← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

قدَّم لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه دراسة طبية لليهود الذين يتسمون بكُرههم لذواتهم. واليهود (حسب تصوُّر لسنج) هو شعب آسيوي لا ينتمي إلى أوربا، جذوره في آسيا (فلسطين) . وتعود قوة اليهود إلى قربهم من الطبيعة والجذور الطبيعية الأولية الكونية (أي أنه تبنَّى رؤية حلولية كمونية تتسم بالواحدية الكونية المادية) . وتكمن مأساة اليهود في أنهم نُزعوا من جذورهم وانفصلوا عن غرائزهم الطبيعية المرتبطة بالأرض بحيث تحوَّل اليهود من كونهم شعباً من الرعاة والفلاحين يعيش في الطبيعة إلى شعب منحل يتسم بالرومانسية الزائدة (يؤمن بأخلاق الضعفاء بدلاً من أخلاق الأقوياء على حد قول نيتشه) . وقد وجد لسنج أن ثمة أقلية من اليهود (المستوطنين الصهاينة) بدأت تعود لتربة فلسطين وأنهم هم الذين يمكنهم أن يبعثوا أمجاد اليهود الغابرة ويمكنهم أن يلعبوا دور الوسيط بين آسيا الروحية وأوربا التكنولوجية. وفكر لسنج في جوهره فكر نازي/صهيوني يُعبِّر بشكل متبلور عن الرفض الكامل والجذري لكل ما هو يهودي. ومع هذا، هاجمه المعادون لليهود بضراوة، وهو ما يدل على غبائهم واختزاليتهم. وقد أُغتيل لسنج على يد النازيين. العداء العربي لليهود واليهودية Arab Anti-Semitism تحاول الأدبيات الصهيونية في الآونة الأخيرة أن تبيِّن أن ظاهرة العداء لليهود واليهودية ظاهرة متأصلة في المجتمعات العربية وفي التراث الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية. وهذه المحاولة جزء من المحاولة الصهيونية المستمرة لتشويه صورة العرب والمسلمين. إلا أنها تعبِّر أيضاً عن رغبة الصهاينة الدفينة في تناسي تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب، وتراث العداء لليهود واليهودية الثري الطويل الممتد، الذي انتهى بطردهم وإعادة توطينهم في فلسطين في إطار المشروع الصهيوني.

стр. 2032

وقضية عداء العرب لليهود واليهودية (عداء العرب للسامية) مسألة مركبة متعددة الأبعاد، تختلف عن معاداة اليهود واليهودية في الغرب. فتاريخياً تحوَّلت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي إلى جماعات وظيفية، ولكنهم لم يكونوا الأقلية الوحيدة التي تضطلع بهذا الدور. فالعالم الإسلامي، على عكس الغرب المسيحي، يضم جماعات دينية وإثنية كثيرة. كما أن النشاط التجاري، والنشاطات المالية والوسيطة على وجه العموم، لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية دون غيرهم. ورغم أن اليهود (وبني إسرائيل) أتى ذكرهم في القرآن عشرات المرات وتحت مسميات مختلفة في سياقات معظمها سلبي، إلا أن رؤية الخلاص الإسلامية لم تعط اليهود أية مركزية خاصة، ولذا لم يكن اليهود يمثلون إشكالية خاصة بالنسبة للفقه الإسلامي. وقد ظهرت بعض الأعمال الأدبية والفكرية داخل التشكيل الحضاري العربي والإسلامي تحاول اختزال أعضاء الجماعات اليهودية من خلال صور إدراكية نمطية سلبية، إلا أن اليهود لم يحتلوا أي مركزية خاصة في الوجدان الأدبي والثقافي العربي والإسلامي. وقد استقر وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة العربية والإسلامية في إطار مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم. ومن ثم فلم يعرفوا المذابح أو عمليات الطرد المتكررة التي تسم علاقتهم بالحضارة الغربية في بعض الفترات. هذا لا يعني أن تجربة يهود العالم الإسلامي مع المجتمعات الإسلامية التي ينتمون إليها كانت خالية من التدافع أو الصراع والظلم (الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام ومفهوم أهل الذمة) وأنها كانت عصراً ذهبياً ممتداً، فهذا ليس من طبائع البشر ولا من طبيعة المجتمعات البشرية. كل ما نود تأكيده أن أعضاء الجماعات اليهودية تمتعوا بقدر معقول من الاستقرار والطمأنينة، الأمر الذي أدَّى إلى اندماجهم في مجتمعاتهم.

стр. 2033

ولكن الوضع تغيَّر بشكل حاد في العصر الحديث، فيُلاحَظ انشغال عربي وإسلامي كبير بالشأن اليهودي (وإن كان يُلاحَظ أن الأعمال الأدبية العربية، بما في ذلك الفلسطينية، لا تكترث بأعضاء الجماعات اليهودية) . وبدأت تظهر أدبيات كثيرة كتبها عرب ومسلمون تدور في إطار مفاهيم ومقولات عنصرية (معظمها مستورد من العالم الغربي) . ومن بين هذه المقولات أن اليهود مسئولون عن كل أشرار العالم، كما هو مدوَّن في بروتوكولات حكماء صهيون (الذي يقرأه الكثيرون) ، وفي التلمود (الذي لم يقرأه أحد) . وبدأ الحديث عن المؤامرة التي يحيكها اليهود ضد المسلمين والعرب، وارتبط اليهود بالشيطان وبالصور الإدراكية النمطية الاختزالية السلبية في عقل كثير من العرب والمسلمين. وبدأت تظهر في الصحف والمجلات وعلى أغلفة الكتب صورة اليهودي ذي الأنف المعقوف الذي تقطر أظافره دماً والذي يمتص دماء الآخرين وأموالهم. بل بدأت تظهر تهمة الدم في أرجاء متفرقة، وهو أمر لم يكن معروفاً في العالم الإسلامي من قبل. وتُرجمت البروتوكولات التي يعتقد البعض أنها من كتب اليهود المقدَّسة، كما نُشرت مقتطفات متفرقة من التلمود. بل بدأ بعض المسلمين يرون أن «اليهودية» صفة بيولوجية تورَّث، أي أن اليهودي - حسب هذه الرؤية - هو من وُلد لأم يهودية، وهو تعريف قد يتفق مع العقيدة اليهودية ولكنه لا يتفق ألبتة مع العقيدة الإسلامية التي لا تنظر للدين باعتباره أمراً يورَّث، وإنما هو رؤية يؤمن بها من شاء.

стр. 2034

ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أنه كلما ازداد الرعب من إسرائيل و"اليهود" كلما ازدادت صورة اليهودي سوءاً، وكلما ازداد النموذج التفسيري التآمري الذي ينسب لليهود قوى عجائبية انتشاراً، وهو نموذج يصوِّر اليهود باعتبارهم قوة أخطبوطية لا تُقهَر، فهم يمسكون بكل الخيوط ويُحركون كل القوى (الرأسمالية والاشتراكية) حتى ينفذوا مخططهم اليهودي الجهنمي المستقل، وما اللوبي الصهيوني سوى تعبير جزئي عن مخطط صهيوني أشمل. وهذه النظرة العنصرية الاختزالية تشكل فشلاً أخلاقياً، فهي لا تحاول أن تميز بين الخبيث والطيب، وتضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة بمن في ذلك على سبيل المثال أعضاء جماعة الناطوري كارتا الذين يقضون معظم أيامهم في الحرب ضد الصهيونية، بمثابرة وإخلاص ودأب نفتقدهم في كثير من العرب هذه الأيام! والرؤية العنصرية حتمية ترى أن من وُلد يهودياً لابد أن يسلك حسب نمط معيَّن وكأن الإله لم يمنحه فطرة سليمة ومقدرة على تمييز الخير من الشر.

стр. 2035

والنظرة العنصرية الاختزالية، تشكل كذلك فشلاً معرفياً لأن الخريطة الإدراكية التي ستفرزها مثل هذه الرؤية ستكون عامة رمادية كالحة سطحية واحدية لا تساعد كثيراً في فَهْم الواقع. فهي على سبيل المثال لن تساعدنا كثيراً في معرفة توجُّهات أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بكل نتوئها وتموجاتها. فنحن في حاجة لأن نعرف منْ منهم يساند الصهيونية ومنْ يعارضها، ومنْ منهم يجاهر بمناصرتها علناً ويبذل قصارى جهده في التملص منها، ومنْ منهم ناصرها في الماضي، وتنكَّر لها في الحاضر، ومنْ منهم تنكَّر لها في الماضي وبدأ يناصرها في الحاضر، ومنْ منهم توجد لديه إمكانية كامنة لقبولها أو رَفْضها أو التملص منها، ومنْ منهم تجب محاربته ومنْ منهم يمكن تجنيده ومنْ منهم يمكن تحييده، فالرؤية التآمرية العرْقية ترى أن كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي، وهي بهذا تتبنَّى الرؤية الصهيونية لليهود، التي تضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة، هي سلة الشعب اليهودي. والرؤية العنصرية في نهاية الأمر لها مردود سلبي من الناحية النفسية، فهي تنسب لليهود قوة هائلة، الأمر الذي يُولِّد الرعب في نفوس العرب (ولنتخيل صانع القرار العربي الذي يعتقد أن "اليهود" قادرين على كل شيء وأنهم ممسكون بكل الخيوط!) . ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن هذه الرؤية العنصرية تُترجم نفسها إلى كُره أعمى يُطالب بملاحقة اليهود والانتقام منهم وطردهم من أوطانهم والتضييق عليهم. وما ينساه حملة مثل هؤلاء الرؤية أن المواطن اليهودي الذي يتم التضييق عليه وطرده من وطنه يضطر للهجرة إلى فلسطين ليصبح مستوطناً صهيونياً يحمل السلاح ضدنا، فكأن العداء العربي لليهود له مردود صهيوني. ومن المعروف أن الحركة الصهيونية قامت بالتضييق على يهود العراق وخلقت وضعاً صهيونياً بنيوياً اضطرهم للاستيطان في فلسطين.

стр. 2036

ويحاول بعض المتحدثين العرب رد تهمة العنصرية باللجوء لاعتذاريات أقل ما توصف به أنها مضحكة، وجميعها له طابع قانوني وكأننا نقدِّم مرافعة قانونية شكلية، ليس لها سند في الواقع المتعيِّن. فمثلاً هناك من يقول: "كيف يمكن أن نكون لا ساميين ونحن أنفسنا ساميون؟ " وهي حجة واهية مردود عليها، فالإجابة على هذا السؤال البلاغي الأحمق هي بالإيجاب: "نعم يمكن أن يكون الإنسان سامياً ومعادياً للسامية"، وهناك شواهد كثيرة على ذلك. فيمكن أن يكون الإنسان عربياً ومعادياً للعرب، وظاهرة العداء اليهودي لليهود واليهودية ظاهرة معروفة للدارسين. وهناك حجة أخرى لا تقل تهافتاً عنها وهي أننا لا يمكننا أن نكون "معادين للسامية" لأن اليهود ليسوا ساميين فهم من نسل قبائل الخزر التي تهوَّدت، والخزر عنصر تركي غير سامي. والرد على هذا أن عبارة «العداء للسامية» تعني في واقع الأمر «العداء لليهود واليهودية» ، فسواء كان اليهود ساميين أم لا، تظل القضية مطروحة. وهناك بطبيعة الحال من يشيرون إلى عصر اليهود الذهبي في الحضارة الإسلامية خصوصاً في الأندلس ويستنتجون من هذا العداء أننا بالتالي لسنا معادين لليهود واليهودية باعتبار أنه إذا كان الماضي كذلك، فلابد أن يكون الحاضر كذلك. وهذه مغالطة، فلا يوجد استمرار عضوي بين الحاضر والماضي، ويمكن أن يكون إنسان عنصرياً في مرحلة من حياته ويتخلى عن عنصريته في مرحلة لاحقة، والعكس بالعكس. ويسري هذا على تواريخ كل الشعوب. ومما يجدر ذكره أن كل مراكز البحوث العلمية في العالم العربي والمجلات العلمية المسئولة لا تسقط، إلا فيما ندر وبدون وعي، في هذا الخطاب العنصري، فمعظم هذه المراكز تتناول الشأن اليهودي وظاهرة الصهيونية بطريقة علمية، تحاول تفسيرها وفهمها ولا تختبئ، بطريقة جنينية اختزالية طفولية، وراء منطق المؤامرة.

стр. 2037

ورغم رفضنا المبدئي للخطاب الاختزالي الواحدي العنصري، ورغم إدراكنا لسلبياته من الناحية الأخلاقية والمعرفية والنفسية، إلا أننا يجب أن نفهم سر ذيوعه وانتشاره وهيمنته على بعض الكُتَّاب الشعبيين (في الصحف والمجلات) وبعض أعضاء النخب العربية السياسية والثقافية. ١ - حينما ظهر «اليهودي» في العصر الحديث على شاشة الوعي العربي والإسلامي فقد ظهر داخل التشكيل الإمبريالي الغربي، وجاء إلى بلادنا ممثلاً له حاملاً لواءه وعميلاً له. وقد قامت هذه الإمبريالية بغرسه غرساً وسطنا داخل إطار الدولة الوظيفية ليقوم على خدمة مصالحها بعد أن اقتطعت جزءاً من الوطن العربي الإسلامي، يقع في وسطه تماماً ومن ثم يقسمه قسمين، وهي منطقة لها دلالة دينية خاصة، إذ تضم القدس والمسجد الأقصى. ٢ - قامت الإمبريالية الغربية بتحويل يهود البلاد العربية إلى عنصر وظيفي استيطاني يدين لها بالولاء. وشهدت الجماهير العربية أعضاء الجماعات اليهودية وهم ينسلخون تدريجياً عن التشكيل الحضاري العربي والإسلامي. فعلى سبيل المثال أصبح كل يهود الجزائر مواطنين فرنسيين، واستفاد يهود مصر من الامتيازات الأجنبية وحصلت نسبة مئوية كبيرة منهم على الجنسيات الأجنبية. وقد دعَّم هذا من صورة اليهودي كأجنبي وغريب ومغتصب ومتآمر وعميل، شخص لا انتماء له يبحث عن مصلحته اليهودية. ٣ - من المُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يوجدون بشكل ملحوظ في الحركات الشيوعية العربية (شأنهم في هذا شأن أعضاء الأقليات في كثير من المجتمعات) . كما لوحظ أن عدداً كبيراً من الرأسماليين ممن راكموا ثروات ضخمة هم أيضاً من أعضاء الجماعات اليهودية. ولعل وجود أعضاد الجماعات اليهودية في كل من الحركات الشيوعية والطبقة الرأسمالية قد دعَّم صورة اليهودي اللا منتمي أو المنتمي لمصالحه اليهودية، ودعَّم فكرة المؤامرة اليهودية.

стр. 2038

٤ - من الأمور التي رسَّخت فكرة المؤامرة والهيمنة اليهودية على العالم في الوجدان العربي، الدعم الغربي للتجمُّع الصهيوني بغير تحفُّظ أو شروط أو حدود أو قيود. وهو دعم سياسي واقتصادي وعسكري. وكثير من العرب يفترضون أن العالم الغربي عالم عقلاني، تُتخذ فيه القرارات بشكل رشيد يخدم مصالح الدولة، وأنه عالم ديموقراطي تنتشر فيه مُثُل العدل والمساواة وحقوق الإنسان، ولذا حين يقوم الغرب العلماني العقلاني الديموقراطي بتأييد ودعم مشروع غير عقلاني، غير ديموقراطي يستند إلى ديباجات دينية وعلمانية موغلة في الشوفينية ويتسم بضيق الأفق وينكر على الفلسطينيين أبسط حقوقهم، فإن هذا أمر غير مفهوم ولا يمكن تفسيره بطريقة عقلانية. واهتمام الغرب المحموم بالإبادة النازية لليهود (التي مضى عليها ما يزيد عن خمسين عاماً) والإصرار على الاستمرار في تعويض الضحايا وتقديم الاعتذار لهم والتعبير عن الندم عما بَدَر من الألمان وغيرهم قد يكون أمراً محموداً في حد ذاته (فهو في نهاية الأمر تعويض لفئة من ضحايا الحضارة الغربية) إلا أن هذه الظاهرة المحمودة في حد ذاتها تثير الشك حين يلاحظ المواطن العربي والمسلم أن سلسلة كاملة من المذابح قد ارتكبت منذ الخمسينيات حتى منتصف التسعينيات (الجزائر - فيتنام - البوسنة - الشيشان) معظمها في العالم الإسلامي وتم التزام الصمت تجاهها ولم يتحدث أحد عن تعويض أو اعتذار أو توبة أو ندم! هذا في الوقت الذي تستمر الآلة الإعلامية الغربية في التركيز على الهولوكوست دون غيرها. كما أن الزعم الغربي بأن فلسطين في الشرق العربي قُدِّمت لليهود تعويضاً لهم عما حدث لهم في ألمانيا في العالم الغربي، هو أمر يصعُب فهمه.

стр. 2039

كل هذه الظواهر تثير التساؤلات في نفوس الناس، وبما أنهم لا وقت عندهم للبحث والاستقصاء، لذا تظهر الإجابات الاختزالية السهلة، وصيغة المؤامرة اليهودية صيغة تملك مقدرة هائلة على سد الهوة التي تفصل عقلانية الرؤية الغربية عن لاعقلانية الممارسة الغربية. وما لم يخطر ببال هؤلاء أن عقلانية الغرب ودفاعه عن حقوق الإنسان ليسا مطلقين وأنهما لا ينصرفان لحقوق الإنسان العربي أو المسلم على سبيل المثال. وأن العقلانية تدور في إطار المصالح الإستراتيجية الغربية، التي تم تحديدها بطريقة ليست بالضرورة عقلانية وإنما من خلال مقولات قَبْلية متمركزة حول الغرب، معظمها عنصري. ٥ ـ قامت الدولة الصهيونية باعتبارها تعبيراً عن مشروع استيطاني إحلالي عليه أن يلجأ إلى الحد الأقصى من العنف ليتخلص من السكان الأصليين، بما في ذلك الإبادة والطرد والعزل. وقد سمت هذه الدولة نفسها «الدولة اليهودية» فربطت بين اليهودي والعنف والإرهاب. والأسوأ من هذا أن هذه الدولة ادَّعت أنها تتحدث باسم كل يهود العالم أينما كانوا، ومن ثم فهي تتحدث باسم يهود البلاد العربية، بل تطالب بالتعويضات باسمهم، فكأن الدولة الصهيونية تنكر أن أعضاء الجماعات اليهودية مواطنين في بلادهم، وتدعم الصورة الإدراكية العرْقية أن اليهودي لا انتماء له وأنه يدافع عن مصالحه اليهودية وحسب. هذه هي بعض الأسباب التي أدَّت إلى هيمنة الرؤية التآمرية على إدراكنا لليهود في العالم العربي وإلى ذيوع البروتوكولات وغير ذلك من كتابات عنصرية تهدف إلى تفسير الواقع بشكل سريع سهل وإلى تفريغ شحنة الغضب عند كثير من العرب. ولكن تفريغ الشحنة هنا بهذه الطريقة له جوانبه السلبية العديدة، والمطلوب هو أن نفهم أسباب الغضب ونحاول استثماره في إطار مشروع نضالي إنساني يهدف إلى تصفية الجيب الاستيطاني الصهيوني ولا يسقط في العنصرية العمياء.

стр. 2040

الباب الرابع: الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة الإبادة النازية ليهود أوربا: مشكلة المصطلح Nazi Extermination of Western Jewry: The Problem of Terminology يُستخدَم مصطلح «الإبادة» في العصر الحديث ليدل على محاولة القضاء على أقلية أو طائفة أو شعب قضاء كاملاً. ويُطلَق مصطلح «إبادة اليهود» (بالإنجليزية: إكستيرمينيشن أوف ذا جوز extermination of the Jews) في الخطاب السياسي الغربي على محاولة النازيين التخلص أساساً من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا وفي البلاد الأوربية (التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان) عن طريق تصفيتهم جسدياً (من خلال أفران الغاز) . وتُستخدَم أيضاً كلمة «جينوسايد» genocide وهي من مقطعين «جينو» من الكلمة اللاتينية «جيناس» genus» بمعنى «نوع» و «كايديس» caedes بمعنى «مذبحة» . وتُستخدَم أيضاً عبارة «الحل النهائي» للإشارة إلى «المخطط الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود، أي تصفيتهم جسدياً» . ويُشار إلى الإبادة في معظم الأحيان بكلمة «هولوكوست» وهي كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» (وتُترجم إلى العبرية بكلمة «شواه» ، وتُترجم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» ) . وكانت كلمة «هولوكوست» في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب، فلا يُشوى فقط بل يُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح، ولا يُترك أي جزء منه لمن قدَّم القربان أو للكهنة الذين كانوا يتعيشون على القرابين المقدمة للرب. ولذلك، كان الهولوكوست يُعّدُّ من أكثر الطقوس قداسة، وكان يُقدَّم تكفيراً عن جريمة الكبرياء. ومن ناحية أخرى، كان الهولوكوست هو القربان الوحيد الذي يمكن للأغيار أن يُقدِّموه.

стр. 2041

ومن العسير معرفة سر اختيار هذا المصطلح، ولكن يمكننا أن نقول إن المقصود عموماً هو تشبيه «الشعب اليهودي» بالقربان المحروق أو المشوي وأنه حُرق لأنه أكثر الشعوب قداسة. كما أن النازيين، باعتبارهم من الأغيار، يحق لهم القيام بهذا الطقس. أو ربما وقع الاختيار على هذا المصطلح ليعني أن يهود غرب أوربا أُحرقوا كقربان الهولوكوست في عملية الإبادة النازية ولم يبق منهم شيء، فهي إبادة كاملة بالمعنى الحرفي. ولكن حينما تستخدم الجماعات المسيحية الأصولية (الحرفية) في الولايات المتحدة كلمة «هولوكوست» فهي تركز على جريمة الكبرياء، إذ ترى أن الإبادة عقاب عادل حاق باليهود بسبب صلفهم وغرورهم وكبريائهم. ويُشار إلى الإبادة أحياناً بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تُستخدَم للإشارة إلى «هدم الهيكل» ، فكأن الشعب اليهودي هنا هو الهيكل، أو البيت الذي يحل فيه الإله، والإبادة هي تهديم بيت الإله. وهذه الكلمة تُدخل حادثة الإبادة التاريخ اليهودي المقدَّس.

стр. 2042

وفي الوقت الراهن، تُستخدَم كلمة «هولوكوست» في اللغات الأوربية للإشارة إلى أية كارثة عظمى. فيشير الصهاينة، على سبيل المثال، إلى «الزواج المختلط» بين اليهود بأنه «الهولوكوست الصامت» (بالإنجليزية: سايلانت هولوكوست silent Holocaust) . وحينما يُصعِّد العرب من مقاومتهم للمستوطنين الصهاينة فإنهم ـ حسب المصطلح الصهيوني ـ يهددونهم بالهولوكوست. واستخدمت إحدى الصحف هذا المصطلح للإشارة إلى إحدى صفقات أسلحة الميراج بين ليبيا وفرنسا. كما استخدم أحد المتحدثين الصهاينة كلمة «هولوكوستي» وهي اسم صفة مشتق من هولوكوست فأشار إلى أحد الأفلام بأنه ليس «هولوكوستي Holocausty» بما فيه الكفاية. وهذا الاستخدام المستمر والممجوج للمصطلح يؤدي إلى نتائج كوميدية أحياناً. إذ تساءل أحد دعاة حماية البيئة في نبرة جادة قائلاً: «كيف يمكن أن نستنكر الهولوكوست ضد اليهود، ونحن نذبح ستة مليون دجاجة يومياً؟» ، أي أنه ساوى بذلك بين الطبيعي والإنساني، وبين الدجاجة واليهودي، ودفع بالنموذج العلماني الشامل إلى نتيجته المنطقية وأطلق استنكاره هذا.

стр. 2043

ويتم في الوقت الحاضر الاتجار بالهولوكوست وتوظيفها بشكل ممجوج لخدمة الأهداف الصهيونية والتجارية. وقد ظهرت مجموعة من المصطلحات المشتقة من كلمة «هولوكوست» والتي تُعبِّر عن الاستياء العميق من عملية التوظيف هذه. فنحت أحد الكُتَّاب كلمة «هولوكيتش Holokitsch» لوصف الكُتب والأفلام عن موضوع الهولوكوست والتي تُنتَج وتُنشَر بهدف تحقيق الربح، حيث إنها تحاول إثارة العواطف واستغلالها على أسوأ وجه. وكلمة «كيتش» في اللغة الألمانية تعني الأعمال الفنية الشعبية الرديئة. كما ظهرت عبارة «هولوكوست بيزنس Holocaust business» أي «مشروع الهولوكوست التجاري» ، بمعنى توظيف الهولوكوست تجارياً لتحقيق الأرباح العالية. ومن العبارات الأخرى المتواترة عبارة «هولوكوست مانيا Holocaust mania» ، أي «الإنشغال الجنوني أو المرضي بالإبادة» . ومن المعروف أن هناك عدة شعوب قامت من قبل بإبادة شعوب أخرى أو على الأقل بإبادة أعداد كبيرة منها. ووردت في العهد القديم أوامر عديدة بإبادة سكان أرض كنعان وطردهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن العبرانيين والكنعانيين تزاوجوا، وأن معظم ادعاءات الإبادة قد تكون من قبيل التهويلات التي تتواتر في كثير من الوثائق القديمة أو تكون ذات طابع مجازي. وربما يكون قد تم فعلاً إبادة سكان مدينة أو اثنتين، لكن هذا لم يكن النمط السائد نظراً لتدني المستوى العسكري لدى العبرانيين، كما أن استيطان العبرانيين لم يتم عن طريق الغزو دفعة واحدة وإنما عن طريق التسلل أيضاً. ويستند الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الغربي إلى الإبادة، فهذا ما فعله سكان أمريكا الشمالية البيض بالسكان الأصليين، وهي عملية استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر.

стр. 2044

وفي تصوُّرنا أن ما يميِّز تجربة الإبادة النازية عن التجارب السابقة أنها تمت بشكل واع ومخطط ومنظَّم وشامل ومنهجي ومحايد، عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية وأساليب الإدارة الحديثة (أي أنها تجربة حديثة تماماً، منفصلة عن القيمة) . وهذه السمات مرتبطة بتزايد معدلات الترشيد والعلمنة الشاملة وتحييد الواقع كله (الإنسان والطبيعة) وتحويله إلى مادة استعمالية ليست لها قداسة خاصة، وذلك حتى يمكن التحكم (الإمبريالي) فيه وإخضاعه للتجريب بلا تمييز بين الإنسان والحيوان أو بين الألماني واليهودي، وهو ما نسميه في مصطلحنا «الحوسلة» ، أي تحويل كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، إلى وسيلة. ومن ثم فهناك فارق ضخم بين الإبادة (الحديثة) وبين المذابح في المجتمعات التقليدية، إذ كانت المذابح تتم عادةً بشكل تلقائي غير منظم وغير منهجي وغير مخطط. ويمكن في هذا المضمار أن نذكر «ليلة الزجاج المحطم» (بالألمانية: كريستال ناخت Kristallnacht) حينما قامت الجماهير الألمانية في العديد من مدن ألمانيا بالهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ويُقال إن الغضب الشعبي لم يكن تلقائياً وإنما تم بتخطيط من القيادات النازية التي كانت مجتمعة في ميونخ. كما أن إلقاء القبض على أعداد من اليهود بعد الحادث يدل على أن الأمر لم يكن تلقائياً تماماً.

стр. 2045

ويصف بعض الدارسين ليلة الزجاج المحطم بأنها هجوم شعبي شبه منظَّم على اليهود (بوجروم) ، ولكن نظراً لضآلة عدد الضحايا، لم يكن بوسع الدولة النازية أن تتخلص من ملايين اليهود باستخدام هذه الآلية البدائية التقليدية التي تعتمد على إثارة غضب الجماهير. ولذا، كان لابد من اللجوء إلى آليات أخرى أكثر حداثة، ووجد النازيون ضالتهم في مؤسسات الدولة الحديثة مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها، وأجهزة الإعلام التابعة لها، وأساليب الإدارة الحديثة الرشيدة. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الدولة النازية ما كان بوسعها أن تحقق غرضها بهذه السرعة وبهذه الكفاءة بدون هذه الآليات المتقدمة! ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «الإبادة النازية ليهود أوربا» ، وهو ـ في تصوُّرنا ـ مصطلح أكثر تفسيرية وحياداً من المصطلحات المستخدمة في اللغات الأوربية والعبرية، فكلمتا «هولوكوست» و «شواه» تحملان إيحاءات دينية. ومصطلح «الحل النهائي» يحدد مجاله الدلالي بشكل قاطع لا يتفق مع مضمونه الحقيقي. أما مصطلحنا فقد حَدَّد الظاهرة النازية من حيث هي ظاهرة أوربية داخل سياق التاريخ الألماني والأوربي، ومن حيث هي ظاهرة لم تحدث في سياق التاريخ العالمي. كما أنها تُضمر الإشارة للإبادة النازية للأقليات والشعوب الأخرى. وكلمة «إبادة» كما نستخدمها لا تعني بالضرورة التصفية الجسدية، وإنما تعني «استئصال شأفة اليهود» بجميع الطرق وضمنها التهجير القسري (الترانسفير) وغيره من الطرق. ولذلك فنحن نشير أحياناً «للإبادة بالمعنى الخاص والمحدد للكلمة» ، أي «التصفية الجسدية المتعمَّدة» ، كما نشير «للإبادة بالمعنى العام للكلمة» وهي عملية "إبادة اليهود من خلال التهجير والتجويع وأعمال السخرة، وأخيراً التصفية الجسدية المتعمَّدة". ويمكننا هنا أن نقتبس كلمات أحد أهم خبراء الإبادة في التاريخ، أي الزعيم النازي أدولف هتلر.

стр. 2046

فقد عبَّر عن إعجابه بإبادة الهنود الحمر (على يد المستوطنين البيض) عن "طريق التجويع أو القتال غير المتكافئ". (انظر: «إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي» ) . كما أننا لا نهمل ما نسميه «اختفاء اليهود» من خلال عوامل طبيعية مختلفة تقع خارج نطاق الإبادة النازية، بالمعنى العام أو الخاص (انظر: «موت الشعب اليهودي» ) . الهولوكوست (الإبادة ( Holocaust (Extermination) «هولوكوست» كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» وهي بالعبرية «شواه» ، وتُترجَم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» . وتُستخدَم كلمة «هولوكوست» في العصر الحديث عادةً للإشارة إلى إبادة اليهود، بمعنى تصفيتهم جسدياً، على يد النازيين. المحرقة Shoah «المحرقة» ترجمة عربية للمصطلح العبري «شواه» ، وهو بدوره ترجمة للمصطلح اليوناني «هولوكوست» . ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود. الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة Extermination and Deconstruction of Man as a Potentiality in Modern Western Civilization لابد أن نؤكد ابتداءً أن التحولات الاقتصادية والسياسية في أي مجتمع لا تتم في فراغ مهما يكن مستوى هذه التحولات عمقاً أو ضحالة. فالمناخ الفكري والثقافي والنفسي يساعد على تحقيق بعض الإمكانات الكامنة في الواقع المادي وإجهاض البعض الآخر، وعلى تحديد المسار النهائي لهذا الواقع إلى حدٍّ كبير. وتبني ألمانيا النازية لسلاح الإبادة كوسيلة لحل بعض المشاكل التي واجهها المجتمع الألماني لم يكن لينبع من الاعتبارات الاقتصادية أو السياسية وحدها، فهو أمر مرتبط تماماً بإطار ثقافي وحضاري ونفسي أوسع.

стр. 2047

ويمكننا القول بأن ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة احتمالاً كامناً فيه وليست مجرد مسألة عَرَضية، وولَّدت داخله استعداداً للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتها بشكل منظم ومخطط. وتحققت هذه الإمكانية بشكل غير متبلور في لحظات متفرقة، ثم تحققت بشكل شبه كامل في اللحظة النازية النماذجية. وقد قام الإنسان الغربي بعملية الإبادة النازية وغيرها من عمليات الإبادة لا رغم حضارته الغربية وحداثته، وإنما بسببها.

стр. 2048

ولكن قبل أن نتوجه لقضية النزعة الإبادية في الحضارة الغربية، لابد أن نشير إلى وضع اليهود داخل الحضارة الغربية حتى عصر النهضة. فالمسيحية الغربية لم تُطوِّر مفهوماً واضحاً خاصاً بالأقليات في المجتمع الغربي ولم تُشرِّع لهم ولم تحدد وضعهم القانوني، واكتفت بمفهوم المحبة إطاراً عاماً. وقد صنَّفت الكاثوليكية الغربية اليهود باعتبارهم شعباً شاهداً، يقف في تدنيه وضِعَته «شاهداً» على عظمة الكنيسة وانتصارها. ولم يكن الأمر مختلفاً كثيراً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، حيث تحوَّل اليهود إلى جماعة وظيفية، وهي جماعة تُعرَّف في ضوء وظيفتها وفائدتها ونفعها (فهي مادة استعمالية) لا قداسة لها. وهذه الرؤية تعني «حوسلة» اليهود، ولكنها في الوقت نفسه تعني ضرورة الحفاظ عليهم وحمايتهم من الهجمات الشعبية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت تحتاج إلى هذا الشاهد الأزلي على عظمتها. كما أن الطبقات الحاكمة (النبلاء الإقطاعيون والملوك) كانت في حاجة إلى اليهود كأداة طيعة من أدوات الاستغلال وامتصاص فائض القيمة من الجماهير (كان يُطلَق على اليهود كلمة «الإسفنجة» ، لأنهم يمتصون فائض القيمة من الجماهير ثم يقوم الحاكم الإقطاعي باعتصار ما جمعوه من ثروة من خلال الضرائب) . ولذا، وعلى عكس ما يتصور البعض، كان العداء لليهود حركة شعبية موجهة ضد الطبقات الحاكمة وضد الكنيسة مُمثَّلين في الرمز المحسوس المباشر اليهود، وكانت الكنيسة الكاثوليكية ومعها النبلاء هم حماة اليهود.

стр. 2049

وتغيَّر الوضع مع ظهور عصر النهضة وبداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث بشكل جوهري. إذ ظهرت البروتستانتية التي رفضت فكرة الشعب الشاهد ولكنها تبنت بدلاً منها العقيدة الألفية الاسترجاعية التي ترى أن المسيح سيعود مرة أخرى للأرض ويؤسس مملكته على الأرض لمدة ألف عام، وكان كل هذا مشروطاً بعودة اليهود إلى أرض الميعاد وتنصيرهم. فكأن اليهودي ظل مجرد أداة (كما هو الحال في الرؤية الكاثوليكية) ولكنه أداة لا يتم الحفاظ عليها وإنما لابد من نقلها (ترانسفير) إلى فلسطين وتذويبها في المنظومة المسيحية. وتزامن هذا مع ظهور البورجوازيات المحلية والدولة القومية التي اضطلعت بكثير من وظائف الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يعد لها نفع. ولذا، كانت المسألة اليهودية في أوربا تُناقش في إطار مدى نفع اليهود، فكان أعداء اليهود يبينون أنهم لا فائدة لهم، أما المدافعون عنهم (ومنهم المتحدثون باسم اليهود) فكانوا يركزون على «فائدة» اليهود ونفعهم. وطُرح تصور مفاده أنه يجب زيادة حقوق اليهود زيادة طردية مع زيادة نفعهم، فإن زاد الواحد زاد الآخر (وهو ما يعني أن تَناقُص نفعهم يعني تفاقم مشاكلهم) . وقد قُسِّم اليهود إلى أقسام مختلفة تم تنظيمها بشكل هرمي. ففي أعلى الهرم كان يوجد أكثر اليهود نفعاً، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن ألماني، وفي قاعدة الهرم كان يوجد اليهود غير النافعين الذين لا يتمتعون بأية حقوق ولذا كانوا يُصنَّفون ضمن من يجب التخلص منه وذلك بترحيلهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل ترانسفيرابل disposable transferable) .

стр. 2050

وساهمت كل هذه العناصر ولا شك في خلق الاستعداد الكامن والتربة الخصبة والتبادل الاختياري (بالإنجليزية: اليكتيف أفينيتي elective affinity في مصطلح ماكس فيبر) بين الحضارة الغربية وعملية إبادة اليهود. ولكن العنصر الحاسم ـ في تصورنا ـ في ظهور النزعة الإبادية (ضد اليهود وغيرهم من الأقليات والجماعات والشعوب) هو الرؤية الغربية الحديثة للكون. وهي رؤية يمكن وصفها بإيجاز شديد بأنها رؤية مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب. وقد اتسع نطاقها وازدادت هيمنتها إلى أن أصبحت هي النموذج التفسيري الحاكم مع منتصف القرن التاسع عشر، عصر الإمبريالية والداروينية والعنصرية. وقد بدأت هذه الرؤية بمرحلة إنسانية هيومانية وضعت الإنسان في مركز الكون وتبنت منظومات أخلاقية مطلقة، تنبع من الإيمان بالإنسان باعتباره كائناً مختلفاً عن الطبيعة/المادة، سابقاً عليها، له معياريته ومرجعيته وغائيته الإنسانية المستقلة عنها (وهذا شكل من أشكال العلمانية الجزئية) . ولكن هذه الرؤية الإنسانية المادية تطورت من خلال منطق النسق المادي الذي يساوي بين الإنسان والطبيعة ومن خلال تَصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة وانفصال كثير من مجالات النشاط الإنساني (الاقتصاد ـ السياسة ـ الفلسفة ـ العلم) عن المعيارية والمرجعية والغائية الإنسانية إلى أن فقد الإنسان مركزيته ومطلقيته وأسبقيته على الطبيعة/المادة وتحوَّل إلى جزء لا يتجزأ منها وأصبح هو الآخر مادة، منفصلة عن المرجعية والغائية والمعيارية الإنسانية (وهذه هي العلمانية الشاملة) .

стр. 2051

وفي هذا الإطار ظهرت الأخلاق النفعية المادية التي تُعفي الإنسان من المسئولية الأخلاقية، فهي مستمدة من الطبيعة/المادة ومن قوانينها المتجاوزة للعواطف والغائيات والأخلاقيات الإنسانية. ومن ثم تَحرَّر الإنسان الغربي من أية مفاهيم متجاوزة مثل مفهوم «الإنسان ككل» أو «الإنسانية جمعاء» أو «صالح الإنسانية» ، كما تحرر من القيم المطلقة مثل «مستقبل البشرية» و «المساواة» و «العدل» ، وجعل من نفسه المركز والمطلق المنفصل تماماً عن كل القيم والغائيات الإنسانية العامة، وأصبح هو نفسه تجسيداً لقانون الطبيعة ولحركة المادة وتحول إلى مرجعية ذاته، وقانون ذاته، ومعيارية ذاته، وغائية ذاته، ومن ثم أصبح من حقه أن يحوسل العالم كله وجميع شعوب الأرض لخدمة صالحه كما عرَّفه هو. وبذا تحوَّلت الإنسانية (الهيومانية) الغربية إلى إمبريالية وأداتية ثم إلى عنصرية، وانقسم البشر إلى سوبرمن supermen إمبرياليين يتحكمون في كل البشر والطبيعة، وإلى سبمن subermen دون البشر أداتيين يذعنون لإرادة السوبرمن ولقوانين الطبيعة والمادة. وهذا ما نسميه «النفعية الداروينية» وهي المنظومة التي تذهب إلى أن من يملك القوة له «الحق» في أن يوظِّف الآخرين لخدمة مصالحه، مستخدماً في ذلك آخر المناهج العلمية وأحدث الوسائل التكنولوجية، متجرداً من أية عواطف أو أخلاق أو أحاسيس كلية أو إنسانية باعتبار أن الإنسان إن هو إلا مادة في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، ومن ثم فمثل هذه الأحاسيس هي مجرد أحاسيس ميتافيزيقية أو قيم نسبية مرتبطة بالزمان والمكان، وليس لها أية ثبات أو عالمية.

стр. 2052

وتتبدَّى مادية هذه المنظومة وواحديتها في عدد من المصطلحات التي حققت قدراً من الذيوع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين أخذت المنظومة في التبلور وحينما تحددت معالم المشروع الإمبريالي الغربي والنظرية العرْقية الغربية. ومن أهم هذه المصطلحات، من منظور هذه الدراسة، ما يلي: «المادة البشرية» (بالإنجليزية: هيومان ماتيريال human material) - «الفائض البشري» (بالإنجليزية: هيومان سيربلاس human surplus) - «مادة استعمالية» (بالإنجليزية: يوسفول ماتر useful matter) . فكان يُشار إلى البشر باعتبارهم «مادة بشرية» يمكن توظيفها، أما من لا يمكن توظيفه فكان يُشار إليه باعتباره «مادة بشرية فائضة» (وأحياناً «غير نافعة» ) . وهذه المادة الفائضة كان لابد وأن تُخضع لشكل من أشكال المعالجة، فكانت إما أن تُصدَّر (ترانسفير) أو تُعاد صياغتها أو تُباد إن فشلت معها كل الحلول السابقة. وترد هذه المصطلحات (وغيرها) في كتابات مفكري العنصرية الغربية مثل ماكس نوردو (قبل اعتناقه الصهيونية) وفي الأدبيات النازية (كان أيخمان يشير إلى اليهود المرحلين إلى فلسطين باعتبارهم «من أفضل المواد البيولوجية» ) . وفي الأدبيات الصهيونية (كتاب هرتزل دولة اليهود) . ولنلاحظ أن كل المصطلحات تُضمِر البُعدين الإمبريالي والأداتي، الدارويني والبرجماتي، فالإنسان مادة تُوظَّف، مجرد موضوع، ولكن هناك أيضاً من يُوظِّف، فهو ذات نشطة فعالة. لكن كلاً من الذات الإمبريالية والموضوع الأداتي يدوران في إطار الرؤية المادية الواحدية. فالسوبرمن والسبمن ينتميان إلى عالم وثني حلولي كموني.

стр. 2053

ولا يزال هذا هو المفهوم السائد للنفس البشرية، رغم تواري المصطلحات التي تُعبِّر عن المفهوم بشكل متبلور. ومع هذا يُفصح النموذج عن نفسه بشكل فاضح، وتعاود المصطلحات الشفافة الظهور. ففي عام ١٩٩٦ تكشفت فضيحة تخلي حكومة الولايات المتحدة عن بعض عملائها من الفيتناميين ممن تم تجنيدهم ليعملوا كجواسيس لحسابها. وممن قبضت عليهم المقاومة الفيتامينية، إذ أنها بدلاً من أن تحاول العمل على الإفراج عنهم، آثرت الراحة وأعلنت أنهم لاقوا حتفهم حتى يُغلَق ملفهم تماماً ولا تُصدع رأسها. وقد برَّر أحد الجنرالات الأمريكيين موقف حكومته بقوله إن هؤلاء العملاء أصبحوا بعد القبض عليهم مجرد «ممتلكات لا قيمة لها» (بالإنجليزية: أن فايابل أستس unviable assets) ، أي مادة بشرية فائضة لم يعد لها نفع بالنسبة للسوبرمان الذي قام باستخدامها. وهذه هي النواة المعرفية والأخلاقية الأساسية للحضارة الغربية الحديثة. وهي نواة نمت وترعرعت وعبَّرت عن نفسها من خلال ثنائية الإمبريالي والأداتي، والسوبرمان والسبمان، فتزايدت معدلات اليقينية العلمية من ناحية، الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد إحساس الإنسان الغربي بذاته وبقوة إرادته ومقدرته على البطش (خصوصاً بين النخبة الإمبريالية الحاكمة) . كما تزايدت في الوقت نفسه معدلات النسبية المعرفية والأخلاقية، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور حس الإنسان الغربي الخُلقي وضمور قدرته على اتخاذ القرار، كما عَمَّقت قابليته للإذعان للقانون الموضوعي العام المجرد (اللاإنساني) كقيمة مطلقة لابد من العمل بمقتضاها والسير بهديها دون تساؤل (خصوصاً بين الجماهير) .

стр. 2054

وسنورد فيما يلي بعض العناصر التي ساعدت على تعميق هذا الاتجاه العام في الحضارة الغربية. وتجدر ملاحظة أن كثيراً من العناصر التي سنوردها قد يكون لها وجهان أحدهما إمبريالي (بالنسبة للسوبرمن) والآخر أداتي (بالنسبة للسبمن) ، فالوجهان متداخلان، وإن كان هناك من يُوظِّف فلابد أن يوجد من يُوظَّف: ١ ـ تصاعدت معدلات المشيحانية (أو المهدوية) العلمية أو العلموية، أي التبشير بأن التراكم المعرفي العلمي والتقدم التكنولوجي والتنظيم التكنوقراطي الدقيق (المنفصل عن القيمة) سيجعل الإنسان قادراً على التحكم في ذاته وفي واقعه تماماً، وعلى التوصل إلى الحلول النهائية لمشاكله كافة (الاقتصادية والسياسية والفلسفية والنفسية) ، وإلى فرض هذه الحلول النهائية المجردة العلمية الدقيقة (المستمدة من عالم الطبيعة/المادة البسيطة) على الواقع الاجتماعي والإنساني، فيتخلص الإنسان من مشاكله (دفعة واحدة أو تدريجياً) ويستأصل كل ما يقع خارج حدود الحل النهائي أو يعوقه عن التحقق أو يعوق ظهور الإنسان الجديد الكامل (الذي يختلف عن الإنسان كما نعرفه) . فهذا الإنسان الكامل يتحكم في نفسه تماماً، ويبرمجها، أو يمكن برمجته. ومن هنا ظهر الاهتمام بعلوم جديدة مثل تحسين النسل (والهندسة الوراثية) . ومن هنا العداء الشديد للتشوهات الخلقية وللأمراض النفسية، بل فكرة المرض نفسها باعتبارها تعبيراً عن الانحراف عن المعيار الطوباوي النهائي. ولكن حينما يُهيمن هذا المعيار يتم تأسيس الفردوس الأرضي، اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، دولة النعيم المقيم في الأرض المؤسس على العلم والتكنولوجيا، وتُعلَن نهاية التاريخ والإنسان كما نعرفه. وهذا الحل النهائي سيعفي الإنسان من مسئولية الاختيار الأخلاقي إذ أن كل شيء سيكون مخططاً مبرمجاً، خاضعاً لهندسة اجتماعية صارمة، وتحت السيطرة السياسية والتكنوقراطية الكاملة. ولنا أن نلاحظ أنه سيكون هناك دائماً نخبة من السوبرمن

стр. 2055

تقرر طبيعة الحل أو البرنامج النهائي ومتى يمكن إعلان نهاية التاريخ وكيفية اتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول لتلك اللحظة، وإلى جانب النخبة ستوجد قاعدة عريضة من السبمن يُدْفَع بها دفعاً نحو اليوتوبيا. ٢ ـ ظهور أيديولوجيات علمانية شاملة (مثل الماركسية أو الاشتراكية العلمية والفاشية والنازية) ذات طابع مشيحاني قوي وذات رؤية خلاصية تدور حول مطلق علماني مادي شامل، وتنطلق من الإيمان بالعلم والتكنولوجيا والتنظيم. هذا لا يعني أن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى ترفض العلم مصدراً وحيداً للوصول إلى المعرفة ولتوليد القيم فهذا هو إطارها المرجعي الوحيد، ولكن ما يحدث مع أيديولوجيات مثل النازية والماركسية (في نزعتها الستالينية) أن منطق العلمانية الشاملة يُعبِّر عن نفسه بشكل كامل يتسم بدرجة عالية من التبلور، خصوصاً حينما يسانده جهاز الدولة المركزية الحديثة.

стр. 2056

٣ ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة الشاملة، لم يَعُد من الممكن تصنيف البشر على أساس ديني (متجاوز للقوانين الطبيعية/المادية) ، فلم يكن ثمة مفر من تصنيفهم على أساس مادي موضوعي طبيعي كامن (حالّ) فيهم، وليس مفارقاً لهم. ولهذا، طُرح الأساس البيولوجي العرْقي أساساً وحيداً وأكيداً لتصنيفهم. وتم المزج بين هذه النظرية شبه العلمية ونظرية أخرى شبه علمية وهي الداروينية الاجتماعية، وكانت الثمرة هي النظرية الغربية في التفاوت بين الأعراق ذات الطابع الدارويني. وتُقسِّم هذه النظرية الجنس البشري بأسره إلى أعراق لكلٍ منها سماته التي يمكن تحديدها علمياً. ومن ثم يمكن تصنيف البشر إلى أعراق راقية عليا: الآريون وبخاصة النورديون، وأعراق دنيا: الزنوج والعرب واليهود. وتَفوُّق العنصر الآري الأبيض على كل الشعوب الأخرى يعطيه حقوقاً مطلقة كثيرة تتجاوز أية منظومات قيمية وأي حديث عن المساواة. وكلمة «آريان Aryan» ، أي «آري» ، مشتقة من اللغة السنسكريتية ومعناها «سيِّد» . وقد استُخدم المصطلح في بداية الأمر للإشارة إلى مجموعة من اللغات الإيرانية ثم الهندية الأوربية، إذ طرح العالم الألماني ماكس مولر (١٨٢٣ ـ ١٩٠٠) نظرية مفادها أن هناك جنساً يُسمَّى «آرياس» كان يتحدث اللغة الهندية الأوربية التي تفرعت عنها اللغات الهندية الأوربية الأخرى جميعاً ابتداءً بالهندوستانية وانتهاء بالإنجليزية. كما استُخدم المصطلح للإشارة إلى الشعوب الهندية الأوربية التي انتشرت في جنوب آسيا وشمال الهند في العصور القديمة. وكان جوزيف جوبينو (١٨١٦ ـ١٨٨٢) من أهم المفكرين الذين أشاعوا هذه الفكرة، فكان عادةً ما يضع الآريين مقابل الساميين، وكان ثمة تَرادُف مُفترَض بين الآرية والهيلينية مقابل السامية.

стр. 2057

وقام المفكرون العرْقيون الغربيون بتطوير المفهوم فذهبوا إلى أن هذا الجنس الآري انتشر من شمال الهند وإيران عبر الإستبس، إلى أوربا، وهو جنس يتسم ـ حسب نظريتهم ـ بالجمال والذكاء والشجاعة وعمق التفكير والمقدرة على التنظيم السياسي، وبأنه المؤسس الحقيقي للحضارة وبتفوقه على الساميين والصفر والسود. ونبه هيوستون ستيوارت تشامبرلين (١٨٥٥ ـ ١٩٢٧) إلى أن النورديين هم أرقى الآريين، فهم الجنس السيد، أما اليهود والسود والعرب فيشغلون أدنى درجات السلم العرْقي. بينما ذهب دعاة النظرية العرْقية إلى أن التزاوج بين أعضاء الأجناس المختلفة يؤدي إلى تدهور العرْق الأسمى الذي يجب أن يحتفظ بنفسه قوياً نقياً حتى يضمن لنفسه البقاء والتماسك العضوي. وبطبيعة الحال، صُنِّف أعضاء الأجناس الأدنى باعتبارهم غير نافعين من منظور المطلق العرْقي (الشعب العضوي) لأنهم خطر على تماسك الشعب (أو العرْق) وعلى تجانسه، وعدم التماسك يؤذي المصلحة العليا للدولة لأن التماسك يؤدي إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية، وإلى زيادة قوة الدولة في مقدرتها على البقاء والانتشار والهيمنة. ٤ ـ مع تَصاعُد معدلات العلمنة ظهرت كذلك فكرة الفولك أو الشعب العضوي الذي تربطه بأرضه وثقافته رابطة عضوية حتمية لا تنفصم عراها، وهنا تحل الرابطة الإثنية محل الرابطة العرْقية، ولكنها لا تختلف عنها في كمونيتها وحتميتها وفي تحولها إلى أساس تأكيد التفاوت بين الشعوب. ويُلاحَظ أن الشعب العضوي باعتباره قيمة مطلقة ومرجعية ذاته يتجاوز كل القيم، ولكن صفة المطلق هنا لا تنسحب على الإنسان باعتباره فرداً قادراً على الاختيار الأخلاقي الحر وإنما على مجموعة من البشر لها سماتها الجماعية ومصالحها المشتركة وحقوقها المطلقة!

стр. 2058

٥ ـ تزايدت معدلات النسبية المعرفية، فعالم الطبيعة/المادة هو عالم حركي لا ثبات فيه ولا حدود، بحيث أصبح الإنسان يشك في وجود أية حقيقة يقينية. وهذا الشك لا ينصرف إلى الحقيقة وحسب وإنما إلى الموضوع ثم إلى الذات. وقد انتهى الأمر بالفلسفة الغربية إلى إنكار الكليات والميتافيزيقا وظهرت الفلسفة المعادية للفلسفة والميتافيزيقا وأي شكل من أشكال الثبات، بما في ذلك ثبات الطبيعة البشرية. وهي فلسفة النسبية المعرفية الكاملة التي تصل إلى حالة من السيولة الكاملة وتنكر الذات والموضوع والمركز ومفهوم الطبيعة البشرية وإمكانية المعرفة والأخلاق وأي شكل من أشكال المعيارية (ما بعد الحداثة) . ورغم أن النازية تسبق ظهور ما بعد الحداثة بعدة أجيال إلا أن كثيراً من العناصر التي أدَّت إلى ظهور ما بعد الحداثة كانت قد تشكلت وتبلورت وكانت الفلسفة الغربية قد دخلت عصر السيولة. ولعله ليس من قبيل الصدفة أن هايدجر، بنزعته النيتشوية، والذي خرجت ما بعد الحداثة من تحت عباءته، أيَّد النازية بلا تحفظ، وكان النازيون يعتبرونه فيلسوفهم. ٦ ـ تَزايُد معدل انفصال الحقائق والعلم الطبيعي عن القيمة، والتجريب عن العقل، بحيث أصبح التجريب، المنفصل عن أية غائيات إنسانية أو أخلاقية، هدفاً في حد ذاته. وترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى العلم المحايد، المتجرد تماماً من القيمة. ولكن هناك دائماً من يقرر القيمة ونوعية التجارب التي ستُجرى. ٧ ـ تعاظمت قوة الدولة المركزية وهيمنتها وتحويلها ذاتها إلى مطلق، ومن ثم أصبح الدفاع عن مصلحة الدولة القومية (ظالمة كانت أم مظلومة) مسألة لا تقبل النقاش ولا تخضع لأية معيارية، والانحراف عن هذا الهدف النهائي المطلق هو الخيانة العظمى وعقوبتها الإعدام. ويُلاحَظ أن مصطلحات مثل «مصلحة الدولة العليا» ليس لها مضمون أخلاقي، وتَقبُّلها يعني تَقبُّل المجردات غير الإنسانية.

стр. 2059

٨ ـ ظهرت مؤسسات بيروقراطية قوية (حكومية وغير حكومية) تولت كثيراً من الوظائف التي كانت تتولاها الأسرة في الماضي، وتقوم بعملية الاختيار بالنيابة عن الإنسان الفرد الأمر الذي يعني تَزايُد ضمور الحس الخلقي وانكماش ما يُسمَّى «رقعة الحياة الخاصة» . ٩ ـ كانت هذه المؤسسات ترى نفسها ذاتاً مطلقةً تُعبِّر عن مصلحة الدولة (التي تُعبِّر عن إرادة الشعب) وقد جعلت جل همها أن تنفِّذ المطلوب منها تنفيذه بأقل التكاليف وأكثر الوسائل كفاءة، دون أخذ أية اعتبارات خُلقية في الاعتبار. ١٠ـ تزايدت معدلات الترشيد والتنميط والميكنة وهيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية على المجتمع بكل ما ينجم عن ذلك من ترشيد للبيئة المادية والاجتماعية وترشيد للإنسان من خارجه وداخله. ١١ ـ تَصاعَد نفوذ مؤسسات الدولة المركزية «الأمنية» البرانية والجوانية وزادت مقدرتها على قمع الأفراد وتوجيههم «وإرشادهم» من الداخل والخارج. ورغم أهمية مؤسسات القمع المباشر البراني مثل المخابرات والبوليس السري، إلا أن المؤسسات الأمنية الجوانية، مثل المؤسسات التربوية والإعلام، كانت تفوقها في الأهمية. فإذا كانت المؤسسات البرانية تقوم بتوجيه الفرد بغلظه من الخارج، فالمؤسسات الثانية تقوم بترشيده من الداخل ببطء وبشكل روتيني يومي لا يشعر هو به حتى يصل به الأمر إلى تَمثُّل، ثم استبطان، رؤية الدولة تماماً، فينظر إلى الواقع من خلال عيونها دون حاجة إلى قمع خارجي، ويحيِّد ذاته وحسه الخلقي، ويصبح المجتمع أو الدولة أو العلم الطبيعي المصدَر الوحيد للقيمة المطلقة، وفي نهاية الأمر ينظر إلى نفسه باعتباره جزءاً من آلة كبرى، وتصبح مهمته الأساسية، وربما الوحيدة، هي التكيف البرجماتي مع دوران الآلة.

стр. 2060

١٢ ـ تزايدت معدلات التجريد في المجتمع، ومن المعروف أن عمليتي التجريد والترشيد هما عمليتان متلازمتان، إذ لا يمكن الترشيد دون تجريد، أي نزع الصفات الخاصة عن الشيء والتركيز على الصفات العامة فيه والتي تجمع بينه وبين الأشياء الأخرى حتى يتسنى استيعابه داخل الآلة الاجتماعية. ويؤدي التجريد إلى ابتعاد الواقع الحي بحيث لا يدركه المرء بشكل مباشر متعين له قيمة، إذ يصبح شيئاً له مواصفات محددة يمكن تقسيمه إلى أجزاء يمكن استبدال بعضها، وينطبق هذا على البشر انطباقه على الأشياء. ويرى أورتيجا جاسيت أن عملية التجريد مرتبطة تمام الارتباط بعملية نزع الصبغة الإنسانية (بالإنجليزية: دي هيومانايزيشن dehumanization) . وقد نجحت عمليات التجريد المتزايدة في جعل القيمة الأخلاقية شيئاً بعيداً للغاية لا علاقة له بفعل الإنسان المباشر. ولنضرب مثلاً من صناعة الأسلحة الكيماوية الفتاكة: تُقسَّم عملية إنتاج المبيد البشري إلى عدة وظائف صغيرة، كل وظيفة تُشكِّل حلقة تؤدي إلى ما بعدها وحسب. ولأنها مجرد حلقة، فهي محايدة تماماً ولا معنى لها، إذ لا يوجد أي مضمون خلقي لعملية إضافة محلول لآخر. ومن ثم، تظل النهاية الأخلاقية (حرق البشر وإبادتهم) بعيدة للغاية. والعامل أو الموظف المسئول عن هذه الحلقة سيبذل قصارى جهده في أداء عمله الموكل إليه دون أية أعباء أخلاقية، ومن ثم تستمر الآلة الجهنمية في الدوران من خلال الحلقات والتروس، ولا يتحمل أي شخص مسئولية إبادة البشر، إذ أن مسئولية العامل أو الموظف مسئولية فنية تكنوقراطية وليست مسئولية أخلاقية.

стр. 2061

١٣ ـ ومن المظاهر الأخرى للتجريد في المجتمع الحديث ممارسة العنف عن طريق مؤسسات متخصصة تقوم بتحقيق أهدافها بشكل مؤسسي رشيد (أي مقنن) ومنظم لا دخل فيه للعواطف. وعادةً ما تتم عمليات التعذيب وغيرها من أعمال العنف بعيداً عن الناس في أطراف المدينة، داخل مكاتب أنيقة تم تقسيمها بعناية فائقة. وعادةً ما يتم التعذيب بأساليب علمية بحيث لا يترك أثراً على جسد الضحايا. وإن تم قتلهم فعادةً ما يمكن التخلص من جثثهم بطريقة نظيفة عالية الكفاءة. ١٤ ـ تظهر عمليتا التجريد والترشيد في استجابة البشر للعنف والإبادة، إذ تحل الحسابات الرشيدة محل الاستجابة التلقائية والعواطف بحيث يمكن للإنسان أن يكبت أية أحاسيس بالشفقة أو الانفعال الغريزي داخله أو الإحساس التلقائي المباشر ويَحل محل ذلك كله قدر عال من الانضباط والتخطيط.

стр. 2062

ويمكن القول بأن ما تم إنجازه في الحضارة الغربية الحديثة هو القضاء على الشخصية التقليدية ذات الولاء لمطلق خُلقي ثابت يتجاوز عالم المادة والتاريخ (ومن ثم فهي شخصية تعيش في ثنائيات وتعددية) وحلَّت محلها الشخصية الحركية المتغيرة والمتقلبة مع حركة المادة، التي لا ولاء عندها لأية ثوابت أو مطلقات والتي تحررت من أية قيم أو غائية، فهي تعيش في عالم الواحدية المادية المعقم من القيم المتجاوزة. هذه الشخصية يمكن أن تتبدَّى من خلال إمبريالية داروينية مليئة باليقينية العلمية توظِّف الكون (الطبيعة والإنسان) لصالحها، ويمكن لها أن تتبدَّى من خلال إذعان أداتي فتصبح شخصية نمطية تعاقدية برجماتية ذات بُعد واحد، تستبطن تماماً النماذج السائدة في المجتمع والتي تروجها الأجهزة الأمنية للمجتمع وضمن ذلك الإعلام، وهي شخصية نسبية هزيلة مهتزة لا تثق في ذاتها ولا رؤيتها ولا هويتها ولا منظوماتها ولذا يتحدد تَوجُّهها حسب ما يصدر لها من أوامر تأتي لها من عل، ويتحدد ولاؤها استناداً إلى المصلحة المادية المتغيرة التي يتم تعريفها مدنياً وقومياً وعلمياً وموضوعياً (من خلال الجهات المسئولة واللجان المتخصصة والسوبرمن) ومن ثم يمكنها أن تطيع الأوامر البرانية وتنفذ التعليمات بدقة متناهية. وهي شخصية ذات عقل أداتي لا تفكر في الغايات وإنما في الوسائل والإجراءات وحسب، وفي أحسن السبل لإنجاز ما أوكل لها من مهام دون تساؤل عن مضمونها الأخلاقي أو هدفها الإنساني.

стр. 2063

وحينما ظهرت هذه الشخصية، أصبح من الممكن أن تقرر الدولة وأعضاء النخبة إبادة عناصر غير نافعة في المجتمع (الفائض البشري) أو في وطن آخر أو قارة بأسرها تشكل مجالاً حيوياً للدولة صاحبة القرار. ولم يعد هذا جريمة إذ لا توجد قوانين مطلقة خارجة عن الدولة، أو هي «جريمة قانونية مشروعة» ،إن صح القول، تكتسب مشروعيتها من أن الدولة توافق عليها وتباركها، بل تشجع عليها وتضرب على يد كل من يعارضها أو يحجم عن اقترافها. وهناك على كلٍّ المؤسسات المتخصصة لتنفيذ الجريمة، وهي مؤسسات بيروقراطية منفصلة عن القيمة، تتجاوز الخير والشر، ولا تسأل عن السبب وإنما عن الوسيلة (أي أنها ملتزمة بالترشيد الإجرائي وأخلاقيات الصيرورة) ، والعاملون في مثل هذه المؤسسات لا يتخذون قرار قتل الأطفال، على سبيل المثال، بأنفسهم، ولا ينفذون جريمة القتل بأيديهم فاللجان المتخصصة التي تضم السوبرمن تجتمع على أعلى مستوى وتناقش المسألة بطريقة علمية وبيروقراطية وفي لغة محايدة وتتخذ القرارات في ضوء ما تراه هي الصالح العام. ثم يصدر الأمر في نهاية الأمر، لا بالقتل أو التصفية الجسدية وإنما بالقيام بعمليات «التطهير العرْقي» أو «الحل النهائي» أو خدمة «مصلحة الدولة العليا» . ثم يُقسَّم القرار إلى مئات التفاصيل التي يقوم بها آلاف الموظفين التنفيذيين من الجنود والعمال والفلاحين والمهنيين الذين لن يشعروا بهذا الطفل الذي سيُقتَل في غابات فيتنام أو في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو في معسكرات الاعتقال النازية.

стр. 2064

وحتى إذا شعر الإنسان في أعماق أعماقه بلا أخلاقية القرار، فسوف يكون قد تعلم من الآليات ما يجعله قادراً على إسكات حسه الخُلقي. فالإنسان الحديث أصبح بوسعه، بحسه العملي، ومن خلال الحسابات الرشيدة والتسويغ العلمي الموضوعي المحايد الصارم والنسبية الكاملة التي تجعل الأمور متساوية، تبرير أي شيء وقبول أي وضع، فتمكن التضحية بالجزء في سبيل الكل، والأقلية في سبيل الأغلبية، والمرضى في سبيل الأصحاء، والعجزة في سبيل الشباب. ومع سيطرة حب البقاء، باعتبار أن البقاء قيمة مطلقة، فإن الجميع يمكن أن يتعاونوا مع الدولة من قبيل تقليل الخسائر (إذ لا توجد قيم مطلقة أو مرجعية متجاوزة يمكن للفرد أن يؤمن بها ويموت من أجلها ويحاكم البشر والأمم كافة من منظورها) . ثم تتكفل المؤسسات الإعلامية للدولة بتصفية كل ما تبقى من أحاسيس إنسانية أو أخلاقية "متخلفة" تشكل ثنائية لا تريد أن تختفي. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة (في جانب هام من جوانبها) هي تعبير عن التراجع التدريجي والمستمر للفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تؤكد استقلالية الإنسان عن الطبيعة/المادة ومقدرته على تجاوزها وعلى تطوير منظومات قيمية ومعرفية تضعه في مركز الكون. هذا التَراجُع يقابله تَصاعُد مستمر ومطرد للحلولية الكمونية المادية (أي الواحدية المادية أو وحدة الوجود المادية أو العلمانية الشاملة) التي تُهمِّش الإنسان ومنظوماته المعرفية والأخلاقية جميعاً وتُسوِّيه بالظواهر الطبيعية وترده إلى عناصره الأولية المادية، أي تقوم بتفكيكه وتذويبه تماماً في الطبيعة/المادة، فتلغيه وتبيده ككائن له قيمة مطلقة، مستقل عن قوانين الحركة الطبيعية/المادية.

стр. 2065

وقد يكون من المفيد والطريف في الوقت نفسه أن نربط مصطلحي «الإبادة» (بالإنجليزية: إكسترمينيشن extermination) و «التفكيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) بمجموعة من المصطلحات الأخرى التي استخدمها علم الاجتماع الغربي لوصف بعض الجوانب السلبية للحداثة الغربية، وكلها ت فيد تهميش وتفكيك وتَراجُع وضمور وذبول وغياب الإنساني والأخلاقي لصالح ما هو غير إنساني ومحايد ومتشيئ: ١ ـ «دي سنترينج مان decentering man» أي «إزاحة الإنسان عن المركز» ، بمعنى «إفقاد الإنسان مركزيته في الكون» . ٢ ـ «دي برسونالايزيشن depersonalization» أي «إسقاط السمات الشخصية» . ٣ ـ «ديس انتشانتمنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» أي «تحرير العالم من سحره وجلاله» ، بمعنى أن يصبح العالم مادة محضة لا أسرار فيها، يمكن للعقل الإحاطة بها ومعرفة قوانينها والتحكم فيها. ٤ ـ «دي سانكتيفيكيشن desanctification» أو «دي ساكرالايزيشن desacralization» أي «نزع القداسة عن الظواهر كافة [ومنها الإنسان] بحيث تصبح لا حرمة لها وينظر لها نظرة مادية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة» . ٥ ـ «دي ميستفيكيشن demystification» أي «نزع السر عن الظواهر [بما في ذلك الإنسان] » . ٦ ـ «دي نيودينج denuding» أي «تعرية كل الظواهر من أية مثاليات [ومنها الإنسان] حتى تظهر على حقيقتها المادية» . ٧ ـ «دي هيومانايزيشن dehumanization» أي «تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» .

стр. 2066

وهكذا تبدأ عملية العلمنة الشاملة (بعد المرحلة الإنسانية الهيومانية الأولى) بإزاحة الإنسان عن المركز ثم نزع الجوانب الشخصية عنه بحيث يصبح شيئاً ليست له خصوصية أو تفرُّد. ثم «يُحرَّر» العالم من سحره وجماله فيصبح الإنسان والطبيعة مادة محضة، ثم تنزع عنه كل قداسة وتُهتَك كل أسراره، ويُعرَّى من أية مثاليات لنصل إلى نوع من أنواع الإباحية الأخلاقية المعرفية إذ يصبح الإنسان لحماً يُوظَّف في مزارع البيض في الجنوب الأمريكي أو مصانع الرأسماليين في لندن أو يُرسل إلى معسكرات السخرة والإبادة في ألمانيا أو يُصوَّر في مجلات إباحية في كل أو أي مكان. والمحصلة النهائية لكل هذا هي نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان وتحويله إلى مادة محضة، قابلة للحوسلة. وهذه هي قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل. ونحن نربط كل هذه المصطلحات وغيرها بمصطلح «نهاية التاريخ» باعتبار أن نهاية التاريخ هي النقطة التي يتم التحكم فيها في كل شيء وينتهي الإنسان كما نعرفه، أي الإنسان الذي يشغل مركز الكون متجاوزاً النظام الطبيعي. ونحن لا نزعم أن الرؤية الواحدية المادية تؤدي حتماً وبشكل مطلق إلى الإبادة والتفكيكية. كل ما نؤكده أن مثل هذه الرؤية تخلق التربة الخصبة لانتشار الآراء النفعية الداروينية المادية التي تترعرع فيها الاتجاهات والأفكار الإبادية والتفكيكية وتتحقق. الآريون Aryans انظر: «الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة» . تحول الإمكانية الإبادية إلى حقيقة تاريخية Historical Realization of the Genocidal Potential

стр. 2067

هذه القابلية أو الإمكانية الكامنة للإبادة، ولتفكيك الإنسان لعناصره المادية الأساسية لاستخدامها على أكمل وجه، تحققت أول ما تحققت بشكل جزئي وتدريجي في التجربة الاستعمارية الغربية بشقيها الاستيطاني والإمبريالي. فقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة، وحَوَّل الإنسان الغربي نفسه إلى سوبرمان له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر، ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مجال حيوي لحركته ونشاطه وتحويل العالم بأسره إلى مادة خام، طبيعية أو بشرية. فاعتُبرت شعوب آسيا وأفريقيا (الصفراء والسوداء المتخلفة) مجرد سبمن، مادة بشرية تُوظَّف في خدمته، كما اعتُبر العالم مجرد مادة طبيعية تُوظَّف في خدمة دول أوربا وشعوبها البيضاء المتقدمة، واعتُبرت الكرة الأرضية مجرد مجال حيوي له يصدِّر له مشاكله. بل لم تفرق الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة في نهاية الأمر بين شعوب آسيا وأفريقيا وشعوب العالم الغربي، فالجميع مادة بشرية، نافعة أو غير نافعة، ضرورية أو فائضة. فكان العمال يُنظر لهم باعتبارهم مادة بشرية نافعة، ومصدراً لفائض القيمة، أما المتعطلون فهم مادة بشرية فائضة. وصُنِّف المجرمون (وفي مرحلة أخرى، المعوقون والمسنون) مادةً بشريةً غير نافعة. وهذه المادة يجب أن «تُعالج» ، وكانت الوسيلة الأساسية للمعالجة هي تصدير المادة البشرية الفائضة إلى مكان آخر لتحويلها إلى مادة نافعة إن أمكن (مع عدم استبعاد «الحلول الأخرى» إن استلزم الأمر) . وكانت أولى عمليات " المعالجة " هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى تهدف جميعاً إلى تحقيق صالح الإنسان الغربي: ـ نقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة.

стр. 2068

ـ نقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب. ـ نقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ) . ـ نقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها. ـ نقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (خصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير ١٣٢ ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول «هجرة» لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً) . ـ مع ظهور فكر حركة الاستنارة في الغرب تم تعريف الناس حسب نفعهم للمجتمع والدولة وقد طُبِّق هذا المعيار على كل المواطنين وبخاصة أعضاء الأقليات. فتم تقسيم اليهود في كثير من البلاد الغربية ـ كما أسلفنا ـ بحيث أصبح غير النافعين قابلين للترحيل.

стр. 2069

ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق. فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين) ، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية) ، وفلسطين كذلك مادة، فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة تُطلَق عليه كلمة «الأرض» . فتم نقل العرب من فلسطين ونُقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي. ـ تمت عمليات ترانسفير ضخمة بعد الحرب العالمية الأولى، فنُقل سكان يونانيون من تركيا إلى اليونان، وسكان أتراك من اليونان إلى تركيا، كما نُقل سكان ألمان من بروسيا الشرقية بعد ضمها إلى بولندا. وهذه العمليات هي التي أوحت لهتلر بعمليات نقل اليهود خارج الرايخ. بل إنه في السنين الأخيرة من حكم الرايخ طوَّر هملر جنرال بلان أوست Generalplan Ost لنقل ٣١ مليوناً «غير ألمان» من أوربا الشرقية وتوطين ألمان بدلاً منهم. وما يهمنا في هذا كله هو نزع القداسة عن البشر كافة (في الشرق والغرب) وتحويلهم إلى مادة استعمالية ليست لها قيمة مطلقة، ولا علاقة لها بأية معيارية. ولكن لنركز على التجربة الاستيطانية الغربية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهي تجربة كانت تفترض ضرورة إبادة تلك العناصر البشرية الثابتة التي كانت تقف عقبة كأداء في طريق الإنسان الغربي وتحقيق مشروعه الإمبريالي. وقد قبلت الجماهير الأوربية عملية الإبادة الإمبريالية وساهمت فيها بحماس شديد، لأن هذه العملية كانت تخدم مصالحها، كما أوهمتها الدول الإمبريالية ذات القبضة الحديدية في الداخل والخارج.

стр. 2070

وتُعدُّ العقيدة البيوريتانية (أو التطهرية) ، عقيدة المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية، هي أولى الأيديولوجيات الإمبريالية الإبادية التي كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة. فكان هؤلاء المتطهرون يشيرون إلى هذا الوطن الجديد باعتباره «صهيون الجديدة» أو «الأرض العذراء» فهي «أرض بلا شعب» . وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم «عبرانيين» ، وللسكان الأصليين باعتبارهم «كنعانيين» أو «عماليق» (وكلها مصطلحات توراتية إبادية، استخدمها معظم المستوطنين البيض فيما بعد في كل أرجاء العالم متجاهلين تماماً القيم المسيحية المطلقة مثل المحبة والإخاء) .
следующие страницы →