Полный текст (8 511 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
١ ـ التفسير التاريخي: من المعروف أنه لم يكن يوجد يهود في إنجلترا زمن كتابة المسرحية (في أواخر القرن السادس عشر الميلادي ـ حوالي ١٥٩٧) إلا بعض يهود المارانو الذين كانوا يقيمون هناك. ويُقال إن رودريجيز لوبيز، طبيب الملكة إليزابيث، والذي اتُهم بالتآمر ضدها ثم أُعدم، هو النموذج الذي استخدمه شكسبير (وكان عدو رودريجيز لوبيز هو دوم أنطونيو، ومن هنا نجد أن أنطونيو هو أهم شخصية في المسرحية وعدو شيلوك اللدود) . ولكن المؤرخ الأمريكي اليهودي سيسل روث يذهب إلى أن شيلوك يهودي إشكنازي من البندقية. وكانت البندقية تضم في ذلك الوقت ثلاثة أنواع من اليهود كان يُشار إليهم باسم «الأمم الثلاث» : سفارد الشام والمارانو والإشكناز. وكان مصرحاً للسفارد والمارانو بالعمل في التجارة المحلية والدولية وكانوا يمتلكون السفن التجارية ويتاجرون مع الشام. أما الإشكناز، فكان ممنوعاً عليهم الاتجار، بل لم يكن مسموحاً لهم إلا بالعمل بالربا وبيع الملابس القديمة (وهي وظيفة مرتبطة تماماً بالربا) .
стр. 1997
٢ ـ التفسير الطبقي: يذهب بعض النقاد إلى أن أعضاء الأرستقراطية الإنجليزية الزراعية (الإقطاعيون) ، وكثيرون منهم كانوا يرتادون مسرح جلوب الذي كانت تُعرَض فيه مسرحيات شكسبير، بدأوا يشعرون بآثار الثورة التجارية وبنمو اقتصاد المدن والتضخم الذي صاحب ذلك، الأمر الذي زاد من نفقاتهم، ولكن لم تكن لديهم الكفاءات اللازمة للاستثمار التجاري باستثناء أقلية صغيرة منهم. ولهذا، بدأت ديونهم تزداد أكثر فأكثر. وفي الوقت نفسه، بدأت القيم التجارية التعاقدية تسود في المجتمع وتحل محل قيم الشرف والكرم والأبهة التي كان يؤمن بها هؤلاء الإقطاعيون. ويُجسِّد أنطونيو في المسرحية المذكورة الأخلاقيات الأرستقراطية، فهو كريم يقرض أمواله بدون فوائد، يعيش حياة مسرفة ولكنه ليس تاجراً بمعنى الكلمة لأنه غير مشغول بتراكم رأس المال. وهكذا، فإن أنطونيو يقف على الطرف النقيض من شيلوك عضو الجماعة الوظيفية المالية الذي لايدين بالوفاء إلا لقيمة التراكم ولا يدين بالولاء إلا للمال. ويعرِّف شيلوك الخير تعريفاً نفعياً مادياً حينما يشير إلى أن أنطونيو لديه من الممتلكات ما يسمح له برد الدين، فكأن حكمه عليه حكم مالي إجرائي ينزع عنه أية قداسة وينظر إليه بشكل موضوعي كمي غير تراحمي. ومقابل العلاقة الحميمة وكلمة الشرف التي يؤمن بها الأرستقراطيون، هناك العلاقات الموضوعية التعاقدية التي تؤمن بها الطبقة التجارية الجديدة والتي يدافع عنها شيلوك في المسرحية.
стр. 1998
٣ ـ التفسير الديني الاقتصادي: وهناك بعد ديني اقتصادي يتمثل في ظهور جماعات البيوريتان البروتستانت من عناصر البورجوازية الجديدة النشطة المؤمنة بتعاليم كالفن، والتي حوَّلت الزهد المسيحي في الدنيا من أجل الآخرة إلى زهد داخل الدنيا من أجل تراكم رأس المال، علامةً على الخلاص في الآخرة. ولذلك، كان هؤلاء يكرهون الملذات والإنفاق وارتياد المسرح والمسرات. ويجىء شيلوك، في هذه المسرحية، رمزاً لهذه القطاعات المتزمتة الملتزمة بالتراكم وحسب والتي تنكر العلاقات الإنسانية وخلاص الروح حتى تحقق تزايد الثروة. ولم يكن شكسبير مخطئاً على الإطلاق، فبعد فترة وجيزة استولى هؤلاء على الحكم في ثورة كرومويل وأغلقوا المسارح كليةً. وكان من المألوف آنذاك أن يتم الربط بين غلاة البروتستانت واليهود.
٤ ـ التفسير اللاهوتي: ولكن هناك بعداً دينياً خالصاً، فقد أشاع العهد الجديد صورة سلبية للغاية عن الفريسيين (وهي فرقة دينية يهودية ظهرت أيام المسيح) ، وفي هذه المسرحية ارتبطت هذه الصورة باليهود بصورة واضحة تماماً. ويمثل شيلوك الفريسي بالدرجة الأولى، فهو يحترم حرفية القانون لا روحه، وهو بلا عاطفة، كما أنه يجيد استخدام الكتاب المقدَّس لتبرير أفعاله (وهي تهمه وجهها المسيح إلى الفريسيين) . وأخيراً، ارتبط الفريسيون في الوجدان المسيحي بأنهم المحرضون الحقيقيون على صلب المسيح. ومن هنا، فإن شيلوك يُماثل الفريسيين، حين يطالب برطل اللحم، أما أنطونيو فهو كالمسيح إذ يمثل حَمَل الإله الذي سيُقدَّم للذبح.
стр. 1999
بل إن العلاقة بين شيلوك وأنطونيو هي مثل العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد كما يرى المسيحيون. فاليهودية تمثل لاهوت العدل دون رحمة، ومن ثم أصبح التعاقد والميثاق مسائل مركزية في العقيدة اليهودية. ولكن العدل بدون رحمة، حسب رأي المسيحيين، لن يؤدي إلى خلاص. ولهذا، فإن المسيحية هي لاهوت الرحمة التي لا يمكن للإنسان بدونها أن يصل إلى الخلاص. والمسيحية ترى أن العهد الجديد أكمل العهد القديم بل ربما حل محله ونسخه، وأصبحت الرحمة لا العدل هي الهدف. وقد أنكر اليهود المسيح واستمروا حبيسي العهد القديم ولاهوت العدل والقانون والتعاقد، ولكنهم يذوقون في نهاية الأمر أشد ألوان العذاب ويعانون في الدنيا، وبذلك فإنهم يقفون شاهداً على عظمة المسيحية والكنيسة. ومن هنا، فإن شيلوك يجسد العنصر اليهودي كما يجسد التعاقدية ولاهوت العدل، في حين يقف أنطونيو ممثلاً للمسيحية والرحمة ولاهوت المحبة.
ومع هذا، يُعطي شكسبير الفرصة لشيلوك ليُحاكم المسيحيين من منظور لاهوت الرحمة، هذا الذي يدَّعون إيمانهم به، فيُذكِّرهم بما كانوا يلحقونه به من أذى. كما يعطيه الفرصة للحديث عن الجوانب الإيجابية في فكرة التعاقد ولاهوت العدالة، فالإيمان بالتعاقد وبالعدل هو أيضاً إيمان بأن النفس البشرية ليست منزهة عن الهوى، وأن الأمور لو تُركَت للمحبة وحسب، لاختلط الحابل بالنابل لتحولت القيم الأخلاقية، ذات البُعد الاجتماعي، إلى تجارب نفسية شعورية. ويمكن القول بأن شكسبير يقترح علينا نموذجاً يجمع بين القانون والرحمة وبين العدالة والمحبة وبين التعاقد والتراحم وبين الذات والموضوع وبين الفرد والمجتمع.
стр. 2000
٥ ـ الجماعة الوظيفية: وقد اختلف النقاد في تفسير موقف شكسبير من شخصية شيلوك: هل هو يتعاطف معه جداً أم أنه يرفضه تماماً؟ وهل شيلوك شيطان رجيم يجب أن نفرح لسقوطه، أم أنه ضحية المجتمع المسيحي المستغل؟ وربما أمكن حسم هذه القضية بالتأكيد على هوية شيلوك كعضو في جماعة وظيفية أوكل لها المجتمع الاضطلاع بوظيفة الربا الذي يؤدي إلى دمار أعضاء المجتمع، أي أنه أداة دمار. ولكن عضو الجماعة الوظيفية لم يختر وظيفته، فوظيفته هي قدره ومصيره الذي اختير له. ومن ثم، فإن ما يقوله شيلوك عن نفسه باعتباره إنساناً أُهدرت إنسانيته هو أمر حقيقي، كما أن ما يُقال من أنه أداة استغلال صماء لا تدخل في علاقة إنسانية مع البشر وتحاول هدمهم هو أيضاً أمر حقيقي. وهذه الصورة المزدوجة التي يتحدث عنها بعض النقاد هي، في واقع الأمر، ازدواجية تُعبِّر عن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بأنفسهم وبالمجتمع، فهم بشر في علاقتهم بأنفسهم وهكذا يرون أنفسهم، وهم أدوات في علاقتهم بالمجتمع وهكذا يراهم المجتمع. والواقع أن شكسبير، وكُتَّاب آخرون من بعده، حاولوا أن يتعاملوا مع هذه العلاقة في تركيبيتها الصلبة وثنائيتها الحادة.
стр. 2001
وشيلوك شخصية فنية تأتي ضمن سلسة طويلة من الشخصيات الفنية رسمها الفنان الغربي لليهود قبل بعد تاجر البندقية (فاليهودي جزء لا يتجزأ من الخطاب الغربي في مشوار اكتشافه لذاته وتحديدها) . ومن أهم الشخصيات الفنية الأخرى شخصية باراباس في مسرحية مارلو يهودي مالطة (وهو شيطان صرف لا يتسم بازدواجية شيلوك) . وهناك شخصية اليهودي في رواية وولتر سكوت إيفانهو، وشخصية فاجين في قصة ديكنز أوليفرتويست، وشخصية دانيل ديروندا في رواية جورج إليوت التي تحمل هذا الاسم، والشخصيات اليهودية المختلفة في روايات دزرائيلي. وتوجد إشارات مختلفة في الشعر الإنجليزي، عن اليهود، منذ القرن التاسع عشر، على وجه الخصوص. ويُقال إن الشخصية الأساسية في قصيدة «الملاح القديم» لكوليردج هي أساساً اليهودي التائه. ويتراوح الموقف من اليهود في الأدب الإنجليزي (وفي الآداب الغربية عامة) بين الكره الشديد والحب العميق، بين النبذ والتقديس، وكلاهما موقف يستند إلى فكرة الشعب العضوي المنبوذ حيث تتم رؤية أعضاء الجماعات اليهودية لا باعتبارهم بشراً، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنما باعتبارهم كياناً عضوياً متماسكاً غير منتمٍ للمجتمع ومن ثم لابد من طرده.
وتوجد الظاهرة نفسها في الأدب الأمريكي. ولعل من أهم الكُتَّاب الأمريكيين المعادين لليهود الشاعر عزرا باوند الذي وصل في بعض كتاباته إلى رؤية اليهود كشياطين مسئولين عن كل شرور العالم.
فيودور دوستويفسكي (١٨٢١-١٨٨١ (
Foyodor Dostoyevsky
стр. 2002
روائي روسي، ومن أهم الروائيين العالميين على الإطلاق. كان موقفه من أعضاء الجماعات اليهودية يتسم بالعنصرية الشديدة. وهناك إشارات عديدة لأعضاء الجماعات اليهودية في كتابات دوستويفسكي غير الروائية، كما أن هناك إشارات هنا وهناك في أدبه الروائي، حيث توجد شخصيات يهودية في بعض رواياته، خصوصاً في بيت الموتى (١٨٦١) وهي رواية عن تجربة سجين (غير سياسي) في معتقل في سيبريا، ورد فيها وصف لسجين يهودي يقيم كل شعائر دينه بحرص شديد. ولكن أهم النصوص التي عبَّر فيها دوستويفسكي عن وجهة نظره العنصرية بشكل واضح ومباشر هي يوميات كاتب. ولا يختلف التناول الروائي لدوستويفسكي لليهود عما جاء في يومياته. وهذا يثير إشكالية كبرى وهي كيف يمكن لأديب، صاحب رؤية إنسانية في أدبه، أن يتسم موقفه المباشر والمعلن من أقلية دينية أو عرْقية بهذه العنصرية والاختزالية وضيق الأفق. وهذا ما سنحاول تفسيره (لا تبريره (.
стр. 2003
ولنبدأ دراستنا بمحاولة استخلاص رؤية دوستويفسكي لليهود كما وردت في يوميات كاتب. كان دوستويفسكي يشير إلى اليهود بكلمة «جيد Zhid» الروسية التي تحمل مضموناً قدحياً، ويرفض استخدام كلمة «يفري Yevrey» أي «عبري» التي تُعَدُّ أكثر حياداً. وكان يذهب إلى أن اليهود شعب واحد له تاريخ يمتد لأربعة آلاف عام، وهو شعب حيوي طاقته لا تنتهي نجح في الاحتفاظ ببقائه وتماسكه، ولذا كان يشير إليهم باعتبارهم «القبيلة اليهودية» التي يعيش أفرادها فيما يسميه «حالة الجيتو» ، يربطهم «ميثاق الجيتو» ، وهو ميثاق يطالبهم بعدم إظهار الرحمة نحو الغير وبالتعالي عليهم وبالعيش في عزلة عن كل الشعوب عبر آلاف السنين. ومن أهم عقائد هذا الشعب ـ حسب تصور دوستويفسكي ـ عقيدة الماشيَّح ذات المضمون القومي، وهي عقيدة تذهب إلى أن المسيح المخلِّص اليهودي سيعود ويقود شعبه إلى القدس مرة أخرى ويمنحهم إياها ويرمي جميع الشعوب تحت أقدامهم. وهذا الشعب اليهودي تحركه القسوة والرغبة في شرب الدماء، ولذا فهم يعملون بالتجارة، خصوصاً تجارة الذهب، ويديرون البورصات ويستغلون الطبقات الفقيرة، خصوصاً الأقنان. ويجأر اليهود بالشكوى من المعاناة التي يلاقونها في روسيا، ويدَّعون أنهم غير متساوين في الحقوق مع الروس، مع أن معاناة الأقنان الروس تفوق كثيراً معاناة اليهود.
стр. 2004
واليهود ـ حسب رأي دوستويفسكي ـ يوجدون في كل مكان، فهم يوجدون داخل التشكيل الاستعماري الغربي ويهيمنون على الرأسمالية الغربية، وهم بطبيعة الحال موجودون في كل الحركات الاشتراكية والثورية والفوضوية والعدمية. وقد جعل اليهود همهم إفساد الشعب العضوي الروسي إذ كانوا يقومون ببيع الكحول لهم وبالشرب من عَرَقهم ودمهم. وحينما أُعتق الأقنان، انقض عليهم اليهود واستغلوهم واستفادوا من هفواتهم الإنسانية. وهم في استغلالهم للناس لا يتسمون بالرحمة، فاستغلالهم للأقنان لا يختلف كثيراً عن استغلالهم للزنوج في الولايات المتحدة بعد إعتاقهم.
ويرى دوستويفسكي أنه حتى لو أُعطيت لليهود حقوقهم كاملة، فإنهم لن يتنازلوا قط عن أن يكونوا دولة داخل دولة. وهم يفعلون ذلك لأن مصالحهم مستقلة عن مصالح المجتمعات التي يعيشون في كنفها. بل إنه يرى أن هناك مؤامرة يهودية عالمية عبر التاريخ لخدمة المصالح اليهودية المستقلة وللدفاع عنها. فهو يشير إلى دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا باعتبار أن دفاعه عن الدولة العثمانية ضد روسيا وهو تعبير آخر عن المؤامرة اليهودية الأزلية ضد روسيا وعن المصالح اليهودية المستقلة (وهذا يختلف تماماً عن موقف المدافعين عن فكرة المؤامرة عندنا إذ يرى هؤلاء أن اليهود هم المسئولون عن سقوط الدولة العثمانية دفاعاً عن المصالح اليهودية) . ويتجاهل دوستويفسكي حقيقة بسيطة واضحة وهي أن دزرائيلي كان يدافع عن الدولة العثمانية ضد روسيا لا حباً في الدولة العثمانية وإنما نكاية في روسيا وحتى تظل عنصر توازن معها، وتمنعها من التوسع، الأمر الذي قد يضر بالمصالح الإمبريالية البريطانية.
стр. 2005
وفي الماضي، كان استغلال اليهود للآخرين أمراً تدينه العقيدة المسيحية، ولكن حدث تطوُّر في المجتمعات الغربية إذ أصبحت هذه المجتمعات تؤمن بمذهب المنفعة المادية. ويميِّز دوستويفسكي بين اليهود وروح اليهودية (وهو في هذا لا يختلف عن ماركس وعن كثير من المفكرين الغربيين في القرن التاسع عشر) ، فقد يوجد يهود طيبون ومع هذا تظل روح اليهودية هي المنفعة المادية. وقد انتشرت هذه الروح اليهودية النفعية المادية في المجتمع المسيحي بحيث أصبح الاستغلال فضيلة (يتحدث ماركس عن «تهويد المجتمع» بهذا المعنى (.
وإذا كانت الروح اليهودية هي الروح النفعية المادية، فإن حلقات المؤامرة اليهودية أصبحت على وشك الاكتمال، كما أن حكم اليهود للعالم اقترب وهيمنتهم الكاملة أصبحت أمراً وشيكاً. وقد لخص دوستويفسكي المسألة كلها بقوله إن ثمة تناقضاً أساسياً بين الفكرة السلافية (الروحية المسيحية) والفكرة اليهودية (المادية العلمانية) ، وصعود الفكرة اليهودية يعني تراجُع الفكرة السلافية، أي أن اليهودي هو الآخر الذي لابد من القضاء عليه!
ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن يعتنق أديب إنساني مثل دوستويفسكي مثل هذه الآراء التي لا تختلف كثيراً عما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون وكتاب هتلر كفاحي؟ لمحاولة تفسير هذه الظاهرة، يمكننا أن نشير إلى بعض الأسباب، بعضها خاص بدوستويفسكي ورؤيته للكون والبعض الآخر خاص بالمجتمع الروسي ككل وبوضع اليهودية فيه وموقف الروس منهم.
ولنبدأ برؤية دوستويفسكي للكون:
١ ـ كان دوستويفسكي يرى أن روسيا قد تكون امتداداً لأوربا ولكنها في الوقت نفسه نقيضها. ورغم إيمانه بأن روسيا مدينة لأوربا إلا أنه يرى أن "المرحلة الأوربية" في تاريخ روسيا قد انتهت، وأن أوربا تمثل الماضي، بينما تمثل روسيا المستقبل.
стр. 2006
٢ ـ والغرب، من منظور دوستويفسكي، دمرته المادية والقيم الديموقراطية وضمور الحس الخلقي وظهور النفعية والتمركز حول الذات.
٣ ـ كان دوستويفسكي يؤمن بالرسالة الأزلية لروسيا. فكل أمة، حسب وجهة نظره، لابد أن ترى أن خلاص العالم يكمن في خلاصها هي، وأن هدفها لابد أن يكون توحيد شعوب العالم كافة تحت قيادتها (أي أنه كان يؤمن بحتمية المشيحانية السياسية (.
٤ ـ من أهم أفكار دوستويفسكي فكرة الشعب العضوي (بالروسية: نارود) . فالشعب الروسي، حسب رأيه، شعب مرتبط بأرض روسيا الأم يستمد منها الطهر والأصالة، وهو شعب لم تفسده الحضارة الغربية بعد ولم يسقط في القيم التي دمرت هذه الحضارة. وهذا لا يعني عدم وجود فساد في روسيا وإنما يعني أن الفلاح الروسي حينما يرتكب الخطيئة يعرف أنها خطيئة، فهو لم يفقد بعد مقدرته على التمييز بين الخير والشر (أي أن حسه الخلقي لم يتم تحييده تماماً (.
٥ ـ وتشكل الكنيسة الأرثوذكسية (أطهر أشكال المسيحية) الإطار الديني لهذه الرؤية الكونية، كما تشكل الجامعة السلافية الإطار الحضاري أو العرْقي لها. ولذا، فإن مستقبل العالم منوط بإرادة النارود الروسي تحت رعاية الكنيسة الأرثوذكسية وبقيادة القيصر.
стр. 2007
وفي مقابل هذه المنظومة الدائرية المتماسكة التي يتداخل فيها الديني والقومي ويحل فيها الإله في الأرض الروسية والشعب الروسي، ينظر دوستويفسكي إلى الآخر الذي يقع خارج دائرة القداسة ويرفضه: وقد عرَّف الآخر بأنه أوربا الملحدة، والكاثوليك، والنظام الرأسمالي، والثورات الاشتراكية، ولكنه بالدرجة الأولى اليهود. فاليهود هنا ليسوا يهوداً وإنما هم النظام الجديد في العالم الحديث الذي يستند إلى البيع والشراء والمساومة والقيم البرجماتية ولا يعرف المثاليات أو المطلقات الأخلاقية. ولعل من المفيد الإشارة إلى أن علم الاجتماع الألماني يميِّز بين الجماينشافت (الجماعة المترابطة العضوية) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي الحديث) . واليهودي هو رمز هذا المجتمع التعاقدي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي.
ولا يمكن فهم موقف دوستويفسكي وحدوده إلا بفهم وضع اليهود في روسيا والموقف الروسي منهم والذي يتمثل فيما يلي:
١ ـ كره اليهودي أمر متجذر ومتأصل في الوجدان الروسي (والسلافي على وجه العموم) . فمسرح العرائس الشعبي كان يحوي شخصية اليهودي الجشع الجبان (رغم عدم وجود عدد يُذكَر من اليهود في روسيا) . ولعل هذا الكره لليهود يعود إلى أيام إمبراطورية الخزر اليهودية التركية التي هددت الروس وأخضعتهم لهيمنتها. كما أن العداء التقليدي بين روسيا وتركيا (نظراً لأن صعود الواحد مرتبط تاريخياً بهبوط الآخر) لعب دوراً في ذلك، خصوصاً أن الوجدان الغربي كثيراً ما يربط بين اليهود والمسلمين (ولذا، ربط دوستويفسكي بين دزرائيلي اليهودي والعثمانيين (.
стр. 2008
٢ ـ ومع ظهور الأدب الروسي الحديث، ظل هذا النمط الإدراكي مسيطراً إلى حدٍّ بعيد. ومما زاده حدةً، ضم روسيا لبولندا ولملايين اليهود. والملاحَظ أن مطامح الأرستقراطية الروسية في السيطرة على الريف، والأحلام الرجعية الروسية المتصلة بقضية الشعب (نارود) كشعب عضوي راض بوضعه، متسم بالهدوء والاتزان، ارتطمت كلها بوجود اليهود كعنصر تجاري متحرك داخل الريف الروسي. وحيث إن كثيراً من الكُتَّاب الروس الأوائل كانوا من الأرستقراطية، فقد سادت الأنماط المعادية لليهود. ويتضح هذا في موقف أساطين الأدب الروسي، مثل: تورجنيف (١٨١٨ ـ ١٨٨٣) وجوجول (١٨٠٩ - ١٨٥٢) بل تولستوي الذي كان يهاجم معاداة اليهود باعتبارها تتناقض مع ما ينادي به من ضرورة حب البشر، ولكنه كان في أماكن أخرى من كتاباته يُظهر موقفه الأرستقراطي الروسي المعادي لليهود. كما ظهر العداء لليهود في كتابات الأدباء النارودنيك مثل نيقولاي بيكراسوف (١٨٤١ ـ ١٨٧٨) وفيودور ريشتنكوف (١٨٤١ ـ ١٨٧١) . وقد تم الهجوم على اليهودي باعتباره مستغلاً للجماهير المسحوقة.
ولعل تشيخوف (١٨٦٠ ـ ١٩٠٤) من الكُتَّاب الروس القلائل الذين تناولوا شخصية اليهودي تناولاً يتسم بشيء من التعاطف. أما في الأدب السوفيتي، فقد كانت صورة اليهودي إيجابية على وجه العموم (بما يتفق مع الخط الرسمي للحزب) ، ولا تثير أية مشاكل خاصة. (ومع هذا، صدرت كتيبات سوفيتية ذات طابع عرْقي واضح هي مجرد استمرار للموقف الروسي القديم. كما أن تصريحات بعض القادة السوفييت كانت تنحرف أحياناً عن خط الحزب وتُعبِّر عن الأنماط الإدراكية العرْقية القديمة. بل إن بعض سياسات السوفييت لا يمكن تفسيرها إلا باعتبار أنها سياسة معادية لليهود (.
стр. 2009
٣ ـ كان المستوى المعيشي لأعضاء الجماعات اليهودية أعلى على وجه العموم من مستوى كثير من الفلاحين الروس، كما أن مستواهم التعليمي كان أعلى بكثير من مستوى الأغلبية (الروسية) . كما حقق بعض اليهود (مثل عائلة بولياكوف وجونزبرج) ثراءً واضحاً.
٤ ـ كان اليهود في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جماعة وظيفية فقدت وظيفتها وأساس بقائها. ومن ثم، كان أعضاؤها في حالة تَراجُع أخلاقي وحضاري هائلة. فتركَّزوا في مهن وحرف هامشية (عادةً مشينة) مثل تقطير الخمور وإدارة الحانات وبيع الملابس القديمة، كما كان عدد البغايا اليهود مرتفعاً إلى درجة كبيرة. وكان عدم تحدُّد ولاء أعضاء الجماعات اليهودية لروسيا أمراً مفهوماً، حيث كانوا عبر تاريخهم تابعين لبولندا عدو روسيا الأكبر. كما كانوا يتحدثون اليديشية، وهي لغة عدوهم الآخر: ألمانيا. ولذا، نجد أن صورة اليهودي كجاسوس صورة متواترة في الأدب الروسي. وهي صورة ذات أساس «مادي صلب» . وما لم يدركه دوستويفسكي وغيره أن هذه الحالة اليهودية لم تظهر إلى الوجود إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وأنها مرتبطة بعمليات التحديث في الإمبراطورية القيصرية، أي أنها مرتبطة بزمان ومكان محددين، ورغم أن يهود الإمبراطورية الروسية القيصرية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من يهود العالم، إلا أن حالتهم الخاصة لا يمكن تعميمها.
стр. 2010
وقد كتب تورجنيف قصة قصيرة بعنوان اليهودي (١٨٤٧) تُعبِّر بشكل مباشر عن هذا الاشمئزاز من اليهود، فبطل القصة يُعدَم بعد اتهامه بالجاسوسية. وهذا الموقف لا يختلف كثيراً عن موقف جوجول (١٨٠٩ ـ ١٨٥٢) في تاراس بولبا التي تقع أحداثها إبان حرب البولنديين والقوزاق. وتشتمل الرواية على وصف ليهودي صاحب حانة يتسم سلوكه بأنه مرتزق خائن يُشَك في أنه جاسوس للبولنديين (وقد ظهر الموضوع نفسه، أي اليهودي كجاسوس، في إحدى قصص الكاتب اليهودي الروسي السوفيتي إيزاك بابل بعنوان «بريستشكو» في مجموعة الفرسان الحمر (.
٥ ـ لم تكن عملية التحديث تتم بسرعة كافية في روسيا، ولذا ظهرت الأمور وكأن اليهود يبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على هويتهم والانسحاب من المجتمع الروسي.
٦ ـ كان اليهود متواجدين بالفعل في صفوف الثوريين (تروتسكي) والرأسماليين (جونزبرج) والرجعيين (ستاهل) والمسيحيين (شستوف) . كما كان لهم وجود ملحوظ في كل قطاعات المجتمع العلماني الجديد، الوضع الذي يعطي انطباعاً للمراقب السطحي بوجود اليهود في كل مكان وتآمرهم على كل القيم.
٧ ـ كان دوستويفسكي وكل الإنتلجنسيا (بل البيروقراطية الروسية) يعانون من جهل شديد بأحوال اليهود. ويعود هذا إلى أن دخول روسيا كان محرَّماً على اليهود حتى نهاية القرن الثامن عشر، ولذا لم تكن توجد في روسيا أعداد تُذكَر من اليهود. ثم ضمت روسيا أوكرانيا وبولندا في ذلك التاريخ وضمت مع الأراضي أكبر تجمُّع يهودي على وجه الأرض، وهو تجمُّع كان يتحدث اليديشية وكان له وضع اقتصادي وحضاري متميِّز.
стр. 2011
ورغم جهل دوستويفسكي الشديد بالحقائق التاريخية المتنوعة، قام بالتعميم استناداً إلى معرفته المقصورة على زمان ومكان محددين، فأصبح يهود روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هم اليهود كافة، واليهود في كل زمان ومكان. وهذه هي الطريقة التي تُولَد بها الأنماط الإدراكية العنصرية. ودوستويفسكي هو ابن عصره الغربي الذي هيمن عليه فكر عنصري إمبريالي (بالمعنى الحرفي) ، يقسم العالم إلى عنصرين اثنين متصارعين (الأنا والآخر) ، فيقدِّس الذات ويهدر حقوق الآخر، ولا يدخل في علاقة مركبة مع التاريخ وإنما يجتزئ منه ليدعم وجهة نظره العرْقية. وهذا ما فعله دوستويفسكي وهتلر، والعنصريون كافة قبلهما وبعدهما (وقد لاحَظ أحد الدراسين، بالفعل، السمات المشتركة بين هتلر ودوستويفسكي) .
ثم نأتي أخيراً للقضية التي طرحناها في بداية هذا المدخل: التناقض بين رؤية دوستويفسكي الإنسانية العالمية، والتي تتبدى أساساً في أعماله الأدبية، وموقفه العنصري الضيق تجاه اليهود. ودهشتنا لهذا التناقض مردها وهمان آخران:
١ ـ يُسيطر علينا تصوُّر مفاده أن ثمة اتساقاً عضوياً وتكاملاً في حياة البشر، وأن كل إنسان يتبع منطقاً واحداً في حياته. وتبعاً لهذا التصوُّر، لا يمكن أن يكون فرد واحد إنساناً عامر الإنسانية مع بني جلدته وقبيلته، متوحشاً بالغ الوحشية مع مجموعة إنسانية أخرى، ورغم أن هذا التصور منطقي، فإنه أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة، فالوجود الإنساني يتسم بالتناقض والتركيب، ويجتمع في داخل الإنسان الواحد الخير والشر والنبل الخسة.
стр. 2012
٢ ـ يُسيطر علينا أيضاً تصوُّر أن ثمة ارتباطاً (يكاد يكون عضوياً أيضاً) بين الحس الخلقي والحس الجمالي. ومرة أخرى، فإن هذا التصور المنطقي المجرد أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة. انظر مثلاً إلى أعمال الشاعر الأمريكي روبرت فروست، هنا نجد قصائد رائعة الجمال ترتبط فيها فكرة النظام بالمعنى الجمالي بفكرة النظام بالمعنى الأخلاقي، ولكن يُقال إن حياة هذا الشاعر الشخصية تتسم بكثير من القسوة والوحشية تجاه أقرب أقاربه. ويمكن أن يكتب أديب عملاً فنياً في غاية الرقي الفني ولكنه يدعو إلى الانحطاط. إن الحق والجمال أمران مختلفان، وهو أمر لا شك محزن، ولكن هذه هي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وعلينا أن نتأمل بشيء من التفلسف حينما نعرف أن ضباط فرق الصاعقة النازية كانوا يستمعون إلى موسيقى فاجنر الراقية ويناقشون الأعمال المعمارية الضخمة التي يشيِّدها النظام النازي وهم يشمون رائحة لحم ضحايا المحرقة النازية التي تشوى ضحاياهم. وانظر إلى القاهرة ذاتها تجد أن بعض أجمل المباني شيدها الإنجليز، هؤلاء الذي جيشوا الجيوش وأرسلوا بها إلى بلادنا لتنهبها وتحوِّلها إلى مصدر لفائض القيمة الذي يصّب في خزائن الإمبراطورية البريطانية.
إدوارد/أدولف درومون (١٨٤٤-١٩١٧ (
Edouard-Adolphe Drumont
стр. 2013
صحفي فرنسي، وواحد من أهم المفكرين المعادين لليهود في الحضارة الغربية. عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا، وهو عصر الهيمنة الأوربية على العالم واقتسامه بين القوى الإمبريالية المختلفة، وكان معروفاً باتجاهاته اليسارية في مقتبل حياته الصحفية. وقد اضطر درومون إلى الاستقالة من صحيفة لاليبرتيه عام ١٨٦٦ وأرجع هذا إلى سيطرة المليونير اليهودي ذي الاتجاهات السان سيمونية إسحق بريير الذي كان يمتلك الجريدة، واتهم اليهود بالسيطرة على الاقتصاد والإعلام، وظهر في العام ذاته كتابه فرنسا اليهودية في جزئين، وهو من أهم كلاسيكيات معاداة اليهود في الحضارة الغربية، ويُقال إنه كان أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في القرن التاسع عشر إذ طُبع ما يزيد على مائة طبعة، وتُرجم إلى عديد من اللغات.
ويتسم فكر درومون بأنه خليط من الأفكار الدينية الراسخة في الوجدان المسيحي الغربي والأفكار الاشتراكية والشيوعية التي حققت ذيوعاً بين الجماهير الأوربية في القرن التاسع عشر. ويتضح هذا في كتابه فرنسا اليهودية الذي يذهب فيه إلى أن اليهود عنصر تجاري هامشي بطبيعته يعوق نمو الطبقة الوسطى المحلية (المسيحية) بسبب سيطرته على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى. واليهود لا يندمجون مع الأمم الأخرى، فهم عنصر غريب، يعيشون بين الفرنسيين ولا يندمجون معهم، فهم لا وطن لهم. بل إن أولئك اليهود الذين يبدو كما لو كانوا مندمجين، هم في واقع الأمر أكثر العناصر خطراً، فهم مخادعون يتسللون داخل الأمة لإفسادها وتدميرها. ويُلاحَظ أن وصف درومون لليهود يقترب كثيراً من وصفنا للجماعات الوظيفية التي تعيش في المجتمعات المختلفة دون أن تكون فيها، والتي تندمج فيها كي تتعامل معها بكفاءة ولكنها تظل منعزلة عنها، وتحقق تراكماً هائلاً في الثروة. وقد اقترح درومون مصادرة أموال اليهود على أن تُستخدَم هذه الأموال لإيجاد وسائل إنتاجية للطبقة العاملة المُستغَلة.
стр. 2014
وفي عام ١٨٩٢، أسس درومون جريدة لا ليبر بارول والتي أفصح فيها عن رؤيته التي تجمع بين توجه كاثوليكي وتوجه اشتراكي في آن واحد والتي نشر فيها مقالاته عن فضيحة قناة بنما، وقد سجن لمدة ثلاثة أشهر بسببها. كما أسس جماعة رابطة أعداء اليهود، ثم كتب ملحقاً لكتاب فرنسا اليهودية وعدة كتب أخرى تُعبِّر عن الاتجاه نفسه المعادي لليهود. ورشح نفسه للانتخابات عام ١٨٩٨ وفاز بمقعد في البرلمان. ثم قاد الحملة ضد دريفوس، ولكن تبرئة دريفوس أدَّت إلى تراجُع نفوذه.
كارل ليوجر (١٨٤٤-١٩١٥ (
Karl Lueger
стр. 2015
سياسي نمساوي ومؤسس وزعيم الحزب المسيحي الاشتراكي النمساوي الذي اتسم بتوجهه المعادي لليهود. وُلد في فيينا لعائلة متوسطة ودرس القانون. بدأ حياته السياسية مع الجناح اليساري للحزب التقدمي حيث تعاون مع أعضائه من اليهود ومن بينهم أجناز ماندل الذي ظل صديقاً لليوجر ومستشاره السياسي لفترة طويلة. وقد انتخب ليوجر عضواً بمجلس مدينة فيينا عام ١٨٧٥ ودخل البرلمان عام ١٨٨٥. ورغم أن ليوجر نفسه لم يكن معادياً لليهود، ولم يكن متحمساً لفكرة الشعب العضوي الألماني، إلا أنه مثل غيره من السياسيين النمساويين في تلك الفترة، لم يتردد في استغلال كلا الأمرين من أجل تحقيق أغراضه وطموحاته السياسية. إذ كانت فيينا تضم في تلك الفترة مزيجاً من القوميات المختلفة، وكان استخدام أي سياسي لمشاعر معاداة اليهود يشكل أداة لتوحيد وكسب تأييد هذه الجماعات المتنافرة، وكذلك كسب تأييد البورجوازية الصغيرة التي كانت تعاني من المشاكل الاقتصادية. وقد اشترك ليوجر عام ١٨٩٣ في تشكيل الحزب المسيحي الاشتراكي. وكان يسعى لكسب أصوات البورجوازية الصغيرة لهزيمة الحزب الليبرالي الذي تولى السلطة آنذاك وحظي بتأييد يهود فيينا. وبالفعل، حقق ليوجر شعبية كبيرة بفضل مهاراته كخطيب، ونجح في أن يجعل حزبه القناة الرئيسية للتعبير عن الاستياء الاجتماعي والسخط العام. وهاجم ليوجر الرأسمالية والماركسية باعتبارهما نتاجاً للعقل اليهودي. وقد نجح حزبه في انتخابات مجلس مدينة فيينا، وانتُخب ليوجر عام ١٨٩٥ عمدة للمدينة، إلا أن الإمبراطور النمساوي فرانسيس جوزيف رفض الموافقة على نتيجة الانتخابات، ربما بسبب نشاط ليوجر المستفز للشعور العام، ولكنه اضطر تحت ضغط الرأي العام في فيينا وبإيعاز من تيودور هرتزل إلى إقرار تعيينه. وقد عمل ليوجر من خلال منصبه الذي احتفظ به حتى وفاته على إدخال العديد من الإصلاحات الاجتماعية والخدمات العامة.
стр. 2016
ورغم أن سياسة إدارته كان لها بعض الآثار الاقتصادية السلبية على أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا، إلا أن موقفه تجاه اليهود أصبح أكثر اعتدالاً بعد وصوله إلى السلطة، وضمت إدارته صديقه اليهودي ماندل (الذي تنصر وسنه ٧٢ سنة) ، كما أن نائب العمدة كان ذا أصول يهودية. وكان ليوجر يقوم بزيارات للمعابد والأسر اليهودية. وأكثر ما يدل على انتهازية ليوجر واستغلاله لمعاداة اليهود للأغراض السياسية عبارته «أنا الذي أقرر من هو اليهودي» ، وهي عبارة تعكس في الواقع إدراك ليوجر للإبهام وعدم الوضوح الذي يحيط بمسألة تعريف اليهودي في فيينا، حيث ذهب البعض إلى اعتبار اليهود جماعة دينية، بينما اعتبرهم البعض الآخر، مثل القوميين الألمان، جماعة عرْقية. وقد أتاح ذلك لليوجر إنكار معاداته لليهود أو تأكيدها وفقاً لما تستدعيه مصلحته والمصلحة السياسية لحزبه. إلا أن ترويجه الأفكار المعادية لليهود كان له أثر، فيما ما يبدو، على فكر أدولف هتلر إبان نشأته.
أوجست سترندنبرج (١٨٤٩-١٩١٢ (
August Strindenberg
أهم كُتَّاب المسرح السويديين، ومن أهم كُتَّاب الدراما في العالم أجمع. وُلد لأسرة من الطبقة الوسطى في العاصمة السويدية لأب يعمل وكيلاً في النقل البحري وأم خادمة.
ألَّف ما يزيد على الستين عملاً درامياً، كما كتب مئات المقالات والعشرات من الروايات والمجموعات القصصية القصيرة والسيرة الذاتية. وهو يمثل بالنسبة للأدب السويدي واللغة السويدية ما يمثله شكسبير للأدب الإنجليزي واللغة الإنجليزية.
стр. 2017
وترجع علاقة سترندنبرج باليهود إلى بدايته الأولى ككاتب واقعي تقدُّمي هاجم الملكية والمؤسسات الرجعية في السويد في كتابه الملكية الجديدة وكتابه أشعار (١٨٨٣) . وقد أثار هذان الكتابان القوى المحافظة في السويد ضده، وهو ما حدا به إلى السفر إلى أوربا متنقلاً بين بلادها. ونشر، وهو في الخارج، مجموعة إسكتشات تحت عنوان «الزواج» عام ١٨٨٤، وكان ناشرها يهودياً. وفي هذه المجموعة، هاجم سترندنبرج المؤسسات الدينية هجوماً شديداً ودافع عن الجانب الجسدي في الزواج الأمر الذي دفع أعداءه إلى مقاضاته باستخدام فقرة في القانون السويدي تجرِّم التجديف، وأشاروا إلى اسكتش في المجموعة سماه «شعراء الفضيلة» استخدم فيه إشارات ترمز للعشاء الأخير.
وفي البداية، رفض سترندنبرج العودة والوقوف أمام المحاكمة. إلا أنه عاد فيما بعد عندما بدأ الادعاء في مقاضاة ناشره اليهودي وفقاً للقانون السويدي الذي كان يجيز مقاضاة الناشر في حالة غياب المؤلف. وقد صرح سترندنبرج بأن عودته ترجع أساساً لخوفه من تحيُّز القانون ضد الناشر اليهودي لكونه يهودياً حيث إن أوربا كانت تجتاحها في تلك الآونة موجة من العداء لليهودية (على حد قوله) . وقد بُرئ سترندنبرج من تهمة التجديف، إلا أن محاكمته ذاتها جلبت عليه الخراب، حيث قُوطع من الناشرين وأصحاب المسارح على حدٍّ سواء. وفي هذه الفترة، كتب سترندنبرج مسرحياته الشهيرة مس جولي، والأب، واللعب بالنار والدائنون، وغير ذلك مما أعطاه شهرة ككاتب طبيعي النهج. وقد أدَّت الضغوط الاقتصادية إلى رحيله عن السويد مرة ثانية عام ١٨٩٢ والانغماس في الفترة من ١٨٩٢ في محاولات عقيمة لتحويل المعادن وصناعة الذهب حيث ترك الأدب تماماً. وقد تأثر في هذه الفترة بأعمال المتصوف الديني السويدي سويدنبورج، بعد تأثره العميق بأفكار نيتشه.
стр. 2018
وفي هذه الفترة أيضاً، نشر سترندنبرج عدة مقالات في صحف ومجلات الجماعات التي تهتم بالأسرار الروحية والسيميائية في فرنسا ووُجِّهت لها تهمة معاداة اليهود. وتستحق فكرة معاداة سترندنبرج لليهود وقفة طويلة. فقد ذاعت تلك الفكرة كما اشتُهر عنه أيضاً بأنه عدو المرأة. ولقد رأينا كيف عاد سترندنبرج للسويد ليواجه المحاكمة بتهمة التجديف بدلاً من إعطاء الفرصة لخصومه لمقاضاة ناشره اليهودي. وقد أعرب سترندنبرج في كتاباته وخطاباته أكثر من مرة عن كراهيته لناشره واحتقاره له حيث وصفه بأنه «مصاص دماء يثرى على حسابه» ، ويراكم المال بينما يعيش هو «في الفاقة والعوز» . كما ذكر غير مرة أن معاداته لليهود إنما هي معاداة للماليين من اليهود والمرابين الذين يثرون على حساب غيرهم من البشر. وذكر أيضاً في خطابه للناقد الأدبي برانديز عام ١٨٨٢ أن «المسألة ليست اليهود ولا اليهودية ولكنها مسألة أولئك اليهود السويديين الذين يستغلوننا» .
وحتى مقالاته التي نشرها في فرنسا والتي تتسم بعدائها لليهود بين عامي ١٨٩٤ و١٨٩٥ كانت رداً على دفاع زولا عن دريفوس، وقد كانت هذه المقالات ممتلئة بمعاداة زولا أكثر من معاداة اليهود كجنس في ذاته.
стр. 2019
وفي ١٨٩٧، نشر سترندنبرج انطباعاته عن هذه الفترة في كتابه الجحيم وهو دراما خيالية في شكل سيرة ذاتية تمتلئ بالإشارات الباطنية والإحساس المتزايد بارتكاب الذنب الأزلي. وقد عاد سترندنبرج ابتداءً من عام ١٨٩٨ إلى الكتابة الدرامية حيث سارت مسرحياته في هذه المرحلة التي يدعوها النقاد «مرحلة ما بعد الجحيم» في مسارين يتقاطعان كثيراً هما رواية التاريخ السويدي من منظور شعبي، والمسرحيات ذات المحتوى الديني. ومن أمثلة ذلك كارل الثاني عشر وسوناتا الشبح المليئة بالرموز الموحية دينياً. وقد كان سترندنبرج في تلك الفترة من حياته يمثل المدافع الأول عن حقوق الطبقات الشعبية من واقع التزام ديني. وقد اتسمت نظرته لليهود في هذه المرحلة بروح التسامح، كما مثلت فكرة القبول عنده فكرة محورية في معظم المسرحيات، مثل: إلى دمشق وعيد الفصح ومسرحية حلم.
وتُوفي سترندنبرج في أبريل عام ١٩١٢، وتحوَّل آخر عيد ميلاد له (في ٢٢ يناير ١٩١٢) إلى مناسبة شعبية تتخللها مظاهرات كبرى هتف فيها المتظاهرون: «عاش شاعر الشعب - عاش شاعر الحرية» .
راينر فاسبندر (١٩٤٦-١٩٨٢)
Reiner Fassbinder
стр. 2020
مخرج ومنتج وكاتب سينمائي ومسرحي ألماني كان طالباً منتظماً في مدرسة تجريبية في ميونيخ، لكنه ما لبث أن هجرها وعمل بالصحافة ثم تركها والتحق بالفرقة المسرحية البافارية الثورية التي تُسمَّى «مسرح الفعل» . وفي سن التاسعة عشرة، أخرج فيلمه القصير الأول «صعلوك المدينة» ليبدأ رحلة إبداعه الفني التي استمرت ١٧ عاماً وشملت ٤٣ فيلماً و٣٠ مسرحية وعدداً هائلاً من الكتابات والتمثيليات الإذاعية كانت جميعها، تماماً مثل حياته، نموذجاً للتمرد والانطلاق والتجريب. وقد تناول في أعماله سلبيات المجتمع الألماني بشكل خاص، والمجتمعات الغربية الحديثة بشكل عام، وما يسود هذه المجتمعات من تفكُّك وتحلُّل وإحباط نتيجة اللهاث وراء المادة وغياب أية قيمة أو معنى للحياة سوى القيم والمعاني المادية. وكانت أغلب أعماله مثيرة للجدل، وتباينت حولها ردود أفعال النقاد، بل قد وُجِّهت له تهم معاداة اليهود والتعاطف مع الإرهاب وعدم إدانة النازية. وقد أثارت مسرحيته المدينة والزبالة والموت (١٩٧٤) ضجة صحفية كبرى داخل ألمانيا وخارجها واتُهم فاسبندر بمعاداة اليهود نظراً لأن الشرير المرابي المتعاون مع السلطة في المسرحية كان يهودياً. وتكررت هذه التهمة مع فيلمه «ليلى مارلين» (١٩٨٠) حيث توجد أيضاً شخصية اليهودي الشرير. ولم يكن تناول فاسبندر لليهودية في أعماله من منطلق أنها عقيدة دينية وإنما من منطلق أنها نزوع إلى جمع المال والربح والصعود على أكتاف الآخرين (وهذا نمط إدراكي شائع في الأدبيات الاشتراكية الغربية) . فهو يبحث في أفلامه عن أسباب «يهودية» المجتمع (أو تهوده حسب تعبير ماركس، وهو ما نُعبِّر عنه هنا في هذه الموسوعة باصطلاح «تحوسل المجتمع» ، أي تحوُّل أعضاء المجتمع إلى مجرد وسائل لخدمة أهداف يُقال لها نهائية ولكنها ليست بالضرورة إنسانية) . وعملية التهود والتحوسل هذه تؤدي إلى التفكك والتحلل والهزيمة والعنصرية ومعاداة الأجانب وهو ما
стр. 2021
نراه في أفلام مثل «الخوف يأكل الرمح» و «لا أبغي إلا أن تحبوني» و «الروليت الصيني» . والواقع أن كل الشخصيات في أفلامه مدانة باليهودية (بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه) . وكل الأبطال يعانون من الشعور بالوحدة والعزلة والإحباط، فحتى بعد النجاح لا يحقق المرء ذاته، والسؤال الأساسي «وماذا بعد النجاح؟» غير مطروح في هذا المجتمع كما يتبدَّى لنا من أحداث فيلمه «بائع الفصول الأربعة» (١٩٧١) . وفي هذا الإطار نفسه، تتعامل جميع أفلام فاسبندر مع موضوع الأسرة وانهيارها وانحلالها ثم اختفائها. ففي فيلم «زواج ماريا براون» (١٩٧٨) ، وهو أول أفلامه الضخمة، يتناول قصة امرأة تزوجت لمدة عشرة أيام ثم طُلب زوجها للجيش في الحرب العالمية الثانية، ولكنها حافظت على زواجها بأمل تكوين الأسرة الناجحة، ثم فسقت وقتلت واستغلت وسرقت من أجل تحقيق حلم النجاح والاحترام وليس من أجل التوازن المفقود الذي لن يعود.
ويبدو أن تهمة معاداة اليهود كلفت فاسبندر وظيفته وحرمته من نيل أية جائزة من جوائز المهرجانات السينمائية الكبرى (سواء في كان أو في فنيسيا) ، وكانت الجائزة الوحيدة التي حصل عليها من برلين عن فيلمه «فيرونيكا نوس» . وقد رفضت لجنة المساعدة الاتحادية التي تقدم العون لإنتاج الأفلام في ألمانيا مشروعين من مشروعات فاسبندر.
وقد أثارت أفلام فاسبندر اتهامات أخرى ضده منها أنه لا يدين النازية، فهو لا يعتبر النازية وحشاً في حد ذاته ولكنه يبحث دائماً وراء الظاهرة الاجتماعية عن الظاهرة/الرمز سواء أكانت تلك الصورة هي الصليب المعقوف أم شمعدان المينوراه أم النجمة المسدسة أم المطرقة والمنجل. كما اتُهم بأنه مرتبط بجماعات الإرهاب نظراً لما أبداه من تعاطف في بداية فيلمه «ألمانيا في الخريف» (١٩٧٧) مع أعضاء جماعة بادر ماينهوف الذين ماتوا في زنازينهم.
стр. 2022
وقد تُوفي فاسبندر عن عمر يناهز السادسة والثلاثين بعد أن عاش حياة حافلة بالنشاط وبالإنتاج الفني والسينمائي، وكان قد اعترف قبل وفاته بأنه يتعاطى المنشطات والكوكايين ليستمر في العمل، كما اعترف بشذوذه الجنسي في فيلم «ألمانيا في الخريف» .
وفي الحقيقة، فإن اتهام فنان تجريبي حداثي مثل فاسبندر بمعاداة اليهود يُعدُّ أمراً غير مألوف، إذ أن هذا الاتهام عادةً ما يُوجَّه إلى كُتَّاب «رجعيين» أو «محافظين» يقفون ضد مُثُل التعددية والتجريب. ومع هذا، فلابد من الإشارة إلى أن ثمة عدداً من الفنانين الحداثيين الذين أخذوا موقفاً معادياً من اليهود باعتبارهم مسئولين عن سقوط الحضارة الغربية وانهيار المجتمع. ومن أهم هؤلاء المفكرين الشاعر عزرا باوند والشاعر وليام بتلر ييتس، كما أشار ت. س.إليوت إلى اليهودي بطريقة اعتبرها البعض معادية لليهود.
معاداة اليهود لكل من اليهود واليهودية
Jewish Anti-Semitism
يُستخدَم مصطلح «معاداة اليهود لكل من اليهود واليهودية» للإشارة إلى بعض اليهود الذين يستخدمون مقولات تراث معاداة اليهود في الغرب ويطبقون الصور الإدراكية النمطية السلبية على اليهود. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية اكتسحهم تيار الاستنارة والاندماج وسلبهم ذاتهم تماماً بحيث أصبحوا يدركون العالم من خلال هذه الرؤية العنصرية. وقد انتشرت هذه الظاهرة بين اليهود المندمجين في ألمانيا، ويهود الولايات المتحدة من أصل ألماني، وكان يهود الغرب المندمجون يدركون يهود اليديشية من خلال مقولات معاداة اليهود، ومن هنا قاموا بصك مصطلحات عنصرية مثل «كايك وشيني» .
стр. 2023
ويبدو أن الظاهرة تتبدَّى بشكل متطرف أحياناً، فهناك نظرية تذهب إلى أن فيلهلم مار الذي صك مصطلح «معاداة السامية» ( «أنتي سيميتزم» ) من أصل يهودي، بل يُقال إن هتلر نفسه كان طفلاً غير شرعي لأب يهودي. ومن المؤكد أنه كانت تجري في عروق أيخمان دماء يهودية. ويمكن القول بأن الصهيونية تعبير مركب عن الظاهرة نفسها، فهي تَصدُر عن رفض يهود المنفى، أي يهود العالم كافة حتى تاريخ قريب. كما أن الصهيونية تطالب بتصفية الجماعات اليهودية خارج فلسطين. وهي تقبل أيضاً المقولات الأساسية لمعاداة اليهود وأنماطها الإدراكية لليهود واليهودية. وتستند الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة إلى رؤية تنم عن عدم احترام لأعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن الأجيال الجديدة في إسرائيل لا تكن احتراماً كبيراً لنمط «اليهودي» (أي يهودي المنفى) ويرى أعضاء هذه الأجيال أنفسهم باعتبارهم عبرانيين أو إسرائيليين، وربما كان هذا تعبيراً آخر عن معاداة اليهود لليهود.
كُره اليهودي لنفسه
Jewish Self-Hate
стр. 2024
«كُره اليهودي لنفسه» مصطلح يُستخدَم لوصف اليهودي الذي يكره نفسه من حيث هو يهودي، ويود لو أنه كان من «الأغيار» . وهذه ظاهرة شائعة بين بعض أعضاء الأقليات والمقهورين، فيتمنى الأسود لو كان من البيض، ويتمنى العربي لو كان غربياً، وهو شكل من أشكال التوحد مع المعتدي. ويعتقد اليهودي الذي يكره نفسه، شأنه في هذا شأن الصهاينة وأعداء اليهود، بوجود جوهر يهودي ثابت لا علاقة له بالملابسات التاريخية والاجتماعية، وبوجود صفات يهودية ثابتة وخصوصية يهودية لا تتغيَّر، الأمر الذي يعوقه عن الاندماج الكامل في عالم الأغيار. وهو يصب جام غضبه على اليهود الذين تتجلى فيهم هذه الصفات اليهودية الافتراضية، معتقداً أن صفاته اليهودية هي سبب شقائه، وأن اليهود مسئولون عما يحدث لهم وله. ويبدو أن الظاهرة تفاقمت في أوربا بين اليهود مع حركة الإعتاق والتنوير، حين ضعف الانتماء الديني لليهود فوجدوا أنفسهم في عالم أوربا العلماني الجميل الرائع الذي اكتسحهم تماماً، وصبوا جام غضبهم على الجيتو وعلى أهلهم وأنفسهم. ولكن أول من صاغ المصطلح هو تيودور لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه (برلين ١٩٣٠) .
ويتبدَّى كُره اليهودي لنفسه في عدة أشكال، منها محاولة إخفاء الأصول. ويحرص بعض اليهود الكارهين ليهوديتهم على عدم الإنجاب كليةً حتى لا يزيد عدد اليهود، بل إن بعضهم يضع حداً لحياته بالانتحار. وقد يكون التنصُّر للحصول على تأشيرة دخول إلى الحضارة الغربية (على حد قول هايني) تعبيراً عن الظاهرة نفسها.
وقد يأخذ كُره اليهودي لنفسه شكل إعداد المشاريع المختلفة لإبادة اليهود والتخلص منهم كما لو كانوا حشرات طفيلية ضارة. ومن المعروف أن كثيراً من اليهود اشتركوا مع النازي في عملية الإبادة والإعداد لها، ومن أشهرهم ألفريد نوسيج الذي أعد للجستابو خطة لإبادة اليهود والذي اكتشف أمره يهود جيتو وارسو فألقوا القبض عليه وأعدموه.
стр. 2025
ويمكن أن يأخذ كُره اليهودي لنفسه شكلاً جماعياً، فيكن يهود ألمانيا البغضاء والاحتقار ليهود اليديشية من شرق أوربا، ويرفض اليهود الأرثوذكس اليهود الإصلاحيين والمحافظين بل يكفرونهم، ويُعبِّر اليهود الإشكناز عن كُرههم للسفارد والشرقيين. ومن أهم أشكال كُره اليهود وأكثرها تركيباً ظاهرة اليهودي الذي يحقق النجاح في عالم الأغيار حسب شروطهم ثم يعود إلى جماعته اليهودية متسلحاً بشرعيته الجديدة وكفاءاته ويتولى قيادة جماعته اليهودية بدلاً من القيادة التقليدية ويبدأ في دمجها في المجتمع وفي تخليصها من سماتها اليهودية المفترضة كافة.
ويُستخدم المصطلح في الأدبيات الصهيونية للإشارة إلى اليهودي الذي يأخذ موقفاً معادياً للصهيونية، وذلك من قبيل إرهابهم أو تهميشهم. وتطرح الصهيونية نفسها باعتبارها العقيدة التي حررت اليهود من كُرههم لأنفسهم وزادت احترام الشعوب لهم، وزادت، من ثم، احترامهم لأنفسهم. ولكن الدارس المدقق سيكتشف أن الصهيونية إنما هي تعبير عن كُره اليهودي لذاته:
١ ـ فالصهيونية تَصدُر عن نقد عميق لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية التقليدية» ، فهي تحاول إصلاحها وتخليصها مما يتصوره الصهاينة هامشيتها وخضوعها بل تحاول تطبيعها، بحيث يصبح اليهود مثل الأغيار وبحيث تصبح الدولة الصهيونية دولة مثل كل الدول.
٢ ـ كان واضعا الأطروحات الصهيونية الأولى (هرتزل ونوردو) ، وهما من اليهود الألمان المندمجين، يفكران في الصيغة الصهيونية خوفاً من توافد يهود اليديشية لا حباً فيهم، وكانت الصهيونية منذ البداية صهيونية توطينية بالنسبة ليهود الغرب المندمجين واستيطانية بالنسبة ليهود شرق أوربا الذين سيُصدَّرون إلى خارج أوربا حتى يتم التخلص منهم، وحتى يحافظ يهود الغرب على مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية.
стр. 2026
٣ ـ لم يحقق المشروع الصهيوني النجاح إلا بعد أن ظهرت قيادات صهيونية مندمجة تسلمت قيادة الجماعات اليهودية وحلَّت محل القيادات الحاخامية التقليدية و «باعت» المشروع الصهيوني للحضارة الغربية. ولم تنجح هذه القيادة في فرض نفسها إلا بعد أن وافقت عليها السلطات الاستعمارية الغربية، أي أنها قيادة شبه يهودية تستند إلى شرعية غير يهودية!
٤ ـ المشروع الصهيوني هو في جوهره مشروع لمساعدة أوربا على التخلص من فائضها اليهودي. وتوجد في الكتابات الصهيونية العديد من الإشارات إلى اليهود باعتبارهم باكتريا وحيوانات طفيلية. ويتم التخلص من اليهود بالطريقة البلفورية في معظم الأحيان، أي عن طريق شحن اليهود إلى فلسطين بدلاً من معسكرات الاعتقال والغاز. ولكن ثمة حالات تعاون فيها الصهاينة في التخلص من اليهود على الطريقة النازية، ومن هؤلاء رودولف كاستنر، وكذلك ألفريد نوسيج الذي سبقت الإشارة إليه، وهو من مؤسسي الحركة الصهيونية.
ومن ثم، يمكن اعتبار الحركة الصهيونية تعبيراً عن كُره اليهودي لنفسه لا تقبلاً للهويات اليهودية المختلفة. لكن هذا المفهوم، مثل معظم المفاهيم النفسية التي تُستخدَم لتفسير ظواهر اجتماعية، ليست له مقدرة تفسيرية عالية، فكُره اليهودي لنفسه ليس سبباً وإنما هو تعبير عن عوامل حضارية واجتماعية أكثر عمقاً.
ويُستخدَم المصطلح الآن للإشارة لأي فنان أو مفكر يهودي يوجه نقداً لأعضاء الجماعة اليهودية، ومن ثم يُشار إلى وودي ألين وفيليب روث باعتبار أنهما يعانيان من مرض كُره اليهودي لنفسه.
أوتّو فينينجر (١٨٨٠-١٩٣٣)
Otto Weininger
стр. 2027
فيلسوف وعالم نفس نمساوي وُلد في فيينا. ودرس علم النفس وعلوم الأحياء والطبيعة والرياضة، إلى جانب دراسته الفلسفة في جامعة فيينا. وتبنَّى في بداية حياته الفلسفة الوضعية والمذهب العقلي، إلا أنه تخلى عنهما متأثراً بمثالية كانط وأفلاطون وصوفية سانت أوغسطين وفاجنر، كما تأثر بفيلسوف العنصرية هيوستون تشامبرلين. وقد ساعد ذلك على اعتناقه المسيحية البروتستانتية، وذلك في اليوم نفسه الذي نال فيه درجة الدكتوراه عام ١٩٠٢.
стр. 2028
وفي عام ١٩٠٣، كتب فينينجر عمله الكبير الجنس والشخصية الذي تضمن رؤية فلسفية معادية للمرأة ولليهود. وتتلخص نظريته في أن هناك علاقة أساسية بين الجنس والشخصية. فقد اعتبر أن الرجل يضم العناصر الإيجابية والأخلاقية والروحية والفكرية القادرة على الخلق والإبداع، أما المرأة فتضم العناصر الإدراكية (المادية والحسية واللا أخلاقية) وهي غير قادرة على أية فضيلة أو إبداع. واعتبر أن مأساة البشر تكمن في أنهم يجمعون بين عناصر الذكورة الطيبة والعناصر الأنثوية الشريرة. كما رأى أن علاقة الرجل بالمرأة تؤدي إلى تدهوره وإذلاله، واعتبر أن التحرر الحقيقي للمرأة لا يكمن في التحرر السياسي بل في تخليها عن ذلك الجانب من طبيعتها الذي تسيطر عليه الرغبات الحسية، وبالتالي اعتبر أن الامتناع الجنسي هو السبيل الوحيد للنمو الروحي للرجل ولتحرُّر المرأة. وفي تناوله لليهودية ولليهود، اعتبر فينينجر أن اليهودية تمثل العنصر الأنثوي اللاأخلاقي وغير المقدَّس وهي أيضاً العدم، في حين أن المسيحية تمثل الذكورة الأسمى وهي الوجود وهي العنصر الآري. واعتبر فينينجر أن اليهودي أسوأ من المرأة لأنه لا يؤمن بشيء، وبالتالي فإنه ينجذب نحو الفكر الشيوعي والفوضوي والإلحادي والتجريبي. كما رأى أن خلاص اليهودي لا يأتي إلا من خلال تخلصه من يهوديته، ورأى أن الصهيونية أو القومية اليهودية هي نقيض العقيدة اليهودية، إلا أنها لن يُكتَب لها النجاح لأن اليهود لا يدركون مفهوم الأمة. وقد أعلن فينينجر أن هناك المخلِّص الحقيقي الذي سيخلص العالم من اليهودية والأنوثة معاً (هل هو هتلر؟) .
стр. 2029
وقد جمعت نظرية فينينجر عناصر من الرومانسية ومن فكر نيتشه ومن علم النفس وعلم الأحياء الحديث، ويجب فهم عمله في إطار الجدل الذي كان سائداً في عصره حول طبيعة الرجل والمرأة. غير أن فينينجر اتجه إلى استخلاص استنتاجات نهائية وعامة من خلال تجاربه الذاتية الخاصة والمحدودة. وقد اتجه كثير من مفكري النازية إلى الإشارة إلى أفكاره المعادية لليهود واليهودية كتبرير لآرائهم، ووصفه هتلر بأنه اليهودي الوحيد الذي يستحق الحياة. وكان الفيلسوف اشبنجلر يعتبره أهم ثلاثة قديسين انتجتهم اليهودية (مع إسبينوزا وبعل شيم طوف) .
وقد أُصيب فينينجر باكتئاب شديد، دفعه في نهاية الأمر إلى الانتحار بعد بضعة أشهر من إصدار كتابه. وقد طُبع كتابه ثلاثين طبعة وتُرجم إلى عدد كبير من اللغات الأوربية (وهو ما يبيِّن مدى هيمنة الفكر النيتشوي والعرْقي على الوجدان الغربي) . كما نُشر لفينينجر كتاب بعد موته بعنوان عن الأشياء الأخيرة (١٩١٨) . وقد كتب الكاتب المسرحي يوهو شاوا سوبول مسرحية عن حياته بعنوان روح يهودي. ويُعتبَر فينينجر في الأدبيات اليهودية ظاهرة مرضية ومثالاً لليهودي الكاره لنفسه، ويُعتبَر انتحاره النتيجة الطبيعية لهذه الكراهية.
آرثر تريبتش (١٨٨٠-١٩٢٧ (
Arthur Trebitsch
كاتب نمساوي يهودي. تلميذ أوتو فينينجر وهيوستون تشامبرلين. تنصَّر وأصبح من أعدى أعداء اليهود. كتب كتاباً بعنوان الروح واليهودية (١٩١٩) ألقى فيه اللوم على اليهود لهزيمة الألمان وسقوط الأسرة الحاكمة في ألمانيا والنمسا. وفي كتابه الروح الألمانية واليهودية (١٩٢١) ، استخدم تريبتش بروتوكولات حكماء صهيون ليثبت وجود مؤامرة يهودية لإفساد العالم والهيمنة عليه. وطوَّر تريبتش النظرية العرْقية الغربية المعادية لليهود وعرض خدماته على النازيين في النمسا.
تيودور لسنج (١٨٧٢ – ١٩٣٣)
Theoder Lessing
стр. 2030
مفكر ألماني. ابن طبيب ثري درس التاريخ والفلسفة والطب في بون وميونيخ وتنصَّر (على المذهب البروتستانتي) حينما كان يدرس في فرايبورج (وكان هذا أمراً شائعاً بين أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا آنذاك) . كتب عدة دراسات عن تاريخ الأفكار من ضمنها شوبنهاور وفاجنر ونيتشه وانحطاط العالم: أوربا وآسيا.
كان لسنج مهتماً بدراسة ما يُسمَّى «مبادئ الشخصية القومية» ، وهي دراسة كانت مشبعة آنذاك (في ألمانيا وأوربا على وجه العموم) بالقيم المادية العنصرية التي تحاول تعريف الشخصية بالعودة لبعض مكوناتها المادية (حجم الجمجمة - التراب والدم ... إلخ) . وكانت مثل هذه الدراسات تقسم البشر بشكل صارم وحاد إلى أقسام منفصلة فمنهم الأدنى ومنهم الأعلى. وهذا هو الإطار الفلسفي لفكرة الشعب العضوي (فولك) . وقد هاجم لسنج فرويد باعتباره يهودياً، وهاجم التحليل النفسي باعتباره علماً يهودياً منحلاً، كما هاجم الحياة في الشتتل في سلسلة من المقالات.
стр. 2031
قدَّم لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه دراسة طبية لليهود الذين يتسمون بكُرههم لذواتهم. واليهود (حسب تصوُّر لسنج) هو شعب آسيوي لا ينتمي إلى أوربا، جذوره في آسيا (فلسطين) . وتعود قوة اليهود إلى قربهم من الطبيعة والجذور الطبيعية الأولية الكونية (أي أنه تبنَّى رؤية حلولية كمونية تتسم بالواحدية الكونية المادية) . وتكمن مأساة اليهود في أنهم نُزعوا من جذورهم وانفصلوا عن غرائزهم الطبيعية المرتبطة بالأرض بحيث تحوَّل اليهود من كونهم شعباً من الرعاة والفلاحين يعيش في الطبيعة إلى شعب منحل يتسم بالرومانسية الزائدة (يؤمن بأخلاق الضعفاء بدلاً من أخلاق الأقوياء على حد قول نيتشه) . وقد وجد لسنج أن ثمة أقلية من اليهود (المستوطنين الصهاينة) بدأت تعود لتربة فلسطين وأنهم هم الذين يمكنهم أن يبعثوا أمجاد اليهود الغابرة ويمكنهم أن يلعبوا دور الوسيط بين آسيا الروحية وأوربا التكنولوجية. وفكر لسنج في جوهره فكر نازي/صهيوني يُعبِّر بشكل متبلور عن الرفض الكامل والجذري لكل ما هو يهودي. ومع هذا، هاجمه المعادون لليهود بضراوة، وهو ما يدل على غبائهم واختزاليتهم. وقد أُغتيل لسنج على يد النازيين.
العداء العربي لليهود واليهودية
Arab Anti-Semitism
تحاول الأدبيات الصهيونية في الآونة الأخيرة أن تبيِّن أن ظاهرة العداء لليهود واليهودية ظاهرة متأصلة في المجتمعات العربية وفي التراث الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية. وهذه المحاولة جزء من المحاولة الصهيونية المستمرة لتشويه صورة العرب والمسلمين. إلا أنها تعبِّر أيضاً عن رغبة الصهاينة الدفينة في تناسي تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب، وتراث العداء لليهود واليهودية الثري الطويل الممتد، الذي انتهى بطردهم وإعادة توطينهم في فلسطين في إطار المشروع الصهيوني.
стр. 2032
وقضية عداء العرب لليهود واليهودية (عداء العرب للسامية) مسألة مركبة متعددة الأبعاد، تختلف عن معاداة اليهود واليهودية في الغرب. فتاريخياً تحوَّلت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي إلى جماعات وظيفية، ولكنهم لم يكونوا الأقلية الوحيدة التي تضطلع بهذا الدور. فالعالم الإسلامي، على عكس الغرب المسيحي، يضم جماعات دينية وإثنية كثيرة. كما أن النشاط التجاري، والنشاطات المالية والوسيطة على وجه العموم، لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية دون غيرهم.
ورغم أن اليهود (وبني إسرائيل) أتى ذكرهم في القرآن عشرات المرات وتحت مسميات مختلفة في سياقات معظمها سلبي، إلا أن رؤية الخلاص الإسلامية لم تعط اليهود أية مركزية خاصة، ولذا لم يكن اليهود يمثلون إشكالية خاصة بالنسبة للفقه الإسلامي. وقد ظهرت بعض الأعمال الأدبية والفكرية داخل التشكيل الحضاري العربي والإسلامي تحاول اختزال أعضاء الجماعات اليهودية من خلال صور إدراكية نمطية سلبية، إلا أن اليهود لم يحتلوا أي مركزية خاصة في الوجدان الأدبي والثقافي العربي والإسلامي. وقد استقر وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة العربية والإسلامية في إطار مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم. ومن ثم فلم يعرفوا المذابح أو عمليات الطرد المتكررة التي تسم علاقتهم بالحضارة الغربية في بعض الفترات. هذا لا يعني أن تجربة يهود العالم الإسلامي مع المجتمعات الإسلامية التي ينتمون إليها كانت خالية من التدافع أو الصراع والظلم (الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام ومفهوم أهل الذمة) وأنها كانت عصراً ذهبياً ممتداً، فهذا ليس من طبائع البشر ولا من طبيعة المجتمعات البشرية. كل ما نود تأكيده أن أعضاء الجماعات اليهودية تمتعوا بقدر معقول من الاستقرار والطمأنينة، الأمر الذي أدَّى إلى اندماجهم في مجتمعاتهم.
стр. 2033
ولكن الوضع تغيَّر بشكل حاد في العصر الحديث، فيُلاحَظ انشغال عربي وإسلامي كبير بالشأن اليهودي (وإن كان يُلاحَظ أن الأعمال الأدبية العربية، بما في ذلك الفلسطينية، لا تكترث بأعضاء الجماعات اليهودية) . وبدأت تظهر أدبيات كثيرة كتبها عرب ومسلمون تدور في إطار مفاهيم ومقولات عنصرية (معظمها مستورد من العالم الغربي) . ومن بين هذه المقولات أن اليهود مسئولون عن كل أشرار العالم، كما هو مدوَّن في بروتوكولات حكماء صهيون (الذي يقرأه الكثيرون) ، وفي التلمود (الذي لم يقرأه أحد) . وبدأ الحديث عن المؤامرة التي يحيكها اليهود ضد المسلمين والعرب، وارتبط اليهود بالشيطان وبالصور الإدراكية النمطية الاختزالية السلبية في عقل كثير من العرب والمسلمين. وبدأت تظهر في الصحف والمجلات وعلى أغلفة الكتب صورة اليهودي ذي الأنف المعقوف الذي تقطر أظافره دماً والذي يمتص دماء الآخرين وأموالهم. بل بدأت تظهر تهمة الدم في أرجاء متفرقة، وهو أمر لم يكن معروفاً في العالم الإسلامي من قبل. وتُرجمت البروتوكولات التي يعتقد البعض أنها من كتب اليهود المقدَّسة، كما نُشرت مقتطفات متفرقة من التلمود. بل بدأ بعض المسلمين يرون أن «اليهودية» صفة بيولوجية تورَّث، أي أن اليهودي - حسب هذه الرؤية - هو من وُلد لأم يهودية، وهو تعريف قد يتفق مع العقيدة اليهودية ولكنه لا يتفق ألبتة مع العقيدة الإسلامية التي لا تنظر للدين باعتباره أمراً يورَّث، وإنما هو رؤية يؤمن بها من شاء.
стр. 2034
ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أنه كلما ازداد الرعب من إسرائيل و"اليهود" كلما ازدادت صورة اليهودي سوءاً، وكلما ازداد النموذج التفسيري التآمري الذي ينسب لليهود قوى عجائبية انتشاراً، وهو نموذج يصوِّر اليهود باعتبارهم قوة أخطبوطية لا تُقهَر، فهم يمسكون بكل الخيوط ويُحركون كل القوى (الرأسمالية والاشتراكية) حتى ينفذوا مخططهم اليهودي الجهنمي المستقل، وما اللوبي الصهيوني سوى تعبير جزئي عن مخطط صهيوني أشمل.
وهذه النظرة العنصرية الاختزالية تشكل فشلاً أخلاقياً، فهي لا تحاول أن تميز بين الخبيث والطيب، وتضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة بمن في ذلك على سبيل المثال أعضاء جماعة الناطوري كارتا الذين يقضون معظم أيامهم في الحرب ضد الصهيونية، بمثابرة وإخلاص ودأب نفتقدهم في كثير من العرب هذه الأيام! والرؤية العنصرية حتمية ترى أن من وُلد يهودياً لابد أن يسلك حسب نمط معيَّن وكأن الإله لم يمنحه فطرة سليمة ومقدرة على تمييز الخير من الشر.
стр. 2035
والنظرة العنصرية الاختزالية، تشكل كذلك فشلاً معرفياً لأن الخريطة الإدراكية التي ستفرزها مثل هذه الرؤية ستكون عامة رمادية كالحة سطحية واحدية لا تساعد كثيراً في فَهْم الواقع. فهي على سبيل المثال لن تساعدنا كثيراً في معرفة توجُّهات أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بكل نتوئها وتموجاتها. فنحن في حاجة لأن نعرف منْ منهم يساند الصهيونية ومنْ يعارضها، ومنْ منهم يجاهر بمناصرتها علناً ويبذل قصارى جهده في التملص منها، ومنْ منهم ناصرها في الماضي، وتنكَّر لها في الحاضر، ومنْ منهم تنكَّر لها في الماضي وبدأ يناصرها في الحاضر، ومنْ منهم توجد لديه إمكانية كامنة لقبولها أو رَفْضها أو التملص منها، ومنْ منهم تجب محاربته ومنْ منهم يمكن تجنيده ومنْ منهم يمكن تحييده، فالرؤية التآمرية العرْقية ترى أن كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي، وهي بهذا تتبنَّى الرؤية الصهيونية لليهود، التي تضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة، هي سلة الشعب اليهودي.
والرؤية العنصرية في نهاية الأمر لها مردود سلبي من الناحية النفسية، فهي تنسب لليهود قوة هائلة، الأمر الذي يُولِّد الرعب في نفوس العرب (ولنتخيل صانع القرار العربي الذي يعتقد أن "اليهود" قادرين على كل شيء وأنهم ممسكون بكل الخيوط!) .
ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن هذه الرؤية العنصرية تُترجم نفسها إلى كُره أعمى يُطالب بملاحقة اليهود والانتقام منهم وطردهم من أوطانهم والتضييق عليهم. وما ينساه حملة مثل هؤلاء الرؤية أن المواطن اليهودي الذي يتم التضييق عليه وطرده من وطنه يضطر للهجرة إلى فلسطين ليصبح مستوطناً صهيونياً يحمل السلاح ضدنا، فكأن العداء العربي لليهود له مردود صهيوني. ومن المعروف أن الحركة الصهيونية قامت بالتضييق على يهود العراق وخلقت وضعاً صهيونياً بنيوياً اضطرهم للاستيطان في فلسطين.
следующие страницы →