Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
ويتسم اليهود (حسب نموذج المؤامرة الكبرى) بالشر والمكر والرغبة في التدمير (فهذه أمور وُجدت في عقولهم بالفطرة وهي بُعد أساسي وثابت في طبيعتهم) ، وسلوكهم هو تعبير عن مخطط جبار وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ، والذي وضع تفاصيل المؤامرة الكبرى العالمية لتخريب الأخلاق وإفساد النفوس حتى تزداد كل الشعوب ضعفاً ووهناً بينما يزداد اليهود قوة، وذلك بهدف السيطرة على العالم (وربما لإنشاء حكومة عالمية يكون مركزها أورشليم القدس) . والتاريخ اليهودي بأسره إن هو إلا تعبير عن هذا النموذج وعن هذه المؤامرة الأزلية المستمرة، واليهود من ثم هم المسئولون في كل الأزمنة والأمكنة عن كل الشرور والمنكرات. فهم، على سبيل المثال، الذين أراقوا دم المسيح (حسب الرواية المسيحية) ، وهم الذين وضعوا السم للرسول ﵊، وهم وراء مؤامرة عبد الله بن سبأ (ثم أتباعه من بعده) للقضاء على الإسلام، وهم الذين قاموا بدس الإسرائيليات دساً على الدين الحنيف، بل يُنسَب إليهم ذبح الأطفال واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح.
стр. 1962
وفي العصر الحديث يرى التآمريون أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية (وغير المعروفة والخفية) في العالم الغربي والعربي، بل وفي كل أرجاء العالم. فهم وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامراتهم، وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الإسلام وكل العقائد، وهم الذين أدوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها، والبلشفية بكل إرهابها، والإباحية بكل تدميرها، وهم يسيطرون على رأس المال العالمي والحركة الشيوعية ويتحكمون في الصحافة ووسائل الإعلام. وهم الذين ضغطوا على الإمبراطورية الإنجليزية وجعلوها تُصدر وعد بلفور. وهم الذين أسقطوا الدولة العثمانية من خلال يهود الدونمه وهم الذين يحركون الآن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية ويوجهون الإعلام الأمريكي ويجندون الصوت اليهودي، وذلك حتى يُسخِّروا الولايات المتحدة ويُرغموها، بما لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة، على تحقيق مآربهم وتنفيذ مصالحهم. وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم. والصهيونية ليست ظاهرة مرتبطة بحركيات التاريخ والفكر الغربي، وليست مرتبطة بظهور الإمبريالية الغربية وهيمنتها على العالم، وإنما هي مجرد تعبير عن هذا الشر الأزلي الكامن في النفس اليهودية الذي يتبدَّى في الغزو الصهيوني لفلسطين، وضرب المفاعل الذري العراقي وغزو لبنان وقمع الانتفاضة والهجرة اليهودية السوفيتية إلى فلسطين والسوق الشرق أوسطية ... إلخ. ومن أهم إفرازات هذا التصور الاختزالي الوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون.
стр. 1963
وقد ساعد على نشر التصورات التآمرية عن اليهود، شعائرهم الدينية المركبة التي لا يستطيع كثير من الناس فهمها. كما ساهمت النزعة الحلولية الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات اليهودية الخاصة بالشعب المختار، والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم، في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومما لا شك فيه أن وجود اليهود، بوصفهم جماعات وظيفية متفرقة، داخل عديد من المجتمعات الغربية، تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة التي تحقق من خلالها قدراً كبيراً من النجاح التجاري والمالي قد عمَّق الرؤية التآمرية لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تنتظم يهود الأرندا في شرق أوربا، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبيريا والعالم الجديد، وخلق هذا الوجود الإحساس بالتنسيق فيما بينهم. ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية والعلمانية، ومع تركُّز اليهود في كثير من الحركات العلمانية والفوضوية، تعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية تهدف إلى السيطرة على العالم كما تهدف إلى إفساده.
стр. 1964
والباحث المدقق سيكتشف أن الرؤية الاختزالية التآمرية لليهود لا تختلف في أساسياتها مطلقاً عن الرؤية الاختزالية الصهيونية لليهود. فكلا الفريقين يرى اليهود من خلال رؤية واحدية اختزالية ساذجة، تقوم بتبسيط دوافعهم ووجودهم في التاريخ إذ أنها تسقط عنهم زمنيتهم وتركيبيتهم وإنسانيتهم. فبدلاً من رؤية أعضاء الجماعات اليهودية كجزء من تواريخ بلادهم وحضاراتهم، فإنها تنظر إليهم باعتبارهم كياناً واحداً متماسكاً فريداً يتحرك داخل تاريخه اليهودي الخاص بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها. وبسبب هذا الاتفاق بين الفريقين نجد أن كلاًّ من التآمريين والصهاينة يتحدثون عن «الشعب اليهودي عبر التاريخ» وعن «الشخصية اليهودي في كل العصور» وعن «العبقرية أو الجريمة اليهودية في كل زمان ومكان» وهكذا.
ويُقدِّم كلا الفريقين تصوُّراً لليهود باعتبارهم كيانات بسيطة دوافعها وغاياتها بسيطة. فأعضاء الشعب اليهودي هذا، حسب رؤية التآمريين والصهاينة، لا يشعرون بالانتماء لأوطانهم، إذ أنهم أينما وُجدوا يحنون لصهيون ويدينون لها وحدها أو لحكومتهم اليهودية بالولاء، ومن ثم فاليهودي عادةً يعاني من ازدواج الولاء ولا يشعر بالاستقرار في وطنه، ونتيجةً لهذا يصبح شخصية مريضة لا تخضع للقوانين الإنسانية العامة، يقاوم الاندماج في الأغيار ويقع ضحية فريدة لعنفهم.
стр. 1965
والخلاف بين التآمريين والصهاينة لا يوجد في التشخيص أو في الوصف أو في المنطلقات أو المسلمات ولا حتى في الحل وإنما في آليات الحل وحسب، أي أن الاختلاف بينهم اختلاف إجرائي بسيط وليس كلياً وشاملاً، فكلا الفريقين يطرح حلاًّ بسيطاً لمشكلة الكيان اليهودي المتماسك الفريد الذي يرفض الاندماج، ألا وهو ضرورة «خروج» اليهود من أوطانهم. ولكن بينما يرى التآمريون وأعداء اليهود أنه لا مناص من استخدام العنف في هذه العملية (من طرد وإبادة) ،فإن الصهاينة يرون أن الحركة الصهيونية يمكنها أن تشرف على عملية الخروج هذه بطريقة منهجية منظمة، بحيث لا يوجد أي مبرر للعنف. ومع هذا، لا يستبعد الصهاينة استخدام العنف كآلية لإخراج اليهود من أوطانهم، كما حدث عام ١٩٥١،حينما ألقى عملاء إسرائيل القنابل على أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية في العراق حتى يضطروهم للهجرة منها إلى الدولة الصهيونية الناشئة، وكما يحدث الآن حينما تضغط الحركة الصهيونية على الولايات المتحدة لتغلق أبوابها أمام اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة إلى إسرائيل.
وفكرة المؤامرة أكذوبة تلائم معظم الأطراف المشتركة في الصراع الإسرائيلي، فإسرائيل تستفيد كثيراً من هذا الفكر التآمري لأنه يضفي عليها من القوة ما ليس لها، ومن الرهبة ما لا تستحق، وهو في نهاية الأمر يجعلها تكسب معارك لم تدخلها قط.
كما أن الحكومات الأمريكية المختلفة تفسر للزعماء العرب عجزها عن مساعدة الحق العربي بتعاظم النفوذ الصهيوني في الكونجرس. أما الحكومات العربية، فإنها تُفسِّر تخاذلها وهزيمتها أمام العدو الصهيوني على أساس الأسطورة المريحة نفسها. وبالتالي، يجد كل من أطراف الصراع تفسيراً يبدو معقولاً ومقبولاً لوضعه أمام نفسه وأمام جماهيره.
اليهود كشياطين
Demonization of the Jews
стр. 1966
من الصور الأساسية المتواترة في أدبيات معاداة اليهود تصويرهم على أنهم شياطين، فالشر لصيق بطبيعتهم، فهم يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه، ويحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء على الجنس البشري (ربما مثل إبليس منذ أن خرج من الجنة) . وهذا هو المفهوم الكامن وراء بروتوكولات حكماء صهيون ووراء فكرة المؤامرة اليهودية العالمية. وهذه الفكرة تفترض وحدة اليهود عبر التاريخ وأنهم يمتلكون قوة سحرية (تماماً مثل الشيطان) ، ولذا فهم لا يُقهرون أو لا يمكن قهرهم إلا باللجوء للحلول السحرية، إذ لا يهزم السحر إلا السحر. كما لا يمكن هزيمة الشياطين بالجهد البشري العادي، جهاداً كان أو اجتهاداً، ولذا في مجابهة الشيطان لا يملك المرء إلا أن يستعيذ بالله أو يفر من الشيطان أو يستسلم له، ويوقِّع معاهدة سلام واستسلام.
стр. 1967
والإيمان بأن اليهود وحدة صلبة متماسكة لا تُقهر، أو بأن إلحاق الهزيمة بهم في حكم المستحيل، هي فكرة تروج لها الدعاية الصهيونية الواعية (والدعاية المعادية لليهود غير الواعية) . وتظهر في شعارات مثل «جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهر» . وفكرة اليهود كشياطين هي مقلوب فكرة اليهود ككتلة صلبة لا تُكسر، وكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية الواحدية. فكما أن الفكر الحلولي (الصهيوني) يجعل اليهود موضعاً للحلول الإلهي (باعتبارهم الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة) ، فإن مفهوم اليهود كشياطين يجعلهم موضع الشر الكوني الذي لا يتحول، فالأول يجعل منهم شعباً مقدَّساً يتجاوز الخير والشر، والثاني يجعل منهم شعباً شيطانياً يتجاوز الخير والشر أيضاً. وهذه الفكرة لها امتدادها في التراث المسيحي الذي يجعل من اليهودي مركزاً للدراما المسيحية الكونية التي تدور حول صلب المسيح وقيامه والتي يلعب فيها اليهود دور قاتل الرب الذي يقف بعد ذلك، في ضعته وتدنيه، شاهداً على انتصار الكنيسة وعظمتها. وقد وجدت هذه الفكرة طريقها إلى العالم الإسلامي وحلّت محل فكرة الفطرة الخيرة التي يولد الإنسان بها.
وإضفاء صفة الإنسانية على أعضاء الجماعات اليهودية (بدلاً من الشيطانية) يعني إمكانية دراستهم وفهمهم والتمييز بين الخيِّر والشرير فيهم، وبين العدو والصديق، وفي نهاية الأمر طرح إمكانية الجهاد ضد من يعادينا ويغتصب أرضنا منهم وإلحاق الهزيمة به.
بروتوكولات حكماء صهيون
Protocols of the Elders of Zion
стр. 1968
كلمة «بروتوكول» كلمة إنجليزية تعني «اتفاقية» ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يُقال إنها كتبت عام ١٨٩٧ في بازل بسويسرا، أي في العام نفسه الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول. بل يزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر، وأنها نوقشت فيه، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة (بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين والملحدين) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس. وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً في نحو مائة وعشر صفحات، ونشرت لأول مرة عام ١٩٠٥ ملحقاً لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلَّم المخطوطة عام ١٩٠١ من صديق له حصل عليها من امرأة (مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا. لكن نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا، وأن الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني. وقد كانت لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة، كما كان غارقاً في الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفية للأشكال الهندسية.
وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك «الثورة اليهودية» ، إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت كثيراً من البلدان الأوربية إلى اليهود.
стр. 1969
وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوربا عام ١٩١٩ حيث حملها بعض المهاجرين الروس. وبلغت البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين، حينما حاول كثير من الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية. وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب رواجاً في العالم الغربي بعد الإنجيل، وتُرجمت إلى معظم لغات العالم وضمن ذلك العربية حيث ظهرت عدة طبعات منها. وحازت البروتوكولات اهتمام بعض المشتغلين بالتأليف وبالإعلام حيث أشاروا إليها باستحسان كبير، وكأنها وثيقة ذات شأن كبير. ولحسن الحظ، لا يوجد مركز دراسات عربي واحد أعارها أي اهتمام، ولا يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية.
والرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو، أو السياسة في القرن التاسع عشر، نُشر في بروكسل عام ١٨٦٤، فتحول الحوار إلى مؤتمر وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون. وقد اكتُشفت أوجه الشبه بين الكتيب والبروتوكولات حيث تضمنت هذه الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتاب المذكور، وأحياناً تعبيرات مجازية وصوراً منه. والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما تم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة وبتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية.
وقد قمنا بدراسة سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات (الأسلوب والمفردات والصور ... إلخ) ، فوجدنا أن هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة بأنها وثيقة مزيفة:
١ ـ يُلاحَظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة:
стр. 1970
أ) فكاتب الوثيقة لا يعرف شيئاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية. وهناك إشارتان للإله الهندي فشنو، وإشارة واحدة لأسرة داود. وبطبيعة الحال، يمكن إثارة القضية التالية: إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تَسرُّبها؟ ومما يجدر ذكره أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون الروسية. وكان حزب البوند، أكبر الأحزاب العمالية في أوربا يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويُطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم القومية (باعتبارهم أحد «شعوب» الإمبراطورية الروسية) .
ب) الموضوعات الأساسية المتواترة في البروتوكولات موضوعات روسية، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعما يُسمَّى «الأرستقراطية الطبيعية الوراثية» ، وهجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية، وهو ما يبيِّن أن اهتمامات الكاتب روسية تماماً وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري.
جـ) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية، وهو ما يدل على أثر التربة المسيحية الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء.
د) ثمة هجوم شرس على الماسونية، التي كانت آنذاك جزءاً لا يتجزأ من الحركة الليبرالية والثورية الروسية.
هـ) هناك هجوم شديد على دزرائيلي، الذي كان شخصية مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة في روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزاً منيعاً ضد توسُّع الإمبراطورية الروسية.
стр. 1971
٢ ـ كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها، لا يجيد التزييف، فقد حاول أن يبيِّن الخطر العالمي لليهود. وحتى يعطي وثيقته درجة من المصداقية، جعل حكماء صهيون (لا أحد سواهم) يتحدثون عن الخطر اليهودي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه «شهد شاهد من أهلها» ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء في عملية تزييفه هذه:
أ) ففي الصفحة الأولى من البروتوكول الأول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية: "يجب أن يُلاحَظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوي الطبائع النبيلة". وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها. ولكن السؤال البدهي الذي يطرح نفسه هو: لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبهة في شرهم؟ والسذاجة نفسها تتبدَّى في الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء: "إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا (ونحن نضع خططنا) ألا نلتفت إلى ما هو خيِّر وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد! " ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البدهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان؟ أم أنه لاحَظ بعض علامات الخير بينهم فأراد أن يحذرهم منها؟
стр. 1972
ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول: "نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل". ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في البروتوكول الثاني نفسه: "من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا، وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدَّسنا الذهب، ولو أن ذلك سبَّب أنهاراً من الدم". وهذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات؛ فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً؟ ولماذا يُصر على أن يُخبرهم في البروتوكول الثالث أن "أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى أنهم سوف يتبرأون منا " فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من "فشل إلى فشل"، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع: "إن لنا طموحاً لا يُحدّ، وشرّهاً لا يُشبع، ونقمة لا تَرحم، وبغضاء لا تُحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى. وإننا نُسخِّر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب". ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي: «لقد خدعنا الجيل الناشيء من الأمميِّين، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ» . ومن الواضح أن التزييف لم يبق منه سوى صيغة المتكلم الجمع، أما الباقي فهو اتهامات موجهة بالتآمر لليهود، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة.
стр. 1973
ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد أن السياسة لا تخضع للأخلاق، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع. فعلى مستوى المجتمع، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة، وإشاعة الإباحية، واستغلال الحريات العامة، وتخريب المؤسسات المسيحية، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوربي. أما على مستوى الدولة، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم. وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع، وعلى تصعيد الصراع الطبقي، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد أن اليهود سيحتكرونه، وتُصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالاهتراء ويسود رأس المال كل شيء.
وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطَّط بأن يسيطر اليهود على الصحافة ودور النشر وسائر وسائل الإعلام، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه. كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم. كما أنهم سيسيطرون أيضاً، بطبيعة الحال، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار. والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء: عن الخير والشر، والثورة والثورة المضادة، والاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس، مثلاً، يقول: «كي نخرب [أي نحن اليهود] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرِّض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [اتجاهات فوضوية [» .
стр. 1974
ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحساس الإنسان الأوربي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، وبقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي. فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم، حسبما جاء في البروتوكولات، ليس عالماً شريراً بشكل شيطاني ميتافيزيقي، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه قيم العلمانية والنفعية، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود، كما كان الجمع بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما. فبرغم الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين، والاختلاف بين الفيلسوفين، فإن العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمتي المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة.
стр. 1975
وقد وُجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أية أقلية أخرى، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً. بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا (في صناعة التعدين) ، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية، أو في شركة قناة بنما. كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء (قوادين وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية. وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة وكلٍّ من «اليمين» و «التحلل الرأسمالي» و «التفكك الليبرالي» من جهة أخرى.
ولكن، إلى جانب ذلك، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً: فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوربا هو حزب البوند اليهودي. وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية، حتى أن ٣٠% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي. وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام ١٩١٩، كان رئيس الدولة يهودياً، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي. كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي. وفي نهاية الأمر، كان كل من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية. ولذا، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة «يد اليهود الخفية» .
стр. 1976
ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور. وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى، ولذا كان هناك يهود في كل مكان، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم. ولكل هذا، أصبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوربي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكي والرأسمالي) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب. بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها.
والفكرة الأساسية في البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية. لكن المعروف تاريخياً أنه لم تكن هناك سلطة مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد نبختنصر عام ٥٨٦ ق. م، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رباط قومي، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شئونها. ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أية أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى.
وهنا، يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل: هل للجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي العالمي الضخم؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائماً قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب سطوتها أو سلطانها وإنما بسبب كونها أداة في يد النُخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل.
стр. 1977
والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزوَّرة، ولا توجد دراسة علمية واحدة (سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات) تثبت أنها وثيقة صحيحة. ولكن، وحتى ولو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة، فإن من يستخدمها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها. كما لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم. وبسبب السمعة الشائنة للبرتوكولات، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجَّه إليهم بأنه وقوع في أحابيل البروتوكولات. ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يُسمَّى كتاب التربية الذي يوزع في إسرائيل في الوقت الحالي. كما يحوي التلمود وتراث القبَّالاه (وهي كتابات يهودية لا شك فيها) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة، ولكن يبدو أن مروِّجي البروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً، وهي على كلٍّ كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً، ولا يتداولها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد.
وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلي ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة. كما أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات، مثل «الشعب اليهودي» و «الشخصية اليهودية» و «المصالح اليهودية» ، هي جميعاً افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها.
стр. 1978
وسواء أكان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية. ويتم الآن، في العالم العربي، تداول كم هائل من الكتابات (مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها) كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبنِّي رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوى عجائبية. ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني، دون أن يدركوا أنهم بهذا إنما يخدمون مصلحة العدو. وقد صرح المعلق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس في جريدة هآرتس (٣١ ديسمبر ١٩٩٣) بأن كثيراً من الدول تغازل إسرائيل وتحاول أن تخطب ودها نظراً لأن حكام هذه الدول يؤمنون بأن البروتوكولات وثيقة صحيحة وأن ما جاء فيها هو المخطط الذي يتحقق في العالم والذي سيؤدي إلى سيطرة اليهود وأن اليهود يتحكمون بالفعل في رأس المال العالمي وفي حكومة الولايات المتحدة. ومن ثم فالطريق إلى المعونة الأمريكية يمر من خلال اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية. ويضيف ماركوس معلقاً على هذه المفارقة: "إن البروتوكولات [بسبب أثرها هذا الذي يولِّد الرهبة في النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود] تبدو كأن الذي كتبها لم يكن شخصاً معادياً لليهود، وإنما يهودي ذكي يتسم ببعد النظر". وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأن إلحاق الأذى بهم وهزيمتهم أمر ممكن، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره. والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة.
стр. 1979
ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان جزافاً ودون قرائن، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على الفرد باعتباره تجسداً لفكرة، إذ يظل كل إنسان مسئولاً عن أفعاله. وقد عرَّف الإسلام حقوق أعضاء الأقليات، خصوصاً أهل الكتاب، فحدّد أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها. وفي الواقع، فإن استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرْقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي لاديني (علماني) مسبق وحتمي. ولذا، فهي لا تميِّز بين ما هو خيّر وما هو شر.
اليهودي الدولي
International Jew
شهدت أوائل العشرينيات في الولايات المتحدة نشر عدة كتب معادية لليهود من بينها بروتوكولات حكماء صهيون وكتيب سبب عدم الاستقرار في العالم الذي سبق نشره على هيئة سلسلة مقالات في جريدة المورننج بوست اللندنية. وقد نشرت مجلة الديربورن إند بندانت (١٩٢٠) ، التي كان يمتلكها هنري فورد صاحب مصنع السيارات الشهير، بعض هذه الأدبيات وغيرها في سلسلة مقالات بعنوان «اليهودي الدولي» . وبدأ نشر المقالات ابتداءً من ٢٢ مايو ١٩٢٢ واستمر لمدة سبع سنوات ثم نُشرت المقالات بعد ذلك على هيئة كتيبات. واتهمت هذه المقالات اليهود بأنهم يحاولون هدم أسس الحياة الأمريكية وأنهم وراء مؤامرة عالمية لتحطيم المسيحية والهيمنة على العالم وأن الثورة البلشفية ما هي إلا تعبير عن هذه الثورة المستمرة.
والكتاب، مثله مثل كثير من أدبيات معاداة اليهود في الغرب، يرى اليهودي ممثلاً للثوري المتطرف والثري فاحش الثراء (البلشفي - الصيرفي، تروتسكي ـ روتشيلد) ، وهو في نهاية الأمر خليط من شيلوك وعدو المسيح وقاتل الإله واليهودي التائه.
стр. 1980
وقد وجدت هذه الدعاية العنصرية قبولاً واسعاً في الأوساط القروية الريفية وفي المدن الصغيرة وبين بعض أعضاء النخبة الحاكمة. ولكن غالبية أعضاء النخبة والجهاز السياسي في المدن كانوا يعارضون هذه الحملة إذ أنهم أدركوا أن المهاجرين اليهود بدأوا يتخلون عن رؤيتهم وعقائدهم وهويتهم ويندمجون في المجتمع الأمريكي ويتأمركون أسرع من غيرهم، ولذلك، نُظِّمت حملة مضادة اضطر هنري فورد بعدها للاعتذار عن الحملة التي شنها، وذلك من خلال لويس مارشال رئيس اللجنة الأمريكية اليهودية.
جيكوب برافمان (١٨٢٥-١٨٧٩ (
Jacob Brafman
روسي يهودي متنصر. وُلد لأسرة يهودية وتيتم في سن مبكرة، ويبدو أن قيادة الجماعة اليهودية (القهال) في المدينة قرروا أن يرسلوا به ليُجنَّد في القوات القيصرية (ربما بسبب يتمه) الأمر الذي ولَّد في نفسه حقداً كبيراً على اليهود واليهودية. تنصَّر برافمان وهو في سن الرابعة والثلاثين، وعُيِّن أستاذاً للعبرية في إحدى المدارس الدينية اليهودية التابعة للحكومة القيصرية، كما عُيِّن رقيباً على الكتب العبرية واليديشية.
هاجم برافمان مؤسة القهال بشراسة ووصفها هي والمؤسسات اليهودية الأخرى بأنها «دولة داخل دولة» وبأنها جزء من مؤامرة دولية. وفي عام ١٨٦٩، أصدر برافمان كتاب القهال، ثم نشر طبعة ثانية موسعة عام ١٨٧٥. وقد تُرجم الكتاب إلى الفرنسية والبولندية والألمانية. ويهدف الكتاب إلى إعطاء القراء الروس فكرة عن ممارسات اليهود السرية والتي يستخدمونها للهيمنة على الأغيار. وقد أصبح الكتاب من كلاسيكيات العداء لليهود في الغرب.
والكتاب يتكون أساساً من ترجمات لمحاضر جلسات بعض مجالس القهال. وقد اتُّهم برافمان بالتزوير، ولكن (حسبما جاء في الموسوعة اليهودية [جودايكا] ) ثبت أن ما ورد في الكتاب هو ترجمة دقيقة لبعض الجلسات ولذا أصبح الكتاب من أهم المراجع العلمية لدراسة حياة الجماعة اليهودية في روسيا القيصرية.
стр. 1981
اليهودي التائه
Wandering Jew
«اليهودي التائه» شخصية أسطورية في التراث الشعبي الغربي، وهو إسكافي يهودي يُدعَى كارتافيلوس، طلب منه المسيح ﵇، وهو يحمل صليبه، جرعة ماء ليروي بها عطشه، ولكن الإسكافي ضربه بدلاً من أن يسقيه، وقال له: «فلتسرع يا يسوع، ماذا تنتظر؟» ، فأجاب المسيح: «أنا ذاهب ولكنك ستنتظر حتى أعود» ، فحلت على اليهودي لعنة جعلته يجوب بقاع الأرض إلى أن يعود المسيح مرة أخرى، ومن هنا سُمِّي «اليهودي التائه» . وقد بدأت الأساطير المستوحاة من هذه الشخصية الغريبة في الظهور في القرن الثالث عشر وتحولت إلى إحدى الصور الإدراكية النمطية التي يدرك العالم الغربي اليهود من خلالها. ومن الكتب الأولى التي أشارت إليه كتاب زهور التاريخ للراهب الإنجليزي روجر (من وندوفر) عام ١٢٢٨. وكانت الشائعات تظهر من آونة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، أن اليهودي التائه قد شُوهد يتجول في هذا المكان أو ذاك بلحيته الطويلة البيضاء وعيونه اللامعة الشريرة وعصاه الطويلة. وكانت آخر مرة قيل إنه شُوهد فيها خلال القرن التاسع عشر.
وقد وجدت هذه الأساطير سنداً لها في سفر ماثيو في كلمات المسيح التي تقول: «الحق أقول إن من القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته» (إنجيل متى ١٦: ٢٨) .
وقد ظل اليهودي التائه رمزاً للشعب اليهودي، هذا الشعب الشاهد الذي يقف خارج التاريخ شاهداً مقدَّساً على التاريخ من وجهة نظر اليهود، منبوذاً من الجميع، ومن وجهة نظر المعادين لليهود شعباً عضوياً منبوذاً. وأساس هذه الصورة هو اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة والربا كجماعة وظيفية وسيطة، ووقوفهم خارج العملية الإنتاجية على هامش المجتمع، وانتقالهم من بلد إلى بلد بسبب طردهم أو سعياً وراء الربح. كما كان أبطال اليهود في العهد القديم رجالاً جوَّالين لا منزل لهم بسبب البيئة الرعوية التي كانوا يتحركون فيها.
стр. 1982
وقد استغل تراث معاداة اليهود في الغرب هذه الصورة في ترسيخ سلبيات ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» في الوجدان الشعبي. ورغم أن أسطورة اليهودي التائه اختفت بعض الوقت، إلا أنها عاودت الظهور في القرن السادس عشر، مع تصاعد الحمى المشيحانية وانتشار العقيدة الألفية أو الاسترجاعية، بعدة أسماء من بينها اسم أهازويروس. وبظهور الرؤية الرومانتيكية للعالم وظهور الفلسفات العبثية والعدمية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتحوُّل الاغتراب إلى إحدى علامات التميز والتفوق في الخطاب الفلسفي، تحوَّل اليهودي التائه بدوره إلى رمز لهذا الإنسان المغترب الذي يرفضه المجتمع بسبب تميُّزه ويتعاطف معه المثقفون الثائرون على مجتمعاتهم، وهو الأمر الذي أدَّى إلى خلق جوٍّ من التعاطف الرومانسي مع اليهود.
وتجدر الإشارة إلى أن اليهودي التائه، سواء أكان شخصية سلبية مخربة أم كان شخصية إيجابية عبقرية، يقف دائماً خارج التاريخ وخارج نطاق ما هو إنساني وسويّ. ومن هنا، يمكننا أن نرى كيف يمكن أن تتحول الصورة من صورة يستخدمها المعادون لليهود إلى صورة يستخدمها المحبون لليهود، وذلك دون إدخال أية تغييرات على بنيتها العامة.
هب هب
Hep, Hep
стр. 1983
» هب هب» صيحة استهزاء كانت شائعة في ألمانيا والنمسا. ويُقال إنها اختصار للعبارة اللاتينية «هيروسوليما إست برديتا hierosolyma est perdita» ، ومعناها «لقد ضاعت القدس» التي شاعت أثناء حروب الفرنجة. وهناك رأي يذهب إلى أنها مجرد صوت يستخدم لقيادة الحيوانات المستأنسة، وخصوصاً الكباش والماعز في مقاطعة فراكونيا، مع افتراض أن اليهود هم الماعز بسبب لحيتهم الطويلة. وهناك نظرية ثالثة ترى أنها اختصار لكلمة «هبراير hebraer» أي «عبرانيون» . وقد استُخدمت العبارة في اضطرابات عام ١٨١٩ التي يُطلَق عليها «اضطرابات هب هب» والتي كانت تعبيراً عن احتجاج بعض قطاعات الشعب ضد إعتاق اليهود. وتعود الاضطرابات إلى عدة أسباب من بينها أن عام ١٨١٦ كان عام مجاعة للفلاحين، فاضطروا إلى الاستدانة من المرابين اليهود، كما عمت البطالة صفوف العمال في ألمانيا آنذاك. وقد رأت العناصر الثورية أن اليهود صنائع لمترنيخ (الذي أشيع عنه أنه كان يتسلم راتباً من كبار المموِّلين اليهود) ، وأن مؤتمر فيينا (١٨١٤ـ ١٨١٥) الذي أوصى بزيادة حقوق اليهود في ألمانيا هو ثمرة هذه العلاقة.
كايك وشيني
Kike and Sheeny
«كايك» هي كلمة تحقير إنجليزية أمريكية ذات نبرة عنصرية فاقعة يستخدمها أعداء اليهود للإشارة إليهم. وقد نحت الكلمة، في القرن التاسع عشر، يهود أمريكيون من أصل ألماني لوصف اليهود المهاجرين من شرق أوربا، وهي إشارة واضحة إلى اللغة اليديشية التي تضم كلمات سلافية كثيرة وإلى اللغة الروسية التي كان يتحدث بها بعضهم، والتي تحتوي على عدد كبير من الكلمات تنتهي بحرف الكاف، مثل «تشرنحوفسكي» و «مالينوفسكي» ... إلخ. كما نحت اليهود من أصل ألماني كلمة «شيني» وهي أيضاً كلمة تحقير أخرى لوصف يهود اليديشية.
إسرائيل ويست
Israel West
стр. 1984
«إسرائيل ويست» مصطلح يستخدمه المعادون لليهود في الولايات المتحدة ومعناه «إسرائيل غرب» . وفي الولايات المتحدة، عادةً ما يشير بعض أعضاء الأغلبية أو أعضاء الأقليات الأخرى إلى المناطق التي يسكن فيها أعضاء الجماعة اليهودية على أنها «إسرائيل» (تماماً كما يُشار إلى أحياء الأمريكيين السود بأنها «أفريقيا» ) . وقد أشار أحد المتحدثين مرة إلى ما سماه «ذي جويش ستيت أوف نيويورك The Jewish State of New York» أي «ولاية نيويورك اليهودية» . وهو لعب على لفظ «ستيت state» الإنجليزي والذي يعني «ولاية» و «دولة» في آن واحد (وأحياناً لا تحمل الإشارة أي مضمون قدحي بل تكون كما في الإشارة إلى «تشينا تاون Chinatown» أي «مدينة الصينيين» وإلى «ليتل إيجيبت Little Egypt» أي مصر الصغرى) .
وأخيراً، قام ديفيد ديوك، أحد زعماء جماعة الكو كلوكس كلان المعادية للأمريكيين السود، بطرح فكرة بشأن الأقليات التي «لا يمكن دمجها» حسب تعبيره. وسيتم بموجب هذه الخطة نقل (ترانسفير) كل يهود أمريكا إلى «إسرائيل غرب» ، أي في ولاية لونج أيلاند وفي حي مانهاتن في نيويورك (باعتبار أن فلسطين هي إسرائيل شرق) . وقد أشار ديوك إلى أن عملية الترانسفير هذه قد لا تكون مناسبة بالنسبة لبعض اليهود، ولكنها ـ حسب قوله ـ لن تمس سوى مليوني يهودي، وهو رقم أقل من الثمانية ملايين من الأمريكيين الذين أُرسلوا إلى خارج الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. وفي إشارة واضحة إلى الدولة الصهيونية، قال ديوك: "إن هذا العدد أقل بكثير من الثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني التي قامت «إسرائيل شرق» بطردهم من ديارهم".
الباب الثالث: معاداة اليهود والتحيز لهم
معاداة اليهود (والتعاطف مع الصهيونية) كإمكانية/ إشكالية كامنة منذ العصور الوسطى في الغرب
Anti-Semitism (and Pro-Zionism) as a Latent Possibility\ Proble-matic since the Middle Ages in the West
стр. 1985
يُلاحظ الدارس أن كلاًّ من ظاهرة معاداة اليهود والصهيونية (وهما وجهان لعملة واحدة) متجذّرتان في الحضارة الغربية. وهذا يعود إلى عدة أسباب تراكبت معاً، ويمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلي:
١ ـ سيطر على الحضارة الغربية منذ نشأتها نموذج عضوي في التفكير، ومثل هذه النماذج عادةً ما تفضل التجانس على عدم التجانس، والاتساق الداخلي الصارم على عدم الاتساق، والواحدية على التعددية، ومن ثم يكون وضع الأقليات قلقاً وغير مستقر، باعتبارها عنصراً من عناصر عدم التجانس.
٢ ـ تعود جذور الحضارة الغربية إلى المدن/الدول اليونانية، وهي تشكيلات حضارية صغيرة تتسم بالتجانس الشديد ولا يوجد فيها مكان للغريب، وهو ما دعم هذه الرؤية العضوية، على عكس الحضارات الشرقية التي نشأت في أحضان التشكيلات الإمبراطورية الضخمة فكان عليها أن تتعامل مع عشرات الشعوب والأقليات العرْقية والدينية.
وحينما نشأت الإمبراطورية الرومانية وبسطت نفوذها على الشرق والغرب، فلم تستطع هزيمة التشكيلات الحضارية الشرقية المحلية (الأرمن ـ الأقباط ـ الثقافة الآرامية) بينما قضت على كثير من اللغات والتشكيلات الحضارية في القارة الأوربية وفرضت الثقافة اللاتينية، أي أنها قضت على التنوع الحضاري في القارة الأوربية.
стр. 1986
٣ ـ طرح الإسلام من البداية مفاهيم أخلاقية ومقولات قانونية للتعامل مع الأقليات الدينية والعرْقية (وهو في هذا متسق إلى حدٍّ كبير مع التقاليد الحضارية في الشرق الأوسط في كثير من مراحله التاريخية) ، بينما فشلت المسيحية الغربية في تطوير أية مقولات بشأن الأقليات، حيث لا يصلح مفهوم المحبة (المسيحي) لتنظيم العلاقة بين الأقلية والأغلبية. وفي الوقت نفسه، ظهر مفهوم الشعب الشاهد (الكاثوليكي) والعقيدة الاسترجاعية (البروتستانتية) وهي مفاهيم تتسم بالإبهام الشديد، فهي من ناحية تضع اليهود في مركز الكون باعتبارهم شعباً مقدَّساً، حَمَلة الكتاب المقدَّس، ويتوقف خلاص الكون على استرجاعهم، ولكنهم أيضاً هم قتلة الإله، وهم كذلك في شتاتهم وضعَتهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة. كما أن خلاص الكون يتوقف على تنصيرهم. وقد ورثت المسيحية الغربية العرف الألماني حيث طُبِّق قانون الصيد على اليهود، وهو قانون يجعل من الغريب ملكاً للملك ومن ثم أصبح اليهود ملكية للملك، وكذلك كتلة بشرية تتعاقد مع الحكومة وليسوا أهل ذمة، فكانوا يوقعون المواثيق التي تمنحهم الحماية والمزايا نظير خدمات يؤدونها أو ضرائب أو مبالغ مالية يدفعونها.
٤ ـ تحوَّلت الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تقف على هامش المجتمع دون أن تصبح من صميمه. وحينما بدأت عملية علمنة الفكر والحضارة الغربية، تمت مناقشة المسألة اليهودية في ضوء مفهوم نفع اليهود، وهو أمر منطقي للغاية إذ أن الجماعة الوظيفية هي جماعة يستند بقاؤها إلى مدى نفعها.
٥ ـ ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم الشعب العضوي المنبوذ الذي يشكل إطار كل من العداء العرْقي لليهود والتحيز الصهيوني لهم.
٦ ـ ظل اليهود خارج التشكيل الرأسمالي كرأسمالية منبوذة. كما أن الفكر الاشتراكي، كان ينظر إليهم باعتبارهم عناصر تجارية طفيلية مستغلة.
стр. 1987
٧ ـ ارتبط اليهود بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني وجرى النظر إليهم باعتبارهم مادة استيطانية نافعة.
٨ ـ شكلت كل هذه العناصر الإطار الذي تطورت من خلاله الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ومما له دلالته أن صهيونية غير اليهود تسبق صهيونية اليهود بعشرات السنين، فالصهيونية ظاهرة لصيقة بالحضارة الغربية ويقع عقد بلفور في هذا الإطار حيث تقرَّر إخراج اليهود من التشكيل السياسي الغربي، لأنه لا يطيق وجودهم داخله كعنصر غريب، وتقرَّر نقلهم إلى أي مكان خارج أوربا كعنصر نافع، على أن تقوم أوربا (التي طردتهم) بحمايتهم ودعمهم وضمان بقائهم واستمرارهم وتوظيفهم لصالحها داخل إطار الدولة الوظيفية التي تتحرك في الفلك الغربي. فالدولة الصهيونية هي في نهاية الأمر تَحقُّق هذه الإمكانية الكامنة في الحضارة الغربية: العداء العرْقي لليهود والتحيز الصهيوني لهم. وقد استبطنت المادة البشرية اليهودية المُستهدَفة هذه الصيغة فهوَّدتها.
التحيز لليهود (حب السامية (
Phlio-Semitism
стр. 1988
«التحيز لليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء الاصطلاح الإنجليزي «فيلو سيميتزم» ، والذي يعني حرفياً «حب السامية» أو «حب الساميين» ، وهو مصطلح شائع في اللغات الأوربية يشير إلى مشاعر الحب التي قد يشعر بها بعض الأغيار تجاه اليهود (مقابل ( «أنتي سيميتزم» والتي تعني «معاداة اليهود» ) . ومصطلح «حب اليهود» الذي نشير إليه بعبارة «التحيز لليهود» له من العمومية ما لمصطلح «معاداة اليهود» . فالموسوعات تورد أسماء حيرام ملك صور، وقورش الأخميني، والإسكندر المقدوني، ويوليوس قيصر، والإمبراطور الروماني جوليان، وردريجير هاوتسمان أسقف سبير، وإمبراطور ألمانيا فريدريك باربروسا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفريدريك الثاني إمبراطور النمسا، وكاسيمير الأعظم ملك بولندا، على اعتبار أنهم جميعاً أصدقاء لليهود ومحبون لهم. وإذا نظرنا إلى كل اسم على حدة، لوجدنا أن تحيُّزه لليهود (أو أعضاء الجماعات اليهودية في مصطلحنا) ينبع من مواقف تاريخية متباينة. فحيرام ملك صور كان يود تحسين علاقته مع سليمان ملك العبرانيين حتى تُتاح له فرص التجارة. وقورش الأخميني أعاد اليهود وغيرهم من الأقوام المهجَّرة ضمن سياسة الإمبراطورية الفارسية. أما الإسكندر الأكبر فليس له موقف محدد من اليهود، وهو على كل لم يكن لديه سبب قوي لحبهم أو كرههم. أما يوليوس قيصر، فكان مديناً لليهود لتأييدهم له في سياساته. أما أصدقاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب، فقد كان اهتمامهم ينصب في معظم الأحوال على اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة تُنشِّط التجارة وتحقق دخلاً كبيراً لهم.
стр. 1989
ويمكن القول بأنه مع عصر النهضة والإصلاح الديني، بدأ يظهر اهتمام خاص بالثقافة العبرية وباليهود في العالم الغربي. وبدأ التأكيد على أن اليهودية هي أحد مصادر المسيحية، فبيَّن المفكر الهولندي هوجو غروتيوس المصادر المشتركة بين المسيحية واليهودية في كتابه حقيقة المسيحية. وألف لوثر كتاباً بعنوان المسيح وُلد يهودياً. وبدأ كثير من الكُتَاب يهتمون بالتلمود وكتب القبَّالاه والتراث الديني اليهودي. وقد انعكس هذا الاتجاه، في نهاية الأمر، في ظهور القبَّالاه المسيحية ومصطلح «التراث اليهودي - المسيحي» الذي اكتسب شيوعاً كبيراً. كما ظهر الاهتمام بالموضوعات اليهودية والعبرية في الآداب والفنون الغربية، وكان هذا أمراً جديداً إلى حدٍّ كبير. وظهرت معالجة إيجابية لشخصية اليهودي في أعمال ملتون وراسين وباسكال ورمبرانت وسكوت وبايرون وجورج إليوت وغيرهم من الكتاب.
وقد تزايد التحيز لليهود نتيجة عدد مترابط من الأسباب:
١ ـ طرح الإصلاح الديني في الغرب تصوُّراً جديداً للعلاقة بين الخالق والمخلوق بحيث يتم الخلاص لا من خلال الكنيسة وإنما من خارجها. وأصبح من حق الفرد المسيحي أن يفسر الكتاب المقدَّس بنفسه تفسيراً حرفياً يبتعد عن التفسيرات المجازية والرمزية التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية. وقد اكتسب الكتاب المقدَّس بشقيه (العهد القديم والعهد الجديد) أهمية خاصة في الوجدان الغربي، وأصبح العهد القديم من أكثر الآثار الأدبية شيوعاً. وقد ساهم كل ذلك في تزايد الاهتمام بأعضاء الجماعات اليهودية وبميراثهم الديني في العالم الغربي.
٢ ـ منذ نهاية القرن السادس عشر، ومع تعاظُم انتشار العقيدة البروتستانتية، شهد العالم الغربي انتشار العقيدة الألفية التي تربط بين رؤية الخلاص وعودة اليهود إلى فلسطين.
стр. 1990
٣ ـ ساهم ظهور الفكر المركنتالي، الذي أكد أهمية النشاط التجاري، في الاهتمام باليهود كعنصر تجاري نشيط وكواحد من أهم عناصر التجارة الدولية.
٤ ـ شهد القرن السادس عشر بدايات حركة الاستيطان الغربية. ويبدو أن أسطورة الاستيطان الغربية والصورة الوجدانية الأساسية، في مراحل الاستيطان الأولى على الأقل، كانت أسطورة عبرانية. فقد كان المستوطنون البيض في كل أرجاء العالم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم عبرانيين يخرجون من مصر (بلادهم الأصلية) ثم يصعدون إلى صهيون (البلد الجديد) ويهاجمون الكنعانيين (السكان المحليين) ويبيدونهم عن بكرة أبيهم. وكان المستوطنون الأمريكيون يشيرون إلى أنفسهم على أنهم «أبناء العهد» ، ويشيرون إلى القارة الأمريكية على أنها «صهيون الجديدة» ، بل تم التفكير في تبنِّي العبرية كلغة رسمية للولايات المتحدة عند إعلان استقلالها.
٥ ـ انتشر في القرن الثامن عشر فكر الربوبيين، الذين كانوا ينادون بأن العقل قادر على الوصول إلى فكرة الخالق بدون حاجة إلى ديانات منزلة أو معجزات أو وحي خاص، وهو الفكر الذي تطوَّر ليصبح الفكر العلماني فيما بعد. وقد أظهر هؤلاء المفكرون الربوبيون والعلمانيون اهتماماً باليهود من حيث هم أعداء الكنيسة.
стр. 1991
ويمكننا القول بأن الاهتمام بالتراث الديني لليهود لا يعني بالضرورة اهتماماً بهم كبشر. إذ كان كثير من المفكرين يهتمون بأبطال العهد القديم ويكنون، مع هذا، احتقاراً عميقاً لليهود بوصفهم جماعات دينية أو إثنية. بل إن عظمة التراث الديني اليهودي في رأي هؤلاء تقف شاهداً على مدى ضعة اليهود. كما أن مناداة المرء بمنح اليهود، وغيرهم من أعضاء الأقليات، حقوقهم السياسية كاملة يُعتبَر جزءاً من فلسفة سياسية ليبرالية عامة، وليس تعبيراً عن حب خاص أو تحيُّز لهم أو ضدهم. كما يمكن الاهتمام بالتراث الديني اليهودي كجزء من الاهتمام بتراث الديانات التوحيدية دون أي تركيز على اليهود ذاتهم، وخصوصاً أن علاقتهم بتراثهم الديني قد تآكلت إلى حدٍّ كبير.
ولذا، سنقصراستخدام مصطلح «التحيز لليهود» على هؤلاء الذين يعطون اليهود مركزية خاصة في رؤيتهم للعالم. ومن أهم هؤلاء اللورد شافتسبري (السابع) ، ولورانس أوليفانت، ولورد بلفور، ممن يُطلَق عليهم مصطلح «الصهاينة غير اليهود» . وعند تحليل فكر هؤلاء، سنكتشف أنه فكر معاد لليهود وأن حبهم لليهود ومحاولة مساعدتهم على الهجرة إلى فلسطين هي أيضاً محاولة للتخلص منهم. فالهجرة، التي تُطرَح حلاًّ للمسألة اليهودية، وتتضمن توظيفاً لليهود باعتبارهم مادة بشرية، هي تهجير وطرد وترحيل. وربما كانت فكرة الشعب العضوي، الذي يُنبَذ بسبب عضويته، هي الأساس الفكري لهذا الحب/الكره. والتركيز على اليهود كعنصر أساسي في أية عملية استيطانية هو علمنة لفكرة الشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ الغربي، والذي ليس له قيمة ذاتية في حد ذاته وإنما يكتسب قيمته بمقدار أدائه لوظيفته وبمقدار نفعه. وقد تبدَّى هذا الحب/الكره في نهاية الأمر في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
شيلوك
Shylock
стр. 1992
شخصية أساسية في مسرحية تاجر البندقية لوليم شكسبير، وهو يهودي يعمل بالربا. وقد أصبحت الكلمة جزءاً من المعجم الإنجليزي وتعني «الرجل الطماع الشره الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه» . ولا يُعرَف على وجه الدقة أصل هذا الاسم، فهو ليس اسماً يهودياً، ولذا تضاربت النظريات بشأنه، فيُقال إنه مأخوذ من كلمة «شيلوه» ، ويُقال أيضاً إنه مأخوذ من كلمة «شالح» وهي شخصية يرد اسمها في سفر التكوين (١١/١٤ ـ ١٥) .
ويتسم الفكر العنصري بأنه فكر اختزالي، أي أنه فكر كسول، لا يكد ولا يتعب لكي يحيط بتركيبية الواقع وتعدُّد مستوياته، بل يقنع بإدراك هذا الواقع إما على مستوى واحد أو من خلال صورة إدراكية واحدة بسيطة أو صورة مجازية اختزالية ساذجة. فالعالم كله ذو بُعد واحد، وهو يشبه الساعة أو النبات الذي يتبع دورات طبيعية منتظمة، وهناك منهج واحد لإدراك كل الظواهر إنسانية كانت أم مادية، والبشر دوافعهم كلها مفهومة ويمكن تفسيرها من خلال عامل أو أكثر من العوامل المادية (فالإنسان يمكن رده إلى قوانين الطبيعة) ، وكأن العالم (الطبيعة والإنسان) كيان أحادي مكوَّن من ذرات وأرقام، كما يتصور بعض الماديين السذج والعلماء البسطاء من دعاة الواحدية المادية الكونية.
стр. 1993
ويتَّسم الأدب العظيم بأنه يرفض هذه الاختزالية والواحدية الكونية، ويحاول أن يعود بالإنسان إلى ذاته ليدركها ويُقدرها حق قدرها، ولذا فهو يقدم صورة للنفس البشرية باعتبارها كياناً مركباً إلى أقصى حدٍّ يستعصي على التفسيرات المادية البسيطة ولا يمكن أن ينضوي تحت القوانين العلمية الرتيبة، فالعالم بالنسبة للأديب العظيم لا يمكن أن يُختَزل في بُعد واحد أو أن يُردَّ إلى مستوى مادي واحد أو أن يسقط في صورة مجازية واحدة ساذجة. واللغة الأدبية المجازية تنفر من لغة الجبر والقوانين الهندسية لأنها تتعامل مع ظاهرة مركبة. وإذا كانت لغة الجبر لغة بسيطة لا تتحمل الإبهام، فلأنها لغة تهدف إلى وصف الأشكال الهندسية وحركة الكواكب وعلاقة الأرقام والذرات وكل ما هو محسوس وقابل للقياس. أما لغة الأدب، فتتعامل مع الإنسان في أفراحه وأتراحه، ومن ثم فهي لغة مجازية تحاول الإفصاح عن المفارقات والتعبير عن الشيء وعكسه في آن واحد وتتعامل مع المحدود واللا محدود والمتناهي واللا متناهي وما يُقاس وما يستعصى على القياس.
والأنماط الإدراكية العنصرية هي أنماط اختزالية تبسيطية تُعبِّر عن كسل من يستخدمها، فهي تختزل الآخر في كلمة أو كلمتين وفي صورة بسيطة وفي صورة مجازية أكثر بساطة، فالآخر «غشاش» ولا يمكن الثقة فيه. والعالم سيصبح مكاناً جميلاً رائعاً فردوسياً لو اختفى منه هذا الآخر، فالآخر هو الجحيم وهو مصدر كل التعاسة.
ومن أهم الأنماط الإدراكية الاختزالية للآخر، والتي توجد في كل الأدبيات العنصرية في العالم، صورة الآخر باعتباره «حريصاً على المال» و «شرهاً بطبعه» ، وهي صورة منتشرة عن الصينيين في جنوب شرق آسيا، وعن الباكستانيين في إنجلترا، وعن اليهود في أوربا والعالم العربي.
стр. 1994
وهذه الصورة الإدراكية الاختزالية كثيراً ما يكون لها أساس في الواقع، ولكن ما يفعله العقل العنصري هو أنه يعزل بعض التفاصيل عن واقعها المركب وعن أسبابها وملابساتها ويحولها إلى بنية مجردة ونموذج إدراكي معرفي يفسر به كل الأمور. ولنأخذ تهمة الحرص الزائد هذه التي يدعي العنصري أنها صفة لصيقة بطبيعة الآخر. لو دقق العنصري الاختزالي قليلاً لاكتشف أن الصينيين والباكستانيين أهل كرم في بلادهم، وأن عقائدهم الدينية تشجع على السخاء وإكرام الضيف، ولذا فالحرص المتطرف ليس أمراً كامناً في طبيعة الصينيين أو الباكستانيين أو في عقائدهم الدينية، وإن وُجد مثل هذا الحرص الشديد فيهم فلابد من البحث عن مصدره في مكان آخر. ولو دقق صاحبنا العنصري قليلاً لاكتشف أن هؤلاء الباكستانيين والصينيين واليهود يعيشون في بلاد غير بلادهم، وأن إحساسهم بالأمن يكون عادةً ضعيفاً بينما يتزايد إحساسهم بالخطر، وعادةً لا يكون لهؤلاء الغرباء علاقة بالأرض أو الثوابت في المجتمع إذ أن كيانهم ووجودهم في المجتمع يستند إلى الدور الذي يلعبونه وإلى الوظيفة التي يضطلعون بها وإلى الثروة التي يراكمونها، ولذا يصعب عليهم أخذ موقف متسامح من المال.
كما أن هذا الصيني الشره في علاقته مع الأغلبية، عادةً ما يكون سخياً جداً مع أعضاء جماعته ومع وطنه الأصلي إن وُجد. فكأن هذا الصيني الشره، في علاقته مع الأغلبية في المجتمع المضيف، هو نفسه الصيني السخي في علاقته مع أعضاء جماعته. ويختزل العنصري كل هذا ويأبى إلا أن يركز على عنصر واحد منتزع من ملابساته الاجتماعية ولحظته التاريخية ومنفصل عن كل زمان ومكان.
стр. 1995
وقد قام شكسبير بتناول هذا النمط الإدراكي الاختزالي والعنصري في شخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. ولكن تناول شكسبير لهذا النمط الإدراكي هو نموذج جيد للأدب العظيم الذي يتجاوز كل محاولات الاختزال التي يتسم بها الفكر العنصري، فهو يقدم تصويراً مركباً لهذه الشخصية الأمر الذي جعل النقاد يقدمون تفسيرات عديدة لأبعادها وأصلها ودلالتها ويركز كل تفسير على بُعد واحد أو بُعدين، مع أن كل العناصر متداخلة. ولكن هذه هي حدود اللغة النقدية: إنها تقوم بتفكيك العمل الأدبي ثم تركيبه، فتقدم كل عنصر على حدة، وكأنه مستقل بذاته، على عكس العمل الأدبي الذي يقدِّم العناصر كافة في تداخُّلها وتركيبيتها وتزامنها. ورغم إدراكنا لهذه العناصر كافة، إلا أننا سنقوم بتقديم هذه التفسيرات المختلفة، كلاًّ على حدة، على أن يقوم القارئ برؤيتها في تلاحمها وتمازجها. ولن نُقدِّم هنا قراءة أدبية للنص ذاته، مسرحية تاجر البندقية، وإنما سننظر إلى النص باعتباره تعبيراً عن مواقف إنسانية متباينة متنوعة تُعبِّر عن نفسها خلال مستويات مختلفة (اجتماعية وفلسفية ونفسية وتاريخية وأدبية) أي أن اهتمامنا ليس أدبياً صرفاً، إذ أننا سنستخدم النص في دراسة هذه المواقف الإنسانية. ورغم أن دراستنا ليست أدبية خالصة، إلا أنها ستنير العمل الأدبي:
стр. 1996
١ ـ التفسير التاريخي: من المعروف أنه لم يكن يوجد يهود في إنجلترا زمن كتابة المسرحية (في أواخر القرن السادس عشر الميلادي ـ حوالي ١٥٩٧) إلا بعض يهود المارانو الذين كانوا يقيمون هناك. ويُقال إن رودريجيز لوبيز، طبيب الملكة إليزابيث، والذي اتُهم بالتآمر ضدها ثم أُعدم، هو النموذج الذي استخدمه شكسبير (وكان عدو رودريجيز لوبيز هو دوم أنطونيو، ومن هنا نجد أن أنطونيو هو أهم شخصية في المسرحية وعدو شيلوك اللدود) . ولكن المؤرخ الأمريكي اليهودي سيسل روث يذهب إلى أن شيلوك يهودي إشكنازي من البندقية. وكانت البندقية تضم في ذلك الوقت ثلاثة أنواع من اليهود كان يُشار إليهم باسم «الأمم الثلاث» : سفارد الشام والمارانو والإشكناز. وكان مصرحاً للسفارد والمارانو بالعمل في التجارة المحلية والدولية وكانوا يمتلكون السفن التجارية ويتاجرون مع الشام. أما الإشكناز، فكان ممنوعاً عليهم الاتجار، بل لم يكن مسموحاً لهم إلا بالعمل بالربا وبيع الملابس القديمة (وهي وظيفة مرتبطة تماماً بالربا) .
стр. 1997
٢ ـ التفسير الطبقي: يذهب بعض النقاد إلى أن أعضاء الأرستقراطية الإنجليزية الزراعية (الإقطاعيون) ، وكثيرون منهم كانوا يرتادون مسرح جلوب الذي كانت تُعرَض فيه مسرحيات شكسبير، بدأوا يشعرون بآثار الثورة التجارية وبنمو اقتصاد المدن والتضخم الذي صاحب ذلك، الأمر الذي زاد من نفقاتهم، ولكن لم تكن لديهم الكفاءات اللازمة للاستثمار التجاري باستثناء أقلية صغيرة منهم. ولهذا، بدأت ديونهم تزداد أكثر فأكثر. وفي الوقت نفسه، بدأت القيم التجارية التعاقدية تسود في المجتمع وتحل محل قيم الشرف والكرم والأبهة التي كان يؤمن بها هؤلاء الإقطاعيون. ويُجسِّد أنطونيو في المسرحية المذكورة الأخلاقيات الأرستقراطية، فهو كريم يقرض أمواله بدون فوائد، يعيش حياة مسرفة ولكنه ليس تاجراً بمعنى الكلمة لأنه غير مشغول بتراكم رأس المال. وهكذا، فإن أنطونيو يقف على الطرف النقيض من شيلوك عضو الجماعة الوظيفية المالية الذي لايدين بالوفاء إلا لقيمة التراكم ولا يدين بالولاء إلا للمال. ويعرِّف شيلوك الخير تعريفاً نفعياً مادياً حينما يشير إلى أن أنطونيو لديه من الممتلكات ما يسمح له برد الدين، فكأن حكمه عليه حكم مالي إجرائي ينزع عنه أية قداسة وينظر إليه بشكل موضوعي كمي غير تراحمي. ومقابل العلاقة الحميمة وكلمة الشرف التي يؤمن بها الأرستقراطيون، هناك العلاقات الموضوعية التعاقدية التي تؤمن بها الطبقة التجارية الجديدة والتي يدافع عنها شيلوك في المسرحية.
стр. 1998
٣ ـ التفسير الديني الاقتصادي: وهناك بعد ديني اقتصادي يتمثل في ظهور جماعات البيوريتان البروتستانت من عناصر البورجوازية الجديدة النشطة المؤمنة بتعاليم كالفن، والتي حوَّلت الزهد المسيحي في الدنيا من أجل الآخرة إلى زهد داخل الدنيا من أجل تراكم رأس المال، علامةً على الخلاص في الآخرة. ولذلك، كان هؤلاء يكرهون الملذات والإنفاق وارتياد المسرح والمسرات. ويجىء شيلوك، في هذه المسرحية، رمزاً لهذه القطاعات المتزمتة الملتزمة بالتراكم وحسب والتي تنكر العلاقات الإنسانية وخلاص الروح حتى تحقق تزايد الثروة. ولم يكن شكسبير مخطئاً على الإطلاق، فبعد فترة وجيزة استولى هؤلاء على الحكم في ثورة كرومويل وأغلقوا المسارح كليةً. وكان من المألوف آنذاك أن يتم الربط بين غلاة البروتستانت واليهود.
٤ ـ التفسير اللاهوتي: ولكن هناك بعداً دينياً خالصاً، فقد أشاع العهد الجديد صورة سلبية للغاية عن الفريسيين (وهي فرقة دينية يهودية ظهرت أيام المسيح) ، وفي هذه المسرحية ارتبطت هذه الصورة باليهود بصورة واضحة تماماً. ويمثل شيلوك الفريسي بالدرجة الأولى، فهو يحترم حرفية القانون لا روحه، وهو بلا عاطفة، كما أنه يجيد استخدام الكتاب المقدَّس لتبرير أفعاله (وهي تهمه وجهها المسيح إلى الفريسيين) . وأخيراً، ارتبط الفريسيون في الوجدان المسيحي بأنهم المحرضون الحقيقيون على صلب المسيح. ومن هنا، فإن شيلوك يُماثل الفريسيين، حين يطالب برطل اللحم، أما أنطونيو فهو كالمسيح إذ يمثل حَمَل الإله الذي سيُقدَّم للذبح.
стр. 1999
بل إن العلاقة بين شيلوك وأنطونيو هي مثل العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد كما يرى المسيحيون. فاليهودية تمثل لاهوت العدل دون رحمة، ومن ثم أصبح التعاقد والميثاق مسائل مركزية في العقيدة اليهودية. ولكن العدل بدون رحمة، حسب رأي المسيحيين، لن يؤدي إلى خلاص. ولهذا، فإن المسيحية هي لاهوت الرحمة التي لا يمكن للإنسان بدونها أن يصل إلى الخلاص. والمسيحية ترى أن العهد الجديد أكمل العهد القديم بل ربما حل محله ونسخه، وأصبحت الرحمة لا العدل هي الهدف. وقد أنكر اليهود المسيح واستمروا حبيسي العهد القديم ولاهوت العدل والقانون والتعاقد، ولكنهم يذوقون في نهاية الأمر أشد ألوان العذاب ويعانون في الدنيا، وبذلك فإنهم يقفون شاهداً على عظمة المسيحية والكنيسة. ومن هنا، فإن شيلوك يجسد العنصر اليهودي كما يجسد التعاقدية ولاهوت العدل، في حين يقف أنطونيو ممثلاً للمسيحية والرحمة ولاهوت المحبة.
ومع هذا، يُعطي شكسبير الفرصة لشيلوك ليُحاكم المسيحيين من منظور لاهوت الرحمة، هذا الذي يدَّعون إيمانهم به، فيُذكِّرهم بما كانوا يلحقونه به من أذى. كما يعطيه الفرصة للحديث عن الجوانب الإيجابية في فكرة التعاقد ولاهوت العدالة، فالإيمان بالتعاقد وبالعدل هو أيضاً إيمان بأن النفس البشرية ليست منزهة عن الهوى، وأن الأمور لو تُركَت للمحبة وحسب، لاختلط الحابل بالنابل لتحولت القيم الأخلاقية، ذات البُعد الاجتماعي، إلى تجارب نفسية شعورية. ويمكن القول بأن شكسبير يقترح علينا نموذجاً يجمع بين القانون والرحمة وبين العدالة والمحبة وبين التعاقد والتراحم وبين الذات والموضوع وبين الفرد والمجتمع.
стр. 2000
٥ ـ الجماعة الوظيفية: وقد اختلف النقاد في تفسير موقف شكسبير من شخصية شيلوك: هل هو يتعاطف معه جداً أم أنه يرفضه تماماً؟ وهل شيلوك شيطان رجيم يجب أن نفرح لسقوطه، أم أنه ضحية المجتمع المسيحي المستغل؟ وربما أمكن حسم هذه القضية بالتأكيد على هوية شيلوك كعضو في جماعة وظيفية أوكل لها المجتمع الاضطلاع بوظيفة الربا الذي يؤدي إلى دمار أعضاء المجتمع، أي أنه أداة دمار. ولكن عضو الجماعة الوظيفية لم يختر وظيفته، فوظيفته هي قدره ومصيره الذي اختير له. ومن ثم، فإن ما يقوله شيلوك عن نفسه باعتباره إنساناً أُهدرت إنسانيته هو أمر حقيقي، كما أن ما يُقال من أنه أداة استغلال صماء لا تدخل في علاقة إنسانية مع البشر وتحاول هدمهم هو أيضاً أمر حقيقي. وهذه الصورة المزدوجة التي يتحدث عنها بعض النقاد هي، في واقع الأمر، ازدواجية تُعبِّر عن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بأنفسهم وبالمجتمع، فهم بشر في علاقتهم بأنفسهم وهكذا يرون أنفسهم، وهم أدوات في علاقتهم بالمجتمع وهكذا يراهم المجتمع. والواقع أن شكسبير، وكُتَّاب آخرون من بعده، حاولوا أن يتعاملوا مع هذه العلاقة في تركيبيتها الصلبة وثنائيتها الحادة.
следующие страницы →