← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وهكذا تبدأ عملية العلمنة الشاملة (بعد المرحلة الإنسانية الهيومانية الأولى) بإزاحة الإنسان عن المركز ثم نزع الجوانب الشخصية عنه بحيث يصبح شيئاً ليست له خصوصية أو تفرُّد. ثم «يُحرَّر» العالم من سحره وجماله فيصبح الإنسان والطبيعة مادة محضة، ثم تنزع عنه كل قداسة وتُهتَك كل أسراره، ويُعرَّى من أية مثاليات لنصل إلى نوع من أنواع الإباحية الأخلاقية المعرفية إذ يصبح الإنسان لحماً يُوظَّف في مزارع البيض في الجنوب الأمريكي أو مصانع الرأسماليين في لندن أو يُرسل إلى معسكرات السخرة والإبادة في ألمانيا أو يُصوَّر في مجلات إباحية في كل أو أي مكان. والمحصلة النهائية لكل هذا هي نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان وتحويله إلى مادة محضة، قابلة للحوسلة. وهذه هي قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل. ونحن نربط كل هذه المصطلحات وغيرها بمصطلح «نهاية التاريخ» باعتبار أن نهاية التاريخ هي النقطة التي يتم التحكم فيها في كل شيء وينتهي الإنسان كما نعرفه، أي الإنسان الذي يشغل مركز الكون متجاوزاً النظام الطبيعي. ونحن لا نزعم أن الرؤية الواحدية المادية تؤدي حتماً وبشكل مطلق إلى الإبادة والتفكيكية. كل ما نؤكده أن مثل هذه الرؤية تخلق التربة الخصبة لانتشار الآراء النفعية الداروينية المادية التي تترعرع فيها الاتجاهات والأفكار الإبادية والتفكيكية وتتحقق. الآريون Aryans انظر: «الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة» . تحول الإمكانية الإبادية إلى حقيقة تاريخية Historical Realization of the Genocidal Potential

стр. 2067

هذه القابلية أو الإمكانية الكامنة للإبادة، ولتفكيك الإنسان لعناصره المادية الأساسية لاستخدامها على أكمل وجه، تحققت أول ما تحققت بشكل جزئي وتدريجي في التجربة الاستعمارية الغربية بشقيها الاستيطاني والإمبريالي. فقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة، وحَوَّل الإنسان الغربي نفسه إلى سوبرمان له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر، ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مجال حيوي لحركته ونشاطه وتحويل العالم بأسره إلى مادة خام، طبيعية أو بشرية. فاعتُبرت شعوب آسيا وأفريقيا (الصفراء والسوداء المتخلفة) مجرد سبمن، مادة بشرية تُوظَّف في خدمته، كما اعتُبر العالم مجرد مادة طبيعية تُوظَّف في خدمة دول أوربا وشعوبها البيضاء المتقدمة، واعتُبرت الكرة الأرضية مجرد مجال حيوي له يصدِّر له مشاكله. بل لم تفرق الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة في نهاية الأمر بين شعوب آسيا وأفريقيا وشعوب العالم الغربي، فالجميع مادة بشرية، نافعة أو غير نافعة، ضرورية أو فائضة. فكان العمال يُنظر لهم باعتبارهم مادة بشرية نافعة، ومصدراً لفائض القيمة، أما المتعطلون فهم مادة بشرية فائضة. وصُنِّف المجرمون (وفي مرحلة أخرى، المعوقون والمسنون) مادةً بشريةً غير نافعة. وهذه المادة يجب أن «تُعالج» ، وكانت الوسيلة الأساسية للمعالجة هي تصدير المادة البشرية الفائضة إلى مكان آخر لتحويلها إلى مادة نافعة إن أمكن (مع عدم استبعاد «الحلول الأخرى» إن استلزم الأمر) . وكانت أولى عمليات " المعالجة " هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى تهدف جميعاً إلى تحقيق صالح الإنسان الغربي: ـ نقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة.

стр. 2068

ـ نقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب. ـ نقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ) . ـ نقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها. ـ نقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (خصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير ١٣٢ ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول «هجرة» لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً) . ـ مع ظهور فكر حركة الاستنارة في الغرب تم تعريف الناس حسب نفعهم للمجتمع والدولة وقد طُبِّق هذا المعيار على كل المواطنين وبخاصة أعضاء الأقليات. فتم تقسيم اليهود في كثير من البلاد الغربية ـ كما أسلفنا ـ بحيث أصبح غير النافعين قابلين للترحيل.

стр. 2069

ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق. فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين) ، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية) ، وفلسطين كذلك مادة، فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة تُطلَق عليه كلمة «الأرض» . فتم نقل العرب من فلسطين ونُقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي. ـ تمت عمليات ترانسفير ضخمة بعد الحرب العالمية الأولى، فنُقل سكان يونانيون من تركيا إلى اليونان، وسكان أتراك من اليونان إلى تركيا، كما نُقل سكان ألمان من بروسيا الشرقية بعد ضمها إلى بولندا. وهذه العمليات هي التي أوحت لهتلر بعمليات نقل اليهود خارج الرايخ. بل إنه في السنين الأخيرة من حكم الرايخ طوَّر هملر جنرال بلان أوست Generalplan Ost لنقل ٣١ مليوناً «غير ألمان» من أوربا الشرقية وتوطين ألمان بدلاً منهم. وما يهمنا في هذا كله هو نزع القداسة عن البشر كافة (في الشرق والغرب) وتحويلهم إلى مادة استعمالية ليست لها قيمة مطلقة، ولا علاقة لها بأية معيارية. ولكن لنركز على التجربة الاستيطانية الغربية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهي تجربة كانت تفترض ضرورة إبادة تلك العناصر البشرية الثابتة التي كانت تقف عقبة كأداء في طريق الإنسان الغربي وتحقيق مشروعه الإمبريالي. وقد قبلت الجماهير الأوربية عملية الإبادة الإمبريالية وساهمت فيها بحماس شديد، لأن هذه العملية كانت تخدم مصالحها، كما أوهمتها الدول الإمبريالية ذات القبضة الحديدية في الداخل والخارج.

стр. 2070

وتُعدُّ العقيدة البيوريتانية (أو التطهرية) ، عقيدة المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية، هي أولى الأيديولوجيات الإمبريالية الإبادية التي كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة. فكان هؤلاء المتطهرون يشيرون إلى هذا الوطن الجديد باعتباره «صهيون الجديدة» أو «الأرض العذراء» فهي «أرض بلا شعب» . وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم «عبرانيين» ، وللسكان الأصليين باعتبارهم «كنعانيين» أو «عماليق» (وكلها مصطلحات توراتية إبادية، استخدمها معظم المستوطنين البيض فيما بعد في كل أرجاء العالم متجاهلين تماماً القيم المسيحية المطلقة مثل المحبة والإخاء) .

стр. 2071

وكان كل هذا يعني في واقع الأمر إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الاستقرار في الأرض الخالية الجديدة! وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة (كأن تُترَك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماماً) . وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك جورج الثالث تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله. واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام ١٨٣٠ حين أصدر الرئيس جاكسون قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفاً من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم (ترانسفير) أثناء فصل الشتاء سيراً على الأقدام إلى معسكر اعتقال خُصِّص لهم في أوكلاهوما. وقد مات أغلبهم في الطريق (وهذا شكل من أشكال الإبادة عن طريق التهجير [ترانسفير] ، فهو شكلاً ترانسفير من مكان لآخر ولكنه فعلاً ترانسفير من هذا العالم للعالم الآخر) . ووصلت العملية الإبادية إلى قمتها في معركة ونديد ني Wounded Knee (الركبة الجريحة) عام ١٨٩٠. وكانت الثمرة النهائية لعمليات الإبادة هذه أنه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الأصليين الذي كان يُقدر بنحو ٦.٥مليون عام ١٥٠٠ لدى وصول الإنسان الأبيض، أي أنه تمت إبادة ستة مليون مواطن أصلي (وهو رقم سحري لا يذكره أحد هذه الأيام) ، إذا لم نحسب نسبة التزايد الطبيعي (يُقدر البعض أن العدد الفعلي الذي تم إبادته منذ القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين قد يصل إلى عشرات الملايين) . وقد تكرر نفس النمط في أستراليا التي كان يبلغ عدد سكانها الأصليين ٢ مليون عند استيطان البيض للقارة في عام ١٧٨٨ لم يبق منهم سوى ٣٠٠ ألف. ولا تزال عملية إبادة السكان الأصليين مستمرة في البرازيل وأماكن أخرى (وإن كان بشكل أقل منهجية وخارج نطاق الدولة) .

стр. 2072

وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أمريكا الشمالية عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكتين لتحويلهم إلى عمالة رخيصة. وقد تم نقل عشرة ملايين تقريباً، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفهم إما من خلال أسباب «طبيعية» بسبب الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض. وكانت أعمال السخرة الاستعمارية في أفريقيا ذاتها لا تقل قسوة. ففي كتابه رحلة إلى الكونغو (١٩٢٧) ، يُبيِّن أندريه جيد كيف أن بناء السكة الحديد بين برازفيل والبوانت السوداء (مساحة طولها ١٤٠ كيلو متر) احتاجت إلى سبعة عشر ألف جثة. ويمكن أن نتذكر أيضاً حفر قنال السويس بنفس الطريقة وتحت نفس الظروف وبنفس التكلفة البشرية. وقد ورد في إحدى الدراسات أن عدد المواطنين الأوربيين الذين لهم علاقة بعمليات التطهير العرْقي والإبادة داخل أوربا (إما كضحايا أو كجزارين) يصل إلى مائة مليون، فإذا أضفنا إلى هذا عدد المتورطين في عمليات القمع والإبادة الاستعمارية في الكونغو وفلسطين والجزائر وفيتنام وغيرها من البلدان فإن العدد حتماً سوف يتضاعف. ولكن الإمكانية الإبادية الكامنة التي تحققت بشكل غير متبلور وجزئي في التجربة الإمبريالية والاستيطانية الغربية، تحققت بشكل نماذجي كامل في الإبادة النازية أو في «اللحظة النازية النماذجية» في الحضارة الغربية، أي اللحظة التي تبلور فيها النموذج وأفصح عن نفسه بشكل متبلور فاضح، دون زخارف أو ديباجات (ولذا أذهلت الجميع، وضمنهم المدافعون عن النموذج في صوره الأقل تبلوراً وأكثر اعتدالاً) .

стр. 2073

وكان النازيون يُدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية هما ثمرة طبيعية للتشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي الحديث. وقد بيَّن كاتبو سيرة حياة هتلر أن أولى تجارب الإنسان الغربي الاستعمارية الاستيطانية، أي تجربته في أمريكا الشمالية، كانت تجربة مثالية أوحت له بكثير من أفكاره التي وضعها موضع التنفيذ فيما بعد. وكما يقول المؤرخ جون تولاند إن هتلر، في أحاديثه الخاصة مع أعضاء الحلقة المقرَّبة إليه، كثيراً ما كان يعبِّر عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين وطريقة " معالجتهم " لقضية الهنود الحمر. فقد قاموا بمحاولة ترويضهم عن طريق الأسر، أما هؤلاء الذين رفضوا الرضوخ فكان يتم إبادتهم من خلال "التجويع أو القتال غير المتكافئ ". ويقول يواقيم فست إن حروب هتلر القارية المستمرة كانت محاكاة للنموذج الاستعماري الغربي في أمريكا الشمالية. وبالفعل صرح هتلر في إحدى خطبه بأنه حين قام كورتيز وبيزارو (وهما من أوائل القواد الاستعماريين الإسبان) بغزو أمريكا الوسطى والولايات الشمالية من أمريكا الجنوبية، فهم لم يفعلوا ذلك انطلاقاً من أي سند قانوني وإنما من الإحساس الداخلي المطلق بالتفوق. فاستيطان الإنسان الأبيض لأمريكا الشمالية، كما أكد هتلر، لم يكن له أي سند ديموقراطي أو دولي، وإنما كان ينبع من الإيمان بتفوق الجنس الأبيض. ولذا في مجال تبريره للحرب الشرسة التي شنها على شرق أوربا قال هتلر: " إن هناك واجباً واحداً: أن نؤلمن هذه البلاد من خلال هجرة الألمان الاستيطانية وأن ننظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم هنوداً حمراً ". وأكد هتلر أن الحرب التي تخوضها ألمانيا ضد عناصر المقاومة في شرق أوربا لا تختلف كثيراً عن كفاح البيض في أمريكا الشمالية ضد الهنود الحمر. ومن هنا كان هتلر يشير إلى أوربا الشرقية باعتبارها "أرضاً عذراء" و"صحراء مهجورة " ("أرض بلا شعب" في المصطلح الصهيوني) . وقد بيَّن ألفريد روزنبرج،

стр. 2074

أثناء محاكمته في نورمبرج، هذه العلاقة العضوية بين العنصرية النازية والمشروع الغربي الإمبريالي، فأشار مثلاً إلى أنه تعرَّف لأول مرة على مصطلح «الإنسان الأعلى» (السوبرمان) في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي كتشنر، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» مأخوذ من كتابات العالم الأمريكي الأنثروبولوجي ماديسون جرانت والعالم الفرنسي لابوج، وأن رؤيته العرْقية هي نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية، فالنازية - كما أكد روزنبرج لمحاكميه - جزء من الحضارة الغربية.

стр. 2075

ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة، أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب! فإرنست همنجواي، الكاتب الأمريكي، كان يُطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني. وفي عام ١٩٤٠ قال تشرشل إنه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق غاباتها. وقد عبَّر كاتب يُسمَّى كليفتون فاديمان عن هذا الموقف الإبادي بشكل متبلور. ولم يكن فاديمان هذا شخصية ثانوية في المؤسسة الثقافية الأمريكية فقد كان محرر مجلة النيو يوركر (وهي من أهم المجلات الأمريكية) ورئيس إحدى الوكالات الأدبية التي أنشأتها الحكومة الأمريكية إبَّان الحرب بغرض الحرب النفسية. وقد شن حملة كراهية ضارية ضد الألمان (تشبه في كثير من الوجوه الحملة التي شنها الغرب ضد العرب في الستينيات والتي يشنها ضد المسلمين والإسلام في الوقت الحاضر) وجعل الهدف منها "إضرام الكراهية لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما ضد الألمان ككل ... فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم ... فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة ... وإنما هو التعبير النهائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني، فهتلر هو تَجسُّد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها ٢٠٠٠ عام". ومثل هذا الحديث لا يختلف كثيراً عن الحديث عن عبء الرجل الأبيض وعن الخطر الإسلامي ومن قبله الخطر الأصفر.

стр. 2076

وقد اشترك بعض الزعماء والكُتَّاب اليهود في هذه الحملة، فصرح فلاديمير جابوتنسكي عام ١٩٣٤ بأن مصلحة اليهود تتطلب الإبادة النهائية لألمانيا، «فالشعب الألماني بأسره يُشكِّل تهديداً لنا» . ولكن يمكن القول بأن كتاب الكاتب الأمريكي اليهودي تيودور كاوفمان بعنوان لابد من إبادة ألمانيا هو من أهم الكتب المحرضة على الإبادة، وقد استفادت منه آلة الدعاية النازية وبيَّنت أبعاد المؤامرة الإبادية ضد الألمان، وهو ما شكَّل تبريراً لفكرة الإبادة النازية نفسها. وقد ورد في هذا الكتاب أن كل الألمان، مهما كان توجههم السياسي (حتى لو كانوا معادين للنازية، أو شيوعيين، أو حتى محبين لليهود) لا يستحقون الحياة، ولذا لابد من تجنيد آلاف الأطباء بعد الحرب ليقوموا بتعقيمهم حتى يتسنى إبادة الجنس الألماني تماماً خلال ستين عاماً!

стр. 2077

وكان هناك حديث متواتر عن ضرورة «هدم ألمانيا» ، وعن «تحويل ألمانيا إلى بلد رعوية» (بالإنجليزية: باستوراليزيشن patsoralization) ، أي هدم كل صناعاتها ومؤسساتها الحديثة (كما حدث لمحمد علي) . ونجحت غارات الحلفاء على المدن الألمانية في إبادة مئات الألوف من المدنيين (من الرجال والأطفال والنساء والعجائز) وتحطيم كل أشكال الحضارة والحياة. وقد بلغ عدد ضحايا الغارات على مدينة درسدن الألمانية وحدها ٢٠٠ ألف قتيل. كما استمرت النزعة الإبادية بعد الحرب، فقامت قوات الحلفاء بوضع مئات الألوف من الجنود الألمان في معسكرات اعتقال وتم إهمالهم عن عمد، فتم تصنيفهم على أساس أنهم DEFS وهي اختصار عبارة «ديس آرميد إنيمي فورسيز disarmed enemy forces» أي «قوات معادية تم نزع سلاحها» بدلاً من تصنيفهم «أسرى حرب» . وإعادة التصنيف هذه كانت تعني في واقع الأمر حرمانهم من المعاملة الإنسانية التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب، وبالفعل قضى ٧٩٣.٢٣٩ جندي ألماني نحبهم في معسكرات الاعتقال الأمريكية عام ١٩٤٥،كما قضى ١٦٧ ألف نحبهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجةً للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة (حسبما جاء في دراسة لجيمس باك James Bacque) ، وفي الوقت ذاته كان يوجد ١٣.٥ مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر، تعمدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم.

стр. 2078

ولم تقتصر الإبادة على التصفية الجسدية بل كانت هناك إبادة ثقافية، فقد قام الحلفاء بما سُمِّي «عملية نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» (بالإنجليزية: دي نازيفيكيشن denazification) للقضاء على النازيين في الحياة العامة، فأُقيمت ٥٤٥ محكمة دائمة على الأقل يتبعها طاقم من الفنيين والسكرتارية عددهم اثنان وعشرون ألفاً. وقام الأمريكيون بتغطية ثلاثة عشر مليون حالة (أي معظم الذكور الألمان البالغين) ، وتم توجيه الاتهام إلى ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف، أُجريت لهم محاكمات عاجلة. وأدين تسعمائة وثلاثون ألفاً منهم، وصدرت أحكام بشأنهم من بينها ١٦٩.٢٨٢حكماً بتهمة ارتكاب جرائم نازية لا مجرد التعاون مع النظام النازي. وأصدر البريطانيون ٢٢.٢٩٦ حكماً والفرنسيون ١٧.٣٥٣ حكماً، والروس ثمانية عشر ألف حكم. وبحلول عام ١٩٤٥، كان قد تم طرد ١٤١ ألف ألماني من وظائفهم، من بينهم معظم المدرسين في منطقة الاحتلال الأمريكية، وزُج بعدد أكبر من هؤلاء في السجن. وتظهر نفس النزعة الإبادية في استجابة الحلفاء لليابان، فقبل اكتشاف القنبلة الذرية، كان الجنرال الأمريكي كورتيس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ. فخلال عشرة أيام في مارس ١٩٤٥، قامت الطائرات الأمريكية بطلعات جوية بلغ عددها ١١.٦٠٠، تم خلالها إغراق ٣٢ ميل مربع من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدَّى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل١٥٠.٠٠٠. أما الغارات الجوية على طوكيو يوم ٢٥ مايو ١٩٤٥، فتسببت في اندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحترق وهم على ارتفاع آلاف الأقدام. وأدَّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الأقل.

стр. 2079

وكانت عملية الإبادة من الشمول لدرجة أن الجنرال جروفز المسئول عن مشروع مانهاتن لإنتاج القنبلة النووية كان «يخشى» ألا يجد أي هدف سليم يمكن أن يُلقي عليه بقنابله ويدمره. ورغم أن الولايات المتحدة كانت تعرف أن اليابانيين كانوا قد بدأوا يفكرون بشكل جاد في إنهاء الحرب، فقد رأى الجنرال جروفز ضرورة استخدام القنبلة مهما كان الأمر (بعد أن تم إنفاق ٢ بليون دولار في تطويرها وهو ما يُعادل ٢٦ بليون دولار بحسابات اليوم) . كما أن ترومان كان يشعر بعدم الثقة في نفسه أمام تشرشل وستالين، ولذا كان يود أن يذهب للاجتماع بهم وهو في موقع قوة، خصوصاً وأن الدب الروسي كان قد بدأ في التضخم. ومن ثم، كان لابد من إلقاء القنبلة الذرية بغض النظر عن عدد الضحايا أو حجم التدمير. وكان الجنرال جروفز «محظوظاً» (كما تقول بعض الدراسات) إذ وجد ضالته المنشودة في هيروشيما التي كان يقطنها ٢٨٠ ألف نسمة ووجد أنها محاطة بتلال يمكن أن تُحوِّل المدينة إلى جهنم حقيقية بعد الانفجار إذ أنها ستركز الحرارة. وبالفعل قُتل فور وقوع الانفجار ٧٠ ألف مدني ومات ١٣٠ ألف آخرون بعد عدة شهور متأثرين بحروقهم من الإشعاع. وكأن هيروشيما لم تكن كافية، فأُلقيت قنبلة أخرى على ناجازاكي، أدَّت هي الأخرى إلى مقتل ٧٠ ألف آخرين، غير مئات الألوف الآخرىن الذين لقوا مصرعهم فيما بعد. فما بين ألمانيا واليابان تم إبادة وإصابة حوالي مليوني شخص معظمهم من المدنيين.

стр. 2080

كما يجب أن نتذكر عمليات الإبادة التي قام بها النظام الستاليني ضد الشعوب الإسلامية في الخانات التركية (التي أصبحت الجمهوريات السوفيتية الإسلامية) . وكان عدد شعب التتار وحده يساوي عدد سكان روسيا، أما الآن فهو لا يُكوِّن سوى نسبة مئوية ضئيلة، ومصيره بهذا لا يختلف كثيراً عن مصير السكان الأصليين في أستراليا وأمريكا الشمالية. وقد استمر النظام الستاليني في عمليات الإبادة المنهجية والمنظمة لأعدائه الطبقيين مثل الكولاك الذين قاوموا تحويل مزارعهم إلى مزارع جماعية، بل تم إبادة كثير من أعضاء الحزب الشيوعي ممن عارضوا الديكتاتور. وكانت الإبادة تأخذ أشكالاً مختلفة مثل الإعدام والعمل في معسكرات السخرة. وقد بلغ عدد الضحايا ٢٠ مليون مات منهم ١٢ مليون على الأقل في معسكرات الجولاج: هذا حسب التقديرات المحافظة، أما أعداء النظام الستاليني فيقولون إن عدد الضحايا بلغ ٥٠ مليوناً! وبعد حوالي نصف قرن لا تزال عمليات الإبادة والتطهير العرْقي على قدم وساق في البوسنة والهرسك والشيشان ولا تزال بعض الدول الغربية تراقب هذا بحياد غير عادي.

стр. 2081

إبادة الآخر إذن آلية أساسية استخدمها التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي في تحقيق رؤيته ومثالياته الداروينية، ومع هذا تظل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة، فكيف نفسِّر هذا؟ تعود هذه المركزية، فيما أعتقد، إلى حداثة الإبادة النازية ومنهجيتها، الأمر الذي جعلها تقض مضجع الإنسان الغربي، فمشروعه الحضاري يستند إلى العلم المتجرد من القيمة وعبقرية حضارته تكمن في الترشيد المتزايد. كما أن الإبادة الاستعمارية كانت تتم دائماً "هناك" بعيداً عن أوربا، في آسيا وأفريقيا، أما الإبادة النازية فتمت «هنا» على أرض الحضارة الغربية، وعلى بُعد أمتار من منازل المواطنين العاديين. كما أن العناصر التي أُبيدت لم تكن داكنة اللون أو صفراء، وإنما «مثلنا تماماً» . وأخيراً يشغل اليهود مكانة خاصة في الوجدان الغربي الديني والحضاري، فاليهودي يقف دائماً على الهامش، موضع تقديس وكُره عميقين، وحينما صرعته الإبادة النازية تنبه الإنسان الغربي إلى الإمكانية الكامنة، التي تقف فاغرة فاهها، في قلب حضارته الحديثة. السياق الحضاري الألماني للإبادة German Cultural Context of the Extermination

стр. 2082

تناولنا في المدخل السابق الإطار الحضاري الغربي العام للإبادة، ويمكننا الآن أن نترك المنظور العام لنركز على حالة محددة وهي الإبادة الألمانية النازية ليهود أوربا. ويمكن القول بأن المنظومة المعرفية العلمانية الإمبريالية اكتسبت حدةً خاصة في ألمانيا لأسباب عديدة من بينها تقاليد وحدة الوجود (الحلولية الكمونية) القوية التي تعود إلى جيكوب بومه والمعلم إيكهارت، وهي تقاليد ورثتها الفلسفة المثالية الألمانية وعمّقتها ووصلت إلى ذروتها في فلسفة فخته الذي جعل من الذات مركز الكون وتصورها قادرة على خلق العالم. ولكن فخته في الوقت نفسه طالب بالقضاء على الفرد (الشخص الإمبريقي) وكان يحلم «بجمهورية الألمان» التي يُجنَّد كل ذكر فيها من سن العشرين حتى موته، فهي جمهورية جنود لا مواطنين. وقد ربطت الفلسفة الألمانية المثالية الإنسان الفرد بالمطلق الذي يمكن أن يتجسد في الفرد، كما يمكن للفرد أن يذوب فيه. وحتى يصل الفرد إلى المطلق أُعيد تعريف العقل وتم توسيع نطاقه ولم تَعُد هناك حدود تفصل بين عقل الفرد والعقل المطلق، ففقد العقل هويته وأصبح لاعقلانياً. وقد وصلت الحلولية الألمانية إلى قمتها في منظومة هيجل الشاملة التي تساوي بين المقدَّس والزمني، ثم يبلغ الحلول منتهاه في فلسفة نيتشه وفلسفات الحياة. في هذا الإطار تم تعيين "مطلقات" مختلفة تكون هي موضع الحلول والكمون. وكان أول المطلقات هو الشعب الألماني العضوي (فولك) موضع الحلول والكمون، وصاحب الرسالة. وقد وُلدت القومية الألمانية في أتون الحروب وتحت شعار الوحدة والمركزية، وصاحب ذلك تعميق مفهوم الشعب العضوي، والإصرار على الانتماء الكامل غير المشروط مقياساً وحيداً للولاء، وطُرح شعار «ألمانيا فوق الجميع» الذي تبناه أعضاء الشعب الألماني، وبُذلت المحاولات لإعادة صياغة الشخصية الألمانية لضمان ولائها للدولة المطلقة.

стр. 2083

وقد بلغت سطوة هذا المفهوم حداً جعلته يبتلع المنظومة الدينية نفسها، فاختلطت الديباجات الدينية بالقيم القومية بحيث تطلب الانتماء للشعب العضوي الألماني الانتماء إلى المسيحية البروتستانتية. ولكن مما يجدر ذكره أن هذه البروتستانتية كانت بروتستانتية ثقافية أو إثنية ( «عقيدة أبائنا» ) تركز على المشاعر الدينية دون العقيدة الدينية، ولذا كان بوسعها أن تتصالح ببساطة مع النيتشوية والداروينية (يشير المفكر البروتستانتي الألماني بول تيليخ إلى نيتشه باعتباره مفكراً بروتستانتياً كبيراً) . وقد نتج عن ذلك تَنصُّر أعداد هائلة من يهود ألمانيا حتى يندمجوا " ثقافياً " في مجتمعهم الألماني. ووصلت نسبة هؤلاء أحياناً إلى ما يزيد عن ٥٠% من مجموع يهود برلين (الذين كانوا يشكلون معظم يهود ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر) . ولكن في إطار مفهوم الشعب العضوي يصبح مثل هذا التنصر عملية "تسلل" و"تآمر"، فصفات الشعب العضوي صفات موروثة تجري في العروق وفي أرض الأجداد. وبالفعل لوحظ تصاعد معدلات العداء لليهود في الفكر الألماني العلماني. فكتب ولهلم مار (١٨١٨ ـ ١٩٠٤) كتابه المهم انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (١٨٦٢) . كما نشر فاجنر وبول أنطون دي لاجارد وهنريش فون تراتيشكة كتاباتهم المعادية لليهود.

стр. 2084

ثم نأتي لأهم المفاهيم في الحلولية الكمونية المادية وهو مفهوم الدولة، التي تشغل مكاناً خاصاً في التفكير الرومانسي الألماني. وكما تم ربط الفرد بالمطلق، ثم ربط مفهوم الحرية بالدولة، بحيث لا تتحقق الحرية إلا من خلال الدولة (ومن هنا جنود فخته الأحرار!) . ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) في فلسفة هيجل حيث تصبح الدولة هي المطلق، بل تجسيداً له، وهي الإطار السياسي الذي يمكن للشعب العضوي أن يُعبِّر عن نفسه من خلاله. إن الدولة أصبحت هي المطلق مجازياً وحرفياً ولذا طالب هيجل الإنسان بأن يعبد الدولة كما لو كانت إلهاً سماوياً، وهذه هي قمة الحلولية الوثنية (التي ستُعبِّر عن نفسها بشكل سوقي من خلال النازية والصهيونية فيما بعد) . وقد تزامن هذا مع تزايد النزعة التاريخانية (تحت تأثير هيجل وغيره) بحيث لم يعد من الممكن أن يسأل الإنسان هل هذا الفعل خيِّر أم شرير، إذ أصبح السؤال الوحيد الممكن هو: هل يتفق هذا مع اللحظة التاريخية أو لا؟ كما انتشرت الأفكار الداروينية بشكل متطرف، التي تُهمِّش الإنسان الفرد تماماً. وقد واكب هذه النسبية الأخلاقية تزايد الإيمان بالعلم المنفصل عن القيمة والغائية الإنسانية، فتعقيم المعوقين كان أمراً مقبولاً في الطب الألماني مع بداية القرن العشرين (الأمر الذي يعني أن أعداداً كبيرة من الأطباء الألمان اليهود كانوا متورطين في هذه الرؤية. ومن المعروف أن الأطباء اليهود لم يُطردوا من مهنة الطب في ألمانيا إلا في عام ١٩٣٣) .كما عرف الألمان أسلوب الانتفاع من الجثث البشرية قبل ظهور النازي، أي أن تزايد إطلاق الدولة واكبه تهميش الفعل الأخلاقي الفردي والمسئولية الفردية فتم استيعاب الفرد في الكل الشامل.

стр. 2085

وكان الشاعر هايني من أكثر المفكرين إدراكاً لخطر الحلولية الكمونية التي تجعل الإنسان إلهاً على الأرض، وفي الوقت نفسه تجعل الدولة إلهاً على الأرض. فقال إن فيلسوف الطبيعة سيعقد تحالفاً مع قوى الطبيعة الكونية وسيوقظ القوى الشيطانية لوحدة الوجود الألمانية التي ستضرم الشهوة للحرب (التي تسم الألمان القدامى) حيث لا يحارب الجندي ليدمر ويكسب المعركة، وإنما يحارب من أجل الحرب. هذه هي بعض مكونات السياق الحضاري الألماني للنازية وللإبادة النازية لليهود (ولغيرهم) . وقد تشابكت هذه المكونات وتصاعدت حدتها وبلغت حداً عالياً من التبلور في العقيدة النازية، التي تشكل تعبيراً صافياً ونماذجياً عن المُثُل العليا للحضارة العلمانية الغربية وعن النموذج الحاكم الكامن فيها. والعقيدة النازية لم تفعل أكثر من وضع هذه المُثُل موضع التنفيذ بشكل أكثر تطرفاً من المعتاد، إذ طبقت الأفكار بشكل أكثر ثورية وأكثر منهجية وشمولاً على البشر كافة. النازية والحضارة الغربية Nazism and Western Civilization

стр. 2086

كلمة «نازي» مأخوذة بالاختصار والتصرف (بهدف التهكم) من العبارة الألمانية «ناشيونال سوشياليستيش دويتش أربايتربارتي National Sozialistische Deutsche Arbeiterpartei» (NSDAP) ، أي «الاشتراكية القومية» ، وهي حركة عرْقية داروينية شمولية، قادها هتلر وهيْمنت على مقاليد الحكم في ألمانيا، وعلى المجتمع الألماني بأسره. والحركة النازية هي حركة سياسية وفكرية، ضمن حركات سياسية فكرية أخرى تحمل نفس السمات، ظهرت داخل التشكيل الحضاري الغربي بعد الحرب العالمية الأولى. كانت النواة الأساسية للحركة النازية هي حزب صغير يُسمَّى «حزب العمال الألمان» أُسِّس في جو البطالة والثورة الاجتماعية عام ١٩١٨ بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها على يد الدول الغربية المنتصرة. وكان المنظِّر الأساسي للحزب هو جوتفريد فيدر الذي نادى بعقيدة لها صبغة قومية قوية وطابع اشتراكي، تدعو إلى ملكية الدولة للأرض وتأميم البنوك. وكان من أوائل من انضم لعضوية هذا الحزب محاربون قدامى مثل رودولف هس وهرمان جورنج، ومثقفون محبطون مثل ألفريد روزنبرج وب. ج. جوبلز وهتلر نفسه، وشخصيات أخرى مثل يوليوس سترايخر. وقد ازدادت عضوية الحزب لأنه توجه إلى المخاوف الكامنة لدى قطاعات كبيرة من الألمان من الشيوعيين والبلاشفة، وإلى حنقها على معاهدة فرساي التي أذلت ألمانيا وحولتها إلى ما يشبه المستعمرة، وعلى جمهورية وايمار المتخاذلة التي قبلت هذا الوضع، وإلى إحساس الجماهير بالضياع في المجتمع الحديث وإحساسهم بالقلق وعدم الطمأنينة نتيجة تآكل المجتمع التقليدي. ورغم أن الحزب كان يُسمَّى «حزب العمال» ، فإنه لم يضم كثيراً من العمال بين أعضائه، ولم ينضم له من العمال سوى العاطلين عن العمل. وأُعيد تنظيم الحزب عام ١٩٢٠ وسُمِّي «حزب العمال الألماني الاشتراكي القومي» وترأسه هتلر الذي حصل على تأييد لودندورف (بطل الحرب العالمية الأولى) وعديد من رجال

стр. 2087

الصناعة الذين رأوا أن بإمكان هتلر تقويض دعائم النظام السياسي القائم، الذي لم يكن يسمح لهم باتباع سياسة رأسمالية حرة تماماً، كما أنهم رأوا أن وجوده يمثل الفرصة الوحيدة أمامهم لوقف تقدم الشيوعيين. وقد تزايد نفوذ الحزب مع اتساع نطاق الكساد الاقتصادي. وحل كتاب هتلر كفاحي محل برنامج جوتفريد فيدر (الذي تحول إلى مجرد ناطق بلسان هتلر) ، كما تراجع الخطاب الاشتراكي وحل محله خطابٌ نازيٌ أكثر تبلوراً ومادية. وسار الحزب النازي بخطى واسعة في الفترة من ١٩٣٠ حتى ١٩٣٢، ووصلت عضويته إلى مليونين بحيث أصبح الحزب الثاني في ألمانيا أثناء فترة الكساد الكبير الذي بدأ عام ١٩٢٩، وهي فترة شهدت تآكل مدخرات الطبقة الوسطى الألمانية وانتشار الحركات الإباحية والبغاء والفوضوية وتَعاظُم نفوذ الشيوعيين. ورغم أن هتلر خسر انتخابات الرئاسة عام ١٩٣٢ أمام هندنبرج، إلا أن حزبه النازي أصبح أكبر حزب ألماني على الإطلاق. وقد فشل المستشار فون بابن في الاحتفاظ بأغلبية تمكنه من الحكم في البرلمان، فأُجريت انتخابات أخرى. وكان هتلر قد حصل إبَّان ذلك على الدعم المالي من رجال المال والصناعة في وادي الراين الذين كانوا يهدفون إلى احتوائه واستخدامه كأداة.

стр. 2088

وكان هتلر يستخدم خطابين مختلفين: أحدهما للجماهير، والآخر لرجال المال. وقد احتجت بعض العناصر الاشتراكية في الحزب على الاتجاه المتزايد نحو اليمين، ولكن هتلر نجح في القضاء على هذه العناصر. وفي عام ١٩٣٣، قام الرئيس هندنبرج بتعيين هتلر مستشاراً. وحينما اندلع حريق في مبنى البرلمان، قام هتلر بطرد النواب الشيوعيين بعد أن ألقى التبعة عليهم. ثم اقترع البرلمان على منح هتلر سلطات شاملة، ومن ثم أنجز هتلر ثورته القانونية. وفي يونيه ١٩٣٤، أصبح الحزب النازي هو الحزب الأوحد، وقام هتلر بتصفية البقية الباقية من العناصر العسكرية في حزبه بطريقة دموية، وكان من بينهم إرنست روم رئيس قوات العاصفة. كما قام هتلر بضرب اليمين، فأثبت بذلك أنه لم يكن مجرد أداة في يد المموِّلين أو بقايا النظام الملكي فأمم المصارف وبعض الصناعات. ومع هذا، استفادت العناصر الرأسمالية من خلال سيطرة الدولة على كثير من القطاعات الاقتصادية، وأُلغيت اتحادات العمال، وفقد العمال حقوقهم، وتم استيعابهم في مؤسسات الحزب، وتم التنسيق بين جميع مؤسسات الدولة والحزب. كما أصبحت الخدمة العامة إجبارية، ثم فُرض التجنيد الإجباري وأُخضعت ألمانيا كلها لنظام مركزي قوي. وأُلغي استقلال الولايات، وأُخضعت لهيمنة الفوهرر وأجهزته مباشرة، بل أسس الحزب كنيسة ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية.

стр. 2089

وفي عام ١٩٣٦، بدأت خطة السنوات الأربع لإعادة تسليح ألمانيا، وإعادة تنظيم الاقتصاد انطلاقاً من الاعتماد على الذات. وقد حقق النازيون نجاحاً اقتصادياً باهراً، الأمر الذي زاد من التفاف الجماهير حولهم، حيث تم القضاء على البطالة وبُنيت منشآت عامة عديدة، ثم سيطر هتلر على حزبه سيطرة كاملة، وتولى هملر رئاسة الجستابو (البوليس السري) عام ١٩٣٦. وبعد موت هندنبرج، أصبح هتلر رئيساً للدولة لا يقاسمه السلطة أحد. ونجح في استصدار قرار عام ١٩٣٤ بتأسيس الرايخ الثالث الذي سيدوم ألف عام (والرايخ هو ألمانيا أو الإمبراطورية الألمانية المقدَّسة حيث يمتد الرايخ الأول من تاريخ تأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة عام ٩٦٢ حتى انحلالها عام ١٨٠٦، والرايخ الثاني هو الإمبراطورية الألمانية منذ ١٨٧١ وحتى ١٩١٨، أما الرايخ الثالث فهو الدولة النازية من ١٩٣٣) ، وأصبح هو حاكم (فوهرر) ألمانيا بلا منازع. وبدأ هتلر في تنفيذ مخططه الإمبريالي في الداخل والخارج صدوراً عن الرؤية النازية للعالم التي استمدت ملامحها الأساسية من الحضارة الغربية:

стр. 2090

١ ـ السمة الأساسية للمنظومة النازية هي علمانيتها الشاملة وواحديتها المادية الصارمة. وقد هاجم ألفريد روزنبرج (أهم «الفلاسفة» النازيين) المسيحية باعتبارها عقيدة يهودية تدافع عن المطلقات. وفي كتابه أسطورة القرن العشرين حاول أن يُبيِّن بعض الأطروحات الأساسية للنازية، فالروح والعرْق هما شيء واحد، فالعرْق إن هو إلا التعبير البراني عن الروح، والروح إن هي إلا التعبير الجواني عن العرْق (وهذا لا يختلف كثيراً عن تصور الفلسفة الألمانية المثالية عن تماثل الروح والطبيعة) ، والروح العرْقية هي التي تحرك التاريخ. بل إن روزنبرج كان مدركاً للحلولية كنمط نهائي، إذ يؤكد أن الروح الألمانية تُعبِّر عن انتصار فكرة الحرية وعن التصوف الحقيقي، تصوف المعلم إيكهارت، وهي صوفية مسيحية اسماً ومظهراً وحسب، ولكن يجب أن تُفهم باعتبارها تزايد حرية الروح إلى أن تصل إلى المرحلة التي تتحرر فيها تماماً من الإله نفسه. وكان روزنبرج، انطلاقاً من عقيدته العرْقية هذه، يعطي مواعظ نارية عن أسطورة الدم.

стр. 2091

ولكن هتلر، بذكائه الشديد، حاول أن يُبقي هذه النقطة من برنامجه غامضة حتى لا يستفز الجماهير ولا يواجه الكنيسة بشكل علني. وقد عقد اتفاقاً مع الكنيسة الكاثوليكية غير أنه لم يلتزم به وأرسل بكثير من رجال الدين إلى المحرقة. وقد أسس هتلر "كنيسة" ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية، وتطهير فكرة القومية الألمانية من العناصر المسيحية التي دخلت عليها. وكان الالتحاق بهذه الكنيسة القومية ـ ومن ثم الانفصال عن المنظومة المسيحية ـ شرطاً أساسياً للانضمام إلى فرق الحرس الخاص المعروفة بالإس. إس. وفي السنوات الأخيرة من حكم النازي، وضع هتلر مخططاً شاملاً للقضاء على الكنائس المسيحية بشكل كامل، حتى تسود الواحدية المادية وقيم القومية العضوية والولاء الكامل لألمانيا ولدولة الرايخ الثالث. وكل سمات النازية الأخرى تنبع من رؤيتها العلمانية الإمبريالية الشاملة. ٢ ـ تتضح مادية النازيين الصارمة في إنكارهم للطبيعة البشرية وثباتها فكل شيء من منظورهم خاضع للتغير والحوسلة. ويمكن القول بأن ثمة نزعة مشيحانية علموية مادية قوية هي التي تعطي النازية تفردها واختلافها عن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى. فالنازية دفعت بكثير من المقولات الكامنة في الرؤية العلمانية الشاملة إلى نتيجتها المنطقية، ولم تعد تَقْنَع بتغيير العالم وإنما كانت تطمح إلى تغيير النفس البشرية ذاتها (وعلى كلٍّ، هذا الاتجاه أمر كامن في كل الطوباويات التكنولوجية التي تعود بداياتها إلى بداية عصر النهضة في الغرب) . ومن هنا اهتمام النازيين بعلم مثل علم تحسين النسل (بالإنجليزية: إيوجينكس eugenics) وإعادة تنظيم العالم من خلال سياسات بيولوجية وضعية. ومن هنا حربهم الشديدة ضد الأمراض النفسية والجسمانية وضد كل انحراف عن المعيارية العلمية الصارمة (ومن هنا نجد أنهم قاموا بإبادة الأقزام!) .

стр. 2092

٣ ـ آمن النازيون بفكرة الدولة باعتبارها مطلقاً علمانياً متجاوزاً للخير والشر. وحدَّد هتلر المطلق الأول والأوحد (الدولة) بدقة غير عادية حين قال إنه لابد من تحقيق العدالة وتوظيفها في خدمة الدولة، أي أنه لا يوجد مفهوم مطلق للعدالة، وإنما تتحدد العدالة بمقدار تحقيق نفع الدولة. والدولة كمطلق هي الإطار الذي يُعبِّر الشعب العضوي (فولك) الألماني من خلاله عن إرادته. ٤ ـ تبنت النازية النظرية العرْقية الداروينية الغربية، وأكدت التفوق العرْقي للشعب الألماني على كل شعوب أوربا، ولشعوب أوربا على كل شعوب العالم. ورفض هتلر فكرة المساواة بين البشر باعتبارها فكرة دينية ("حيلة يهودية مسيحية"، "نوع من التنويم المغناطيسي تمارسه اليهودية الغازية للعالم بمساعدة الكنائس المسيحية" (. ٥ ـ من الأفكار الأساسية في الفكر النازي فكرة الشعب العضوي (فولك) الذي تُوجَد وحدة عضوية بين أعضائه من جهة، وبين حضارتهم والأرض التي يعيشون عليها من جهة أخرى، وهي وحدة لا تنفصم عراها. ولا يمكن لهذا الشعب أن يحقق كل إمكانياته إلا بعد أن يضم إليه مجاله الحيوي (الأرض في الثالوث الحلولي العضوي) حتى تكتمل الدائرة العضوية. أما العناصر الغريبة الأجنبية فهي تؤدي إلى إعاقة هذا التكامل العضوي الصارم، وبالتالي فهي عناصر ضارة لابد من استبعادها.

стр. 2093

٦ ـ من العبارات المتواترة في الخطاب العضوي النازي عبارة «الدم والتربة» ، وهي ترجمة للعبارة الألمانية «بلوت أوند بودين Blut und Boden» ، وهي من الشعارات الأساسية للنازية والمرتبطة بفكرة الشعب العضوي. وهذه العبارة النيتشوية تمجد آداب الفلاحين وعواطفهم باعتبارها تجسيداً للصفتين الأساسيتين اللتين يستند إليهما رقي الجنس الألماني؛ الدم الألماني والتربة الألمانية. وهي تحول الدم والتربة إلى المرجعية أو الركيزة النهائية التي يستند إليها النسق المعرفي والأخلاقي. وشعار «الدم والتربة» هو مثل جيد على ما نسميه «الواحدية المادية الكونية» التي تسم الأنساق الحلولية الكمونية، حيث يصبح المطلق كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويُنصِّب شعبٌ من الشعوب نفسه إلهاً على بقية الشعوب، فدمه وتربته يحويان كل القداسة ويعطيانه حقوقاً مطلقة لا يمكن النقاش بشأنها. ولكن هذه الحلولية هي حلولية بدون إله، فثالوث القومية العضوية: الدم ـ التربة ـ الشعب، ليس إلا صدىً للثالوث الحلولي الوثني: الإله ـ الطبيعة ـ الإنسان. ويبدو أن الدم، باعتباره حامل القداسة وباعتباره الصلة التي تربط الإنسان والأرض، يحل محل الإله. (وقد وجدت هذه العبارة طريقها إلى الفكر والخطاب الصهيوني (.

стр. 2094

٧ ـ وقد ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم العرْق السيد، وهو العرْق الآري الألماني التيوتوني الذي سيحتفظ بنقائه العرْقي ويؤسس أمة تتألف من الحكام المحاربين والمفكرين، قدرها المحتوم أن تحكم الأعراق الدنيا وتعيش على عملها وتحقق السيادة على العالم. وهذه الأمة ستنظم نفسها على شكل هرمي تقف على قمته نخبة تتسم بالصفات العرْقية الأكثر تفوقاً، وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس والتاريخي للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) . وكان تنظيم الحزب النازي تعبيراً عن نفس الرؤية، فقد استعار هتلر من التنظيمات الشيوعية فكرة الخلية والتنظيم الهرمي للحزب والانضباط الداخلي، واستعار من الفاشية الإيطالية فكرة ميليشيا الحزب ذات الزي الموحَّد، وهؤلاء هم مرتدو القمصان البُنيَّة وكان يُشار إليهم بالحرفين إس. آيه S. A..، وهما اختصار عبارة «شتورم أبتايلونج Sturm Abteilung» أي «قوات العاصفة» . أما «النخبة» ، فهم فرق الإس. إس S. S. وهما اختصار للعبارة الألمانية «شوتس ستافل Schutz Staffel» ومعناها «نخبة الأمن» أو «الحرس الخاص» ، وكانوا يرتدون قمصاناً سوداء وشارة الموت. وكان للحزب تحيته الخاصة بأن يرفع العضو ذراعه اليمنى ويقول: "هايل هتلر". وأصبح الصليب المعقوف رمزه، كما كان له نشيده الخاص. ٨ ـ رأت العقيدة النازية أن هذا الهرم الألماني المنظم، لابد أن يسيطر على العالم بأسره. وقد استفادت هنا من الفكر الجغرافي السياسي (الجيوبولوتيكي) الغربي. إذ رأى النازيون أن ألمانيا أمة حركية من حقها أن تحصل على مجال يتناسب مع قوتها وحيويتها، وهو مجال أوسع مما سمحت به معاهدة فرساي.

стр. 2095

٩ ـ انطلاقاً من كل هذا وُضعت ألمانيا فوق الجميع وأصبح للألمان حقوق مطلقة فيما تصوروا أنه مجالهم الحيوي. وقد رأى النازيون أنه يجب على الشعب الألماني أن يستيقظ من سباته ويتنبه للخطر، وأن يغزو مجاله الحيوي حتى يصبح مجالاً ألمانياً صرفاً خالياً من السلاف. ١٠ ـ لكن الشعوب العضوية (فولك) تحتاج دائماً إلى آخر تستمد منه هويتها. والآخر هنا هو كل من يقف في طريق تحقيق الأطروحات النازية، وهم في هذه الحالة السلاف بالدرجة الأولى، الذين يشغلون المجال الحيوي في الخارج. أما في الداخل، فكانت توجد عناصر عديدة غير نافعة مستهلكة دون أن تكون منتجة، وأحياناً ضارة، من بينها المعوقون والشواذ جنسياً والشيوعيون والغجر والمصابون بأمراض وراثية مزمنة، بل الأقزام. ولذا كان النازيون يرون ضرورة إبادة العناصر الضارة في الداخل والخارج: السكان السلاف الذين يعيشون داخل المجال الألماني الحيوي، والغجر ممن لا نفع لهم، واليهود خصوصاً الأقلية المالية اليهودية.

стр. 2096

١١ ـ ولكن لنركِّز على أعضاء الجماعة اليهودية وحدهم، لا بسبب أهميتهم المطلقة ولكن بسبب أهميتهم من منظور هذه الموسوعة. كان اليهود ـ حسب التصور النازي ـ من أهم القطاعات غير النافعة، بل الضارة، فهم يتركزون في القطاعات الهامشية للاقتصاد، مثل تجارة الرقيق الأبيض. ورغم أنهم مثل البكتريا والطفيليات التي تعيش على الآخرين، إلا أنهم يدَّعون أنهم يُشكِّلون عرْقاً سامياً وشعباً مختاراً، ولذا فهم يحاولون دائماً الهيمنة على الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب الأخرى. ويشير هتلر إلى أن اليهود سيطروا على عالم المال في ألمانيا، وأنهم يحيكون مؤامرة عالمية للسيطرة ولذا فهم يحاولون إشعال الحروب والثورات (وهذه هي الأفكار الأساسية في بروتوكولات حكماء صهيون، وفي كتاب إدموند دروموند فرنسا اليهودية، وهما من أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر) . كما بيَّن هتلر أن الماركسية والماسونية ليستا إلا مجرد حيل يهودية للسيطرة على العالم. وقد صُنِّف اليهود أحياناً باعتبارهم سلافيين، لأن كثيراً منهم كانوا «أوست يودين Ostjuden» «، أي من يهود شرق أوربا. وأُلقي اللوم على اليهود باعتبارهم مسئولين عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وعن إذلالها. ولذا قرر الألمان أن يجعلوا المجال الحيوي الألماني خالياً من اليهود بالألمانية: يودين راين (Judenrein) .

стр. 2097

وقد بدأ النظام النازي حملته على اليهود عقب تعيين هتلر مستشاراً في ٣٠ يناير عام ١٩٣٣. ففي أبريل عام ١٩٣٣ نُظِّمت مقاطعة للأعمال التجارية اليهودية، ثم استُبعد اليهود من كثير من الوظائف العامة. وفي أبريل ١٩٣٥، استُبعد الأطفال اليهود من النظام التعليمي. وفي سبتمبر من نفس العام، صدرت قوانين نورمبرج التي نزعت عن أعضاء الجماعة اليهودية حقهم في أن يكونوا مواطنين بالرايخ، تنفيذاً لفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ، ومُنعت الزيجات المُختلَطة بين اليهود والآريين. وفي عام ١٩٣٨، مُنع اليهود من العمل في الوظائف الوسيطة كأن يكونوا وكلاء وبائعين ومديري عقارات ومستشارين في الأعمال التجارية. وأدَّى اغتيال عضو في السفارة الألمانية في باريس على يد يهودي بولندي في ٩ ـ ١٠ نوفمبر ١٩٣٨ إلى قيام ثورة شعبية ضد اليهود تُعرف باسم «كريستال ناخت « «أي ليلة الزجاج المحطم» أُحرق خلالها أربعمائة معبد ونُهب كثير من المتاجر والمنازل الخاصة، وتم القبض على الألوف منهم وفُرضت غرامة على اليهود (ككل) . وبعد ذلك بدأ النظام النازي في عملية الإبادة والحل النهائي النازي للمسألة اليهودية والتي استمرت حتى نهاية الحرب. وكما سنبين فيما بعد لم يكن النظام النازي عشوائياً لاعقلانياً في اضطهاده لأعضاء الجماعات اليهودية، بل إن كلمة «اضطهاد» ذاتها قد لا تنطبق على علاقة النازيين بأعضاء الجماعات اليهودية إذ أن ما حدد هذه العلاقة هو مدى نفع اليهودي وإمكانية توظيفه.

стр. 2098

١٢ ـ أشرنا من قبل إلى تَراجُع الجوانب الاشتراكية (الإنسانية) في برنامج الحزب النازي الذي كان يحوي بلا شك بعض المطلقات الإنسانية (مثل فكرة العدل وضرورة التكافل) ، وظهور رؤية مادية واحدية صارمة في ماديتها وواحديتها تنفي المطلقات والثوابت والماهيات كافة، رؤية علمانية شاملة تنزع القداسة عن كل شيء بحدة وشراسة وتُسقط تماماً فكرة الحرمات. وهذا التحول عن الإنسانية (الهيومانية) والسقوط التدريجي والمطرد في الواحدية المادية هو نمط التطور الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة، حيث تطورت من رؤية إنسانية (علمانية جزئية) تحوي مطلقات إلى رؤية علمانية إمبريالية شاملة تنفي المطلقات والثوابت والكليات كافة.

стр. 2099

١٣ ـ تنطوي الرؤية النازية للكون، شأنها شأن كل الرؤى المادية، على إشكالية أساسية داخلها، وهي مشكلة الأساس الفلسفي والمعرفي الذي تستند إليه منظومات الإنسان الأخلاقية. وقد حسم النازيون هذه القضية بتصورهم أن العلم (الطبيعي) قادر على مساعدة الإنسان على التوصل إلى حلول لجميع المشاكل، وضمن ذلك المشاكل الإنسانية والأخلاقية والروحية. ومن ثم فالعلم هو وحده القادر على تحديد الصالح والطالح والخيِّر والشرير وهو وحده المرجعية النهائية. ولذا طالب النازيون بضرورة تطبيق قيم العلم والمنفعة المادية على الإنسان والمجتمع، وآمن النازيون بالمنفعة المادية كمعيار أخلاقي للحكم على الواقع. وبالفعل، اتسم النازيون بالحياد العلمي الشديد في تعاملهم مع الواقع ومع البشر، واستخدموا مقاييس علمية رشيدة لا تشوبها أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو غائية، وتحوَّل كل البشر، وضمن ذلك الألمان، إلى مادة بشرية. ومن ثم، قُسِّم العالم كله إلى نافعين وغير نافعين (وهو تقسيم يعود إلى القرن الثامن عشر، عصر العقل المادي والعقلانية المادية) . وتقرر أنه لا يستحق الحياة إلا من ينتج ويستهلك، أما من لا ينتج ويستهلك (بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters حرفياً «من يأكلون ولا نفع لهم» ) فمصيره أمر مفروغ منه، فقد صُنِّف على أن حياته لا قيمة لها (بالألمانية: بالاست إكسستينزن Ballastexistenzen) ، وتشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني بطبيعة الحال.

стр. 2100

١٤ ـ ولكن كما هو الحال دائماً تخبئ الرؤيةُ العلمية النفعية المحايدة أخلاقياً الرؤيةَ الداروينية النيتشوية، بتأكيدها على فكرة البقاء باعتباره القيمة المطلقة والصراع باعتباره الآلية الوحيدة للبقاء، وهي عملية مادية محضة. فالبقاء هو البقاء المادي، والصراع صراع مادي، والبقاء في هذه الغابة الداروينية الواحدية المادية التي لا تعرف الرحمة أو العدل ليس من نصيب الأرق قلباً أو الأرقى خُلقاً أو الأكثر تراحماً وإنما هو من نصيب الأصلح والأقوى مادياً (فالقوة هي المطلق النهائي) ، والأقوى هو الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه والذي يتحلى بأخلاق الأقوياء ويضرب بيد من حديد على الضعفاء بدلاً من أن يأخذ بأيديهم. بعد تَقبُّل النازيين النفع المادي والقوة، باعتبارهما المعيار الأخلاقي الأوحد في منظومة معرفية علمانية مادية شاملة لا تعرف المطلقات الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية، قام المفكرون والعلماء النازيون بتقييم الواقع المحيط بهم من خلال هذه المنظومة الفكرية المادية وصنفوا كثيراً من العناصر باعتبارها غير نافعة (السلاف ـ الغجرـ اليهود ـ المعوقين ... إلخ) ولا يمكن الدفاع عن كل هؤلاء من منظور أخلاقي مطلق، فهذا أمر مرفوض من منظور علماني شامل، نفعي نسبي، مستنير رشيد، ينطلق من حساب دقيق للمدخلات والمخرجات. ومن يريد الدفاع عن نفسه عليه أن يفعل ذلك من داخل المنظور العلمي النفعي المستنير لا من خارجه. وكان قد تم إعداد الآلة المادية النفعية ذات الكفاءة العالية، كما تم تحويل العالم بأسره، على المستويين المعرفي والوجداني، إلى مادة استعمالية خام. ومن جهة أخرى، تم استئناس الشعب الألماني وترشيده وتحييد حسه الخلقي تماماً وإسكات عواطفه، ليكون في انتظار التعليمات والحلول الواقعية العلمية العملية (المادية) النهائية لمشاكله، وهي حلول ستأتيه من مجموعة من رجال الحزب والعلماء وأهل التخصص.

стр. 2101

وحينما بدأت آلة الإبادة المادية النفعية الموضوعية الجهنمية ذات الكفاءة العالية منقطعة النظير، في الدوران، كانت الإبادة قد تحقَّقت معرفياً ووجدانياً ونظرياً، من خلال النموذج الواحدي المادي، قبل أن تتحقق فعلياً من خلال معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة. إن الأطروحات الأساسية للنازية هي ذاتها الأطروحات الأساسية للحضارة الغربية الحديثة والتشكيل الإمبريالي الغربي. وبالفعل حظيت الحركة النازية في البداية بتأييد رأسمالي غربي لأنها كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره العدو الأكبر (السلافي) للحضارة الآرية، ومن ثم كان الرايخ الثالث من هذا المنظور يشكل قلعة ضد الزحف السلافي الشيوعي. ولكن ستالين كان أكثر دهاءً، حيث عقد حلفاً مع هتلر اقتسما بمقتضاه بولندا والمجال الحيوي المحيط بهما. ثم تحالف الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي ضد هتلر، لا دفاعاً عن المبادئ ولكن لأنه بدأ يهدد مصالحهما معاً. النازية هي وليدة الحضارة الغربية إذن، ومع هذا يتساءل بعض الدارسين الغربيين للإبادة النازية عن الكيفية التي أمكن بها لمجتمع غربي يُقال إنه «متحضر» مثل المجتمع الألماني (مجتمع هيجل وفاجنر وهايدجر) أن يفرز حركة بربرية تماماً كالحركة النازية ثم يُخضع كل أعضاء المجتمع لها. وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال، ذهب بعضهم إلى القول بأن النازية هي مجرد انحراف لا عن مسار التاريخ الألماني وحسب وإنما عن مسار التاريخ الغربي ككل.

стр. 2102

ويذهب المؤرخ الألماني إرنست نولت Ernest Nolt (وهو أستاذ في جامعة برلين الحرة يمثل تياراً مراجعاً داخل علم التاريخ في ألمانيا) إلى أن المرحلة النازية ليست مرحلة نماذجية، أي لا ترقى إلى مستوى النموذج والنمط، وإنما هي مرحلة عرضية غير مُمثِّلة لمسار التاريخ في ألمانيا. وهم يُقارنونها بروسيا الستالينية. ويذهب نولت إلى القول بأن النازيين قاموا بعمليات الإبادة خوفاً من أن تُطبَّق عليهم سياسات الإبادة التي كان يطبقها السوفييت منذ عام ١٩١٧ على الطبقات والشعوب غير المرغوب فيها، بل يؤكد أن النازيين تعلموا الإبادة والتصفية الجسدية ومعسكرات السخرة من الشيوعية السوفيتية ومن ممارسات ستالين الإبادية؛ فالأصل هو الجولاج، وأوشفيتس هي النسخة. وهناك كثيرون داخل ألمانيا وخارجها يعارضون هذا الرأي ويؤكدون أن سلوك الألمان هو جزء لا يتجزأ من تاريخهم الحضاري (بل هناك من يتطرف إلى درجة القول بأن سلوك الألمان هو في واقع الأمر تعبير عن طبيعتهم الثابتة) . والحوار هنا يتعلق بدلالة الإبادة: هل هي جريمة نازية ضد اليهود، أم جريمة غربية متكررة (نمط متكرر) يُعبِّر عن نموذج معرفي كامن، أم أنها مجرد حادثة؟ ونحن نذهب ـ كما أسلفنا ـ إلى أن الحضارة التي أفرزت الإمبريالية والشمولية والمنفعة المادية والداروينية، وفلاسفة العرْقية الحديثة، هي الحضارة التي أفرزت رؤية إبادية وصلت إلى قمتها في اللحظة النازية. ومن ثم، فإن الإبادة النازية تُعبِّر عن شيء حقيقي أصيل لا في التشكيل الحضاري الألماني وحده وإنما في الحضارة الغربية، وليست مجرد انحراف عن تاريخ ألمانيا أو تاريخ الغرب الحديث.

стр. 2103

إن جوهر الفكر النازي، متمثلاً في كتابات أدولف هتلر (وغيره من المفكرين النازيين) ، لا يختلف كثيراً عن فكر سير آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور (وغيره من الساسة والمفكرين الاستعماريين) . فكلٌ من هتلر وبلفور يدور داخل الإطار الإمبريالي العِرقي المبني على الإيمان بالتفاوت بين الأعراق، وعلى حل مشاكل أوربا عن طريق تصديرها. وكلاهما يؤمن بفكرة الشعب العضوي، وكلاهما يرى في اليهود عنصراً غير مرغوب فيه ويؤكد، من ثم، ضرورة وضع حل نهائي للمسألة اليهودية في أوربا، وكلاهما لا يلتزم بأية منظومة أخلاقية سوى منظومة المنفعة المادية ومنظومة الصراع الداروينية. وقد تم الحل النهائي في حالة بلفور بنقل (ترانسفير) اليهود خارج إنجلترا وأوربا إلى فلسطين. وقد حاول هتلر، في بداية الأمر، أن يحل مسألته اليهودية بشكل نهائي أيضاً، بالطرق الاستعمارية السلمية البلفورية التقليدية، أي التخلص من الفائض البشري اليهودي عن طريق تصديره (ترانسفير) إلى رقعة أخرى خارج ألمانيا. وكان هتلر يدرك أن الترانسفير (تفريغ الأراضي من سكانها ونقلهم) هو جزء من المنظومة الغربية وطريقة حلها للمشاكل. فقد أشار (في أغسطس ١٩٤٠) إلى أنه تم إفراغ بروسيا الشرقية من سكانها الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، وتساءل عن وجه الضرر في نقل ٦٠٠ ألف يهودي من أراضي الرايخ (وكان هناك مشروع نازي ترانسفيري أكبر وهو نقل ٣١ مليون «غير ألماني» من شرق أوربا، وهي عبارة بلفورية لا تختلف عن تلك العبارة التي وردت في وعد بلفور حيث تمت الإشارة لسكان فلسطين العرب على أنهم «الجماعات غير اليهودية» ) . وداخل هذا التصور الترانسفيري البلفوري الغربي تحرَّك هتلر لتنفيذ خطته: ١ ـ قام هتلر بشحن عشرة آلاف يهودي وأرسلهم عبر الحدود إلى بولندا في ٢٨ أكتوبر ١٩٣٨، ولكن الحدود البولندية كانت موصدة دونهم (فبولندا هي الأخرى كانت تود الدفاع عن مصالحها المادية) .

стр. 2104

٢ ـ استمرت المحاولات النازية التي تستهدف تهجير اليهود حتى نهاية الحكم النازي. فبُذلت المحاولة تلو الأخرى لتوطينهم في سوريا وإكوادور وتم تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين. وكان هناك مشروع صهيوني نازي يُسمَّى «مشروع مدغشقر» يهدف إلى تأسيس دولة يهودية في تلك الجزيرة الأفريقية. ولكن معظم هذه المشروعات فشلت. ولم تُطرح بدائل أخرى، فالمجال الاستعماري الحيوي لألمانيا، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، كان محدوداً. ٣ ـ لم تكن الدول الغربية (التي تتباكى حتى الآن على ضحايا الإبادة) ترحب هي الأخرى بالمهاجرين اليهود أو غيرهم (بسبب حالة الكساد الاقتصادي) . وكان هتلر يسمي خطة الترانسفير هذه «الحل الشامل» و «الحل النهائي» ولكن هذا الحل النهائي البلفوري لم يكن متاحاً لهتلر، ولذا لم يكن أمامه سوى استبعاد اليهود بطريقة غير بلفورية، وتتميَّز بكونها أكثر حدة ومنهجية وتبلوراً وسوقية. ومع هذا يميل كثير من العلماء إلى القول بأن «الحل النهائي النازي للمسألة اليهودية» ظل ذا طابع بلفوري حتى النهاية، أي حل نهائي من خلال الترانسفير، أو التهجير القسري إما إلى المستعمرات في آسيا وأفريقيا أو إلى معسكرات العمل والسخرة في ألمانيا، التي لم تكن الأوضاع فيها تختلف كثيراً عن الأوضاع السائدة في المستعمرات.

стр. 2105

وإذا كان فكر هتلر هو نتاج لحضارة الغرب، خصوصاً في القرن التاسع عشر، والتي تدور داخل الإطار العرْقي العلماني الإمبريالي الدارويني، فلابد أن تكون هناك نقط اتفاق بين هذا الفكر والفكر الصهيوني الذي هو أيضاً نتاج المعطيات الفكرية نفسها. وبالفعل، نجد أن الفكر الصهيوني يتحدث عن اليهود باعتبارهم عناصر بكتيرية. والواقع أن تعبير البكتريا المجازي (وهو تعبير دارويني لا علاقة له بقيم " بالية " مثل المحبة والمساواة والعدل) يستخدمه كل من هتلر ونوردو وهرتزل، الذين يتحدثون عن اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً (قارن هذا بكلمات بوبر حيث يتحدث عن اليهود بوصفهم شعباً آسيوياً طُرد من آسيا ولكنها لم تُطرد منه، أي أن آسيا تجري في دمه) . كما أن الصهيونية ترى ضرورة إخلاء أوربا من اليهود، ولعل الخلاف الوحيد هو أن الصهاينة يفضلون الطريقة البلفورية على الطريقة الهتلرية. ويتضح مدى انتماء المنظومة النازية للحضارة الغربية الحديثة في معلومة مخيفة وغريبة ولكنها نماذجية وممثِّلة في ذات الوقت، وهي أن النازيين كانوا يطلقون عبارة «مسلم» على اليهودي الذي تقرر إبادته. فكأن النازيين هم حملة عبء الرؤية الأوربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية لهم، وهي الحضارة الإسلامية، وهم لم ينسوا قط هذا العبء وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا غير النافعين والذين يقلون تقدماً عن الآخرين. السياق السياسي والاجتماعي الألماني للإبادة German Political and Social Context of the Extermination
следующие страницы →