي واليهودي وكل البشر، ولكنها في ذات الوقت مساواة لا تعترف بهوية أي منهم ولا تحترم أية خصوصية، أي أنها مساواة تتم في إطار فكرة الإنسان الطبيعي النافع حيث لا يشكل الإنسان إلا جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة (فهي تسوية أكثر منها مساواة) . ومن ثم، دافع فلاسفة الاستنارة عن اليهود من منظور المساواة الكاملة ومن منظور نفعهم وإمكانية الاستفادة منهم بعد إصلاحهم وتقويمهم بما يتفق مع المعايير العقلية الطبيعية الجديدة.
أما مفهوم الدفاع عن أعضاء الجماعات اليهودية من منظور نفعهم، فهو يتضمن قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم باعتبارهم بشراً لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة لأن العنصر النافع يجب التخلص منه إن فقد نفعه. وعلى أية حال، فإن هذا المقياس لم يُطبَّق على اليهود وحدهم وإنما طُبِّق على مختلف أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية العلمانية. بينما أدَّى إصلاح اليهود إلى ظهور أدبيات شرسة تشير إلى طفيلية اليهود وهامشيتهم وطرق إصلاحهم.
стр. 1891
وكان كل هذا يتم في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة، في وقت لم تكن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية قد أحرزت التقدم الذي أحرزته في أواخر القرن التاسع عشر حيث سقطت فكرة الإنسان الطبيعي والإنسانية العامة وحل محلها إدراك تداخل العناصر التاريخية الخاصة مع الطبيعة البشرية ذاتها.
ومن ثم، طالب عصر العقل (الطبيعي المادي) اليهود (وغيرهم) بالتخلص من خصوصيتهم ليصبحوا بشراً بالمعنى العام (والطبيعي المادي) للكلمة. وكان يُنظَر إلى اليهود الذين يؤثرون الحفاظ على خصوصيتهم الدينية أو الإثنية باعتبارهم «دولة داخل دولة» ، أو على أنهم جماعة قَبَلية في مجتمع تسود فيه مُثُل الليبرالية والعلمانية والاستنارة. ويجب التنبه إلى أن دعاة الانعتاق كانوا يعادون اللهجات المحلية كافة، ومختلف الخصوصيات الإثنية، بل ويُقال إن الكونت دي كليرمونت والأسقف جريجوار (وهما من دعاة إعتاق اليهود شريطة أن يتخلصوا من عزلتهم) كانا يبديان ضيقاً شديداً من الخصوصيات الفرنسية الإثنية واللغوية المحلية (البريتون والفلامنج والأوكستانيان والأوفيرنيان) أكثر من ضيقهم بالخصوصية اليهودية. إذ أن فكر الاستنارة كان يحوي هجوماً على اليهود بوصفهم جماعة لها هويتها، ويغطيه سطح مصقول من القبول العام لليهودي كإنسان طبيعي، وأي إنسان يتفق مع المواصفات القومية العلمانية الجديدة، فالتسامح هنا دعوة للتخلي عن الهوية وللقضاء عليها، وذلك باسم الهوية القومية العضوية الجديدة التي تتجسد في الدولة القومية المركزية. وأدَّى كل هذا في نهاية الأمر إلى ظهور اليهودي غير اليهودي.
стр. 1892
وقد وجد اليهود أنفسهم وسط حلبة الصراع بين المسيحية والعلمانية، حيث كان العلمانيون يشيرون إلى اليهود باعتبارهم ضحية عصور الظلام المسيحية الوسيطة، أي أن اليهود تحولوا من شعب شاهد على عظمة الكنيسة إلى شعب شاهد على جبروتها وظلمها. وتحوَّل اليهودي، لذلك، إلى بطل من أبطال العلمانية. وأصبح بعض العلمانيين ينظرون إلى اليهودية باعتبارها دين العقل ودين الفلاسفة الذي يؤمن بالرب الواحد دون حاجة إلى طقوس مركبة أو معجزات، أي أن اليهود واليهودية أصبحا مقولة مجردة تُستخدَم لضرب المسيحية والكنيسة. وقد ولَّد هذا في نفوس المسيحيين صورة غير محببة لليهودي.
ولكن فريقاً آخر من دعاة الاستنارة كان يتبع إستراتيجية مخالفة تماماً، إذ أنهم بدلاً من أن يضعوا اليهودي مقابل الكنيسة كانوا يحولون اليهودي إلى رمز للدين، أيِّ دين، أو إلى ممثل لما كانوا يسمونه «المسيحية البدائية» . وبالتالي، فإنهم بدلاً من الهجوم على الكنيسة والمسيحية بشكل مباشر، وهو أمر كانت تحفه المخاطر، كانوا يسددون سهامهم إلى اليهود واليهودية والعهد القديم في هجوم مقنَّع على المسيحية. وكان هذا الفريق يشير إلى تخلف اليهود والخرافات التي يؤمنون بها مثل تراث القبَّالاه، وإلى أن الدين اليهودي دين معاد للإنسان يشجع على العزلة وعلى عدم الولاء للدولة في وقت كان المجتمع فيه يتجه نحو العلمانية والتحرر.
стр. 1893
لكل هذا، نجد أن عصر الاستنارة هو العصر الذي تم فيه وضع الأسس الفكرية لمعاداة اليهود (وللصهيونية في الوقت نفسه) في العصر الحديث، حيث نجد الأطروحات والصور الإدراكية النمطية الثابتة التي تنسب إلى اليهود قدراً كبيراً من الصفات المنفَّرة، وانطلاقاً من ذلك اقتُرح تهجيرهم إلى مكان آخر حلاًّ لهذا الوضع (أي أن الصيغة الصهيونية الشاملة يكتمل تبلورها في هذه المرحلة) . ومن باب الهجوم المقنَّع على المسيحية، كان يُطرَح أن الكتاب المقدَّس وثيقة مزيفة، وأن أبطال العهد القديم أوغاد لا خلاق لهم (ومتعصبون ضيقو الأفق) مارسوا الاضطهاد الديني ضد الآخرين، وأن اليهود الذين أتوا بالعهد القديم (وهو أكثر أجزاء الكتاب المقدَّس توحشاً حسب رأيهم) شعب همجي؛ قاس وفاسد. وقام دعاة الاستنارة ببعث أطروحات الكنيسة ضد اليهود في محاولة ماكرة لاستخدام هذه الأطروحات لا ضد اليهودية وحسب وإنما ضد المسيحية (باعتبار أن اليهودية أم المسيحية) بل وضد كل الأديان الأخرى. ولهذا، لم يكن الهجوم الاستناري يُشَن على السمات اليهودية في النسق الديني اليهودي وحسب، وإنما كان يُوجَّه كذلك (وأحياناً بالدرجة الأولى) إلى تلك السمات المشتركة بين اليهودية والأديان السماوية الأخرى. وهذا ما فعله فولتير في معجمه الفلسفي (١٧٥٦) ، فهو في المدخل الخاص باليهود يعتبرهم عنصراً مستقلاًّ مستمراً منذ أيام العبرانيين القدامى، ويستبعد أن يكون المصريون القدماء أو الفرس أو اليونان قد أخذوا قوانينهم عن اليهود، مؤكداً أن اليهود (حين احتكوا بهذه الحضارات) لم يتعلموا غير فنون الربا، بل ويرى أنهم شعب جاهل تماماً جمع بين البخل والخرافات وكره الأمم التي تسامحت تجاههم. إلا أنه يضيف: «ولكن يجب عدم حرقهم» وكأن الإبادة بديل مطروح للنقاش.
стр. 1894
أما الفيلسوف المادي هولباخ، فقد اتهم موسى بأنه أوجد الشريعة التي فصلت اليهود عن سائر الأمم. وأوضح في هجومه أن اليهود لا يخضعون إلا لكُهانهم، ولذلك أصبحوا أعداء للجنس البشري بأسره يكنون الاحتقار لأخلاق الأمم الأخرى وقوانينها، إذ أن شريعتهم تأمرهم بأن يكونوا قساة لصوصاً خونة غادرين، ومثل هذه الأعمال تُعَدُّ في اليهودية عملاً يرضي الرب. ويُضيف هولباخ أن اليهود اشتهروا، في الواقع، بالخداع والغش في التجارة، ويمكن افتراض أنهم إذا أصبحوا أكثر قوة فسوف يبعثون المآسي التي كثيراً ما وقعت في بلادهم. وإن وُجد بعض اليهود الذين يتسمون بالأمانة والعدل، فهذا يعني أنهم رفضوا بكل وضوح مبادئ الشريعة اليهودية التي تهدف إلى خلق مثيري المتاعب والأشرار. وكما هو واضح، يرى هولباخ اليهود عنصراً أو شعباً واحداً.
ولكن فكر الاستنارة لم يكن البُعد الوحيد في الفكر الغربي الحديث. فمعاداة الاستنارة، والتمرد عليها، والرومانسية، كانت أبعاداً ثابتة وأساسية فيها، ولا تقل عن الاستنارة نفسها في الأهمية. وقد انعكست هذه الرومانسية تجاه اليهود في مواقف متناقضة أيضاً، فتم بعث فكرة اليهودي التائه وتمجيده باعتباره نموذج البطل الرومانسي الحق. ولكننا نلاحظ أن اليهودي التائه هو، في واقع الأمر، اليهودي الهامشي. حتى إذا كان بطلاً، فهو بطل عجائبي متجرد من صفات إنسانية متعينة. وبالتالي، فإن تمجيد اليهودي بوصفه بطلاً رومانسياً كان ينزع عنه صفاته الإنسانية وهي الخطوة الإدراكية الأولى نحو معاداة اليهود.
стр. 1895
كما وجه فلاسفة الرومانسية النقد إلى اليهودية باعتبارها ديانة لاروح فيها. وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى موقف عمانويل كانط (١٧٢٤ ـ ١٨٠٤) وهيجل (١٧٧٠ ـ ١٨١١) باعتبارهما ممثلين أساسيين للرؤية الغربية (شبه الدينية والعلمانية) للعقيدة اليهودية. يَصدُر كانط عن الإيمان بأن المسيحية هي أقرب الديانات إلى الديانة الأخلاقية الطبيعية التي بشَّر بها. وهي ديانة تستند هي وتعاليمها الأخلاقية والروحية إلى الحب الخالص. ويقف هذا على الطرف النقيض من اليهودية، فهي مجرد كيان قومي سياسي، وهي ديانة برانية تفتقر إلى المثالية الروحية؛ لا تنميّ الحس الخلقي الداخلي، وتتطلب الخضوع للقانون والشريعة بشكل جاف. وقد أشار كانط أيضاً إلى أن العقيدة اليهودية عقيدة دنيوية لا تعرف فكرة الخلود (وهي فكرة أساسية عند كانط) ، وأن المشيحانية اليهودية نزعة قومية سياسية منغلقة وأنها حوَّلت الشعب اليهودي إلى عدو لكل الشعوب. وأشار كانط إلى يهود عصره فبيَّن أنهم يشتهرون بالغش والخداع ويشتغلون بالتجارة والربا. ولا يوجد حل للمشكلة إلا من خلال القتل الفكري الرحيم وذلك بالقضاء على اليهودية وإحلال دين صاف طاهر أخلاقي محلها (أي المسيحية) . وقد استقى كانط هذه الفكرة الخاطئة من إسبينوزا ومندلسون. ولكن الموقف السلبي لكانط من اليهودية لم يؤثر على علاقته بمن عرفهم من أعضاء الجماعات اليهودية.
следующие страницы →